← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

آل هَذَّال: وهم أبناء هذال بن عبد اللَّه بن محمد العويويد، وهم في البرود في السر وفي الأثلة، وفي الدَّوادمي. ومن آل عويويد: آل محمد، وآل حمود، وآل علي، وآل إبراهيم في الأثلة وفي الدوادمي وفي الرُس، وفي الرياض، وفي نَفْي، وفي شقراء، وفي البرود، وفي الدمام. ولآل عويويد: موال يعرفون بالباهلي في عُنَيْزة والعوشزية، وهم أبناء سدَّاح مولى محمد بن حمود العويويد. وآل عُوَيْويد: هم أمراء بلدة الأثلة منذ عهد قديم حتى عهدنا، وممن تولى الإمارة منهم: ١ - محمد بن عويويد بن ردَّاس بن يعبد بن محمد بن بدران. ٢ - حمود بن محمد بن عويويد - تولى الإمارة عام ١٢٥٩ هـ في عهد الإمام فيصل. ٣ - محمد بن حمود بن محمد بن عوبويد - تولى الإمارة عام ١٢٩٠ هـ. ٤ - حمود بن محمد بن حمود بن محمد بن عويويد، تولى الإمارة في ٢٥ جمادى الأولى عام ١٣٠٣ هـ، وتوفي عام ١٣٣٧ هـ، وكان كريمًا ممدحًا قال فيه أحد شعراء عُتيبة: كَرِيْم يَانَوٍّ نَهَضْ مِنْ حَدْرَا … نَوَّ الخَرِيْفِ مُلَيِّمَ الحِيَّانُ (١) يَسْقِى غَرِيْسِ حمُود هُو والقَصْرَا … ويَحْدِّرْ عَلَى قَرَّايَةَ الضِّيْفَانْ ٥ - عبد اللَّه بن عبد الهادي بن علي بن محمد بن عويويد - عام ١٣٢٢ هـ. ٦ - فهد بن ناصر بن فهد بن محمد بن حمود بن محمد بن عويويد - تولى الإمارة بأمر من الملك عبد العزيز ﵀ في ٢٢/ ١٢/ ١٣٦٨ هـ.

стр. 8472

ومن أدباء هذه الأسرة وشعرائها: ١ - محمد بن علي بن محمد من العويويد: ولد في بلدة الأثلة، وتوفي في عيد الأضحى عام ١٣٨٦ هـ وصفه الأستاذ سعد بن جنيدل (١) بأنه كان (موسوعة) نادرة في أخبار الأسر وأشعارها حافظًا لأخبار الوقائع التاريخية وتفاصيلها، وحفظه للشعر الشعبي مضرب المثل، وكان يؤتى إليه من البلاد للرواية عنه، وكان كثير التحفظ فى رواية الأخبار فلا يتحدث إلا بما يتأكد من صحته. ٢ - ناصر بن فهد بن محمد بن عويويد. ٣ - عبد اللَّه بن عبد الهادي بن عويويد: قال عنه الأستاذ سعد بن جنيدل (٢): شاعر مجيد رصين العبارة، دقيق الوصف، ولم يحفظ من شعره إلا القليل. وفي الأسرة كثيرون ممن ينظم الشعر الشعبي لا يتسع المقام لذكرهم. آل غانم: كانوا في أشيقر، ثم إنتقلوا إلى ثَرْمداء منذ نحو ثلاثة قرون، ومنهم من نزح إلى الكويت وإلى الزُّبير، ومن استقر في القصب، وفي ثرمداء حيث يعدون من وجهاء البلدة، فقد تولى إمارة البلدة أحدهم، وهو ناصر بن حمد بن غانم، تولاها في ربيع الأول سنة ١٣٢١ هـ، بعد أن استولى الملك عبد العزيز ﵀ عليها وحبس أميرها مشاري العنقري، وتولى بعد ابن غانم عبد المحسن بن عبد اللَّه بن عثمان العنقري، ثم عبد الرحمن بن ناصر بن إبراهيم، ثم سلطان بن عبد الرحمن، ثم محمد بن عبد الرحمن. ومن مشاميرهم: عبد اللَّه بن دخيل بن محمد الغانم، ولي بيت المال قبل عهد الإمام فيصل بن تركي، ثم في عهده، وعهد ابنه عبد اللَّه. ومن شعرائهم (بالعامية): فهاد بن عبد اللَّه بن دُخَيْل الغانم وابنه إبراهيم ودُخَيْل بن محمد بن عبد اللَّه الغانم، ومحمد بن عبد اللَّه بن دخيل الغانم من

стр. 8473

أهل ثرمداء، ومحمد بن ناصر بن محمد الغانم، وابنه عبد اللَّه من أهل القصب. وانظر عفك. آل فايز: من الأسر التي هي من آل سالم، وهم من المِذْنب، وفي الرس، وفي الرياض. المديان: بلفظ جمع مَذِي - فرع من آل سند، ومِذْيَان لقب عبد اللَّه بن حسين بن محمد بن حسين بن سند بن محسن الباهلي. كان حين انتقال أبيه إلى بلدة الرس يقوم بزراعة الخضر على سواق، يسمى واحدها مَدِي (١)، وتجمع على مديان، ولكثرة ترديده كلمة المديان لقب بهذا اللقب. ومن هذه الأسر من يقيم في الرياض. آل مطرود (المطاريد): ذكر في الاستاذ سعد بن جُنَيْدل، أن مما نقل عن عبد اللَّه بن رُشَيْد الباهلي، أن المطاريد والسند (آل سند) من الصقر (آل صقر)، وأن صَقْرًا ورداسًا، جد آل عُويْويد أخوان. ولا يزال اسمه (المطرود) يطلق على أسرة تسكن في الأثْلَة وفي الرُّس وفي الطائف وفي الرياض، ولكن هؤلاء يعدون الآن فخذًا من آل سالم على ما كتب به إلى الأخوان: علي بن بطيٍّ الباهلي وسالم بن عبد اللَّه الباهلي. آل معيوف: نسبة إلى جَدهم مَعْيوف بن سعد بن يوسف بن ناصر الباهلي، على ما كتب به إلى الأستاذ سعد بن جُنَيْدل، وذكر أنه منقول عن الشيخ إبراهيم بن

стр. 8474

صالح بن عيسى -المؤرخ المعروف- ومنهم آل عبد اللطيف، الذين عنهم الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف، وأبناؤه في شقراء (١) - وتقدم ذكرهم. آل وقيان: ووُقَيَّان أخ لمَعْيُوف -على ما نقل الأستاذ- سعد بن جُنيدل عن عبد اللَّه بن رُشَيْد الباهلي، فهو ابن سعد بن يوسف بن ناصر الباهلي وآل وُقَيَّان منهم أمراء الأثلة، في أول القرن الحادي عشر، بعد نزوح باهلة إليها، والاستقرار بها (٢)، وكان أميرها حسن بن رُشَيْد الوُقَيَّان، ثم بَعْده فهد الرُّشَيْد الوُقَيَّان، ومن آل وُقَيَّان تفرع آل رشيد -تقدم ذكرهم-. آل هجرس: أبناء هِجْرس بن عبد اللَّه بن حمد من آل عقل، في الأثلة وفي الرس، وفي الدوادمي، ومن مشاهيرهم حمد بن هجرس كان إمامًا لمسجد الأثلة من عام ١٣٣٦ هـ حتى سنة ١٣٥٨ هـ حيث عين إمامًا لجامع بلدة أضاخ حتى توفى في شعبان سنة ١٤٠٥ هـ وقد عرف بالكرم ﵀. آل هدال: فرع من آل عوَيْويْدٍ -تقدم ذكرهم-. باهلة في العهد الجاهلي كان ابنا يعصر (أعصر) بن سعد بن قيس عيلان وهما غَنِيٌّ وباهلة قبيلة واحدة تجمعها دار واحدة، ثم لما أثرت القبيلة وكثرت فروعها واتسعت بلادها، افترقت إلى قبيلتين، غني وباهلة ولكن افتراقهما هذا لم يؤثر فيما بينهما من تآخ وتناصر وتعاون، بحيث كانت كلمتهما واحدة، وعدوهما واحدا، وكان أعداؤهما

стр. 8475

يطلقون على القبيلتين اسم (ابني دخان) كما في أهاجي الفرزدق والأخطل لهما، وكانتا معروفتين بـ (آل يَعْصُر) كما في قول جرير (١): وحَيَّيْ آلِ يَعْصُرَ قَدْ بَلَوْتُمْ … فَلا كُشُفُ اللِّقَاءِ وَلَا الجَنَانِ ويظهر أن قبيلة غني كانت أثرى عددًا، وأنبه ذكرًا، ولهذا فإن جبل ما ينسب إلى القبيلتين من الحوادث التي وقعت في العهد الجاهلي كان يكتفي فيه بذكر قبيلة غني، ولأن باهلة كانت تشارك أختها غنيا في حروبها فقد خفيت كثير من أخبار قبيلة باهلة، وخاصة في الوقائع التي تعرف باسم أيام العرب، ومن أمثلة ذلك ما وقع بين القبيلتين وقبيلة طيئ من عراك في العهد الجاهلي، ولولا أن الشعر القديم أشار إلى مشاركة باهلة أختها غنيا في تلك الحروب، لما عرف ذلك. وسأحاول إبراز جوانب مما قامت به هذه القبيلة في العهد الجاهلي من مصاولة بعض القبائل ومحاربتها مما يدل على ما تتصف به من شجاعة وإقدام. ومن المعروف بداهة أن التئام القبائل في العهود القديمة كان على أساس التقارب في النسب، ولا يحدث تباعد بين قبيلتين متقاربتي النسب إلا لأسباب عارضة كما قال الجاحظ (٢): إن تباغض الأقرباء عارض دخيل، وتحابهم واطد أصيل، والسلامة من ذلك أعم، والتناصر أظهر، والتصادق في المودة أكثر، فلذلك القبيلة تنزل معًا، وتحارب من ناوأها معًا، إلا الشاذ النادر، كخروج غني وباهلة من غطفان، وكنزول عَبْسٍ فى بني عامر، وما أشبه ذلك. انتهى. لقد كانت قبيلة باهلة مع غطفان التي يجمعها بها قيس عيلان، ثم انفصلت عنها لسبب نجهله، ويظهر أن صلتها يقيت في القبيلة الأم قيس عيلان، لأننا نجدها قد شاركت في يوم جَبَلة منضمة هي وغني إلى بني عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن بن قيس عيلان، بينما بعض إخوتها من غطفان مع بني تميم ضد بني عامر وذلك أن لقيط بن زرارة -سيد تميم- لما انقضت وقعة رَحْرَحان التي هزمت فيها بنو عامر بني تميم -وبين يوم رَحْرَحَان ويوم جَبَلة سنة، ويوم

стр. 8476

جَبَلة قبل الإسلام بأربعين سنة، وكانت بنو عبس يومئذ في بني عامر حلفاء، فاستعدى لقيط ببني ذُبْيَان لعداوتهم لِعبس من أجل حَرْب دَاحِس، فأجابته غطفان كلها -غير بني بدر- وكان مع بني عامر بنو عبس وغني، وباهلة، وكان رهط مُعَقِّر البارقي يومئذ في بني نمير بن عامر، وكانت قبائل بجيلة كلهم فيهم غير قَسْر (١)، وقد صارت الهزيمة على تميم فقتل لقيط رئيس القوم، وقتل آخرون من مشاهيرهم، وأسر حاجب بن زرارة -أخو لقيط- ويظهر أن لباهلة في تلك الوقعة مقامًا محمودًا، فقد بقي حاجب أسيرًا عندهم كما يفهم من قول جرير: وَيَوْمَ الشِّعْبِ قَدْ تَرَكُوا لَقِيْطًا … كَأنَّ عَلَيه خَمْلة أَرْجُوَانِ وَكُبِّلَ حَاجِبٌ بِشَمَامَ حَوْلا … فَحَكَّم ذَا الرُّقَيْبَةِ وَهْوَ عَانِي وشَمَامُ جبل باهلة المشهور في بلادها، المطل على هجرة (عَرْوا) وحرفت العامة اسمه من (ابني شمام) إلى (أذني شمال) كما حرفوا اسم (أسنان بلالة) وهي شناخيب بارزة من العَرَمة بين الرياض وبين الخرج فسموها (ثنايا بلال). وتقدمت الإشارة إلى أن أخبار العرب قبل الإسلام لم يدون منها إلا اليسير؛ ولهذا يرد في الشعر ذكر حوادث لا يجد الباحث تفصيلا لها فيما بين يديه من المؤلفات. ومما ورد فيه افتخار الباهليين بانتصاراتهم على أعدائهم في الحروب في أيام منها: ١ - أرمام: وتقدم أنه في بلاد باهلة في جنوبها - كما سبق ذكره في الكلام على بلاد باهلة في رسمه ورسم (بدر). ٢ - ساجر: والموضع لا يزال معروفًا، وقد أصبح منذ عشر الأربعين من القرن الماضي هجرة مسكونة. ٣ - سِلَّى: وقد قرن بالموضع الذي قبله مما يدل على تقارب الموضعين، ويؤيد هذا أن صاحب كتاب "بلاد العرب" قال في الكلام على بلاد ضَبَّة (٢): ثم في رملة يقال لها جراد ماءة يقال لها الربَّاء. . وسلى وساجر لأخلاط ضَبَّة.

