← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بنو ربيعَة كان بنو ربيعَة بن نزار في بداية نشأهم يسكنون حول الحرم وتهامة في الحجاز مع بقية إخوانهم من ولد نزار، ولكن وقعت الحرب بين نزار وقُضَاعة وسوف نوضح ذلك في باب الشرح عن قُضَاعة في هذا المجلد، ولذلك التفرُّق من الحرب أو التكاثر الذي نتج عنه خروج ربيعة من منبعهم حول الحرم. قال مُهلْهَل التَغْلِبي فارس ربيعة الشهير وقد تأثر من تفرُّق بني مَعْد بسبب الحروب وغيرها: غنيت دارنا تهامة في الدهر … وفيها بنو مَعْد حلولا فتساقوا كأسًا أمرت عليهم … بينهم يقتل العزيز الذليلا وانتقل بنو ربيعة إلى نجد ونواحي البحرين وهجر، وحتى الكور الواقعة في الجزيرة والسواد فى العراق وتركيا والتي تسمى حتى الآن (ديار بني بكر). وقد سكنت عَنَزة حينًا من الدهر بلاد اليمن وحالفوا خَثْعم بن أنمار، وظل باقيهم حتى الآن في جمسير، وهو إقليم مسمى باسم عسير بن عَنَزة، وهناك بطون مالك في شهران خَثعم، وأهل القرعة وجابرة كلها من عَنَزة (ربيعَة)، وكذلك رفيدة ومنهم المتاحمة في عسير أهل الرياسة حتى الآن، علاوة على أكْلُب التي سبق أن نوهنا عنها، فهي من ربيعة أيضًا وحالفت خَثْعم قديمًا، وأما سائر ربيعة الفَرس من قبائل بكر بن وائل وتغلب بن وائل وعَنَز بن وائل وغُفيلة وضُبيعة وعَنَزة وعبد القيس وغيرهم؛ فكانت مساكنهم في بلادهم من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة، حتى وقعت حرب البسوس (١) الشهيرة بين بني وائل من بكر

стр. 37

وتغلب بسبب قتل جساس بن مُرَّة بن ذهل بن شيبان (١) من بني بكر لكليب وائل بن ربيعة التغلبي، فانضمت النمر وغفيلة إلى تَغْلِب بن وائل وصاروا معهم، ولحقت عَنَزة وضبيعة ببكر بن وائل، فلم تزل الحروب على مدى أربعين عامًا بين قبائل ربيعة، تنقلهم الوقائع الدامية بينهم من بلد إلى بلد ومن أرض إلى أرض وبني تَغْلِب ظاهرة على بكر، حتى التقوا يوم قُضة أو التحالق لما أن بني بكر حلقت شعورها لتُميِّز نفسها في الحرب والطعان الذي تشيب له الولدان، وكانت الوقعة قرب اليمامة وعلى مسير ثلاث ليالٍ منها، وكانت الدبرة والهزيمة على بني تَغْلِب، وانتصرت بنو بكر نصرًا حاسمًا مما جعل معظم تَغْلِب تتفرق في تجاه الشمال وسكنت الجزيرة شمال العراق، وانتشرت بكر وعَنَزة وضُيعة وعبد القيس في اليمامة وبلاد البحرين وبلاد الإحساء وحتى اطراف سواد العراق، وعن بعض تَغْلِب انضم إلى تلك القبائل وأقاموا معهم، أما عن كيان تَغْلِب لا يذكر الآن إلَّا

стр. 38

متمثلا ضمن قبيلة الدواسر، وتوجد أيضًا قبيلة باسم قيس بن مسعود يرجح المحقِّقون أنَّها من تَغْلِب وتسكن في عسير تهامة في مجموعة رجال ألمع، وفي القرون الأخيرة تجمَّع معظم بني ربيعة تحت مُسمَّى عَنَزة، وهو الأكبر غير عَنَز بن وائل وهو عَنَزة بن أسد بن ربيعة، وقد انضوت كثير من بطون بني بكر وأشهرها شيبان وبني حنيفة وبعض عَنَز بن وائل وتغلب بن وائل وعبد القيس كلها تحت اسم عَنَزة الآن، وأغلبهم لوائل وهو وائل بن قاسط بن هنب بن أُفصى بن دُعْمي بن جُديلة بن أسد بن ربيعة، وفي عَنَزة بقبائلها سالفة الذكر منذ القدم الملوك والفرسان الشجعان الذين يُضرب بهم المثل في الجبروت والقوة، وفي عَنَزة الشعراء المشاهير والعلماء الأفذاذ، وهيَ أكبر وأقوى قبيلة في الجزيرة العربية وتنسب العائلة المالكة آل سعود إلى أعرق وأشهر عشائر عَنَرة وأنبلها حسبًا وأكرمها نسبًا، وهم من المردة من المصاليخ المشهورين بالفروسية والإقدام من المنابهة (١)، وكم أنجبت عائلة آل سعود الكريمة على مدى عدة قرون الملوك والأمراء والفرسان والزعماء على مستوى العالم العربي والإسلامي، وقد ساهموا في التاريخ العربي بدور طليعي لا ينكره ولا يجحده عربي من المحيط إلى الخليج، ومن أبرز ما أنجبت العائلة السعودية هو الإمام جلالة الملك عبد العزيز (٢) بن عبد الرَّحمن

стр. 39

وحقًّا فهم خير خلف لخير سلف، وكما نرى تلك العلامة المُشرِّفة بتسمية عاهل المملكة العربية السعودية نفسه خادمًا للحرمين، فأنعم به حاكمًا عربيًا يفخر به كلّ عربي، ودام الله نصره وعزه على عاهل تلك البلاد العزيزة على نفوسنا نحن العرب وجل المسلمين. وكما أن عَنَزة أنجبت أيضًا قادة عرب معاصرين ونذكر آل خليفة حكام البحرين، ونزحوا للبحرين في القرن الحادي عشر الهجري من الهدَّار بقلب نجد، وكذلك حكام الكويت من آل الصباح، ونزحوا للكويت قبيل عام ١٧٠٠ م تقريبًا. قال صاحب ذات الفروع يفخر ببني ربيعة الفرس من العدنانية قائلًا: وإن أدع يومًا في ربيعة يأتيني … شآبيب ودق مزنة يتحلَّب هم النّاس لا ناس سواهم وأنهم … حصى الأرض طابوا حيث كانوا ونُجَّب ربيعة بنو عمهم إلى المجد أنه … أخو الجود إني عز للجود مطلب ربيعة أهل البأس والعز أنهم … هم الصفوة منَّا والصريح المهذَّب تناول منهم أحمس بن ضُبيعة … مكانًا هو المستأهل المتربب ولم أنس منهم حية الأرض وابنها … وإني بحبي لابن أُفْصى لمُصحب تناول عبد القيس مجدًا مكانه … مكان السهى في المجد إذا يتصبب لكيز بن أفْصى الأكرمون وبكرة … ليوث الشري لا قيل بيز يُلقَّب وأين لقحطان وعدنان كلها … كبكرٍ إذا الداعي إلى الموت ينعب سمت في ذري بكر علي برتبة … لها شرف في مجدنا مترتب لجيم وصعب في علي هما هما … إذا اليوم أبزى بالكمأة العصبصب بشيبان والذهلين من آل وائل … ويشكر يسمو من يرام ويصعب وهم يوم ذي قار (١) جلوا عن وجههم … شآبيب ودق ودقة متصوِّب

стр. 40

بهم ظهرت علينا نزار وجلبت … غياهيب يجلوها من الليل غيهب أجاروا ابنه النعمان من أن ينالها … فتًى ليس بالأسنة يخطب أَبو أن يبيحوا جارهم لعدوهم … وقد ثار نقع تحته الموت أشهب أجارت على كِسْرى حجية وايل … يقينا وقد كانت حجية تغضب ومنهم بنو النمر بن قاسط ذي العلا … وعنزي إذا عدَّ الفخار وتغلب (١) وعنزًا نفو نهد بن يزيد وجدعوا … معاطسهم بعد اصطلام فأوعب وعَنَز هم أهل الأعنّة والقنا … وتغلب أعلى من نزار وأغلب وإن يدعني الحيَّان من فرع يقدم … ويذكر يظهر ودي المتحدب هم القوم أبناء الحروب سيوفهم … تعل فتروى من نجيع وتخضب مصاليت أبطال بهاليل أنجم … مساعير في الهيجاء دومًا تغلب وتاريخ ومجد قبائل ربيعة بن نزار حافل ومجيد، لا يسعه مجلد كبير لو جمع مرة واحدة في بحث مطول قبل الإسلام وبعده على مر القرون التي تلت منذ صدر الإسلام وحتى هذا القرن، وإننا كباحثين في هذا المجال نسعي في إخراج اللمحات التاريخية والأدبية الهامة وتجميعها وترتيبها في ثوب جميل يشد القارئ ويهز وجدانه، والحق يقال للتاريخ المعاصر أني لم أجد أجمل من الأديب والنسَّابة الفاضل الشيخ والأستاذ حمد إبراهيم الحقيل في سرده عن ربيعَة وعَنَزة، وحقًا فقد

стр. 41

تألق وأبدع، وتجميعه التاريخي رائع في مصنفه كنز الأنساب ومجمع الآداب، وإنني أوجه له تقديري من القاهرة فحياه الله وأكثر من أمثاله، وإنني أعرف كم عانى الأستاذ الحقيل ومَحْصَّ وكابد في المراجع والمخطوطات إلى جانب البحوث الميدانية الحديثة التي تيسر له الحصول عليها من داخل المملكة العربية السعودية، وهذا فيما يخص تلك العائلات المتحضرة أو العشائر المتفرقة، وإنها لمحة تاريخية مُشرِّفة للمجتمع العربي في ميدان الأنساب العربية وأهميتها في مجتمعنا وحياتنا العامة، وإن الأجيال ستذكر بالعرفان مجهود الحقيل (١) في مصنفه القيِّم. وبخصوص البحث الموسَّع عن قبائل (ربيعَة وعَنَزة) قمنا بإدراجه في المجلد الرابع بالقسم الثاني من الموسوعة، نقلا عن أصدق الدلائل في أنساب بني وائل لابن عبَّار، وهو من أتم وأكمل ما كُتِب عن قبائل عَنَزة من ربيعة في هذا القرن. وندعو الله أن يوفقنا حتى نكون ضياءً يهتدي به بني جلدتنا من المحيط إلى الخليج، وننول الرضا من الله ومن جميع أبناء مجتمعنا العربي الكريم.

стр. 42

بنو مُضَر مُضَر فيه عمود النسب، لما أن النَّبِيّ (١) المختار ﷺ جاء من نسله، وكفى مُضَر فخرًا بذلك. وديار مُضَر حيز الحرم إلى ما دون السراوات وما والاها من البلاد، ثم امتدت ديارهم بقرب شرق الفرات نحو حران والرقة وسروج، وكانت ديارهم بالجزيرة بين دجلة والفرات مجاورة للشام، وأشهر مدنهم في شرقي الفرات الرافقة، وكانت لهم رياسة الحرم بمكة المكرمة، وانقسمت مُضَر إلى جذمين قبل الإسلام بعدة قرون وهما: أ - خِنْدف: وسموا أبناء خِنْدف (بأمهم) وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحافي بن قُضَاعة وكانت تتخنَدف في مِشْيتِها فسميت كذلك، ومعني تخندف الرجل، أي يقلب رجليه كأنه يغرف بهما. ب - قيس: وكان مشهورًا بقيس عَيْلان، وقيل أن عَيْلان فرسه وقيل خادمه. - أما (خِنْدف) ففيه عمود النسب والبيت في مُضَر لما أن النَّبِيّ ﷺ من نسله من فرع مدركة، وكان الخندف ابنين أحدهما اسمه عمرو والثاني عامر وكانا في إبل لهما يرعيانها ومعهما صَيدًا قعدا يطبخانه، فَعَدت عادية على إبلهما فقال عامر لأخيه عمرو: تدارك الإبل فأدركها وظل عامر أخيه يطبخ الصيد، فلما عادا إلى أبيهما (إلياس) سماهما، وقال لعامر: أنت طابخة، وقال لعمرو: أنت مدركة، ومدركة فيه عمود النسب لما أن كِنَانة تتفرع منه والتي منها قريش رهط النَّبِيّ ﷺ . وعن فرع مُضَر الثاني (قيس): قيس عَيْلان فيه العدد في مُضَر بل وسائر العدنانية في حدر الإسلام، مما جعل العرب يطلقون على العدنانيين قيس، أي قيسي وعلى القحطانيين يماني أي يمني من اليمن، وهكذا فاسم قيس غلب على سائر العدنانية في فترة زمنية من الدهر.

