القميشات، كما أن الحزمة ينتمون إلى الفلتة، أما ذوي حسب الله فإنهم ينتمون إلى ذوي زياد، وبهذا نعلم أن السلاقي من صرار بن نفيع بن رائق.
(٩) العيلة:
ذكر الشيخ سنان عبد الله بن عبد الله بن حاسن أن العيلة هؤلاء من ذوي سنان النخشة وهذا ما أكده بعض الرواة.
(١٠) زايد:
وهم قريبو النسب مع ذوي زياد وقد يكونون إخوة من سلالة نفيع بن رائق.
عتيبة مع الملك/ عبد العزيز آل سعود
في نهاية السرد عن عُتَيْبة، يجدر بنا أن نؤكد أن قبائل عُتَيْبة كانت دائمًا سبّاقة في الجهاد والنضال لخدمة وطنها وعروبتها، وكان منها مئات المجاهدين إبان الثورة العربية على الأتراك العثمانيين بعد عام ١٩١٦ م.
وكانت عُتَيْبة من القوات الرئيسية في جيوش الملك/ عبد العزيز موحِّد الجزيرة العربية، وتطوع آلاف المقاتلين العُتبان (الإخوان) في فيالق ابن سعود، وخاضوا أروع وأشرف ملاحم البطولات في سبيل توحيد شبه الجزيرة بعون الله وتحت قيادة صقر الجزيرة، والتاريخ المشرِّف لهذه القبائل لايحتاج إلى إطراء ﷺ ولا شك أنه معروف للجميع.
стр. 4587
ثقيف
نسب ثَقِيف:
اختلف النسابون في نسبهم، فمِنْ رأي يؤكد نسبهم إلى بني إياد العدنانية، وقد رجحنا ذلك في المجلد الأول من الموسوعة (١)، ورأي آخر وهو جمهرة المؤرخين والنسابين، ينسبهم في قيس عَيْلان من مُضَر العدنانية، ومنهم من يؤكد أنهم من ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان.
ما قاله المؤرخون والنسابون عن ثقيف
(١) ما قاله ابن حزم الأندلسي (٢):
هؤلاء بنو مُنَبِّه بن بكر بن هوازن بن منصور: قُسيّ وهو ثقيف. فولد قُسي بن منبه بن بكر: جُشَم، وعوف، ودارس، والأخير دخل ولده في الأزد. فولد جُشم بن قسي: حطيط، فولد حطيط: مالك، وغاضرة؛ منهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن الحارث بن مالك بن حطيط، صاحب لواء المشركين يوم حُنين، وقُتل يومئذ كافرًا، ومن ولد عثمان هذا: عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان، وهو الذي يقال له ابن أم الحكم بنت أبي سفيان، أخت معاوية ﵀ ولي الكوفة، وعقبه بدمشق، وابنه كان الحُرَّ بن عبد الرحمن أمير الأندلس لسليمان بن عبد الملك، إثر قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير،
стр. 4588
وإليه ينسب بلاط الحُرّ بشرقي قرطبة (الأندلس)، عثمان، والحكم، والمغيرة، وحفص، وأبو عثمان، وأمية، بنو أبي العاصي بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار (١) بن مالك بن حطيط بن جُشم بن قسي، أعقابهم بالبصرة، ولهم شرف وعدد بها؛ وعثمان منهم من خيار الصحابة، ولاه رسول الله ﷺ الطائف، وغزا فارس وثلاثة من بلاد الهند، وله فتوح، وإليه ينسب شط عثمان بالبصرة، وكانت أمه صفية بنت أمية بن عبد شمس، وكانت تحت عثمان بن أبي العاص ريحانة بنت أبي العاصي بن أمية، فولدت له محمد بن عثمان؛ ومن ولده: عبد الوهاب بن عبد المجيد، المحدِّث المشهور، وبنوه: عبد المجيد صاحب ابن المناذر، مات وله عشرون سنة، ولم يعقب، وزياد، وأبو العاصي أمهم بانة بنت أبي العاصي الثقفية، ومحمد أبو الصلت من غيرها، وهو أكبر ولد أبيه، وابن عمهم بشير بن عمرو بن ربيعة بن أبان بن يسار، اتُهم في قتل عروة بن مسعود ﵁.
وهؤلاء بنو عوف بن ثقيف
ولد عوف بن ثقيف: سعد، وغيره، فمن بني سعد بن عوف: مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، وبنوه: معتب بن مالك بن كعب الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى قومه داعيةً إلى الإسلام، فقتلوه ﵀ وأمه سُبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن خالة أمية بن أبي الصلت الشاعر: وله من الولد: عاصم، ومعاوية، وأبو مليح، أسلم قبل إسلام ثقيف، فولد معاوية ابنةً تزوجها الحسن بن علي ﵁، فولدت له عليًّا الأكبر المقتول مع أبيه في كربلاء، وولد عاصم: يعقوب، ونافع، وولد أبو مُرّة: داود:
стр. 4589
أمه ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، وابن أخيه المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب، من أهل بيعة الرضوان، وبنوه: حمزة، وعروة، والمطرف، ويعفور، وعمار، والمغيرة، بنو المغيرة، أم المغيرة بن المغيرة: بنت جرير بن عبد الله البجلي، خرج المطرف منهم على الحجاج منكرًا لجوره، فقتل ﵀ وكان لعُروة بن مسعود، وابنه قارب بن الأسود، أسلم مع أبي مليح. والحجاج بن يوسف، وبنو الحجاج محمد، وعبد الله، وأبان، وسليمان، وللحجاج عقب بالبصرة ودمشق، ومن ولده كان عمر بن عبد الملك بن محمد الحجاج بن يوسف، ولي الولايات أيام الوليد بن يزيد، وعماه: عبد الصمد، وعبد الله، ابنا محمد أيضًا، ولي عبد الصمد دمشق للوليد بن يزيد، ومن ولده بالأندلس ثم بباجة (تونس): بنو منذر بن الحارث بن عيشون بن العلا بن المعلي بن العجلان بن عبد الله بن محمد بن الحجاج بن يوسف، وعبد الله بن عبد الملك بن الحجاج بن يوسف، ولي أيضًا الولايات للوليد بن يزيد، وابن أخي الحجاج يوسف بن محمد بن يوسف، ولي مكة، وأخوه مروان بن محمد بن يوسف ولي اليمن للوليد بن يزيد، والقاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل ولي البصرة للحجاج، وابن أخيه يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب، وابنه محمد بن القاسم الذي فتح بلاد السند وله سبع عشرة سنة، وقتل نفسه في عذاب يزيد بن المهلّب. ومنهم: عبد الله بن أبي عقيل بن مسعود، وكان له قدر بالكوفة، وهشام بن أبي سفيان بن سفيان بن معتب ولي الطائف، وغيلان بن سلمة بن معتب، كانت له وفادة على كِسْرى ورياسة في قومه، وابنه عامر بن غيلان، أسلم قبل أبيه وهاجر، ومات في حياة أبيه في طاعون عمواس، وعمرو بن أمية بن وهب بن معتب، الذي بنى المسجد على
стр. 4590
موضع مصلى رسول الله ﷺ إذ حاصر الطائف، فهو مسجدهم اليوم، وابن عمه الحكم بن عمرو بن وهب، أحد الوفود على رسول الله ﷺ بإسلام ثقيف.
ومن بني غيرة بن عوف بن ثقيف بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان: بنو علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف؛ منهم: المغيرة بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج قتل مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁؛ وكان أبوه من سادات مكة، وابن ابنه: يعقوب بن عتبة بن المغيرة، محدث، والحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج، طبيب العرب، وإليه ينتمي بنو نافع أخي زياد وأبي بكرة لأبيهما، ومن بني عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف: أبو عبيد بن مسعود عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة المقتول يوم الجسر ﵁ وابنه المختار بن أبي عبيد الذي ادعى النبوة بالكوفة، وصفية بنت أبي عبيد، امرأة عبد الله بن عمر ﵄، وسعد بن مسعود، أخو أبي عبيد له صحبه، وللمختار عقب، وابن اسمه جبر بن المختار، وابن آخر اسمه أبو أميه بن المختار، تزوج أم سلمة بنت عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الشاعر، الذي يقول:
إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمةٍ … تُروِّي عظامي عند ذاك عروقها
وهو الذي حدَّ في الخمر، وأبلى في القادسية، ومات بأرمينية، فاتفق أن دفن في كرم ﵀؛ وأمه كنود بنت عبد أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، والشاعر أمية بن أبي الصلت بن ربيعة بن عوف بن عقدة بن غيرة: وبنوه: ربيعة، ووهب، وعمرو، والقاسم، ولي ربيعة بعض الولايات في الإسلام، وكان القاسم شاعرًا، وكانت أم أمية بن أبي الصلت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف القرشية. (انتهى قول ابن حزم).
стр. 4591
(٢) ما قاله أبو العباس أحمد القلقشندي عن ثقيف (١):
بنو ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، واشتهروا باسم أبيهم، فيقال لهم: ثقيف، واسمه قسي بن منبه بن بكر بن هوازن. وأمه أميمة بنت سعد بن هُذَيْل بن مدركة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان.
