← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الكتاب: موسوعة القبائل العربية بحوث ميدانية وتاريخية المؤلف: محمد سليمان الطيب الناشر: دار الفكر العربي _________ (تعليق الشاملة): ذكر المؤلف في المقدمة أنها الطبعة الثالثة وأعوام نشرها كالتالي، كما على أغلفة المجلدات جـ ١ - ٦: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م جـ ٧: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م جـ ٨: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م جـ ٩ و ١٠: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م جـ ١١ و ١٢: ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ صدق الله العظيم [سورة الحجرات]

стр. 3

الإهداء * إلى الشعب العربي الكريم متمثلًا في قبائله العربية الأصيلة والعريقة من بني عدنان وبني قحطان. * إلى سائر الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. * إلى كلّ من يعتز بعشيرته، وقبيلته، وقومه، وبلاده العربية العزيزة، ويسعى دومًا لمجد أمته وعزتها ورفعتها بين الأمم. * إلى هؤلاء جميعًا من بني جلدتي الأعزاء .. أهدي هذه الموسوعة لسرد تاريخ وأنساب القبائل العربية، بتجميع دقيق من أشهر الكتب والمخطوطات لكبار النسَّابين والمؤرخين حديثًا وقديمًا؛ مهتديًا بالبحوث الميدانية لتصحيح ما اعترى مصنفات بعض محققي العصر من خطأ أو سهو أو نسيان. وكذلك لإظهار الترابط الدموي والعرقي بين العناصر أو القبائل العربية في شتى البلاد العربية في المشرق والمغرب العربي في قارتي آسيا وإفريقيا، عبر ما يزيد على ألف وخمسمائة عام. حفظ الله بلادنا العربية وعامة بلاد المسلمين. محمد سليمان الطيب

стр. 4

تنويه أُقدِّم اعتذاري للقارئ العزيز عن الطبعة الثانية للمجلَّدات من واحد إلى خمسة عام ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م من موسوعة القبائل العربية، وذلك لما اعتراها من سهو أو نقص في بعض المعلومات عن أنساب وتواريخ بعض القبائل المُرشَّحة في هذه المجلَّدات، فقد حالت ظروفي وإمكانياتي المتواضعة حينئذ أن أُلمَّ بجميع التفصيلات عن هذه القبائل في هذا المصنَّف الموسوعي الضخم، والذي سيكون منهلًا ترتوي منه الاجيال العربية في الحاضر والمستقبل إن شاء الله تعالى. ويعلم الله كم كابدت وعانيت من جرَّاء الخوض في هذا العلم الشاف، وكم اعترضتني الصعاب والعقبات في طريقي الوعر .. ورغم هذه المعاناة فما زلت صادق العزم، بل ومُجنِّدًا نفسي لهذه الرسالة العلمية والتاريخية الخالدة لإخراج المزيد من المجلَّدات في الموسوعة خلال السنوات القادمة؛ لتجمع بإذن الله قبائل العرب من المحيط إلى الخليج. وحقًّا، فقد كان نشر المجلَّد الأول في طبعته الأولى ثم ما تلاه من مجلَّدات في الطبعة الثانية بادرة خير، حيث تلقيت العديد من الملاحظات والإضافات والاستدراكات الهامة من أبناء القبائل في أنحاء وطننا العربي الكبير، مما دفعني إلى عمل المزيد من البحوث الميدانية خلال الثلاث سنوات المنصرمة، إلى جانب اقتناء العديد من المراجع التاريخية الهامة في هذا المضمار، وكانت نتيجة ذلك هو جني ثمرة هذا الجهد المضني والوافر وإخراج هذه الطبعة الثالثة المزيدة والمُنقَّحة التي بين أيديكم عام ١٤٢١ م / ٢٠٠١ م.

стр. 5

وقد قُسِّمت الموسوعة في هذه الطبعة إلى قسمين: القسم الأول يتناول القبائل العربية التي لها امتداد في إفريقيا (مصر والسودان وبلاد المغرب العربي). وستكون في الوقت الحاضر ثلاثة مجلَّدات ضخمة، وسيستدرك بها مجلَّدين أو ثلاثة في المستقبل إن شاء الله لإكمال باقي القبائل العربية في بلاد المغرب والسودان. أما القسم الثاني فيبدأ من المجلَّد الرابع حتى السابع ويتناول القبائل العربية في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وستكونا في الوقت الحاضر أربعة مجلَّدات ضخمة؛ وسيلحق بها ثمانية مجلَّدات أخرى مستقبلًا إن شاء الله لإكمال باقي القبائل في الأقطار العربية بالمشرق العربي. وهكذا سنسير على الطريق بحول الله لإنتاج باقي مجلدات الموسوعة تباعًا، ومن سار على الدرب وصل. والله المستعان وبه تعالى التوفيق، (صاحب الموسوعة) محمد سليمان الطيب القاهرة في ديسمبر ٢٠٠٠ م/ شوال ١٤٢١ هـ

стр. 6

مقدمة الكتاب قال نبينا الكريم ﷺ : "خيركم من تعلَّم العلم وعلَّمه"، وقال أيضًا: "أعوذ باللّه من علم لا ينفع" صدق رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وإن شاء الله تعالى، هذا العلم الجليل القدر، والذي أخذني حب جارف للتعمق والغوص فيه، ونَهْل المزيد منه عبر سنوات طويلة، سوف ينفع الله بي بني أُمتي وبني جلدتي وقومي الأعزاء الذين أنا فرد منهم، يسعدني ما يسعدهم. وهذا العلم ينمي عند قومي - العرب - الاعتزاز بأنفسهم، وعروبتهم المجيدة، وجذورهم، وفعالهم، ومعدنهم الكريم، والفخر بتاريخ أجدادهم وماضيهم التليد؛ ليكون العرب بحق: خير أمة أخرجت للناس، بعد أن اختارهم الله ليرفعوا راية الحق والعدل والدين القويم لباقي الأمم، وليكن العرب أحرص ما ينبغي بينهم في السعي دومًا وراء الفضيلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليكونوا قدوة حسنة لسائر المسلمين بل والبشر أجمعين. وإن علم النسب وتاريخ القبائل وتعريفه للناس أرى فيه العلم الذي يؤلف أبناء المجتمع ولا يُنفِّرهم، ويجعلهم كثر تماسكًا واحترامًا وتقديرًا لأنفسهم أولًا ولغيرهم من إخوانهم العرب ثانيًا، ويُقرِّبهم ولا يباعد بينهم. وإن ذلك نراه في حكمة الخالق أن جعل النّاس شعوبًا وقبائل مختلفة؛ ليتعارفوا فيما بينهم، ولعلَّ الهدف الأساسي الذي يرمز له مولانا من وراء هذا التعارف أو ذلك التآلف هو غاية نبيلة يأمرنا بها الله ، ألا وهي الاختلاط مع الآخرين وليس الانطواء والانعزال، لإثارة غريزة التنافس بين القبائل والشعوب في فعل الخير، وتقليد الشِّيم، والعادات الكريمة، ونبذ الآخرى غير المستحبة أو غير النبيلة؛ لأنَّ الله جَبَل النّاس على الخير وفعله وجعله في الفطرة الإنسانية؛ ولأن الشيء القبيح أو المكروه والسعى ينفر منه النّاس، وتزدريه النفوس البشرية، وتبغضه القلوب، وترفضه العقول، هذا في البشر بصفة عامة. ونحن العرب أولى النّاس في التمسُّك بالخير، ونبذ الشر وكل ما هو مُشين بعد أن هدانا الخالق بنور القرآن وبعث فينا خير الوري، وقد اصطفاه منا - نحن العرب - دون سائر الأمم، ليظهر دين الحق ويبين الشريعة السمحاء التي يريدها

стр. 7

عزَّ وجلَّ لهداية البشرية، ونحمد الله على نعمائه أبين فَضَّلنا على سائر خلقه بنبيه خاتم وأشرف المرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم من رب العالمين … وكما أن النّاس معادن مختلفة تنعكس دائمًا على طباعهم، فقد خلقهم ﵎ درجات بعضها فوق بعض، سواء في الرزق أو في البنين أو الجاه والسلطان أو في الحسب والأصل الكريم، وهذا التفاوت الطبقي بين النّاس حتى يُعرِّفنا الله الحامد من الساخط، والصالح من الطالح، والكريم من اللئيم، والشجاع من الرعديد، والجيد من الرديء، وحتى تسير مركب الحياة على كوكب الأرض بعبقرية إلهية وحكمة لا يدركها العقل البشري. وكما يُقال وتؤكد التجربة بأن أصل الإنسان فعله (١)، أي أن الفعال الكريمة هي ترجمة حقيقية واقعية لنقاء الأصل والمعدن، وطيب الجذور، وكرم الحسب والنسب، فالتبر خير المعادن وفعل الرجال بأصلهم كانَ. وهذه بديهية مُسلَّم بها وقد قالها نبينا الكريم: "النّاس معادن وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام لو فُقِّهوا". وفي نظري أن الفطرة تتغلب دائمًا على طباع النّاس، وتُحرِّك الحميَّة في دمائهم، وتثير النخوة في عقولهم، وتولِّد الإنفة والإباء والشمم في سدوكهم بصفة عفوية تلقائية، وكما يقول المثل العربي: "العرق يمد حتى سابع جد". فحتى لو كان أحدهم أو بعضهم جاهلًا لبعض نسبه، أو حسبه الرفيع، نجد أن الفطرة التي جُبِل عليها ذلك الفرد أو تلك الجماعة مهما كانت عوامل البيئة المحيطة تؤثر قطعًا في السلوك والوجدان، وغالبًا ما نرى بوضوح في مثل هؤلاء، الاعتزاز بالنفس والتحلي بالشِّيم الكريمة والطّوْلات المُشرِّفة التي ترفع الرءوس شامخة، وهذا دائما واضح المعالم عند ذوي المعادن الكريمة، والأحساب الرفيعة، والتي قد تكون مجهولة. لهم ولغيرهم من المخالطين لهم في المجتمع، وهذا لأنَّ المعدن الكريم والنفيس يبقى كما هو ولا يفقد قيمته مهما ران عليه الزمن، فالذهب مهما أحاط به الغُبار نفيس لا يعلوه صدأ، وإعادة البريق إليه وتنقيته سهلة ميسورة ولا تحتاج

