Полный текст (124 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تفسير قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله)
ثم ذكر تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٦٤]، أي: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصفت صفتهم في هاتين الآيتين، وهم الذين دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله فصدوا وأعرضوا؛ لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم الخطايا، لاحتكامهم إلى الطاغوت وإعراضهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها.
ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك -يا محمد- حين فعلوا ما فعلوا من تحاكمهم إلى الطاغوت ورضائهم بحكمه دون حكمك، فجاءوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح عنهم، وسأل الله لهم رسول الله مثل ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤].
نقل أبو حيان والفخر الرازي ما ملخصه: فائدة ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم في قوله ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] أنهم بتحاكمهم إلى الطاغوت خالفوا حكم الله وأساءوا إلى رسول الله، أي: بالإعراض عنه والصدود عنه، فوجب عليهم أن يعتذروا ويطلبوا من الرسول ﷺ الاستغفار لحقه الخاص، أو لأنهم لما لم يرضوا بحكم رسول الله ظهر منهم التمرد، فإذا تابوا وجب أن يظهر منهم ما يخالف التمرد، وذلك بأن يذهبوا إلى الرسول ويطلبوا منه الاستغفار.
وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء:٦٢] الآية، أي: بسبب التحاكم إلى غيرك، واتهامهم لك في الحكم، ولو أنهم جاءوك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا، فاستغفروا الله، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك حتى انتصبت شفيعاً لهم.
ويقول أبو السعود: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء:٦٢] بظهور نفاقهم وبما قدمت أيديهم وبسبب ما عملوا من الجنايات التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك، وظلموا أنفسهم بتركهم طاعتك، والتحاكم إلى غيرك، ولو أنهم جاءوك من غير تأخير متوسلين بك في التنصل من خيانتهم، ولم يعتذروا بالباطل، ولم يحلفوا كما قال الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢]، وهذا إثم ومعصية، فكيف إذا أصابتهم مصيبة، مثل الرجل المنافق الذي لم يرض بحكم رسول الله فقتله عمر، والمعنى: فكيف بهم إذا أصابتهم مصيبة في قتل قريبهم بسبب تحاكمهم إلى غير رسول الله.
وفي قصة أن جبريل جاء -حينما طالبوا بدية القتيل- إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا محمد! إن عمر قد فرق بين الحق والباطل)، فسمي فاروقاً من ذلك الوقت.
هذه النصوص من كتب التفسير المعتبرة، التي تبين ما هي المصيبة التي أصابتهم، والتي تبين أنهم ظلموا أنفسهم في قضية التحاكم إلى غير رسول الله والإعراض والصدود عن رسول الله، فيكون مجيئهم إلى رسول الله لحق رسول الله ﷺ .
ذكر ابن كثير في تفسيره قصة، وقال: ذكر الشيخ السباط -ومن هو الشيخ السباط؟ - في كتابه الشامل، ولا يعرف كتابه هذا؟ وما هو سند هذه القصة؟ وهي لا يوجد لها ذكر في كتب السنة ودواوينها، ولا في كتب الفقه وأصوله، وقد بحث الإمام ابن تيمية ﵀ عن هذه القصة، وأكد جازماً بأنها كذب موضوعة لا أصل لها.
والقصة مشهورة وهي: أن أعرابياً أتى إلى النبي ﷺ ليسلم على يديه، فوجده قد توفي ودفن، فجلس عند قبره، وقال يا رسول الله! الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤]، وقد جئتك ظالماً لنفسي فاستغفر لي، ثم ذهب، فقال العتبي: فأخذتني عيني بالنوم، فرأيت في نومي أن رسول الله يقول: أدرك الأعرابي وأخبره أن الله قد غفر له.
هذه قصة لا سند لها ولا أصل لها، ولا توجد في الكتب المعتبرة، والمنامات مهما كانت لا تؤخذ منها الأحكام، لا في المندوب، ولا في المفروض، ولا في المحرم، ولكنها من باب البشرى.
إذاً: قول هذا عند الزيارة لا أصل له، وأود أن الجميع قد فهم هذا البحث، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى شاء، وقد قال ﷺ عن الشيطان: (صدقك وهو كذوب) لما قال لـ أبي هريرة: إذا أردت أن تحفظ مالك من الشياطين فاقرأ آية الكرسي، فقبل الحكمة من الشيطان؛ لأنه صادق فيها.
فمن وجد هذه القصة في كتاب من كتب المسلمين سواء كانت أصول الفقه على مذاهب الأئمة الأربعة، أو كانت في كتب الحديث ولو الضعيفة، فليطلعنا عليها، وجزاه الله خيراً.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ .
стр. 72
دروس الحرم [١٦]
стр. 73
باب اللعان
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله أجمعين.
قال المؤلف ﵀: [كتاب: النكاح.
стр. 74
سبب مشروعية اللعان
باب: اللعان.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (سأل فلان فقال: يا رسول الله! أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله الآيات في سورة النور، فتلاهن عليه ووعظه، وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا، والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها كذلك، قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله، ثم ثنّى بالمرأة، ثم فرق بينهما) رواه مسلم].
قال: وعنه رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين: (حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله! مالي؟ فقال: إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها) متفق عليه].
стр. 75
تعريف اللعان
وهو في الاصطلاح: أن يرمي الزوج زوجته وليس عنده بينة إلا نفسه، فلتعذر إحضار الشهود، ولصعوبة سكوته على ما رأى، ولئلا يكون في حرج وضيق، فله أن يلاعن، كما جاء في قصة اللعان: (إن تكلم ضرب ظهره -أي: لأنه قذف مسلمة محصنة- وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على أمر عظيم).
وجاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ قال للرجل: (قد جعل الله لك مخرجاً)، وذلك أن اللعان وقع في زمن النبي ﷺ ، وأنا شخصياً لم أقف على صورة لعان بعد زمن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا أدري إن كان الإخوة قد وقف أحدهم على صورة لعان في عهد الخلفاء الراشدين أو ما بعدهم، أم لا.
وهذه القصة التي ساقها المؤلف يتفق العلماء أنها أول لعان في الإسلام، وذلك أن عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، ورواية عويمر أنه قال لابن عمه عاصم العجلاني: ماذا يفعل الرجل لو وجد رجلاً مع أهله، إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه الحد، وإن سكت سكت على مكروه؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك، فأتى عاصم النبي ﷺ فسأله، فأعرض عنه ولم يجبه، وكره المسألة؛ كره أن يقع السؤال عن الشيء المكروه قبل وقوعه-.
وقد كان ابن مسعود حينما يسأل عن مسألة يقول: أوقعت؟ فإن قيل: نعم وقعت أفتى فيها، وإن قيل: لم تقع، يقول: دعوها حتى تقع، وليس معنى هذا منع السؤال عن الأمور المستقبلية إذا كانت مظنة الوقوع، ولكن عندما يكون السؤال متعلقاً بالفاحشة، فإن الآذان تكره ذلك وتمج سماعه والرسول سكت ولم يجبه؛ لأنه لم يكن نزل في حكم ذلك شيء من قبل.
فرجع عاصم إلى عويمر فقال: ماذا قال لك رسول الله؟ قال: ما وجدت منك خيراً، لقد سكت عني ولم يجبني، فقال عويمر: والله لا أتركها، وذهب بنفسه إلى رسول الله ﷺ ، ففي بعض الروايات لما سأل رسول الله صلى الله قال له: قد نزلت فيك وفي صاحبتك آيات فاذهب فأت بها)، هذا ما يتعلق برواية عويمر.
فنزلت الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] الآيات إلى آخر آيات اللعان، فقال: (قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن فاذهب فأت بها) فجاءت -وفي بعض الروايات- أن عويمراً لما سأل رسول الله ﷺ قال: (حد في ظهرك وإلا بينة) أي: بينة على ما أخبرت ورميتها به، وفي بعض الروايات: (يا رسول الله! أحدنا يجد الرجل على أهله، ثم يتركه ويذهب ويأتي بالبينة، فيكون قد قضى حاجته ومضى)، وفي بعض الروايات: (بأن عويمراً رجع من مزرعته بعد العشاء فوجد عند أهله رجلاً، فلم يهجه وتركه، وفي الصباح أتى النبي ﷺ وأخبره الخبر) كل ذلك مقدمات يسوقها العلماء في ملابسات وظروف اللعان.
وأجمع العلماء أنه لا لعان إلا بين الزوجين، واختلفوا: هل كل زوجين يمكن أن يقع بينهما لعان؟ فالبعض كـ أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه يقول: لا لعان إلا بين مسلمين حرين بالغين.
стр. 76
من يصح لعانه
ومالك ومن وافقه يقول: يقع اللعان بين كل زوجين مسلمين، أو ذميين، أو أحدهما مسلم والآخر ذمي، فاسقين أو عدلين، حرين أو مملوكين، فكل زوجين يصح منهما اللعان.
والسبب في هذا الخلاف كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد: هل أيمان اللعان أيمان، أو هي شهادات؟ فإن كانت أيماناً فاليمين يصح من الحر ومن العبد، وإن كانت شهادات فالشهادة لا تصح من العبد، فليس للعبد ملاعنة، وهذه تفصيلات فيمن يصح منه اللعان.
إذاً: اللعان مبدئياً ثابت بالكتاب والسنة، وموجبه أن الأصل في رمي النساء المؤمنات المحصنات بالزنا أحد أمرين، فإما أن يأتي الرامي بأربعة شهود على صدقه، وإلا يثبت عليه حد القذف.
وهذا في الأجنبي مع الأجنبية، ولكن في الزوجين كما قال عويمر في بعض الروايات، وكما قال سعد رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أمهله حتى أذهب وآتي بأربعة شهداء؟! يكون لكع قد قضى حاجته ومضى، والله لأضربن -أي: بسيفي- بين الفخذين، فقال ﷺ (أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه والله أغير مني).
فهنا كما يقال: العقل والعاطفة، العاطفة تنجلي حينما يرى الزوج إنساناً أجنبياً يغشى زوجته، فإذا كان في هذه الحالة لا يتمالك، ولا يصبر ولا يقوى على ذلك إلا فحول الرجال، فهنا العقل في جانب، والعاطفة في جانب آخر، العقل يقول: تريث، وأثبت هذه الواقعة وأحضر الشهود، لأنك إن قتلته قتلت به، ولذا لما سأل رجل علياً رضي الله تعالى عنه قال: أتركه وآتي بأربعة شهود؟ قال: بلى، قال: وإن قتلته؟ قال: قتلناك.
وهذا أيها الإخوة سد للذريعة، بمعنى: أنه لا يتسلط الناس بعضهم على بعض، وأن يكون كل من أراد أن يقتل إنساناً، يحتال عليه ويأتي به إلى بيته، ثم يحتال أيضاً على زوجته وهي لا تعلم، ثم يلفق بينهما لقاء فيقتله فيقول: وجدته مع امرأتي، فتضيع الدماء.
الذي يهمنا: أن الإسلام احتاط للدماء، واحتاط أيضاً للفروج، فإذا ابتلي إنسان بمثل هذه الصورة، فماذا يفعل؟ بين لنا هذا الصحابي الجليل تفصيل الأمر: إن سكت سكت على أمر عظيم، وإن تكلم حد ظهره، وإن قتل قُتل، فلما قال له رسول الله: بينة وإلا حد في ظهرك، قال: والذي بعثك بالحق يا رسول الله إني لصادق ما كذبت عليها، وإن الله لمنزل عليك ما يبرأ ظهري من الحد؛ فأنزل الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 77
دروس الحرم [١٨]
стр. 78
رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري في أمور القضاء
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
стр. 79
النظر إلى الأشباه والنظائر عند القضاء
انظروا إلى أي مدى يسطر عمر منهج القضاء، وانظروا أيضاً ماذا يتعين على القاضي! (الفهم الفهم! وانظر الأشباه والنظائر) يعني: كن محيطاً بغالب القضايا المتقدمة، وبآراء سلف الأمة، وهذه حصيلة ليست بسيطة، ثم ينظر أيها أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله، هذه مسئوليات ليست بالهينة، وأي القضاة يدرك ويجمع ذلك كله؟ وكما قال مالك ﵀: لو أننا أخذنا بكلام العلماء فيما يشترط في القاضي أن يكون عليه، لما وجدنا أحداً يصلح للقضاء! أي: لا يوجد أحد تجتمع فيه هذه الأمور، مع ما يذكرون في ذاته من الورع والتقى والصلاح والأمانة وذكر الله إلى آخره، ولكن يقضي بين الناس الأشبه فالأشبه، والأمثل فالأمثل، فمهما كانوا على حد من المعرفة أو من التقى، فلا بد أن نأخذ الأمثل فيهم وننصبه قاضياً عليهم، ولو لم يصل إلى درجة القضاة الذين يقول عنهم السلف.