стр. 8477

وَرَمْلة جُراد تعوف الآن باسم (نفود السر) وساجِر غرب هذا غير بعيد، ولا أستبعد أن تكون سلى هي الروضة التي تعرف الآن باسم (أم هِلِّي) بتحريف سِلَّى. ٤ - العَقِيق: وقد يكون عقيق بني عُقيل (وادي الدواسر) أقرب الأعِقَّة إلى بلاد باهلة، ولباهلة صلة بأهله من عُقَيْل. ٥ - الكوم: ورد ذكره في شعر ابن زغبة وأنه بين باهلة وبين بني الحارث ومراد وخثعم فهو بقرب بلاد هؤلاء. هي أيام ورد ذكرها في أشعارهم في مقام الافتخار، إلا أن تفصيل أخبارها مما لم تتضمنه المؤلفات المعروفة الآن. ثم كانت باهلة فى بني كعب، وغني في بني كلاب (١)، ولا نعرف متى انضوت باهلة إلى بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ولكن مما لا شك فيه أن فروع بني كعب كانت تجاور باهلة في منارلها، بل قد تختلط معها في بعض الأمكنة كما تقدمت الإشارة عند ذكر بلاد باهلة، لقد كان بنو العجلان ابن عبد اللَّه بن كعب يشاركون باهلة في القعقاع، ويجاورونها في عَمَاية، وكذلك إخوتهم نهم -وهم بنو عبد اللَّه بن كعب- وكانت قُشَيْر بن كعب تشترك هي وباهلة في فلاة حائل الواسعة، الواقعة شرق عرض باهلة، جنوب غرب بلاد المَرُّوت، ويشاركهم فيها بنو نُمَير، وكانت قُشَيْرُ أيضًا تحل الريب (الرين) المنطقة الواقعة شرق عرض باهلة، والتي تفضي إليها سيول العرض، كما أنها كانت تنتشر شرق هذه البلاد في رملة الوركة (الميركة) إلى المجَازة (حوطة بني تميم) وتنتشر مع إخوتها بنو جعدة في الفلج (الأفلاج) إلى المجازة (٢). حمية ونجدة كانت العرب في الجاهلية على درجة من التماسك والتواصل، بحسب التقارب في النسب، وقد يحدث بين فرعي القبيلة الواحدة خلاف يجر إلى

стр. 8478

حرب، ويسبب عداوة بين الفرعين، ولكن تلك العداوة سرعان ما تزول إذا اعتدى عدو بعيد على قبيلة أخرى فإن ذينك الفرعين ينضمان معًا لمؤازرة القبيلة التي يجمعهما بها النسب، وهكذا يتسع التناصر والتعاون كل ما كان العدو بعيدًا. ومن أمثلة ما اتصفت به هذه القبيلة من نجدة وحمية أن قبائل اليمن حينما علمت بأن قبيلة بني تميم قد قتل كثير من رجالها في وقعة الصفقة -صفقة باب المشقر- الحصن الذي كان في هجر (الأحساء) أرادت تلك القبائل أن تستغل ضعف بني تميم، وأن تغير على أموالها حين قل المدافعون عنها، فماذا كان موقف قبيلة باهلة من مؤازرة هذه القبيلة التي تجمعها بها في النسب (المضرية) ضد قبائل اليمن؟ قدم رجل من بني قيس بن ثعلبة من ربيعة على بني الحارث بن كعب في نجران، فسألوه عن الناس، فأخبرهم بأن بني تميم قتلت المقاتلة منهم، وبقيت أموالهم وذراريهم في مساكنهم، لا مانع لها، فاجتمعوا في عسكر عظيم بلغ ثمانية آلاف، لا يعلم في الجاهلية جيش أكثر منه، ومن جيش كسرى بذي قار ومن يوم جَبَلة (١). ويظهر أن بني تميم اتخذوا للأمر أهبته، واحتاطوا من مفاجأة العدو، فارتحلوا من مكان يسهل عليه اجتياحهم، كما في صَحَاري الدهناء والصَّمَّان المكشوفة أمام المهاجمين، إذ لا جبال فيها فانتقلوا إلى العالية بعد أن أنزلوا بني حنظلة بن مالك منهم في الدَّهناء، وبني سعد والرباب في الكلاب، لكي يقوم هؤلاء بحماية الطريق، وكانت بلاد باهلة واقعة في طريق الجيش القادم من نجران وما حوله، فمضى الجيش حتى إذا كان ببلاد باهلة قال جزء بن جزء بن جزء الباهلي لابنه (٢): يا بني هل لك في أكرومة لا يصاب أبدًا مثلها؟ قال: وما ذاك؟ قال: هذا الحي من تميم قد ولجوا هناك مخافة، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم، فاركب جملي الأرحبي، وسر رويدًا رويدًا عقبة من الليل -يعني ساعة- ثم حل عنه حبليه وأنخه، وتوسد ذراعه، فإذا سمعته قد أفاض بجرته وبال

стр. 8479

فاستنقعت ثفَناتُه في بوله فشد عليه حبله، ثم ضع السوط عليه، فإنك لا تسأل جملك شيئًا من السير إلا أعطاك، حتى تصبِّح القوم. ففعل ما أمره به. قال الباهلي: فحللت بالكُلاب قبل الجيش وأنا انظر إلى ابن ذكاء -يعني الصبح- فناديت: يا صباحاه، فإنهم ليثبون إلى ليسألوني من أنت؟ إذ أقبل رجل منهم من بني شقيق على مهر كان في النعم، فنادى: يا صباحاه قد أتى على النعم!! ثم كر راجعًا نحو الجيش، فلقيه عبد يغوث الحارثي وهو أول الرعيل، فطعنه في رأس معدته فسبق اللبن الدم، وكان قد اصطبح فقال عبد يغوث: أطيعوني وامضوا بالنعم، وخلوا العجائز من تميم ساقطة أفواهها. قالوا: أما دون أن تنكح بناتهم فلا. تجالد الجمعان، وتلاقى الفرسان فكان النصر لبني تميم بعد أن قتل بعض فرسانهم، وشغلت مَذْحِج ومن معها بانتهاب النعم. وكان على رأس المأسورين عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي رئيس مَذْحِج الذي قتل بالنعمان بن مالك أحد رؤساء بني تميم المقتولين في أول المعركة، وعبد يغوث هو صاحب القصيدة التي تعد من عيون الشعر، فيحسن إيرادها (١): -دَرْءا لدفع السأم من الاسترسال في البحث-: أَلا لا تَلُوْمَاني، كَفَى اللَّوْمَ مَا بِيَا … فَمَالَكُمَا فِي اللَّوْمِ نَفعٌ وَلا لِيَا أَلَمْ تَعْلَمَا أنَّ المَلامةَ نَفْعُهَا … قَلِيلٌ وَمَا لَوْمِي أَخًا منْ شمَالِيَا فَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ … نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلا تَلاقِيَا أبَا كُرَبٍ والأيْهَمَيْنِ كَلِيْهِمَا … وَقَيْسًا بِأَعْلَى حَضْرَمَوْتَ اليَمَانِيَا أَقُولُ وَقَدْ شَدُّوا لِسَانِي بِنِسْعَةٍ: … مَعَاشِرَ تَيْمٍ أَطْلِقُوا مِنْ لِسَانِيَا كَأنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا وَلَمْ أَقُلْ … لخَيْلِيَ كُرِّيْ كَرَّةً مِنْ وَرَاِئِيَا وَلَمْ أَسْبَإِ الزِّقَّ الرَّويَّ وَلَمْ أَقُلْ … لأَيْسَارِ صِدْقٍ عَظِّمُوا ضَوْءَ نَارِيَا وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِيْ مُلَيْكَةُ أَنَّنِي … أَنَا اللَّيْثُ مَعْدُوّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا

стр. 8480

لحَى اللَّه قَوْمًا بِالكُلابِ شَهِدتُّهُمْ … صَمِيْمَهُمُ والتَّابِعينَ المَوَالِيَا وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي مِنَ القَوْم شطبَةٌ … تَرَى خَلْفَهَا الكُمْتُ العِتَاقُ تَوَالِيَا وَكُنْتُ إِذَا مَا الخَيْلُ شَمَّصَهَا القَنَا … لَبِيْقًا بِتَصْرِيْفِ القَنَاةِ بَنَانِيَا فَيَا عَاصِ فُكَّ القَيْد عَنِّي فَإنَّنِي … صَبُورٌ عَلَى مَرِّ الحَوَادِثِ نَاكِيَا فَإِنْ تَقْتُلُونِي تَقْتُلُوا بِيَ سَيِّدَا … وَإِنْ تُطلِقُونِي تُحْرِبُونِيَ مَالِيَا وقد حدثت الوقعة في وادي الكلاب، وهو وادٍ في عالية نجد، يرى بعض الباحثين أنه هو وادي الشَّعْرَاء المنحدر من نَهْلان، لقربه من حُذنَّة ومُجَيْراتٍ، هي قُوْرٌ ورد ذكرها في خبر يوم الكلاب في شعر محرز بن المُكَعْبر الضَّبِّي حيث قال: ظَلَّتْ ضِبَاعُ مُجَيْرَات يَلُذْنَ بِهِمْ … وأَلْحَمُوهُنَّ مِنْهُمْ أَيَّ إلْحَامِ سارُوا إلينَا وهُمْ صِيدٌ رُؤُوسُهُمُ … فَقَدْ جَعَلنَا لَهُمْ يوْمًا كأيَّامِ حَتَّى حُذُنَّةُ لَمْ نَتْرُكْ بِهَا ضَبُعَا … إِلا لَهَا جَزَرٌ مِنْ شِلْوِ مِقْدَامِ ولكن قول لبيد: لاقَى الكُلابُ البَدِيَّ فَاعْتَلَجَا … سَيْلُ أَتِيَّيْهِمَا لِمَنْ غلبَا فَدَعْدَعَا سُرَّة الرَّكَاءِ كَمَا … دَعْدَعَ سَاقِي الأَعَاجِمِ الغَرَبَا يدل على أن وادي الكلاب يفيض سيله في وادي السرة، وليس كذلك وادي الشعراء. لهذا فليس من المستبعد أن يكون وادي الكلاب هو ما يعرف الآن باسم وادي عُصَيْل. ويلاحظ أن هذه الوقعة هي يوم الكلاب الثاني، وهناك يوم الكلاب الأول، وقع بين شُرَحْبِيل وسلمة ابني الحارث بن عمرو الكندي في حدود العراق.