стр. 8

إلى كبير عناء ولا غير الحدادين، بل فقط لمسات فنية رقيقة من أهل الجوهر والمعادن الكريمة؛ ولذلك فإن الباحثين والمحققين العرب من ذوي الفطن والنظرة الثاقبة لا يكلِّون ولا يتوانون عن البحث والتنقيب عن أصول وأحساب هذه العشائر أو تلك القبائل، لما أنَّها تشتهر بفعالها المكريمة، وقد يلحقها تضارب أو التباس أو تجنٍ أو تشكيك في نقاء وكرم عنصرها أو شرف نسبها - وحسبها بين العرب -. والباحثون مهما اختلفوا في التحقيقات أو الإسناد التاريخي بخصوص أنساب أو تاريخ مثل هذه القبائل، فإنهم حتمًا بلا ريب يكملون بعضهم البعض كالبنيان المرصوص. فمن أبدع وتألق في السرد أو البحث عن قبيلة أو عن عدة قبائل معينة، وقد ترك قبيلة أو عدة قبائل أخرى دونما إيضاح في تاريخها أو حسم بيان عنصرها أو نسبها، حيتثذ يهبُّ باحث آخر يكمل ما نقص عنده، ويتألق في ذلك، كما تألق زميله؛ ومن هنا يكون الكمال والإنصاف شاملًا لجميع عناصر المجتمع القَبَلي؛ وهذا العدل من إعطاء كلّ ذي حق حقه، يرضاه الله قطعًا، ويحبه المجتمع وتسعد به نفوس النّاس من أبناء مجتمعنا الذي هو مثل العضو الواحد كما قال النَّبِيّ ﷺ ما معناه: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحُمى. وهكذا نجني الثمرة الطيبة وهي محو الغبن والضغينة بيننا نحن العرب، وأصعب غُبن هو ظلم النّاس في أنسابها أو التعاليِ عليهم رغم رفعتهم، وقال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ … (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. فإذا تجنبنا الغُبن بيننا في هذا الشيء كانت نعم المروءة، وأين تكون المروءة إن لَمْ تكن فينا نحن العرب؟! والباحثون هم الذين يحسمون أو يدفعون الظلم في هذا المجال، ولأن الباحث لابد له من التمسك بالحق لأنه قدوة المجتمع كله، فهو وأقرانه يفيضون بنفحات المُثل العليا والعلم، وذلك بعرض تلك الأمور في مصنفات كلّ منهم لكافة طوائف المجتمع، وهكذا العلماء والباحثون هم الذين ينيرون للمجتمع كله ويظهرون الحق، فبهم يهتدي الضال، ويعرف الجاهل ما لم يعرفه عن نفسه أو عشيرته أو مجتمعه ككل بتاريخه وتراثه ومبادئه، والباحثون كالنجوم في السماء كلّ يضيء بقدر علمهُ الذي علَّمه الله له .. وكما أن أي باحث مثله كسائر البشر مُعرَّض للسهو والخطأ

стр. 9

والنسيان وليس معصومًا، ولا يمكن أن يستبد مخلوق بعلم الأنساب أو التاريخ للقبائل القديمة والحديثة جمعاء، كما أن الباحث بشر كسائر البشر، وعقله البشري له طاقة معينة لا يتعداها، وكما أن هناك أنسابًا وتواريخ وأحداثًا لا يمكن أن يضل فيها أحد إلى عين اليقين التام أو التأكيد لها، وسوف تظل مثل هذه الأشياء وحتى يوم القيامة في علم الواحد القهار علَّام الغيوب والذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومهما أوتي عالم في أي مجال من العلوم من فراسة أو فطنة فلن يصل إلى قطرة في بحر علم الله الذي لا حدود له ولا نهاية، وإنه بقدر مجهود الباحث وراء العلم وبقدر مجالدته وتفكيره يفتح الله على هذا الباحث كما يريد الله له وبقدر معلوم .. فسبحان الوهاب، يمنح لمن يشاء العلم، ويعطي لمن يشاء سحر البيان .. وحلاوة المنطق وجمال التعبير هما نعمة يهبهما الله ويمن بهما على بعض العلماء، لا كلهم، كي يكون علمهم غزيرًا وسلسبيلًا متدفقًا كالدرر، ويلقى في عقول النّاس استحسانًا وتهوي إليه قلوبهم وتتوق إلى النهل منه، والإقبال عليه، وقال النَّبِيّ ﷺ عن نفسه الكريمة ما معناه: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بن أبي طالب بابها"، وقال أيضًا عن حلاوة المنطق وحسن الكلام: "إن من البيان لسحرًا" صدق رسول الله .. ولا بيان فوق القرآن العظيم الذي أعجز العرب أن يأتوا بآية واحدة مثله، وسيظل يعجزهم إلى آخر الزمان، رغم أن الله أعطاهم الفصاحة والبلاغة ونظم الشعر - بلغة الضاد - التي هي أقوى لغة تكلَّم بها بنو آدم على وجه الأرض، وندعوا ونبتهل إلى العلي القدير ونقول: اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وشفاء صدورنا، وارزقنا بكل حرف من القرآن حلاوة وبكل كلمة كرامة وبكل آية سعادة وبكل سورة سلامة لنا في الدنيا والآخرة. إن علم النسب من أصعب العلوم الإنسانية والاجتماعية مسلكًا، وأشدها وعورة، ومما يدلُّ على صعوبة هذا العلم الجليل القدر، هو أن أمة كبيرة كأمتنا العربية لَمْ يطرق منها باب هذا العلم سوى عشرات قلائل من الرجال، ومن تقصى منهم فقط هم الذين أفلحوا واشتهروا ونالوا أسمى آيات التشريف، وهم يُعدُّون على الأصابع، وما زالت مخطوطاتهم تُطبع أو تُحقق حتى الآن رغم مرور مئات السنين على بعضهم، وأبرزهم ابن الكلبي وابن حزم وابن خلدون والقلقشندي والسويدي وغيرهم فهم رجالات قلائل، أما أغلب الذين خاضوا في هذا العلم

стр. 10

فقد طواهم الزمان وخمد ذكرهم، وببساطة القول: "إن الأمر الواجب والحتمي لأي محقق أو باحث يريد التشريف والعرفان، والتقدير والخلود في التاريخ للأجيال أو أن يكتب له وسام بحروف من نور، لابد لهذا الباحث أن يتحرى جميع المصادر لا أن يتعصب لمصدرٍ واحد، وأن يمارس البحث الميداني بقدر المُستطاع كي يغوص في أخبار وأنساب القبائل وخاصة تلك الكيانات الحديثة في القرون الأخيرة، وحتى يأخذ البينة عن الثقات بعد أن يجمع رأيًا موحدًا في الروايات، والتي يتقارب فيها الصحيح المتفق عليه من عدة مصادر، وكما لابد للباحث في هذا المجال ميدانيًّا أن يتجنب أرباب الهوى الإمعات، حيث إن الشق الميداني هام ومفيد بالنسبة لمن يريد حسم الرأي فيما تضاربت فيه الأقوال، وتناقضت لتلك القبائل الحديثة التكوين والتي لَمْ يجمع فيها المحقِّقون رأيا مرجحًا على الأقل في أطوار نمائها الأولى. وكان دغفل بن حنظلة (١) النسابة الشهير الذي يُضرب به المثل في علمه وذكائه وجمال تعبيره في هذا الميدان، وتشبيهاته العبقرية لأسماء بطون وقبائل العرب في زمانه حتى يحفظها النّاس وتكون ممئر شهرة، ودغفل هو أحد بني شيبان ثم بني بكر بن وائل وهم من قبائل ربيعة بن نزار التي انضوت تحت اسم عَنزَة الآن. ولما سأل معاوية بن أبي سفيان دغفل بن حنظلة بعد أن اختبره ووجده رجلًا علَّامة في أنساب العرب، فقال معاوية: بما نلت ذلك يا دغفل؟ أجاب بحكمة قائلًا: بلسان سئول وقلب عقول، وآفة العلم النسيان. ولدغفل موقف طريف ذكره التاريخ له وكتبه في مصنفه الريحان والريعان أبي القاسم محمد بن إبراهيم ابن خيره، فقد حكي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان في علم النسب للقبائل بالمقام الرفيع والجانب الأعلى والقدح المُعلَّي، وقد خرج مع النَّبِيّ ﷺ ذات يوم فوقف على قوم من ربيعة العدنانية فقال لهم أبو بكر: ممن القوم؟ قالوا له من ربيعة. قال: وأي ربيعة أنتم أمن هامتها أم لهازمها؟ قالوا من هاماتها العظمى. قال أبو بكر ومن أيِّها؟ قالوا من ذهل الأكبر قال أبو بكر: أفمنكم بسطام بن قيس ذو اللواء أبو القِرَى ومنتهى الأحياء؟ قالوا لا. قال: أفمنكم