стр. 80
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا ما استثني من ذلك
(المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد).
والأصل في المسلم العدالة ما لم يجرح، فلو جاءنا شاهد مسلم لا نعرف ماضيه ولا حاضره وقال: أنا رجل مسلم وأشهد بأني سمعت أو رأيت كذا وجب على القاضي أن يسمع شهادته، حملاً على البراءة الأصلية (عدول بعضهم على بعض).
أما إذا كان يعلم فيه شيء، أو طعن الخصم فيه بشيء، فعلى القاضي أن يسمع الطعن، فإن كان طعناً يجرح في عدالته قال: ائتني بشاهد آخر، ولا ينبغي أن يقول: اذهب فشهادتك غير مقبولة، وإنما يقول لمن طعن فيه: ائتني بشاهد آخر.
(إلا مجلوداً في حد): هنا استثناء، فممن لا تصح شهادته المجلود في حد إذا ثبت عليه حد ونفذ؛ لأنه قد يدعى عليه بحد ولا يثبت، وقد يدرأ الحد بالشبهة، لكن إذا ادعي عليه الحد وثبت عند القاضي، وأقيم عليه الحد، فحينئذ ترد شهادته.
(أو مجرباً عليه زور): أي: إذا عرف في اليوم الفلاني أو في السنة الفلانية أنه شهد زوراً وشهر به، فيبقى أنه شهد زوراً وشهر به، فلا تقبل شهادته.
(أو ظنيناً في ولاءٍ أو نسب): أي: عتق ولكن ولاؤه مظنون فيه، كذلك إذا كان مظنوناً في نسبه إلى أبيه، فلا تقبل شهادته؛ لأن الشاهد حين يشهد، يترتب على شهادته إثبات الحق على المدعى عليه.
فالشاهد له ولاية على المدعى عليه، ولا ينبغي أن يكون لمظنون النسب ولاية على إنسان غير مظنون؛ لأنه ليس من أهل الولاية.
(أو نسب أو قرابة).
فلا تصح شهادة القريب لقريبه، ولكن أي القرابة؟ جميع الحاضرين توجد قرابة بينهم، كما قال الأعرابي لـ معاوية: سألتك بالرحم التي بيني وبينك إلا أعطيتني، قال: ومن أنت يا أخا العرب حتى أعرف هذه الرحم؟ قال: أنسيت؟ قال: لا بأس ذكرني، قال: الرحم التي بيني وبينك في آدم وحواء.
فقال: والله صحيح! هذه رحم لا يمكن لأحد أن يجحدها، وهذه رحم تستحق الصلة، فأخذ وكتب له بدرهم، فأخذ الخطاب إلى بيت المال وقال له: خذ هذا عطاء معاوية، فتأمل! أنت متأكد، قال له: نعم، فقام وأعطى له درهماً، فوضع الدرهم وقال: ما هذا؟ قال: هذا ما كتب لك في خطابك؛ إن كان لك اعتراض فارجع إليه، فرجع إلى معاوية وقال: ما هذا يا معاوية؟! تصل رحم آدم وحواء بدرهم! قال: والله يا أخا العرب لو أني وصلت هذه الرحم مع كل الموجودين ما بقي في بيت المال درهم.
فهنا القرابة ثلاث درجات: قرابة ذوي رحم من ذوي الميراث، وقرابة ذوي رحم ليسوا من ذوي الميراث، كابن خالته وابن خاله وخاله وخالته، فليسوا من أهل الميراث ولكن الرحم موجودة، لكن أخوه وعمه وابن أخيه وابن عمه هذه الرحم موجودة، والميراث موجود عصبة.
وقرابة ليست ذات رحم ولكنها أخوة الإسلام، فعندما نتفق معه في الجد العاشر، أو يكون هذا من قبيلة وهذا من قبيلة وليس بينهما اشتراك في ولادة ولا في شيء؛ فهذه -كما يقولون- أخوة في الدرجة النهائية.
إذاً: ما هي القرابة التي تمنع الشاهد أن يشهد؟ قالوا: كل قريب كانت في شهادته مظنة نفع للشاهد عن طريق المشهود له، فالزوج إذا شهد لزوجته فأين سيذهب المحكوم به؟ الولد لأبيه، والأب لولده، هل يشهد له؟ هناك من يقول: يشهد عليه ولا يشهد له، لكن الكل مرفوض؛ لأنه مظنة أن يجر النفع إليه.
إذاً: القريب الذي هو في الدرجة الأولى أو الدرجة الثانية من ذوي الرحم لا يرث؛ فهؤلاء لا تصح شهادتهم للإنسان، وكذلك لا يحق للقاضي أن يقضي بين اثنين أحدهما من هذه الطبقة في القرابة، فلا يقضي لأبيه ولا لولده ولا لزوجه.
والأخ مختلف فيه، فحينئذ القرابة مظنة جر النفع للمشهود له، فتمنع قبول شهادته.
(فإن الله تعالى تولى منكم السرائر) هنا يجب أن يسمع القاضي الظاهر من الكلام، فإن الله تعالى تولى منكم معشر القضاة السرائر، لأن السرائر لا يعلمها الخصوم، ولا يعلمها عامة الناس.
إذاً: من الرقيب على القاضي؟ الله، ولهذا يقول أهل العلم: القضاء مستقل لا سلطة لأحد في الدولة على القاضي، ولا لرئيس الدولة ملكاً كان أو رئيساً، فلا يحق له أن يتدخل في الحكم، ولا أن يملي رأيه في توجيهه وإلا بطل الحكم، فإن الله تولى منكم السرائر فليتق الله معشر القضاة؛ لأن الرقيب عليهم والمحاسب لهم إنما هو الله، وكما يقولون: لا واسطة بين القاضي وربه.
стр. 81
العمل بالبينات والأيمان
(وادرء بالبينات والأيمان) وادرء بالبينات والأيمان يعني: اقبلها واعمل بمقتضاها.
стр. 82
الغضب والقلق من المؤثرات على القاضي
(وإياك والغضب والقلق والضجر!) أي: وإياك والغضب والقلق والضجر! فكل هذا منقصة في عدالة القاضي، وليس الغضب مخلاً بالعدالة، والأمور الغريزية والجبلية لا يقوى الإنسان على دفعها، ولما جاء الرجل وسأل رسول الله ﷺ أن يوصيه فقال له: (لا تغضب)، هل معنى هذا أن تنزع غريزة الغضب من ذهنك وأعصابك؟ لا، فإنك تغضب غصباً عنك، ولكن النهي ليس منصباً على ذات الغضب، ولكنه منصب على نتائج الغضب؛ لأن الغضبان يبطش، ويسب، ويؤذي ويتعدى، فلأجل هذا منع القاضي من أن يقضي وهو غضبان، وسيأتي الحديث بعد هذا في هذا الموضوع.
(والضجر) إذا جاء خصم وصاح عليك، ومن الناس من يدخل المحكمة في خصومة تافهة، ولا يريد القضاء بها بقدر ما يريد أن يثير القاضي ويغضبه ليتكلم عليه، أي: أن بعض الناس قد يتعمد إثارة القاضي، والقاضي العاقل إذا عرف مراد هذا الخصم يمكنه من ذلك ولا يفوت عليه، ما لم يخل بحرمة مجلس القضاء، فإذا أخل بحرمة مجلس القضاء فللقاضي الحكم ابتداءً بسجنه إلى ثلاثة أيام، لأنه انتهك حرمة مجلس القضاء، ولا أحد يسأله عن ذلك.
إذاً: لا تضجر من الخصوم؛ لأنك إذا كنت في حالة الضجر هل تفهم ما يقال لك؟! وإذا كنت في حالة الغضب هل تفهم فهماً كاملاً ما يلقى إليك؟! ولكن الغضب درجات، الطفل الصغير يغضب، والرجل يغضب، والمرأة تغضب، والحيوان يغضب، والقاضي إذا لم يكن عنده استعداد للغضب لا يصلح قاضياً؛ لأنه تنتهك عنده حرمات الله، أو يرى انتهاك حرمات الله في الدعوى ولا يغضب لها! لكن إذا غضب فليجعل الغضب في فعله ولا يجعله في لسانه ولا في عقله، ولهذا كنت أقول في مذكرة القضاء: على القاضي أن يجعل نفسه في فانوس من زجاج، يرى ويسمع، ولا يتعدى الفانوس الذي هو فيه، لكنه في زجاج يستطيع أن يرى أحوال الخصوم ويسمعها.
لكن إذا كان الغضب مطبقاً، فلا يحق للحاكم أن يحكم في وقته، والغضب المطبق هو الذي يبحثونه في باب الطلاق، ومثاله أن يقول: أنا كنت غضبان، وتكلمت وما شعرت، هذه هي محل الدعوى.
والأدباء يقسمون الغضب إلى أقسام: غضب أسود، وغضب أحمر، وغضب أخضر، وهذه اصطلاحات! فالغضب الأسود الذي يسيطر على الغضبان بحيث لا يرى أمامه شيئاً، ولا يفرق بين رجل وامرأة، ويتكلم بمقتضى الغضب وهو لا يدري ما يقول، والأحمر دون ذلك بقليل، والأخضر يكون في الأمور العادية، مثاله: أن تكون ماشياً في الطريق ورأيت رجلاً يضرب ولده، فأنت تتأذى وتغضب، لكن لا تملك شيئاً فهذا أب وهذا ابنه، وكما تغضب إذا لم يقدم لك الطعام على العادة المعلومة.
إذاً: الغضب المنهي عنه هو الذي يأخذ على الإنسان عقله ويصرفه عن مراده؛ لأنه في هذه الحال لا يدري ماذا يقول، ولا يعقل ما يحكم به.
стр. 83
الحذر من التأذي بالناس عند الخصومة
(والتأذي بالناس عند الخصومة) أي: إياك أن تتأذى من الناس عند الخصومة، وذلك إذا تكلموا على بعض، إذا رأيت من فحوى المدعي أن خصمه ظالم، فلا تظهر التأذي منه وتظهر أنه ظالم، ومن أول وهلة تعلن ميولك أو عطفك على الطرف الثاني، فلا تتأذ بين يدي الخصوم، فلربما حمل أحد الخصمين تأذيك منه فييأس من عدلك.
(والتنكر عند الخصومات) إياك والتنكر عند الخصومات! بأن تتنكر للطرفين، فلا ينبغي هذا، ولا بد أن تكون حليماً بشوشاً واسع الصدر، وأن تسمع من الطرفين، وكما تسمع من هذا تسمع من ذاك، ولو كنت تعلم من فحوى خطاب المدعي وبيناته أن المدعى عليه لم يأت بشيء، فعليك أن تسمع بهذا الذي ليس بشيء؛ لأنك توفيه حقه وتعطيه فرصة الدفاع عن نفسه.
(فإن القضاء عند مواطن الحق يوجب الله تعالى به الأجر ويحسن به الذكر) فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله تعالى به للقاضي الأجر -وهذه من المحسنات أو الملطفات لتولي القضاء- ويحسن به الذكر بعد ذلك أو بعد تركك القضاء، فيثني عليك حتى الخصوم الذين حكمت عليهم، لأنه في قرارة نفسه يعلم بأن الحكم صحيح.
(ومن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس) إلى آخر ما جاء في هذا الخطاب.
ويكفينا ما تقدم من القواعد والأصول والتوجيهات والإرشاد في هذا الكتاب المبارك، والذي أشرنا إلى أنه اختير في جامعات بعض الدول الأوروبية، وترجم وقرر في الدراسات القضائية، فعلى كل قاض قبل أن يجلس على منصة القضاء أن يحفظ هذا الكتاب.
والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
стр. 84
دروس الحرم [١٩]
стр. 85
غزوة بدر وقضية الأسرى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: تقدم الحديث عما تيسر فيما يتعلق بغزوة بدر الكبرى، إلى أن وصلنا إلى نهاية المعركة، وتوجه النبي ﷺ بالأسرى إلى المدينة، وهناك أتاه جبريل ﵇، وقال: (يا محمد! إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أكون معك حتى ترضى، فهل رضيت يا محمد؟ قال: نعم رضيت).