стр. 43

دخل صعصعة بن ناجية المُجاشعي من بني تَميم (١) على النبي ﷺ وهو جد الفرزدق الشاعر، فقال له النبي ﷺ : ما علمك بمُضَر؟ قال صعصعة: أنا أعلم الناس بها: * (تَمِيم): هامتها وكاهلها السديد الذي يُوثَق به ويُحْمَل عليه. * (كِنَانة): وجهها الذي فيه السمع والبصر. * (قَيْس): فرسانها ونجومها. * (أسَدٌ): لسانها. قال النبي ﷺ : صدقت. ومن أشهر قبائل خِنْدف بفرعيها مِدْركة وطابخة هي: كِنَانة - قُريش - تَمِيم - هُذَيْل - أسد - ضَبَّة - مُزَيْنة - (خُزَاعَة) لمن يؤيد من النسَّابين أنهم من عمرو بن لُحَي بن قُمْعَة بن خِنْدف. ومن أشهر قبائل قيس (٢) عَيْلان هي: سُلَيْم - هَوَازِن - مَازِن - مُحَارب - غَطَفان - عُدْوَان - فَهْم - أَعْصُر (بَاهِلَة (٣)، غَنِي)، وقد تفرَّقت معظم بطون هذه القبائل في الأمصار والأقطار العربية، سنوضح تفصيلًا عنها إن شاء الله في هذه الموسوعة، ونذكر من بقي من تلك القبائل في بلادها الأصلية بالمملكة العربية السعودية وهذا على سبيل المثال لا الحصر: - من خِنْدف: قُرَيْش - الأَشْرَاف - كِنَانة - هُذَيْل (٤) - تَمِيم - خُزَاعَة - مُزَيْنة (٥) (تحت اسم حرب).

стр. 44

- ومن قَيْس: سُلَيم (فَتيْة، حَبَش) - هَوَازِن: (عُتَيْبة، سعد، سُبَيْع، السُهُول، جِعدة، قُشَيْر، هلَال، سَلُول، عُقَيل، العَوَازِم) - غَطَفان: (مُطَير، بنو رشيد) - عُدْوان - فَهْمَ - بَاهِلَة. قال صاحب ذات الفروع مفتخرا بمُضَر: وفي مُضَر الحمراء عز ونائل … وبأس وفيهم للمخوفين مهرب أبوهم أبو الياسين يسمو إلى العلا … له حسب في آل قيذر مثقب وسن لعدنان الديات فأوسقت … لسنته والقائل الحق أغلب وأبقى لإلياسٍ وعَيْلان مفخرًا … ومنزلة منها السما كان أقرب وعَيْلان صفو الصفو من آل قيذر … إذا طاب في آل الذبيح التنسُّب جواد إذا ما لغيث أخلف نوءه … وماج حريق بالأعاصير انكب لعمري لقد أبقى لقيس شمائلًا … يقوم بها بيت الفخار المُطنب هم القوم نبعة الجود منهمو … وغيرهمو فينا سلام وخُلَّب وقد ملأت ما بين برقة (١) عنوة … إلى الشحر (٢) من قيس ألوف مكتب

стр. 45

وهم ما همو في كلّ يوم كريهة … إذا جن سبع بالمنايا تَغْلِب وفيهم رِباط الأعوجبات القنا … وأسيافهم فيها القضاء المجرَّب وهم جمرات الحرب لَمْ يلف مثلهم … إذا لَمْ يكن للناس في الأمر مذهب سُلَيم وعُدْوان وفيهم تناولوا … مفاخر عز لَمْ تنلهن يَعْرُب قبائل من قيس بن عَيْلان فخم … لهم في العدى ناب خضيب ومخلب وقيسٌ هم الفرسان مازال منهم … إلى الموت خطَّارون والموت ينهب ومن يلفني من يَعْصُر يلف يعصُرا … لها الصفو من أنسابنا حين تُنسب غَنِي ومَعْن والطِفَاوة أنهم … لهم من نزار صفوها المتنخب وعَبْس وذُبيان وأنمار أنهم … لهم في العُلا بيت الفخار المرتَّب ومن مثل عبد الله والليث أَشْجَع … إذا قيل في يوم الهياج ألا أركبوا بَنَت غَطَفان المجد وارتقت العلا … ونبعتها في قيس عَيْلان أصلب وإن أدع في عليا هَوَازِن تأتني … قبائل أركي حين تُنمى وأحسب فتلك على الحالات قيس ولم يزل … لها القدح في المجد الذي لا يخيَّب وجمجمة العليا تَمِيم الذين همو … ثقال لأرحي خِنْدف حين أجلب ومن كهُذَيْل النازلين بعقوة … لها قبس من ذروة المجد مثقب كِنَانة صفوة الصفو والخيرة التي … تخير منها للنبوة منقب هم صفوة الله الذين همْ هُم … و منهم عقيل المكرمات المهيَّب فمنهم رسول الله طابت أرومة … أقر لها من أحمد الأم والأب قريش همو فوم الرسول توارثوا … خلافته نعم المواريث تكسب فأكرم بقوم ينزل الوحي فيهمو … كريم إلى أبياتهم يتصوَّب

стр. 46

أملنا في الله أن ننال التشجيع من أهل العلم والأدب وأصحاب الفضل من ذوي الفطن من قومي العرب الكرام من بني عدنان وبني قحطان، حتى يخرج هذا المصنّف بكامل مجلداته إلى حيز الوجود، وقد بدأنا بحول الله إعداد المجلد الأول من الموسوعة في ذي الحجة من عام ١٤١١ هجرية - يونيه (حزيران) من عام ١٩٩١ ميلادية، وندعو الله العلي القدير أن نواصل العمل والبحث عن جميع قبائل العرب، ونطمح أن يكون الإلمام لكل قبيلة قديمة أو حديثة بجميع الجوانب التاريخية والأدبية، وعلى نسبها وفروعها ودورها في المجتمع قديمًا أو في عصرنا الحالي، وإن هذا الإنجاز يحتاج مجهودًا شاقًّا عبر السنوات القادمة، ولذلك أوجه ندائي إلى كلّ مثقف من أبناء القبائل من عدنان أو قحطان أن يقدم لنا مشكورًا وفَوْرًا أية معلومات يراها هامة، سواء تاريخية أو أدبية أو توضح فروعًا أو عشائر فيما يخص نسبها الحقيقي، وأن يرسلها لنا مشكورًا على عنوان أو فاكس دار الفكر العربي المدوَّن في صدر المجلد الأول، وهذا حتى نستطيع إتمام الموسوعة الكبرى في زمن قياسي لتكون عملًا إنسانيًّا وتاريخيًّا للأجيال العربية وإن شاء الله سوف نعمل على ترجمة هذه الموسوعة إلى عدة لغات على رأسها اللغة الإنجليزية، لنرسل منها بحول الله نسخًا إلى جميع دور الكتب في القارات الست في أنحاء العالم، وكذلك الجامعات الشهيرة، لتكون مرجعًا دقيقًا للدارسين في التاريخ العربي والإسلامي، وكذلك للمستشرقين الأجانب في الحاضر والمستقبل. وقد بدأنا بعون الله بقبائل مصر وبلاد المغرب في القسم الأول بمجلداته الأول والثاني والثالث، وبعض هذه القبائل ما زال لها باقٍ في بلادها الأصلية بالمملكة العربية السعودية، مثل الحويطات والمساعيد وبني عطية وبني عُقبة وبلِّي وجُهَيْنة وسُلَيْم وهلَال ومُزَيْنة، وهذه القبائل لها امتداد كبير في مصر وشمال

стр. 47

إفريقيا وبلاد السودان وقد خالطتها ميدانيا وركزت عليها تاريخيًّا بتوسع، ولذلك رشحتها في القسم الأول من الموسوعة الكبرى، وحتى تكون هذه القبائل وغيرها من قبائل مصر منطلقًا نحو تناول جميع القبائل العربية الأخرى في الجزيرة العربية والشام والعراق وبلاد الخليج وباقي بلاد العرب الإفريقية، وبإذن الله تعالي ننال رضاء النّاس من بني قومي العرب الكرام ورضاء النّاس بالحق دائمًا من رضاء الله، ومن يرض عنه الخالق ﵎ فقد فاز في الدنيا والآخرة دار الخلود، والله المستعان وبه تعالى التوفيق.

стр. 48

الحويطات موطن وديار الحويطات: (أ) ديار القبيلة في المملكة العربية السعودية: تبدأ ديار الحويطات في التَهَم على ساحل البحر الأحمر من جنوب مدينة العقبة ممتدة إلى الداخل حتى جبال السراوات، وتنتشر عشائر الحويطات على ساحل خليج العقبة وتمتد نحو الجنوب على شاطئ البحر حتى وادي داما (١)، ونحو الشرق حتى غرب حرَّتي الرهي وحِسْمى حيث تقع ديار بني عطية الموازية لديار الحويطات من جهة الشرق، أما جنوب وادي داما فتقع ديار قبيلة بلّي جيران الحويطات من جهة الجنوب (بشمالي غرب المملكة). (ب) الحويطات جنوب بلاد الشام (الأردن وفلسطين): تقطن عشائر الحويطات في المملكة الأردنية الهاشمية من جنوب قصر مشاش وجنوبي الكرك من غربه (شمالًا) وحتى المدوَّرة (جنوبًا)، مارة بجنوب البحر الميت حيث تسكن في جنوبه الشرقي بعض العشائر المحالفة للحويطات، وأما شمال الحويطات فتقع ديار قبيلة بني صخر، ومن الشرق قرب جبل طبيق تسكن عشائر الشرارات. وفي شمالي وادي الحسا بالأردن نجد عشائر الحجايا والطراونة والنعيمات، ثم في الوادي وجنوبه الغربي تنزل عشائر الباطوش والوجدية والمجالي، أما في وادي عربة جنوب البحر الميت فنجد عشائر السعيديين وتمتد ديارهم في النقب في فلسطين، وهم من مخلفات الحويطات وانفصلوا عن كيان القبيلة في طور نماء الحويطات الأول، ويجاور السعيديون (عشائر الظُلَّام) وهم من مخلفات بلِّي والظُلَّام مع التياها أو ضمن قبيلة التياها في فلسطين، ثم تأتي ديار العزازمة حتى غرب النقب حيث يقطن الأحيوات إحدى فروع المساعيد المنفصلة ذاتيًّا عنهم.