стр. 11

المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان الحر صاحب العمامة الفَرِدة؟ قالوا لا. قال: أفمنكم أخوال الملوك من كنْدة؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم أصهار الملوك من لَخْم؟ قالوا: لا. فقال لهم أبو بكر: فلستم بذهل الأكبر بل ذهل الأصغر. حينئذ قام إليه دغفل الشيباني منتفضًا وكان لا يزال غلامًا - وسبحان الوهاب أن يناظر غلام حدث أبو بكر الصديق!! ولكنه ليس كأي غلام ونسبه في حي ليس كأي حي - إنه دغفل (١) الذي ستسمع به الدنيا وإنه لمن شيبان جبابرة بني عدنان. وقيل أن دغفل قد بقل وجهه، أي انتفخ وتغير لونه من شدة الغيظ من أبي بكر عندما أحرج أقاربه، فقال محتدًّا وفي نيته وقصده أن يثأر في الحال من أبي بكر ﵁ وهو لا يعرفه، فقال دغفل لأبي بكر: إن على سائلنا أن نسأله والعبء لا تعرفه أو تحمله، يا هذا؟ إنك قد سألتنا ولم نكتمك شيئًا من خبرنا، فمن الرجل؟ فلما عرف دغفل أنه أبو بكر القُرَشي قال مكررًا سؤاله فمن أي القُرَشيين أنت؟ قال أبو بكر ﵁ مجيبًا من ولد تيِّم بن مُرَّة. قال دغفل له: أمكنت واللّه من سواء الثغرة! (يعني أنه سوف يصيبه وينول مراده) ثم قال لأبي بكر سائلًا أفمنكم قُصي بن كلاب الذي جمع القبائل من قريش وكان يُدعى مُجمَّعا؟ قال: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مُسْنتون عِجاف؟ قال: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد (يقصد عبد المطلب بن هاشم) مُطْعِمَ طير السماء الذي كأن وجهه قمر يضيء في الليلة الظلماء؟ قال: لا. قال: فمن أهل الحجابة أو السقاية أو الرفادة أنت؟ قال أبو بكر: لا. واجتذب أبو بكر ﵁ زمام ناقته من وجه دغفل مندهشًا من براعته وفصاحته فقال دغفل محتدًّا بنخوة شيبانية فائقة فيها نبرة المنتصر الذي أخذ بحقه في التو قال: صادف در السيل درًّا يدفعه … يهيضه حينًا وحينًا يصدعه

стр. 12

ثم أردف قائلًا: لو تثبَّت يا أخا قريش لأخبرتك أنك من زمعات قريش أو رعيانها ولست من الذوائب أو ما أنا بدغفل!. فلما أتى أبو بكر النَّبِيّ ﷺ أخبره بما جرى له مع دغفل ورجال ربيعة فتبسَّم النبي ﷺ مسرورًا لما وجد في ربيعة من ولد عدنان هذا العلم وتلك النخوة والفصاحة التي أبداها دغفل في حواره ومناظرته مع الصدِّيق، فقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه: لقد وقعْتَ من الغلام على باقعة (أي داهية من دواهي العرب) يا أبا بكر .. فقال الصديق مجيبًا: أجل يا أبا الحسن ما من طامة إلَّا فوقها طامة، وإن البلاء موكل بالمنطق!!. وإن هذه القصة نستشف منها أن العدنانيين من ربيعَة ومُضَر هما ندٌّ لبعضهما البعض وهما صخرتا العرب تكملان بعضهما البعض، فهما من نزار الذي كان من نسله النَّبِيّ المختار، وكل ملك جبار صيته في الآفاق طار، وكل فارس مغوار يضرب بسيف بتَّار ويحمي الذمار، فرحم الله نزار وإبنيه ربيعَة ومُضَر الأخيار، صفوة وصريحي معد بن عدنان من صلب إسفي عيل الذي كان بأبيه بار، فعليه السلام وعلى أبينا إبراهيم خليل الواحد القهَّار. ومشكلات الأنساب والأحساب والوصول فيها إلى عين اليقين بين العرب قبل الإسلام وبعده كانت تدور رحاها بين نسَّابة القبائل العربية حين الأزمات التي تفوز النعرات القَبَلية، وقد تضاربت - على سبيل المثال - الأقوال في أشهر القبائل في تاريخ العرب، وهذا الشيء نجده منذ الجاهلية، وأبرز ذلك الخلاف في نسب قُضَاعة والذي هو مذبذب بين عدنان وحِمْير قحطان، ومن أشهر قبائل قُضَاعة: بلِّي وجُهَيْنة، وكذلك نسب ثَقيف، رغم أن التأكيد التاريخي يؤيد نسبهم إلى إياد العدنانيين، إلَّا أن جمهرة العَلماء يقولون: إنهم من هوازن - وهذا ما أخالفه - وسوف نشرح ذلك - إنْ شاء الله - بتحليل مطوَّل، وكذلك نسب خُزَاعة وجُذام وخَثْعم وبُجَيْلة، وبالمثل نرى أمثلة في القبائل التي ظهرت بعد الإسلام مثل: حرب وبني خالد وغيرهما ومما سوف نشرح عنهما في هذا المجلد من الموسوعة مثل: بني عطية والمساعيد والحبريطات. وما زالت الآراء تتضارب من محققي هذا القرن في كثير من القبائل، ويتأرجح رأي كلّ منهم لما يأخذ من إسناد تاريخي أو حجة أو قياس زمني أو بحث ميداني إلى غير ذلك. وسنوضح بتحليل تاريخي ومنطقي نسبها الراجح والأقرب للحق والصحة، واللّه سبحانه هو هادينا ومرشدنا، ونحن

стр. 13

واثقون في الله أنه سوف يعطينا الهداية والحق ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ومن يكله إلى نفسه سوف يجف ريقه ويلهث زائغ البصر وراء حاجته دون جدوي، وإننا نستعين باللّه وحده أن نحسم هذه المشكلات التي هي جسيمة على كاهل المحققين جميعًا وأنا فرد منهم، فدعواتنا للّه أن يوفقنا للحق، واللّه لا يخيِّب رجاء من طلب. ونلفت نظر القارئ العزيز أنه رغم أن هناك قبائلَ عربية صريحة النسب سواء قحطانية أم عدنانية. ومعنى صراحة النسب هو: معرفة الجد المؤسس لمن يرتد في بطون العرب، والجد المؤسس هو الذي تتسمى به القبيلة وهو أب القبيلة التي يعود له تكون هيكلها وكيانها بداية من الأسرة ثم العائلة ثم العشيرة ثم القبيلة - ورغم صراحة النسب هذه - إلَّا أنه من المستحيل أن تظل قبيلة مقتصرة على ذرية جدها المؤسس لها ولا يدخلها عناصر أخرى خارج عمود نسبها، وكم نجد قبائل قحطانية بها عشائر عدنانية، وكم نجد قبائل عدنانية بها عشائر قحطانية؛ وهذا لأنَّ طبيعة المجتمع القَبَلي العربي منذ فجر التاريخ وحتى هذا القرن دائم التنقل والترحال، إما بحثًا عن موارد الحياة أو لظروف اجتماعية قَبَلية أو لظروف سياسية تتعرض لها بعض الكيانات. ومنذ الجاهلية والعرب على هذا الحال، وطبقًا لهذه السمة السائدة قد نجد قبيلة أو عشيرة تنضم إلى قبيلة أخرى إما رغبة فيها أو رهبة منها، وتنضوي الأولى تحت اسم الثانية ويندثر اسم القبيلة المنضمة، وقد تنتقل قبيلة إلى ديار قبيلة أخرى بعد ضعفها ثم تتوسع في ديارها وتقطن منازلها التاريخية، وقد تنمو القبيلة من جد مؤسس لها في ديار قبيلة، ثم يتكاثر نسل هذا الجد، وقد يطغى اسمه على سائر القبيلة سواء كان يشترك معها في جذوره الأولى أم يختلف نهائيًّا .. وهكذا فقلما نجد قبيلة عربية صافية على عنصرها الأول أو مقتصرة على عمود نسب مؤسسها. ونعود لقوله تعالى في كتابه العزِيز: ﴿ … وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. فقد أعلن دستور السماء هذا المفهوم بوضوح تام في هذه الآية الكريمة، كي يعرف كلّ امرئ من أي قبيل هو، أما ميزته في المجتمع ومنزلته عند الله فتتجلى بالتقوى والصلاح، وإذا كان على القبائل والشعوب أن تتعارف وتتآلف على اختلاف مذاهبها ومشاربها وميولها ولغاتها وأجناسها، فكيف بنا نحن العرب

стр. 14

أن نحجم عن التعارف والتآلف والتآخي ونحن أمة كرمها الخالق . ونؤكد أن علم النسب أداة للتعارف، لا أداة للتفاضل أو التعالي أو التباغض أو التنافر، بل هذا العلم هو الوسيلة النبيلة التي تنمي في الشعوب الألفة والترابط الاجتماعي، الذي يستمد منه المرء الحميَّة والنخوة والشهامة والقوة لإثبات ذاته أو كيانه الصغير المتمثل في أسرته وعشيرته التي تؤويه ومن ثم بقبيلته التي يُعزى إليها، وأخيرًا في قومه ومجتمعه العربي الكبير الذي يضم أبناء جنسه وجلدته، وهكذا ينمي هذا العلم بعطاء وجداني وعاطفي لكل إنسان عربي أصيل ويجدد العزم والبأس، ليهُبَّ دائمًا إذا دعا الداعي مع قومه ليحمي الحمى والذمار، ويصون المقدسات والحُرُمات، ويذود عن الأرض والعرض والكرامة في أنحاء وطننا العربي العزيز، وهذا ما يحتمه عصرنا في عالم اليوم الذي تتكتل فيه الشعوب والدول رغم اختلاف مشاربها وأجناسها ولغاتها، وذلك من أجل إظهار القوة والهيمنة على الآخرين وذلك بشتى الطرق والوسائل، إذن فلابد لنا - نحن العرب - في هذا العصر أن نطبِّق كلام الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .... ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وهذا هو الحل أن نطبق كلامه ونسير بروح القرآن العظيم، وأن نفرَّ إلى الخالق ليمنحنا الثبات والصبر، لننال العزة والرفعة دائمًا كما أرادها الله لنا ومَنَّ بها علينا دون سائر الأمم والشعوب. إن الإنسان العربي الحر يميل بشدة إلى البحث عن هويته العربية، وحقيقة معدنه وجذوره وشجرة نسبه التي فيها حسبه وأصله وجنسه العربي السامي الكريم، وهذه سمة من سمات العرب منذ فجر التاريخ وحتى الآن، ولأن العرب هم في الأصل أُناس قَبَليون لا شعوبيون، أي لَمْ تذب فيهم الأرومات والأصول والأحساب والأنساب؛ ولذلك نجد أن عنصرهم يتميز بالنقاء، وتتضح الصورة جلية في شتى الأقطار العربية وكما نراها حتى اليوم في تلك الكيانات القبلية المتماسكة والتي ما زالت تحافظ على عنصرها وتراثها وجذورها ونقاء معدنها، وكما أننا نرى أيضًا أن لكل قبيلة عربية مجدها وتاريخها التليد الراسخ في أعماق أبنائها يفاخرون به قولًا أو نثرًا أو شعرًا، وسيظل ذلك التاريخ عن ماضي الأجداد مطبوعًا في العقول لا يُنسى جيلًا وراء جيل، كما كان متناقلًا عن الأسلاف كابرا عن كابر. وحقًّا، فالتنافس الشريف والنبيل بين قبائل العرب والذي يحث على

