← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

سُبَيع والسهول (*) نسب القبيلة: سُبَيْع بن عامر- بضم السين - قبيلة نجدية (١) من عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وسُبيع ما برحت باقية في منازل كانت لسلفها بني عامر وهي: رنية (٢)، والخرمة بوادي تُرَبة (٣)، ووادي المياه (٤)، وبعض قرى بيشة (٥).

стр. 4762

قال سبيعي قديم العصر: دار حددها سبيع بن عامر … حددها وخلاها لنسله ودايدِ يحدنا: أبو سنون من صوب بيشة … والمروة البيضا حدود الوكايد وتحدنا: الرحيا عن الشام نجنب … ونأخد بها شاته إلى جاك قايدِ ويحدنا من صوب علوا خناثل … ومجامع الوديان صوب آل زايدِ وقد انحدر إلى العارض بنو عمر وبنو محامر ومَلِيْح من سبيع، وهؤلاء يقال لهم سبيع الحدارية، لأنهم انحدروا من الوديان (وادي رنية والخرمة وما حولهما) وسكنوا الدهناء والصمان ورماحًا وما حولهما. قال عجران بن شرفي السبيعي (من بني عمر أهل العارض): دارٍ وليناها بضربٍ بالأسياف … يوم كلٍ حاميٍ ورث جده وقال عبد الله بن شيحان الجبري السبيعي (١): الحفر ورماح خذناه بطعنا … من شيوخ (٢) فعلهم كلٍ حكى به أنشد الدوشان (٣) والعجمان عنا … والدواسر وحددانا من شبابه (٤) وقال عجران بن شرفي السبيعي، يذكر ديار سبيع الأصلية: با ابن الإمام إنْ ديرتي من وراء تين (٥) … ولي لابة فيها تضد البوادي من حد خشم العرق (٦) للحزم ويمين … ومقضبين أطرافها بالحدادي وأقدم تاريخ رأيته لسبيع عام ٨٦٦ هـ حيث قال ابن بسام في (تحفة المشتاق) أنه في هذه السنة عزا زامل بن جبر ملك الإحساء والقطيف، ومعه جنود كثيرة، وتوجه إلى نجد وصبَّح آل مغيرة وسُبيع وتتابعت بعد ذلك أخبار سُبيع.

стр. 4763

أما السهول فإحدى قبائل نجد المشهورة، فهم بنو سهل بن أنس بن ربيعة بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقد انحدر السهول من وديان رنية وما حولها إلى عرض شَمَام وبَقُوا فيه فترة من الزمن حيث سيطروا على مساحات كبيرة من هذه المنطقة المعروفة بعرض شمام، وفي حوالي القرن الثاني عشر الهجري انزاحت قبيلة السهول إلى العارض والمحمل وسدير، ونزح القبابنة من السهول إلى وادي برك والغيل، وبقي من السهول ناس استقروا في رويضة وما حولها والقويعية. قال أحد شعراء قبيلة السهول يحدد بلاد قبيلته: لنا ديرة مسماة محتمينها … من العرض للدهنا وجنوب نعايم ديرة بني عمي دماثٍ على الحفا … شداد على الرمضا نهار السمايم وقال ابن شرقة السهلي: أهل ديرة العرض ما يرخصونها … وإن أرخص الوادي رجال آل زايد ديرة سهولٍ تضد العوادي … بشلفٍ على شهب سراع الردايد جنوبها صبحا وعروى تحدها … فالعرض ولنا العارض كلام وكايد أقوله وأنا من لابةٍ تلطم العدا … لى جاء نهارٍ فيه مخطي وصايد وأقدم تاريخ رأيته للسهول عام ٩٠٢ هـ عندما أغار الدواسر على السهول وهم على الرويضة بالعرض، فردهم السهول ولم ينالوا شيئًا (١)، وتتابعت بعد ذلك أخبار السهول. وقبيلة السهول تعدُّ من سُبَيع الموجودين في العارض قبيلة واحدة وينصر بعضهم بعضًا ولا يرضون أن يتدخل الأجنبي بينهما، قال بادي بن دبيان العامري السبيعي: ترى أهل العارض قديم الزمانِ .. لى قيل منهم قيل: سبعان وسهول عاداتهم يرخون حبل العنانِ … لى جا نهار فيه قاتل ومقتول ومع أن السهول قبيلة ترجع في نسبها إلى سُبيع بن عامر، إلا أنها قبيلة مستقلة لها

стр. 4764

قوتها وكيانها الخاص الذي جعلها تستقل مع البقاء على صلة بسبيع بحكم النسب، والتاريخ دائمًا يذكر سُبيعًا والسهول متحدين معًا في المعارك (١). جاء في جريدة أم القرى في ٢٠ يونيو ١٩٣٠ م: (وتحيط بالرياض قبيلتان من قبائل العرب، وهما: قبيلتا السبعان والسهول، وهما من أشد القبائل النجدية في الحروب). وعندما قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته السلفية بمساندة الإمام محمد بن سعود كانت سُبيع والسهول من أوائل قبائل العرب التي ساندت الدعوة، ووقفت بجانبها فكانوا كمجاهدين ومخلصين وظلوا كذلك إلى أن وحد الملك عبد العزيز هذه الجزيرة. وجاء في كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز اقتباس من عشرين مقالة نشرت سنة ١٣٤٩ هـ (١٩٣٠ م) في أم القرى عنوانها: كيف قطعت نجد الطور الرهيب تحدث بها عن فرق الجند فقال: (ولم يكن في نجد ثكنات عسكرية، لأن بلاد نجد كلها - على تلك الطريقة - تؤلف ثكنة تضم الرجال جميعًا، وهم أقسام لكل قسم منهم طراز خاص، ويمكن حصر الأقسام (تقريبًا) بما يأتي: ١ - أهل العارض، وهم اليوم سكان الرياض. وإن كان المقصود بادية العارض فهم قبائل أهمها: سُبيع والسهول. ٢ - أهل حواضر المدن ٣ - أهل الهِجَر. ٤ - البدو (٢).

стр. 4765

بنو عامر بن صعصعة (١) ١ - وهم بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن مَعَدْ بن عدنان. وبنو عامر بن صعصعة تفرع منها عدة فروع منها: بنو عُقيل، وبنو كلاب، وبنو جعدة، وبنو هلال (٢) وبنو نمير، وبنو قشير وغيرهم. ٢ - واشتهرت قبائل قيس عيلان بأنها من أشد العرب بأسًا ونجدة. قال جرير شاعر بني تميم: ويعلم من يحارب أن قيسًا … صناديد لهم لججٌ غمارُ وقال دغفل النسَّابة عندما سئل عن العرب: فاخر بكنانة، وكاثر بتميم، وحارب بقيس ففيها الفرسان والأنجاد. قال جرير مخاطبًا الأخطل التغلبي: حَمَلَتْ عليك حُماةُ قيس خيلها … شُعْثًا عوَابسَ تحملُ الأبطالا ما زلت تحسب كل شيء بعدها … خيلًا تشد عليكمُ ورجالًا قيسٌ وخندفُ إن عادت فِعالَهم … خيرٌ وأكرمُ من أبيك فعالًا وقال معاوية بن أبي سفيان لدغفل النسَّابة (٣) في حديث طويل بينهما: فأخبرني عن قيس، فقال: كانوا لا يفرحون إذا أُديلوا (نُصروا على أعدائهم)، ولا يجزعون إذا ابتلوا، ولا يبخلون إذا سئلوا، قال فأخبرني عن أشرافهم في الجاهلية؟

стр. 4766

قال: غطفان بن سعد، وعامر بن صعصعة، وسُلَيْم بن منصور. فأما غطفان: فكانوا كراما سادة، وللخميس قادة، وعن البيض ذادة. وأما بنو عامر: فكثير سادتهم، مخشية سطوتهم، ظاهرة نجدتهم. وأما بنو سُليم: فكانوا يدركون الثأر، ويمنعون الجار ويعظمون النار (يكبرون نارهم، وهذا كناية عن الكرم). وقال جرير التميمي يمدح قبائل قيس عيلان من مُضَر: ألا إنما قيسٌ نجومٌ مضيئةٌ … يشق دجى الظلماء بالليل نُورها تُعدُ لقيسٍ من قديم فعالهم … بيوتٌ أواسيها طوال وسورُها فوارسُ قيس يمنعون حماهمُ … وفيهم جبال العز صعبٌ وعورها وقيسٌ هم قيسُ الأعنة والقنا … وقيسٌ حماةُ الخيل تدمي نحورها سليمٌ وذبيانٌ وعبسٌ وعامرٌ … حصونٌ إلى عزٍ طوال عمورها ألم تَرَ قيسًا لا يرام لها حمىً … ويقضي بسلطان عليك أميرها ملوكٌ وأخوالُ الملوك وفيهمُ … غيوث الحيا يحيي البلاد مطيرها وجاء في أخبار الوافدات من النساء على معاوية: قدمت أمامة بنت يزيد بن الصعق على معاوية، فقال لها: حدثيني عن هذا الحي من مُضر. فقالت: أما ناحية مُضر فهذان الحيان كنانة وأسد، وأما أظفاره التي يخدش بها فهذا الحي من قيس، فقال معاوية: ما تركتم لتميم؟ قالت: ذلك الكاهل المحمول عليها، والكرش المأكول فيها. فقال لها: حدثيني عن قيس قَصْرَه.