стр. 49

نسب الحويطات نظرًا للخطأ الوارد في العديد من مصنفات محققي العصر في هذا القرن، ووجود التباس وتناقض فيما بينها بشأن أصل الحويطات، قمنا بعمل بحث ميداني واسع النطاق بدقة من كبار البوادي وثقات الرواة من الحويطات، وقد كان الاتفاق العام من عدة مصادر لما تواتر عندهم وقد تناقلوه من أجدادهم وأسلافهم، وهو أن جدهم الأول حويط مؤسس قبيلة الحويطات من مدة خمسة قرون ونصف القرن تقريبًا، وأنه ينتمي إلى أشراف الحجاز بنواحي المدينة المنورة، وملخص الرواية هي: أن حويطًا جدهم كان مرافقًا لبعض ذويه من أشراف الحجاز في (حوالي نصف القرن التاسع الهجري)، وقد كان ذووه ضمن قافلة تجارية متجهة إلى بلاد الشام، وأثناء مرورها قرب العقبة داهم حويط مرض شديد، فلما قارب على الموت وقد يئس رفاقه من شفائه، ورأفة منهم عليه من مشقة الطريق نزلوا به على مضارب بني عطية قرب العقبة، وتركوه عند أحد البدو من العطاونة القاطنين في تلك الناحية، ولما أيقنوا بهلاك حويط طلبوا من العطوي أن يخط وَسْم (١) الأشراف على نصب قبره بعد موته في غيابهم، وظل حويط يصارع المرض الشديد أيامًا وليالي حالكة، ففكر الرجل العطوي الذي استضافه أن يُجرِّب معه بعض الأعشاب الصحراوية التي كان يجمعها من وديان الجبال في المنطقة القريبة منه علَّها تخفف الألم الذي يعاني منه حويط، واستمر العطوي بتطبيبه ورعايته، فشاء الله أن يبرأ من سقمه ويصح بدنه خلال فترة قصيرة، وقد امتثل للشفاء والعافية تمامًا، وكان حويط شابا فتيا وفطنا ذكيا، وقد أحب المكوث عند العطوي قرب العقبة لما لمس فيه النخوة وفعل الجميل والمعروف معه، وقد كان سببًا في إنقاذ حياته، فلما ظهرت علامات الشجاعة والإقدام على حويط ملك قلوب من حوله وزاد حب وتقدير العطوي وأهله له، فزوَّجه ابنته وشاركه ماله وحلاله (٢)، وقد اعتبره فردًا من عشيرته له ما لهم وعليه ما عليهم، وهذا الشيء قد خلق الالتباس عند أحد الرحَّالة

стр. 50

في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري ونقله خطأ من بعض البادية، لشيوع نسب حويط عند البعض من بني عطية ذاك الوقت، وقد ذكر في مخطوطه أن فصائل الحويطات ضمن لفيف بني عطية، وسنُفصِّل ذلك تباعًا ونرد على هذا الخطأ والالتباس، وتزوَّج حويط كما يذكر الرواة العديد من النساء أغلبهن من بني عطية وأنجب أولادًا كثيرين تزاوجوا بدورهم في أعمار الصبا من أخوالهم، وكل منهم صار عنده أسرة كبيرة وبارك الله في نسل حويط وأصبح أحفاده في بضع عشرات من السنين رهطًا كثيرين، وفي فترة قياسية من الزمن (١) أي قبيل منتصف القرن العاشر ظهروا في دنيا العشائر، وأصبح كيانهم العشائري لا بأس به ومنهم فصائل عديدة، وقد كونوا ديارًا خاصة بهم، وأكثرهم قد تجمَّعوا في زمرات حول العقبة وقليل من فصائلهم في التَهَم، وقد قويت شوكتهم رويدًا ثم زاد بأسهم وجرت سطوتهم في البوادي، ونافسوا القبائل الأقدم منهم مثل بني عطية وبني عقبة بفروعها والمساعيد وغيرهم، وذلك في التحكُّم في طرق الحجِّ بعد ما بات لهم التجمع حول العقبة وهي المدخل الرئيسي للحجاج القادمين من مصر وإفريقيا والشام، وأصبحت العقبة مركزًا حيويًّا ورئيسيًّا لأبناء حويط في طور نمائهم الأول، ثم بعد تكاثرهم في الحجاز فيما بعد القرن العاشر الهجري انتقلت فصائلهم المناطق عديدة في التَهَمة (المملكة العربية السعودية) وكذلك لشرق الأردن، وأصبح لهم الآن بالوقت الحاضر في بداية القرن الخامس عشر كيان قَبَلي كبير ومعروف باسم الحويطات في ثلاثة بلدان عربية، المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية ومصر، ويُدعى أحدهم حويطي نسبة إلى حويط مؤسسهم الذي ينتمي إلى شجرة الأشراف.

стр. 51

التحقيق الشامل لرواية الحويطات لتأكيدها تاريخيًّا وذلك في موسوعة القبائل العربية: تم التحقيق لعدة مصنفاته (*) ومخطوطات خاصة بشجرة الأشراف، وقد تبين صحة رواية الثقاة من الحويطات، وحويط هو من نسل الأشراف (١) الحسينيين في المدينة المنورة، ومتوافق زمنيا مع تكوين عشيرة الحويطات قبيل منتصف القرن العاشر الهجري. وحويط من نسل عبيد الله الأعرج من أحفاد الحسين السبط، ويُطلق على الأعرج بلهجة البدو الدارجة الكسيح سواء عند الأشراف أو غيرهم من القبائل العربية. وعمود نسب حويط كما ورد في شجرة الأشراف الحسينيين المائلة كالتالي: حويط بن طراد بن قطن بن مشاري بن زكريا (٢) بن موسي بن سند بن طفيل بن منصور بن جماز (٣) بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا بن الحسين بن مهنا الأكبر بن داود بن القاسم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيي النسابة ابن الحسن بن جعفر بن عبيد الله الأعرج ابن الحسين الأصغر ابن علي زين العابدين ابن الحسين السبط ابن علي ﵁، وذكر رواة الحويطات أن عدد أجدادهم من حويط حتى الوقت الحاضر حوالي سبعة عشر جدًّا، وهي المدة التنازلية من مؤسسهم حويط

стр. 52

حتى الآن في بداية القرن الخامس عشر الهجري، وبالقياس الزمني التقريبي (١) في أن المسافة الزمنية بين كلّ جد وآخر أعلى منه هي حوالي "اثنين وثلاثين عامًا"، وبذلك تصبح المسافة التقديرية هنا لسبعة عشر جدًّا حتى حويط مؤسس الكيان القَبَلي نحو خمسمائة وأربعة وأربعين عامًا، ثم بإضافة عشرة أو اثني عشر عامًا على هذه المدة التقديرية لمراعاة أن المسافة بين جد وآخر أعلى منه قد تزيد عن اثنين وثلاثين عامًا في بعض الأحيان، تصبح المدة الإجمالية بعد الإضافة خمسة قرون وستة وخمسين عامًا تقريبًا، أي أن حويط كان معاصرا حتى عام ٨٥٦ هـ أو ما قبل ذلك بسنوات قلائل. أما المدة التصاعدية من حويط حتى الحسين السبط فتكون لستة وعشرين جد حسب القياس التقريبي السابق ذكره حوالي ثمانمائة واثنين وثلاثين عامًا، ثم بإضافة ثلاثين عامًا على هذه المدة التقديرية لمراعاة أن المسافة بين جد وآخر أعلى منه قد تزيد على اثنين وثلاثين عامًا في بعض الأحيان، تصبح المدة الإجمالية بعد الإضافة ثمانية قرون واثنين وستين عامًا، وبجمع كلتا المدتين التصاعدية والتنازلية سابقة الذكر نجد أنَّها تستغرق أربعة عشر قرنا وثمانية عشر عامًا. وبذلك يكون القياس الزمني صحيحًا وسليمًا، وتقدير رواة الحويطات أقرب إلى الحقيقة بأن عدد أجدادهم حتى حويط سبعة عشر جدًّا. ولأن الحسين السبط كما هو معروف قد ولد بعد غزوة أُحد في العام الرابع للهجرة (شهر شعبان)، وبذلك فالقياس التقديري منطبقًا مع التاريخ الهجري، فإذا حذفنا ثلاث سنوات من ذلك التاريخ العام للهجرة يتبقى لنا نفس المدة الزمنية التي أشرنا إليها عاليه.

стр. 53

واسم حويط نادر في بطون العرب ومعناه اللغوي مختصرًا هو: "الفطن الذكي الماكر". وحويط مثل عمير وزهير أو بالأحرى على وزن سويط. التحليل التاريخي لما قيل عن الحويطات مما يؤكد لنا صحة التأريخ في تقدير رواة الحويطات بأن جدهم كان معاصرًا في منتصف القرن التاسع الهجري، هو أنه لَمْ يتطرق لذكر الحويطات أحد من النسابة أو الرحَّالة قبل هذا الزمن، ولم يُكتب عن الحويطات إلَّا بعد منتصف القرن العاشر من قبل رحَّالة الحجِّ المصري المسمى عبد القادر محمد الجزيري، وذلك في مخطوطه "درر الفرائد المنظمة"، ونظرًا لقلة عدد الحويطات ولما أنهم كانوا في شكل عشيرة ذاك الوقت، بات من الصعب على ذلك الرحَّالة. ولا أقول النسَّابة - أن يُميِّز ما بين عنصر الحويطات عن باقي قبيلة بني عطية الأكثر عددًا ككيان قَبَلي أقدم من الحويطات بعدة قرون، وكذلك لأنَّ أبناء حويط هؤلاء كانوا بيوتًا وفصائل مبعثرة متخالطة في السكن مع عشائر بني عطية، وبعضهم قد جاور بلِّي أو عُقبة في التَهَم، ولكن أكثر فصائل الحويطات في منتصف القرن العاشر كانوا مندمجين بالمصاهرة أو الحلف مع بني عطية، وهذا طبعًا في فترة نمائهم الأولى أو بمعنى آخر في الطور الأول لبدء كيانهم العشائري في منتصف القرن العاشر الهجري، وبما أن بني عطية في هذه الحقبة كانت القبيلة الكبيرة الشهيرة الغالبة حتى على بني عُقبة صاحبة الديار التاريخية، وذلك لبدء ضعف الأخيرة شيئًا فشيئًا حتى اضمحلالها منذ قرنين، ولما أن رحالة الحجِّ المترددين والعابرين إلى الأراضي المقدسة لا يعرفون أو يسمعون إلَّا ببني عُقبة أو بني عطية، فقد أخطأ هذا الرحَّالة ربما لشيوع نسب الحويطات في بني عطية عند بعض أعراب البادية، لاختلاطهم في السكن والمصاهرة بل ونمائهم من البداية في وسط بني عطية، وكذلك فالرحَّالة كان عابرًا ولم يُمَحِّص في عدة مصادر حتى يعرف الحقيقة، ولكنه أخذ علمه بخصوص الأنساب بصفة عارضة، وقد ذكر عنصر الحويطات كفرقة من بني عطية حوطوا على النخيل في العقبة فسموا حويطات!!، وسوف تُعقِّب على ذلك تفصيلًا، ومما يؤكد ضعف رواية هذا الرحَّالة وخطأه الفادح وتعليله

стр. 54

الركيك هو تكرار خطئه في أنساب بعض العشائر والقبائل خلاف الحويطات، وذلك في ذات المخطوط المُسمَّى "درر الفرائد المنظمة" وسوف نصححها تاريخيًا. ونود أولًا التوضيح بأن الجزيري هذا رحالة في طريق الحجِّ وليس نسَّابة متخصصًا في علم النسب، وقد شارك في عدة رحلات للحج إبان القرن العاشر الهجري، ودون في مخطوطه معلومات تاريخية وجغرافية، وهي معلومات قد جمعها من عدة مصادر مختلفة، أما ما ذكره عن أنساب بعض القبائل في شمال غرب الجزيرة بالمملكة العربية السعودية والتي مرَّ بها في طريقه للحج، فقد وضح من سرده أنه قد حصل على هذه المعلومات من مصادر غير ذي ثقة، لما فيها من تناقض وتضارب، وقد أهمل معظم الباحثين في هذا القرن ذلك المخطوط واستبعدوه نهائيا كمصدر ثقة في علم النسب في القبائل والعشائر التي تطرق إليها في مخطوطه، ومن جانبي كباحث في هذا الميدان أرفض ما ورد في هذا المخطوط كحجة نسب قاطعة؛ لأنَّ الجزيري تخبط بصورة جلية وذكر أن الحويطات ما هم إلَّا عشيرة من بني عطية، وبني عطية نفسها فرع من بني عُقبة، وأما المساعيد فتركهم في مهب الريح ولم يحسم أمرهم، فذكرهم مرّة كعشيرة من بني شاكر ومرة كعشيرة من بني عطية وتارة أخرى كبطن من بني عُقبة!!. وقد فحصت وراجعت هذا المخطوط في دار الكتب المصرية بالقاهرة على شاشات الميكروفيلم، واتضح لي أن شق الأنساب بالذات قد اعتراه التناقض والالتباس، ولمحات الأنساب بالنسبة لمخطوطه الطويل السرد كثير التشعب، وقد اختلطت معلوماته الجغرافية عن المواضع والأماكن بمعلومات أخرى تاريخية وأشعار وقصص، والخطوط في مضمونه العام متشابك وليس به يسر أو سلاسة، وإن الرحَّالة لو ركز على النواحي الجغرافية وسرد أحداث الرحلة تَسْهُل على المرء فهمها واستيعابها، ولكن سرد الجزيري بالكم الهائل من المعلومات المتداخلة في بعضها وغير المنسقة تشتت العقول. وهذا يؤكد لنا أن معلوماته في الأنساب عارضة وليست هدفًا رئيسيا له، ولهذا كان نقله للأنساب بدون حرص أو عناية تذكر وبدون إدراك للمسئولية الجسيمة التي تمس أنساب وأحساب القبائل، وهذه المسئولية لا يدركها سوى النسَّابين المتخصصين في هذا العلم، فإنهم حتمًا يكونون أشد حرصًا في ذكر أنساب القبائل والتقصي عنها قبل تدوينها في مصنفاتهم،