стр. 86
قتال الملائكة مع النبي ﷺ
وخبر الملائكة في غزوة بدر خبر طويل، ولم نعرّج عليه، وقد نوّه القرآن الكريم بأمره، وجاء الواقع المشاهد يصف حالهم، فبيّن الله بقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، وكان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى عليه: علمهم الله تعاليم ميدانية، ما كانوا يعرفون القتال من قبل؛ ولأن الملائكة لم تقاتل في معركة قبل معركة بدر.
وقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] قال: الضرب فوق الأعناق للقتل، والضرب فوق البنان -وهي الأصابع- لتعطيل الحركة.
وهذا نص قرآني كريم بأن الله بعث الملائكة تثبت الذين آمنوا وتشارك بالقتال معهم، وجاءت الآية الأخرى في معرض التأييد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]، ومن تلك الموالاة في الحياة الدنيا أن يأتوا عوناً ومدداً ونصرةً للمسلمين في غزوهم.
وجاء عنه ﷺ أنه لما قام في العريش، واجتهد يدعو ربه ضارعاً يستنصره، أخذته إغفاءة فانتبه متبسماً، وقال: (أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل في ألف من الملائكة قد أقبل).
وأخبار أخرى، يقول رجل من الأنصار وكان قد ذهب بصره -نسيت اسمه-: لو كنت في بدر ورد عليّ بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة.
ويقول آخر: خرجت أنا وابن عم لي يوم بدر -وهم آنذاك على شركهم- فجلسنا على كثيب، ننظر لمن تكون الدائرة فننهب من الغنائم، وبينما نحن على تلك الحال، إذ جاءت غمامة، وسمعنا فيها من يقول: أقدم حيزوم، أما صاحبي فقد تصدع صدره فمات، أما أنا فقد غشي عليّ، فلما أفقت وجدت المعركة قد انتهت والغنائم في أيدي أصحابها.
هذا ومن آثار الملائكة في المعركة أن الرجل كان يسعى وراء المشرك ليضرب عنقه، فإذا به يرى الرأس قد انفصل عن سائر الجسد، والرسول ﷺ قال لهم: (علامة قتلى الملائكة وقتلاكم أنكم تجدون في أثر الضربة كأنه وسم بنار)، وهكذا ميّز النبي ﷺ ما كان من إصابة المسلمين وما كان من إصابة الملائكة، وأنهم فعلاً قاتلوا وضربوا وقتلوا.
وجاء رجل فوجد أسيراً موثقاً فوقف وقال: (أسير من هذا؟! من الذي أسر هذا؟! فلم يجبه أحد، ففك وثاقه وذهب به إلى النبي ﷺ فقال: وجدته موثقاً وناديت فلم يعرفه أحد، وقال له النبي ﷺ : من أسرك؟ قال: رجل طوال بثياب بيض على فرس أبلق، قال: صدقت، هذا من ملائكة السماء الثالثة)، إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت تدل بواقعها على أن الله أرسل الملائكة نصرة للمسلمين.
وهنا نقول: إن المولى سبحانه هو الذي أخرج رسوله من بيته بالحق، وهو الذي تولى أمره، وهو الذي أيده بنصره، وسخر العوامل من أرض وسماء، ومن جنود المسلمين والملائكة، لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 87
دور إبليس اللعين في معركة بدر
لقد ساهم في هذه المعركة حتى إبليس، وكانت مساهمة إبليس من الطرف الآخر، لما أرادت قريش أن تخرج تذكروا أنه كان بينهم وبين بني كنانة ثأر، فخافوا إن هم خرجوا أن يخلفوهم في ديارهم، فجاء إبليس وتصور في صورة سراقة بن مالك، وقال لهم: لا تخافوا منهم، أنا جار لكم لن يأتيكم منهم شر، وخرج معهم ويقول ابن كثير: خرج إبليس برايته، وبجند معه بالرايات ومشوا حتى قاربوا أرض بدر، وكان مع عمرو بن مالك النضري، فلما رأى نزول الملائكة إذا به يسُلّ يده منه، ويقول: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله رب العالمين، فجعل عمرو بن مالك يناديه: يا سراقة! يا سراقة! ألم تعاهدنا أنك تكون معنا؟! ألم تعاهدنا على النصرة؟! فلم يجبه ومر في طريقه حتى نزل البحر، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: لا يضرنكم انسحاب سراقة، لقد كان على موعد مع محمد.
هكذا ساهم في إخراجهم، وتكثير عددهم ليكون ذلك أنكى على قريش وأكثر لغنائم المسلمين، وها هي الملائكة تنزل، وها هي السماء تمطر، وها هي الأرض تتلبد، وها هو النعاس يأتي عوامل نصر متعددة من جميع الجوانب
стр. 88
حال المشركين قبل المعركة ووقعة نخلة
وصدق قولنا: إن غزوة نخلة كانت هي سابقة لغزوة بدر.
فقد جاء أن النبي ﷺ رأى عتبة، وكان من سادات القوم، وما جاء مع القوم إلا كمشجع وما كان يريد أن يصل إلى بدر ولما رأوا تلك الرؤيا أن رجلاً نحر بعيراً فسال دم البعير وانتشر في خيام المشركين، ولم تبقَ خيمة إلا ودخلها من دم ذلك الجزور، فخافوا من هذه الرؤيا.
وكذلك رؤيا عاتكة من قبل، فجاء حكيم بن حزام، إلى عتبة، وقال: يا عتبة! أنت سيد الوادي هل لك أن تذكر بخير مدى الدهر، قال: وما ذلك؟! قال: أن ترجع بالناس.
لأنهم قبل ذلك أيضاً كانوا أرسلوا شخصاً ينظر كم عدد المسلمين، فذهب ونظر من بعيد ورجع، وقال: القوم نحو الثلاثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكن أمهلوني حتى أنظر هل هناك مدد وكمين لهم؟ قال: فذهب فأبعد في الوادي ثم رجع، فقال: يا معشر قريش! والله ليس لهم مدد ولا كمين، والله! إني رأيت المطايا تحمل المنايا، والله إنهم يتلمظون كما تتلمظ الأفاعي بأنيابها، والله يا معشر قريش لن يقتل واحد منهم حتى يقتل واحداً منا، ولئن قتل منا بعددهم؛ فما قيمة الحياة بعد ذلك؟! هناك حكيم بن حزام جمع هذا كله، وجاء عتبة فقال: هل لك أن تحمد ويثنى عليك وتشكر الدهر كله، قال: وما ذاك؟ قال: ترجع بالناس، وهذا ابن الحضرمي الذي قتل في غزوة نخلة حليفك تحمل ديته، قال: هي لك عندي فاذهب بها، ولكني أخشى ابن فلانة -وسمى أم أبي جهل - على الناس، اذهب إليه.
فذهب إليه، وقال: إن عتبة يقول كذا وكذا، قال: ما وجد رسولاً إلا أنت، قال: نعم، ولا أكون رسولاً لغيره، فقال: انتفخ سَحَره، لقد خشي المسلمين على ولده، وكان ولده سبق إلى الإسلام، فرجع إلى عتبة، وأخبره الخبر، ثم جاء أبو جهل وأتبعه، ووقف على عتبة، وقال: خشيت على نفسك؟! والله! لا نرجعنّ حتى نقتل ونفعل ونفعل، وقال لأصحابه: لا تقتلوا أصحاب محمد وخذوهم بالأيدي لنعلمهم كيف يخرجون على آلهتنا، ثم أخذ سيفه، وضرب فرسه على متنه فقطعه، فقال الحاضرون: بئس الفأل والله.
ثم كان من شأنه أن قال: ونادى ابن الحضرمي أخاه قال: إن حليفك يريد أن يضيع عليك ثأرك، فقم في الناس واسأل الثأر، فقام وفسخ ثيابه، ونادى: وابن حضرماه، وقام واشتعل القتال.
وهذا مما يدل على أن غزوة نخلة قبيل غزوة بدر.
بينما النبي ﷺ قال -قبل أن يقوم حكيم لـ عتبة -: يا علي! سل حمزة -وكان حمزة أقرب المسلمين إلى المشركين-: من ذاك الرجل الذي على جمل أحمر، فسأله علي، فجاء حمزة وقال: ذاك عتبة، فقال: إن يطيعوا هذا الرجل يرشدوا، إنه يدعوهم إلى خير، فقام عتبة فعلاً، يدعوهم إلى الرجوع، ولكن كان أبو جهل على خلاف ذلك، ولم تنجح خطة حكيم بن حزام، فشبت المعركة، وجاءت الملائكة وانتهت المعركة على ما تقدم لنا.
стр. 89
من قتلهم رسول الله ﷺ من الأسرى
وفي أثناء الطريق مع الأسارى إلى المدينة النبوية هناك في عرق الظبية، نزل ﷺ وأمر بقتل أشخاص من الأسارى صبراً، منهم رجل اسمه عقبة بن أبي معيط، قال: أتقتلني دون قريش يا محمد! قال: نعم.
ثم التفت إلى أصحابه وقال: أتدرون ماذا فعل هذا؟! لقد أتاني وأنا ساجد خلف المقام، فوضع قدمه على عنقي، وغمزها، حتى ظننت أن عيني ستبرزان، وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي، فجاءت فاطمة فأزالته.
فقتله رسول الله ﷺ قبل أن يصل إلى المدينة مع الأسارى، وقتل واحداً معه.
стр. 90
الاختلاف في شأن الأسرى
ولما وصلوا إلى المدينة، وكان بعض أهل المدينة غير مصدق بما سمعوا من قتل صناديد قريش، وبما سمعوا من العدد الكبير الذي لقي المسلمين، فلما جاء الأسارى وشاهدوا بأعينهم اطمأنوا، ووزع النبي ﷺ الأسارى على أهل المدينة.
لنرجع إلى أهل مكة عقب الغزوة حينما أتاهم الخبر، فإنهم أقاموا المحازن وأكثروا البكاء، وجمعوا مال تلك العير، وقالوا: ولا تبكوا قتلاكم؛ حتى لا يتشفى فيكم محمد والمسلمون، ومنعوا الناس من البكاء والصياح، ولكن عواطف الناس لا يملكها أحد، ومنعوا قسمة المال، وقالوا: أرصدوه لقتال محمد، ولأخذ الثأر، وكانت غزوة أحد بعدها في السنة الثالثة مباشرة، هذا شأن أهل مكة هناك.
أما الأسارى في المدينة فقد جمعهم رسول الله ﷺ ووزعهم، وبعد ذلك جمع أصحابه، وسألهم: ماذا تقولون في شأن الأسارى؛ فسأل أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا رسول الله! هؤلاء القوم والعشير، فاقبل منهم الفداء، ونحن بحاجة إلى المال نستفيد به، ولعل الله أن ينعم عليهم بالإسلام، فيكونوا لنا عضداً، قال: ما تقول يا ابن الخطاب؟ قال: أرى ما لا يرى أبو بكر، أرى أن تعطي عمر فلاناً -لقريب له- أضرب عنقه، وتعطي عقيلاً لـ علي يضرب عنقه، وتعطي فلاناً لـ حمزة، وتعطي كل قريب لقريبه يضرب عنقه، حتى يعلم المشركون أن لا هوادة بيننا وبينهم.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! انظر وادياً كثير الحطب، وأدخلهم فيه، وأجج عليهم الوادي ناراً، ثم تركهم ﷺ ودخل؛ فقال قوم: يأخذ بقول أبي بكر، وقال قوم بقول عمر، وآخرون: بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم، فقال: (إن الله يليّن قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوباً حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم؛ قال: ﴿مَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦] وإن مثلك يا أبا بكر مثل عيسى؛ قال: ((إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ)) [المائدة:١١٨] الآية، ومثلك يا عمر كمثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] ومثلك مثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]) ثم أخبرهم بأنه يرى الفداء.
وبالله تعالى التوفيق، والله تعالى أعلم.
стр. 91
جزء من شرح حديث النهي عن المتعة
стр. 92
جدال الشيعة في شأن المتعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: أحب للإخوة طلبة العلم أن يقرءوا ما كتب عن المتعة، سواء كان قديماً، أو كان للمتأخرين؛ لأن بعض كتّاب الشيعة يدافعون عنها دفاعاً شديداً.
وقد ناقشت فيها بعض علمائهم أو رجالاتهم، فقلت: أتفعلها يا فلان؟! قال: لا.
قلت: أتبيح لابنتك أن تفعلها؟ قال: لا.
قلت: إذاً: لماذا تبيحها للغير؟ قال: ليس بلازم، كوني لا أرضاها لا يعني أني أحرمها، إنما هي مباحة للضرورة.
وفي ذات مرة في نفس هذا المكان، وفي أثناء الحديث عن الشيعة، في أول دراسة الموطأ في باب غسل الميت، سأل سائل عن ميت من الشيعة في وسط السنيين، أيغسلونه، أم يتركونه؟.