стр. 15

مكارم الأخلاق والتمسك بالشِّيم الكريمة والخصال الحصِدة، جدير بالقول والرضا من المولى ، وثانيًا فهو مرغوب من سائر المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج، وكما أن الاحترام المتبادل بين القبائل العربية يُولِّد الألفة والمودة والمحبة بين أبناء تلك القبائل، وهذا ما يحبذه ديننا الإسلامي، وبالتالي تصبح الشعوب العربية في مجموعها في تعاضد وترابط متين أساسه الأصل واللغة والدين والطباع الواحدة والموطن الممتد والمصير المشترك، وهذا لأنَّ الترابط والالتحام والتآخي هو حجر الأساس القوي لبناء مجتمعنا العربي الإسلامي الحر الأبي، والذي يتمثل في بيت عربي واحد يحمل على كاهله أحمالا كالجبال الراسيات لا يميل ولا يتزعزع له ركن ولا ينقض (١) له جانب على مدى الدهر حتى يرث الله الأرض ومن عليها. إن سمو معدن العرب قد بينه الخالق عندما خلق الخلق واختار بني آدم وفضَّلهم على كثير من خلقه تفضيلًا، ثم اختار العرب وكرَّمهم واصطفى منهم سيد المرسلين، خير الورى محمد ﷺ ؛ ليكون هداية لسائر البشرية بل وهداية الثقلين من الإنس والجن .. وعلى ذلك فإن بغض العرب نفاق من جهة الشرع، أما من جهة العقل فقد ثبت بالتواتر المحسوس المشاهد أن العرب أكثر النّاس سخاء ومروءة وشهامة وبلاغة وفصاحة، ولسانهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني، وذلك بتجميع المعاني الكثيرة باللفظ القليل، ويُميِّز بين كلّ لفظين متشابهين بلفظ آخر مختصر، إلى غير ذلك من حقائق اللسان العربي الفصيح الذي كرَّمه المولى وجعل أهل الجَنَّة يتكلمون به، وعَدَنا وسائر المؤمنين بها إن شاء الله تعالى. إن تراث ومجد كلّ قبيلة عربية هو في الحقيقة جزء من كلّ تراث ومجد الأمة العربية، وهذا التراث يسطع بنوره في كوكب الأرض، ويجعلنا نحن العرب من بدو وحضر نرفع هاماتنا بين سائر الأمم، ولتبقى بحول الله عروبتنا شامخة دائمًا وأبدًا لينطبق علينا قولٌ الحق ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ … ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهكذا فالحالة الوجدانية والعقلية عند أبناء القبائل العربية تمثل هوية شخصية تُشعر المجموعة المحلية بكيانها كشعب وأمة متماسكة مترابطة الجذور متضامنة مع نفسها متآزرة في السرَّاء والضرَّاء، وهكذا هم العرب

стр. 16

بشهامتهم الفائقة وشيمهم الرفيعة والنبيلة منذ فجر التاريخ وستظل - بإذن الله - ما دامت تشرق الشمس من المشرق. ومما لا ريب فيه أن القبيلة في مفهومها ككيان متماسك، بعكس ما ينعتها البعض من المائلين إلى الشعوبية البحتة، والذين يخالفون قول الحق : ﴿ … وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، هنا ربنا في كتابه العَزيز قد قرن القبائل مع الشعوب وذكر الأمة على حدة، مما يدلُّ على حتمية وجود الكيانات القَبَلية في المجتمع، ولأن الأمة تتكون من عنصرين: الشعوب والقبائل. وهؤلاء أيضًا ينعتون القبيلة بأنها أداة رجعية قديمة متخلفة تمثل تكتلًا اجتماعيًا موحدًا يكون قائمًا على رابطة الدم والأصل المشترك، للدفاع عن مصلحة مشتركة تهم هذا التكتل فقط في البيئة المحيطة به!، فهذا الرأي باطل ومرفوض؛ لأنَّ الإسلام نظَّم هذا الكيان المتمثل في القبائل وأزال عنه كلّ العادات المستهجنة مثل حمية الجاهلية الأولى، فأصبحت الحمية للحق والخير، هذا لمن ينهجون طبعًا أو يتمسكون بتعاليم الإسلام من شتى القبائل في الوطن العربي الكبير، ثانيًا فلابد من التعريف بأن الكيان القَبَلي كتجمُّع تلقائي متماسك البنيان إذا سخره الرجال المصلحون كان خيرًا للمجتمع بأثره، ولقد سخرهُ المجاهدون والأبطال في جزيرة العرب وجمعوا القبائل بحَميَّة الإسلام والعروبة وقد حَطَّموا أعتى الإمبراطوريات في الماضي قبل ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، وقد فتح اللهُ على هذه القبائل التي أصبحت جماعة واحدة بعد أن كانت شتى ومتناحرة، وبفضل الإسلام فتح على أيديهم الأمصار والمدن في مشارق الأرض ومغاربها، وقد انتشر الدين الحنيف في بقاع الأرض على أيدي رجال وفرسان من عدنان وقحطان سجل لهم التاريخ صفحات كُتبت من نور، وكما سخر الكيانات القَبَلية زعماء وقادة العرب على مر تاريخ العرب بعد الإسلام وحتى منتصف هذا القرن، وذلك في مقاومة الغزوات الاستعمارية الشرسة على ترابنا العربي الطهور سواء في المشرق أم المغرب، ولا ينكر ناكر ولا يجحد جاحد بأن الفضل للّه ثم في هذا التكتل الاجتماعي التلقائي المتمثل في تماسك القبائل العربية في نواح كثيرة من البلاد العربية؛ وذلك في المحافظة على ديارنا العربية الإسلامية حُرَّة أبيَّة، كما نتمتع نحن أبناء هذا الجيل بها بعد زوال كابوس

стр. 17

المستعمرين الغرباء عن بلادنا في مختلف الأرجاء. وحقًّا، فقد كانت القبائل العربية وستظل حصنًا وملاذًا في الظروف الحالكة التي مرت بها أمتنا، كما كانت دومًا ينبوعًا وكنزًا ثمينًا يمد المقاومة العربية ضد حملات الغزاة بموجات وموجات من الرجال والأبطال، الذين اقتحموا غمرات الوغى بعزم صادق على أمل النصر أو الشهادة، وقد سقط الآلاف بل الملايين من أبناء العرب في هذين القرنين الأخيرين. فما بالنا في القرون الأولى فلن نحصر آلاف الشهداء العرب الأبرار الذين روت دماؤهم ثرى بلادنا الطهور، وقد سقطوا في ساحة الشرف والجهاد والحق، ذودًا عن الكرامة العربية وذودًا عن أهليهم وديارهم، ورغم بعض التناحر القَبَلي الذي كان فى جهات عديدة من بلادنا العربية وفي أزمان مختلفة، إلَّا أن هذا الشيء لَمْ يَفُت في عضد الأمة العربية في مجموعها وفي شكلها العام كأمة راسخة البنيان قوية الأركان، فالعربي من أقوى وأشد المتعصبين لأبناء قومه وجلدته، لا يقبل ولا ينام على ضيم حل بهم من أي جنس، ونجد أن الحمية والنخوة العربية تجري في عروق أي عربي مجرى الدم، فهذه فطرة فطرها الله لنا وجُبلنا عليها ونراها تترجم دائمًا بصورة تلقائية إلى طاقة هائلة وشحنة متقدة من هبتنا لحماية الذمار والديار العربية في أي وقت، ولا يأبه العربي باي خلاف جانبي عارض مع إخوانه الآخرين سواء عشيرة أم قبيلة أم حتى شعب بأكمله!، هذه المبادئ وتلك الصفات التي تغلب على طابعنا نحن العرب، وما أجملها من صفات، فحيَّا الله العرب على مر الزمان، وعاش كلّ من رفع لمجد وعزة العرب الرايات، وعروبتنا المجيدة - بعون الله تعالى - لن ينطفئ نجمها ولن يخمد ذكرها بين الأمم، ما دام أبناؤها البررة المصلحون يتحلون بالحق والإخلاص والجهاد في شتى الميادين. فلنضع نصب أعيننا تاريخ وأمجاد أجدادنا البهرام ليكونوا لنا قدوة، بهم نقتدي، وبمبادئهم نحتذي، وعلى عهدهم نسير، وعلى نهجهم نخطو في حاضرنا المشرق بالأمل والخير، ومستقبلنا الزاهر إن شاء الله، ونحمد الله .. فأُمتنا العربية ذاخرة دائمًا في كلّ العصور بالقادة والمصلحين والعلماء المفكرين والرجال المخلصين الذين يجعلون سائر الأمم يشيرون للعرب بالبنان ويعطونهم حقهم من التقدير والاحترام. المؤلف محمد سليمان الطيب القاهرة "مصر العربية"