стр. 55

ولذلك فخطأ النسَّابين نادر والمسئولية جد خطيرة أمام الله والمجتمع والأجيال التي تأتي بعد موت هذا المحقّق أو ذاك الباحث. والرحَّالة أصلًا ليس باحثًا في الأنساب، والتقصي عن الحقيقة ليس هدفه إطلاقًا، ولذلك فأغلب المحققين في علم السلالات والأنساب يتجنبون الرحَّالة ولا يعتبرون كلامهم إسنادًا قويًا، لأنَّ الرحَّالة يدونون في مذكراتهم أو مخطوطاتهم أي معلومات تُلَقَّن إليهم أو يسمعوها من هنا أو هناك من أُناس غير ذي ثقة، يعني أنهم لا يتَّحرَّون أو يأخذون بالإجماع والاتفاق العام، والرحَّالة تتغلب عليهم الأهواء والعواطف تبعًا لما يلاقونه من معاملة من البادية، تختلف من مكان لمكان أو من قبيلة لقبيلة بين اللين والشدة، أما معلومات الرحَّالة بخصوص السرد عن المواضع والأماكن والأحداث فبالطبع تكون صحيحة؛ لأنَّها نابعة من علم ملموس بالمشاهدة ورؤية العين المجردة، وبالتالي فالعلم هنا على الطبيعة من حيث المكان أو الزمان. والحقيقة لَمْ أجد من الباحثين في مصر من حقق مخطوط الجزيري المُسمَّى "درر الفرائد المنظمة في طريق مكة المعظمة"، وهو مثله كمثل عشرات المخطوطات الموضوعة على الرف، أي لا أهمية علمية تُذكر بالنسبة لشق الأنساب لقبائل العرب في مصر والحجاز. وقد فحصت تحقيق الأستاذ الجاسر (١) عن هذا المخطوط، وأدهشني إعطاؤه كلّ هذه الأهمية العلمية، وتجاوزه عن تصحيح ما ورد به من أخطاء رغم وضوحها تمامًا في علم الأنساب للعشائر والقبائل في المنطقة الشمالية الغربية للمملكة العربية السعودية، والأستاذ حمد الجاسر له طبعًا الحق من وجهة نظره أن يتمسك بإسناد في هذا المخطوط أو غيره، ولنا نحن أيضًا الحق في بيان أو تصحيح ما ورد فيه من خطأ فادح؛ لأنَّ الرحَّالة الذي يكون مهزوزًا و متناقضًا وركيكًا في مجال ليس مجاله أصلًا فلا حاجة لنا به في مجال الأنساب أو أخذه كإسناد وحجة موثوق

стр. 56

بها، وقبل التصحيح أذكر مجرد مثل بسيط عن رحَّالة جاء بعد الجزيري في رحلات الحجِّ واسمه عبد السلام الدرعي المغربي فقد سرد هذا الرحَّالة في مخطوط له عن قبيلة بلِّي وقال عنها التالي: إن أعراب بلِّي ما أكثرهم إلَّا أن الله تعالى أذلَّهم وفرَّقهم وفتحت كلّ قبيلة من قبائل الحجاز نتفة منهم، ولا يقيم لهم أحد من الأعراب وزنا، فهم ضعفة متضعفون دأبهم حمل الكراء والسرقات!! (انتهى). ماذا لو أخذنا بكلام هذا الرحَّالة عن قبيلة عريقة معروفة منذ الجاهلية ولا تخفى على أحد، ولربما لو كانت بلِّي قبيلة حديثة مثل الحويطات لصدَّق على كلامه محقق هنا أو هناك، ولسار وراءه النّاس وصدَّقوا هذه الفرية، واطلعت على تحقيق الأستاذ الجاسر لهذا الرحَّالة المغربي، وقام مشكورًا في هامش المصنّف الذي أصدره باسم ملخص رحلتي عبد السلام الدرعي المغربي، قام بتصحيح تخبُّط هذا الرحَّالة وقال: إن بلِّي قبيلة متماسكة ليست مُفَرَّقة ولها منزلتها بين القبائل العربية. والهدف من وراء ذكر هذا المثال عن هذا الرحَّالة لتوضيح أنهم ليسوا محل ثقة في مجال الأحساب والأنساب للعناصر أو القبائل في طريق الحجِّ؛ لأنهم سائرون وراء أهوائهم وحسب مزاج كلّ منهم، والجزيري مثله مثل الدرعي كلاهما في وتيرة وميزان واحد وارد عنهم التخبط والالتباس. ونلفت النظر إلى أن كبار النسَّابين وجهابذة عصرهم ورد عنهم الخطأ في نسب بعض القبائل، فما بالنا بهؤلاء الرحَّالة غير المتخصصين في هذا العلم، ولذلك فخطؤهم هيِّن عن النسَّابين، أي لهم العذر. وأذكر مثالا مهما لإجماع كبار النسَّابين على نسب قبيلة حرب ورغم هذا الإجماع فهو خاطئ!!، ورغم ذلك إذا سار باحث وراء ابن حزم والقلقشندي والسويدي، وإذا تمسك بهذا النسب معتمدًا على أنَّ مثل هؤلاء هم فطاحل النسَّابين، علاوة على الإجماع منهم فإن هذا الباحث لا لوم عليه في هذه الحالة، وقول هؤلاء عن حرب كما هو معروف بأنهم من بني هلال بن عامر المشهورين، أي من (هَوَازِن) العدنانية!!.

стр. 57

وإذا قام باحث بتكذيب أو تصحيح ما قاله هؤلاء من كبار النسَّابين، طبعًا إن ذلك يكون ليس بالهيِّن على ذلك الباحث، وهنا لنا وقفة مع كبار النسَّابين المذكورين فيما يخص نسب حرب لبني هلال، فبالنظرة الثاقبة يتبين لنا أن السويدي اعتمد على القلقشندي، والقلقشندي اعتمد على ابن حزم الأندلسي، وابن حزم اعتمد على بعض من كانوا قبله، والخطأ الوارد من المصدر الأول الذي جاء به ابن حزم والباقي لهم عذرهم لأنهم قد اعتمدوا عليه كعلَّامة شهير، ومن وجهة نظري أنه لا يوجد علَّامة في أي علم؛ لأنَّ فوق كلّ ذي علم عليم … وعن القلقشندي (١) فهو علَّامة زمانه في مصر ورغم هذا فلقد نسي وأخطأ لبعض الأنساب وقد صححها وعدلها باستدراكه في المخطوط الأخير قبل وفاته والمُسمَّى قلائد الجمان. ورغم صعوبة دحض ما قاله كبار النسَّابين وإجماعهم بنسب حرب لبني هلال، فقد هبَّ الأستاذ حمد الجاسر وقد صحح نسب حرب معتمدًا لما ورد في مخطوط الهمداني "الإكليل"، ورغم أن الهمداني لا يرقى إلى مستوى هؤلاء ولكن ما دام الحق والصح معه فلا ضير، ولنا وقفة مع الجاسر في فطنته وشجاعته العلمية وعدم انقياده وراء المشاهير - في الخطأ - لأنه حلل بعمق تاريخي الأسانيد وعرف الصحيح، وقول الهمداني عن حرب أنهم بطن كبير من خَوْلان القُضاعية القحطانية، جاءوا من بلاد اليمن في القرن الثاني الهجري إلى تهامة والحجاز ما بين مكة والمدينة وما يقرب ذلك من المواضع، وقد قارعوا بعض القبائل العدنانية وأجلوها عن بعض ديارها وسكنوها، مما اضطر بعض هذه القبائل أن تحالف حرب وقد انضوت تحت اسمها قبيلة مُزينة العدنانية وبعض الفروع من قبائل أخرى، وأقول أنَّها من بني سُلَيْم دخلت أيضًا في حرب، وهذا خلق الالتباس ودفع الرواة النسب حرب للعدنانية، أما كون ابن حزم نقل عن راوٍ خاطئ بأن حربًا من هلال بن عامر بالذات! فهذا أمر عجيب ولا يصح إلَّا الصحيح، وحرب لا يوجد بها عناصر من بني هلال إطلاقًا. وأعود للجزيري الرحَّالة وأتساءل هل كما رأينا جهابذة علم النسب يخطئون؟ وهل الجزيري فوق كبار النسَّابين أم هو نابغة عصره؟ وما كان له من

стр. 58

مترك من قبل الأستاذ حمد الجاسر - عافاه الله، وذلك بتحليل أعمق مثل ما فعل مع حرب في المثل السابق، وهذا في تلك القبائل التي ذكر نسبها الجزيري خطأ مثل بني عطية والحويطات والمساعيد. كما أوضح شيئًا آخر في أنني لَمْ أختلف مع الأستاذ حمد من ناحية الإيمان اليقيني الراسخ والمؤكد بما ورد في مخطوط الجزيري، وهذا واضح من أخي الجاسر عندما برهن على عدم إيمانه الكامل بما قاله في مجلة العرب الأعداد ٨٥، ١٩٨٦ ميلادية، وبما حققه في مجلد كبير لمخطوط درر الفرائد للجزيري، وقد أيد قول الجزيري لنسب الحويطات لبني عطية ونسب بني عطية لعُقبة، وهذا وجدناه في معجمه الجغرافي ص ١٢ وهو كلام مختلف نهائيا فقد ذكر التالي: "إن بعض بني عطية والحويطات وبني عُقبة ينتمون وإن لَمْ يكن كلهم إلى بني عُذرة"! ومن المعروف أن عُذرة (قُضَاعة)، واستنتاج الجاسر هنا مبني على إسناد مكاني، لما أن عُذرة كانوا يسكنون بعض الديار التي فيها الآن تلك القبائل المشار إليها، والأستاذ حمد يقصد أن تلك القبائل قد خرجت من الأنقاض، أي هي مخلفات عُذرة، وكل باحث طبعًا له الحق أن يسرد ويحلل ما يحلوا له حسب ما يستند عليه من أسانيد تاريخية، ولكن أود أن أُعقِّب على نقطة هامة في إسناد الأستاذ الجاسر ورد أصول بني عطية والحويطات وبني عُقبة كلهم أو بعضهم إلى بني عُذرة (قُضَاعة) وذلك في معجمه الجغرافي ص ١٢، وأقول: إذا كان كلّ من قبيلتي بني عطية والحويطات محل إسناد مرّة لردهم هنا ومرة لردهم هناك فهذا جائز؛ لأنهما من الكيانات الحديثة، أما بني عُقبة فكلًّا .. وليس لأي باحث أن يشكك أو يستنتج نسبهم إلى أي كيان سوى أنهم مؤكدين لجُذام، وهو عُقبة بن محرمة بن حرام بن جُذام، وصححه القلقشندي في قلائد الجمان بحذف (مِحْرمة)، وبذلك فعُقبة بطن كبير من جُذام وتكوَّن في صدر الإسلام فلا مجال للخَوض فيه؛ لأنه ليس محل خلاف أو ريبة، وبني عُقبة هم أصحاب الديار الأصليين وديارهم مع قومهم جُذام كانت تقع شمال بني عُذرة مباشرة، أي أن نصف ديار الحويطات كانت لعُذرة والنصف الشمالي الموازي لشرق خليج العقبة كان لجُذام، وديار بني عطية كانت كلها لجُذام، إذا حتى لو أخذنا بالقياس المكاني فلا ينطبق معنا أن بني عطية والحويطات من عُذرة، ولكن الحقيقة أن عُذرة