إلى كلام طويل.
وقلت: إن من حق لا إله إلا الله كذا وكذا.
فلما خرجت فإذا رجل عند منعطفٍ جوار البيت، فقال: السلام عليكم، التفت فإذا هو شيعي، أجبته، ثم قلت: نعم، ماذا تريد؟ قال: أتحدث معك قليلاً.
قلت: لا، حديثكم عمره ما يكون قليلاً، أنتم تكثرون الحديث وتتخذون التقية، وأنا الآن متعب، إن كنت تريد الحديث بشكل مطوّل فموعدنا غداً الضحى، وهذا باب البيت.
فقال: كلمة واحدة فقط.
قلت: فلتكن كلمتين! قال: سمعت منك الليلة أمراً عجيباً، كنا نقول: أهل الحجاز أحد لساناً وسناناً على الشيعة، وسمعت منك الآن تقول: من حق لا إله إلا الله أننا نغسّل ميتهم، هذه ما سمعناها أبداً.
قلت: لا، فهذا موجود، وذكرت له أننا نعتقد ذلك، وليس كما يقول الشيعة فإنهم يقولون كما في كتب الفقه عندهم-: إذا وجدت جثة مخالف فلا تواره إلا تقية.
فقال: أين هذا؟ قلت: لما تأتي غداً إن شاء الله أكلمك أين هو.
لما جاء وأخبرته، وسألته: ماذا تعمل؟ قال: مدرس الإسلاميات في جامعة النجف.
قلت: أنت -إذاًَ- على مستوى من الفقه.
قال: نعم.
فتكلمت معه عن بعض الأمور، وقلت: اطلعت من كتبكم على كذا وكذا، ما ترونها عندكم؟ قال: من أصولنا المعتمدة.
قلت له: عندي رسالة إلى الآن ما طبعت في المتعة، ولاحظت أن الرجل أقرب إلى الصدق، ولا يتخذ التقية.
قلت: كتبت الرسالة ترد عليكم في نكاح المتعة، أريد أن أعرضها عليك، حتى لو كان لك اعتراض أستطيع أن أتداركه وأناقشه معك.
فوافق، فأتيته بالرسالة، قلت: الرسالة طويلة، ويهمني ما أوردته عليكم من كتاب الشريعة للحلي، وسألته: ما تقول في الحلي؟ قال: إمامنا، إمام عظيم.
قلت: يقول في كتاب الزواج: يتزوج عدد ما شاء، وفي كتاب الطلاق: لا يحلها لزوجها الأول إذا كان زوجها الأول قد بت طلاقها، وأنتم ملزمون في هذا: إما أن تقولوا: إنها زوجة، فلا يزيد عن الأربع، وإما أن تقول ليست بزوجة، وهذا الذي نلزمكم به، وكذلك في الطلاق، إما أن تقول: إنها نكحت زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً، فيلزمكم أن تبيحوا بهذا النكاح إن طلقها أن تحل لزوجها الأول المحرمة عليه.
إذاً هذا ليس بنكاح، وعليه: فهي لم تنكح زوجاً غيره، وهذا جاء عن ابن عباس فيما اطلعت عليه أخيراً، سئل: أزوجة هي؟ قال: لا، أمملوكة يمين؟ قال: لا، قيل: إذاً: ماذا تكون؟ قال: متعة.
فقلت له: إن الحلي يقول كذا وكذا؟ قال: ما أعتقد -أي: ما أظن أنه قال ذلك-!! قلت: على كل حال تعتقد أو لا تعتقد هذا موجود، وأتيته بالكتاب وقلت: اقرأ، وقرأ.
قال: أمهلني إلى الغد.
قلت: لك إلى بعد الغد، وفعلاً كان رجلاً -كما قلت- منصفاً، ثم لقيته من الغد، فقال: اعذرني لم أجد الجواب، ولكن أمهلني إلى الغد.
والتقينا في المسجد، فقال: ما قلته عن الحلي صحيح، ولكنه رأيه الخاص.
قلت: هذه هي الحيدة.
أنت قلت: إنه إمام، والإمام لا يقول رأياً خاصاً.
على كلٍ -يا إخوان- المسألة هذه أخذت حيزاً كبيراً كما أشرت.
وينبغي لطالب العلم أن يوسع مداركه فيها؛ لأن الجدال في خارج هذه البلاد -نسأل الله أن يحفظها- طويل وحاد وشاق بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم.
والله تعالى أعلم.
стр. 93
عظم قدر النبي ﷺ
стр. 94
اصطفاء الله لبعض مخلوقاته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩].
فأجمل منك لم تر قط عين وأفضل منك لم تلد النساء ولدت مبرأً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء لقد اختص الله سيد الخلق محمداً ﷺ بالمحامد الوفيرة والمآثر الأثيرة، وأثنى عليه في كتابه في آيات كثيرة، وأبقى معجزاته ما تعاقب الجديدان، وخلّد ذكره ما توالى النّيران، حفظه بعينه التي لا تنام، وحماه بركنه الذي لا يضام، رعاه وأكرمه وسواه فأحسن خلقه وعدّله، أيده ببراعة اللسان بعد أن ركّب فيه كل خلق حسن، أوحى إليه وناجاه وبكريم الخصال حباه، فتح به أعيناً عمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً.
قرن طاعته بطاعته، وأغلق طريق الجنة إلا باتباع أثره، ونفى الإيمان عمن خالفه، وحرم الجنة على من لم يطعه في هداه، فقال عز من قائل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ﷺ تسليماً كثيراً.
والحديث عن عظيم قدر النبي ﷺ وعلو شأنه قد يكون من جهته ﷺ من باب تحصيل الحاصل؛ لأنه لا يستطيع أحد على الإطلاق أن يأتي بجديد أو يحصي الموجود أو يزيد، ولكنه تنبيه للعقول وإيقاظ للقلوب وتجديد للشعور بالمعقول والمنقول، وهذا جهد المقل وحصيلة المشغول.
فأقول وبالله التوفيق: إن رفعة شأن كل شيء وعظم قدره إما في اصطفاء الله إياه، وهو إما في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، وقد اختص الله من الناس ومن الملائكة أفراداً على بني أجناسهم، فاختص من الملائكة جبريل ﵇ وجعله أميناً على وحيه ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١]، وكذلك حملة العرش، واختص من الناس الرسل صلوات الله عليهم، واختص منهم أولي العزم، واصطفى من الجميع محمداً ﷺ .
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ولما اعترض بنو إسرائيل على بعث طالوت عليهم ملكاً قالوا بمقياس البشر: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، كان
الجواب
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٧].
فأصل اختياره اصطفاء الله إياه، ثم آتاه مقومات الملك ومؤهلات السلطة: (بسطة في العلم والجسم) وقدم في العلم؛ لأنه الأساس للتخطيط والسياسة، والجسم للتنفيذ والتطبيق.
وكذلك نبي الله موسى حين فر فزعاً من انقلاب العصا حيةً تسعى، ناداه ربه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣]، وكذلك مريم: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٤٢].
وهذا الاصطفاء البشري لإبلاغ رسالة الخالق إلى خلقه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] وفي هذا الاصطفاء رفعة لشأن من اصطفاهم وعلو لقدرهم.
وقد شمل منهج هذا الاختصاص والاصطفاء بعض المخلوقات من الأمكنة والأزمنة، فقد اختص الله من عموم الأماكن مكة وبيت المقدس والمدينة المنورة؛ لما فيها من المقدسات والآيات البينات، وخص الأعمال فيها بمضاعفة الأجر، ومن الأزمان اختص من الشهور رمضان والأشهر الحرم، ومن الأيام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة الجمعة، ومن الساعات ساعة في يوم الجمعة، وبيّن تعالى موجب اختصاصها عن جنسها، وهذا الاختصاص قد أعلى شأنها وعظّم قدرها.
وإذا جئنا إلى موجب اصطفائه سبحانه لرسله ابتداءً من آدم ﵇ إلى عيسى إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، نجد أن آدم كان أول الخلق من البشر، وأنه خلقه تعالى بيده ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، ويكفيه أولية الخلق، وخلقه سبحانه بيديه، وفي الأثر: ثلاث خلقهن الله بيده: خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب الألواح لموسى بيده، وبقية المخلوقات من كن فيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
ونوح ﵇ خصه الله بالعمر الطويل، حتى لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، يساير الليل والنهار، ويصابر قومه ويصبر عليهم، حتى أعلن يأسه منهم ودعا عليهم: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى في سورة القمر: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٤]، وإبراهيم ﵇ يتحدى قومه ويتلطف إلى أبيه: يا أبت! يا أبت! ويواجه الملك الطاغي النمرود ولا يبالي بهم جميعاً، ويحطم آلهتهم ويسخر منهم، ثم يواجهونه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]، فأوقدوا نيرانهم فلم يبال بهم، وابتلاه الله بكلمات التكليف فأتمهن فجعله الله بإتمامها إماماً، وكان بإمامته أمة.
أما موسى ﵇ فقد نشأ في رعاية الله من حين مولده، فحفظه من تذبيح فرعون لأبناء بني إسرائيل، ورعاه حين ألقته أمه في التابوت في اليم، ورعاه في رضاعته، فحرم عليه المراضع؛ كي يُرد إلى أمه وهم لا يشعرون، ورعاه في بيت عدوه حين صار رجلاً، ورعاه في خروجه إلى مدين، ورعاه عند شعيب، ورعاه عائداً بأهله إلى مصر، ثم هاهو يُبعث إلى فرعون وقومه فيبدأ التحدي بين الحق والباطل، ورعاه حين سلك في البحر طريقاً يبساً، ورعاه حين أهلك عدوه وهو ينظر إهلاكه بعينيه.
وعيسى ﵇: اصطفى الله مريم لتكون أماً له، واصطفاها حينما نذرت أمها ما في بطنها، واصطفاها حينما ألقوا أقلامهم أيهم يكفل مريم؟ واصطفاها: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧]، واصطفاها حينما ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم:١٦ - ١٧]، واصطفاها في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٧ - ١٨]، واصطفاها حينما قال لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩] إلى أن جاءت به قومها تحمله، وجابهوها بتلك الفرية، فجعل الله مصدر تهمتها هو بعينه دلالة براءتها، حين قال لهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤]، وجاء الوحي فكشف ما التبس عليهم بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].
стр. 95
عظم قدر النبي ﷺ وموجباته
وبعد هذا التمهيد وهذه المقدمة نأتي إلى بيان موجب رفعة شأنه وعظيم قدره ﷺ .
стр. 96
عظم قدر النبي ﷺ في ذاته وفي تقدم نبوته على الأنبياء
لقد ذهب بعض المختصين في البحث عن ذلك إلى أول نقطة وجوده ﷺ ، وفي نظري أن وجوده ﷺ يرجع إلى أمرين: وجود قدري في عالم الملكوت، ووجود في عالم الإنسان.
أما وجوده القدري: فقد ذهب البعض فيه إلى مسافات بعيدة، إلى ما قبل آدم ﵇؛ لأن بعد تلك المسافة لم تكن طريقها ممهدة فأجهدتهم، كما أن سلطان العاطفة قد دفعهم إلى أخذ كل ما وجدوه مما فيه تعظيم لقدره ﷺ .
وهنا مبحث تعارض العقل مع العاطفة، ولكل منهما مقامه، فمن ذلك على سبيل المثال: لما كانوا في غزوة تبوك، وقاموا يتهيئون لصلاة الصبح، وذهب ﷺ للخلاء فأبعد وتأخر عليهم، فانتظروه ليصلي بهم حتى أسفروا، فتحيروا هل يصلون قبل خروج الوقت، أم ينتظرون قدومه؟ والعاطفة مع الانتظار ليصلي بهم، والعقل مع الإسراع وإدراك الوقت، فقدموا العقل وصلى بهم ابن عوف رضي الله تعالى عنه، وجاء ﷺ وهم في الركعة الثانية، فأراد المغيرة أن ينبه الإمام ليتأخر ويتقدم ﷺ للإمامة، فمنعه النبي ودخل في الصف، ولما سلم الإمام قام ﷺ فأتم الركعة التي فاتت، ولما رآهم أسفوا لذلك قال: (ما قبض الله روح نبي إلا وقد صلى خلف أحد من أمته) أي: أنهم أصبحوا أهلاً للإمامة.