стр. 18

أهمية علم النسب لقد جعل الله للعرب مكانة مرموقة ورفيعة بين الأمم، وكرَّمهم وأعلى قدرهم، حيث قال في كتابه العزيز: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ … (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. فعلم النسب للقبائل العربية له منزلة عليَّة ومكان رفيع وجلالة قدر بين العلوم الإنسانية والاجتماعية، وقد كان لأبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه - الجانب الأوفر والقدح المُعلَّى والمقام الرفيع في علم أنساب العرب، مما يؤكد شرف هذا العلم وأهميته. وقد حث عليه نبينا الكريم ﷺ في مواضع كثيرة، وأهمية هذا العلم تبرز في عدة أمور منها: أ - أن العلم بنسب النَّبِيّ ﷺ ضرورة مُلِحَّة لصحة الإيمان بأنه النَّبِيّ الهاشمي القرشي العدناني، وكان يسكن بمكة المكَرمة ثم هاجر إلى المدينة المنورة. ب - حتمية هذا العلم للناس لحرمة أن ينسب أحد لغير آبائه، أو يُعْزى لغير أصله الذي نبع منه، حتى لو حالف أو دخل في عشيرة أو قبيلة أخرى تحت أي ظروف كانت، فلابد لمثل هذا أن يُلِمَّ أو يعرف جذوره وذوي قرابته وأرحامه. وعلى ذلك فلا يمكن ترتيب حكم الورَاثة إلَّا بمعرفة النسب، وكذلك النِّكَاح فلابد من معرفة ذوي المحارم، ولأجل ذلك فلابد من الرجوع إلى علم النسب. ج - قال رسولنا الكريم محبِّذًا وجود. الحسب والأصل الكريم في المرأة المراد الزواج بها كما ورد في حديثه ﵊: "تنكح المرأة لأربع: لجمالها أو حسبها أو مالها أو دينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" صدق رسول الله ﷺ وهو القائل أيضًا ﷺ مؤكدًا ضرورة الحفّاظ على النسل وصيانته من أوباش النّاس فقد قال: "تخيروا لنطفكم فإن العِرق دساس". وقال ﵊: "إياكم وخضراء الدّمَنْ"، يعني البعد عن زواج المرأة الحسناء والجميلة التي تنبت في منبت السوء، أي في بيئة أو في وسط وضيع، سواء عائلة أم عشيرة حضرية أم بدوية، وأمثال هؤلاء هم سفلة المجتمعات لا حسب لهم ولا خُلُق ولا شرف ولا ذمة، ولا يخافون على تلويث سمعتهم أو المساس بشرفهم .. وبالطبع هنا نجد أن الأصل والحسب العريق مهم .. لماذا؟

стр. 19

والجواب ببساطة أن من له أسرة أو عشيرة أو قبيلة ذات شرف أو سمعة وحسب بين النّاس، فإن أي فرد فيها من رجل أو امرأة يُقدِّر جيدًا لأي تصرف يقدم عليه عضو هذه الأسرة أو تلك العشيرة؛ لأنه قد لا يخشى فقط على نفسه، ولكن ما يخشاه ويتحسب له قد يكون فيه البلاء والشر المستطير الذي يمكن أن يُشوِّه سمعة عائلته وعشيرته من جرَّاء ما اقترفه من إثم، وهذا ما يفكر فيه أهل الأحساب والأنساب في المجتمع العربي، وقطعًا يكونون أكثر حرصًا في أقوالهم وأفعالهم وأشد في كبح جماح أنفسهم، وإن كلّ نفس لأمَّارة .. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. د - وقد تكلَّم النَّبِيّ ﵊ في نسبه الشريف والرفيع وقال عن نفسه الذكية: "نحن بنو النضر بن كِنَانة" وهو بذلك يوضح أنه من كِنَانة وفرعه بني النضر أي قريش التي تناسلت منه. وكما قال أيضًا عن نفسه السامية: أنا خيار من خيار من خيار؛ يقصد أنه ﷺ من أشراف العرب وسيطًا في قومه، أي صريح النسب من بني هاشم من قريش من عدنان. وهو ﵊ من صريحي ولد إسماعيل ابن الخليل إبراهيم ﵉. وقال ﷺ أيضًا: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. صدق رسول الله فهو خير الورى حقًّا وصدقًا. وقال الفاروق عمر ﵁: تعلموا من النجوم ما تهتدون به، ومن الأنساب ما تعارفون به وتَواصَلون عليه، ومن الأشعار ما تكون حِكَمًا وتدلكم على مكارم الأخلاق. وقال النسَّابة الشهير ابن حزم (١) الأندلسي. إن علم النسب علم جليل رفيع إذ يكون به التعارف بين النّاس.

стр. 20

أنواع العرب معنى كلمة عرب بإيجاز واختصار: قال العلَّامة والمؤرخ الكبير عبد الرَّحمن بن خلدون (١): إن كلمة العرب مشتقة من الإعراب وأُخذت من قولهم أعرب الرجل عن حاجته: أي أبانها، وسُموا عربًا؛ لأنَّ العرب قد اشتهروا بالفصاحة والبلاغة وسحر وروعة البيان بين سائر الأمم، وكل جنس عدا العرب فهو أعجمي. والعرب نوعان: (عاربة)، و (مستعربة). فالعاربة: أي الراسخون في العروبية؛ كما يقال: ليل لائل. والمستعربة: هم الذين دخلوا في العروبة لأنهم ليسوا بخُلَّص. وقد اختلف الرأي فيما بعد في تعريف النوعين، فقال ابن إسحاق والطبرى: أن العاربة هم عاد وثمود وجُديس وجُرهم وغيرهم من تلك الأقوام البائدة، وفي رأيهم أن المستعربة هم بنو قحطان بن عابر وبنو إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وهذا لأنَّ بني قحطان تعلموا العربية من الأقوام القديمة البائدة قبلهم، وبالتالي تعلم منهم بنو إسماعيل (العدنانية). وقال ابن خلدون وأيده صاحب حماه أن العاربة هم القحطانية والمستعربة هم العدنانية.

стр. 21

صورة تمثيلية لتعريف طبقات النسب الشَعب: بفتح الشين وهو النسب الأبعد كعدنان وقحطان. القبيلة: وهو ما انقسم فيه النسب كربيعَة ومُضَر، من بني عدنان وسميت قبيلة؛ لتقابل الأنساب فيها. العمارة: وهي ما انقسم فيها أقسام القبيلة مثل قريش في كِنَانة وجمعه عمائر. البطن: وهو ما انقسمت فيه العمارة إلى بطون كبني عبد مناف وبني مخزوم في قريش. الفخذ: وهو ما انقسم فيه البطن إلى فخوذ كبني هاشم وبني أُمية من عبد مناف. الفصيلة: وهي ما انقسم عليه الفخذ إلى فصائل كبني أبي طالب وبني العباس في بني هاشم. وقيل رأي بأن الفصيلة هي العشيرة وهي رهط الرجل الأقربون. وقال الله تعالى عن ذلك: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)﴾ [المعارج: ١٣]، - ومعناها أي عشيرته التي تمنعه من النّاس ويكون أكثر التصاقًا بها وارتباطه معها مصيري. موجز عن أصل البشر جميعًا على الأرض أجمع المؤرخون والنسَّابون القدماء أن جميع الأمم الموجودة على الأرض بعد الطوفان هم من ذرية نوح ﵇، أما ما كان مع نوح في السفينة فقد روي أنهم كانوا ثمانين رجلًا (١) من الذين آمنوا به ولكنهم هلكوا عن آخرهم ولم يبق لهم من بقية وهذا شيء لا خلاف عليه من العلماء (٢).

стр. 22

ولنوح ﵇ بنون هم: الأكبر (يافث)، والأوسط (سام)، والأصغر (حام). - أما يافث فقد تناسلت منه أمم وشعوب كثيرة وهم كثر عددًا من نسل أخويه سام وحام، فمن يافث الترك ومن في جنسهم من القبجاق والتتر والغز أو السلاجقة والهياطلة والخلج والشركس والخزر والصقالبة والصين والإفرنج والقوط واليونان ويأجوج ومأجوج (الذين ينزلون من مقرهم من كلّ حدب ينسلون ويشربون المياه في طريقهم في آخر الزمان، وبنى عليهم ذو القرنين سورًا من الحديد والنحاس في مكان لا يعلمه إلَّا الله)، وقد اختلف الرأي في الروم (١) هل هم في نسل يافث أم من نسل عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵉، والله أعلم. - وأما الابن الأوسط سام ففيه عمود النسب أي النبوة، ونسله أقلّ عددًا من أخويه يافث وحام ومنه العرب والآشوريون والسريان والفُرس والكُرد والكنعانيون والنبط والأرمن وغيرهم من الشعوب في المنطقة العربية كبني مدين (٢) وبني يعقوب (٣) (إسرائيل). - أما حام بن نوح الابن الأصغر فتناسلت منه أمم وشعوب منها المصريون القدماء (القبط)، والكوش (السند والهند)، والسودان بأنواعها من الزنج والحبش والنوبة وزويلة، واختُلف في البربر الذين يسكنون بلاد المغرب حتى الآن هل هم من حام أم من غيره؟. وقيل رأي أنهم كنعانيون من ولد سام، وذهب نسَّابة إلى

стр. 23

ردهم إلى درية إسماعيل من ولد بر بن قيدر، وقد عصى أباه فقال له أخرج يا بر إلى البر لست بر فسمي (بربر)، وقيل رأي آخر أنهم من اليمن من حِميَر قحطانيون. واللّه أعلم. أصل جميع العرب أجمع النسَّابون أن العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم من ولد سام بن نوح ﵇، وبعضهم وضح أنه من لاوذ بن سام بن نوح ﵇، كما ذكر بعض العلماء أن عابر هو النَّبِيّ هود ﵇ والله أعلم. ومن عابر تناسل القحطانيون وهو قحطان بن عابر، ومن عابر أيضًا تناسل سيدنا إبراهيم (١) في بابل من أرض العراق، وقد عبر الفرات للشام هربًا من النمرود حفاظًا على دينه، ومن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ تناسل العرب العدنانية، ومنه بني مدين بن إبراهيم شعب انقرض أو انصهر مع العرب، وكما هو واضح أن الأمة العربية بشقيها العدناني والقحطانن من جد واحد هو (عابر)، وكما قال القُضاعي الذي كان يستبعده العلماء من نسل العدنانية وهم جمهرة العلماء قال شاعرهم ليريح النّاس: (إلى عابر ألقى معدًا ويلقاني). ويطلق النسابة على القحطانية اليمانية .. لما أنهم نشاوا في بلاد اليمن بعد انتقال أجدادهم من منبعهم في بلاد العراق من أحفاد عابر، وهذا لوفرة خيرات اليمن وكثرة أمطاره. وأشهر فروع بنو قحطان هما: كَهْلان - حِمْيَر (٢) وكلاهما ابنا