стр. 59

انقرضت وعُقبة وجُذام اضمحلت أو انكمشت نحو الشام ومصر، وغلبت الحويطات وبني عطية على تلك الديار في شمال غربي المملكة العربية السعودية، وكلا العنصرين بني عطية والحويطات مختلفي الأصول كما سوف نوضح الحق والحقيقة في هذا المجلد من الموسوعة الكبرى. والنقطة الثانية أنني كباحث لا أضع الاستنتاج أو القياس المكاني موضع يقين؛ لأنه ليس غالبًا في كلّ الأحوال في تطبيقه، وهذا لأنه لا يمكن أن تسيطر قبيلة على ديارها التاريخية كاملة مدى الدهر، وكما أوضحنا في المقدمة أن هناك قبائل كثيرة سيطرت على ديار قبائل أخرى بعد انتقالها من أماكن أخرى، أقربها بني حرب التي أشرنا إليها فقد انضوت تحت اسمها قبيلة مُزينة العدنانية وبعض العشائر العدنانية من سُلَيْم أو غيرهم، والأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لسردها. أما بخصوص تعليل الجزيري بتسمية الحويطات تبعًا لما أنهم أول من حَوَّط على النخيل في العقبة، أي أنهم فرقة من بني عطية وغلب عليهم اللقب من التحويط على النخيل، أُعقِّب التالي على هذا التعليل الركيك والخاطئ فأقول: إن الجزيري تناسى أو جهل أن التحويط على النخيل سمة معروفة وشهيرة لدى سكان الجزيرة العربية، ومنطقة العقبة شأنها شأن غيرها من الأماكن عَرفَ مَنْ قطنها هذه السمة منذ القدم وذلك نقلًا عن غيرهم أو تقليدًا منهم، كما أن النخيل لَمْ يخل مكان في الشمال الغربي للجزيرة منه تقريبًا وقد نرى أن النخيل يكثر في مكان ويقل في آخر ويكاد يكون نادًرا أو معدومًا في مواضع معينة، حسب جودة التربة أو ملاءمة الطقس أو وفرة المياه لهذا الشجر الحبيب إلى العرب منذ فجر التاريخ. والمعنى المبسَّط للتحويط على النخيل أو البساتين عامة، هو بناء سور أو حوش من الطوب اللبن أو من الحجارة حول ما يملكه أحدهم أو بعضهم، لتحديد وإظهار ملكيتهم لهذه الأشجار أو هذا النخيل، وللتحكم فيما يسقط منها من ثمار، وأيضًا لتثبيت ملكيتهم وإشهار معالمها بالتحديد، لممارسة حقهم في عدم سكن أو مرور أحد فيها إلَّا بإذن أو رضاء مسبق من أصحاب تلك البساتين من نخيل أو غيره، وقد مارس أهل الطائف من قبيلة ثقيف قبل الإسلام هذه السمة، وضربوا المثل الأعلى عندما أحاطوا بالطائف بسور يطيف بها، فسميت بالطائف

стр. 60

تبعًا لذلك كما يرى جمهرة المؤرخين العرب، وكانت بنو عامر بن صعصعة (هَوَازِن) قد أعطت أرض الطائف لبني ثقيف على أنَّ يُعَمِّروها وزرعوها كرومًا وبساتين مقابل أن يقاسموهم خيراتها، ولكن بعد أن تحصَّنت ثقيف بالطائف بذلك السور منعت بدورها الثمار والكيل لبني عامر واستبدت بخيرات الطائف. وكما عرف أهل خيبر - التي كان العرب يسمونها ريف الحجاز - التحويط على النخيل، وبالمثل عرفه أهل المدينة المنورة من الأوس والخزرج وغيرهم ممن سكن المدينة، وكانوا يسمون بستان النخيل حائط فلان وجمعها حوائط، أي أنهم كانوا يحددون ملكيتهم للنخيل بتلك الأحواش لأحدهم أو بعضهم، (انظر سيرة ابن هشام اليماني عن النَّبِيّ ﷺ ) وقد عُرفت هذه السمة ليس في داخل الجزيرة ولكن في خارجها وظلت متناقلة بين النّاس حتى الآن. وأرد على تعليل الجزيري الركيك في تسمية الحويطات بهذا الاسم تبعًا لهذه السمة أنه كان أولى بالعرب أن يُسمُّون ثقيف "الحويطات"؛ لأنهم حوطوا على بلدة أو قرية كبيرة وليس بعض النخيل، أو كانوا مثلًا يسمون الأوس والخزرج الحويطات لأنهم أكثر مراسًا للتحويط على النخيل، وأوضح أن هذه التسمية لا يمكن أن تتولد كلقب إلَّا في حالة الانفرادية أو الأسبقية لفعل معين، وفي العقبة وجد النخيل بالطبع قبل وجود الحويطات ووجدت بعض البساتين، وقد فعل أصحابها على تلك النخيل أحواشًا أو شيئًا من هذا القبيل بالطبع قبل وجود كيان الحويطات بعد منتصف القرن التاسع الهجري، وهذا التحويط أصلًا سمة معروفة وشهيرة لجميع القبائل والشعوب منذ القدم ومن غير المعقول أن يظل النّاس في عماء وغفلة ينتظرون حتى منتصف القرن العاشر الهجري، ثم يطلقون هذا اللقب على كيان عشائري لممارسته هذا الشيء المعروف. كما أن الجزيري في تعليله الركيك لَمْ يكن عميق النظرة، حتى يعتمد على كتاب المسالك والممالك للبكري أو كتاب تقويم البلدان، كما ذكر الأستاذ الجاسر في مجلة العرب (ج ٣، ٤ رمضان شوال ١٤٠٦ هـ يونيه ١٩٨٦ م)، كما أن كلا المصنفين ليسا في علم الأنساب وإنما يخصان فقط سردا جغرافيا عن البلاد والأماكن والمواضع، وبذلك لا يصح ولا يجوز الاعتماد على تلك المصنفات في

стр. 61

نسب عشائر أو قبائل لمجرد تعقيب أو استنباط، أي لابد أن يكون الإسناد صريحًا فيها. ثانيًا: فقد فحصت بعمق هذه المصنفات الجغرافية فيما يخص السرد عن العقبة، وهو مخطوط المسالك والممالك للبكري لَمْ يتبين لي تلميح مباشر أو غير مباشر في معنى التحويط على نخيل أو غيره، وكذلك تقويم البلدان الذي خطه عماد الدين إسماعيل بن محمد الشهير بأبي الفدا صاحب حماة المتوفي عام ٧٣٢ هـ والذي طُبع مخطوطه في مدينة باريس بفرنسا عام ١٨٥٠ م، لَمْ يذكر أي شيء عن التحويط على النخيل أو غيره في العقبة، والحقيقة أن هذا التعليل المزعوم هو من وحي خيال الجزيري، أو لربما قد قالها نقلًا عن احد أعراب البادية فتلقفها منه دون تمحيص، باستنتاج خاطئ لنماء النخيل على الساحل في منطقة العقبة لَمْ توجد قبل ذلك، ولكن استنتاجه غير صحيح؛ لأنَّ النخيل له أعمار مثل الإنسان أي افتراضية تنتهي بعدها وتندثر، ويمكن أن توجد في مكان ولظروف بيئية واجتماعية تنتهي ولا تجدد زراعتها إلَّا بعد أزمان طويلة وفي نفس المكان، وهكذا فما دامت هناك نخيل وجدت في القرن العاشر الهجري حتى لو لم توجد في القرون التي سبقت هذا القرن، لكن لابد أن تكون قد زرعت في نفس المكان في العقبة ودثرت ولم تجدد إلَّا في هذا القرن وليس معني عدم ذكر صاحب تقويم البلدان في القرن السابع والبكري قبله أن النخيل قد انعدمت في العقبة وما حولها قبل الإسلام أو في صدر الإسلام أو بعده لعدة قرون، والشيء الأقرب للصحة هو أن منطقة العقبة كانت من ديار جُذام، وبعد نزوح وانكماش بطون جُذام منذ ظهور الإسلام وحتى القرن الثالث الهجري بدت هذه المنطقة مهملة خَرِبة لعدة قرون وكان بعدها تدوين مخطوط تقويم البلدان والمسالك والممالك قبله فلم يذكرا نخيلًا أو زروعًا، ثم بعد ذلك أي فيما بعد القرن السابع الهجري بنماء عشائر بني عطية والمساعيد ثم ظهور الحويطات قد زرعوا من جديد تلك المناطق الساحلية بالنخيل وغيرها من الأماكن التي كانت لجُذام وقد تحيوفها بالعمران وغلبوا جُذام عليها أي على آخر قبيلة بقت في ديارها وهي بني عُقْبَة بن حرام بن جُذام، وكما هو الآن بالوقت الحاضر اضمحلت تلك القبيلة وانضمت بقاياها للحويطات وبني عطية.

стр. 62

وأقول مؤكدًا بتحليل تاريخي ومنطقي أن الحويطات كيان تسمَّى باسم مؤسسهم (حويط)، ولم يكن لقبًا أطلق عليهم تبعًا لتحويط على نخيل أو غيره ولا تبعًا لحيز جغرافي، وهذا ما تأكدنا منه تاريخيًا وميدانيًا. ولا يفوتني تأكيد ذلك. والتدليل على تخبُّط الجزيري وتناقضه في ذات المخطوط "الدرر الفرائد المنظمة"، بذكر مثل آخر لإيضاح الصورة برَّاقة جليَّة لسحب الثقة منه في مجال الأنساب، فقد قال في مخطوطه ص ١١٣ عبارة نصها التالي: (وعادة أمير الركب الحجازي أن يكون لخيامه من الأبهة والحرمة؛ لأنه سائر بالوفد ومار على عربان مختلفة الأجناس كالعُقبي والبلويِّ والعطِّويِّ والحويطي وغيرهم المفسد والمتعرض للأذى). انتهي كلام الجزيري .... وبالنظر لهذه العبارة نجد تناقضًا فادحًا لقوله عربانًا مختلفة الأجناس!، وقد رأيناه في نفس المخطوط يذكر أن عُقْبَة أبٌ لبني عطية!، وأن الحويطات من بني عطية غلبهم اللقب!، ولهذا السبب نرفض وننفي بكل قوة ما ورد في مخطوط"الدرر المنظمة" للجزيري فيما يخص الأنساب، وحسب ما نهلنا سنوات طويلة من علم الأنساب والتاريخ العربي، وحسب ما توصلنا له من ﷺ البادية وذلك بالبحث الميداني الدقيق والمتفق عليه في أماكن متفرقة في عدة بلاد عربية، والشق الميداني مهم للغاية؟ لأنه يجعل الباحث في هذا المجال لا يكرر الخطأ نقلَا عن غيره معتمدًا عليه في الإسناد التاريخي بثقة تامة، فلا يوجد إنسان معصوم من الزلل أو الخطأ. وكما أوضح شيئًا هامًّا عن الجزيري ذلك الرحَّالة المشارك في رحلات الحجِّ بعد منتصف القرن العاشر، وهو أن الجزيري كان رجلًا حضريًا ليس له دراية في التعامل مع البوادي من قبائل العرب، والذين كانوا يمكرون به مكر الثعالب لغرضٍ في نفس أحدهم أو لمأرب يرمي إليه آخر، ولهذا غُرر به أثناء رحلاته فيما يخص مجال الأنساب؛ ولأنه مجرد رحَّالة لَمْ يتوخ الحرص اللازم أو الدقة وأخذ الروايات من الثقات أو تأكيدها من عدة مصادر بالإجماع أو الاتفاق العام على تفاصيلها. وهذا الأمر لابد أن يكون مُحَتَّمًا على الباحث في علم النسب أن يَتَّبعه بكل دقة؛ لأنَّ تلك مسئولية خطيرة تمس أنساب وأحساب القبائل العربية التي يقدسونها ويفتخرون بها كابرًا عن كابر وجيلًا وراء جيل، وإن مثل هذا الالتباس