стр. 8481

موقف آخر . . وشبيه بموقف باهلة من تميم في يوم الكُلاب ما جرى من قبيلة غَنِيٍّ في إنْجَاد بني ضبة حين أخذ النعمان بن المنذر إبل أحدهم، ويظهر أن باهلة مع غنيّ، إذ القبيلتان كانتا في العهد الجاهلي متحدتين، قال الأصمعي (١): خرج النعمان بن المنذر -وكان كسرى عمله على العرب- فمر على إبل لسنان بن عائذ الضبي من بني عبس بن ضبيب، فقال: ما رأيت كاليوم إبلا ليست لملك، وكانت العرب إذا بلغت إبل الرجل ألفًا فقأ عين جمل منها، فأمر بها فاستيقت فأتى غنيًا الصريخ وهم بالرخيمة بين سلمى وَرَمَّان، فجاءت غني حتى ردتها وأخذوا إبلا للملك واستاقوها، وكانت تعرف في إبلهم حتى جاء الإسلام، فقال طفيل في هذه القصة قصيدته التي مطلعها (٢): أَبَيْتَ اللَّعِنَ والرَّاعِي مَتَى مَا … يَضِعْ تَكُنِ الرَّعَيَّةُ لِلذِّئابِ فَيُصْبِح مالُه فَرْسَى ويُفرش … إلى ما كان من ظفرٍ ونَابِ ولباهلة موقف مشرف شبيه بموقفها مع بني تميم، افتخر به شاعرها ابن أحمر حين قال (٣): ومَا الَّذي يَحْمِي بِمُهْجَةِ نَفْسِهِ … بِبَنِي عَامِرٍ يَوْمَ المُلُوك القَمَاقِمِ فَوَرَّطهُمْ وَسطَ البَيَاضِ كَأَنَّهُمْ … عَلَى الشَّرَفِ الأَقْصى الضِّراءُ اللَّوازمِ (٣) وأوضح الخبر البكري فيما أورده في "معجم ما استعجم" قال: وجاء قوم من أهل اليمن يطلبون بني عامر، فقال رجل من بني صَحْب وهم من باهلة: تعالوا أدلكم عليهم، فركب بهم هذه الفلاة حتى مات، وماتوا. انتهى. ويظهر من شعر ابن أحمر أن أولئك الغزاة كانوا ملوكًا، ومن عادة ملوك اليمن محاولة بسط نفوذهم على العدنانيين، وأقرب من يلي بلادهم بنو عامر، ويظهر أن الباهلي التقى بهم في حدود منازل القبائل اليمنية من مَذْحِج، على

стр. 8482

مقربة من أسافل وادي الدواسر (العَقِيق قديمًا) فشرَّق بهم في صحراء البياض الواقعة بين مرتفعات جبل طُوَيْق (عارض اليمامة) وبين رمال صَيْهَد (الربع الخالي) حتى توغلوا في الرمال فضلوا سبيلهم فهلكوا. مع القبائل اليمنية وبين القبائل العدنانية بوجه عام وبين قبائل اليمن حروب وغارات كثيرة، ولكن المحفوظ منها كغيرها عن أخبار الجاهلية قليل. ولا يعني الباحث هنا إلا ما له صلة بقبيلة باهلة. باهلة ومذحج قال عبد اللَّه بن حمزة في قصيدة "ذات الفروع" (١) في ذكر مفاخر قيس: وَفِي مَذْحِجٍ مِنْهُمْ وَقَائِعُ لَمْ يَزَلْ … لَهَا نَدَبٌ دَامٍ وآخَرُ يَحْلِبُ وَفِي مَذْحِجٍ منْ يَعْصُرِ ابْنَةِ يَعْصُرِ … قَتِيْلٌ وَمأَسُوْرٌ لَدَيْهِمْ مُكَلَّبُ أغارت مُذْحِجُ في الجاهلية على باهلة فهزمتهم باهلة، قال الباهلى في ذلك: وَنَهْديَّةٍ شَمْطَاءَ أَوْ حَارِثِيَّةٍ … تُؤَمِّل يُهْنَا مِنْ بَيْنِهَا بَعِيْرُهَا تَوَاتَعُ أَثْنَاءَ الحَنِيْنِ فَرَاعَهَا بَوَادِرُ … خَيْلٍ لَمْ يُدَرَّعْ بَشِيْرُهَا فَآبَتْ إِلَى تَثْلِيثَ تَدْمَعُ عَيْنُهَا … وَعَادَ عَلَيْهَا صَمْغُهَا وَبَرَيْرُهَا انتهى كلام ابن حمزة. وهذه الأبيات التي أوردها من قصيدة لمالك بن رُغْبة مذكورة في ترجمته، وقد أشار إلى تلك الحرب أبو محمد الأسود الأعرابي في كتابه "فرحة الأديب" (٢) بما هذا نصه: قال ابن السيرافي: قالت بنت أبي الحصين من مَذْحِج:

стр. 8483

إنَّا وَبَاهِلَةَ بْنَ يَعْصُرَ بَيْنَنَا … دَاءُ الضَّرَائِرِ بُغْضَةً وتَقَافِي مَنْ يُثقَفَنْ مِنَّا فَلَيْسَ بِآيبٍ … أَبَدًا وَقَتْلُ بَنِي قُتَيْبَةَ شَافِي قال: قالت هذه الأبيات في حرب بينهم وبين باهلة. قال س (١): هذا موضع المثل: هَيْهَاتَ تَطلُبُ شَيْئًا لَسْتَ مُدْرِكَهُ … مَن لِلأَصَمِّ بِصَوْتِ البَمِّ والزِّيْرِ؟ هيهات أن ينتفع المستفيد مما ذكره ابن السيرافي في هذا الشعر بشيء. ليس هذا الشعر لبنت أبي الحصين من مَذْحِج، وإنما هو لابنة مرة بن عاهان، قالته حين قتلت باهلة أباها بأرمام، وهو: إنَّا وَبَاهِلَةَ بْنَ يَعْصُرَ بَيْنَنَا … دَاءُ الضَّرَائِر بُغْضَةً وَتَقَافِي مَنْ يَثْقَفُوا مِنَّا فَلَيْسَ بِوَائِلٍ … أَبَدًا وقَتْلُ بَنِي قُتَيْبَةَ شَافِي ذَهَبَتْ قُتَيْبَةُ فِي اللِّقَاءِ بِفَارِسٍ … لا طَائِشٌ رَعِشٌ وَلا وَقَّافِ ويفهم مما تقدم أن الوقعة حدثت في موضع يدعى (أرمام)، وقد جاء في "خزانة الأدب" (٢): كان المنتشر رئيسًا فارسًا، وكان رئيس الأبناء يوم أرمام، وهو أحد يومي مضر في اليمن، كان يومًا عظيمًا قتل فيه مرة بين عاهان وصلاءة بن العنبر والجموح ومعارك، واسم (أرمام) يطلق على موضعين: أحدهما في بلاد باهلة بقرب وادي الركاء، على مقربة من وادي السُّرة وجبل يذبل (صَبْحا الآن) ولعله هو المذكور في الوقعة لتوسطه بين بلاد القبائل اليمنية، والقبائل المضرية. أما الموضع الثاني فيقع في شمال القصيم وهو وادٍ من روافد وادي الرمة الشمالية ومن المستبعد أن تكون الوقعة حدثت فيه.

стр. 8484

وتحسن الإشارة إلى أن مرة بن عاهان الوارد في الخبر كان قتله المنتشر بن وهب الباهلي ومُرَّة من بني الحارث بن كعب على ما جاء في "خزانة الأدب" (١) فقد ذكر أن الأبيات الثلاثة: رواها أبو عبد اللَّه محمد بن عمران المرزباني في كتاب "أشعار النساء"، قال: كتب إلى أحمد بن عبد العزيز قال: أخبرنا عمر بن شَبَّة قال: قالت بنت مرة بن عاهان أبي الحصين لما قتلته باهلة: إِنَّا وَبَاهِلَةَ بْنَ أَعْصُر ثم أورد الأبيات، وقال بعدها: ومرة بن عاهان بن الشيطان بن أبي ربيعة ابن خيثمة بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب، أحد قبائل اليمن، وكان عاهان شريفًا عظيمًا بينهم، ويقال له: هاعان أيضًا، وهو جاهلي قديم. ومعروف أن قبيلة بني الحارث بن كعب من مَذْحِج، وكانوا يسكنون نجران، وما حوله، ولا يزال لهم فيه بقية، وقد حالفت بنو الحارث مَذْحِج، و (مَذْحِج) هم المعرفون الآن باسم (قحطان) جنوب شرق بلاد عسير. وأورد صاحب "الخزانة" (٢) أيضًا عن المرزباني في كتاب "أشعار النساء" (٣) بالسند إلى أبي عُبيدة، قال: كان المتتشر بين وهب الباهلي يُغاور أهل اليمن، فقتل مرة بن عاهان الحارثي فقالت نائحته: يَا عَيْنُ بَكِّي لِمُرَّةَ بنِ عَاهَانَا … لَوْ كَانَ قَاتِلُهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ كَانَا لَوْ كَانَ قَاتِلُهُ قَوْمًا ذَوِي حَسَبٍ … لَكِنَّ قَاتِلَهُ بَهْلُ بْنُ بَهْلانَا قال أبو عبيدة: ما هجوا بمثله، لأنها صغرت بهم، وأنما أرادت باهلة. انتهى ومعروف أن أبا عبيدة هو مؤلف كتاب "مثالب باهلة" فلا يستكثر منه هذأ القول، وقد يكون هذا القول عن كتابه؛ وهجاء باهلة هذا من قبيل (أوسعتهم ذَمّا وأودوا بالإبل).

стр. 8485

ويظهر أن الإغارات بين باهلة ومذحج بسبب تقارب القبيلتين فى المنازل قد تكررت، فقد ذكر المبرد في كتاب "الكامل" (١) في خبر المنتشر بن وهب الباهلي أنه أسر صلاة بن العنبر الحارثي، فقال: افتد نفسك. فأبى، فقال: لأقطعنك أنملة أنملة، وعضوا عضوًا ما لم تفتد نفسك. فجعل يفعل ذلك به حتى قتله، ثم حج من بعد ذلك المنتشر ذا الخلصة - وهو بيت كانت خثعم تحجه، زعم أبو عبيدة أنه بالعَبَلات (٢)، وأنه مسجد جامعها، فدلت عليه بنو نُفَيْل بن عَمْرو بن كلاب الحارثيين، فقبضوا عليه، فقالوا: لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة، ففعلوا ذلك به، فألقى راكب أعشى باهلة، فقال له أعْشى باهلة: هل من جائبة خبر؟ قال: نعم، أسرت بنو الحارث المنتشر، وكانت بنو الحارث تسمى المنتشر مُجَذِّعا، فلما صار في أيديهم قالوا: لنقطعنَّك كما فعلت بصلاءة، فقال أعشى باهلة يرثى المنتشر: إِنِّي أَتَتْنِي لِسَانٌ لا أُسَرُّ بِهَا … مِنْ عَلُ لا عَجَبٌ مِنْهَا وَلا سَخَرُ وأنشد الأصمعيُّ للحارثية ترثى من قتل من قومها في يوم كان لباهلة على بني الحارث ومراد وخَثْعَم (٣): شَقِيقٌ وَحَرمِيٌّ أَرَاقَا دِمَاءَنَا … وَفَارِسُ هَدَّاجٍ أَشَابَ النَّوَاصِيَا أرادت بشقيق وحرمي شقيق بن جزء بن رياح الباهلي، وحرمي بن ضمرة النهشلي. فهل كان لباهلة يوم -أو أيام غير يوم قتل عاهان- على القبائل الثلاث المذكورة؟ ولصلة خير ذلك اليوم بالمنتشر الفاتك الباهلي الذي كان كثير الغارة على اليمانيين يحسن الرجوع إلى ترجمته مع الأعيان. ومن أيام باهلة على اليمانيين يوم الكوم، وهو يوم افتخر به جزء بن رِيَاح الباهلي، فقال: من قصيدة أوردها الأخفش الصغير في كتاب "الاختيارين" قال (٤):

стр. 8486

أَلا زَعَمَتْ عَلاقَةُ أَنَّ سَيْفِي … يُفَلِّلُ غَرْبَهُ الرَّأْسُ الحَلِيقُ فَلَوْ شَهِدَتْ غَدَاةَ الكُوْمِ قَالَتْ: … هُوَ العَضْبُ المُهَذْرِبَةُ العَتِيقُ وقال في شرح البيت الأخير: الكوم: يوم كان لباهلة على بلحارث ومراد وخَثْعم. انتهى. وكان صاحب جيش بلحارث يوم الكوم هو أبو طلق، قال فيه الشاعر: يَسُوقُهُمُ أَبُو طَلْقٍ إِلَيْنَا … وَمَا يَدْرِي وَربِّكَ مَا يَسُوقُ ثم وصف في هذه القصيدة المعركة، وذكر بعض من قتله من الأعداء، وليس في المستطاع تفصيل ما وقع بين الفريقين إلا أن الغلب كان لباهلة كما يظهر من سياق القصيدة. باهلة وطيئ نقل صاحب "الأغاني" (١) عن أبي عمرو الشيباني والطوسي فيما روياه عن الأصمعي وأبي عبيدة أن رجلا من غني يقال له: قيس الندامى، وفد على بعض الملوك، وكان قيس سيدًا جوادًا، فلما حفل المجلس أقبل الملك على من حضره من وفود العرب فقال: لأضعن تاجي هذا على رأس أكرم رجل من العرب. فوضعه على رأس قيس. وأعطاه ما شاء ونادمه مدة، ثم أذن له في الانصراف إلى بلده، فلما قرب من بلاد طيئ خرجوا إليه وهم لا يعرفونه فلقوه برَمَّان (٢)، فقتلوه، فلما علموا أنه قيس، ندموا لأياد له كانت فيهم، فدفنوه بِرَمَّان، وبنوا عليه بيتًا ثم إن طفيلا جمع جموعًا من قيس فأغار على طيئ؛ فاستاق من مواشيهم ما شاء، وقتل منهم قتلى كثيرة، وكانت هذه الوقعة بين الْقَنَانِ وشرقي سَلْمَى، فذلك قول طفيل في هذه القصيدة: فَذُوقُوا كَمَا ذُقْنَا غَدَاةَ مُحَجَّرٍ … مِنَ الغَيظِ فِي أَكْبَادِنَا وَالتَّحَوُّبِ فَبِالْقَتْل قَتْلٌ والسَّوَامُ بِمِثْلِهِ … وبَالشِّلِّ شَلُّ الغَائِطَ المُتَصَوِّبِ