وزعم بعض النسابين أن ثقيفًا من بقايا ثمود. وكان الحجاج إذا سمع ذلك يقول: كذبوا، ويتلو قال الله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ أي أهلكهم، ولا أبقى منهم أحدًا.
والثقيف في اللغة: الحاذق. ومنه قيل: خل ثقيف، أي شديد الحموضة ومنه أخذ أخذ المثاقف.
قال أبو عبيد: وكان الثقيف من الولد جُشَم، وناصرة.
وقال في العبر: وهو بطن متسع، قال: وكانت منازلهم بالطائف، وهي مدينة من أرض نجد على مرحلتين من مكة في شرقيها وشماليها، وكانت في القديم للعمالقة، ثم نزلتها ثمود قبل وادي القرى، ومن هنا قيل: إن ثقيفًا كانت من بقايا ثمود، ويقال: إن الذي سكنها بعد العمالقة قبيلة عَدوان من قيس عيلان، ثم غلبتهم عليها ثقيف، وهي إلى الآن دارهم منذ الجاهلية، وربما قيل إنهم موالي لهوازن، وموالي أي حلفاء. ويقال: إنهم من إياد بن نزار.
ومن ثقيف الحجاج بن يوسف الثقفي، عامل عبد الملك بن مروان الأموي على العراق، وهو الذي قتل عبد الله بن الزبير بن العوام وصلبه في جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، وأسرف الحجاج الثقفي في القتل حتى بلغ عدد القتلى ما يخرج عن الحصر. (انتهى).
стр. 4592
قلت: والحجاج معروف في التاريخ أنه سفاك للدماء، ويشبه للسفاح العباسي الهاشمي مؤسس الدولة العباسية عندما أسرف في قتل بني أمية وأتباعهم، حتى كاد أن يفنيهم من على وجه الأرض.
(٣) ما قاله رضا كحالة السوري عن ثقيف (١):
قال: ثقيف (٢) بن مُنبه، بطن متسع من هوازن من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم، فيقال لهم ثقيف، وهم: بنو ثقيف، واسمه قسيّ بن منبه بن بكر ابن هوازن بن منصور بن عِكْرَمة بن خَصْفَةَ بن قيس عيلان ومن ثقيف، بنو جَهْم بن ثقيف، وبنو عوف بن ثقيف ويعرفون بالأحلاف.
مواطنهم: كانت مواطنهم بالطائف.
وتاريخهم: من حوادثهم التاريخية أن قبيلة خثعم جمعت جموعًا من اليمن، وغزت بني ثقيف بالطائف، فخرج إليهم غيلان بن سلمة في ثقيف، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فهزمهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر عدة رجال منهم، ثم مَنّ عليهم وقال شعرًا (٣)، ومن حروبهم يوم وَجَّ، وهو الطائف كان بين بني ثقيف، وخالد بن هوذة، ومنها أن بني عامر بن ربيعة من هوازن جمعوا جموعًا كثيرة من أنفسهم، وأحلافهم، ثم ساروا إلى ثقيف بالطائف، وكانت بنو نصر بن معاوية أحلافًا لثقيف، فلما بلغ بني ثقيف مسير بني عامر، استنجدوا بني نصر بن معاوية من هوازن أيضًا، فخرجت ثقيف إلى بني عامر، وعليهم يومئذ غيلان بن سلمة بن معتب، فلقوهم، وقاتلتهم ثقيف قتالًا شديدًا، فانهزمت بنو عامر بن ربيعة، ومن كان معهم، وظهرت عليهم ثقيف فأكثروا القتل فيهم.
стр. 4593
ومنها أيضًا أن النبي ﷺ أقام سنة ٨ هـ بمكة عام الفتح، نصف شهر لم يزد على ذلك، حتى جاءت هوازن وثقيف فنزلوا بحُنين، وهم يومئذ عامدون، يريدون قتال النبي ﷺ ، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك، حين سمعوا بمخرج رسول الله من المدينة، وهم يظنون أنه إنما يريدهم، حيث خرج من المدينة، فلما أتاهم أنه قد نزل مكة، أقبلت هوازن عامدين النبي ﷺ ، وأقبلوا معهم بالنساء والصبيان والأموال، وأقبلت معهم ثقيف، حتى نزلوا حُنينًا، يريدون النبي ومن معه من المسلمين، فلما حدث النبي ﷺ وهو بمكة أن قد نزلت هوازن وثقيف بحُنين، يسوقهم مالك بن عوف النصري أحد بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهو رئيسهم يومئذ، عمد النبي ﷺ ، حتى قدم عليهم، فوافاهم بحنين فهزمهم، وكان الذي ساقوا من النساء والصبيان والماشية غنيمة غنمها رسول الله ﷺ فقسم أموالهم، فيمن كان أسلم معه من قريش.
وفي سنة ٩ هـ قدم وفد من ثقيف بعد قدومه ﵊ من غزوة تبوك، وكان من أمرهم أنه ﷺ لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله: ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفًا، وأت بهم، ولما انصرف عنهم، اتبع أثر عروة بن مسعود بن متعب، حتى أدركه، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فلما أشرف لهم على عُلية، وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله، ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا، ثم أنهم ائتمروا فيما بينهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب قد بايعوا وأسلموا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ ، فلما قدموا على النبي، ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد، وكان خالد بن سعيد العاصي هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه،
стр. 4594
وكان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم ﵊، إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها، وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة؟ وأن لا يكسروا أوثانهم إلا بأيديهم، فقال ﵊: كسروا أوثانكم بأيديكم، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه، فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب، أقر عليهم عثمان بن أبي العاصي، وكان من أحدثهم سنًا، لكنه كان من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن، فرجعوا إلى بلادهم، ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، لهدم الطاغية، فلما دخل المغيرة عليها علاها بضربها المعول، وخرج نساء ثقيف حسرًا يبكين عليها، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها.
ونرى بني ثقيف في سنة ٨٢ هـ يحاربون مع الحجاج بن يوسف الثقفي، عبد الرحمن بن محمد، وقد انهزمت عامة قريش.
عبادتهم: كانت قبيلة ثقيف تعبد بيتًا بالطائف يقال لها اللات، فكانوا يسترونها بالثياب، ويهدون لها الهدي، ويطوفون حولها، ويسمونها الربة، ويضاهون بها بيت الله الحرام بمكة، وكان سدنتها آل أبي العاص بن أبي يسار بن مالك الثقفي.
وفي هامش ص ١٤٩ ذكر كحالة نقلًا عن البكري في معجم ما استعجم قائلًا: إن ثقيف عرفوا فضل الطائف فقالوا لبني عامر من هوازن: إن هذه بلاد غرس وزرع، وقد رأيناكم اخترتم المراعي عليها فأضررتم بعمارتها واعتمالها، ونحن أبصر بعملها منكم، فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع وتدفعوا بلادكم هذه إلينا، فنثيرها حرثًا ونغرسها أعنابًا وثمارًا وأشجارًا، ونكظمها كظائم، ونحفرها أطواء، ونملأها عمارة وجنانًا، فراغنا لها وإقبالنا عليها، وشغلكم عنها واختياركم
стр. 4595
غيرها، فإذا بلغت الزروع وأدركت الثمار شاطرناكم، فكان لكم النصف بحقكم في البلاد، ولنا النصف بعملنا فيها، فكنتم بين ضرع وزرع لم يجتمع لأحد من العرب مثله. فدفعت بنو عامر بن صعصعة الطائف إلى ثقيف عامرتها، فكانت بنو عامر تجيء أيام الصرام فتأخذ نصف الثمار كلها كيلًا، وتأخذ ثقيف النصف الثاني، وكانت عامر وثقيف تمنع الطائف من أرادهم، فلبثوا بذلك زمانًا من دهرهم في الجاهلية حتى كثرت ثقيف فحصنوا الطائف وبنو عليها حائطًا يطيف بها (١)، فسميت الطائف، فلما قووا بكثرتهم وحصونهم، امتنعوا عن بني عامر فقاتلتهم بنو عامر فلم تصل إليهم ولم يقدروا عليهم ولم تنزل العرب مثلها دارًا.
قلت: والطائف كانت قبل بني عامر لقبيلة عَدوان من قيس عيلان، ثم تغلبت عليها بنو عامر بن صعصعة من هوازن من قيس عيلان، ثم آلت لثقيف كما أسلفنا في سرد البكري.
وفي ص ١٤٧ ذكر كحالة عن ثقيف بالوقت الحاضر قائلًا: ثقيف قبيلة منازلها في جبل الحجاز بين مكة والطائف، وعلى الأصح بينه وبين جبال الحجاز، وتنقسم إلى البطون الآتية:
١ - طويرق: وهم قسمان حضر وبدو، فالحضر فيهم عشائر: الجعيدات، الخصافين، الزحارية، الفُضَّل. وأما البدو من طويرق ففيهم عشائر: الرُّسان، الغرابين، التراكبة، الكلبة، العبدة، الظفيرين، الحمران.
٢ - النمور: وهم يقسمون بحسب منازلهم إلى قسمين: أهل الهدي، وأهل وادي المُحْرم، فأهل الهدي فيهم أربع عشائر وهي: الكُمّل، اللمظة، الغربا، البِنَّي، وأما أهل وادي المحرم فهم أهل الخضرة، والمشاييخ، وأهل الدار البيضاء.