стр. 4767

قالت: جمجمة قيس غطفان، وأضراسها من سُلَيْم، وخيشومها عامر بن صعصعة. وقال ابن ميادة يفتخر بقيس: ولو أن قيسًا قيسَ عيلانَ أقسمتْ … على الشمس لم تطلع عليها حجابها وجاء في العقد الفريد: أن يزيد بن شيبان التميمي قال: سألني حاج: ممن أنت؟ فقلت: من مُضر، قال: فمن الفرسان أنت أمن من الأرحاء؟ فعلمت أنه أراد بالفرسان قيسًا وبالأرحاء خِندفًا، فقلت: بل من الأرحاء، قال: أنت امرؤ من خندف. وسبب اختصاص قيس عيلان بأنهم الفرسان؛ لأنه خرج منهم فرسان مشهورون في الجاهلية كعامر بن الطفيل العامري، وملاعب الأسنة العامري (١)، ودريد بن الصمَّة الجُشمي، وعنترة بن شداد العبسي، والعباس بن مرداس السُّلمي الذي يقول: أكر على الكتيبة لا أبالي … أَحَتْفي كان فيها أم سواها وأربد الحتوف العامري، والحارث بن ظالم الذبياني وغيرهم من الفرسان المشهورين. وكان بنو عامر بن صعصعة في الجاهلية قوما لقاحا لا يدينون للملوك، بل هم كثيرا ما يتعرضون للطائم النعمان ويغنمونها، وعرف العامريون بالأحامس لتشددهم في دينهم على مذهب قريش. قال النابغة الجعدي:

стр. 4768

وشاركنا قريشا في تقاها … وفي أنسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني قريش … وما ولدت نساء بني أبان حيث إن ربيعة بن عامر بن صعصعة تزوج مجد بنت غالب بن فهر القُرَشيَّة وهي التي حمَّست بني عامر (جعلتهم حمسا) وفيها يقول لبيد: سقى قومي بني مجد وأسقى … نميرا والقبائل من هلال (١) وبنو عامر من أكثر القبائل عددًا، قال أبو عمرو بن العلاء: (جاء الإسلام وأربعة أحياء قد غلبوا على الناس كثرة: شيبان بن ثعلبة من (بكر بن وائل)، وجُشَم بن بكر وعامر بن صعصعة من (هوازن بن منصور)، وحنظلة بن مالك من (تميم بن مر)، فلما جاء الإسلام خمد حيان وطما حيان، طما بنو شيبان وعامر، وخمد جُشَم وحنظلة (٢). قال جرير: والحيُّ قيسٌ بأعلى المجد منزلةً … فاستكرموا من فروع زندها واري قومي فأصلهم أصلي وفرعُهُمُ … فرعي وعقدهم عقدي وإمراري (٣) إني امرؤ مُضريٌّ في أرومتها … لن تستطيع مساماتي وأخطاري جئني بمثل بني بدر لقومهم … أو مثل أسرة منظور بن سيار (٤) أو عامر بن طفيل في مركبه … أو حارث يوم نادى القوم يا حار (٥) أو مثل آل زهير والقنا قصدٌ … والخيلُ في رهجٍ منها إعصار (٦)

стр. 4769

أو حاملٍ كَحُصَينٍ حين يحملُه … نهدُ المراكلِ يحمي عورةَ الجارِ (١) أو هاشمِ يوم قاد الخيل مُعْلِمَةً … في جحفلٍ كسواد الليل جرَّارِ (٢) أفنى الملوك فاضحوا حوله جزرا … بصارم من سيوف الهند بتَّارِ (٣) أو آل شمخ فلا تأتي بمثلهم … للمعتقين ولا طلاب أوتار (٤) إنَّا لنبلوا سيوفا غير مُحدثة … في كل معتقد التاجين جَبَّارِ (٥) وقال عتيبة بن الحارث اليربوعي التميمي لبسطام بن قيس الشيباني: لأضعنك في أعز بيتين من مُضر، في بني عدي بن جندب (من تميم) أو في بني جعفر بن كلاب (من بني عامر). وقال زهير بن أبي سُلم من مُزينة: إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية … من المجد من يسبق إليها يُسْبَقِ (٦)

стр. 4770

من أيام بني عامر (١) يوم بطن عاقل (*) أغار خالدُ بن جعفر العامري على ذُبيان من غَطَفَان - رهط الحارث بن ظالم الذُبْيَاني - وهم في واد يقال له حراض، فقتل الرجال حتى أسْرف، والحارث بن ظالم يومئذ صغير؛ وزعموا أن ظالمًا أباه هلك في تلك الوقعة من جِراحٍ أصابته يومئذٍ. فنشأ الحارث بن ظالم على بُغض خالد، وزاد ذلك قتل خالد زهير بن جُذيمة العبسي، فكسب خالد عداوة غَطَفَان (١). ثم مكث خالد بُرهة من دَهْره أتى بعدها النعمان (٢) بن المنذر ملك الحيرة، فوجد عنده الحارث بن ظالم فأقبل النعمان يسأله؛ فحسدهُ خالد، ثم قال للنعمان: أبيت اللعن! هذا رجلٌ لي عنده يد عظيمة! قتلتُ زهير بن جُذيمة العبسي سيدَ غطفان فصار هذا بعد قتله سيدَها! فقال الحارث - غاضبًا: سَأَجْزِيك على يدك عندي. ثم إن النعمان دعاهما بعد ذلك ومعهما بعض القوم، وقدم لهم تمرًا؛ فطفق خالدٌ يأكل ويُلقي نَوى ما يأكل من التمر بين يدي الحارث (٣)، فلما فرغ القوم قال خالد: أبيت اللعن! انظر إلى ما بين يدي الحارث من النوى، فما ترك لنا تمرًا إلا أكله، فقال الحارث: أما أنا فأكلتُ التمر وألقيت النَّوى، وأما أنت يا خالد فأكلته بنواه! فغضب خالد - وكان لا يُنازع - وقال: أتنازعني يا حارث وقد قتلتُ حاضرتك (٤) وتركتك

стр. 4771

يتيمًا في حجُور النساء؟ فقال الحارث؛ ذلك يوم لم أَشْهَده، وأنا مُغْنٍ اليوم بمكاني. فقال خالد: فهلا تشكر لي إذ قتلتُ زهير بن جُذيمة وجعلتُك سيِّدَ غَطَفَان؟ قال: بلى، سوف أشكرك على ذلك. وكان مع خالد ابن أخيه عروة الرحَّال بن عُتبة بن جعفر الكلابي العامري، فقال عروة لعمه خالد: ما أردتَ بكلامك وقد عرفته فتاكًا! فقال خالد: وما تخوِّفني منه؟ فوالله لو رآني نائمًا ما أيقَظني (١). ثم إن الحارث بن ظالم ذهب إلى امرأة فشرب عندها، وقال لها أن تغني: تعلمْ أبيت اللعن أنِّي فاتكٌ … من اليوم أو من بعده بابنِ جَعْفرِ أخالد قد نَّبهْتَني غيرَ نائمٍ … فلا تأمنَنْ فَتْكِي مدى الدهر واحذر أعيْرتَني أَنْ نلتَ مني فوارسًا … غَداةَ حُراض مثل جِنّانِ عَبْقَرِ (٢) أصابهمُ الدهرُ الختُورُ بخَتْرِهِ (٣) … ومَنْ لا يَقي اللهُ الحَوادثَ يَعْثر لعلك يومًا أن تنوء بضربةٍ … بكفِّ فتى من قومه غير جَيْدَر (٤) يَعَضُ بها عُليا هوازن والمنى … لقاء أبي جَزْءٍ بأبيض مبْتَرِ فبلغ خالد بن جعفر قوله فلم يَحْفلُ به. وكان عبد الله بن جعدة - وهو ابن أخت خالد - رجلَ قيس رأيًا، وبلغه قول الحارث؛ فأرسل ابنه إلى خالد، وقال له ائته وقل له: يا أبا جَزء؛ إن الحارث بن ظالم سفيه مَوْتور، فأخْفِ مبيتَك الليلة فإنه قد غَلبه الشَّراب، فإن أبيت فاجْعَلْ رجلًا يحرسك. فلم يقبل خالد أن يُخفي مبيته، ولكنه نام وجعل رجلًا يحرسه، ونام عُروة وابن جعدة دونَ خالد (٥). ولما أظلم الليل أقبل الحارث حتى انتهى إلى ابن جعدة وعروة فتعداهما، ثم أتى قبة خالد فهتك شَرَجَهَا (٦)، ومضى إلى خالدِ فأيقظَه فلما استيقظ قال