стр. 8487

هذا نص ما ذكره الأصفهاني، وليس فيه إشارة إلى قبيلة باهلة، إذ شهرة غني فيما يظهر طغت على أخها باهلة، ولكن إذا رجعنا إلى الشعر العربي القديم وجدنا ما يدل على أن قبيلة باهلة كانت قد شاركت أختها في هذه الحروب، فزيد الخيل يقول في قصيدة له: فَخَيْبَةُ مَنْ يُغِيرُ عَلَى غَنِيٍّ … وبَاهِلَةَ بْنِ أَعْصُرَ وَالرِّكَابِ وَأدَّى الغُنْمَ مَنْ أَدَّى قُشَيرًا … وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَسْرَى كِلابِ وقد أجابه طفيل الغنويُّ فقال (١): سَمَوْنَا بالجِيَادِ إِلَى أَعَادٍ … مُغَاوَرَةُ بَجِدٍّ واعْتصَابِ نؤمهم عَلى رعب وَشحط … بِقُوْد يَطَّلِعْنَ مِنَ النِّقَابِ طِوَالُ السَّاعدَيْنِ نَهزُّ لُدْنًا … يَلُوْحُ سِنَانُهُ مِثْلُ الشِّهَابِ وَلَوْ خِفْنَاكَ مَا كُنَّا بِضَعْفٍ … بِذي خُشُبٍ نُعَزِّبُ والْكُلابِ وقَتَّلْنَا سَرَاتَهُمُ جهَارًا … وَجِئْنَا بِالسَّبَايا والنِّهَابِ سَبَايَا طَيِّء مِنْ كُلِّ حَيٍّ … بِمَنْ فِي الفَرْعِ مِنْهَا وَالنِّصَابِ وما كانتْ بَنَاتُهُمُ سَبِيّا … وَلا رُغبًا يُعَدُّ مِنَ الرِّغَابِ وقال الأصمعي (٢): كان غَنِيُّ قد أغارت على طيئ بعد وقعة محجر ودخلوا سَلْمى وأجَأ -وهما من جبال طيئ- وسبوا سبايا كثيرة، فقال طفيل في ذلك من قصيدة طويلة: قَبَائِلُ مِنْ فَرْعَي غَنِيٍّ تَوَاهَقَتْ … بِهَا الخَيْلُ لا عُزْلٌ ولا مُتَأَشَّبِ أَلا هَلْ أتى أهل الحِجَازِ مُغَارُنَا … على حَيٍّ ورْدٍ وابن رَيَّا المُضَربِ جَلَبْنَا مِنَ الأَعْرَافِ أَعْرَافِ غَمْرَةٍ … وأَعْرَافِ لُبْنَى الخَيْلَ يَا بُعْدَ مَجْلَبِ بَنَاتِ الغُرَابِ والوَجِيهِ وَلاحِقٍ … وأَعْوَجَ تَنْمِي نِسْبَةَ المُتَنَسِّبِ

стр. 8488

وِرَادًا وَحُوّا مُشْرِفًا حَجَبَاتُهَا … بضنَاتِ حِصَانٍ قَدْ تُعُوْلِمَ مُنْجِبِ وَكُمْتًا مُدَمَّاةً كَأنَّ مُتُونَهَا … جَرَى فَوْقَهَا واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ فَلَمَّا بَدَا حَزْمُ القَنَانِ وَصَارَةٌ … وَوَازَنَّ مِنْ شَرْقيِّ سَلْمَى بِمَنْكِبِ أَنْخْنَا فَسُمْنَاهَا التِّطَافَ فَشَارِبٌ … قَلِيلًا وآبٍ صَدَّ عَنْ كُلِّ مَشْرَبِ يُرَادِي عَلَى فَأسِ اللِّجَامِ كَأنَّمَا … يُرَادي به مِرْقَاةُ جِذْعٍ مُشَذَّبِ وَشَدَّ العَضَاريطُ الرِّحَالَ وَأُسْلِمَتْ … إِلَى كُلِّ مِغْوارِ الضُّحَى مُتَلَبِّبِ فَلَمْ يَرَهَا الرَّاؤُونَ إلا فُجاءَةً … بِوَادٍ تَنَاصِيهِ العِضَاةُ مُصَوَّبِ ضَوَابِعُ تَنْوِي بَيْضَةَ الحَيِّ بَعْدَمَا … أَذَاعَتْ بِريعَانِ السَّوَامِ المُعَزَّبِ رآى مُجْتنُو الكُرَّاثِ مِنْ رَمْلِ عَالِجٍ … رَعَالًا مَطَتْ مِنْ أَهْلِ شَرْجٍ وتُنْضُبِ فَأَلْوَتْ بَغَايَاهُم بِنَا وَتَبَاشَرَتْ … إِلَى عُرْضِ جَيْشٍ غَيْرَ أَنْ لَمْ يُكُتَّبِ فَقَالُوا: أَلا مَا هَاؤُلاء وقَدْ بَدَتْ … سَوَابِقُهَا فِي سَاطِعِ مُتَنَصِّبِ فَقَالَ بَصيرُ يَسْتبِينُ رِعَالَهَا … هُمُ وَالإلهِ مَنْ تَخَافِينَ فَاذْهَبِي فَذُوْقُوا كما ذُقْنَا غَدَاةَ مُحَجَّرِ … من الغيظ فِي أَجوافِنَا والتَّحَوُّبِ أَبَأنَا بِقَتْلانَا مِنَ القَوْمِ مِثْلَهُمْ … وَمَنْ لا يُعَدُّ منْ أَسِيرٍ مُكَلَّبِ نُخَوِّي صُدُور المشْرَفِيَّة منْهُمُ … وكُلَّ شُرَاعِيِّ مِنَ الهِنْدِ شَرْعَبِ بِضَرْبٍ يُزِيلُ الهَامَ عَنْ سَكَنَاتِهِ … وَيَنْقَعُ مِنْ هَامِ الرِّجَالِ بِمَشْرَبِ فَبِالقَتْلِ قَتْلٌ والسَّوَامِ بمِثْلِهِ … وبالشَّلِّ شَلُّ الغائطِ المُتَصَوَّبِ وَجَمَّعْنَ خَيْطًا مِن رِعَاءٍ أَفَأَنَّهُمْ … وَأَسْقَطْنَ مِنْ أَقْفَائِهِمْ كُلَّ مِحْلَبِ فَرُحْنَ يُبَارينَ النِّهَابَ عَشِيَّةً … مُقلَّدةً أَرَسَانهَا غَيْرَ خُيَّبِ لابد أن زيد الخيل حين وصف من يغير على قبيلتي غني وباهلة بالخيبة، قد أحس بأحد أمرين: إما أن تكون القبيلتان على درجة من القوة والشجاعة، بحيث يخيب من يغير عليهما، أو أن أموال القبيلتين محرزة محمية، كالحال في الغالب من مال باهلة، إذ هي قبيلة متحضرة يقل عندها النعم، وتكثر العقارات كالآبار

стр. 8489

والنخيل والبساتين والمعادن، كما هو الحال في بلاد باهلة، وأيّا كان فشعر زيد يحتمل المدح والهجاء، وهو في الوقت نفسه صادر من ند، يغاور القبيلة ويحاربها، فليس عجيبًا ولا غريبًا أن يهجوها، وليكن ذلك ما دامت تأخذ حقها وتحمي حماها، فليهجها من يهجوها، وأكثر من يهجي الأقوياء (أَوْسَعتُهم ذمًا وأودوا بالإبل). بل إن زيدًا -عفا اللَّه عنه- لم يتورع من هجو قومه فضلا عن أعدائه فقد قال (١): لَوْ كنْتُ أَنْهَضُ فِي مُلَمْلَمة … شُمَّ المَفَاخِر مِنْ بَنِي قُرْطِ أو مِنْ بَنِي شَكَل الَّذِينَ هُمُ … مَنَعُوا الحَرِيْمَ بأذْرُعٍ شَمْطِ (٢) لكنَّمَا قَوْمِي هُمُ خَذَفٌ … يَرْغَبْنَ فِي أَشِبٍ مِنَ الخَمْطِ فجعل قومه جِدَاء صغارًا (خَذَفًا) همها ملء بطونها من الخمط. إن أبيات طفيل في الإغارة على طيئ بعد وقعة مُحَجَّر وقعت من فرعي غني ولعله أرد أن يقول فرعي (أعْصُر) فلم يستقم له الوزن، إذ ليس من المعقول أن تغير قبيلة غني على طيئ وحدها، في عقر دارها المحصنة، ولا تهبّ أختها باهلة لنصرتها، كيف لا وهي على ما يفهم من شعر زيد الخيل بينها وبين طيئ غارات. وهناك نص صريح على مشاركة باهلة في هذه الغارة، فصاحب "الأغاني" (٣) في الكلام على شعر لطفيل الغنوي من هذه القصيدة قال ما نصه: والذي عندي أنه لطفيل الغنوي، قاله في ابن زيد (٤) الخيل أغار على بني عامر فأصاب في كلاب، وبني كعب واستحر القتل في غني بن أعصر، ومالك بن أعْصر -وأعصر هو الدخان ولذلك قيل لهما أبنا دخان- وكانت غني مع بني عامر في دارهم، موالي لنمير، وكان فيهم فرسان وشعراء، ثم إن غنيا أغارت على طيئ وعليهم سيَّار بن هُرَيْم فقال في ذلك قصيدته الطويلة (٥): وَبِالْقَفْرِ دَارٌ مِنْ جَمِيلَةَ هَيَّجَتْ … سَوَالِفَ شَوْقٍ فِي فُؤَادِكَ مُنْصِبِ

стр. 8490

باهلة مع بعض القبائل العدنانية مع قبائل ربيعة: ومعروف ما كان قديمًا بين المُضَريينَ والرَّبعَيِّين عن إحن وحروب، استمرت إلى ما بعد ظهور الإسلام، ممثلة فيما جرى بين بني تميم وبني بكر وائل، في يومي النَّبَاجِ وثَيْل (قرية العليا) و (قرية السفلى) في شرق الجزيرة. ولكن مما يثير الدهشة والاستغراب ما جرى بين قبيلة باهلة وبين بعض قبائل ربيعة بعد أن انتقلت إلى شرق الجزيرة، فأصبحت بلادها بعيدة عن بلاد باهلة، فكانت هذه القبيلة تغير على الربعيين، وتحدث فيهم عن النكايات ما يقف الباحث أمامه حائرًا، كيف يتصور أن تلك القبيلة القليلة العدد تحدث منها تلك الأفعال كأسر النَّوار بنت عمرو بن كلثوم الفاتك المشهور الذي كانت قبيلته تعد من أشد الناس في الجاهلية ويقول عنها أحدهم: لو أبطأ الإسلام قليلا لأكلت بنو تغلب الناس (١). ويتبجح عَمْرو من قصيدته المشهورة فيقول: ألا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا … فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا ويقول: وَأَنَّا المُنْعِمُوْنَ إِذَا قَدِرْنَا … وَأَنَّا المُهْلِكُونَ إِذَا أُتِيْنَا باهلة وتغلب لعل من المناسب إضفاء القول بما كان يتمتع به عمرو بن كلثوم بن معاصريه من شجاعة وإقدام، بحيث حيكت حوله قصص أشبه بالأساطير ومنها فتكه بعمرو ابن المنذر بن ماء السماء اللخمي صاحب الحيرة على ما ذكر الرواة (٢).