стр. 4596
٣ - ثمالة: وهم ثمانية أقسام: أهل الصخيرة، آل مقبل، الضباعين، السواعدة، آل زيد، السُّودة، الطوال، ويقال إن المشايخ السابق ذكرهم من ثمالة.
٤ - بني سالم: وفيه عشائر العياشة، العصبي، المنحف.
٥ - عوف: وهم في وادي ليَّة وبعضهم ينسبهم إلى عوف (حرب) (١)، ومنهم عشيرة الغنم.
٦ - سفيان: وهم فخذان: بنو عمر، آل شريف. أما بنو عمر فمنهم العسران وتميم والخضرة، وأما آل شريف ففيهم عشائر كثيرة أهمها أولًا: آل ساعد ويقسمون إلى الحرجلي وآل حسن وآل عبيد والسواعدة وآل منصور. ثانيًا: آل حجة وفيهم الخُمس والبهادلة وأبو الدم وأبو الظهير وآل منيف وآل عيسى وهؤلاء ثلاثة عائلات: آل حسين وآل حمود وآل غبيشة. ثالثًا: آل عائشة ومنهم الطلحات والحجلة وآل عمر.
٧ - قريش (٢): منهم الحضر والبدو، فالحضر يقسمون إلى: الحُصنان، الذراوة، الزنان، المطرة، والبدو ويطلق عليهم غانم يقسمون إلى هواملة، آل علي، الهيافين، الغشامرة. ومن قريش القُصران، بنو صخر، الخُرتة.
٨ - هُذَيل: وهم غير هُذَيْل القبيلة المعروفة من العدنانية.
٩ - ثقيف اليمن: وهم بقرب بني مالك عند الترعة، ولهم أقسام عديدة أهمها فخذان عنس، وبنو يوسف، فالأولون فيهم فروع الجاهلي والنُّديبي وآل يعلي وبنو محمد والمغدة والأحلاف والحمدة، وتقيم في المليساء ومنهم أيضًا
стр. 4597
آل مسعود وبنو يوسف وفيهم المجردي والعسبلي والقُريحي، وينسب إلى ثقيف اليمن بنو ذبيان وفيهم ثلاثة فروع: بكري وبريدي، وذبياني، غير أن المقول أنهم يردون إلى عبس لا إلى ثقيف.
قلت: والصحيح أن ذبيان من غطفان وهي قبيلة غطفانية أيضًا مثل عبس.
وفي قلب جزيرة العرب وفي الرحلة الحجازية للبتانوني أن بطون ثقيف هم بنو سفيان وبنو سعد وناصرة وربيعة وعيلة.
(٤) ما قاله عاتق بن غيث البلادي الحربي عن ثقيف (١):
قال: ثقيف والنسبة إليهم ثقفي: هي إحدى القبائل الحجازية العريقة، لا زالت في مساكنها القديمة حول الطائف. وهم بنو ثقيف واسمه قَسيّ بن مُنبِّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، وزعم بعض النسابين أن ثقيفًا من إياد.
وأضاف: بعد اشتراك ثقيف مع الحجاج عام ٨٢ هـ، أخلدت إلى الراحة في جو الطائف البديع، ولم تكن من القبائل الغازية، ولكن القبائل كانت تهاب غزوها. وآخر أخبارها: اشتركت ثقيف في جيش عبد الله بن الحسين في مهاجمة الأتراك أثناء الثورة العربية الكبرى، ووقفت إلى جانب الأشراف ضد قوات خالد ابن لؤي عندما هاجم الطائف سنة ١٣٤٣ هـ ثم انقادت لحكم آل سعود فصارت لبنة طيبة في الدولة السعودية، وأنجبت ثقيف عددًا من الرجال الممتازين على مر العصور.
وكان من بطون ثقيف القديمة: بنو جهم بن ثقيف، وبنو عوف بن ثقيف، ويعرفون بالأحلاف، ومنهم بنو مالك، ودارت حرب طاحنة بين بني مالك والأحلاف في (نخب) كثر فيها القتل فجلا جل بني مالك أو كلهم.
стр. 4598
وتنقسم ثقيف اليوم إلى سبعة بطون هم: طويرق، النمور، عوف، بني سالم (١)، بني سفيان، الحمدة، ثمالة. وهناك من يدخل قريش في الطائف إلى ثقيف، ولا أرى ذلك صحيحًا، لأن قريش استوطنت الطائف من أول عهد الإسلام، فقريش هذه ليست من ثقيف.
ثانيًا: ثقيف ترعة: وهم يكسرون تاء ترعة: قسم كبير من قبيلة ثقيف المتقدمة، يقطن جنوب الطائف بين سراة بني سعد وبن مالك.
وقال محمد سعيد كمال في مخطوطة له: تنقسم ثقيف ترعة إلى:
١ - بني جاهل وفيهم: الحمدة، آل مسعود، القثاورة، المغدة.
٢ - النُّدبة وفيهم: آل يعلي، آل محمد، الدارين أو أهل الدارين.
٣ - بنو يوسف: المجاورة، العسلة، البقمة ويقال لهم الفرعين، ويجاور ثقيف ترعة قبيلة ذبيان، وهناك من ينسب ذبيان إلى ثقيف.
قلت: وفي معجم قبائل المملكة العربية السعودية ذكر الشيخ حمد الجاسر (٢) عن ديار ثقيف ترعة قائلًا: وثقيف ترعة أو ثقيف اليمن لوقوع بلادهم جنوب شرق بلاد قومهم من ثقيف، وترعة من أوديتهم.
وأضاف الجاسر: أن قسمًا كبيرًا من قبيلة ثقيف يقطن جنوب الطائف بين سراة بني سعد، وبني مالك، ومن بلادهم: لخمة - وادٍ، وبيضان، ودفعان - جبال، وترعة، ودار المجاردة ومدغل - وهذه قرى.
стр. 4599
(٥) ما قال حمد الحقيل في كنز الأنساب عن ثقيف (١):
قال: قد زعم بعض النسابين أن ثقيفًا من بقايا ثمود، ومن هذه القبيلة الحجاج بن يوسف الثقفي، وثقيف بطون منهم بدو وحضر ونذكر من متحضريهم: الجعيدات، الخصافين، الزحارية، الفضّل.
ومن بادية طويرق: الروسان، الغرابين، التراكية، الكلبة، العبدة، الظفارين، الحمران، النمور.
والنمور قسمان:
(أ) أهل الهدي وفيهم: الكمل واللمظة والغربا والبني.
(ب) أهل وادي محرم وفيهم: الخضرة والمشايخ وأهل الدار البيضاء.
وبطن ثمالة: وقال النسابون هم بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية، ومنهم العالم النحوي المشهور محمد بن يزيد المبّرد، وألّف الكامل والروضة وغيرهما، وقد قال فيه الشاعر:
سألنا عن ثمالة كل حي … فقال القائلون ومن ثمالة
فقلت محمد بن يزيد منهم … فقالوا الآن زدت به جهالة
ولعمري أن هذا الشاعر لم يكن منصفًا، وما زالت الأشراف والأعلام تُهجى وتُمدح.
وثمالة أفخاذها: أهل الصخيرة، أهل مقبل، الضباعين، السواعدة، آل زيد، السودة، الطوال، بنو سالم، العياشة، العصبي، المنجف، عوف وهم في وادي لية، وهناك من ينسبهم في حرب، ومنهم عشيرة الغنم بضم الغين المعجمة وتشديد النون المفتوحة.
стр. 4600
بطن سفيان ومنهم آل شريف وبنو عمر والتفصيل عنهما كالتالي:
١ - آل شريف وفيهم عشائر كبيرة منها:
(ز) آل ساعد، ويقال إنهم من بكر حلفاء قريش. قلت: ولعل الحقيل يقصد بكر من كنانة العدنانية سكان هذه المنطقة التي فيها ثقيف.
(ب) آل حسن
(ج) آل عيد
(د) السواعدة
(هـ) آل منصور
(و) آل حجة ومنهم فروع الخمس والبهادلة، وأبو الدم وأبو الظهير وآل منيف وآل عيسى، وفي الأخيرة ثلاث عائلات هي آل حسين وآل حمود وآل عائشة وآل عائشة منهم الطلحات والحجلة وآل عنزا.
٢ - بنو عمر وفيهم عشائر منها:
(أ) العسران (ب) تميم (ج) قريش
وعن قريش قال بعض النسابين أنهم ليسوا من الأشراف القرشيين، بل هو توارد في الإسمين، وقول آخر يذكر أنهم من قريش قوم النبي ﷺ ، وفي قريش هؤلاء حاضرة وبادية، فمن الحاضرة التالي ذكرهم:
آل حصنان، الزراوة، الزنان، آل مطير.
ومن البادية: آل غانم، هواملة، آل علي، الهيافين، الغشاورة.
ومن قريش: القرصان، بنو صخر، الخزنة.
وهناك ثقيف اليمن قرب بني مالك، عند الترعة - وادٍ - وهم أقسام: فيهم فخذان: الأول عنس والثاني بنو يوسف.