стр. 63

يخلق الإحباط وضعف الانتماء عند تلك القبائل العنصرها الصحيح التي نبعت منه، وهذا الشيء لا يرضي الخالق ، فقد قال في كتابه الكريم مُحبِّذًا التمسك بالأصل الحقيقي للناس ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ … ﴾ [الأحزاب: ٥]. كما هناك توقع لما حدث من التباس من قبل الجزيري في ذكره لنسب أو رد أصول بني عطية والحويطات والمساعيد إلى بني عُقبة جُذام، قد يعود هذا الشيء إلى أن تلك القبائل قد نمت وتكاثرت في ديار عُقبة وجُذام عمومًا فظن الجزيري حسب اطلاعه أنهم من عُقبة مثلهم مثل العناصر الأخرى كبني شاكر وبني واصل وبني راشد وغيرهم، وكما قلت أن هذا القياس خاطئ على الأنساب لأنه لا يمكن أن تسيطر قبيلة على ديارها مدى الدهر دون دخول عناصر أخرى خارج عمود نسبها في هذه الديار، والمبدأ ليس على بني عُقبة وجذام ولكن على جميع قبائل العرب القديمة، وأقول: الصحيح أن بني عطية والمساعيد والحويطات هي عناصر خارج بني عُقبة، ونمت في ديارها وتغلبت على تلك الديار التاريخية لعُقبة وجُذام، وذلك بسبب ضعف بني جُذام في هذه الديار بعد هجراتها المتوالية ونزوحها المستمر إلى الشام ومصر منذ فجر الإسلام أو بمعنى أصح منذ الفتوح الإسلامية، ولم يبق سوى بني عُقبة بعد القرن الثاني الهجري، وقد تفرَّق منهم الكثير بطريقة تدريجيَّة حتى القرن الثاني عشر الهجري، وهذا أبى إلى اضمحلال بني عُقبة وضعفهم في ديارهم، كما اندثرت باقي بطون جُذام بالحجاز، وكما نرى الآن بقايا عُقبة قد انضمت إلى كيان الحويطات القَبَلي في التَهَم وبعضهم إلى بني عطية شرق جبال السراوات. ونؤكد أن هذا الشيء قد حدث مع قبائل أخرى قديمة، بالتهام قبائل حديثة لديارها وانضواء بقايا الأقدم تحت مُسمَّى الحديثة الغالبة، كما ألمحنا في المقدمة بأن ذلك يرجع إلى ظروف اجتماعية أو سياسية أو معيشية منذ الجاهلية وحتى العهد العثماني. وهناك تحليل تاريخي هو أقرب للصحة في سبب خطأ الجزيري في نسب بعض قبائل العرب في شمال غرب الجزيرة، هو أن هذا الرحَّالة المصري قد احتك ببعض الشيوخ من ذوي النعرات القَبَلية المتعصبة لعنصرها، وذلك أثناء رحلاته في

стр. 64

مواسم الحجِّ بعد منتصف القرن العاشر الهجري، للأسف لقَّنه هؤلاء الشيوخ في حينه معلومات خاطئة فيما يخص أنساب بعض العناصر الصغيرة التي سوف نصححها تاريخيًا، وهذا لأهداف كامنة في نفوسهم، فكأن يَدَّعي شيخ من بني عطية مثلًا أن الحويطات ما هم إلَّا فرقة من العطاونة وغَلَب عليهم اللقب من التحويط على النخيل، "سبحان الله" وكأن باقي بني عطية لَمْ يُحوِّطوا على النخيل في حينه! وقد ذكر ذلك الجزيري في أثناء سرده قائلًا: إن هناك أحواشًا استجدت للحويطات وغيرهم من بني عطية، فلماذا غيرهم من بني عطية لَمْ يغلب عليهم اللقب من التحويط؟ حقًا هذا هراء واستخفاف بعقول النّاس!!، وكما يَدَّعي أيضًا شيخ بني عطية أن المساعيد. وغيرها من تلك الكيانات القَبَلية التي سوف نوضح عنها ونصححها - يَدَّعي أن مردها أصلًا لبني عطية ويُسِّجِل صاحب الدرر ببساطة!، ثم يجد الجزيري أيضًا شيخا آخر عُقبيا من بني شاكر يَدَّعي ويزعم أن العطيات والعبيات والمساعيد فروع من بني شاكر، أي هنا هذا الشيخ قد خطف المساعيد خطفًا ونسبهم لبني شاكر مثلما خطفهم العطوي ونسبهم لبني عطية! ثم يجد الجزيري شيخًا آخر طموحًا من بني عُقبة، فلا يكتفي بضم عشائر إلى بني عُقبة بل يلتهم بني عطية كلها بعشائرها والمساعيد ويزعم أن أصلهم لبني عُقبة، والجزيري المسكين يُدوِّن وبثقة في مذكراته ثم ينقلها في مخطوطه "درر الفرائد المنظمة" وكأنه رجل من كبار النسَّابين، وهو لا يدري أنه خلط العناصر في بعضها البعض وقلب الدنيا رأسًا على عقب، وستأتي النّاس بعد موته ليطَّلعوا على ما ورد في مخطوطه وتملؤهم الحيرة والشك والالتباس. وطبعًا كلّ هذا واضح لكل مدقق وباحث متعمق، والجزيري لَمْ يعر أي اهتمام أو تمحيص، وقد نقل عن هؤلاء الشيوخ وهو لا يدري أن ما يكمن في نفوسهم هو شيء واحد وهو إظهار كلّ منهم بأنه هو الشيخ الأهم والأقوى في طريق الحجِّ، وأن أغلبية العشائر هي تابعة لكيانه القبلي هذا كي يخدع هؤلاء الشيوخ بمكر ودهاء أمثال هؤلاء الرحَّالة الحضر، ليتولى الرحَّالة بدورهم إشهارهم وإطراءهم وبيان قوتهم ونفوذهم، ولكثرة فروع كلّ منهم يزيد بالطبع النفوذ والقوة لأي منهم، وهذا لكي يضمن هؤلاء الشيوخ المزيد من العطايا والهدايا والخلع السلطانية من الحكومة المصرية في ذاك الوقت، وكذلك لزيادة الصُرَّة المقدمة إليهم؛ وهي عبارة عن رواتب

стр. 65

سنوية تُقدَّم لشيوخ القبائل عادة في طريق الحجِّ، وذلك لتأمين قوافل الحجِّ والتجارة من هجمات البدو من قبائل العرب وذلك في الفلاة بعيدًا عن العمران أو بمعنى أصح بعيدًا عن استطالة الدولة لأمثال هؤلاء الأشرار، والصُرَّة أصلًا من أجل المحافظة على الأمن في الطرق من وإلى جزيرة العرب. إذن ما دمنا وصلنا لنوايا هؤلاء الشيوخ بتحليل تاريخي هو الأصح، من أين إذن يأتي الجزيري بالحقيقة وبالنسب الحقيقي الصحيح للعشائر أو القبائل التي تطرق لها في مخطوطه درر الفرائد المنظمة في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري؟ والإجابة ببساطة هي أن لا الجزيري ولا غيره سوف يعرف الحقيقة ما دامت المصالح المادية طاغية على النفوس في ذلك الوقت! (تصحيح ما ورد من خطأ في مخطوط الدرر الفرائد المنظمة للجزيري) فيما يخص أنساب بعض العشائر والقبائل ١ - ذكر الجزيري اسم المعَّازي كفرع قائم بذاته نزل بحِسْمي، رغم أن المعازي هو اسم عام وشامل لعموم بني عطية، وبصورة غالبة في الوقت الحاضر هنا في الديار المصرية، وحتى لو اعتبرنا أن المعازي اسم فرع وغلب على سائر بني عطية فيما بعد الجزيري، مثل فرع شَمَّر الذي طغى على باقي فروع طيئ في شمالي نجد وتسميه كلّ القبيلة من طيئ على اسم شَمَّر، فهنا الأمر يختلف تمامًا لأنَّ المعازي الذي ذكره الجزيري كفرع، ليس له وجود أو بقية الآن فكيف يكون فرعًا غالبًا؟ إذن هذا الأمر مستبعد، فاسم بني عطية هو الغالب الآن في المملكة العربية السعودية وفي المملكة الأردنية الهاشمية، ولربما ساد اسم المعازي على العطاونة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين بدليل ذكر الرحَّالة المغربي المسمى الدرعي (اسم المعازة) على بني عطية القاطنين في طريق الحجِّ بالحجاز. وسواء غلب هذا الاسم على بني عطية في فترات زمنية أو لَمْ يغلب، فالشيء المؤكد ميدانيًا وتاريخيًا أن المعازي ليس فرعًا إطلاقًا في قبيلة بني عطية التي تنتمي أصلًا لجد اسمه (معاز)، كما سوف نبين في السرد عن أصل بني عطية الحقيقي، مخالفين تخبُّط الجزيري في مخطوطه أنهم من بني عُقبة جُذام. ولا أدري من أين أتي باسم المعازي كفرع نازل بحِسْمي، ولربما ذكر له أحد البدو أن هناك "معازة" نازلين بحِسْمي، على أنَّ الاسم يشمل بني عطية فلم يدر

стр. 66

الجزيري أن المعازي هو العطوي عمومًا، فَدوَّن المعازي كفرع خاص نزل بحِسْمي وهذا هو التوقع الصحيح لما حدث من لبس وخطأ من قِبَل الجزيري. ٢ - ذكر الجزيري في مخطوطه "درر الفرائد" أن العطيات والعُبيات والمساعيد من بني شاكر (عُقبة)، وهذا خطأ فادح؛ لأنَّ العطيات هم أوسط فروع بني عطية نسبًا وغير مشكوك إطلاقًا في انتمائهم لبني عطية، بل إن العطيات هؤلاء هم رءوس قبيلة بني عطية في المملكة العربية السعودية ومنهم الشيخ العام لعموم فروع بني عطية منذ فترات زمنية كبيرة. وعن العُبيات فكل ما حققه الباحثون أنهم من عشائر الحويطات في المملكة العربية السعودية. - وعن المساعيد فالمتواتر والمعروف أن جدهم هانئ بن مسعود الشيباني من بكر بن وائل. (انظر السرد التفصيلي عنهم)، والمساعيد قبيلة قديمة ظهرت منذ القرن السادس الهجري. - كما نصحح التباس الجزيري عن بني شاكر الذي نسب العطيات والعبيات والمساعيد لهم، فنقول أن بني شاكر هؤلاء من بني راشد من عُقبة جُذام، كما ثبت من كبار المناسبين في القرن الثامن الهجري مثل القلقشندي والسويدي، وبعد نزوح بني عُقبة إلى الأردن وفلسطين ومصر اضمحلت تلك القبيلة، ودخل العديد من فخوذها في بني عطية والحويطات والمساعيد، كما سنسرد عنهم في مساعيد فلسطين. وعن بني شاكر بالذات فقد انضموا إلى بني عطية في شرق الأردن، ويُطلق عليهم عطاونة هناك، وقد سكنوا الحسما مجاورين لعشائر حويطات الأردن .. هذه هي الحقيقة لا كما ذكرها الجزيري ﵀ في القرن العاشر الهجري في مخطوطه "درر الفرائد المنظمة"، بأن جعل العطيات رأس بني عطية من بني شاكر، وجعل المساعيد فرعًا من بني شاكر وهم قبيلة كبيرة في عهد الجزيري، تنتشر في الشام ومصر وشمالي الحجاز. - ذكر الجزيري كلًّا من الرتيمات والكعابنة والسواركة والوحيدات والترابين إلى قبيلة بني عطية.