стр. 8491

قالوا: كان عَمْرو ولقبه مُضَرِّظ الحِجَارة لشدة ملكه، وقوة سياسته، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو، عمة امرئ القَيس بن حُجْرٍ، كان عَمْرو هذا قال يومًا لجلسائه: هل تعلمون أن أحدًا من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟! قالوا: ما نعرف إلا أن يكون عَمْرو بن كلثوم التغلبي، فإن أمه ليلى بنت مهلهل، وعمها كليب بن وائل، وزوجها كلثوم، وابنها عَمْرو، فسكت مُضَرط الحجارة على ما في نفسه، وبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويأمره أن تزور أمه ليلى أمه هند بنت الحارث، فقدم عمرو في فرسان من تغلب، ومعه أمه، فنزل على شاطى الفرات، وبلغ عَمْرو بن هند قدومه، فأمر فضربت خيامه بن الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعامًا، ثم دعا الناس، فقرب إليهم الطعام على باب السُّرَادِق، وجلس عَمْرو وعَمْرو بن كلثوم وخواصه وأصحابه في السرادق، ولأمه هند قبة في جانب السرادق، وليلى أم عمرو بن كلثوم معها في القبة، وقد قال مضَرِّط الحجارة لأمه: إذا فرخ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحي خدمك عنك، فإذا دعوت بالطرف فاستخدمي ليلى، ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء، ففعلت ما أمرها به ابنها، فلما قالت: ليلى ناوليني ذلك الطبق -من الطرف- قالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها، فقالت ليلى: واذلاه يا آل تغلب!!، فسمعها ولدها عَمْرو فثار الدم في وجهه، فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه، وثار ابن كلثوم إلى سيف بين هند وهو معلق في السرادق، وليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس مضرط الحجارة فقتله، وخرج فنادى آل تغلب، فانتهبوا ماله وخيله، وسبوا النساء ولحقوا بالحيرة، فقال أفنون التغلبي: لَعَمْرُكَ مَا عَمْرُو بْنُ هنْدٍ وَقَدْ دَعَا … لِتَخْدِمَ لَيْلَى أُمَّهُ بِمُوَفَّقِ فَقَامَ ابْنُ كلثُوم إِلَى السَّيْفَ مُصْلَتًا … وَأَمْسَكَ مِنْ نُدْمَانِهِ بِالمُخَنَّقِ أما خبر باهلة مع بني تغلب، فقد ذكر الآمدي (١) أن شبيب بن جعيل التغلبي أسره بنو قتيبة بن معن الباهليون في حروب كانت بينهم وبين تغلب، فقال شبيب يخاطب أمه بنت عمرو بن كلثوم:

стр. 8492

حَنَّتْ نَوَارُ وَأَيُّ حِينٍ حَنَّتِ … وبَدَا الَّذيْ كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ لَمَّا رَأَتْ مَاءَ السَّلَى مَشْرُوْبَا … وَالفَرْثُ يُعْصَرُ فِي الإِنَاءِ أَرَنَّتِ (١) كذا ذكر الآمدي سبب قول الشعر، ولكن الأنباري في "شرح القصائد السبع الطوال" (٢) أورد سببًا آخر عن الأصمعي أنه قال: أخبرني أعرابي من بني وائل من باهلة قال: من رجل عن بني ضبة على بنى قتيبة وقد عطفوا الثلاث والأربع على حوار واحد، وذبحوا البقية من أولادها، وأكلوا ليفضل اللبن للخيل فتسقى فتسمن ويغار عليها، وهي الغارة التي أغارت فيها وعلى بني تغلب، فأصابوا النوار وذلك اليوم يسمى يوم ذي طلح. وقد أورد صاحب "خزانة الأدب" (٣) ما ذكره الآمدي ثم عقب عليه بأن قائل هذه الأبيات هو جحل بن نضلة وهو جاهلي أيضًا وهو قول أبي عبيد وتبعه ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" وأبو علي في "المسائل البصرية" قالوا: قالهما - جحل ابن نضلة في نوار بنت عمرو بن كلثوم لما أسرها يوم طلح، فركب بها الفلاة خوفًا من أن يلحق به. ولعل ما في كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة اصح، لقدم مؤلفه، وسعة اطلاعه حيث نسب البيتين إلى جَحْل بن نضلة قائلا: كان أسر بنت عمرو بن كلثوم، وركب بها المفاوز واسمها النوار. واطلح -الوارد في الخبر- أوضحت في (قسم شمال المملكة) من "المعجم الجغرافي" موقعة، وأنه شرق الدهناء على مقربة من التيسية.

стр. 8493

باهلة وبكر بن وائل ولباهلة مع قبيلة بكر بين وائل مجاولات ومصاولات، ولكن المؤلفات التي بين أيدينا لا تمدنا إلا بإشارات موجزة؛ من ذلك ما جاء في كتاب "فرحة الأديب" ونصه (١): قال ابن السيرافي: قال سيبويه في باب المصادر: قال المرار: لقَدْ عَلِمَتْ أُوْلَى المُغِيرات أَنَّنِي … كَرَرْتُ فَلَمْ أَنْكَلْ عَنِ الضَّرْبِ مَسْمَعَا قال ابن السيرافي: وجدت في هذا الباب بيتًا منسوبًا إلى المرار، ورأيته في شعر مالك بن زغبة الباهلي، وكان بنو ضبيعة قد أغارت على باهلة فلحقتهم باهلة وهزمتهم: قال س (٢): هذا موضع المثل: وَهَلْ يَشْفِيَن النَّفْسَ مِنْ سَقَمٍ بِهَا … غِنَاءٌ إِذَا مَا فَارَقَتْ وَرُكُوبُ لا يكاد يشفي المستفيد ما ذكره ابن السيرافي سيما والقليل الذي ذكره مختل، والبيت لمالك بن زغبة الباهلي، يعني مسمع بن شيبان أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان خرج هو وابن كَدْرَاء الذهلي يطلبان بدماء من قتلته باهلة من بكر بن وائل، يوم قُتِل أبو الأعشى بن جندل، فبلغ ذلك باهلة فلقوهم، فاقتتلوا قتالا شديدًا، فانهزمت بنو قيس ومن كان معها من بني ذهل وضرب مسمع بن شيبان فأفلت جريحًا. وفي "خزانة الأدب" (٣) البيت من قصيدة لمالك بن زغبة الباهلي، وبعده: وَلَوْ أَنَّ رُمْحِي لَمْ يَخُنِّي انْكِسَارُهُ … لَغَادَرْتُ طَيْرًا تَعْتَفيْهِ وأضْبُعَا وَفَرَّ ابْنُ كَدرَاءَ السَّدُوْسِيُّ بَعْدَمَا … تَنَاوَلَ مِنِّي فِي المَكَرَّة مَنْزَعَا وَما كُنْتُ إِلا السَّيْف رقَّى ضَرِيْبَةً … فَقطَّعَها ثُمَّ انْثَنَى فَتَقَطَّعَا وإِنِّي لأُعْدِى الخَيْلَ تَعْثُرُ بِالقَنَا … حِفَاظًا عَلَى المَوْلَى الحِرِيْدِ لِيَمْنَعَا وَنَحْنُ جَنَبْنَا الخَيْلَ مِنْ سَرْوِ حِمْيَرٍ … إِلَى أَنْ وَطَئْنَا أَرْضَ خَثْعَمَ نُزَّعَا

стр. 8494

أَجِئْتُمْ لِكيْمَا تَسْتَبِيْحُوا حَرِيْمَنَا … فَصَادَفْتُمُ ضَرْبًا وَطَعْنًا مُجَدِّعَا فَأُبْتُمْ خَزَايَا صَاغِرينَ أَذِلَّةً … شَرِيْجَةَ أَرْمَاحٍ لأَكْتَافِكُمْ مَعَا ثم أورد كلام أبي محمد الأعرابي في "فرحة الأديب" وستأتي قصيدة مالك بأكملها في ترجمته. مع بعض القبائل الأخرى كثيرًا ما تثور الحرب بين قبيلتين متقاربتين في النسب، متجاورتين في المنازل، لسبب قد ينظر إليه باعتباره يسيرًا، ولكنه بالنسبة لحالة أولئك الذين كانوا ينظرون إلى كل ما يرون فيه إهانة أو خدش كرامة، وإن كان يسيرًا يرونه عظيمًا، ومن هنا كان شاعر ذلك العهد -القطامي التغلبي- يقول: وأَحْيَانًا عَلَى بَكْرٍ أَخِيْنَا … إِذَا مَا لَمْ نَجِدْ إِلا أَخَانَا وهو يقصد الأخوين بكرا وتغلب. ولقبيلة باهلة معارك مع بعض القبائل من ذلك القبيل. مع بني تميم قال أبو هلال العسكري في كتاب "جمهرة الأمثال" (١): قولهم: لو لك عَوَيْت لم أعو. يقوله الرجل يطلب الخير فيقع في شر. قالوا: وأصله أن رجلا بقي في قفرٍ، فنبح لتجيبه الكلاب إن كن قريبًا، فيعرف موضع الأنيس، فسمعت صوته الذئاب فأقبلن يردنه فقال: لو لك عويت لم أعو. وقال آخرون: أصله أن بني سعد أغارت على باهلة، ورئيسهم الزِّبْرقان بن بَدْر، والأهتم المِنْقَرِيُّ، فلما دنا الأهتم من محلتهم متقدمًا لأصحابه، ليعلم علم القوم، وكانت لعمرو بن ميسم الباهلي غنم لا يزال الذئب يعترضها، فبينا عمرو يفوِّق سهمه ينتظر الذئب عوى الأهتم عواء الكلب، كيما تجيبه الكلاب إن كن قريبًا، فرماه عمرو فأصاب بطنه فسلح، وقال: لو لك عويت لم أعو. وولى هاربًا، واتبعهم باهلة، فأخذوا الأهتم، وقالوا: ما جاء بك؟. فأخبرهم الخبر،

стр. 8495

وركبوا مع الصبح، فهزموا بنى تميم، وأسروا الزِّبْرِقَان، فافتدى الأهتم نفسه ومنُّوا على الزِّبْرقان، فقال عمرو بن مِيْسَم: غَزتْنَا بَنُو سَعْدٍ فَدُسْنَا مقَاعِسًا … وَأَشْحَيْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ مَلادِسَا قَرَيْنَاهُمْ زُرْقَ الأَسِنَّة والظُّبَا … وَلَمْ نَقْرِهِمْ كُوْمًا جِلادًا قَنَاعِسَا عَوَى أَهْتمٌ ثُمَّ انْثَنَى فَأَصَابَه … دَرِيْرٌ يُثِيرُ البَطْن رَطْبًا ويابِسَا وهذا اليوم يسمى يوم العَريض. انتهى. وتقدم في الكلام على بلاد باهلة (١) أن حاجب بن زرارة سيد بني تميم، أسر يوم جَبَلة، وبقي في الأسْر في شَمَام عند باهلة حولا حتى افتدى بفدية عظيمة، وافتخر الشاعر الباهلي ببقائه في أسرهم حتى دفعت فديته. بين باهلة وضبة بلاد ضَبَّة بن أُدِّ بن طابخة بن الياس بن مضر كانت تمتد إلى منطقة السر، جنوب شرق بلاد باهلة، والمسافة بين القبيلتين قصيرة، وقد وقع بينهما احتكاك بل غزو وانتصرت فيه قبيلة باهلة، وكانت الغازية على ما جاء في كتاب "فرحة الأديب" ونصه (٢): قال ابن السيرافي: قال شقيق بن جزء بن رياح الباهلي: وعاد عليه أن الخيل كانتْ … طَرَائِقَ بَيْنَ مُنْقِيَةٍ وَوَارِ كأَنَّ عذِيْرَهُمْ بِجَنُوبِ سِلَّى … نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قَفَارِ قال: سِلِّى موضع بعينه، وكانت بنو ضبة غزت باهلة وعليها حكيم بن قبيصة بن ضرار الضبي، فهزمتهم باهلة، وجرحوا حكيمًا وقتلوا عبيدة الضبي. قال س (٣): هذا موضع المثل: آب الكِرَامُ بِالسَّبَايَا غَنِيْمَةً … وآبَ بَنُو نَهْدِ بِأَيْرَيْنِ فِي سَفَطْ