стр. 4772

له: أتعرفني؟ قال: أنتَ الحارث؟ قال: خُذْ جَزاء يدك عندي، وضربه بسيفه فقتله، ثم خرج من القبة وركب راحلته وسار. وانْتَبه عروة، فصاح: وآجوار الملك! (١) ثم ذهب إلى باب النعمان فدخل عليه وأخبره الخبر، فبثَّ الرجال في طَلب الحارث. قال الحارث: فلما سمرتُ قليلًا خِفْتُ أن أكونَ لم أَقْتله، فعدتُ متنكِّرًا واختلطت بالناس، ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقَّنْتُ أَنَّه مقتول، وعدتُ فلحقتُ بقومي. ولما رجع الحارث إلى قومه أبوا أن يجيروه، فغضب لذلك قيسُ بن زهير بن جذيمة العبسي، وهو الذي قتل خالدُ بن جعفر أباه، فأرسل إلى الحارث بهذه الأبيات: جزاك الله خيرًا من خلل … شفى من ذي تُبُولته (٢) الخليلا أزحتَ بها جوىً ودخيلَ حزنٍ … تمخَّخ أعظمي زمنًا طويلا كسوتَ الجعفري أُبَّي جَزْء (٣) … ولم تحفل به سَيْفًا صقيلا أبأت به زهيرَ بني بغيض (٤) … وكنتَ لمثلها ولها حمولا كشفتَ لها القناع وكنت مِمَّن … يجلِّي العار والأمر الجليلا فأجابه الحارث بن ظالم: أتانى عن قُيَيْسِ بني زهير … مقالةَ كاذب ذكر التُبولا فلو كنتم كما قلتم لكنتم … لقاتل ثَأرِكم حِرْزًا أصيلا ولكن قلتمُ: جاور سوانا (٥) … فقد جللتنا حدثًا جليلا ولو كانوا هُمُ قتلوا أخاكم … لما طردوا الذي قتل القتيلا

стр. 4773

(٢) يوم رَحْرَحان لما قَتل الحارثُ بن ظالم الذبياني خالدَ بن جعفر العامري غدرًا عند النعمان تشاءم به قومه بنو ذبيان، ولاموه، فكره أن يكون منهم عليه منَّة، فهرب ونَبَتْ به البلادُ. ثم لحق بتميم واستجار بهم فأجارُوه، وأبوا أن يُساموه أو يُخرجوه من عندهم، وعلم بهذا بنو عامر بن صعصعة فخرجُوا إليه، وفيهم كثيرٌ من وجوههم يَزعمهم الأَحْوص بن جعفر العامري أخو خالد بن جعفر؛ ولما صاروا بأدنى مياه بني دارم (١) رأوا امرأة منهم تجني الكَمْأَة (٢)، ومعها جمل لها، فأخذها رجل منهم وسألها عن الخبر، فأخبرته بمكان الحارث بن ظالم عند حاجب (٣) بن زُرَارة التميمي، ما وعده من نصرة ومنعته. فلما كان الليل نام، فقامت المرأة إلى جملها فركِبَتْهُ، وسارت حتى صبَّحت بني دارم من تميم، وقصدت سيدهم حاجب (٤) بن زرارة التميمي، فأخبرته الخبر، وقالت: أخذني أمسِ قومٌ لا يريدون غيرك ولا أعرفهم. قل: أخبريني، أي قوم هم؟ فلما وصفتهم لحاجب، قال: أولئك بنو عامر .. ثم أمرها حاجب فدخلت بيتها. ودعا حاجبٌ الحارثَ بن ظالم فأخبره بخَبر القوم، وقال: يا ابن ظالمِ؛ هؤلاء بَنُو عامر قد أَتَوْك، فما أنت صانع؟ قال الحَارث: ذاك إليك؛ فإن شئْتَ أقمتُ فقاتلتُ القَوم، وإن شئتَ تنحَّيت، قال حاجب: تنحَّ عني غير مَلوم، فغضب الحارث من ذلك وقال: لعمري لقد جاورتُ في حيِّ وائل … ومن وائلٍ جاورتُ في حيِّ تغلبِ فأصبحتُ في حيِّ الأراقم (٥) لم يَقُل … لي القوم يا حارث بن ظالم اذهب

стр. 4774

وقد كان ظني إذ عَدَلْتُ إليكم … بني عُدُس (١) ظني بأصحاب يَثْربِ غداةَ أتاهم تُبَّعٌ في جنوده … فلم يُسلموا المَرْأَين من حيِّ يَحْصِبِ فإن تك في عُليا هَوازن شَوْكَةٌ … تُخَافُ ففيكُمْ حدُّ نابٍ ومِخْلبِ وإن يُسْلِم المرء الزُّراري جَارَه … فأَعْجِبْ بها من حاجب ثم أعجبِ فغضب حاجب فقال: لعمرُ أبيك الخير يا حارث إنني … لأَمْنَعُ جارًا من كليب بن وائل وقد علم الحيُّ المَعدِّيُّ أننا … على ذاك كنَّا في الخطوب الأوائلِ وإنَّا إذا ما خاف جارٌ ظلامةً … لبسنا له ثوبي وفاءٍ ونائلِ وإن تميمًا لم تحارب قبيلةً … من الناس إلا أُولِعَتْ بالكواهل ولو حاربتنا عامرٌ يا ابن ظالمٍ … لعضَّتْ علينا عامرٌ بالأنَاملِ ولَاسْتَيقَنَتْ عليا هوازن أننا … سنُوطِئها في دارها بالقبائلِ ولكنني لا أَبْعَثُ الحرب ظالمًا … ولو هجتها لم أُلْفَ شحمةَ آكِلِ فتنحى الحارث (٢) عن بني تميم، ولحق بعروض اليمامة. ثم أرسل حاجب إلى الرِّعاء يأمرهم بإحضار الإبل ففعلوا، وأمرهم فحملوا الأهل والأثقال وساروا نحو بلاد بني بغيض، ولبث هو مع بعض القوم ينتظر بني عامر بن صعصعة. وأصبح بنو عامر- وقد علموا حَال المرأة وخبرها وهربها - فأُسْقِطَ في أيديهم، واجتمعوا يديرون الرأي قال بعضهم: كأني بالمرأة أتت قومها فأخبرتهم الخبر، فحذروا وأرسلوا أهليهم وأموالهم إلى بلاد بني بغيض، وباتوا معدين لكم في السلاح. فاركبوا في طلب نعمهم وأموالهم؛ فإنهم لا يشعرون حتى نُصِيب حاجتنا، وننصرف. وركبوا يطلبون ظُعن (٣) بني تميم.