стр. 24

سبأ (١) بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وسبأ هو المذكور في القرآن الكريم، ومنهم بلقيس الملكة الشهيرة باليمن أيام سليمان ﵇. وقبائل القحطانية كثيرون، وهناك قبائل حِمْيَر وكانت لهم مملكة في بلاد اليمن ظلت سنوات تتابع فيها ملوكهم على بلاد اليمن أشهرهم التبابعة، وهناك جمهرة من العلماء من يرون أن قُضاعة من حِمْيَر، وسوف نوضح ذلك في السرد عن قبائلهم في هذا المجلد إن شاء الله. ودخل الحِمْيريون في اليهودية ثم في النصرانية وظل فيهم مُلك اليمن حتى جاء الأحباش واستعمروها اثنتين وسبعين عامًا كما ذكر ابن هشام، حتى حررها سيف بن ذي يزن الحِمْيَري بمساعدة الفُرس الذين حكموا اليمن بعد طرد الحبشة حتى جاء الإسلام، لتعود اليمن فى حكم العرب المسلمين مرّة أخرى بعد الحبش والفُرس. ولملوك التبابعة سيطرة امتدت قديمًا بغزوات ملوكهم الحجار بلاد بني عدنان، ولم تخرج العدنانية من سيطرة وغلبة عرب اليمن إلا بعد موقعة (خزازى) (٢)

стр. 25

الشهيرة التي تزعمها كُليب (وائل) من تَغْلب ربيعة، وكان معه مُضَر وبعض قُضَاعة وقد صار ملكًا على العدنانية حتى قَتله جساس بن مُرَّة الشيباني من بكر بن وائل أخي تغلب بنو وائل، وكلتا القبيلتين من ربيعة العدنانية، ودامت الحرب بين الحيين أربعين عامًا. أما فرع القحطانية الآخر كهلان فمنه شعوب وقبائل كثيرة أغلبها نزح من اليمن بعد انهيار سد مأرب أشهرهم: الأزد بقبائلهم ومن الأزد الأنصار (الأوس والخزرج)، والغساسنة، وكان لهم مُلكًا بجنوبي الشام قبل الإسلام وكذلك هناك من قبائل كهلان الشهيرة غير الازد: خَوْلان - هَمَدان - طَيْئ - مَذْحِج - لَخْم - عَامِلة - جُذَام - كِنْدة (١) والأخيرة كان لها مُلْكًا في الحجاز واليمن، وعن لَخْم فكأَن لهم مُلكًا غربْ العراق بالحيرة وهم المناذرة اللخْميين، وقيل رأي آخر لنسَّابة مُضَر أيام الفاروق عمر ﵁ أن النعمان بن المنذر وقومه هم أشلاء قنص بن معد بن عدنان، والذين انقرضوا قديمًا ودخلوا في القبائل، ولهذا حُسب النعمان وقومه من لَخْم خطأ، وقد اختلطت قبائل القحطانية

стр. 26

بقبائل العدنانية بأواصر المصاهرة أو الحلف وصاروا شعبًا واحدًا وقد انتهى أي شكل من التناحر منذ بزوغ الإسلام. وكان لحي الأنصار القحطانيين فضلًا في نصرته ونصرة النَّبِيّ ﷺ الذي أوصى (١) بالأنصار دون سائر القحطانية لما لهم من الفضل والشرف والكرامة، ومن أراد المزيد عن تاريخ الأنصار المجيد فليطَّلع على سيرة النَّبِيّ ﷺ لابن هشام وابن إسحاق.

стр. 27

العدنانيون وهم من نسل عدنان، وقيل أن أباه أد (أدد)، وهناك خلاف كثير بين العلماء على تسلسل أسماء أجداد عدنان حتى إسماعيل ذبيح الله ﵇ (صادق الوعد). ونظرًا لحديث النَّبِيّ ﷺ بعدم جواز رفع نسب عدنان إلى إسماعيل في قوله: لا ترفعوا ما بعد عدنان كذب النسَّابون (قالها ثلاثًا)، وقال: لو شاء أن يعلمه الله لنا لعلَّمه ولكن ما بين ذلك قرونًا كثيرة، واتفق العلماء في أن ذرية إسماعيل اندثرت فيما قبل عدنان ولم يعرف لها من بقية، وبذلك فعدنان هو الرجل الذي اختاره الله من ذرية إسماعيل، ولا يُعرف عدد الأجداد أو الزمن ما بين عدنان وإسماعيل، ولكن عدنان وابنه معد وأحفاده كانوا - طبعًا - مسلمين على دين الحنيفية دين إبراهيم ﵇، وكل ما أكده العلماء أنه أول مَنْ غير دين نبي الله إبراهيم ﵇ وذلك لما جاء في أحاديث نبوية - هو عمرو بن لُحَي الذي قال عنه النَّبِيّ ﷺ : "رأيت عمرو بن لُحَي يجر قصبهُ (١) في النار". وأخبر أن عمرو بن لُحي هو أول من وضع الأصنام في الكعبة، وكما يرى جمهرة النسَّابون أنه جد (خُزَاعة) والتي كانت تسيطر على مفاتيح الكعبة، حتى نزعها منهم قُصَي بن كلاب القرشي وهو جد النَّبِيّ ﷺ أي في عمود نسبه. وأما أشهر فروع (بنو عدنان) (٢) وهم بني نِزَار بن مَعْد: (أ) بنو إياد بن نزار. (ب) بنو أنمار بن نزار. (ج) بنو ربيعة بن نزار. (د) بنو مُضَر بن نزار.

стр. 28

بنو إياد بن نزار كان لهم شرف وعزة ومنعة وكثرة في تهامة في أوائل القرن الثالث الميلادي، وبعد انفراد بنو مُضَر برياسة الحرم اضطرت إياد أن تهاجر إلى العراق ونزلت بسواد الكوفة وغيرها من النواحي بأرض الجزيرة، وتكاثروا وكانوا يغيرون على من يليهم في البوادي ويغزون مع ملوك آل نصر (١) في غزواتهم، وحاربت إياد الأعاجم من الفُرس وهزمتهم، وغزاهم بعد ذلك أنوشروان أحد الأكاسرة فأصاب منهم ونفاهم من معظم البلاد التي قطنوها في العراق، فنزلوا في الموصل والجزيرة شمالًا، فأرسل كسري مالك بن حارثة ومعه فرقة من بني بكر بن وائل (ربيعة) فأخذهم على غِرَّة فلاذوا بالفرار، وأتبعهم الفرس حتى نزلوا في الشام في حمص وحلب وآسيا حتى أنقرة بتركيا وما صاقبها من البلاد التابعة للروم حينئذ، ودانت إياد لغسان وتنصَّروا أي دخلوا في النصرانية مثلهم مثل جَبَلة بن الأَيْهَم أحد ملوك غسان ومثلهم قُضَاعة ذلك الحين، وتفرقوا في أمصار الشام ولحق أغلبهم إلى بلاد أنقرة بعد اجتماع قُضَاعة وغَسَّان، وقد خاف هؤلاء أن يلحقهم ضَيْم من قُضَاعة وغَسَّان أو يصيروا يدًا واحدة عليهم، وكان بعضهم قد حارب مع الفُرس في موقعة عين تمر، وكما استعان بهم الروم عام ١٢ هـ لما اجتمع العرب المسلمون في الشام، وفي عام ١٦ هـ حاربوا المسلمين مع الروم شأنهم شأن قُضَاعة وتَغْلِب، ولما خرج الوليد بن عُقبة عام ١٧ هـ إلى بني تغلب وعرب الجزيرة أخذتهم حميَّة العروبة ضد الروم رغم أن أغلبهم كانوا نصارى على دين الروم، ولكن إيادًا فإنهم هربوا وقد دخلوا بلاد الروم، ولما قام هرقل الروم بآخر محاولة لاستعادة الشام من المسلمين كان جيشه يحتوي على عدد كبير من إياد، ولكن العرب المسلمين غزوا الجزيرة بمساعدة نصارى العرب وفتحوا، كريت، وقد فاوض خالد بن الوليد عرب المدن بالشام، مما أضعف قوة الروم وخاصة بعد انسحاب كثير من العرب من جيشهم، ولما حارب عرب الشام المتفاوضين مع خالد بن الوليد جيش الروم وهزموه، وقد دخلوا في الإسلام عدا إياد هؤلاء! فقد رجعوا مع جيش الروم