ففي الأول فروع أو عشائر: الجاهلي، الندبي، آل يعلي، محمد، المغدة، الأحلاف، آل مسعود، الحمدة والأخيرة تسكن في وادي القيم شمال مدينة الطائف وجزء منها يسكن وادي العقيق، والمثناة ويتفرعون إلى فخوذ الزواهرة والزربان والعراقبة والمطالقة والحرشان والعقلان.
стр. 4601
والزواهرة منهم آل عبد السلام وسكناهم في المليساء وآل محمد وسكناهم في المثناة.
وفي الفخذ الثاني فروع أو عشائر: المحردي، العسيلي، القريحي، بنو ذبيان والأخيرة فيها فروع بكري وبريدي وذبياني، وقال بعضهم إن ذبيان هؤلاء ليسوا من ثقيف، بل هم من بني ذبيان من غطفان وقيل من بني عبس على الأخص، وقيل من ذبيان ثعلبة وهم بطن من الأزد سكان السراة.
ومن ثقيف حاضرة مشهورة، وهناك ثقيف في منطقة صعدة ونجران ويرجح أنهم من ثقيف الطائف.
(٦) ما قاله الشريف محمد بن منصور عن ثقيف (١) - فروعها ومواطنها وتاريخها:
تنتمي إلى قَسي بن منبه بن بكر بن هوازن، اشتهر بثقيف فعرف ولده من بعده بلقبه هذا حتى أصبح اسم علم على القبيلة، وقد تفرعت هذه القبيلة إلى بطون وأفخاذ كثيرة في العصور الأولى من الإسلام تجدها في مظانها من كتب الأنساب، تغيرت في وقتنا الحاضر جميع أسماء تلك البطون والأفخاذ بأسماء أخرى أحدث منها عهدًا، إلا أن القبيلة بقيت محتفظة بالاسم الرأس - ثقيف - حتى وقتنا الحاضر، وهي اليوم تنقسم إلى عدة بطون هي:
١ - الحِمَدَه.
٢ - طُوَيْرِق.
٣ - النُّمُور.
٤ - بنو سُفْيان.
٥ - بنو سالم.
٦ - عَوْف.
٧ - ثُمالَة.
٨ - قريش، هذا على رأي من يعد قريشًا من ثقيف.
стр. 4602
٩ - أهل الصُّخيرة.
هذه بطون ثقيف اليوم الساكنة بالطائف وما حوله، وكانت هذه البطون أيام الفتن والحروب بين القبائل تنقسم إلى حزبين متضادين، فالحَمَدة وبنو سالم وبنو سفيان والنمور وعوف يمثلون حزبًا واحدًا ضد طويرق وقريش وثُمالة إذا ما اشتعلت الحرب بين ثقيف نفسها.
ويلحق بثقيف هذه ثقيف اليمن على ما يسمونها أهل الطائف وهي المعروفة بثقيف ترعة، إضافة إلى أشهر قراهم وهم يسكنون في السراة الجنوبية للطائف بين بالحارث وبني مالك، وتنقسم ثقيف ترعة إلى:
١ - بني جاهل.
٢ - الندبة، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام وهي: آل يعلي، آل محمد، الدارين.
٣ - بني يوسف وهم: (أ) المجاردة. (ب) العسلة.
سكان الفرعين (البقمة).
وغير هاتين القبيلتين رأيت صاحب سيرة الهادي (١) إلى الحق يحيى بن الحسين الإمام الزيدي المشهور يذكر ثقيفًا كثيرًا في أحداث وقته في منطقة صعدة ونجران، ويعد ثقيفًا من أنصار الهادي، وقد استوقفني ما رأيت، أهذه القبيلة التي ذكرها العباسي أهي من ثقيف الطائف أم أنه اسم على اسم ولكني أرجح أنها من ثقيف الطائف لأنني لم أر قبيلة تعرف بثقيف فيما اطلعت عليه غير ثقيف وج.
وقد أخبرني واحد من عبيدة مأرب أنه لا زال بتلك الناحية قبيلة تعرف بثقيف تسكن وادي رغوان ويعرف كبيرهم بابن كعلان، وهم تابعون لليمن الشمالي.
стр. 4603
قبيلة الحمدة من ثقيف
هذه القبيلة لم أر لها ذكرًا فيما أطلعت عليه من المصادر قبل القرن التاسع الهجري وأول من رأيته ذكرها من المؤرخين هو تقي الدين (١) الفاسي عند ترجمته للشريف حسن بن عجلان، ويظهر مما أورده الفاسي عنها أنها كانت ذات قوة وشأن ولها دور في أحداث المنطقة في ذلك العصر، وقد استمر عزها وقوتها إلى القرن الحادي عشر الهجري عندما خرجت على شريف مكة في حينه الشريف زيد بن محسن بن حسين بن الحسن بن أبي نمي - وهو الجد الجامع للأشراف آل زيد - فحاربها حتى استولى عليها وفرق جمعهما. قال العجيمي (٢): "وقد قتل صناديدهم مولانا الشريف زيد بن محسن صاحب مكة رحمة الله عليه في حدود الأربعين بعد الألف لخروجهم عن طاعته بحيث إنهم حاصروه في حصنهم بها - يعني قرية القيم - ومن الإتفاقات أنهم جمعوا البارود في موضع واحد وصار كل منهم يأخذ كفايته، فبينما هم كذلك إذ طارت شرارة فاحترق الحصن وجماعة فيه وهرب الباقون، فمنهم من قتل ومنهم من انقاد للطاعة".
وبعد هذه الحرب لم أر لهم ذكرًا في الأحداث التي مرّت بالمنطقة، إلا ما ذكره العصامي من مناوشات حدثت بينهم وبين قريش، وبينهم وبين النفعة (٣)، وأعتقد أن حربهم لزيد أكلت رجالهم وأضعفت قوتهم وأقلت كثرتهم. وهم الآن من أقل قبائل الطائف عددًا.
ويحسن هنا أن أورد ما ذكره الفاسي عنهم، قال: "وفي أول شوال منها - أي سنة ٨٠١ - توجه - يعني حسن بن عجلان أمير مكة - إلى وادي الطائف لأن
стр. 4604
الحِمَدة أهل الجبل حشموة (١) في جيرته أهل الطائف وهو مكان مخصوص من وادي الطائف، فاسترضاه الحمدة بثمانين ألف درهم وخلى عن جرمهم، ونال مثل ذلك من بني موسى أهل ليّة وهو مكان مشهور بقرب الطائف واستدعى آل بني نمر للحضور إليه فتوقفوا فبذل له الحمدة أربعين ألفًا على أن يسير معهم إلى آل بني نمر فسار معهم وهدم حصن آل بني نمر وحصل فيه نهب كثير" (٢).
وفي مكان آخر قال الفاسي: "وكان من خبره بعد ذلك - أي الشريف حسن بن عجلان - أن عسكره أخربوا أماكن بلقيم والعقيق ووج من وادي الطائف ثم أمر بإخراب حصن الطائف المعروف بحصن الهجوم (٣) بسعي جماعة من الحمدة عنه في ذلك فأخرب جانبًا كبيرًا منه وأعان المخربين له على إخرابه أن بعض أعيان عسكر الشريف استدعوا بعض أعيان الحصن فحضروا إليهم وهم لا يشعرون بما يريده عسكر الشريف، فلما أوثقهم عسكر الشريف ساروا لإخراب الحصن فرماهم منه بعض النسوة الذي به وكادوا يحمونه، ثم قيل لمن فيه إما تُسَلِّموا الحصن وإلا ذبحنا الذين عندنا منكم فرق لهم الذين بالحصن وسلَّموه فهدم. ثم سعى أصحابه عند الشريف في أن يوقف عسكره عن هدمه وفي عمارته فأجابهم لقصدهم وأعادوا كثيرًا مما هدم بالبناء، وأمر بإخراب الموضع المعروف بأم السكارى جبل السلامة من وادي الطائف لأن الذين بنو فيه من الحِمَدة هم الذين قاموا في هدم حصن أبي الأخيلة حصن جويعد لانتمائه للشريف فهدم ذلك هدمًا دون الأول".
والحمدة اليوم ينزلون في المليساء ووادي القيم بعد أن تقلص ملكهم
стр. 4605
عليهما، ولهم في غربيه حمى يعرف بحمى الحمدة يوم كان للأحماء مكان من أشهر جباله سويقة جبل معروف هو جبل أحمر معصوب الأعلى. هذا كل ما تبقى لهم بعد أن كانوا يملكون أكثر مزارع المثناة والعقيق والقيم.
وينقسم الحمدة اليوم إلى عدة أفخاذ هي:
١ - القَوَاسِم.
٢ - العُقْلان - ذوو عقيل.
٣ - الزُّرُبَات.
٤ - العَرَافِيَة.
٥ - الزَّوَاهِرَة.
٦ - المَطَالِقَة.
٧ - ذوو هِندِي.
٨ - الجِرْشَان.
٩ - ذَوو سُمَيِّح (بالتصغير).
قبيلة طويرق
من ثقيف تقطن السراة الشمالية الغربية بالنسبة للطائف وأكثرهم أهل قرى ومزارع ومن أشهر قراهم وأوديتهم محشّكة، ومَلُح، والخُلَيْصَة، والمُبَيْرِز، والمُلْتَوَى، ومُرُع، ومَمْلكَة.