وكذلك موقف الصديق لما قال ﷺ في مرضه: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ولما أقيمت الصلاة وجد ﷺ في نفسه خفة فخرج فنبهوا أبا بكر، فأخذ يتراجع، فأومأ إليه ﷺ أن مكانك، وكان أبو بكر بين العاطفة والعقل، فالعاطفة: ألا يتقدم على رسول الله، والعقل: أن يمتثل أمره ويبقى مكانه، لكنه قدم العاطفة فتأخر وصلى بهم رسول الله، ولما فرغ قال له: (ما الذي منعك أن تبقى إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله).
وفي كل من تقدم ابن عوف وتأخر أبي بكر وجهته، وقد أقر ﷺ كلاً منهما على فعله، وهكذا لكل مقام مقال.
وجميع كتّاب السيرة قد ذهبوا في بدايته وبداية وجوده القدري إلى ما قبل وجوده الفعلي، إلا أن منهم من أبعد الغاية وطوّل الطريق، فنقلوا آثاراً تنتهي إلى ما قبل آدم وربما إلى ما قبل خلق السماوات والأرض، وحصروا أولية الوجود في ثلاثة: العقل، والقلم، ونور محمد ﷺ ، وأن اسمه مكتوب على ساق العرش وعلى ورق الجنة وثمارها.
ومنهم من وقف عند خلق آدم، وهو بين الروح والجسد، أو وهو مجندل في طينته، وأثبت له النبوة هناك وقالوا: لقد أخذ نوره يتنقل في أصلاب آبائه حتى درج للوجود الفعلي مستأنسين بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٧ - ٢١٩]، ذهبوا إلى أن (تقلبه) أي: تقلب نوره في أصلاب آبائه من النبيين قبله، ولكن تعقبهم النقّاد وقالوا: إن أباه إبراهيم لم يكن أبوه آزر من النبيين ولا حتى من المؤمنين، ونحن نقول: إن أباه ﷺ عبد الله لم يكن من النبيين، بل كان من أهل الفترة على التحقيق.
وقد ذكر السيوطي ﵀ في كتابه الخصائص الذي قال عنه في مقدمته: كتاب فاق الكتب في نوعه جمعاً وإتقاناً، يشرح صدور المهتدين إيقاناً، ويزداد به الذين آمنوا إيماناً إلى قوله: مستوعباً لما تناقله أئمة الحديث بأسانيدها المعتبرة إلى أن قال: أوردت فيه كل ما ورد، ونزهته عن الأخبار الموضوعة وما يرد، وتتبعت الطرق والشواهد لما ضعف من حيث السند.
انتهى، وتعقبه الشيخ الهراس ﵀: بأنه لم يلتزم كل ذلك، وقال في هذا الكتاب -أي: السيوطي - باب خصوصية النبي ﷺ بكونه أول النبيين في الخلق، وتقدم نبوته وأخذ الميثاق عليه، وساق تحت هذا العنوان ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو نعيم في الدلائل من طرق عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧] الآية.
قال: (كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث) فبدأ به قبلهم.
ونقل السيوطي أيضاً: أن أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين سئل: كيف صار محمد ﷺ يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: لما ﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] كان محمد أول من قال: (بلى).
ومن ذلك ما عزاه لـ أحمد والبخاري في تاريخه وغيرهما عن ميسرة قال: قلت: (يا رسول الله! متى كتبت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد).
وكذلك ما عزاه لـ أحمد والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمجندل في طينته).
وساق أيضاً: أن أعرابياً قال للنبي ﷺ : (أي شيء كان أول نبوتك؟ قال: أخذ الله مني الميثاق لما أخذ من النبيين ميثاقهم، ودعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام) انتهى.
وهذه كلها بدون شك آثار وأخبار تدل على علو شأنه وعظيم قدره، إلا أن بعضها لم يسلم من النقّاد في التفتيش عن السند، وهذا صاحب (سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد) قال: هذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب إلى أن قال: ولم أذكر فيه شيئاً من الأحاديث الموضوعة إلخ.
قال فيه: الباب الأول في تشريف الله تعالى له ﷺ لكونه أول الأنبياء خلقاً، ذكر في هذا الباب أثر ابن أبي حاتم الذي ذكره السيوطي: (كنت أول الأنبياء خلقاً).
وذكر المحشي عليه عدد من خرّجه: ابن عدي وأبو نعيم وابن كثير في التاريخ والثعالبي إلى آخره.
ثم قال: وروى أبو سعد النيسابوري في الشرف وابن الجوزي في الوفاء عن كعب الأحبار قال: لما أراد الله سبحانه أن يخلق محمداً ﷺ أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرفيق الأعلى، فقبض قبضة رسول الله ﷺ من موضع قبره الشريف وهي بيضاء نيرة وعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة بين العرش والكرسي والسماوات والأرض، فعرفت الملائكة محمداً قبل أن تعرف آدم أبا البشر، ثم كان نور محمد يرى في غرة جبهة آدم، وقيل له: يا آدم! هذا سيد ولدك من المرسلين إلى قوله: ثم لم يزل النور يتنقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولد ﷺ .
وأقول: هذا من الإسرائيليات التي تنقل في غير تشريع.
стр. 97
نور النبوة المحمدية يتقلب في الأصلاب
ثم قال صاحب سبل الهدى: وفي كتاب الأحكام للحافظ الناقد أبي الحسن بن القطان، روى علي بن الحسين عن أبيه مرفوعاً: (كنت نوراً بين يدي ربي قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام)، ولم يعلق المحشي على ذلك بشيء.
ونقل في باب آخر قول ابن رجب في اللطائف على حديث: (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين) قال: المقصود من هذا الحديث: أن نبوة النبي ﷺ كانت مذكورةً معروفةً قبل أن يخلقه الله تعالى ويخرجه إلى دار الدنيا، وأن ذلك كان مكتوباً في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم ﵇.
ثم قال المؤلف: أداء لأمانة العلم كتعليق على ذلك: هناك تنبيهان: الأول: ما اشتهر على ألسنة الناس بلفظ: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)، قال ابن تيمية والزركشي وغيرهما من الحفاظ: لا أصل له.
وكذلك قوله: (كنت ولا آدم ولا ماء ولا طين).
الثاني نقل عن السبكي قوله: لم يصب من فسّر: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد) بأنه سيصير نبياً؛ لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء إلى آخر كلامه الملخص في أنه لو كان المراد ما كان في علم الله لما كان للنبي ﷺ زيادة فضل على غيره، سواء من الأنبياء أم عامة الخلق.
وهنا يمكن أن يقال تعليقاً على هذين التنبيهين: أما الأول فإننا لم نجد اللفظ الذي قال عنه الإمام ابن تيمية: إنه لا أصل له، ثم إنه لم ينقل لنا عن هذا الإمام الجليل ﵀ -وهو الناقد البصير- عن قضية النور شيئاً، ولا عن تقلبه في الأصلاب حتى ولد.
ولعل مما يناسب ذكره هنا ما ذكره ابن هشام وغيره: أن أخت ورقة بن نوفل لقيت عبد الله والد النبي ﷺ يوم مفاداته بمائة من الإبل فقالت له: هل لك أن تذهب معي إلى بيتي ساعة ولك مائة من الإبل مثل التي فوديت بها اليوم؟ فاستمهلها حتى يصل مع أبيه إلى بيته، ولكن أباه لم يذهب إلى البيت وذهب إلى بني زهرة، وخطب له آمنة بنت وهب فتزوجها ودخل عليها في ليلته، فحملت برسول الله ﷺ ، ومن الغد لقيته تلك المرأة فأعرضت عنه فقال لها: مالك لا تعرضين عليَّ اليوم ما عرضته عليَّ بالأمس؟ فقالت: أما الآن فلا حاجة لي بك، كنت بالأمس أرى بين عينيك وبيص نور طمعت أن أظفر به، ولكن فازت به آمنة بنت وهب.
ويمكن أن يقال: إن هذا الخبر مع أحاديث تقلب النور في الأصلاب ولو ضعفت الأسانيد فإنه يشد بعضها بعضاً، ولا سيما أنها ليست تشريعاً.
وقد ساق صاحب سبل الرشاد قصة هذا النور بين عيني عبد الله بطرق متعددة، منها ما عزاه لـ فاطمة الخثعمية، وذكر من هذا الطريق جواباً لـ عبد الله لهذه المرأة يدل على رفضه ما عرضته عليه فقال: أما الحرام فالممات دونه والحل فلا حل أستدينه فكيف بالأمر الذي تبغينه يحمي الكريم عرضه ودينه ثم روى عن البيهقي وأبي نعيم عن ابن شهاب: أن عبد الله كان أحسن رجل رئي، فمر على نساء من قريش فقالت امرأة منهن: أيتكن تتزوج هذا الفتى فتصطب النور الذي بين عينيه، فإني أرى بين عينيه نوراً إلخ.
فرؤية النور بين عيني والده الوارد بطرق متعددة سالمة أسانيدها من الوضع -كما قال عنها أصحابها- ولا شك أنها تترك أثراً بالغاً في الدلالة على عظيم قدره وعلو شأنه وطهارة نسبه من نكاح لا سفاح فيه، كما قال القائل في ذلك: نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً كيف لا، والله تعالى يقول في حق إحدى زوجاته ما يعم أهل البيت جميعاً: ﴿إِِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، فالرسول ﷺ أولى وأحق بذلك.
وكما قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كيف وقد قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٤ - ٥] وطهارة نسبه أولى وأحق.
وبعد هذا التمهيد الطويل نقول: إن بيان عظيم قدره وعلو شأنه قد يكون بالنسبة إليه -كما أسلفنا- بمثابة تحصيل الحاصل، وأنه في غنىً عن ذلك؛ لأنه في ذاته معجزة تشهد بعلو قدره ورفعة شأنه، كما قال ابن رواحة رضي الله تعالى عنه: لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر ولدينا من النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة ما يغني، ولن نبعد كما أبعد الآخرون، وإن كان المبدأ عند البعض قول البوصيري في البردة: دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
стр. 98
عظم قدر المصطفى ﷺ في وجوده القدري والفعلي
وقد نبهنا على أنه ﷺ له وجود قدري ووجود فعلي، وكلا الوجودين ثابت في الكتاب والسنة.
وقبل المجيء إلى الكتاب والسنة وهما الأساسان العظيمان مع ما صح وثبت من أخبار التاريخ نجدد التنبيه على أن النصوص والآثار وصحيح الأخبار في هذا الموضوع أكثر من أن تحصى وأوفر من أن تذكر، وقد جمع جلها علماء السيرة والتاريخ والخصائص، ونحن هنا نكتفي بالبعض، وفي البعض ما يغني عن الكل.
стр. 99
عظم قدر النبي ﷺ في وجوده القدري من القرآن
فمن الوجود القدري في كتاب الله على سبيل المثال الآتي: أولاً: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فكونه مكتوباً عندهم في كتبهم، وبيان منهج رسالته من أمره، وتخصيص في التشريع دلالة قاطعة على وجوده القدري في رفعة شأنه وعلو قدره.
ثم إن هذا النص المنوه عنه والمأخوذ عليهم الميثاق به في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]، فأخذ الميثاق عليهم وتوثيقه بإشهاد الله بعضهم على بعض، والله معهم من الشاهدين؛ دليل عظيم على قدره في عالم الملكوت والملائكة والأمم من قبل.
ثم إنه سبحانه قد عرّفهم إياه بشخصه كما يعرفون أبناءهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، وسأل عمر رضي الله تعالى عنه كعب الأحبار: ما هذه المعرفة التي عرفكم إياها الله بمحمد؟ فقال: والله يا عمر! إني لأعرفه أكثر مما أعرف ولدي؛ لأن معرفتي إياه عن طريق الوحي، أما معرفتي لولدي فعن طريق أمه، والنسوة يقترفن.
وجاء مصداق تلك المعرفة أن عيسى ﵇ لما بشر به سماه باسمه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦]، فقد ذكره قبل مجيئه وسماه باسمه، فهذا أيضاً من أعظم الدلائل على علو شأنه وعظيم قدره.
وجاءت السنة توضح تطبيق الميثاق عليهم باتباعه في حق كل من موسى وعيسى ﵉: أما موسى فقد جاء عمر بصحيفة من التوراة قد أعجبه ما فيها، فقال له رسول الله ﷺ : (ألم آت بها بيضاء نقية يا ابن الخطاب؟ والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي).
وأما عيسى ﵇ فسينزل آخر الزمان ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويحكم بشريعة محمد ﷺ .
ومن أوضح الدلالة على عظيم قدره وعلو شأنه: أن الله تعالى عرفه وعرف أصحابه معه في كل من التوراة والإنجيل بالأمثلة المعبرة لكل من اليهود والنصارى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٨ - ٢٩].