стр. 4775

فلما أبطأ بنو عامر عن حاجب قال لقومه: إن القوم قد توجهوا إلى ظُعنكم وأموالكم، فسيروا إليهم؛ فساروا مجدِّين حتى التقوا برحْرَحان؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانتصر بنو عامر، وأُسِرَ معبد بن زرارة، أسره عامر والطفيل ابنا مالك بن جعفر الكلابي العامري. فوفد لقيط بن زرارة في فدائه (١) فقال لهما: لكما عندي مائتا بعير. فقالا: يا أبا نهشل؛ أنت سيد الناس، وأخوك معبد سيد مُضَر، فلا نقبل فيه إلا دية ملك. فأبى أن يزيدهم، فقال لهم: إن أبانا أوصانا ألا نزيد أحدًا في ديته على مائتي بعير. فقال معبد للقيط: لا تدعني يا لقيط، فوالله لئن تركتني لا تراني بعدها أبدًا. فقال لقيط: صبرًا أبا القعقاع؛ فأين وصيَّة أبينا - لا تُؤاكلوا العرب أنفسكم، ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل منكم فتذؤب (٢) بكم ذؤبان العرب. ورحل لقيط (٣) عن بني عامر؛ ومنع بنو عامر معبدًا عن الماء وضاروه حتى مات هزالا (٤).

стр. 4776

(٣) يوم شِعْب جَبَلَة لما نشبت العداوة بين عبس وذبيان من غَطَفَان في حرب داحس والغبراء، خرج بنو عبس من ديارهم، وعلى رأسهم الربيع بن زياد العَبْسي وأخوه عامر، وقيس بن زهير بن جُذيمة، وفيما هم سائرون قال لهم الربيع: أما والله لأرمينَ العرب بحَجَرها، اقصدوا بني عامر. وساروا حتى نزلوا مضيقًا من وادي بني عامر، ونزلوا على ربيعة بن شكل الكعبي العامري - وكان العقد من بني عامر إلى بني كعب (١) بن ربيعة - فقال ربيعة بن شكل: يا بني عبس؛ شأنكم جليل، وذَحْلكم (٢) الذي يُطلب منكم عظيم، وأنا والله أعلم أن هذه الحرب أعز حرب، ما حاربتها العرب قط، فامهلوني حنى أستطلع طِلع (٣) قومي. وخرج في قوم من بني كعب، حتى نزلوا على الأحوص بن جعفر الكلابي العامري، فذكروا له من أمر عبس، فقال الأحوص لربيعة بن شكل: أأظللتَهم ظِلَّك، وأطعمتَهم طَعَامَك؟ قال: نعم، قل: قد والله أجرتَ القوم! ثم جاء الربيع بن زياد العبسي وقيس بن زهير العبسي إلى الأحوص - وكان رجلًا شيخًا - فتقدَّم إليه قيس وأخذ بمجامع ثوبه من وراء فقال: هذا مقام العائذ بك، قتلْتم أبي (٤) فما أخذتُ له عقلًا (٥) ولا قَتلتُ به أحدًا، وقد أتيتك لتُجيرنا. فقال الأحوص: نعم؛ أنا لك جارٌ مما أُجير منه نفسي. وكان لقيط بن زرارة سيد بني تميم قد عزم على غزو بني عامر للأخذ بثأر أخيه مَعْبد (٦)، وبينما هو يتجهز إذ أتاه الخبر بحلف بني عبس وبني عامر. وكان لقيطٌ وجيهًا عند الملوك، فذهب إلى النعمان بن المنذر يستنجده، وأطمعه في

стр. 4777

الغنائم فأجابه؛ ثم ذهب إلى الجَون الكلبي ملك هَجر، فقال له: هل لك في قوم قد ملأوا الأرض نعمًا وشاءً، فترسل معي ابنيك، فما أصبنا من مال وسبي فلهما، وما أصبنا من دم فَلي؟ فأجابه الجون إلى ذلك، وجعل له موعدًا رأس الحول. ثم أرسل إلى كل من كان بينه وبين عبس ثأر، يسأله الحول والتظاهر على غزو عبس وعامر؛ فاجتمع إليه بنو ذبيان لعداوتهم لبني عبس بسبب حرب داحس والغبراء، وبنو أسد لحِلْفٍ كان بينهم وبين بني ذبيان. ولما كان على رأس الحول من يوم رَحْرَحَان انهلَّت الجيوش على لقيط: أرسل الجون جيشًا وعليه ابناه عمرو ومعاوية، وأرسل النعمان جيشًا وعليه أخوه لأمه حسَّان الكلبي، وأقبل الحليفان أسد وذبيان وعليهم حِصْن بن حُذيفة الفزاري، وأقبل شرحبيل بن أخضر في جمع من بني كِنْدة. وسار بنو تميم في رؤسائهم: حاجب بن زرارة، ولقيط بن زرارة، وعمرو بن عمرو، والحارث بن شهاب؛ ومعهم أحلافهم، وتبعهم غُثَاء (١) من الناس يريدون الغنيمة، وتم لهم جمعٌ لم يكن في الجاهلية أكثر منه؛ فلم تشك العرب في هلاك بني عامر بن صعصعة. ولما سمعت بنو عامر بمسيرهم اجتمعوا إلى الأحوص - وهو يومئذ شيخٌ كبير، قد وقع حاجباه على عينيه، وقد ترك الغزو، غير أنه يدبر أمر الناس، وكان مجربًا حازمًا ميمون النقيبة (٢)؛ فأخبروه بالخبر، فقال لهم الأحوص: قد كبرتُ فما أستطيع أن أجيء بالحزم، وقد ذهب الرأي مني؛ ولكن إذا سمعت عرفت، فأجمعوا آراءكم، ثم بيتوا ليلتكم هذه، ثم اغْدوا عليَّ، فاعْرضوا عليَّ آراءكم. ففعلوا، فلما أصبحوا غدوا عليه، فوضعت له عباءة بفنائه فجلس عليها، ورفع حاجبيه عن عينيه بعصابة، ثم قال: هاتوا ما عندكم، فقال قيس بن زهير العبسي: بات في كنانتي اليوم مائة رأي، فقال له الأحوص: يكفينا منها رأي واحد حازم صَليب مُصيب؛ هات فانثُر كنانتك. فجعل يعرض كلَّ رأي رآه حتى أنفد (٣). فقال له الأحوص: ما أرى أنه بات في كنانتك الليلة رأي واحد.

стр. 4778

وعرض الناس آراءهم حتى أنفدوا. فقال: ما أسمع شيئًا، وقد صرتم إليَّ؛ اجمعوا أثقالكم وضعفائكم. ففعلوا، ثم قال: حَمِّلوا ظُعنكم؛ فحملوها. ثم قال: انطلقوا حتى تعلوا في اليمن (١)؛ فإن أدْرَككم أحد كررتم عليه، وإن أعجزتموهم مضيتم. فسار الناس حتى أتوا وادي نُجَار (٢) ضَحْوة. ثم رُئي الناس يرجع بعضهم على بعض، فقال الأحوص: ما هذا؟ قيل: هذا عمرو بن عبد الله العامري، قدم في فتيان من بني عامر يَعْدُون بمن أجاز بهم، فقال الأحوص: قَدِّمُوني، فقدموه حتى وقف عليهم، فقال: ما هذا الذي تصنعون؟ فقال عمرو: أردت أن تفضحنا وتخرجنا هاربين من بلادنا، ونحن أعز العرب، وكثر عددًا وجلدًا وأحد شوكة! تريد أن تجعلنا موالي في العرب إذا خرجت بنا هاربين. قال: فكيف أفعل وقد جاءنا ما لا طاقة لنا به! فما الرأي؟ قال: نرجع إلى شعب جَبَلَة، فنحرز النساء والضعفة والذراري والأموال في رأسه، ونكون في وسطه ففيه ثَمل (٣)، فإن أقام من جاءك أسفل أقاموا على غير ماء، ولا مُقام لهم، وإن صعدوا عليك قاتلتهم من فوق رءوسهم بالحجارة، فكنت في حِرْز، وكانوا في غير حِرْز، وكنت على قتالهم أَقْوَى منهم على قتالك. قال: هذا والله الرأي، فأين كان هذا حين استشرتُ الناس؟ قال: إنما جاءني الآن، فقال الأحوص للناس: ارجعوا، فرجعوا. ودخلوا شعب جَبَلَة، وحصنوا النساء والذَّراري والأموال في رأس الجبل، ومنعوا الإبل عن الماء، واقتسموا الشَّعب بالقِدَاح والقُرَع بين القبائل في شظاياه (٤)؛ ثم عمي عليهم الخبر، فصاروا لا يدرون ما قُرب أعدائهم من بُعدهم. وأقبلت تميم وأَسَد وذبيان ولِفُّهم نحو جَبَلَة، فلقوا في طريقهم كَرِب بن صفوان السعدي (من تميم) - وكان شريفًا - فقالوا له: ما منعك أن تسير معنا في غزوتنا؟ فقال: أنا مشغول في طلب إبل لي، فقالوا: لا، بل تريد أن تُنذر بني عامر، ولا نتركك حتى تعطينا عَهْدًا وموثقًا ألا تفعل؛ فحلف لهم.