وقد سمعت بعض الباحثين يظن أنهم من الطوارق الذين بالجزائر على أساس أن هناك تشابهًا بين اسمي القبيلتين، والحقيقة أن لا صلة لطويرق بالطوارق فهذه قبيلة عربية ومن أشهر قبائل ثقيف وتلك من قبائل البربر ومعروفة في الجزائر بنسبها هذا وهم المعروفون بالملثمين لأن رجالهم لا يسير واحدهم في الأسواق ولا يقابل أحدًا إلا بعد أن يحكم لثامه، وأما نساؤهم فالسفور لهم مباح وهذه في الطوارق من العادات الغريبة التي لا تستساغ لدى قبائل الجزيرة العربية.
وطويرق لم أر لها ذكرًا فيما اطلعت عليه من كتب الأنساب والتاريخ القديمة كغيرهم من بطون ثقيف (١) وأعتقد أنه اسم حادث ولكني رأيت لهم ذكرًا في
стр. 4606
بعض الوثائق التي تعود بتاريخها إلى القرن الحادي عشر الهجري وهذا يدل على أنهم مشهورون بهذا الاسم من قبل ذلك التاريخ إلا أن المصادر لا تمد الباحث بما يروي غليله ويشبع نهمه.
وطويرق تنقسم اليوم حسب اصطلاح القبيلة إلى بدو وحضر.
أولًا: البدو ويتفرع منهم:
١ - الروّسان.
٢ - الظَّفَارِين.
٣ - العِبَدَة، وهم غير عبدة هُذَيْل.
٤ - الكِلَبَة.
٥ - ذوو خَضِر.
٦ - السَّفَارِيَة.
٧ - الأساحيق.
٨ - الزِّمَتَة.
٩ - الجُعَيْدَات.
١٠ - الحُمْرَان.
ثانيًا: الحضر ويتفرع منهم:
١ - الزَّحَارِيَة.
٢ - السَّوَاوِيد.
٣ - الدَّهَاهِين.
٤ - ذوو حَمَّاد.
٥ - ذوو عُودَه.
٦ - الفُصَّل.
٧ - الخَصَافِين.
٨ - الهَنَادِية.
قبيلة النمور
النمور بطن من ثقيف ذكرها الفاسي في العقد الثمين استطرادًا في ترجمة الشريف حسن بن عجلان بن رميثة أمير مكة المكرمة في أوائل القرن التاسع الهجري، والفاسي ﵀ أول من رأيته ذكر هذه القبيلة، وهذا يعني أنها اشتهرت بهذا الاسم من قبل عصر الفاسي، إذ أن المؤرخ عادة لا يذكر قبيلة إلا بما
стр. 4607
اشتهرت به وهنا يحسن أو أورد ما ذكره الفاسي عنها. قال (١): "واستدعى آل بني نمر للحضور إليه - يعني الشريف حسن - فتوقفوا فبذل له الحمدة أربعين ألفًا على أن يسير معهم إلى بني نمر فسار معهم وهدم حصن آل (بني نمر) وحصل فيه نهب كثير وقتل بعضهم وقتل من جماعته - أي الشريف - مملوكان وعاد إلى مكة في سادس شوال" انتهى. وهكذا كانوا يعرفون ببني نمر، وأما اليوم فلا يعرفون إلا بالنمور على صيغة الجمع، والنمور في وقتنا الحاضر تنقسم حسب اصطلاح القبيلة إلى أربعة أرباع هي:
١ - ربع الغُرَيْبي.
٢ - ربع الخُوَيْل.
٣ - ربع الخُضَيْرِي.
٤ - ربع أهل قرن أو القرانية ويعرفون أيضًا بأهل الدار البيضاء.
وينقسم كل ربع إلى عدة أفخاذ:
أولًا: فينقسم ربع الغريبي إلى:
(أ) الغِرَبَة.
(ب) الكُّمَل.
(جـ) البِنِّي والمغاربة: والمغارية هؤلاء هم من عقب السيد محمد بن أحمد المغربي نزل جدهم المذكور في أول القرن الرابع عشر الهجري الهدى واشترى به مزرعة في أعلا وادي البني على درب مكة القديم، تعرف الآن بوقف المغاربة فدخل أبناؤه بعده في النمور بالحلف وهم اليوم يحسبون من فخذ البني.
ثانيًا: ربع الخُوَيْل ينقسم إلى:
(أ) الخِوَلَة. (ب) اللَّمَظَة. (جـ) الحُجْران.
ثالثًا: ربع الخُضَيْري ينقسم إلى:
(أ) القِبَسَة. (ب) المَشَاهِبَة. (جـ) اللَّوَامِيَة. (د) المَشَايِيخ.
стр. 4608
رابعًا: ربع أهل قرن ينقسم إلى:
(أ) الزِّنَان وهم غير زنان قريش.
(ب) آل حَربي.
(جـ) المَصَارِيَة.
(د) البَعَارِطَة.
(هـ) ذوي سُلْطَان.
(و) آل حُمَيْد.
(ز) آل خَضِر.
(حـ) الفقهاء.
والنمور اليوم يسكنون منطقة الهدى ووادي قرن - وادي المحرم - وهم أهل قرى ومزارع ليس منهم بدو رحل.
بنو سُفيان
بطن من ثقيف تقطن بالسراة الجنوبية الغربية بالنسبة للطائف وهم أهل قرى ومزارع، ومن أشهر وديانهم الفَرْع الذي أصبح مصيفًا جميلًا ومنتجعًا لكل طالب للراحة والاستجمام، وقد ربط بخط مسفلت بالطائف. وتملك فيه علية القوم من الأمراء والوزراء والتجار والأثرياء فلا يكاد يحل فصلُ الصيف حتى تظل منطقة الفَرْع كخلية النحل من كثرة من يرتادها من المصطافين والمتنزهين.
ويخالط بني سفيان بسراتها بالوادي المسمى بالأسراب فرع من الأشراف الشنابرة يقال لهم ذوو باز ولكثرة مخالطتهم لبني سفيان أصبحت لهجة القبيلتين شيئًا واحدًا لا تميز أحدهم من الآخر إلا إذا انتسب.
وسفيان هذا الذي تنتمي إليه هذه القبيلة لم أر له ذكرًا فيما اطلعت عليه من كتب الأنساب القديمة وهم لا ينسبونه ويجهلون هو ابن من ولكنني أرجح أنهم من عقب سفيان بن معتب الثقفي وولده هشام من ذوي الرئاسة والجاه، وقد تولى إمرة الطائف في العهد الأموي، وعادة العرب لا تنتسب إلا إلى ذي شأن، قال ابن حزم (١): "وهشام بن أبي سفيان بن سفيان بن معتب ولي الطائف". فهذا النص يستطيع الباحث الاستئناس به في إرجاع بني سفيان إلى سفيان بن معتب.
стр. 4609
وبنو سفيان اليوم ينقسمون إلى أربعة بطون هي:
أولًا: آل شَريفَ وينقسمون إلى قسمين:
(أ) آل ساعد ويتفرعون إلى:
١ - آل منصور.
٢ - آل عُبَيْد.
٣ - السَّوَاعِدة.
٤ - آل حسن.
(ب) آل حِجَّة، ويتفرعون إلى:
١ - آل عيسى.
٢ - آل مُنِيف.
٣ - آل أبو طُهَيْر.
٤ - آل أبو الدَّمْ.
ثانيًا: بنو عمر، ويتفرعون إلى:
١ - الخِضَرَة.
٢ - آل تَمِيم.
٣ - العُسْرَان.
ثالثًا: آل عايشة.
رابعًا: آل حَرْجَل.
قبيلة بني سالم
تقطن شرق جنوب وادي ليَّة في سراتها المعروفة ببلاد بني سالم، من أشهر قراهم ووديانهم مسيل مُرَحّض والمضيق والنَّصَبَه وأبو غيل، وهم أهل قرى ومزارع ومن أبصر الناس بمواسم الزرع والغرس مع ثمالة وعوف لا يكاد زارعهم يخيب من موسمه مهما كانت مزرعته صغيرة وماؤه قليل.
وسالم هذا الذي ينتمون إليه ما وجدت فيهم من ينسبه أو يُعَرِّفه ابن من هو إلا أنني وجدت في سيرة ابن هشام ذكرًا لبني سالم في موضعين الأول عند قتل ثقيف لعروة بن مسعود والموضع الآخر عند بعث ثقيف لوفدها إلى رسول الله
стр. 4610
- ﷺ ، قال ابن هشام (١): "قال ابن إسحاق وكان فيهم كذلك محببًا مطاعًا - يعني عروة - فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عِليّة له قد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصاباه سهم فقتله فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك وتزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم، إلخ". وقال ابن هشام في موضع آخر (٢): "فأجمعوا - يعني ثقيف - أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهان أخو بني يسار، وأوس بن عوف أخو بني سالم بن عوف، ونمير بن خرشة بن ربيعة أخو بني الحارث، فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم" فهذان النصان يدلان على أن في ثقيف قديمًا فخذان يعرفان ببني سالم، الأول بنو سالم بن مالك، والثاني بنو سالم بن عوف، وأنا أرجح أن بني سالم اليوم ينتمون إلى فخذ من ذينك الفخذين ولكن ربطهم بفخذ دون الآخر هذا ما لم أستطعه لأنه يحتاج إلى دليل.