стр. 67

وهذا شيء يدعو للسخرية، وخطأ فادح في ذات المخطوط للجزيري المُسمَّى "درر الفرائد المنظمة". - عن الرتيمات (١) فهي عشيرة من عشائر قبيلة الجبارات بجنوب فلسطين (بئر السبع)، والجبارات أغلبهم من جُذام كما ذكر العارف في تاريخ بئر السبع، وعن الرتيمات بالذات فأصلهم من بني عُقيل وانضموا للجبارات بعد أن قدموا من نواحي البحرين، وعُقَيل كما هو معروف بطن كبير من هَوَازِن العدنانية، وكان لهم مُلك في البحرين ومنهم فروع في قبيلة بني خالد بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي. وقد أيَّد نسب الرتيمات لبني عُقيل "تاريخ بئر السبع" لعارف العارف و"تاريخ سيناء" لنعوم شقير. - وعن الكعابنة الذين ذكرهم الجزيري بشرق الأردن من بني عطية، فمن المعروف أن اسمهم الحميدات وأُطلق عليهم الكعابنة، وهم هنالك قسم من كعابنة تبوك في شمالي الحجاز وجاوروا قبيلة بني صخر وحالفوها وحسبوا منها في الأردن. وكانت مساكنهم قرب ساحل البحر الأحمر شمال غرب الحجاز قديمًا، وهم ليسوا من بني عطية أصلًا، وقد رجح الباحثون أنهم من كعب بن عدي من قريش (٢) وخالطوا القبائل في شمال الحجاز، وينقسم الحميدات (الكعابنة) إلى فرعين في المملكة العربية السعودية هما: عيَّاد وعوَّاد فأما عاد ففيه فخوذ: الكسَّابين والغرضان والرشايدة والفوايرة والمطيرات، وعوَّاد فيه فخوذ: الغنَّامين والقديمات والزيادين. ووسمهم العرقاة ومطرق على صدغ البعير، وهو غير وسم العطاونة، ويعتبرون من أقدم سكان تبوك ولهم أملاك ومزارع فيها، وأغلبهم تجار في هذه المدينة السعودية. وفي الأردن مساكنهم الحشاش قرب مادبا وسحاب قرب عمان وأبو الرصاص شرق مادبا والزرقاء والموقر شرق سحاب، ومنهم في العوجا ويطا من قضاء الخليل بفلسطين مجاورين لعرب قيس. ومن عشائر الكعابنة في الأردن: الرملات، والزويديين، والعمور، والجمازيين، والرويعيين.

стр. 68

- وعن السواركة (١) فهم قبيلة حديثة التكوين بعد القرن الثامن الهجري، واتفق الباحثون أنهم من سلالة عكاشة بن محصن الأسدي من بني أسد العدنانية (انظر السرد عن السواركة). وعن الوحيدات فهم كيان قَبَلي حديث التكوين أيضًا شأنه شأن السواركة والحويطات، وتكونت أو نمت عشيرة الوحيدات قبيل الحويطات بفترة قصيرة في شرق الأردن (منطقة الشراة)، وأكد تاريخ بئر السبع والبحث الميداني من الثقات أن الوحيدات جدهم المؤسس لكيانهم اسمه حسن الوحيدي، من أشراف الحجاز من ذرية الحسن بن علي ﵁، وقدم مثل حويط إلى الشمال وتزوج من الليائنة وهم فخذ من بني عُقبة، وتناسلت منه عشائر نسبت إلى مؤسسهم الوحيدي فسموا وحيدات، فلما ظهرت الحويطات من أبناء علوان بن حويط في شرق الأردن، نافسوا الوحدات في الشراة واصطدموا معهم في معارك بسيطة، اضطر الوحيدات هؤلاء أن يتركوا الشراة، وسكنوا في فلسطين قرب ديار الترابين في نواحي غزة والنقب، وكذلك نزل بعضهم في سيناء. وذكر عارف العارف أن الوحيدات يلاقون الاحترام والتقدير من بدو فلسطين على رأسهم قبيلة الترابين؛ لأنهم من نسل الأشراف. وعن الترابين فهم كيان قَبَلي حديث التكوين أيضًا، وذكر عارف العارف الفلسطيني النسابة المدقق الشهير أن الترابين هؤلاء معهم خليط من عدة عشائر منزوعة من قبائل عربية قحطانية وعدنانية، وضح بعضه في مصنفه "تاريخ بئر السبع" وترك عشائر دون ذكر أصولها، لأي بطون العرب ترتد، وذكر أن معظم الترابين ينتمون لبني عطية - ويقصد نجم بن عطية البقِّمي - وقد وضح أن هناك فروعًا في النجمات لا ينتمون إلى بني عطية، مثل الصانع وهم أيضًا من البقوم (الأزد) القحطانية، وهي قبيلة معروفة حتى الآن في المملكة العربية السعودية في بلدة تَرَبة (٢)، وهي جنوب شرق مدينة الطائف، وكذلك فرع الشعوث فهم من بني زريق من ثعلبة طيئ، وفرع المحافظة وهم من أبناء عمومة السوالمة من سُلَيم،

стр. 69

ومن أراد التفصيل عن فروع الترابين هؤلاء فليرجع إلى "تاريخ بئر السبع" لعارف العارف الذي لَمْ يُفصِّل أي محقق عنهم في هذا القرن غيره. ٤ - ذكر الجزيري أن العميرات من بني عيَّاد! وهذا خطأ؛ لأنَّ العميرات من حويطات التَهَم، وبالبحث الميداني لَمْ أجد أي تشكيك لنسب العميرات لحويط مؤسس الحويطات، والعميرات في القرنين الأخيرين تكاثروا وأصبحوا من أكبر عشائر الحويطات بالتَهَم بالمملكة العربية السعودية. وأما عن بني عيَّاد المشار إليهم فهم قبيلة "العيايدة" من القبائل الحديثة بعد القرن الثامن الهجري، ومرجع نسبها إلى القحطانية، وقد كانت هذه القبيلة تسيطر على طريق الحجِّ من بلبيس حتى العريش، وقطن منهم في جنوبي سيناء ثم بعد تَغْلِب الطوَّرة على الجنوب رحلوا إلى شمالي سيناء، ونزل كثير من عشائر العيايدة إلى وادي النيل في القليوبية والجيزة والدقهلية وغيرها، ولهم دور في تاريخ مصر الحديث أيام الحملة الفرنسية فقد كانوا الد أعداء نابليون مع قبيلة بلِّي، وكانوا يعادون محمد علي باشا ويؤيدون الألفي بيك زعيم المماليك، ووهم من ظن أن العيايدة من بقايا العايد من جُذام؛ لأنَّ العايد ورؤساءهم الأباظية في الشرقية حتى الآن، ومصنفات كثيرة في هذا القرن ذكرت العايد والعيايدة كلّ على حدًا، أبرزها تاريخ سيناء" لنعوم شقير و "قبائل العرب" لأحمد لطفي السيد، وغيرها من الكتب التي سردت عن تاريخ مصر في القرون الأخيرة. ٥ - ذكر الجزيري اسم القرعان (١) والجواهرة (٢) في حينه، أي بعد منتصف القرن العاشر الهجري وكانا عبارة عن فصائل صغيرة، قد نسبهم الجزيري إلى قبيلة بلِّي القضاعية، وهذا خطأ أيضًا؛ لأنَّ القرعان والجواهرة من حويطات التَهَم في المملكة العربية السعودية وقد سكن بعضهم منذ نماء الحويطات قرب الوجه من ديرة بلِّي، وخالطوا بعض عشائرهم في السكن أو الخلف، ولا يمتُّون من قريب أو من بعيد إلى البلِّوية.

стр. 70

٦ - ذكر الجزيري عن قبيلة بلِّي قائلًا العبارة التالية: إن بلِّي من أولاد شهاب الدين أحمد بن ثعيليب!!؟ ولا أدري من هو شهاب الدين هذا الذي يقصده الجزيري، ولم أعلم لا في مصنفات ولا بحوث ميدانية أن هناك عشائر في بلِّي تنتمي إلى شهاب الدين، وبلِّي في المملكة العربية السعودية تنتمي إلى جذمين كبيرين منهما جميع عشائر بلِّي، وسنفصل عنها في باب السرد عن قُضَاعة - بلِّي وجُهينة. ٧ - ذكر الجزيري أن عُقبة جُذام هو والد بني عطية، وهذا خطأ منه لعدم ورود أي دليل تاريخي أو ميداني يؤيد هذا النسب لبني عطية، وقد ذكر كبار النسابون فروع عُقبة وجذام مثل بني واصل وبني راشد وبني شاكر، ولم يشذ الجزيري هذا عن كبار النسَّابين فحسب بخصوص نسب بني عطية، ولكن شذَّ عمن هم في طبقته من رحَّالة الحجِّ، سواء من جاء قبله أو بعده، فلم يذكر إطلاقًا أحد من الرحَّالة نسب بني عطية لبني عُقبة. وبالبحث الميداني الدقيق في مصر والمملكة العربية السعودية من العديد لرواة. بني عطية الثقات، أنكروا جميعًا مزاعم الجزيري ونفوا بشدة نسبهم إلى (عُقبة) جُذام، وقال لي بعضهم: إن بقايا بني عُقبة هؤلاء مثل بني شاكر وغيرهم من بعض العشائر قد انضمت إلى العطاونة، وبعض بني عُقبة التحق بالحويطات أو المساعيد أو غيرها من قبائل الشام، وقالوا: إن ذكر ذلك من قِبَل هذا الرحَّالة لهو هراء وتخبُّط، لا يعترف به أحد من بني عطية في الحاضر أو الماضي على مدى القرون الماضية وإن هذا الرحَّالة مُخَرِّف!. وعن نسب الحويطات للعطاونة قالوا: هذا كلام عجيب وخطأ، والحويطي عنصر لا يمت لبني عطية في الأصل، سوي أنهم سمعوا روايات من كبار البادية أسلافهم أن حويطًا كان شابًا أو صبيًا تربي في وسط بني عطية، وصاهرهم في بداية نماء عشيرة الحويطات من عدة قرون، وبعضهم في مصر ذكر لي أن حويطًا من الأشراف وأخوال أبنائه من بني عطية، وفي المثل الدارج (أن العطوي خال الحويطي). وذكر لي رجل عطوي بليغ عليه علامة الشهامة والجدية في الحديث قائلًا ومتسائلًا: "كيف الحويطات متجاورين مع بني عطية ولا نعرف أنهم من العطاونة؟ "

стр. 71

ولو كانوا في بلاد بعيدة كان أعقل للمنطق، واستطرد مُتَهكِّمًا إن الغزو بين العطاونة والحويطات على مر القرون التي مضت لَمْ تتوقف، وآخرها حرب البرقاء الشهيرة بين الطرفين، ولم يتم السلام التام بين العنصرين إلَّا في عهد المغفور له جلالة الملك والإمام عبد العزيز بن عبد الرَّحمن الفيصل آل سعود، والذي بتوحيده الجزيرة العربية في بداية القرن العشرين الميلادي قد قضى على الغارات والغزوات طبع الجاهلية الأولي، في أنحاء الجزيرة بين جميع قبائل العرب، وأصبحت الآن جميع القبائل في المملكة العربية السعودية تحت راية ابن سعود الإسلامية، التي شعارها "لا إله إلَّا الله محمد رسول الله"، وقد توحدت كلمة العرب وانتشر العدل وعم الخير على هذه البلاد الكريمة الطاهرة، وانطلقت الرحمة على العباد ودام الأمن والأمان على هذا البلد العزيز على العرب وجل المسلمين، وتحققت دعوة سيدنا إبراهيم ﵇ على كامل التراب السعودي في هذا الزمان تحت حكم آل سعود، عندما قال مبتهلا ﵇ إلى مولاه : "رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات" والحمد لله على نعمائه. قلت لهذا الرجل العطوي: صدقت ورب الكعبة، ولعمري ما قلته هو الحق فسلمك الله. وعن زعم الجزيري لنسب المساعيد وغيرها من القبائل التي ذكرها بأنها تنتمي إلى بني عطية في مخطوط درر الفرائد المنظمة، قال رواة بني عطية: إنهم لا يعلمون شيئًا عن هذا التخريف، والعطوي معروف في الأردن ومصر عشائرهم منذ قرون في تلك الديار تعرف نسبها لقبيلة بني عطية، وحتي عشائر بني عطية المنضمة للحويطات أو غيرهم يعرفون نسبهم ولا يجحدوه عن أحد إذا جد الجد في إطراء الحسب والنسب. وسنوضح تفصيلًا عن بني عطية في السرد عنها في هذا المجلد من الموسوعة الكبرى إن شاء الله تعالى. وأقول مؤكِّدًا كباحث متعمق في هذا الميدان، أن مبدأ النّاس مأمونون على أنسابهم قد صانه الحويطات، رغم ما نالهم من تجنٍ والتباس في أصولهم أكثر من غيرهم، وأن العرب الأصلاء لا ينكرون نسبهم الحقيقي لكل متقص متعمق،