стр. 4779

ثم خرج عنهم وهو مُغْضب، ومضى مُسرِعًا على فرس له عُرْي (١)، حتى إذا نظر إلى مجلس بني عامر نزل تحت شجرة حيث يرونه، فأرسلوا إليه يَدعونه، فقال: لست فاعلًا، ولكن إذا رحلت فائتوا منزلي فإن الخبر فيه. فلما جاءوا منزله، إذا تراب في صُرَّة وشوك قد كسر رءوسه وفرَّق جهته، وإذا حنْظلة موضوعة، وإذا وَطْبٌ معلقٌ فيه لبن؛ فقال الأحوص: هذا رجل قد أُخِذت عليه المواثيق ألا يتكلم، وهو يخبركم أن القوم مثل التراب كثرة، وأن شوكتهم كليلة، وجاءتكم بنو حنظلة. انظروا ما في الوطب، فاصطبُّوه (٢)، فإذا فيه لبن قارص (٣). فقال: القوم منكم على قدر حِلاب اللبن إلى أن يَحْزُر. ثم دعا الأحوصُ قيس بن زهير العبسي، فقال له: ما ترى؟ فإنك تزعم له لم يعرض لك أمران إلا وجدتَ في أحدهما الفرج؟ فقال قيس: فإذ قد رجعتم إلى رأيي فأدخلوا نَعَمكم شِعْبَ جَبَلَة، ثم أظْمِئُوها هذه الأيام ولا تُوردوها الماء، حتى يجيء القوم فإن لقيطًا فيه طيش وسيقتحم الجبل، وحينئذ أخرجوا عليهم الإبل، وانخسوها بالسيوف والرماح، فتخرج مَذَاعير عِطَاشًا، فتشغلهم وتُفرِّق جَمعهم؛ واخرجوا أنتم في آثارها، واشْفُوا نفوسكم. فقال الأحوص: نِعْم ما رأيت؛ وأخذوا برأيه. وعاد كرب بن صفوان فلقي لقيطًا، فقال له: أَأَنْذَرْتَ القوم؟ فأعاد الحلف له أنه لم يكلم أحدًا منهم؛ فخلى سبيله، فقالت له ابنته دختنوس - وكان لقيط يصحبها في غزواته، ويرجع إلى رأيها: رُدني إلى أهلي، ولا تُعَرِّضْني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة؛ فاستحمقها، وساءه كلامها، وردَّها. وفيما هم سائرون قابلهم غلام أَعْسر (٤)؛ فتشاءمت به بنو أَسَد، وقال بعضهم لبعض: ارجعوا عنهم، فرجعوا، ولم يسر مع لقيط منهم إلا نفر يسير.

стр. 4780

ولما وصل بنو تميم وأحلافهم إلى شعب جَبَلَة حيث بنو عامر وعَبْس، قال الناس للقيط: ما ترى؟ فقال؟ أرى أن تَصعدوا إليهم؛ وأقبل لقيط وأصحابه مجترئين، فأسْندوا (١) إلى الجبل حتى ذرَّت الشمس، ثم أخذوا في الصعود. فقالت بنو عامر للأحوص: قد أتَوْك، فقال: دَعُوهم؛ حتى إذا أنْصفوا الجبل (٢) وانتشروا فيه؛ قال الأحوص: حلوا عُقُل الإبل ثم اتبعوا آثارها، وليُتبع كل رجل منكم بعيره حجرين أو ثلاثة. ففعلوا، ثم صاحوا بها فخرجت تُحطِّمُ كل شيء مرَّت به وخَبطت تميمًا ومن معها وانحطوا منهزمين في الجبل حتى السهل، ولما بلغوا السهل لم يكن لأحد همَّةٌ إلا أن يذهب على وجهه، وجعلت بنو عامر ومن معهم من عبس يقتلونهم، ويصرعونهم بالسيوف في آثارهم، وانهزموا شر هزيمة. وجعل لقيط لا يمرُ به أحد من الجيش الا قال: أنت والله قتلتنا! جعل يقول: يا قوم قد أحرقتموني باللوْم … ولم أُقاتل عامرًا قبل اليوم فاليوم إذ قاتلتهمْ فلا لوْم … تقدموا وقدِّموني للقوْم ثم ركب لقيط فرسه، وزجَّ بنفسه للعِرَاك، فطعنه شريح العامري، وارتثَّ وبه طعنات، وبقي يومًا ثم مات. وأما حاجب بن زُرارة فقد ولى منهزمًا، فتبعه زَهْدَم وقيس ابنا حزن العبسيان، وجعلا يطردانه، ويقولان له: اسْتَأسِر - وقد قدرا عليه - فقال: من أنتما؟ فقالا: نحن الزَّهْدمان (٣)، فقال: لا أَسْتَأسر اليوم لمولَيَيْن. وبينما هم كذلك إذ أدركهم مالك ذو الرُّقيبة العامري. فقال لحاجب: استأسر، قال: أنا مالك ذو الرُّقيبة. فقال: أفعلُ لعمري، ما أدركتني حتى كِدتُ أن أكون عبدًا، وألقى إليه رمحه، واعتنقه زَهْدم فألقاه عن فرسه. فصاح حاجب: يا غَوثاه! وجعل زَهْدم يُراوغ قائم السيف، فنزل مالك واقتلع زهدما عن حاجب.

стр. 4781

فمشى زَهْدم وأخوه حتى أتيا قيس بن زهير العبسي فقالا: أخذ مالك أسيرنا من أيدينا. فقال: ومَنْ أسيركما؟ قالا: حاجب بن زرارة. فخرج قيس حتى وقف على بني عامر فقال: إن صاحبكم أخذ أسيرنا فقالوا: مَنْ صاحبنا؟ قال: مالك ذو الرُّقيبة أخذ حاجبًا من الزهدَمين .. فجاءهم مالك فقال: لم آخذه منهما؛ ولكنه استأسر لي وتركهما؛ فلم يبرحوا حتى حكَّموا حاجبًا في ذلك - وهو في بيت ذي الرقيبة - فقالوا: منْ أَسَرَك يا حاجب؟ فقال: أما من ردني عن قَصدي ومنعني أن أنجو ورأى مني عَورة فتركها فالزهدمان (١)، وأما الذي استأسرتُ له فمالك؛ فحكموني في نفسي. فقال له القوم: قد جعلنا إليك الحكم في نفسك، فقال: أما مالك فله ألفُ ناقة، وللزَّهْدَمين مائة. وفي ذلك اليوم قالت دختنوس ترثي أباها لقيط بن زرارة: بَكَرَ النَّعِيُّ بخير خِنْـ … ــدفَ كَهْلِها وشبابِها (٢) وبخيرِها نسبًا إذا … عُدَّت إلى أنسابها (٣). وأضَرِّها لعدوِّها … وأفكِّها لرقابها (٤) وقريعها ونجيبها … في المطبقَاتِ ونابِها (٥) ورئيسها عند الملـ … ــوك وزين يوم خِطابها فَرْع عمود للعشيـ … ــرة رافعًا لنصَابها (٦)

стр. 4782

فيعولُها ويحوطُها … ويذبُّ عن أحسابها (١) ويطأ مواطئ للعد … وَ وكان لا يمشي بها (٢) فعل المدلّ من الأسو … د لحينِها وتَبَابها (٣) كالكواكب الدُّرِّيِّ في الظَّـ … ــلماء لا يخفى بها (٤) عبث الأغرّ به وكـ … ــلّ منيَّة لكِتابها (٥) وقال جرير في هذا اليوم: ويومَ الصفا كنتم عبيدًا لعامرٍ … وبالحَزْن أصبحتم عبيدَ اللهازم ويوم الصفا: يوم جَبَلَة. وقال المُعَقِّر البارقي (٦) يمدح بني عامر: معاويةُ بن الجون (ذبيانُ) حولَه … وحسانُ في جمع (الرِّبابِ) مكاثرُ وقد زحفت (دودانُ) (٧) تبغي لثأرها … وجاشت (تميمٌ) كالفحولِ تخاطرُ وقد جمعوا جمعًا كأنَّ زُهاءه … جَرَادٌ هَفا في هَبْوة متطايرُ أظن سراةُ القوم أن لن يُقَاتَلُوا … إذا دُعيت بالسفح (عبسٌ) و (عامرُ)