وينقسم بنو سالم اليوم إلى عدة أفخاذ هم:
١ - آل عابد ويعرفون بالشحيمات.
٢ - الجَرَادَات، ويتفرعون إلى: أ - آل منسي، ب - آل مجبور، جـ - الضباعين.
٣ - آل حَمَد ومنهم آل عايض.
٤ - آل مَحْمُود، الحوته.
٥ - آل مَخْصُور، آل عبيد.
٦ - ذوو عَمْرِين.
٧ - المَنَاجِفَةَ.
٨ - ذوو عَتِيق.
стр. 4611
٩ - العَيَاسَى (بألف مقصورة) - حلفًا وأما نسبًا فهم من الثبتة من بني سعد من هوازن.
١٠ - آل زايد.
قبيلة عوف
يسكنون وادي ليَّة وهم أهل قرى ومزارع ليس فيهم بادية رحَّل وهم اليوم من ثقيف ويحسبون بطنًا من بطونها، وأنا أخالف هذا القول وأرى أنهم من بني نصر من قبيلة مالك بن عوف بن سعد النصري سيد هوازن وقائدها يوم حنين. إذ أن مالكًا كان هو وقومه سكان وادي ليّة عند بعثة الرسول ﷺ ، وقد ذكر ابن هشام في سيرته (١) قصة مرور النبي ﵊ على ليّة وهدمه لحصن مالك بن عوف قبل إسلامه، وفي أعقاب انتصار المسلمين على هوازن في غزوة حنين، كما أن الهمداني قال (٢): "وبشرقي الطائف واد يقال له ليَّة يسكنه بنو نصر من هوازن" وهذه نصوص ترجح ما ذهبت إليه علاوة على أن القبيلة لا زالت تحمل اسم عوف وتقطن نفس الوادي الذي كان يقطنه مالك وقومه.
وقد رأيت التقي الفاسي ﵀ ذكر في القرن التاسع الهجري في كتابه القيم "العقد الثمين" (٣)، آل موسى سكان وادي ليّة وذلك عند ترجمته للشريف حسن بن عجلان وعدّ هذه القبيلة من القبائل التي أخذ منها الشريف الإتاوة التي كان يفرضها على بعض القبائل. ولم يقل الفاسي أنها من ثقيف. وآل موسى أو المواسية اليوم فخذ من عوف وهذا يدلنا على استمرار سكني هذه القبيلة لهذا الوادي على مر العصور والأجيال حتى وقتنا الحاضر.
стр. 4612
وعوف تنقسم إلى عدة أفخاذهم:
١ - آل مُوَسى أو المواسية.
٢ - ذوو حَسَن.
٣ - ذوو مُسْفر، وهؤلاء جميعًا يقال لهم عوف الغُنَّم (بضم العين المعجمة وتشديد النون مع الفتح).
٤ - القَفَاعِيَة.
٥ - ذوو جَلال.
٦ - الطُّوَال ويعرفون أيضًا بالعَوَاوِيد.
قبيلة ثمالة
عدادها اليوم من ثقيف، والحقيقة أنها ليست من ثقيف إلا بالحلف والجوار، وأما نسبًا (١) فهي قبيلة يمانية أزدية إخوة لغامد وزهران. تنتمي إلى عوف بن سلم بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهو الملقب بثُمَالة فاشتهر عقبه من بعده بهذا اللقب وأصبحوا لا يعرفون إلا به حتى عصرنا الحاضر.
وسكنى ثُمالة بمنطقة الطائف قديمة، فقد ذكر ابن هشام في السيرة: "أن رسول الله ﷺ (٢) استعمل مالك بن عوف النصري بعد إسلامه على من أسلم من قومه وتلك القبائل: ثُمالة، وسلمة (بفتح السين وكسر اللام)، وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفًا - قبل إسلامهم - لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضَيَّق عليهم"، وهذا نص يدلنا على أن هذه القبيلة كانت في أحواز ليّة وتلك الناحية منذ العصر الجاهلي.
وأما الآن فهي تسكن وادي جفن الذي أصبح لا يعرف إلا بها ويضاف إليها فيقال: وادي ثمالة، تملك ضياعه ومزارعه وقراه، ويشاركهم في أسفله الأشراف
стр. 4613
ذوو شرين الفعور. وهذا الوادي به سد أثري عظيم يرجعه بعض الباحثين إلى العهد الأموي مشهور بالسد السملقي، وتروى حول هذا السد خرافة تقول أن بانيه كان متحديًا لقدرة الله وأنه عندما أتمه وقف عليه وقال: "بنيناك يا السد السَّمَلَّقي بالحنطة الحرشاء والسمن الأزلقي، فإن شئت أمطري أو لا تمطري" فامطرت السماء وأقبل السيل وأمامه فارس في يده سيف فضرب الجبل الملتحم به السد فانهال وانكسر ومر السيل معه وبقي السد واقفًا. وهذه القصة طبعًا من نسج خيال العامة.
ومن ثمالة محمد بن يزيد العالم اللغوي المشهور بالمُبَرِّد صاحب كتاب الكامل الذي يقول فيه بعض خصومه هاجيًا له:
سألنا عن ثُمالة كل حييّ … فقال القائلون ومن ثُمَالة
فقلت محمد بن يزيد منهم … فقال الآن زدت بهم جهالة
وأيم الحق إنها لقولة مفتر حاقد وإلا فابن يزيد علم من الأعلام برَّز في عصره وسبق وكفاه علمًا وفضلًا أن محمد كتابه من أمهات كتب الأدب واللغة.
وتنقسم ثمالة في عصرنا إلى الأفخاذ الآتية:
١ - آل زَيْد.
٢ - الضَّبَاعِين.
٣ - آل عمر.
٤ - آل ساعد.
٥ - السُّوَدَة.
٦ - آل مُقْبِل.
٧ - المشايخ - حلفًا.
٨ - الطوال - وهم غير طوال عوف.
أهل الصُّخيْرة
هي قبيلة صغيرة تضاف إلى الوادي الذي تسكنه وهو واد به قرى ومزارع لهم يقع شرقي وادي ليّة. ويقول بعض العارفين بالأنساب أنهم يرجعون إلى بني
стр. 4614
سالم، ولكن الذي عرفته منهم أنهم رأس بذاتهم وبطن من ثقيف، ويتفرعون اليوم إلى عدة أفخاذ هي:
١ - العِمَمَه (بكسر العين المهملة وفتح الميم الأولى والثانية).
٢ - الشِّنَنَة وهم أصلًا من الثبتة من بني سعد من هوازن.
٣ - الخَنَافَسَة.
٤ - ذوو مَقْبُول.
٥ - ذوو غازي.
٦ - الثَّعَابِين وهم غير ثعابين الثبتة.
(٧) ما قاله حمّاد بن حامد السالمي الثَقَفِي عن ثقيف (١):
نشأة ونسب القبيلة:
ثَقِيف من ثَقَفَ - وثَقَفَ الشيء ثَقْفًا وَثَقَافَة وثقوفةً: حَذَفَه. ورجل ثَقْفٌ وثَقِيفٌ وثَقُفٌ: حاذق فهم. والثَّقِف اللَّقِف الرامي الراوي. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (٢). بمعنى الأخذ في الموضع والثَّقَاف والثِّقَافة العمل بالسيف قال:
وكأن لمع بروقها … في الجوف أسياف المُثَاقِفِ
وقال سيبويه: النسب إلى ثَقِيف ثَقَفِيّ على غير قياس (٣).
وثَقِيف اسم قبيلة عربية كبيرة ظهرت في الطائف في جزيرة العرب قبل الإسلام ولا زالت مع انتشار رجالها وأبطالها بأعداد كبيرة مع الفتوح الإسلامية في كل البلاد الإسلامية، وخاصة بلاد العراق والهند والسند وشمال إفريقيا والأندلس.
стр. 4615
وكل المراجع (١) تشير إلى أن نَسَبَ هذه القبيلة الكبيرة، يرجع إلى مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان، فهي قبيلة عدنانية ما في ذلك شك تتساوى مع قريش وتتزامن معها في الظهور، وتتقاسم معها سلطان الحجاز وأحداثه الجسام، كما هو واقع وثابت في كل المراجع، ومع هذا كله فقد وردت روايات في هذا النسب يحسن بنا استعراضها وتفنيدها وهي:
١ - رواية تقول بأن ثقِيف هذه هي من بقايا ثمود (٢). وهذه الرواية باطلة بحكم التنزيل العزيز حيث قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ (٣) والمعنى ظاهر فقد أهلك الله هذه الأمة (ثمود) فلم يبق منها أحد فكيف لهم بقية؟ وتنحصر هذه البقية في ثقيف؟! وقد كان الحجاج بن يوسف يقول إذا سمع هذه الرواية: كذب الناسبون ويقرأ الآية، إلا أن يكونوا ممن هدى الله من القوم الذي هدى الله وكانوا من أتباع نبيه صالح ﵇.
٢ - وهكذا أُلحق بهذه الرواية كلام آخر مفاده أن أبا رغال هو أبو ثَقِيف (٤) كلها، وهو من بقية ثمود، وكان ملكًا بالطائف، وهو غير أبي رغال الذي قاد أبرهة إلى مكة.