стр. 8496

جاء ابن السيرافي بغلطتين فاحشتين في تفسير هذا الشعر، لأنه ذكر أن بني ضبة أغارت على باهلة فهزمتهم باهلة، وهذا بجهله بسِلِي أنها في بلاد باهلة أو ببلاد ضبة، وجاء بالأبيات أيضًا متفرقة لا متوالية، وفيها أيضًا تقديم وتأخير. والصواب ما ذكره أبو الندى ﵀ قال: أغار شقيق بن جزء الباهلي على ضبة بسلَّى وسَاجِرِ وهما روضتان لِعُكْلٍ، وإياهما عني سُوَيْد بن كُرَاع بقوله: أَشَتَّ فُؤاديْ منْ هَوَاهُ بِسَاجِرٍ … وآخَرُ كوْفِيٌّ هَوًى مُتَبَاعِدُ وضبَّة وَعُكْلُ وعَدِيٌّ وتَيْمُ حلفاء متجاورون، وفيهم يقول لقيط بن زُرَارة: ألا مَنْ رَأَى العَبْدَيْنِ إِذْ ذُكِرُوا لَهُ … عَدِيٌّ وَتَيْمٌ تَبْتَغِي مَنْ تُحَالِفُ فَحَالِف فَلا واللَّه تَهْبِطُ تَلْعَةً .. مِنَ الأَرْضِ إِلا أَنْتَ للذُّلِّ عَارفُ وَضَبَّةُ عَبْدٌ ثَالثٌ لا أَخَا لَهُ … كَمَا زَيَّفَ النُّمِّي بَالْكَفِّ صَارِفُ فهزمهم، وأفلت عوفُ بن ضرار في ذلك اليوم، وحكيم بن قَبِيْصة بن ضرار بعد أن جرح، وقتلوا عبيدة بن قضيب الضبي. وقال شقيق بن جزء في إفلات عوف بن ضرار: أَفْلَتَنَا لَدَى الأَسْلاتِ عَوْفٌ … لَدَى الوَرْهَاء تَطْعَنُ فِي اللِّجَامِ وكَانَ هُوَ الشِّفَاءَ فَأَخرَزَتْهُ … صَنِيعَ المَتْنِ رَابِيَةَ الجِزَامِ كَأَنَّ حَمَامَةً وَرْقَاءَ يُرْمَى … بِهَا الرَّجَوَانِ مِنْ وُرْقِ الحَمَامِ أَهَانَ لَهَا الطَّعَامَ فَلَمْ تُضِعْهُ … غَدَاةَ الرَّوْعِ إِذَ أَزَمَتْ أَزَامِ وقال شَقيقُ في يوم سِلَّى: لَقَدْ قَرَّتْ لَهُمْ عَيْنِي بسلَّى … وَرَوْضَة سَاجِرٍ ذَاتِ العَرَارِ جَزَيْتُ المُلْحِبِينَ بمَا أَزَلَّتْ … مِنَ البُؤَسَى رِمَاحُ بَنِي ضرَارِ نُكَسِّرُ فِي مُتُونِهِمُ العَوَالِي … وتَمْضِي السَّمْهَرِيَّةَ فِي انْئِطَارِ وأَفْلَتَ مِنْ أَسَنَّتِنَا حَكِيْمٌ … جَرِيضًا مِثْلَ إفْلاتِ الحِمَارِ

стр. 8497

وَعَادَ عَلَيْهِ أَنَّ الخَيْلَ كَانَتْ … طَرَائِقَ بَيْنَ مُنْقِيَةٍ وَرَارِ كأن عَذيرَهُم بِجَنوبِ سِلَّى … نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قَفَارِ وَلمَّا أَنْ رَأَيْتُ أَبَا حُدَيْرٍ … صَرِيْعَ القَوْمِ حَق به حِذَارِي ولَمْ أَكُ نَافِسًا شَيْئًا عَلَيْهِ … وَلَمْ يَكُ نَافعِي إِلا اتِّيَارِي تَرَكْتُ الطَّيْرَ عَاكِفَةً عَلَيْهِ … كَمَا عكَفَ النِّسَاءُ عَلَى دُوَارِ ولَوْلا اللَّيْلُ عَادَ لَهُمْ بِنَحْسٍ … بِأَشْأَمِ طَائِرٍ رَاقٍ وَجَارِ فَإِمَّا تُقْتَلَنَّ أَبَا حُدَيْرٍ … فَإِنِّي قَدْ شَفَى نَفْسِي انْتِصَارِى تَركْنَ عُبَيْدَةَ الضَّبِّيَّ يَكْبُو … عَلَى الكَفَّيْنِ مُرْتَمِلَ الإِزَارِ - انتهى. والموقع المذكور في الشعر هو (ساجر) لا يزال معروفًا، قد أحدثت فيه هجرة في عشر الأربعين من القرن الماضي، وأصبحت الآن أكبر بلدة في منطقة السر. بين باهلة وبني أسد لعل من أشهر ما عرف مما جرى بين القبيلتين من الاحتكاكات قتل بشر بن أبي خازم الأسدي، شاعر قبيلة بني أسد، قال ياقوت في "معجم البلدان" في الكلام على ترج: وقيل تَرْجُ وادٍ إلى جنب تبالة، على طريق اليمن، وهناك أصيب بشر بن أبي خازم الشاعر في بعض غزواته، رماه نعيم بن عبد مناف بن رياح الباهلي، فمات بالرَّدْه من بلاد قيس، فدفن هناك، وفي ديوان بشر قصيدة يرثى بها نفسه (١): أَسَائِلَةٌ عُمَيْرةُ عَنْ أَبِيهَا … خِلالَ الجَيْشِ تَعْتَرِفُ الرِّكَابَا تُؤَمِّلُ أَنْ أؤُوبَ لها بِنَهْبٍ … وَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ السَّهْمَ صَابَا فَإِنَّ أباكِ قَدْ لاقَى غُلامًا … مِنْ الأَبْنَاءِ يَلْتَهِبُ التِهَابَا وَأَنَّ الوائِليَّ أصابَ قَلْبِي … بِسَهْمٍ لَمْ يكُنْ يُكْسَى لغابَا

стр. 8498

فَرَجِّي الخَيْرَ وانْتَظِرِي إِيابِي … إذا ما القارِظُ العَنَزيُّ آبَا فَمنْ يَكُ سَائِلًا عن بَيْتِ بشْر … فَإنَّ لَهُ بِجَنْبِ الرَّدْهِ بَابَا ثَوَى في مُلَحدٍ لابُدَّ مِنْهُ … كَفَى بِالمَوْتِ نَأيًا واغْتِرَابَا رَهِينَ بلًى، وكلُّ فَتًى سَيَبْلَى … فَأَذْرِي الدَّمْعَ وانْتَحِبِي انْتِحَابَا مَضَى قَصْدَ السَّبِيلِ، وَكُلُّ حَيٍّ … إذَا يُدْعَى لِمَيتَتِه أَجَابَا فَإِنْ أَهْلِكْ عُمَيْرَ فَرُبَّ زَحْفٍ … يُشَبَّهُ نَقْعُهُ عَدْوًا ضَبابَا سَمَوْتُ لَهُ لألْبِسَه بِزَحْفٍ … كَمَا لفتْ شَآمِيَةٌ سَحَابَا عَلَى رَبِذٍ قَوائِمُهُ إذا ما … شَأَتْهُ الخيْلُ يَنْسَربُ انْسِرَابَا شَديدِ الأَسْر يَحْمِلُ أَرْيحيّا … أَخَا ثِقَةٍ إذا الحدَثَانُ نابَا صَبُورًا عِنْدَ مُخْتَلَفِ العَوَالِى … إذا ما الحَرْبُ أَبْرَزتِ الكَعَابَا وَطَالَ تَشَاجُرُ الأَبْطَالِ فِيْهَا … وَأَبْدَتْ ناجِذًا مِنْها وَنَابَا فَعزَّ عَلَيَّ أَنْ عَجِلَ المَنَايا … ولمَّا أَلْقَ كَعْبًا أو كِلابَا وَلمَّا أَلْقَ خَيْلا مِنْ نُمَيْرٍ … تَضِبُّ لِثَاتُها تَرْجُو النِّهَابَا ولما تَلتَبِس خَيْلٌ بخَيْل … فَيَطَّعِنُوا ويضْطربوا اضْطِرَابَا فَيَا للناسِ إِنَّ قَنَاةَ قَوْمِي … أَبَت بِثِقافها إلا انْقِلابَا هُمُ جَدَعُوا الأنُوفَ فَأَوْعَبُوها … وهُم تَرَكوا بني سَعْدٍ يَبَابَا على أن الجاحظ في كتاب "الحيوان" (١) يرى أن القصيدة مصنوعة. وفي ديوان بشر ثلاثة أبيات مطلعها (٢): إنَّا وبَاهِلَةَ بْنَ يَعْصُرَ بَيْنَنَا … دَاءُ الضرَّائِرِ بُغْضَةَ وَتَقَافِي

стр. 8499

وهذه الأبيات لو صحت نسبتها إلى بشر لكانت دليلا واضحًا على ما بين القبيلتين من مناوشات وحروب. ولكن سبقت الإشارة إلى أنها لابنة مُرَّة بن عاهان من مَذْحِج، فيما جرى بين هذه القبيلة وبين قبيلة باهلة. على أن البَلاذرِي أورد فى كتابه "أنساب الأشراف" (١) في الكلام على بني رِيَاح بن عَمْرو بن عبشمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن غنم ما نصه: ومنهم دُرَيْد ابن رياح بن عمرو، قتله رداد بن جوش من بني عبد اللَّه بن غطفان، فوثب مُظَهِّر ابن رياح على رداد فقتله، فقالت الغطفانية: إنَّا وبَاهِلَةَ بْنَ أَعْصُرَ بَيْنَنَا. . . -الأبيات- وقد ذكر البلاذريُّ في "أنساب الأشراف" (٢): ومن وأئل باهلة قاتل بشر بن أبي حازم الأسدي بسهم، فقال بِشْرُ: وأنَّ الْوَائِلى أَصَابَ قَلْبِي … بِسَهْمٍ لَمْ يَكُنْ يُكْسَى لُغَابَا وقيل: إن الذي قتله من بني صعصعة انتهى. ولعل منشأ الاختلاف كون القاتل من الأبناء، كما في "مختارات ابن الشجري" (٣). والأبناء فرع من بني صعصعة، وفرع من باهلة أيضًا، كان بنو وائل الباهليون يحلون بيشة في ذلك العهد، وتَرْج الوادي الذي أصيب فيه بشر من أشهر روافد واديها؛ ولا يزال معروفًا مأهولا. بين باهلة وقبيلة جعدة مع أن قبيلة باهلة كانت قد انضمت إلى بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة لأسباب مجهولة، وهذا يستلزم أن تسالم هذه القبيلة التي انضوت إليها، وكانت بلاد بني جعدة هؤلاء تقع شرق بلاد باهلة في إقليم الأفلاج، وتمتد إلى ما يقرب من المجازة (حوطة بني تميم الآن) وقد حدث بين القبيلتين احتكاك كان أثره على قبيلة باهلة سيئًا، وقد أشار إلى ذلك الأصفهاني حين أورد للنابغة الجعدي قوله (٤):

стр. 8500

فَأَبْلِغْ عِقَالا أَنَّ غَايَةَ دَاحِسٍ … بِكَفَّيكَ فَاسْتَأخِرْ لَهَا أَوْ تَقَدَّم وأضاف: قال أبو عمرو الشيباني: كان السبب في قول الجعدي هذه القصيدة أن المنتشر الباهلي خرج فأغار على اليمن، ثم رجع مظفرًا، فوجد بني جعدة قد قتلوا ابنًا له يقال له سَيْدَانُ، وكانت باهلة في بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ثم في بني جعدة، فلما أن علم المنتشر وأتاه الخبر أغار على بني جعدة، ثم على سُبَيْع في وجهه ذلك، فقتل منهم ثلاثة نفر، فلما فعل ذلك تَصدَّعت باهلة فلحقت فرقة منهم يقال لهم بنو وائل بعقال بن خويلد العقيلي، ولحقت فرقة أخرى يقال لهم بنو قتيبة وعليهم جَحْل الباهلي بيزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، فأجارهم يزيد، وأجار عقال واثلا، فلما رأت ذلك بنو جعدة أرادوا قتالهم، فقال لهم عقال: لا تقاتلوهم فقد أَجرْتُهم، فأما أحَدُ الثلاثة القتلى منكم فهو بالمقتول، وأما الآخران فعلى عقلهما، فقالوا: لا نقبل إلا القتال ولا نريد من وائل غيرا -يعني الدية- فقال: لا تفعلوا فقد أجرت القوم، فلم يزل بهم حتى قبلوا الدية، وانتقلت وائل إلى قومهم، فقال النابغة في ذلك قصيدته التي ذكر فيها عقالا. من هنا يتضح أن قبيلة باهلة تصدع كيانها، وتفرقت بعد أن حدث بينها وبين جيرانها الأدنين -من بني كعب بن ربيعة، الذين انضمت إليهم- ما حدث، بسبب قتل ابن المنتشر، إذ انتقلت بعض فروعها بعيدة عن بلادها فحلت في بيشة وما حولها من الأودية، حيث نجد أن بني أمامة وهم من فروع قبيلة باهلة، كانوا سَدَنة ذي الخُلَصة، أشهر الأصنام في جنوب الجزيرة، والذي كان يعرف باسم كعبة اليمانية، وكان في تبالة البلدة المعروفة بمنطقة بيشَة. ولما جاء الإسلام وفد أحد رؤساء باهلة الذين يسكنون في جهات بيشة، وهو مُطَرِّفُ بن الكاهن، وفد على رسول اللَّه ﷺ ، فأسلم وأخذ لقومه أمانًا وكتابًا من رسول اللَّه ﷺ ، فيه أحكام الزكاة، وفيه نص صريح على سكنى الباهليين في تلك الجهة، وأن لهم منها ما ملكوه. وليس معنى هذا أن الضعف قد تمكن من تلك القبيلة، حتى أزال مقوماتها وقضى على كيانها، وإنما كان سببًا من أسباب تفرقها مع احتفاظها بمقوماتها قبيلة متماسكة ذات بلاد خاصة، حتى جاء الإسلام.