стр. 72

ولا يَدَّعي العربي الحر الأبي نسبًا لغير آبائه، ونراه يتعصب العنصره الصحيح الذي نبع منه، وأن الحويطات عنصر قَبَلي عربي كريم وعريق وشريف بلا ريب، يتميزون بخصال حميدة وعادات عربية رفيعة ونبيلة ونخوة واضحة المعالم في رجالاتهم، ويعتزون اعتزازًا كبيرًا بأنفسهم، وبذلك يستحقون مني كباحث عربي في أواخر القرن العشرين الميلادي كلّ إنصاف عن أصلهم وتاريخهم المُشَرِّف. ٨ - ذكر الجزيري ص ٤٠٧ أن قبيلة مُزينة التي تقطن بلاد الطور بسيناء هي أصلا من العليقات من العائد!، وهذا غير صحيح وخطأ فادح في النسب لهذه القبيلة المعروفة منذ الجاهلية، فقبيلة مُزينة هي امتداد المزينة في الحجاز ضمن حرب كما أكده رواة مُزينة سيناء والحجاز، وذكر البلادي العربي في معجمه لقبائل الحجاز أن مُزينة هم حلفاء بني حرب في المراوحة من بني سالم ص ٤٨٤، ومُزينة كما هو معروف بطن من طابخة العدنانية "من مُضَر". ٩ - ذكر الجزيري ص ٤٠٧ أيضًا أن بني واصل من العليقات من العائد! وهذا خطأ، لما أنه قد ذكر متناقضًا مع نفسه في ذات المخطوط أن واصل بن حميد من بني عُقبة! والصحيح لما هو ثابت في نهاية الأرب وبالأدق "قلائد الجمان" للقلقشندي أن بني واصل من بني عُقبة جُذام، وقد أيده نعوم شقير في تاريخ سيناء. ١٠ - ذكر الجزيري في عشائر جهينة المقابلة مع أن المقابلة من أعرق عشائر بلِّي، وهذا معروف حتى الآن للجميع ومن المقابلة قسم كبير في القليوبية والإسماعيلية وسيناء بمصر. ١١ - نقد بعض الأخطاء في مخطوط الجزيري "درر الفرائد المنظمة" الباحث السعودي الأستاذ عاتق بن غيث البلادي العربي في كتابه عن قبائل شمال الحجاز، وقال: إن الجزيري رحَّالة الحجِّ أخطأ في إلحاق فروع من القبائل بقبائل أخري، وأعطى أمثلة لذكر الجزيري أن الجعافرة من بلِّي رغم أنهم من عَنَزة، وأضاف قائلًا: إن علم النسب في القبائل المتخالطة في السكن والجوار أو المتحالفة لا يعرف حقيقة نسبها مضبوطًا سوى ابن البيئة المقيم، لا الرحَّالة المتنقل أو العابر مثل الجزيري وأقرانه.

стр. 73

قلت: قال الإمام مالك - رحمة الله عليه: كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إليه إلَّا صاحب هذا القبر. وأشار إلى قبر رسول الله ﷺ ، وصدق الإمام مالك فإن نبينا علم الهدى لا ينطق عن الهوى وإنما هو وحي يوحي علمه شديد القوي. كما أوجه الشكر لأخي الباحث السعودي الكريم الأستاذ حمد الحقيل الوائلي في سرده عن قبيلة الحويطات، وقد أنصفها في مصنفه الشهير "كنز الأنساب ومجمع الآداب، وذكر نسبها الصحيح للأشراف، ورغم أن الأستاذ الحقيل لَمْ يُفصِّل وكان مقتضبًا نظرًا لشمول بحثه في قبائل كثيرة، ولكنه مشكورًا لَمْ يَسْر أو ينقاد وراء هؤلاء من ذوي المصنفات الأخرى الشهيرة قبله، ولم ينقل عنهم بجهل أو خطأ مكررًا الالتباس والتخبط عن الغير، وهذه براعة منه لما أنه كان يتابع بحوثًا ميدانية من الرواة مع بحوثه التاريخية، وقد برز من كبار الباحثين في الجزيرة العربية، والباحث إذا ما تبع الإسناد دون التمحيص فيه فإنه يكون خاطئا دائمًا أن ما بني على باطل فهو باطل، وقد ظهر للعديد من الباحثين في هذا القرن نقلهم عن الغير فكان سردهم ركيكًا ومصنفاتهم لا تقنع النّاس بما حوته، وإدبار النّاس عنها أكثر من إقبالهم عليها. ونسب الحويطات للأشراف لَمْ أجده عند غالب الرواة من الثقات فحسب، ولكن وجدت ذلك عند الكثير من العامة في مصر والسعودية والأردن، ويتناقلون ذلك عبر أجيال طويلة قد مضت. ولقد أنكر الأستاذ فؤاد حمزة وذلك في مصنفه "قلب جزيرة العرب" الذي طبع لأول مرّة في القاهرة عام ١٩٣٣ م، وتمادي في التجئي والظلم على هذه القبيلة العربية الأصيلة وذكر في هامش كتابه قائلًا: "إن الحويطات يدعون النسب للأشراف من نسل الحسن أو الحسين، ولكن هذا غير ثابت أو مؤكد وإنما هم من بقايا الأنباط والأقوام القديمة"!!، وإني واثق أن فؤاد حمزة لَمْ يذهب إلى رواة الحويطات، ولم يمحص بعمق عن أصولهم، ولم يبحث تاريخيًا عن جذورهم، وقوله مبني على اطلاع الرأي بعض المستشرقين بالظن والاستنتاج الخاطيّ، وإن مؤرخًا عربيًا يستند إلى ظن من مستشرقين فإنها حقًّا تكون مأساة علمية في التاريخ العربي، وخاصة عندما يكون هذا الإسناد ظلمًا وغبنًا في نسب وحسب قبيلة عربية من العرب الأقحاح ومن أشراف العرب.

стр. 74

وخطورة فؤاد حمزة تمثلت في سير بعض الباحثين في هذا القرن وراءه، لما نال من شهرة كمؤرخ في القرن العشرين من سبقه في الكتابة عن قبائل المملكة العربية السعودية القديمة والحديثة، وإن الحق يقال أن هذه الشهرة التي نالها ليست وليدة من تمحيصه ودقته في علم الأنساب، وإنما هي وليدة فقط من سبقه لغيره في هذا القرن في إصدار مصنف مختصر عن قبائل المملكة العربية السعودية، والتدليل على ذلك في نسيانه للعديد من القبائل الشهيرة في المملكة ولم يتطرق إليها نهائيًا، وكذلك لذكره السرد عن بعض القبائل وديارها وفروعها ولم يتطرق لنسبها، فكيف إذن يكون الباحث نسَّابة وهو يتجاهل ذلك عن الكيان القبلي وهو أهم شيء عنه!؟، كما أن فؤاد حمزة أخطأ في بعض القبائل ورد أصولها إلى منبع ليس صحيحا وهذا رغم شهرة هذه الكيانات!، وسوف نوضح تلميحات عن تلك الأخطاء في الهوامش ونصححها عبر مجلدات الموسوعة - إن شاء الله تعالى. وأما ما حزَّ في نفسي فهو أن الدكتور جواد علي مؤلف كتاب "تاريخ العرب قبل الإسلام" قد حذا حذو فؤاد حمزة وذكر في عدة سطور عن الحويطات، ونقل طبعًا عن المستشرقين الأجانب زعما أن عرب الحويطات من بقايا النبط، وهذا الزعم الباطل لا أساس له من الصحة، وأنه مجرد هراء ولا يمت للحقيقة أو الحق في شيء، وأنه بدون سند تاريخي أو قياس زمني مقنع أو حجة ثابتة، وليت الدكتور جواد استند على استنتاج علمي أو إسناد منقول عن مؤرخين عرب لكان أهون، وأتعجب منطقيًّا أو زمنًّا كيف تكون قبيلة الحويطات من بقايا الأنباط؟ وهل كان الحويطات هؤلاء تحت الأرض في خفاء عن العالم وعن النّاس وعن المؤرخين العرب في القرون الماضية، حتى يقوم هؤلاء المستشرقون باكتشاف جذورهم في القرن الأخير؟! إن الحويطات ككيان عشائري لَمْ يظهر في دنيا العشائر إلَّا قُبيل منتصف القرن العاشر الهجري، وهذا بشهادة النسَّابة والرحَّالة واتفاق الرواة، إذن المنطق يرفض والزمن ينفي والتاريخ ينكر دعوى وأباطيل هؤلاء المستشرقين وما قد استنتجوه من وحي عقولهم، ونحن العرب لا نحتاج إلى مثل هؤلاء الغرباء كي يخوضوا في جذورنا ليُعرِّفونا إياها؛ لأنَّ أنساب العرب معروفة ومثبوت أغلبها، والذي لَمْ يثبت معروف للجميع لا يخفى على أحد منا، وإني كباحث ليس معني

стр. 75

قولي هذا أنني منغلق على المؤرخين العرب متعصب لهم، ولكن فقط أرفض أخذ رأي غير قاطع لمجرد الظن، بدون دليل حاسم أو تعليل مُقنع أو حجة تاريخية ثابتة من هؤلاء الباحثين الأجانب، علم النسب ليس حفريات تُكتشف أو آثار تظهر، وإنما هو علم مبني على روايات في المجتمع العربي بعضها دُوِّن من قبل النسَّابين القدامي، والبعض الآخر تُرك لظرف معين أو لآخَرَ، يحتاج لتمحيص طبعًا قبل أن يُدوَّن من الباحثين في مصنفات تصدر خلال هذا العصر أو في العصور القادمة. ونحن الباحثون العرب وكما قلت في مقدمة الكتاب كالبنيان المرصوص يشد بعضنا بعضًا ويكمل أحدنا الآخر، ولا حرج أن يُصحح زميل لزميله وله الثواب، فعلم النسب والتاريخ كالبحر الواسع ليس فيه كبير على أمواجه وأسراره، إذن كيف نحن العرب نُصحح لبعضنا البعض سواء الحديث للحديث أو الحديث للقديم، ثم نسير وراء هؤلاء المستشرقين الأجانب ونحن معصوبي المعينين، وكأن هذا الأجنبي هو الفطن الذكي المتعمق، إذا قال صُدِّق وإذا استنتج أصاب وإذا حلل لَمْ يعتره خطأ!؟. كلَّا وألف كلَّا … فالفطنة والذكاء والمعرفة عندنا نحن العرب إذا اتبعنا الحق واستعنا بهداية الله، ويكفي أن الله أعطانا القرآن العظيم يتعلم منا جميع البشر بلغتنا نحن، لغة القرآن الكريم لغة الضاد .. لغة الفصاحة، ولو أن العرب تنقصهم الفراسة والفطنة والذكاء ما كرَّمهم الخالق عن جميع الخلق، فالتقدير الإلهي هو شهادة ووسام نتحلى به، وكي يكون عند أي باحث أو عالم عربي الثقة أن علمه الذي وهبه الله له في أي مجال سيكون هو الأصح إن شاء الله، بشرط الإخلاص والاستعانة بملك الملوك الذي يفيض بكل خير وكل علمً مفيد للإنسانية، ومازال هؤلاء الأجانب يتلهفون وراء القرآن ليكتشفوا أسرارًا تلو أسرار تخص الحياة والكون في مختلف العلوم، فالنعمة في حوزتنا والخبرات بين أيدينا، فهيا ننهل منها وهيا لكلام الله وهيا للسير على منهاجه، سنجد النور يتلألأ في أي علم نخوض فيه فلا نشقى ولا نتعب ولا تحتار. وأعود إلى هؤلاء المستشرقين وأرد ببساطة وأوضح أن (الأنباط) قوم من الأقوام السامية في المنطقة العربية بالشرق الأوسط، وقد دثروا وتلاشوا شأنهم شأن
следующие страницы →