ونرى مرة أخرى كيف يناقض هذا القول الكلام المنزل من الله سبحانه وتعالي، وينافي القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. فإذا كان الله قد أهلك قوم عاد قاطبة فكيف يكون منهم جد لثقيف اسمه أبو رغال.
٣ - والرواية هذه تلحق برواية أخرى نشم من خلالها سوء النية المبينة لتشويه نسب ثقيف، لا لشيء إلا لما نتج من كراهية للحجاج بن يوسف وأبناء عمومته في
стр. 4616
العراق والسند، من طرف الشعوبيين والمتشيعين، فقالوا بأن ثقيف هو قسي بن منبه بن النبيت بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن أياد بن نزار وهو أبو قيس عين أبي رغال (١)، الذي أرشد جيش أبرهة الحبشي إلى مكة في عام الفيل .. !!
ثم نقف عند هذه الرواية قليلًا لنقول بأن أبرهة غزا مكة عام الفيل أي عام ٥٧١ م، وهو العام الذي ولد فيه سيد البشرية محمد بن عبد الله ﷺ ، وفي هذا التاريخ كانت ثقيف أقوى القبائل العربية وأعتاها وأمنعها وأغناها، وكانت المنافس التقليدي الأوحد لقريش فكيف يكون أبو رغال أبًا لجد هذه القبيلة العظيمة، إلا أن يكون الحقد والحسد قد لازما كثيرًا من المؤرخين زمن الدولة العباسية، فما أنصفوا ثقيفًا ولا رجالها بل تحاملوا عليهم، ولم يسلم منهم لا الحجاج بن يوسف ولا سواه من القادة.
ومما تأكد عندي أن أبا رغال كان عبدًا لثقيف وقد أبق وقاد أبرهة إلى مكة، وزامن هذا الحدث قمة التنافس بين ثقيف وقريش على الزعامة والرئاسة وأحداث سوق عكاظ غير بعيدة، ولهذا غَضَّت ثقيف الطرف عن غزو أبرهة بواسطة زيد بن مخلف (أبو رغال)، وهي تتطلع إلى هزيمة منافستها وكسر شوكتها، ولم يكن البيت الحرام في بآل القبائل آنذاك، ولهم من الأصنام مُتَعَبَّد في كل قبيلة، يقول الدكتور جواد علي: "في رأيي أن معظم هذه الروايات التي تنسب ثقِيفًا إلى ثمود أو إلى أبي رغال إنما وضعت في الإسلام بغضًا (٢) من الحجاج الذي عرف بقسوته". ويؤكد هذه المغالطات أيضًا رأي لياقوت فيقول (٣): "فقد كان الثقفيون أغبط العرب عيشًا نتيجة خصوبة أرضهم ورخاء عيشهم مما جعلهم مطمعًا للقبائل
стр. 4617
ومهوى أفئدة الغزاة" ثم يقول: "فلما اشتدت شوكة ثقيف وكثرت عمارة وج رمتهم العرب بالحسد وطمع فيهم من حولهم وغزوهم".
وهناك من الروايات ما يقول بأن ثقيف هو ابن منبه بن بكر بن هوازن، والخلط في هذه الرواية واضح، ذلك أن هوازن قبيلة كانت مزامنة لثقيف ومحادة لها، والقبيلتان اشتركتا ضد الرسول في غزوة حنين، وهوازن هي أصل قبيلة عُتيبة، وإنما هوازن وثقيف أخوين من خمسة ثالثهم سُلَيْم، ورابعهم غَطَفان، وخامسهم غَنِيّ، وهم أبناء القيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان (١)، بينما قيس عيلان أخٌ لخِنْدف الذي أنجب قريش وكِنَانة وهُذَيْل والرباب وتَمِيم.
إذًا فثقيف قبيلة عدنانية ترجع إلى إسماعيل ﵇، فيذكر النسابون أنه ولد لعدنان (معد) و (عك) وولد لمعد (نزار) وولد لنزار ولد منهم (مُضَر) و (ربيعة) ومن مُضَر وربيعة تفرعت القبائل العدنانية، يقول أبو عبد الله الزبيري [وكان يقال (ربيعة) و (مضر) الصريحان من ولد إسماعيل] (٢). وهكذا انقسمت (مُضَر) إلى قسمين كبيرين هما (خِنْدف) الجد الأكبر لقريش، و (قيس عيلان) الجد الأكبر لثقيف (٣).
وثقيف بن قيس عيلان، جد ثقيف، أول من جمع بين أختين من العرب، وأمه أميمة ابنة سعد من هُذَيْل (٤). وولد ثقيف عوفًا وجُشَم ودارسًا وهم بالأزد وسلامة وأمهم زينب بنت عامر بن الظرب العدواني، ومن بناته ناضرة والمسك وهي أم النمر بن قاسط وأمهما أميمة بنت عامر بن الظرب.
стр. 4618
ويحسن بنا أن نختم هذه السطور في نسب ثقيف بهذا الرأي المنصف لشاعر معاصر عرف بأصالته وعروبته وعراقة نسبه وباعه الطويل في النظم الداعي لكل مجد ورفعة وسمو - الشاعر الكبير عبد الله بالخير حيا مجلة (عالم الكتب) التي تصدر عن (دار ثقيف) فخاطب ذلك البطل الفاتح ابن السابعة عشر (محمد بن القاسم الثقفي) فاتح السند والهند فيقول (١):
أهلًا بدار ثقيف هل سمعت … أذناك من اسم ومن نسبِ
أشجى وأروع من نداك به … في سمع كل موحد عربي
فكأن في أصدائه عبق الـ … فتح المبين على مدى الحقبِ
ومحمد بن القاسم الثقفي … وبني ثقيف القادة النجبِ
يدوي به التكبير منذ طووا … الأهواز نحو السند في صخبِ
стр. 4619
ثقيف في الجاهلية
لقد عرفنا في الفصل السابق - نشأة ثقيف، وأن ظهور هذه القبيلة قد تزامن مع ظهور قريش في مكة، وأنه عندما حلّ عام ٥٧١ م والذي ارتبط بحدثين كبيرين هما مولد المصطفى ﷺ ، وغزو أبرهه لمكة، والذي عرف فيما بعد بعام الفيل، عندما حل هذا العام كانت ثقيف في أشد قوتها عددًا وعدة وسؤددًا في الحجاز، وارتبط اسم ثقيف بالطائف منذ ظهورها، حتى أصبحت الطائف ومكة متلازمتين تلازم ثقيف وقريش، وسماها القرآن إحدى القريتين، قال تعالى، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١)، أي وقال المشركون لولا أنزل هذا القرآن الذي أنزل على محمد، على رجل عظيم كبير في مكة أو الطائف.
قال المفسرون (يعنون الوليد بن المغيرة في مكة أو عروة بن مسعود الثقفي في الطائف) (٢).
والطائف هذه تحدثت عنها المراجع بما يظهر أنها كانت زاخرة بالخيرات من زراعة وموقع وهواء، وتوسط بين اليمن، ومكة، حيث ممر تجارة قريش إلى اليمن في الشتاء، ومنتجع كبير للأثرياء والأغنياء من مكة، حتى أغراهم ذلك فاشتروا عقارات وبساتين ومزارع.
وقد وصفها كثير من المؤلفين قديمًا وحديثًا بما يحسب لها ويشهد لثقيف بالبراعة والجد في تعميرها واستزراعها، وليس هنا مجال للحديث عن الطائف كمدينة، والذي يعنينا هنا أن الطائف قبل أن تسودها ثقيف كانت تسمى (وج) نسبة إلى وج بن عبد الحي أحد العمالقة الذي سكنوها (٣)، ثم سكنها بعد ذلك
стр. 4620
عَدوان وغلبهم عليها ثَقِيف الذي عمرها وزرعها وأنجب وكثر نسله، حتى خشوا الغزو فأحاطوها بسور عظيم.
ومع ظهور بعض الاختلاف، هل وج هو اسم لحصن؟ أو لوادٍ؟ يقول الزمخشري:
كان ثقيف يحفر عين وج بيده بالصخرة ويقول (١):
فأرميها بجلمودٍ … وترميني بجلمودٍ
فأحييها وتحييني … وكل هالك مودِي
وهذا الوادي وج لا يزال موجودًا حتى اليوم وهو يشق المدينة الحاضرة من الجنوب إلى الشمال.
وأما الطائف فليس هناك رواية صحيحة في سبب التسمية إلا أن الأقرب إلى الصحة كون ثقيف خشيت اعتداءات القبائل عليها، وقد كثر حسادها، فبنت حائطًا قويًا يحميها الغزو فحصنوا مدينتهم ولهذا تفردوا بهذه المدينة وخيراتها، فأخذ العرب يضربون بهم الأمثال، حتى قال أبو طالب بن عبد المطلب (٢):
منعنا أرضنا من كل حي … كما امتنعت بطائفها ثقيف
أتاهم معشر كي يسلبوهم … فحالت دون ذلكم السيوف
ثم يقول أمية بن أبي الصلت:
نحن بنينا طائفًا حصينًا … يقارع الأبطال عن بنينا (٣)
ولا شك أن أسلوب الحائط فن لم تعرفه جزيرة العرب من قبل لهذا كان
стр. 4621
مفخرة لثقيف وقريش وسواهم. وكان العرب يغبطونهم عليه كما غبطوهم على مدينتهم الجميلة (١).