стр. 29

المهزوم إلى مدينة كليكية فتبعهم المسلمون وأفنوا أغلبهم، وأما بعض إياد في الجزيرة شمال العراق فبعد انتشار الإسلام ودخول القبائل فيه إلَّا أن إيادًا أيضًا هربت من هناك إلى مدن كباد وكيه بتركيا، وقد أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى هرقل عدة مصاحف للقرآن ليعرضها على العرب في بلاده مهددًا إياه أن لا يمنع عربي من دخول الإسلام ولا يحولن بينه وبين الخروج لبلاد العرب، وإن لَمْ يفعل ذلك فقد هدده الفاروق بتتبع النصارى في بلاد العرب وقتلهم، فلما عرض هرقل المصاحف ووجدها مثل الإنجيل ومتوافق ما فيها من كلام الله أسلموا ودخلوا أفواجًا ولكنهم بقوا على مسكنهم، ومن إياد بن نزار هؤلاء خطباء يُضرب بهم المثل وكان منهم قس بن ساعدة الذي يُضرب به المثل في البلاغة، وقال صاحب كتاب الأوائل: أن قسًّا أول من أظهر التوحيد بمكة مع ورقة بن نوفل، وذكر الرسول ﷺ قسًّا وسأل عنه وفد إياد عندما جاءوا للنبي، فلما أخبروه أنه قد هلك قال ﷺ لهم: إنه سوف تُعرض عليه أقواله في الآخرة وإن كان غرضهُ توحيد الله من قولها فسيكون في الجَنَّة، ومن إياد كعب بن مامة وكان يُضرب به المثل في الجود، فقد كان معه ماء ورفيقًا وكان سائرًا في طريق قفر فلما عطش رفيقه أعطاه الماء الذي معه ومات هو عطشًا في الفلاة!!، وقد تعلَّم العرب الخط من بني إياد وعرفوا أيضًا منهم أخبار وعلوم الأقوام القديمة كطسم وجديس. وقيلت رواية عن إياد وسبب نفيهم من الحرم (١) هى أنهم كانوا في عزة وكثرة ويولد لأحدهم الولد كلّ بضعة أيام، وقد تغلبوا على جميع بني إخوتهم

стр. 30

من مُضَر وربيعَة وبغوا عليهم فأصابتهم بلوى في سنة واحدة هلك أغلبهم، فضعفوا فطردهم بنو مُضَر وبنو ربيعَة من تهامة، وهذا ملخص مبسَّط من معجم ما استعجم. وفي الأغاني. ذكر أنه: لما أصابتهم السنة تفرقت إياد إلى ثلاث فرق إحداها سلكت البحر فهلكت، وفرقة قصدت اليمن، وفرقة قصدت أرض بكر بن وائل (البحرين والجزيرة وسواد العراق). وقبيلة ثقيف كما أيده البكري وبعض النسَّابين وباعتراف من قدمائهم شعرًا مثبوتًا أن جدهم يُسمَّى قُسي بن منبه بن النبيت بن منصور بن يقدم بن أُفصى بن دعمي بن إياد. وكان قُسي قد تفتَّك على قومه من إياد الذين نزلوا باليمن، وقد تفتك أيضًا على من جاور قومه من حِمْيَر وهم أغلب أهل اليمن فنابذوه وقد انحاز عنهم، ثم قتل أحد جباة الضرائب لأَحد ملوك اليمن في حينه وكان معه النَّخع (١) ابن خالته والذي تيامن قومه من إياد ودخلوا في القحطانية. وهرب قُسي بن مُنَبه والنخع شمالًا تاركين قومهم من إياد في اليمن فنزل النخع في بيشة وتحول إلى الدثينة وكوَّن قبيلة نسبت خطأ في مَذْحج القحطانية، أما قُسي بن مُنَبه فنزل بوادي القِرَى لدى عجوزًا كانت على دين اليهودية وصار كابن لها، فلما ماتت أعطته ذهبًا كثيرًا وقضبانًا من العنب، فنزل في وادي ووج قرب الطائف فرأى فتاة ترعى غنمًا فطَمِعَ أن يقتلها ويأخذ أغنامها، فلما أحست بذكاء فطري قالت له طى ما في نفسه، قال: نعم هذا ما فكرت فيه، فقالت: بئس ما تنوي، إن الغنم لعامر بن الظرب العدواني (٢) حكم من حكام العدنانية ومن كبار قيس عيلان وسوف تُقتل وتذهب نفسك ومالك إن أقدمت على ذلك فاذهب إلى عامر واستجر به يجرك هو أكرم

стр. 31

لك سبيلًا وأسلم لنفسك، والقصة طويلة انتهت بأن قُسيا قد تزوج بنت عامر بن الظرب، وقد لُقِّب قُسي (بثقيف) لما أنه غرس قضبان العنب فأنتجت كرومًا قد ملكها، فقالت العرب من قيس أو عُدوان ما أثقفه حين ثقف عامر بن الظرب حتى أمنه وزوجه وأجاره عن عامة قومه، ثم نراه يزرع الكروم والأعناب!! ونذكر بيتين لأمية بن أبي الصلت من زعماء ثقيف المشاهير قديمًا قال: فأما تسألي يا بُثن عني … وعن نسبي أخبرك اليقينا فانا للنبيت بن قُسَي … لمنصور بن يقدم أقدمينا لأُفْصى عصمة الهلاك … على أُفْصى بن دُعْمي بُنينا ودُعْمي به يُكنى إياد أُفْصى … إليه تنسبي كي تعلمينا وقال مالك بن عوف (بني نصر) زعيم هوازن كلها وحتى غزوة حُنين الشهيرة وذلك موجهًا ضعره إلى ثقيف قائلًا: ألا أبلغ ثقيفًا حيث كانت … بأني ما حييت لكم معادي فإني لستُ منكِ ولستِ مني … فحُلِّي في أحاظة (١) أو إيادِ

стр. 32

فأجابه مسعود بن مَعْتِب الثقفي قائلا: لا قيسكم منَّا ولا نحن منكم … ولكنا أولاد نبيت بن يقدُما وإن أدع يومًا في أحاظة تأتي … كتائب خُرس لا أخاف التهضُّما وقال غيلان بن سلَمَة بن مَعْتِب: إني امرؤ من إياد غير مؤتشب … وأرى الزناد وقلل قيس عيلان هم والدي وإليهم أنتمي صعدًا … والحي قيس هم صهري وجيراني وقصة ثقيف طويلة تحتاج سردًا وتحليلًا تاريخيا لنفيِ الرأي القائل من جمهرة العلماء والنسَّابين بأنهم من هوازن - قيس عيلان - (مُضَر)!؟ ويقول صاحب ذات الفروع (١) عن إياد بن نزار: كان إيادًا من نزار سمت بهم … فروع فخار حين تُعزى وتنسب بنى لهموا مجدًا أبوهم مؤثلًا … توارثه يا مين قبل ويشجب وثعلبة السامي الذي اكتسب العُلا … وكانت له فيها مفاخر تُحسب وهم منعوا فيض العراق بجحفلٍ … مقانب يهديها إلى الروع مقنب ومنهم ثقيف همو أكفاؤنا أنَّا منهمو … عقائل في فهر (٢) تُصان وتُحجب وما النَّخع الخيِّر بن عمرو بمقرفٍ … ولا بلئام نجرهم حين تنسب توارث عمرو بن النبيت وراثة … له، من إياد وصلها لا يعصب وبرد همو أهل المكارم والعلا … وأهل ابندا مالاح في الجو كوكب ويقدم السامون في العز أنهم … لهم منصب فينا أعز وأرحب وزهر همو قوم لقام يزينهم … إذا انتسبوا في شم عدنان منصب

стр. 33

بنو أنمار بن نزار فإنهم لما تكاثر بنو نزار من ربيعَة ومُضَر حول الحرم في تهامة أخذوا طريقهم إلى بلاد اليمن وانقلبوا خطأ أو جهلًا من نسَّابيهم في القحطانية. وقال ابن عباس رواية أخرى: وهي أن أنمار فقأ عين أخيه مُضَر وهرب إلى اليمن وعقَّب هناك وانتسب للقحطانية. والثابت أن أنمار له ولدان أو منه فرعان شهيران هما: خَثْعم وبُجَيْلة، أما بُجيلة فقد حاربت كلب من قُضَاعة في موضع يقال له الفجار (١)، وكانت تسمى حرب الحدأة تفرقت بعدها بُجيلة (٢) في قبائل العرب، وقال البجلي عن ذلك: لقد فرقتم في كلّ أوب .. كتفريق الإله بني مَعْد. وظلت بُجَيْلة ممزقة في كلّ حي من أحياء العرب حينًا من الدهر حتى جمعهم أحد الصحابة للنبي ﷺ واسمه الشليل (٣) بن مالك، وبذلك تجمعت بُجيلة تحت إمرته، وأثناء الفتوحات دخل أغلب بُجيلة إلى العراق وبقي (٤) منهم شراذم قليلة في سروات الحجاز واليمن، وفي يوم القادسية لَمْ يكن أحد من قبائل العرب المشاركين في القادسية أكثر امرأة من بُجيلة وقد بلغت ألفًا فصاهرت بُجيلة ألفًا من أحياء العرب، ولما خطَّت الكوفة

стр. 34

سكنها كثير من البجليين هؤلاء وحاربوا إلى جانب علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - ضد معاوية بن أبي سفيان، وقد ذهب بعضهم إلى بلاد الشام وقطنوا هناك وهم قلة. أما الفرع الثاني من أنمار فهو خَثْعم فقد ظل أغلبهم وهم كثيرون في ديارهم التي نشأوا فيها ما بين بيشة وتَرَبة وما صاقبها من البلاد، وهي من القبائل المعروفة حتى الآن في المملكة العربية السعودية جنوب غرب المملكة في السراة، ومن خَثْعم تفرعت قبيلة شهران (*) وهو شهران (١) بن حلف بن خَثْعم (٢)، ومن شهران خميس مشيط أحد رؤسائهم وقد تسمَّت باسمه مدينة خميس مشيط في إقليم عسير

стр. 35

ربيعَةَ ومُضَر بن نزار بن مَعْد بن عدنان نوضح أن بني ربيعَةَ (١) وبني مُضَر قد أجمع النسَّابون أنهم صفوة العدنانية من صريحي ولد إسماعيل ابن الخليل إبراهيم عليه وعلى أبينا إسماعيل السلام، وقد تفرقت قبائلهم في البلاد قبل الإسلام وبعده، وهناك قصة ذكرت في الجمهرة ودوَّنها القلقشندي في نهاية الأرب وذلك لإيضاح سبب تسمية ربيعَة (بربيعَة الفرس) ومُضَر (بمُضَر الحمراء) وهي: إنه لما حضر نزار بن مَعْد الوفاة، دعا أولاده فقال لإياد: خذ هذه الجارية الشمطاء وما أشبهها، وأعْط ربيعَةَ حبالًا سودًا من الشعر وقال: هذا وما أشبهه لك، وأعطى قبته الحمراء لمُضَر وقال: هذه وما أشبهها لك، وقال: إن اختلفتم في شيء فأتوا الأفعى الجرهمي ملك نجران، فأتوه بعد موته وأخبروه بوصية أبيهم نزار فقال لإياد: لك الغنم برعائها، وقال لأنمار: لك الأرض، وقال لربيعَةَ: لك الخيل الدهم وما أشبهها، فقيل له من ذلك الحين ربيعَةَ الفرس، وقال لمُضَر: لك الإبل الحمر، فقيل له مُضَر الحمراء.