стр. 8501

بلاد باهلة قديمًا كانت القبائل العربية قبل ظهور الإسلام تحل بلادًا خاصة بها في جزيرتها، فلما استقر الإسلام في الجزيرة قام الخلفاء الراشدون بنشره خارجها، فبعثوا الجيوش إلى بلاد العراق والشام ومصر، حتى نشروا الإسلام في تلك الأقطار، وقد وجد الغزاة المجاهدون وكلهم من العرب في هذه البلاد التي نشروا الإسلام فيها مستقرًا وموطنًا على بلادهم القديمة، فاستقر كثير منهم في تلك البلاد، وانتشروا فيها، وملكوا فيها الأملاك الواسعة. ثم لما امتدت الفتوحات الإسلامية إلى بلاد المشرق، فبلاد المغرب فبلاد الأندلس انتشر العرب في هذه البلاد واستوطنوها؛ ولهذا قل أن توجد قبيلة من قبائل العرب القديمة لم ينتشر من فروعها في خارج الجزيرة من استقر في تلك البلاد، ومن تلك القبائل قبيلة باهلة التي كانت تحل اليمامة، كما في كتاب "بلاد العرب" (١): فأما عُقيل والعجلان وقُشَير ونُمير ونُهْم وباهلة، وكل قيس، فإلى اليمامة انتهى، فهم من أهل العالية التي قال عنها ياقوت (٢): العالية ما جاوز الرمة إلى مكة، وهم عُكْل وتَيْم وطائفة من ضَبَّة، وعامر كلها، وغني وباهلة -إلى آخر ما ذكر- وفي "معجم ما استعجم" (٣): ونزل نُمَير بن عامر وباهلة بن يَعْصر وتميم كلها بأسرها باليمامة، وبها دارهم، إلا أن حاضرتها لربيعة. ولقد استوطن يعض فروع باهلة العراق وغيره أثناء الفتوحات الإسلامية، فكان لهم في تلك البلاد أمكنة تضاف إليهم، ولكن ليس معنى هذا أنهم كلهم هجروا بلادهم القديمة، واستوطنوا البلاد التي نسبت إلى بعض أفرادهم كما جاء في "دائرة المعارف الإسلامية" (٤) حيث جاء في ذكر باهلة: وكانت مراعيهم في القديم جنوب اليمامة، ويقال: إنهم ظلوا هناك إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، ثم نجدهم بعد ذلك يحتلون الحُفَيْر على مسيرة أربعة أميال من البصرة، وهذه البئر على جانب من الأهمية لوقوعها في طريق الحجاج. انتهى.

стр. 8502

لا شك أن بعض الباهليين استقروا في البصرة؛ ولهذا نجد عند ذكر بعض الصحابة من هذه القبيلة أْنهم من أهل البصرة، والواقع أنهم انتقلوا إلى البصرة من بلادهم القديمة، واستقروا فيها بعد عمرانها، كما استقروا في نواح أخرى في جهات العراق، ونجد مثالا لذلك ما ورد فى كتاب "تاريخ الموصل" (١) للأزدي، قال: وقرأت في كتاب أن سرمرَّي أخذ اسمها من اسم سام بن نوح، وذكروا أن رجلا من باهلة الذين ابتاع المعتصم منهم قيل له: كيف صبرتم على هذا الخراب وليس حوله عُمَّارُ ولا معاش ولا خضرة؟ فقال: نتوقع أن تبنى هاهنا مدينة يكون فيها مربط الفرس بألف درهم. انتهى. وقد ذكر كثير من الباحثين استقرار فروع من باهلة في مدينة البصرة، بحيث كان لهم من النفوذ والسيطرة ما برزت آثاره أثناء حوادث القرن الأول الهجري، مما لا يتسع المقام لتفصيله، ولكنه يدل على ما كان لهذه القبيلة في تلك المدينة من نفوذ وقوة تصرف. أما ما ورد في "دائرة المعارف الإسلامية" من أن باهلة كانت تحال (الحُفير) على مسيرة أربعة أميال من البصرة، فلا يعدو الأمر أنا يكون حادثة فردية، فقد ورد فى كتاب "المناسك" (٢) في الكلام على الحُفَيْر الذي هو أول المنازل في البر من البصرة وبينه وبينها أحد وثلاثون ميلا: وكان يقال للحفير: حُفَيْر الملح، فلم يزل كذلك حتى أرعى محمد بن سليمان بالحُفَيْر إبلا، وغلب عليه أهله، فأتاه رجل من باهلة فاستأذنه أن يحفر بئرًا بالحُفَيْر، فأذن له، فأنبط بئرًا عذبة فاشتراها محمد ابن سليمان منه بعشرة آلاف درهم، فشرط أن يأذن له في حفر أخرى فأذن له، فأنبط عذبه، ثم حفر محمد فأنبط عذبه. انتهى. وإذن فالحُفَيْر كان في ذلك العهد تحت تصرف محمد بن سليمان بن علي أحد مشاهير الدولة العباسية في أول أمرها، فسمح للباهلي بأن يحفر بئرًا بالحفير، ومصدر ما ورد في "دائرة المعارف" هو ما جاء في كتاب "معجم البلدان" (٣)

стр. 8503

ونصه: الحُفَيْر أيضًا: ماء لباهلة بينه وبين البصرة أربعة أميال: إلى آخر كلامه، ولكن ما جاء في كتات "المناسك" أصح وأوضح. ويظهر أن نفوذ القبيلة في مدينة البصرة وما كان لبعض مشاهيرها الذين تولوا في الدولة الأموية كثيرًا من الأعمال، كان لكل ذلك أثره في أن تنتشر فروع القبيلة في العراق وما حوله، حتى تكونت منها جالية كبيرة في الجزيرة الفراتية، بقيت فروعها زمنًا طويلا. ويلاحظ أن كثيرًا من قواد الجيوش وولاة المدن والأقاليم أثناء الفتوحات الإسلامية الأولى كانوا يولون الناحية العمرانية لما يلونه من البلاد اهتمامًا كبيرًا، لأنهم يجدون فيها ما يرغبهم في استيطانها، ومن ثم يتخذونها بلادًا لهم ويستقرون فيها، فعبد العزيز بن حاتم بن النعمان بن عمرو الباهلي والي أرمينية وأذربيجان من قبل معاوية بنى مدينة (دَبِيل) وحصنها وكبر مسجدها وبنى (النَّشَوَا) ورم مدينة (بَرْذَعَة) وأحكم حفر (الفارقين) حولها، وجدد بناء مدينة (البيلقان)، وكانت هذه المدن متشعثة مستهدفة كما يقول البلاذري (١). وليس هذا الأمر الباهلي وحده هو الذي كان يقوم بمثل هذه الأعمال. ومن هنا نجد أن آل حاتم بن النعمان قد رسخت أقدامهم في الجزيرة الفراتية التي كان لعدد من أفرادهم من النفوذ فيها ما مكن أقاربهم في النسب من قبيلة باهلة وغيرها أن ينتقلوا إليها من البصرة وأن يستقروا فيها (٢)، بحيث نري الأخطل -هو وقومه كانوا من سكان الجزيرة- يقول في ذكر وقعة الثرثار (٣): وأما عُمَيْرُ بْنُ الحُبَابِ فَلَمْ يَكُنْ … لَهُ النِّصْفُ فِي يَوْمِ الهياجِ ولا العُشْرِ فإِنْ تَذْكُرُوهَا فِي مَعَدٍّ فإنَّما … أَصَابَكَ بالثَّرثَارِ راغِيَةُ البَكْرِ وكانَ يُرَى أَنَّ الجَزِيرةَ أَصْبَحَتْ … مَوَارِيثَ لابْنَي حَاتِمِ وَأَبي صَخْرِ أبنا حاتم بن النعمان وأبو صخر جميعًا من باهلة.

стр. 8504

وينسى الأخطل أنه قال عن حاتم بن النعمان (١): وَسَوَّدَ حَاتِمًا أَنْ لَيْسَ فِيْهَا … إِذا مَا تُوقدُ النِّيْرَانُ نارُ ولا يمدُّني ما لدي من مصادر عن امتداد استقرار الأسر الباهلية في هذه الجزيرة، ولكن نجد أن أحد موالي باهلة وهو أحمد بن العلاء بن هلال كان قاضيًا على ديار مُضَر، أي هذه الجزيرة، ما ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢) في سنة ست وأربعين ومائتين، مما يدل على رسوخ أقدام الباهليين في هذه البلاد. كما نجد في كثير من تراجم مشاهير القبيلة ما يفهم منه استيطان فروع منها خارج بلاد العرب في الشام وفي مصر - وفي خراسان وفي الأندلس وغيرها من البلاد، بحيث اندمجت تلك الفروع في السكان حتى جهلت أنسابهم. لقد كانت باهلة منذ العهد الجاهلي حتى جاء الإسلام تحل بحبوحة واسعة من بلاد نجد، واقعة في مسمى اليمامة قديمًا (٣) تدعى العِرْض، فيما بين خطي الطول: ٠٠/ ٤٤ و ١٥/ ٤٥، وخطي العرض: ٠٠/ ٢٣ و ٢٠/ ٢٤، هذا التحديد يشمل وسط بلاد تلك القبيلة ولا شك أنها تتجاوز هذا التحديد من كل الجهات، تبعًا لتوسعها وقوتها، وتنكمش تبعًا لضعفها وانحسارها في هذه الأرض المحدودة، فجبل يذبل المعروف باسم (صَبْحا) الآن وهو من أشهر أعلام بلاد هذه القبيلة -كما سيأتي في الكلام عليه- يقع في جنوب بلادها على الجانب الشمالي الشرقي من رَمْل السُّرَّة (نفيذ السُّرَّة) بقرب خط الطول: ٤٥/ ٤٤ وبقرب خط العرض: ١٥/ ٢٣. وبلاد باهلة تتجاوز هذا حيث تبلغ صاحة وعماية الواقعتين بقرب خط العرض: ١٠/ ٢٢ وخط الطول: ٢٦/ ٤٤. ونجد من أعلام بلاد القبيلة في الجهة الشرقية (سُوفَة) ورد في الخبر عن الصحابي جهم بن كلدة الباهلي: لما أتانا نعي النبي -صلي اللَّه عليه وسلم- ونحن بِسُوْفَة، وهي جرعاء من أرض باهلة، فقوض الناس بيوتهم، فما بنيت سبع ليال (٤).

стр. 8505

وسوفة هذه لا تزال معروفة، تقع شمال بلدة القويعية بخمسة وثلاثين كيلا، والاسم الآن يطلق على واد وعلي أَكَمَةٍ صغيرة، وأرض واسعة، تقع شرق وادي الحَرْمَلِيَّةِ، شمال بلدة القويعية، وغرب نُفُودِ السِّرِّ بقرب خط العرض: ٠٠/ ٢٤ وخط الطول: ١٠/ ٤٥ أما الجُبيل المعروف باسم سوفة فعلى مقربة من ذلك الوادي الصغير في شرقه قرب خط العرض: ٢٠/ ٢٤ وخط الطول: ١٥/ ٤٥، وسوفة هذا من أشهر المواضع التي تكرر ذكرها في الشعر القديم، وقد ترد في بعضها مصحفة بالقاف (سوقة). أما من ناحية الشمال فإنَّ بلاد العِرْض وما يتصل بها شمالا حتى نواحى ثَهْلان ومُجَيْرَاتٍ وَحذُتَّةَ، وما حولها بمنطَقة الدَّوَادمِي لابُدَّ أن تكون داخلةً في اسم السَّوْدِ سَودِ باهلة. على أنَّ بلادها من تلك الجهة قد تمتد في بعض الأحيان، فقد جاء في كتاب "النقائض" (١): عَاقِلُ وادٍ ببلادِ قَيْسِ، وهو اليَوْمَ لِبَاهِلَة بن أَعْصُرَ. ومؤلف "النقائض" أبو عبيدة عاش في القرن الثاني الهجري، وأدرك أول القرن الثالث، وعاقِلُ وادٍ لا يزال معروفًا باسم (العَاقِلي) في جنوب غرب القصيم، من روافد وادي الرُّمَةِ، يقع شرق مدينة الرَّسِّ، بقرب خط العرض: ٤٥/ ٢٥، وشرق عاقِلٍ رَمْلٌ يدعى العقار، نُسِب في بعض الكتب إلى باهلة - كما سيأتي في الحديث عنه. ومن الناحية الغربية يظهر أن بلادها لا تتعدى المرتفعات الغربية من منطقة العرض، هذا في الغالب الأعم، فتلك البلاد التي عُرِفَتْ منذ القديم باسم سَوْدِ باهلة كما عُرِفَتْ باسم عِرْضِ شَمَامٍ هي بُحْبُوحَة بلاد تلك القبيلة التي استقرت بها بعد أن عمرتها فاستوطنتها، وتمكنت من حمايتها والدفاع عنها. ويظهر أن قبيلتي غني وباهلة كانتا تحلان على مقربة من بلاد غطفان أقرب القبائل إليهما نسبًا، وأن منازل القبائل الثلاث كانت متصلة لأن الهجري (٢) نقل عن مشايخ من أهل ضرية أن الإسلام جاء، وكل ماء من الحَمْضَتَيْن لِغَنِيٍّ،