стр. 4783

(٤) يوم السُّلَّان (*) كان بنو عامر بن صعصعة في الجاهلية قومًا حُمْسًا (١) لقَاحا (٢)، فلما ملك النعمان بن المنذر كان يُجهِّز كل عام لَطِيمة (٣) لتُباع بعكاظ، فتَعرَّض لها بنو عامر يومًا. فغضب النعمان، فبعث إلى وبرة الكلبي، أخيه لأمه، وإلى صنَائعه (٤)، ووضائعه (٥)، وأرسل إلى بني ضبَّة بن أُدَّ وغيرهم من الرِّباب وتميم، فأجاب وأتاه ضرار بن عمرو الضبي في تسعة من بنيه كلُّهم فوارس، ومعه حُبيش بن دلف - وكان فارسًا شجاعًا - واجتمعوا في جيش عظيم. وجهَّز النعمان معهم عيرًا، وأمرهم بتسييرها، وقال: إذا فرغتم من عُكاظ، وانسلَخَت الأشهر الحُرم (٦)، فاقصدوا بني عامر؛ فإنهم قريبٌ بنواحي السُّلَّان. فخرجوا وكَتموا أمرهم، وقالوا: خرجنا لئلا يعرض أحدٌ للطيمة الملك. فلما فرغ الناس من عُكاظ علمت قريش بحالهم، فأرسل عبد إلله بن جدعان (٧) رجلًا إلى بني عامر يُعلمهم الخبر، فسار إليهم وأخبرهم خبرهم، فحذروا وتهيئوا للحرب، وتحرَّزُوا ووضعوا العُيون، وجاءوا وعليهم عامر بن مالك ملاعب الأسنة الكلابي، وأقبل الجيش فالتقوا بالسَّلَّان، واقتتلوا قتالًا شديدًا. وبينما هم يقتتلون إذ نظر يزيد بن عمرو العامري إلى وبرة الكلبي أخِي النعمان، فأعجبته هيئته، فحمل عليه وأَسره، فلم صار في أيدي بني عامرهم

стр. 4784

الجيش بالهزيمة، فنهاهم ضرار بن عمرو الضبي، وقام بأمر الناس، فقاتل هو وبنوه قتالًا شديدًا. فلما رآه أبو براء عامر بن مالك وما يصنع ببني عامر هو وبنوه حمل عليه - وكان أبو براء رجلًا شديد الساعد - فلما حمل على ضرار اقتتلا؛ فسقط ضرار إلى الأرض، وقاتل عليه بنوه حتى خلَّصوه وركب، وكان شيخًا، فلما ركب قال: من سَرَّهُ بنوه ساءته نَفْسُه. ثم جعل أبو براء يُلِحُّ على ضرار طمعًا في فدائه، وجعل بنوه يَحمونه، فلما رأى ذلك أبو براء قال له: لتموتنَّ أو لأموتنَّ دونك، فأحِلني على رجل له فداء، فأومأ ضرار إلى حبيش بن دلف - وكان سيدًا - فحمل عليه أبو براء فأسَرَه. وكان حبيش أسودًا نحيفًا دميمًا، فلما رآه كذلك ظنه عَبْدًا، وأن ضرارًا خدعه، فقال: إنا لله، أَلا في الشؤم وقَعْتُ! فلما سمعها حبيش منه خاف أن يَقْتُله، فقال: أيها الرجل، إن كنت تريد اللبن فقد أَصبته، وافْتدى نفسه بأربعمائة بعير، وهُزِم جيش النعمان. ولما رجع الفل إليه أخبروه بأسر أخيه وبقيام ضرار بأمر الناس، وما جَرَى له مع أبي براء، وافتدى وبرة الكلبي نفسه بألف بعير وفرس من يزيد العامري فاستغنى يزيد، وكان قبله خفيف الحال.

стр. 4785

(٥) يوم فيْف الريح (*) كانت بنو عامر بن صعصعة تطلُب بني الحارث بن كعب بأوتار كثيرة، فجمع لهم الحصين الحارثي - وكان يغزو بمن تَبِعَهُ من قبائل مَذْحج - وأقبل في بني الحارث، وجُعْفيِّ، وزُبَيد، وقبائل سعد العشيرة، ومراد، وصُداء، ونَهْد، واستعانوا بقبائل خَثْعم (١)؛ فخرجت معهم شَهْران وناهِس وأكْلُب وعليهم أنسُ الخثعمي، وأقبلوا يريدون بني عامر بن صعصعة وهم منتجعون مكانًا يقال له "فَيْفَ الرِّيح"، ومع مَذْحِج النساء والذَّراري، حتى لا يفرُّوا؛ إما ظفروا وإما ماتُوا جميعًا. فاجتمعت بنو عامر كلها إلى عامر (٢) بن الطفيل الكلابي، فقال لهم عامر - حين بلغه مجيء القوم: أَغيروا بنا عليهم، فإني أرجو أن نأخذ غنائمهم، ولا تَدَعوهم يدخلون عليكم داركم. فتابعوه على ذلك، وقد جعلتْ مَذْحِجُ ولِفُّها (٣) رُقَباء، فلما دَنتْ بنو عامر من القوم صاح رُقَباؤُهم: أتاكم الجيشُ؛ فلم يكن بأسرع من أنْ جاءتهم مَسَالحهُم (٤) تَركض إليهم؛ فخرجوا إليهم؛ فقال أنس الخثعمي لقومه (٥): انصرفوا بنا، ودَعُوا هؤلاء، فإنهم إنما يَطلب بعضهم بعضًا، ولا أظن عامرًا تريدنا؛ فقال لهم الحصين الحارثي: افعلوا ما شئتم، فإنا والله ما نُرادُ دونكم، وما نحن لشر بلاءً عند القوم، فانصرفوا إن شئتم، فإنَّا نرجوا ألا نعجز عن بني عامرٍ، فرُبَّ يوم لنا ولهم قد غابت سُعُوده، وظهرت نحوسهُ. فقالت خَثْعم لأنسٍ: إنَّا كنَّا وبنو الحارث على مياه واحدة وفي مراع واحدة، وهم لناس سِلْمٌ وهذا عدوٌّ لنا ولهم، أفتريد أن ننصرف عنهم! فوالله لَئِن سلموا

стр. 4786

وغنموا لنَتْدَمنَّ ألَّا نكونَ معهم، ولئن ظُفر بهم لتقُولنَّ العرب: خَذلتم جيرانكم! فأَجْمعوا على أن يُقاتلوا معهم. والتقى القوم فاقتتلوا قتالًا شديدًا ثلاثة أيام يُغَادُونهم القتال بفَيْف الرِّيح (١)، وشهدت بنو نُمير يومئذ مع عامر، فسمُّوا حرَيجَة (٢) الظَّعان؛ وذلك أن بني عامر جالوا جَولة إلى موضع يقال له العُرْقُوب، فالتفت عامر بن الطفيل فسأل عن بني نُمير، فوجدهم تخلَّفوا في قتال القوم، فرجع عامرٌ يصيح: يا صاحباه! يا نُميرَاه! ولا نُمير لي بعد اليوم، حتى أقْحم فرسه وسط القوم، فطُعن بومئذ بين ثُغْرَةِ نحره إلى سُرَّته عشرين طَعْنَةً. وكان عامرُ بن الطفيل يتعهد الناسَ فيقول: يا فلان؛ ما رأيتُك فعلت شيئًا! فيقول الرجل الذي قد أبلى: انظر إلى سيفي وما فيه، وإلى رمحي وسناني. فأقبل مُسْهر الحارثي (٣) في تلك الهيئة - لما رأى عامرًا يصنع بقومه الأفاعيل - فقال: يا أبا عليٍّ؛ انظر ما صنعتُ بالقوم، انظر إلى رمحي! حتى إذا أقبل عليه عامرٌ وجَأَه مسهرٌ بالرمح في وجنته، ففلق وجنته، وأصاب عينه، وخلى الرمح فيها، وضرب فرسه، فلحق بقومه. وفي طعنة عامر يقول مسهر: وَهَضْتُ بِخُرْص (٤) الرمحِ مُقْلَةَ عامرٍ … فأضْحَى بخيصًا في الفوارس أعورا وغادر فينا رُمْحَه وسِلاحه … وأدْبَرَ يدعوا في الهَوَالِك جَعْفَرا ويقول عامر: لَعَمْري، وما عمري عليَّ بهيْن … لقد شانَ حرَّ الوجه طَعْنَةُ مُسهرِ فبئس الفتى إن كنت أعور عاقرًا … جَبَانًا وما أغْنِي لدي كل محْضر وقد علموا أني أكرُّ عليهمُ … عشيَّة فَيْفِ الريح كَرَّ المدوَّر فلو كان جمعٌ مثلنا لم نبالهم … ولكن أتتنا أسْرةٌ ذات مَفْخر