وهكذا أخذ اسم الطائف يعلو على (وج)، ويكبر ويخلد وتكبر معه ثقيف وتقوى شوكتها، وتتصدر الأحداث التاريخية مع الزمن، وتمسك زمام المراكز السياسية والدينية والإقتصادية والأدبية، في العصر الجاهلي.
وهذا مرادس بن عمرو الثقفي يفتخر بسكنى قومه الطائف (٢) ويقول:
فإن الله لم يؤثر علينا … غداة يجزئ على الأرض اقتساما
عرفنا سهمنا في الكف يهوي … كذا نوح وقسمنا السهاما
فلما أن أبان لنا اصطفينا … سنام الأرض أن لها سناما
فأنشأنا خضارم متجرات … يكون نتاجها عنبًا تؤاما (٣)
وكان لثقيف دَور تجاري هام لتوسط مدينتهم، وكونها قبلة القاصدين مكة، والآيبين منها، وخصوصًا أيام المواسم، ولقاءات سوق عكاظ الشهيرة، التي تجمع العرب بالعجم أحيانًا، ولثقيف خبرة ودراية بالزراعة جد عظيمة، فقد عرفوا زراعة القمح الجيد، وصنع الخبز، وورد أن غيلان بن سلمة وفد على كسرى فقال له: أي ولدك أحب إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يقدم، فقال كسرى: مالك ولهذا الكلام وهو كلام الحكماء وأنت في قوم
стр. 4622
حفاة لا صحة فيهم، فما غذاؤك؟ قال: خبز البُر، قال: هذا العقل من البُر لا من اللبن والتمر! (١).
وقد عرفوا زراعة العنب حتى اشتهرت الطائف منذ الجاهلية، وعرفوا صناعة الجلود وبرعوا فيها (٢).
وثقيف في الجاهلية مجتمع حضري بالقياس إلى غيرهم، فقد امتهنوا الزراعة واستغلوا الماء جيدًا، وجعلوا الطائف جنة خضراء، وبرعوا في المعمار والبناء، وحذقوا في الفنون العسكرية، يدل على ذلك دفاعهم عن مدينتهم يوم حاصرها الرسول ﷺ ، وتحصنهم بسورهم، ورميهم المسلمين بالسهام والنار من فوق السور، في وقت لم تكن لمكة ولا للمدينة سور ولا خنادق (٣).
وحين جاء الرسول ﷺ لحصار الطائف، كان عروة بن مسعود الثقفي غائبًا بجرش، يتعلم عمل الدبابات والمنجنيق، فقدم الطائف، ولقي الرسول ﷺ وهو ينصرف عنها، فأسلم ولحق بالرسول ﷺ في المدينة، وبعثه ﷺ يدعو قومه فقتلوه (٤).
ومما يؤكد تحضر ثقيف وتطورهم تفوقهم وميلهم إلى الحرف، مثل الدباغة والنجارة والحدادة والزراعة، وقد درت عليهم أموالًا طائلة، حتى أن فقراء الطائف كانوا أحسن حالًا بالقياس إلى سواهم في مناطق الحجاز، يقول جواد علي (٥): (وقد عاش أهل الطائف في مستوى أرفع من مستوى عامة أهل الحجاز).
وإلى جانب هذا الثراء العظيم، وفر لهم السور الذي بنوه الحماية والاستقرار، وردع عنهم الطامعين، ومع ذلك كانوا يعدون العدة لكل احتمال،
стр. 4623
فكانوا يملكون أسياخ الحديد التي يحمونها ويرمون بها الجنود، كما حدث مع جنود المسلمين في دبابتهم، وأخذوا صناعة العرادات والمجانيق والدبابات واستخدموا الحجارة والنبل (١).
ومن مظاهر ترفهم استخدامهم للرقيق الذين منهم أبو بكرة نفيع بن مروح مولى الرسول ﷺ ، من جماعة أعتقهم ﷺ بعد نزولهم إليه في حصار الطائف (٢).
وكذلك امتلاك نسائهم للحلي حتى عد مضرب المثل عن سواهن، ومما يروى أن خويلة بنت حكيم قالت يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية غيلان بن سلمة، أو حلي الفارعة بنت عقيل، وهما من نساء ثقيف (٣).
ومما ينسب لهم الكرم والمجد والزهو والكبرياء، فهذا عُيينة بن حِصْن أمتدح ثقيفًا بعد انصراف الرسول ﷺ ، ولم يفتح الطائف، فلامه رجل من المسلمين فقال: (إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفًا معكم ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أطئها لعلها تلد لي رجلًا فإن ثقيفًا قومًا مناكير) (٤).
وكان العناد والكبرياء طابعهم في جاهليتهم، فقد وفدوا على الرسول ﷺ ليسلموا فلقيهم ابن عمهم المغيرة بن شعبة، فعلمهم كيف يحيون الرسول فلم يفعلوا، وحيوه بتحية الجاهلية (٥)، ولكن هذا العناد والكبرياء زال مع سماحة الإسلام الذي أبطل كل أمر جاهلي لا قيمة له، وأثبت مكارم الأخلاق التي جاء
стр. 4624
الرسول ﷺ ليتممها، ولقد وصف التميمي النجدي (١) هذه القبيلة وهو يتحدث عن عرب الحجاز فقال: (ومنهم ثقيف ذي العرض العفيف إلا أن فارسهم في الهيجاء مخيف وهؤلاء بقايا قوم الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي أخباره مشهورة وحكاياته مسطورة وهم أشد أهل الحجاز امتناعًا عن الاستسلام، وأصبرهم في الملاحم على وقوع السهام في الأجسام وأكرامهم النازل).
وهذا الامتناع هو ما يفسر تأخر إسلامهم، وإدراك الرسول ﷺ يوم حاصرهم أنهم سيأتون مهتدين طائعين، بلا قتال، وهذا ما حدث كما سنرى فيما بعد.
أما هذه الصلابة التي ظهر بها الثقفيون مرتين من الإسلام، الأولى في زيارته لهم ﷺ وعرضه عليهم، وقد اختصهم بعد قومه من سائر الأمم، والثانية يوم جاءهم يحاصرهم ويترك بلدهم دون قتال، فقد أثمرت فيما بعد صلابةً في الحق بعد أن كانت صلابةً في الباطل، وهي صلابتهم التي ظهرت بعد وفاته، يوم ثبتوا على الإسلام لا يرتدون ولا يرتابون لحظة أن الإسلام حق، وأن وفاة الرسول ﷺ حق.
وما أجمل ما قاله الدكتور محمد حسين هيكل (٢) حيال هذا الموقف حيث يقول:
(أما موقف ثقيف منه أول الأمر فتلك آية الله على الحق أن يكون في حاجة إلى صلابة في النفس وقوة في الحق لينتصر بأمر الله ولكنهم أقبلوا طائعين لا مكرهين).
ومن عاداتهم الجاهلية إذا استبطؤا المطر وحل البلاء جمعوا بقرًا وعقدوا
стр. 4625
بأذنابها وعراقيبها السلع والعشر - شجر - وصعدوا بها جبلًا وعرًا واشعلوا بها النيران وضجوا يدعون ويتضرعون ويرون ذلك من أسباب السقيا (١).
وديانة ثقيف قبل الإسلام لم تكن بأحسن حال من ديانة قريش التي منها ظهر الرسول الهادي محمد بن عبد الله ﷺ ، كسائر قبائل العرب قبل الإسلام وتسودها الوثنية، حتى مكة المكرمة تحتضن البيت الحرام والكعبة المشرفة، والتي كانوا يحجون إليها كل عام.
وكان لثقيف في حجها إلى الكعبة تلبية خاصة، مثلما هناك تلبيات خاصة لقُريش وتَمِيم وهُذَيْل وقيس وغيرها.
وكانت تلبية ثقيف: (لبيك اللهم لبيك، هذه ثقيف قد أتوك وخلفوا أوثانهم وعظموك، وقد عظموا المال وقد رجوك، عُزَّاهُم واللات في يديك، دانت لك الأصنام تعظيمًا إليك، قد أذعنت بسلمها إليك، فاغفر لها طالما غفرت) (٢). وتلبية ثقيف أقل وثنية وشركًا من تلبيات أخرى، كتلبية قريش مثلًا وتميم وهُذَيل، وما ورد في التلبية من اسم (عزاهم - واللات) هما صنمان لثقيف، من بين ثلاثة اشتهرن هن اللات والعزى ومناة، وجاء ذكرهن في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (٣).
فاللات صخرة مربعة بيضاء وكان كما قال ياقوت (٤): أن رجلًا من ثقيف مات فقال لهم عمرو بن لُحي: لم يمت بل دخل الصخرة وأمرهم أن يبنوا له صخرة ويعبدوها، ورواية أخرى أن رجلًا يقصد صخرة لثقيف، فيبيع السمن من الحجاج إذا مروا، ويلت سويقهم فمات، فلما قصدوه قال عمرو بن ربيعة: إن ربكم كان اللات فدخل الصخرة.