стр. 100
عظم وجود النبي ﷺ القدري في اصطفاء الصحابة الكرام لصحبته
تنبيه: لا شك أن تسجيل صفات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في الكتابين السابقين مع تعريفه ﷺ ؛ شرف عظيم لهم وتكريم جليل له في بيان نوعية الذين معه، وأنه تعالى كما اختاره واصطفاه اختار واصطفى له من يكون معه في أعلى المستويات.
ومما يسترعي الانتباه أنه لم يقتصر على مثال واحد للأمتين اليهود والنصارى، بل أفرد كل أمة بمثال مستقل ومغاير للآخر، فجعل مثالهم لليهود روحانياً سامياً: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩]، وذلك أن اليهود غلبت عليهم الماديات، فاحتالوا على ما حرم الله، وظهر ذلك في قضية يوم السبت.
فبيّن فضل أصحاب رسول الله بعزوفهم عن الدنيا ورغبتهم في الآخرة: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] سماحةً ونوراً ورونقاً وبهاء، استنارت قلوبهم بالطاعة ففاضت على محياهم بالنور ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] المنزل على اليهود.
﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح:٢٩] المنزل على النصارى ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح:٢٩] وهو النبت الذي يخرج في أصل العود كالذرة والحب فكبر فآزر الفرع الأصل ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى﴾ [الفتح:٢٩] وقام على سوقه مستوياً ملتفاً بعضه ببعض في قوة، يشد بعضه بعضاً ليعظم منظره ويجود مخبره ويضاعف إنتاجه ومحصوله ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، ويقدم لهم هذا الوعد المحتوم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩].
وهنا ما يسترعي الانتباه: وهو أنه سبحانه خص اليهود بالوصف بالجانب الروحي في العبادة وابتغاء الفضل من الله، وخص النصارى بالوصف بالجانب المادي في الزرع والاستثمار، وللمتأمل المسترشد أن يقول: إن كل مثال في مكانه أبلغ، وهو لمن خصه به أنسب؛ لأن اليهود غلبت عليهم القسوة والشدة، فوصف لهم أصحاب محمد بالرحمة: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، واليهود سيطرت عليهم المادة حتى احتالوا على ما حرم الله، وتهربوا من التزامهم بالشريعة كالصيد المحرم عليهم يوم السبت، حيث كانوا يلقون الشباك يوم الجمعة ويسحبونها يوم الأحد، والشحوم التي أذابوها وجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها وهي محرمة عليهم، وتخاذلهم عن دخول الأرض التي أمروا بدخولها، وقولهم لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤].
بينما أصحاب محمد وقافون عند النهي سباقون عند الأمر، وهم القائلون لرسول الله ﷺ يوم بدر: (والله لا نقول لك كما قال اليهود لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك).
فلعل اليهود بسماعهم وصف أصحاب محمد يكبحون جماح المادة ويعودون إلى الله! أما النصارى فكانوا على نقيض ما عليه اليهود، فقد أهملوا الجانب المادي وأغرقوا في الرهبنة وعطلوا مناهج الحياة: ﴿وقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:٢٧].
فلعلهم بسماع وصف أصحاب محمد بالزرع والنماء يخففون من رهبانيتهم وينتبهون إلى أعمال دنياهم.
وبهذه المناسبة فإن هذه الأمة -ومنها أصحاب محمد ﷺ قد أخذوا بأحسن الخطتين الموضحة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠]، فجمعوا بين السعي إلى ذكر الله والانتشار في الأرض.
стр. 101
ذكر عظم قدر النبي ﷺ وعلو شأنه في وجوده الفعلي في القرآن
أما الوجود الفعلي في الكتاب والسنة فمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] أي: تعرفون نسبه ومولده وصدقه وأمانته وفي قراءة: ((مِنْ أنفَسكمْ)) من النفاسة ورفعة الشأن وعلو القدر.
افتتاحية رسالته وهو النبي بالأمر بالقراءة وبالعلم، والتنويه بشأن هذه الأمية في حقه ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٢ - ٤].
ومن ذلك فنجد في هذا إشارة إلى صفة من أعظم الصفات الدالة على عظيم قدره، إذ أصبحت الأمية التي هي عيب في حق صاحبها تعود مدحاً في حقه ﷺ وكمالاً، فيعلم الأمة الكتاب والحكمة، ولم يقتصر تعليمه على معاصريه بل يمتد إلى آخرين لم يلحقوا بهم من الأجيال المتعاقبة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وذلك لاستمرارية معجزته الخالدة القرآن الكريم الذي تعهد الله تعالى بحفظها، بخلاف معجزات الأنبياء قبله فهي مؤقتة بأزمانهم مختصة بأشخاصهم، والقرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤].
ثم إن النبي ﷺ وضع المنهج القويم للتطبيق العملي الدائم بقوله: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً كتاب الله وسنتي)، فإنزال القرآن عليه وحفظ الله تعالى إياه واستمرار العمل به أعظم ما يعلي قدره ويعظم شأنه.
ومن التنبيه على علو شأنه وعظيم قدره من كتاب الله افتتاحية سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:١ - ٣]، وقد نزلت في صلح الحديبية، وفعلاً كان صلح الحديبية فتحاً، وقد سأل عمر رسول الله ﷺ : (أَفَتْح هو يا رسول الله؟! قال: نعم إنه لفتح)، ويكفي في كونه فتحاً مبيناً، أن تجلس قريش مع النبي ﷺ -كما يقال- على مائدة المفاوضات، وتجتمع تواقيعهم على صحيفة الصلح التي انتزعت منهم الاعتراف الفعلي بالكيان الإسلامي، ويقف الجميع جنباً إلى جنب في العرف السياسي والعسكري، وقد دخل في الإسلام بهذا الفتح في مدة السنتين نحو عشرة آلاف، وهم أضعاف من دخل فيه من قبل، ثم جاء الفتح الأكبر فتح مكة الذي جاء بالحق وأزهق الباطل، وتهاوت الأصنام المعلقة بالكعبة بمجرد الإشارة إليها بقضيب في يده.
وكان صلوات ربي وسلامه عليه يقوم الليل حتى تتفطر قدماه شكراً لله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد يقول قائل: وأي ذنب كان منه وهو المعصوم؟ فيقال: هو رفع لدرجاته وتعظيم لقدره.
وأما إتمام النعمة عليه فلقد أتم تمامها في الحج خاتمة أعماله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] إلى آخره.
وقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:١]، قد يكون في صيغة الوعد، والوعد من الله حق.
وقد بيّن تعالى أنه صدق وعده معه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام:١٦١]، وجعله هادياً مهدياً: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣].
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] السورة، وفي سورة الضحى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] رداً على الشامتين في فترة فتور الوحي، فقالوا: تركه ربه وأبغضه، فأكذبهم وأعظم له المواساة مع البشارة.
﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤]، ولا حد لهذه الخيرية إلا ما يرضيه ﷺ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥].
وقد بيّن ﷺ عظم هذا العطاء حيث إنه في اليوم الذي يقول فيه كل نبي: (نفسي نفسي)، أما هو فيبعثه الله المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون حين يؤتيه الله الشفاعة العظمى على ما سيأتي.
وسورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح:١] وما جاء فيها من الآيات الكريمات إلى قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] قال القرطبي: قال مجاهد يعني: بالتأذين، وفيه يقول حسان: أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وروى عن الضحاك عن ابن عباس قال: يقول له: لا ذُكرتُ إلا ذُكرتَ معي: في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم عرفة ويوم الأضحى، وأيام التشريق، وعلى الصفا والمروة، وفي مشارق الأرض ومغاربها.
انتهى.
أقول: وعند دخول المسجد، والخروج منه، وقبل وبعد الدعاء.
وقيل: أعلينا ذكرك في الكتب المنزلة إلى آخر ما ذكره من المقام المحمود.
بل وفي قضية تظاهر نسائه عليه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم:٤ - ٥] إلخ، وهذه العناية به وحسن موالاته لا شك أنها من عظيم قدره عند الله وجبريل وصالح المؤمنين وعموم الملائكة المكرمين.
стр. 102
ذكر عظم قدر النبي ﷺ وعلو شأنه في وجوده الفعلي في السنة النبوية
ثم في الصلاة والتسليم عليه جعلها الله قربة، وأثاب على الصلاة عليه مرة بعشر صلوات من الله، وهذا لا شك تعظيمٌ لقدره.
ومن صحيح الأخبار والآثار قوله ﷺ : (إن الله اختار من الناس العرب، واختار من العرب كنانة، واختار من كنانة قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار).
وكذلك حفظ نسبه الشريف من أن يصيبه شيء من أوضار الجاهلية رغم طول الزمن وكثرة آبائه منذ آدم وحواء، وقد أفصح ﷺ عن ذلك بقوله: (ولدت من نكاح لا سفاح فيه)، علماً بأنهم كانوا يتوسعون في مدلول النكاح كما جاء عن عروة عند البخاري ﵀ وأبي داود أن عائشة ﵂ أخبرته: أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أوجه: نكاح مثل نكاح الناس اليوم: بأن يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
ونكاح ثان: وكان الرجل فيه يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: اغتسلي ثم اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.
ونكاح ثالث: وفيه يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم فيصيبونها، فإذا حملت ووضعت، ومرت ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، وهو ابنك يا فلان! فتسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع الرجل أن يمتنع منه.
ونكاح رابع: وهو نكاح البغايا.
فلما بعث الله محمداً ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم.
قال الشوكاني ﵀: وكان يوجد نكاح البدل يقول الرجل لآخر: انزل لي عن زوجتك وأنزل لك عن زوجتي، ونكاح الخدن: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء:٢٥] أي: ما استتر، ونكاح المتعة.
ونقول: وكذلك السبايا في إغارة بعضهم على بعض، كما قيل: وبنت كرام قد نكحنا وما لنا لها خاطب إلا السنان وعامله وعلى الرغم من توسع العرب في ذلك في زمنه ﷺ إلا أنه لم يصب نسبه الشريف بواحد منها مع أن تلك الصور لم تكن معيبةً عندهم.
وجاء عن ابن عباس عند قوله: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]: ما من قبيلة إلا وله فيها رحم.
وقال القاضي عياض في الشفاء ما نصه: وروي عن علي رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الشورى:١١] قال: نسباً وقرابةً: قرابة الآباء، ﴿وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤].
قال البيضاوي في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤] أي: نسباً دون نسب، ذكور ينسب إليهم، وذوات صهر أي: إناث يصهر إليهن إلى قوله: (ليس في آبائه سفاح) ثم نقل عن ابن الكلبي قوله: عددت للنبي ﷺ خمسمائة أم فما وجدت فيهنَّ سفاحاً ولا ما كان عليه أمر الجاهلية، وتعقبه القاضي في ذكره لهذا العدد بقوله: لعله أراد العمات والخالات وأراد الكثرة، وقال: إنما بينه وبين عدنان واحد وعشرون أباً إجماعاً، وبين عدنان وآدم ستة وعشرون أباً، فيكون بينه وبين آدم سبعة وأربعون أباً وسبع وأربعون أماً.
стр. 103
عظم قدر النبي ﷺ وعلو شأنه في حصول أحداث عظيمة عند مولده ونشأته
أحداث الإيجاد، أي الإيجاد الفعلي: رافق الإيجاد الفعلي للنبي ﷺ مجموعة من الأحداث الدالة على رفعة شأنه وتعظيم قدره ومن هذه الأحداث: أولاً: أحداث يوم مولده: فمنها انصداع الإيوان، أي: إيوان كسرى، وهذا الصدع لا زال موجوداً إلى اليوم، ولما جئنا إلى المدائن وجئنا إلى إيوانه نظرت فإذا صدع في الجدار على ارتفاع ما يقرب من عشرة أمتار، والإيوان ارتفاعه لا يقل عن عشرين متراً، وجداره من أسفل في الأساس بعرض المترين وينتهي من أعلى إلى نصف المتر، وهذا الصدع تأملت ونظرت إليه، فإذا بالملحق الثقافي في السفارة السعودية يقول: ماذا تبحث يا فلان؟! قلت: أبحث عن جهة القبلة -جهة مكة- فأشار إلى الجهة التي فيها الصدع في هذا الجدار، فقلت: نعم الله، أكبر! قال: على ماذا؟ قلت: هذا الصدع قديم؛ لأنه الذي جاءت الأخبار فيه أنه انصدع يوم ولد ﷺ ، فسأل المسئولين هناك عن السياحة: متى كان هذا؟ قالوا: ولدنا وهو موجود ولا نعلم له تاريخاً، فلا يزال هذا الصدع موجوداً في هذا الإيوان في هذا الجدار.