стр. 4787

أتونا بـ (بهراء) و (مَذْحِجَ) (١) كلِّها … و (أَكْلُبَ) طرَّا في لِباس السَّنَوَّرِ (٢) وقال في هذا اليوم أبو دؤاد الرُّؤاسي العامري: ونحن أهلُ بَضيع (٣) يوم واجَهَنا … جيشُ (الحصين) طِلَاع الخائف الكَزم (٤) ساقوا شُعُوبًا وعَنْسًا في ديارِهِمُ … ورَجْلَ (٥) (خَثْعَمَ) من سَهْلٍ ومن عَلمِ (٦) مَنَّاهمُ مُنيَةً كانت لهم كذِبًا … إن المُنى إنما يوجَدْن كالحُلُم ولَّتْ رِجال (بني شَهْرَان) تَتْبَعُها … خضراءٌ يرمونَها بالنَّبْلِ عن شَمَم ظلَّتْ (يُحَابِرُ) تُدْعَى وسْطَ أرْحُلِنا … والمسْتَمِيتُونَ من (حاءٍ) ومن (حَكَم) (٧) حتى توَلّوا وقد كانت غنيمتهم … طعْنًا وضربًا عويضًا غير مُقْتَسَمِ وقال عامر بن الطفيل (٨): أتَوْنا بـ (شَهْرَان) العريضةِ كلِّها … و (أكْلُبِهَا) في مِثْل بكرِ بن وائلِ فبتْنَا ومن يَنْزلْ به مثلُ ضيفنَا … يَبِتْ عن قِرَى أضيَافه غيرَ غَافِل أعاذِلَ لو كان البَدَادُ (٩) لقُوتِلوا … ولكنْ أَتَانا كلُّ جنٍّ وخَابِلِ (١٠) و (خَثْعَمُ) حَيٌّ يُعْدَلُون بـ (مَذْحِجٍ) … وهل نحنُ إلا مِثْل إحدى القبائل وأسرع القتلُ في الفريقين جميعًا، فافترقوا، ولم يستقل بعضهم عن بعض بغنيمة، وكان الصبر والشرف لبني عامر بن صعصعة.

стр. 4788

بنو عامر بن صعصعة مع رسول الله ﷺ - كان بنو عامر بن صعصعة من القبائل التي عرض النبي ﷺ نفسه عليها قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة. فقد جاء النبي ﷺ إلى بني عامر، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فقال بجرة بن فراس العامري: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟، فقال رسول الله ﷺ : "الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء"، فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك (١)، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك. ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف معهم المواسم لكبر سنه، فلما قدموا عليهم سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش من بني عبد المطلب بن هاشم، يزعم أنه نبي، ويدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلافٍ (٢)؟ هل لذناباها في مَطْلَب (٣)؟ والذي نفسي بيده ما تقوَّلها إسماعيلي قط (٤)، وإنها لحقٌّ فأين رأيكم كان عنكم؟ - ويقص عبد الله بن الشِّخِّير العامري ﵁ قصة وفود بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: أنت

стр. 4789

سيدنا، فقال: السيد الله ﵎، فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طَوْلا (١)، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم (٢)، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشيطان (٣). رواه أبو داود بسند حسن. ومن وفود بني عامر بن صعصعة إلى رسول الله ﷺ : ١ - " وفد بني رؤاس " ذكر الواقدي وفد بني رُؤاس بن كلاب، قال: إن رجلا يقال له: عمرو بن مالك بن قيس، قدم على رسول الله ﷺ فأسلم، ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الله فقالوا: حتى نُصيب من بني عُقيل مثل ما أصابوا منا، فذكر مقتلةً كانت بينهم، وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بني عُقيل، قال: فشددت يدي في غل وأتيت رسول الله ﷺ ، وبلغه ما صنعت فقال: لئن أتاني لأضربن ما فوق الغل من يده، فلما جئت سلمت فلم يرد عليَّ السلام وأعرض عني فأتيته عن يمينه فأعرض عني، فأتيته عن يساره فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، فقلت يا رسول الله، إن الرب ليترضى فيرضى فارض عني رضي الله عنك، قال: قد رضيت. ٢ - " وفد بني البكَّاء " وذكر الواقدي وفد بني البكَّاء وأنهم قدموا سنة تسع، وأنهم كانوا ثلاثين رجلا، فيهم معاوية بن ثور البكاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر فقال: يا رسول الله إني أتبرك بمسك (٤) وقد كبرت وابني هذا بَرٌّ بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجهه وأعطاه أعنزا عفرا، وبرك عليهن، فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة، وقال محمد بن بشر بن معاوية في ذلك:

стр. 4790

وأبي الذي مسح الرسول برأسه … ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا … عفرا نواحل لسن بالحيات يملأن وفد الحي كل عشية … ويعود ذاك الملء بالغدوات بُوركن من منح وبورك مانحا … وعليه مني ما حييت صلاتي ٣ - " وفد بني عُقيْل " وذكر الواقدي وفد بني عُقيل بن كعب، وأنهم قدموا على رسول الله ﷺ فأقطعهم العقيق، عقيق بني عُقيل (١)، وهي أرض فيها نخل وعيون، وكتب بذلك كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا، أعطاهم العقيق، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وسمعوا وأطاعوا، ولم يُعطهم حقا لمسلم، فكان الكتاب في يد مطرف. قال: وقدم عليه أيضًا من عُقيل لقيط بن عامر بن المُنتفق وهو أبو رزين، فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه. ٤ - " وفد بني قُشَيْر " وذكر وفد بني قُشير بن كعب وذلك قبل حجة الوداع، وقبل غزوة حُنين، فذكر فيهم قُرة بن هُبيرة، أسلم فأعطاه رسول الله ﷺ وكساه بردا، وأمره أن يلي صدقات قومه فقال قُرة حين رجع: حباها رسول الله إذ نزلت به … وأمكنها من نائلٍ غير مُنفذ فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة … وقد أنجحت حاجاتها من محمد عليها فتى لا يُردف الذم رحله … يُروِّي لأمر العاجز المتردد

стр. 4791

٥ - " وفد بني هلال " وذكر الواقدي وفد بني هلال بن عامر، وذكر فيهم عبد عوف بن أصرم، أسلم وسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وفيهم قبيصة بن مخارق الذي له حديث في الصدقات وذكر في وفد بني هلال زياد بن عبد الله بن مالك، فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث، فدخل عليها، فلما دخل رسول الله ﷺ منزله رآه فغضب ورجع، فقالت: يا رسول الله إنه ابن أختي فدخل ثم خرج إلى المسجد ومعه زياد فصلى الظهر، ثم أدنى زيادا فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثم حدرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرف على البركة في وجه زياد، وقال الشاعر لعلي بن زباد بن عبد الله: يا بن الذي مسح الرسول برأسه … ودعا له بالخير عند المسجد أعني زيادًا لا أريد سواءه … من عابر أو متهم أو منجد ما زال ذاك النور في عرنينه … حتى تبوأ بيته في ملحد وجاء المدينة وفد من بني عامر فيه لبيد بن ربيعة العامري وجبار بن سلمي العامري، فانزلهم رسول الله ﷺ دار رملة بنت الحارث، وقالوا: (يا رسول الله إن الضحَّاك بن سفيان، سار فينا بكتاب الله وسنتك التي أمرته، وأنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله وأنه أخذ الصدقات من أغنيائنا، فردها إلى فقرائنا). قال ابن حجر: "بنو عامر بن صعصعة: يجتمعون معه ﷺ في مُضر بن نزار، مَرَّ أنه ﷺ سئل عنهم فقال: "جمل أزهر يأكل أطراف الشجر"، وفي حديث حسن: أتينا النبي ﷺ بالأبطح، وهو في قبة له حمراء فقال: "من أنتم؟ فقلنا: من بني عامر، فقال:

стр. 4792

مرحبًا، وفي رواية: مرحبا بكم أنتم، وفي رواية: وأنا منكم" (١) انتهى قول ابن حجر. قال الأحوص بن جعفر بن كلاب العامري: ١ - إذا وقع الربيعُ بأرض قوم … - وإن عجوا - انتجعناه نزيفُ (٢) ٢ - معاقلنا التي نأوي إليها … عتاق الأعوجية والسيوف (٣) ٣ - نُجِيرُ ولا نجار وكل حي … لهم حلف وليس لنا حليف (٤)

стр. 4793

زوجات الرسول ﷺ من بني عامر وقد صاهر رسول الله ﷺ بني عامر بن صعصعة فتزوج رسول الله ﷺ عدة نساء من بني عامر فمنهن: ١ - أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية، وسُميت أم المساكين لشدة عطفها عليهم. ٢ - أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية العامرية. ٣ - هند بنت يزيد العامرية. ٤ - العالية بنت ظبيان العامرية. ٥ - عمرة بنت يزيد العامرية. وتزوج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أم البنين بنت حزام الكلابية العامرية فولدت له: العباس وجعفر وعبد الله. وتزوج سعيد بن العاص ﵁ ابنة يحيى بن عمرو العامري. وكان بنو عامر بن صعصعة أخوالًا لعدة رجال من زعماء قريش ووجهائهم فمثلا: عبد الله بن عباس (حبر الأمة) أمه لبابة الكبرى الهلالية العامرية، وخالد بن الوليد (سيف الله المسلول) أمه لبابة الصغرى الهلالية العامرية، وأبو سفيان زعيم قريش في الجاهلية أمه صفية بنت حَزْن الهلالية العامرية. وعلاقة قريش ببني عامر بن صعصعة (١) قديمة، فبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة أمهم مجد بنت غالب القرشية وقد ذكرنا هذا آنفًا.

стр. 4794

فائدة: قال الجوهري: أجازه بجائزة سنية أي بعطاء. ويقال: أصل الجوائز أن قطن بن عبد عوف من بني هلال بن عامر بن صعصعة ولي فارس لعبد الله بن عامر، فمر به الأحنف في جيشه غازيا إلى خُراسان، فوقف لهم على قنطرة فقال: أجيزُوهم، فجعل ينسب الرجل فيعطيه على قدر حسبه، قال الشاعر (١): فدىٍ للأكرمين بني هلال على علَّاتهم، أهلي ومالي هُمُ سنَّوا الجوائز في معد فصارت سُنَّةً أخرى في الليالي

стр. 4795

الصحابة من بني عامر بن صعصعة لقد كان من بني عامر بن صعصعة عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، ونحن هنا نذكر الصحابي وإذا كان العلماء قد علَّقوا على صحبته نقلنا تعليقهم، وكان مرجعنا كتاب الإصابة في تمييز أسماء الصحابة لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير، والتجريد للذهبي، وجمهرة النسب لابن الكلبي وجمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي وغيرهم، والصحابة الذين استطعنا حصرهم الآتي ذكرهم: ١ - أُبي بن مالك القُشيري العامري (١). ٢ - أشيم الضبابي العامري. ٣ - الأصم البكائي العامري (٢). ٤ - أصيد بن سلمة الكلابي العامري. ٥ - أنس بن قيس بن المنتفق العُقيلي العامري (٣). ٦ - أنس بن مالك القُشيري العامري. ٧ - أوس بن الأعور الكلابي العامري (٤). ٨ - أبو حاجب أوس الكلابي العامري (٥). ٩ - بشر بن قدامة الضبابي العامري (٦).

стр. 4796

١٠ - بشر بن معاوية بن ثور العامري (١). ١١ - بشر بن الهجنع البكائي العامري (٢). ١٢ - ثروان بن فزارة العامري (٣). ١٣ - ثور بن غرزة بن عبد الله بن سلمة القُشيري العامري (أبو العكير). ١٤ - جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب العامري (٤). ١٥ - جبار بن سلمى العامري. ١٦ - جراد بن المنتفق العُقيلي العامري (٥). ١٧ - جُنَيْد بن عبد الرحمن بن عوف الكلابي العامري (٦). ١٨ - الحارث بن شريح بن ذؤيب النُميري العامري (٧). ١٩ - حرملة بن خالد بن هوذة بن خالد العامري (٨). ٢٠ - حرملة بن هوذة بن خالد العامري (٩). ٢١ - حُصين بن المعلي بن ربيعة العُقيلي العامري (١٠).

стр. 4797

٢٢ - أبو حرب بن خويلد بن عامر العُقيلي العامري (١). ٢٣ - الحكم بن مسلم العُقيلي العامري (٢). ٢٤ - حكيم بن معاوية النُميري العامري (٣). ٢٥ - حميد بن ثور بن حزن الهلالي العامري (٤). ٢٦ - حميد بن عبد الرحمن بن عوف الكلابي العامري. ٢٧ - حيدة بن معاوية القُشيري العامري (٥). ٢٨ - خالد بن هوذة بن خالد العامري. ٢٩ - ربيعة بن عامر بن مالك الكلابي العامري (٦). ٣٠ - رقاد بن ربيعة العُقيلي العامري (٧). ٣١ - زرارة بن جزء الكلابي العامري (٨). ٣٢ - أبو الزهراء القُشيري العامري (٩). ٣٣ - أبو زهير بن أسيد بن جعونة النُميري العامري. ٣٤ - زهير بن عمرو الهلالي العامري (١٠).

стр. 4798

٣٥ - زياد بن عبد الله بن مالك الهلالي العامري (١). ٣٦ - سمرة بن جنادة السُوائي العامري (٢). ٣٧ - سمعان بن خالد الكلابي العامري (٣). ٣٨ - سمعان بن عمرو العامري. ٣٩ - شرحبيل بن الأعور الكلابي العامري (٤). ٤٠ - شريح بن عامر الكلابي العامري (٥) (ذو اللحية). ٤١ - صخر بن قدامة العُقيلي العامري (٦). ٤٢ - الضحَّاك بن سفيان بن عوف الكلابي العامري (٧). ٤٣ - عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق العُقيلي العامري (٨) ٤٤ - عامر بن عمير النُميري العامري (٩). ٤٥ - عامر بن لقيط العامري (١٠).

стр. 4799

٤٦ - عامر بن مالك بن جعفر الكلابي العامري (١) (مُلاعب الأسنة). ٤٧ - عامر بن مالك القُشيري العامري (٢). ٤٨ - عبادة بن أوفى (٣) بن حنظلة النُميري العامري (أبو الوليد). ٤٩ - عبد الرحمن بن عبيد النميري العامري (٤). ٥٠ - عبد الله بن أصرم بن عمرو بن شعيثة الهلالي العامري (٥). ٥١ - عبد الله بن ثور بن معاوية البكائي العامري (٦). ٥٢ - عبد الله بن جراد بن المنتفق العُقيلي العامري (٧). ٥٣ - عبد الله بن ربيعة النُميري العامري (٨) (أبو يزيد). ٥٤ - عبد الله بن الشخير بن عوف العامري (٩). ٥٥ - عبد الله بن عامر بن أنيس بن المنتفق العامري (١٠). ٥٦ - عبد الله بن قدامة العُقيلي العامري (١١) (أبو صخر). ٥٧ - عبد الله بن قُرَّة بن نهيك الهلالي العامري (١٢).

стр. 4800

٥٨ - عبد الله بن كعب البكائي العامري (١). ٥٩ - عبد الله بن ماعز بن مجالد البكائي العامري. ٦٠ - عبيد بن عمرو الكلابي العامري (٢). ٦١ - عبيد الله بن معية السوائي العامري (٣). ٦٢ - العداء بن خالد بن هوذة بن خالد العامري (٤). ٦٣ - عكاف بن وداعة الهلالي العامري. ٦٤ - علقمة بن علاثة بن عوف العامري (٥). ٦٥ - علي بن فلان النُميري العامري (٦). ٦٦ - علي الهلالي العامري (أبو علي) (٧). ٦٧ - عمارة بن عامر بن المشنج القُشيري العامري (٨). ٦٨ - عمرو بن الخفاجي العُقيلي العامري (٩). ٦٩ - عمرو بن سفيان البكائي العامري (١٠). ٧٠ - عمرو بن عبد الله الضبابي العامري (١١).
следующие страницы →