стр. 36

بنو ربيعَة كان بنو ربيعَة بن نزار في بداية نشأهم يسكنون حول الحرم وتهامة في الحجاز مع بقية إخوانهم من ولد نزار، ولكن وقعت الحرب بين نزار وقُضَاعة وسوف نوضح ذلك في باب الشرح عن قُضَاعة في هذا المجلد، ولذلك التفرُّق من الحرب أو التكاثر الذي نتج عنه خروج ربيعة من منبعهم حول الحرم. قال مُهلْهَل التَغْلِبي فارس ربيعة الشهير وقد تأثر من تفرُّق بني مَعْد بسبب الحروب وغيرها: غنيت دارنا تهامة في الدهر … وفيها بنو مَعْد حلولا فتساقوا كأسًا أمرت عليهم … بينهم يقتل العزيز الذليلا وانتقل بنو ربيعة إلى نجد ونواحي البحرين وهجر، وحتى الكور الواقعة في الجزيرة والسواد فى العراق وتركيا والتي تسمى حتى الآن (ديار بني بكر). وقد سكنت عَنَزة حينًا من الدهر بلاد اليمن وحالفوا خَثْعم بن أنمار، وظل باقيهم حتى الآن في جمسير، وهو إقليم مسمى باسم عسير بن عَنَزة، وهناك بطون مالك في شهران خَثعم، وأهل القرعة وجابرة كلها من عَنَزة (ربيعَة)، وكذلك رفيدة ومنهم المتاحمة في عسير أهل الرياسة حتى الآن، علاوة على أكْلُب التي سبق أن نوهنا عنها، فهي من ربيعة أيضًا وحالفت خَثْعم قديمًا، وأما سائر ربيعة الفَرس من قبائل بكر بن وائل وتغلب بن وائل وعَنَز بن وائل وغُفيلة وضُبيعة وعَنَزة وعبد القيس وغيرهم؛ فكانت مساكنهم في بلادهم من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة، حتى وقعت حرب البسوس (١) الشهيرة بين بني وائل من بكر

стр. 37

وتغلب بسبب قتل جساس بن مُرَّة بن ذهل بن شيبان (١) من بني بكر لكليب وائل بن ربيعة التغلبي، فانضمت النمر وغفيلة إلى تَغْلِب بن وائل وصاروا معهم، ولحقت عَنَزة وضبيعة ببكر بن وائل، فلم تزل الحروب على مدى أربعين عامًا بين قبائل ربيعة، تنقلهم الوقائع الدامية بينهم من بلد إلى بلد ومن أرض إلى أرض وبني تَغْلِب ظاهرة على بكر، حتى التقوا يوم قُضة أو التحالق لما أن بني بكر حلقت شعورها لتُميِّز نفسها في الحرب والطعان الذي تشيب له الولدان، وكانت الوقعة قرب اليمامة وعلى مسير ثلاث ليالٍ منها، وكانت الدبرة والهزيمة على بني تَغْلِب، وانتصرت بنو بكر نصرًا حاسمًا مما جعل معظم تَغْلِب تتفرق في تجاه الشمال وسكنت الجزيرة شمال العراق، وانتشرت بكر وعَنَزة وضُيعة وعبد القيس في اليمامة وبلاد البحرين وبلاد الإحساء وحتى اطراف سواد العراق، وعن بعض تَغْلِب انضم إلى تلك القبائل وأقاموا معهم، أما عن كيان تَغْلِب لا يذكر الآن إلَّا

стр. 38

متمثلا ضمن قبيلة الدواسر، وتوجد أيضًا قبيلة باسم قيس بن مسعود يرجح المحقِّقون أنَّها من تَغْلِب وتسكن في عسير تهامة في مجموعة رجال ألمع، وفي القرون الأخيرة تجمَّع معظم بني ربيعة تحت مُسمَّى عَنَزة، وهو الأكبر غير عَنَز بن وائل وهو عَنَزة بن أسد بن ربيعة، وقد انضوت كثير من بطون بني بكر وأشهرها شيبان وبني حنيفة وبعض عَنَز بن وائل وتغلب بن وائل وعبد القيس كلها تحت اسم عَنَزة الآن، وأغلبهم لوائل وهو وائل بن قاسط بن هنب بن أُفصى بن دُعْمي بن جُديلة بن أسد بن ربيعة، وفي عَنَزة بقبائلها سالفة الذكر منذ القدم الملوك والفرسان الشجعان الذين يُضرب بهم المثل في الجبروت والقوة، وفي عَنَزة الشعراء المشاهير والعلماء الأفذاذ، وهيَ أكبر وأقوى قبيلة في الجزيرة العربية وتنسب العائلة المالكة آل سعود إلى أعرق وأشهر عشائر عَنَرة وأنبلها حسبًا وأكرمها نسبًا، وهم من المردة من المصاليخ المشهورين بالفروسية والإقدام من المنابهة (١)، وكم أنجبت عائلة آل سعود الكريمة على مدى عدة قرون الملوك والأمراء والفرسان والزعماء على مستوى العالم العربي والإسلامي، وقد ساهموا في التاريخ العربي بدور طليعي لا ينكره ولا يجحده عربي من المحيط إلى الخليج، ومن أبرز ما أنجبت العائلة السعودية هو الإمام جلالة الملك عبد العزيز (٢) بن عبد الرَّحمن

стр. 39

وحقًّا فهم خير خلف لخير سلف، وكما نرى تلك العلامة المُشرِّفة بتسمية عاهل المملكة العربية السعودية نفسه خادمًا للحرمين، فأنعم به حاكمًا عربيًا يفخر به كلّ عربي، ودام الله نصره وعزه على عاهل تلك البلاد العزيزة على نفوسنا نحن العرب وجل المسلمين. وكما أن عَنَزة أنجبت أيضًا قادة عرب معاصرين ونذكر آل خليفة حكام البحرين، ونزحوا للبحرين في القرن الحادي عشر الهجري من الهدَّار بقلب نجد، وكذلك حكام الكويت من آل الصباح، ونزحوا للكويت قبيل عام ١٧٠٠ م تقريبًا. قال صاحب ذات الفروع يفخر ببني ربيعة الفرس من العدنانية قائلًا: وإن أدع يومًا في ربيعة يأتيني … شآبيب ودق مزنة يتحلَّب هم النّاس لا ناس سواهم وأنهم … حصى الأرض طابوا حيث كانوا ونُجَّب ربيعة بنو عمهم إلى المجد أنه … أخو الجود إني عز للجود مطلب ربيعة أهل البأس والعز أنهم … هم الصفوة منَّا والصريح المهذَّب تناول منهم أحمس بن ضُبيعة … مكانًا هو المستأهل المتربب ولم أنس منهم حية الأرض وابنها … وإني بحبي لابن أُفْصى لمُصحب تناول عبد القيس مجدًا مكانه … مكان السهى في المجد إذا يتصبب لكيز بن أفْصى الأكرمون وبكرة … ليوث الشري لا قيل بيز يُلقَّب وأين لقحطان وعدنان كلها … كبكرٍ إذا الداعي إلى الموت ينعب سمت في ذري بكر علي برتبة … لها شرف في مجدنا مترتب لجيم وصعب في علي هما هما … إذا اليوم أبزى بالكمأة العصبصب بشيبان والذهلين من آل وائل … ويشكر يسمو من يرام ويصعب وهم يوم ذي قار (١) جلوا عن وجههم … شآبيب ودق ودقة متصوِّب

стр. 40

بهم ظهرت علينا نزار وجلبت … غياهيب يجلوها من الليل غيهب أجاروا ابنه النعمان من أن ينالها … فتًى ليس بالأسنة يخطب أَبو أن يبيحوا جارهم لعدوهم … وقد ثار نقع تحته الموت أشهب أجارت على كِسْرى حجية وايل … يقينا وقد كانت حجية تغضب ومنهم بنو النمر بن قاسط ذي العلا … وعنزي إذا عدَّ الفخار وتغلب (١) وعنزًا نفو نهد بن يزيد وجدعوا … معاطسهم بعد اصطلام فأوعب وعَنَز هم أهل الأعنّة والقنا … وتغلب أعلى من نزار وأغلب وإن يدعني الحيَّان من فرع يقدم … ويذكر يظهر ودي المتحدب هم القوم أبناء الحروب سيوفهم … تعل فتروى من نجيع وتخضب مصاليت أبطال بهاليل أنجم … مساعير في الهيجاء دومًا تغلب وتاريخ ومجد قبائل ربيعة بن نزار حافل ومجيد، لا يسعه مجلد كبير لو جمع مرة واحدة في بحث مطول قبل الإسلام وبعده على مر القرون التي تلت منذ صدر الإسلام وحتى هذا القرن، وإننا كباحثين في هذا المجال نسعي في إخراج اللمحات التاريخية والأدبية الهامة وتجميعها وترتيبها في ثوب جميل يشد القارئ ويهز وجدانه، والحق يقال للتاريخ المعاصر أني لم أجد أجمل من الأديب والنسَّابة الفاضل الشيخ والأستاذ حمد إبراهيم الحقيل في سرده عن ربيعَة وعَنَزة، وحقًا فقد
следующие страницы →