ومن ذلك إخماد نار فارس، وجفاف بحيرة ساوة.
لما فيه من تنبيه العالم بحدث جديد.
ثانياً: أحداث رضاعه: ومنها أخباره مع حليمة مرضعته من نزول الخير والبركة بأهل بيتها وبأرض قومها، ومن شق صدره في طفولته.
نعم وألف نعم في كل ما تقدم ما يفصح ويوضح عظيم قدره ورفعة شأنه صلوات الله وسلامه عليه، بل إن في ذاته وصفاته من حيث خلْقه وخلُقه العظيم، وحسبه ونسبه الطاهر، وما أجراه الله له من الأخبار عنه قبل مجيئه والأخبار عن أصحابه معه، وأخذ المواثيق والعهود له من النبيين قبل، وإشهاد بعضهم على بعض، وشهادة الله معهم، لئن جاءهم في أزمانهم ليؤمنن به ولينصرنه.
وفي دعوة إبراهيم وبشرى عيسى وموسى ﵈، وما كان ليلة الإسراء من لقيا الأنبياء وصلاته بهم، وما اطلع عليه من نتائج أعمال العباد من جنة أو نار، وجرى له أمور عظيمة عنده سدرة المنتهى حين انتهى إليها جبريل وقال: تقدم أنت يا محمد! ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦]، ولم يزل بكامل حسه وإدراكه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٧ - ١٨]، وما كشف له عن مغيبات الملأ الأعلى، فأصبح الغيب له عياناً؛ كل ذلك أو بعضه يدل دلالة قاطعة على عظيم قدره وعلو شأنه صلوات الله وسلامه عليه.
ومما يزيد في علو قدره في ذلك أنها كلها خاصةً بجنابه لم يشاركه في واحدة منها، أحد من الخلق لا قبله ولا بعده، وهذا باعتراف العقلاء وشهادة الأعداء كما جاء عن هرقل وملوك العرب وشهد به النجاشي وغيره.
стр. 104
عظم قدره وعلو شأنه في أفعاله ﷺ
علو قدره في أفعاله التي تصدر عنه وتنسب إليه: وهذا هو المجال الثالث بعد ذاته وصفاته ﷺ ، وهذا القسم هو أشد ما ينبغي العناية به؛ لأنه موضع التأسي به فيه؛ ولأنه في مجال طاقة البشر، وذلك استجابة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]؛ لأنه لا يكون التأسي به فيما يخصه في ذاته وصفاته، ولا في نسبه ولا في حسبه، ولا في خَلقه ولا في خُلقه، ولا في الإسراء والمعراج، ولا في شق الصدر، ولا انشقاق القمر، ولا حنين الجذع، ولا نبع الماء من بين أصابعه، ولا تكثير الطعام؛ حين أطعم أهل الخندق من عناق ذبحها جابر، لا تكثير الماء، حين سقى الجيش ودوابه من مزادتي المرأة المشركة، ولا تسبيح الحصى في كفه، ولا في غير ذلك من المعجزات الباهرات التي لا دخل للبشر فيها، ولا طاقة لهم عليها.
إنما التأسي به في أفعاله وأقواله، وإن تفاوت البشر في الطاقة والاستطاعة على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]، وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
وقد بيّن تعالى طرفي التأسي الأدنى والأعلى في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٦ - ١٢٨].
وبعدها مباشرةً يأتي قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]؛ فالحد الأدنى للعامة هو المقاصة بالمثل، ثم نوّه بفضل الصبر وأنه خير للصابرين، ثم ندبه ﷺ إلى الصبر، وهو مجال التأسي.
وأشار إلى أن يكون الصبر لله ليس لعوض ولا عن عجز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤]، فهذا مقام الكملة من الرجال، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
стр. 105
أولاً: أفعاله قبل البعثة
إن مظاهر عظيم قدره ﷺ في أفعاله موجود منه ﷺ فيما قبل البعثة وبعدها: أما قبل البعثة ففي قضية زيد بن حارثة عندما اختطف من أمه في الطريق وبيع في مكة، فاشتراه حكيم بن حزام وأهداه إلى خديجة رضي الله تعالى عنها، فأهدته إلى رسول الله ليخدمه.
وكان أبوه يسأل الركبان ويتقصى عن مصير ولده، حتى علم أنه عند محمد في مكة، فجاء ومعه عم زيد ومعه الفداء، وأتى إلى محمد بن عبد الله وقال: (يا محمد! علمت أنك رحيم كريم، وأنك لا ترد سائلاً، وإن ابني عندك، وقد جئتك بفدائه، فأرجو أن تقبل منا الفداء وأن تعطينا ولدنا، فقال له محمد: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن أدعوه وأخيّره بيني وبينكم، فإن اختاركم فهو لكم بدون فداء، وإن اختارني فما أنا بمفادٍ من يختارني على أهله، قال: والله لقد أنصفتنا.
فاستدعاه وقال له: يا زيد! أتعرف هذين؟ قال: نعم هذا أبي وهذا عمي، قال: قد جاءا بفدائك وقد قلت لهما كذا وكذا، فاختر من شئت يا زيد! قال: والله! لا أختار عليك أحداً سواك أبداً، فقال أبوه: ويحك يا زيد! أتختار الغربة والرق على الأهل والحرية؟ قال: نعم، ومالي لا أختار ذلك، فوالله! مذ صحبته ما قال لي في شيء فعلتُه: لم فعلتَ، ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله).
هناك يئس أبوه من عودته، واطمأن على أن ولده يعيش حياة سعيدة، فما كان من رسول الله إلا أخذ زيداً وطاف به على الكعبة وقال: (زيد ابني) فتبناه، وكان التبني سائداً في الجاهلية، فقرت عين أبيه وتركه عند محمد ورجع إلى بلده.
إن حسن معاملته لخادمه وذلك قبل شرف البعثة، لدليل قاطع على علو قدره وعظيم شأنه ﷺ ، وكان زيد ولا يزال حِبّ رسول الله ﷺ .
ومن ذلك: قضية الحجر الأسود، لما أرادوا إعادة بناء الكعبة وقسموا جهاتها الأربع على القبائل، وبدأت كل قبيلة تبني حصتها، فلما ارتفع البناء إلى مستوى الحجر الأسود، توقفوا في من يحظى بشرف وضع الحجر الأسود مكانه؟ وتنافسوا وتنازعوا، حتى أحضروا الدم وغمسوا أيديهم إيذاناً بالقتال، لكن ﵏ بقول القائل: علام يقتل بعضنا بعضاً؟ فلنحكم أول من يخرج علينا من هذا الفج! وانتظروا فإذا أول من خرج عليهم محمد بن عبد الله، فنطقوا بصوت واحد بكلمة واحدة: الأمين الأمين ارتضيناه، فلما قصوا عليه القصة قال: نعم، فأخذ رداءه عن كتفيه وبسطه في الأرض وأخذ الحجر بيديه الكريمتين، ووضعه وسط الرداء، وقال: لتأخذ كل قبيلة بطرف من الرداء، واشتركوا جميعاً في رفعه إلى مستواه، ثم أخذه ﷺ بيديه ووضعه مكانه، فحاز الشرف الذي تنافسوا فيه وكادوا عليه يقتتلون، وأرضى الجميع.
وقضية بلغ اهتمامهم فيها حد الاقتتال عليها، يرتضون لها ويأتمنون عليها محمد بن عبد الله، لأكبر دليل على علو شأنه وعظيم قدره، وفعلاً لقد أنهى الخلاف بينهم بأمانة وأرضى الجميع فيها.
стр. 106
ثانياً: أفعاله بعد البعثة
أما ما بعد الرسالة فكانت أفعاله الدالة على علو قدره وعظيم شأنه ﷺ أجلّ وأعظم؛ لأنها ضمن التكاليف والتشريعات: فمن ذلك مواجهته أهل مكة بما لا يألفونه وما فيه تسفيه أحلامهم وإبطال عبادة آلهتهم.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤]، أي: اصدع ولا تخافن ولا تخافت، وأعلن ولا تسر، واملأ أجواء مكة بكلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله إنه أمر وتكليف.
فلما كان هذا يجلب سخط المشركين أمر أن يعرض عنهم: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤]، ولما كان أيضاً سيعرضه للسخرية، قدم الله له الضمان: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥]، إلى أن بيّن وقع ذلك عليه من ضيق الصدر وحرج النفس فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فََسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر:٩٧ - ٩٨] أي: وداوم على ذلك ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
كذلك دعوته قومه إلى الصفا، وإعلانه الدعوة إلى الله فيها بعد أن أُمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] وعزيمته ومضيه ورفضه التوقف أو الترك ولو ثامنوه بالشمس والقمر، وما لقي ومن معه نتيجة الصحيفة الظالمة وانحيازهم في الشعب، حتى أكلوا ورق الشجر.
وثمن ثم صبره على فقدان الحماية التي تمثلت في عمه، والرعاية التي تمثلت في زوجه.
ومن ذلك خروجه إلى الطائف بحثاً عن موطن رحب لدعوته، وما لقي من ثقيف، والموقف الذي كان من الملائكة وتعاطفهم معه لما سمعوا منه تلك المناجاة التي ضاقت بها الأرض وارتجفت لها السماء حين قال: (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني: إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) ذكره ابن هشام وغيره.
وفي هذا السياق يسوق ابن كثير في التاريخ: (أنه ﷺ لما عرض نفسه على عبد ياليل فلم يجبه، خرج مهموماً ولم يفق إلا وهو بقرن الثعالب، فإذا بسحابة قد أظلته، قال: فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله بعثني إليك بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال ﷺ : لا، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً) انتهى.
وعند صاحب سبل الهدى والرشاد: (إني لأني بهم) أي: أتأنى ولا أعجل، وقد سمعت في بعض الطرق أنه قال معتذراً عنهم: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)، وذكر صاحب سبل الهدى أيضاً أن ملك الجبال قال: (حقاً كما سماك ربك رءوف رحيم).
فأي قدر أعظم من أن يعتذر عمن آذاه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويتأنى في عودتهم منتظراً من سيخرج من أصلابهم، فعلها تنفعهم إن لم تنفع آباءهم، إنه موقف يجلّ عن الوصف! وهنا يرد على الذهن حالاً موقف نبي الله نوح حين غاضبه قومه، فدعا عليهم بالاستئصال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، وأيس مما في أصلابهم: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧].
ونبي الله موسى ﵇ بعد طول حوار مع فرعون وقومه دعا عليهم: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩].
فأي عظمة تجاوزت بنبي الله فطرة البشر، فبينما نوح وموسى يدعوان بهلاك قومهما؛ إذ بمحمد ﷺ يتأنى بقومه رجاء إيمان من في أصلابهم، وفي هذا يقول ﷺ : (لكل نبي دعوة، فاستعجلوا بها، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
وهنا قد يخطر ببال البعض أن رحلة الطائف لم تؤت ثمارها، والواقع أنها أتت بما هو أعظم من إيمان ثقيف؛ وذلك لما قام ﷺ بوادي نخلة يصلي فاستمع إليه نفر من الجن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠] إلى قولهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا﴾ [الأحقاف:٣١]، فكان في ذلك إبلاغ الدعوة إلى الجن الذين يمثلون أحد الثقلين.
ثم جاء إلى مكة عند عودته من الطائف وكان قد طلب من ثقيف أن تكتم صنيعها عنه فلم تفعل، وبلغ خبره أهل مكة، فمنعوه الدخول إليها حتى طلب من يجيره في دخولها، ودخل في جوار المطعم بن عدي وهو على دين قومه، وهنا ينشأ
السؤال
نبي مرسل يرسل الله له ملك الجبال قوة بين يديه، والآن يرضى لنفسه أن يدخل في جوار رجل مشرك، وأن يكون للمشرك يد عنده، وفي مكة كبار الشجعان من أصحابه؛ كـ حمزة وعمر وأبي بكر وغيرهم؟ ولكن لا غرو في ذلك إنها الحكمة وبعد النظر وحسن السياسة والحنكة التي تمتع بها ﷺ والتي كشفها الحوار الذي دار بين أبي سفيان والمطعم بن عدي حين وجد المطعم يطوف بالبيت، وأبناؤه سبعة في سلاحهم حول الكعبة، فدنا منه وسأله: أمجير أنت أم تابع؟ قال: بل مجير، فقال له: لقد أجرنا من أجرت، والفرق بينهما في ميزان أبي سفيان العسكري ومنهجه العدائي أنه إن كان مجيراً فالجوار مكرمة تحافظ عليها العرب وتفخر بها فلا بأس إذاً، أما إذا كان تابعاً -أي: أسلم وتبع محمداً- فيكون هذا تحدياً لأهل مكة كلهم، ولن يسكتوا على ذلك التحدي، فتكون حربٌ أهلية.