стр. 8506

والحمضتان حمضة التَّسْرير وحمضة الجَرِيب كذا قال ومعروف أن بلاد فروع غطفان تتصل إلى وادي الجَرِيْب مما لا يتسع المجال لتفصيله. ويشير الهجري إلى أن من بطون باهلة من بقى مع غني في بلادها فيقول - وهو يتحدث عن النير وما بقربه من الجبال والأودية فيعد منها نضاد (١): وفي ناحية نضاد دار غني التي فيها النقب وفيها حقوق بني جأوة بن معن الباهلي، وحقوق غني فاختلطوا هناك. وهناك مياه عدة لبني جأوة في غربي ثهلان، وذكرها بما سيأتي مفصلا. فكان منازل باهلة لم تنتقل في أول الأمر إلى العرض بل بقيت فروع منها مستقرة في مواطنها القديمة القريبة من منازل قبيلة غطفان أقرب القبائل إليها تسبًا، حتى زحزحت عنها بفروع من بني عامر بن صعصعة من هوازن. ولقد أدرك قبيلة باهلة ما يدرك غيرها من القبائل من الضعف بعد القوة، والقلة بعد الكثرة، مما سبب تفرق كثير من فروعها فارتحلت إلى بلاد أخرى، كالحال في بني وائل أحد فروعها، فقد كان هذا الفرع يحل بيشة في العهد النبوي، وكبني أمامة الذين تولوا سدانة ذي الخلصَة فى العهد الجاهلى، حتى جاء الإسلام فقتل عدد منهم عند هدم الصنم. وترد إشارات في كتب المتقدمين تدل على أن قبيلة باهلة تنضم في بعض الأحيان إلى قبيلة كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة التي تجاور بعض فروعها قبيلة باهلة، وقد تخالطها في بعض البلاد مما سبب مزاحمة تلك الفروع لقبيلة باهلة، أدت تلك المزاحمة إلى احتلال بعض بلادها، وقد يكون من بين تلك الفروع من يندفع لأسباب نجهلها لمؤازرة فروع أخرى يجاورون باهلة في البلاد كبني نمير الذين تقع بلادهم في الجنوب، وفي الغرب من بلاد باهلة، بحيث نجد عُقَيْليًا يخاطب باهلة بقسوة فيقول (٢): بَاهِلَ زِيْحِيْ عَنْ نُمَيْرٍ واخْنَسِي … إِنَّ تُمَيْرًا لَكِ أَنْ تُكَبَّسِي يَطَاكِ واطِيْهَا بِخُفٍّ مُلْطَسٍ … وتُنْحَسِي وتُنْخَسِي وَتَنْخَسِي

стр. 8507

وتُفْرَسِي بِالسَّوْدِ كُلَّ مَفْرَسِ … وَقَبْلَ وِرْدِ العَرَكِ المُعْلَنْطِسِ مما يدل على أن العُقَيْليين وهم من كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الذين انضوت إليهم باهلة، أصبحوا ينظرون إليها نظرة كراهية، وكان ذلك في آخر القرن الثالث الهجري. إذ تلك الإشارات توضح أن قبيلة باهلة لم تستطع الاحتفاظ ببلادها منذ عهد مبكر، وأن جيرانها -ومنهم من كانت تؤمل منه نصرًا وحماية- قد تكالبوا عليها حتى اقتطعوا كثيرًا من بلادها، وهي بلاد تتميز بصفات تجعلها مطمعًا لأعداء القبيلة من حيث وفرة المياه وخصوبة الأرض وكثرة المعادن. وسأورد أسماء ما وقفت عليه فيما اطلعت عليه من المؤلفات من المواضع المنسوبة إلى قبيلة باهلة، ومن دراستها بتعمق يتضح للباحث أن تلك القبيلة كان لها من القوة والانتشار ما أحلها مكانة بارزة بين قبائل الجزيرة، على أن مما تجب ملاحظته أن بني باهلة هم وإخوتهم غني كانوا زمنًا طويلا يجمعهم كيان واحد، ويشتركون في منازلهم، وكثيرًا ما تنسب بعض المنازل إلى أحد الفرعين (غني) أو (باهلة) وهو للفرع الثاني، أو يتشاركان فيه؛ ولهذا لم أذكر المواضع المنسوبة إلى غَنِيٍّ لكثرتها، وإنما اقتصرت على ما خصت به باهلة فيما اطلعت عليه، ويلاحظ كثرة التصحيف والتحريف في هذه المؤلفات عند إيراد أسماء المواضع، وقد أوردتُّ كثيرًا منها كما ورد في تلك المؤلفات، وإن كانت مواقعها مجهولة لدي، فقد يهتدي بعض الباحثين إلى وجه الصواب فيها. ومعلوم أن تلك المواضع تحلها الآن فروع من قبائل أخرى بعد أن تشتت قبيلة باهلة وحل ما بقي من فروعها بلادًا أخرى متباعدة متفرقة، إلا أن تلك المواضع القديمة مما قد يحتاج الباحث إلى معرفة موقعه بصوف النظر عن سكأنه لوروده في النصوص القديمة التي لا تختص دراستها بقبيلة دون أخرى أو في زمن دون آخر.

стр. 8508

الأبطة: كذا ورد الاسم على لفظ مؤنث الأبط، بعد الهمزة باء موحدة ثم طاء مهملة -بدون ضبط في كتاب "صفة جزيرة العرب" (١) - معدودًا من قرى باهلة في سوادها، وهو العِرض عِرضُ شَمَام ونص كلامه: من قرى باهلة مُرَيفِقُ وعسيان وواسط وعُويسجة والعوسجة، والإبطة وذو طلوح إلى آخر ما ذكر. الأجرعان: مثنى الأجرع الموضع الذي فيه سهولة ورَمْلُ - والأجْرَعَان: عدهما الهمداني يدفعان في وادي ذي خُشُب، وهو فرع العرض (٢)، وسيأتي الكلام عليه في موضعه، ولم أر ذكرهما عند غيره، وقد ألزمت نفي إيراد ما نسب إلى باهلة من المواضع، ولو كان مجهولا. الأجفر: بضم الفاء جمع جَفْرٍ وهو البئر الواسعة لم تُطْوَ - وأشهر موضع عرف بهذا الاسم هو الواقع بطريق الحج الكوفي القديم، شرق منطقة حائل، وقد فُصِّل الكلام عنه فى "المعجم الجغرافي" -قسم شمال المملكة- قال الهَجْرِيُّ (٣): وهناك مياه عدة لبني جاوة في غربي ثهلان، ماء يسمى الرحيضة، وماء يسمى الأجْفُر، وماء يسمى العوسجة، وماء يدعى العريض. انتهى. وبنو جأوة من فروع قبيلة باهلة، ويظهر أنه بقي لهم بقية مع غني إخوة باهلة في بلادهم بعد انفصال قومهم في المنازل، ومنهم من انفصل معهم فسكنوا العرض -كما سيأتي في الكلام على عَرْوا- وثَهْلانُ من أشهر جبال عالية نجد المعروفة، والمياه المذكورة في الجبل في غربيه، إذ دكر الهَجْريُّ بعدها مياهًا نص على أنها خارجة عنه.

стр. 8509

الأخفاء: - بالفاء أخت القاف، على وزن أفعال، مفتوح الأول-: بَلَدٌ، قال طفيل: شَرِبْنَ بِعُكَّاشِ الهَبَابِيدِ شَرْبَةً … وكَانَ لَهَا الأحْفَا خَليْطًا تُزَايلُهْ قصر الأحفاء ضرورة، ويروى: الأخفا -بالخاء المعجمةَ- وعكَّاَشُ والهَبَابيدُ: ماءان لباهلة، الأول في بطن السر، ويقال: هَبُّود: اسم ماء، فجمعه (١)، وسيأتي في الكلام على هَبُّود ما يدل على قربه من منطقة الدوادمي. ولا شك أن الشاعر يعبر عن سرعة سير راحلته بكونها قطعت المسافة بين الموضعين، ولكن هل الشاعر مشرِّفًا من عكاش أو مغِّربًا؟ الأخرمان: قال البكريُّ (٢): تثنية أخْرَم بالراء المهملة والميم-: جبلان من ديار بني باهلة، قال عَمْرُو بن أحمر: فَيَا رَاكبًا إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ … قَبَائِلَنَا بالأَخْرَمَيْنِ وَجَوْرَمِ وَبَلِّغ أَبَا الوَجْنَاءِ مَوْعِدَ قَوْمِهِ … بِحَوْرِيْتَ يَظْعَنْ رَاغِبًا غَيْرَ مُقْحَمِ جَوْرَمُ: موضع أيضًا في ديارهم، وحُوريت: موضع بالجزيرة، قال أبو محمد الفقعسيُّ: خَلَّفَتِ العِيْسُ رِعَانَ الأَخْرَمِ … فَأَصْبَحَتْ بِالعُرْفَتَيْنِ تَرْتَمِي وجاء في شعر أوْسٍ الأخْرَم مُفردًا، قال يخاطب الطُّفَيل بن مالك: واللَّه لولا قُرْزُلٌ إذْ نَجَا … لَكَانَ مَأوَى خَذِّكَ الأَخْرَمَا وقال أبو عبيدة: إنما أراد أن يقطع رأسه، فيسقط على أخْرَم كتفه، وأخْرَمُ الكَتِف: مَخَرٌّ في طرف عيرها، والأخْرَمُ: موضع لا شك فيه، قال ربيعة بن مكدم:

стр. 8510

إنْ كانَ يَنْفَعُكَ اليَقيْنُ فَسَائِلِي … عَنِّي الظَّعِينَةَ يَوْمَ وَادِي الأَخْرَمِ انتهى كلام البكريّ، وما أرى الأخْرَمَيْن وجَورم -في شعر عَمْرِو بن أحْمَرَ- إلا في الجزيرة الفراتية التي استقرت فيها بطون من باهلة منذ القرن الأول الهجري. أرمام: وقال ياقوت (١): أرْمَامُ: اسم جبل في ديار باهلة بن أعْصُر، وقيل: أرمامُ واد يصب في الثَّلْبُوت من ديار بني أسد، وقيل: أرْمامُ وادٍ بين الحَاجِر وفَيْدَ، ويوم أرْمامُ من أيام العرب قال الراعي: تَبَصَّرْ خَليْلِي هَلْ تَرَى من ظَعَائِنٍ … تَجَاوَزْنَ مَلحُوبًا، فَقِلْنَ مُتَالِعَا جَوَاعِلَ أَرْمَامِ شَمَالًا، وصَارَةً … يَمِينًا، فَقَطَّعْنَ الوِهَادَ الدَّوَافِعَا وفي كتاب "فرحة الأديب": أرمام: موضع وراء فَيْدَ، بين الحاجر وفَيْد، وهو وادٍ، وقال نصر: أزْمام: بالزاي المعجمة، وادٍ بين فَيْد والمدينة على طريق الجادة، بينه وبين فَيْد دون أربعين ميلا. انتهى كلام ياقوت ولم يضبط الألف في أوله ويظهر أنها مفتوحة. والاسم يطلق على موضعين أحدهما يقع شمال القصيم فيما بين الحاجر وفَيْد، قد تحدثت عنه في (قسم شمال المملكة) من "المعجم الجغرافي" والثاني في بلاد باهلة، وهو المقصود هنا، وسيأتي في الكلام على (بدر) في كلام ياقوت أن أرمام: جبل عند بدر الجبل الواقع في بلاد باهلة وأنهما يقال لهما: (بَدْرَان) في أرض الحَرِيْش، وبَدْر الجبل لا يزال معروفًا. وهو على ضفة وادي الرَّكَاء الشمالية، وبلاد الحَرِيْش تجاور بلاد باهلة عن الجنوب الشرقي، ومن هنا يقع الاختلاف في نسبة مواضع لهذه القبيلة إلى الأخرى، لعدم وجود حدود فاصلة بين منازل القبائل في العهد القديم. فأرْمَامُ في جنوب بلاد باهلة على مقربة من قُسَاسَ وبتران، ومادَامَ هو أحَدُ (البَدْرَيْن) فإنه لا يَزَال معروفًا - كما سيأتي في رسم (بَدْر).
следующие страницы →