وبهذا يتبين لنا أنه ﷺ لما لم يدخل في جوار أحد من أتباعه إنما أراد الحفاظ عليهم من حرب من لا طاقة لهم بهم آنذاك، ثم جاء حدث الإسراء، ولكأنه بمثابة التغطية والتعويض عما لحقه من ثقيف وأهل مكة، خاصةً عند سدرة المنتهى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٦ - ١٨].
ثم جاءت الهجرة، والحديث عن الهجرة وموجباتها والإعداد لها، والنتائج التي أعقبتها يستغرق الوقت ويستفرغ الجهد، وسبق أن قدمت فيه محاضرة بعنوان: معالم على طريق الهجرة، خاصةً فيما يتعلق بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والمؤاخاة بين المختلفين من الأنصار فيما بينهم.
ثم كانت السرايا والغزوات، وفي جميع ذلك تشكيلات لمواقف تدل على عظيم قدره وعلو شأنه، نختار منها موقفاً واحداً وهو آخر مواقفه في غزواته وهي فتح مكة، حينما وقف بباب الكعبة وأهل مكة عنده، وقال مقالة بعيدة الدلالة: (ماذا ترون أني فاعل بكم؟).
عليهم أن يتذكروا حالاً أفعالهم وإساءتهم، فإذا بصحيفة مليئة بالإساءة، فما عسى أن يقولوا وهم الآن في قبضته وتحت سلطته، فما كان منهم إلا أن يلتمسوا الرحمة وصلة الرحم فقالوا: (أخ كريم وابن أخ كريم).
وهناك عندما انخفضت رءوسهم وغضوا أصواتهم زال عنهم كبرياؤهم، وتخلى عنهم طغيانهم، فأرسلها في رفق وعاطفة وعزة وإباء: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، طلقاء بعد ماذا: بعد تكذيبهم وإيذائهم، وتعذيبهم أصحابه؟ أم بعد إلقاء سلى الجزور عليه وهو ساجد في المكان الذي يأمن فيه كل خائف؟! أما بعد مقاطعته ومن معه وحصرهم في الشعب حتى أكلوا ورق الشجر؟! أم بعدما منعوه دخول مكة إلا في جوار رجل مشرك؟! أم بعد تآمرهم عليه في دار الندوة ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه؟! أم بعد رصد بيته بعشرة شباب من القبائل بسيوفهم مصلته يرتقبون خروجه ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فيذهب دمه هدراً؟! أم بعدما اضطروه إلى الخروج من مكة مهاجراً، وألجئوه إلى الغار؟! أم بعدما جعلوا مائة من الإبل جائزة لمن يأتي به حياً أو ميتاً؟! أم بعد مجيئهم بدراً بطراً ورياء بعد أن سلمت لهم تجارتهم؟! أم بعد تحالفهم مع كعب بن الأشرف وتحزيب غطفان وغيرهم في موقعة الأحزاب ليستأصلوه ومن معه في المدينة، وما صدهم إلا الخندق؟! أم بعد أن صدوهم عن البيت في عمرة الحديبية، والهدي معكوفاً أن يبلغ محله؟! نعم؛ أنتم الطلقاء، فلا مجازاة ولا عتب عليكم، إنه العفو والصفح بعد القدرة! فهل بعد هذا الشرف علو قدر في نطاق البشر؟! لا وألف لا، فإنا نجد مصداق ذلك ما يشاهد في أعقاب الحروب وما يفعل المنتصر من سلب ونهب وتقتيل واعتقالات وتدمير على حد قول بلقيس: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِ
стр. 107
إرشاد المنهج القرآني للأمة في كيفية التأدب مع الرسول ﷺ
ومسك الختام بعد هذه الجولة السريعة، نأتي ونتمهل أمام المنهج القرآني المنزّل، الذي جاء بالغاية القصوى في هذا المجال، فبيّن منتهى رفعة شأنه وعظيم قدره، فأدّب الأمة معه ﷺ في جميع الجوانب وجميع الاعتبارات.
أولاً: جانب الرسالة لاعتباره رسولاً، وجانب النبوة لاعتباره نبياً، وجانب الإنسانية لاعتباره إنساناًً، والجانب العام باعتبار عموم حقه حاضراً أو غائباً؛ وذلك في أوائل سورة الحجرات: أما جانب الرسالة فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١] أي: كونوا متبعين إياه، ولا تتقدموا عليه ولا تقدموا آراءكم بين يديه، وذلك رداً عليهم في صلح الحديبية حينما امتنعوا من التحلل، حين لجت القضية وتم الصلح، حتى رأوه ﷺ بنفسه ينحر ويحلق.
بل جاء عمر إلى أبي بكر وحاجّه قائلاً: علام نعطي الدنية في ديننا؟ ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فيقول له الصديق: بلى، ولكنه رسول الله فالزم غرزه يا عمر! ويقول عمر: وأنا والله أعلم أنه رسول الله.
لا شك أن أبا بكر لم يُرد سائدة الخبر عند البلاغيين؛ لأنه يعلم أن عمر يعلم أنه رسول الله، ولكنه أراد لازم الخبر، وهو أن كونه رسول الله ﷺ يلزم اتباعه؛ لأنه إنما يعمل بتوجيه من الله، فلم ينتبه لها عمر وذهب إلى رسول الله وعرض عليه ما عرضه على أبي بكر، وكان جوابه طبق ما أجاب به أبو بكر: (يا عمر أنا عبد الله ورسوله)، فكان ذلك من عمر تقدم بين يدي الله ورسوله.
وقد نزلت سورة الفتح في طريق العودة إلى المدينة وبعدها جاءت سورة الحجرات.
أما جانب النبوة: فأدب في الحديث عنده: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ولو كان الصوت بتلاوة القرآن، ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾ [الحجرات:٢] أي: نوعية الحديث وكيفيته مع شدة التحذير: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] أي: لعدم إعظامكم عظيم قدره، وما أحد عرفه إلا الرجل الثاني بعد النبي في الأمة من لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح عليها، ألا وهو أبو بكر الصديق وذلك حين قال لـ عمر: إنه رسول الله فالزم غرزه.
ثم جاء التذييل بتنبيه الغافلين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:٣].
أما الجانب الإنساني: فرب أسرة، وله حرمة لبيته؛ فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات:٤ - ٥].
وأما الجانب العام: فقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] إلى قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧] أي: فإن الله يكشف لرسوله الحقائق.
فهذه النداءات للذين آمنوا وتلك الآداب الرفيعة في حقه في مختلف المجالات، والتي فهمها سادة الصحابة، ستظل قرآناً يتلى في كل جيل، وهي كافية لبيان علو شأنه عند ربه وعظيم قدره على عموم خلقه.
ومن هذا المنطلق فقد جعل ﷺ من الأميين في أقل مدة تاريخية ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] أمةً وسطاً عدولاً، وأمة شهادة على الناس قبلهم، وكان الرسول عليهم شهيداً.
وفي ذلك اليوم يكون الموقف الذي يتعطل البيان عنه ويتلعثم اللسان فيه ويحار العقل وتختلف المقاييس، موقف يشهده الأولون والآخرون، وفيهم الأنبياء والمرسلون، حين يُطلبون للشفاعة ويعتذرون ويقولون: (نفسي نفسي) وكل يحيل على من بعده من آدم أبي البشر إلى الخليل أبي الرسل إلى موسى، ثم إلى عيسى كلمته وروح منه، حتى يُنتهى إلى محمد ﷺ فيقول: (نعم، أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد تحت العرش، ويلهمه الله بمحامد لم يك يعلمها قبل، إلى أن ينادى: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: يا رب! فصل القضاء) وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون.
(ثم يذهب ويطرق باب الجنة فيقال: من؟ فيقول: محمد، فيقول الخازن: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك، ثم يأذن الله له بالشفاعة لأمته حتى يُخرج من النار كل من قال لا إله إلا الله، أو كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان).
رزقنا الله وإياكم جميل حبه، وعلمنا عظيم قدره، وجعلنا في شفاعته واتباع سنته، صلوات الله ربي عليه وسلامه.
والسلام وعليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 108
حقوق الجار
стр. 109
الوصية بالجار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدي رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: إن من نعم الله، التي يجب على العبد أن يقوم بشكرها: أن يتيح له الفرص النفيسة بهذه اللقاءات الكريمة مع إخوة في الله، وفي بيت من بيوت الله، يتذاكرون آيةً من كتاب الله أو حديثاً من سنة رسول الله ﷺ ، وإني لأعلم أن في مدينة عنيزة من المشايخ وطلبة العلم من يحيون المساجد بالذكر والمذاكرة والعلم والمدارسة، وإنه لمن نعم الله عليَّ أن يتيح لي هذا اللقاء في هذا المسجد هذه الليلة.
وسأتكلم عن موضوع أعتقد أن الجميع قد سمعوا به، وكل الدعاة قد تناولوه، والسنة مليئة بأخباره، ألا وهو موضوع الوصية بالجار.
وقد قرن الله حق الجار بأعلى وأعظم حقٍ لله وهو توحيده، فقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦] إلى آخر الآية.
فحق الجار مذكور في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، وللجار حقوق كثيرة ممكن أن نسميها: حقوقاً قضائية، أو نسميها: حقوقاً مدنية، أي: إلزامية للجار على جاره، وهذه الحقوق يذكرها الفقهاء وخاصةً الحنابلة في باب الصلح وحكم الجوار.
كلنا يعلم أن الأسلوب العام في الإطار الإسلامي بل والإنساني أن الوصية تكون من منطلق الشفقة والرحمة، ولذا لا تجد إنساناً يوصي إنساناً بخير إلا وهو مشفق عليه، رحيم به، وقد جاء في كتاب الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف:١٥] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠].
وقال الرسول ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! إني أحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فأوصاه بذلك.
стр. 110
معنى الوصية
وإذا جئنا إلى فقه أسرار اللغة العربية التي هي لغة القرآن، يقول علماء فقه اللغة: كلمات اللغة العربية أسر وقبائل، فكلما كانت المادة قريبة من المادة في بنائها فمعناها متقارب، وإذا اختلف حرف في هذه المادة عن تلك المادة كان المعنى المشترك بين اللفظين قريباً، وبقدر قرب الحرف من الآخر تكون الصلة والقرابة.
فهنا مثلاً وصية وصلة، فتجد كلمة (وصية) أصلها: وصي، و (صلة) أصلها: وصَلَ، فالواو والصاد في المادتين، والخلاف في لام الكلمة، والياء واللام كلاهما من مخرج متقارب، تقول: إل وإي، فمخرجهما متعلق باللسان، وليسا من الحروف المتباعدة.
إذاً: الوصية والصلة بينهما قرابة نسب وصلة رحم، فكل وصية فهي صلة، فعندما يوصي الإنسان غيره فكأنه وصله بما أوصاه به، وأنت إذا أوصيت إنساناً بشيء فكأنك وصلته بتلك الوصية.
ويقال: خبن الثوب، وغبن في البيع، (خبن وغَبَن) الباء والنون موجودان فيهما، والغين في الغبن، والخاء في الخبن مختلفان، وكلاهما من أحرف الحلق، والخبن للثوب بمعنى: النقص، مثل أن تأخذ القميص وتقصر طوله، والغبن في البيع هو: نقص في الثمن، فمعنى النقص موجود في الكلمتين، ولكن لماذا جاءت الخاء في الثوب (خبن)، والغين في البيع (غبن)؟ يقول علماء فقه اللغة: انظر إلى الحرفين المتغايرين، فهما من أحرف أدنى الحلق، لكن الغين أخفى من الخاء، والغبن في البيع أخفى من الخبن في الثوب؛ لأن خبن الثوب ظاهر تلمسه بيدك، والغبن في البيع أمر معنوي نسبي.
فنرجع إلى تعريف الوصية، فهي صلة، والصلة فيها ارتباط، فكأن الموصي يربط الموصى إليه بنفسه، ومن هنا نعلم معنى الوصية للجار ومكانتها، فحينما تقول: يا فلان! أوصيك بفلان، أي: أنك توصى به وتكرمه وتصله بنصيحتك وشفاعتك عند الغير، ويقال: أوصى لفلان ببيت أو بمال أو غير ذلك، أي: وصله بما أعطاه.
следующие страницы →