س: يقول بعض الناس بأنه إذا هطلت الأمطار على بلد وصادف أن مناطق مجاورة بحاجة إلى المطر يذهب بإناء فارغ إلى البلاد التي هطل فيها مطر ويأخذ ماء مع التراب ويدفنه في بلاده ويدعي أنه بعد قليل ينزل على بلاده مطر، فهل عملهم هذا صحيح؟
جـ: هؤلاء الناس الذين يفعلون هذا ليسوا على حق أي أنهم ينقلون ماءً وتراباً من الأرض الممطورة ثم يدفنونه في الأرض غير الممطورة فينزل المطر بسبب ذلك، كل ذلك ليس له أصل في العقل ولا في النقل ولا تدل عليه الأدلة الشرعية أو العلوم الطبيعية بل هي من جملة الخرافات.
س: ما قول علمائنا الأجلاء فيمن يجمع الأموال لشخص يوهم الناس بأنه قادر على صرف المطر من أرض إلى أرض، وفيمن يعتقد في القبور وفي أصحاب القبور، ويتوسل بالأموات لشفاء المرضى، هل هذا جائز أم أنه غير جائز؟
جـ: اعلم بأن جميع ما جاء في هذا الاستفتاء ليس من الدين الإسلامي في شيء ولا يمت إلى الإسلام بصلة وهو مخالف لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، فقد دلت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع على أن الله هو الذي ينزل الغيث كما دلت الأدلة أيضا على مشروعية الدعاء عند حصول القحط والجفاف كما شرع الاستغفار من الذنوب التي تكون سبباً لإرسال الله المطر على المستغفرين والتائبين والراجعين إلى الله قال أعز من قائل ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١) وكان النبي ﵌ يخرج إلى الجبَّانة يصلي بالناس صلاة الاستسقاء فمن يزعم أنه يقوم بصرف المطر من منطقة إلى أخرى ومن يقوم بجمع الأموال لهؤلاء الكذابين إلى مقابل صرفهم المطر من منطقة إلى أخرى ومن فوق بعض الأراضي إلى أراضٍ أخرى، وهم كلهم دجالون كذابون مشعوذون وآخذون لأموال الناس بالباطل وكلهم على باطل وكلهم مشتركون في الإثم لأن من يدعي أنه قادر على صرف المطر من سماء أرض إلى سماء أرض أخرى وإنزاله على الأرض التي يريد أن يمطرها فهو مجرم شرير، ومن يقوم بجمع الأموال لهؤلاء المجرمين هو أيضاً مجرم وشرير لأن الدال على الشر كفاعلة.
كما دلت الأدلة على أن من مات انقطع عملة إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، وبناءً على ذلك فمن اعتاد من الناس الخير في زيارة بعض القبور في يوم معلوم من السنة للتبرك بقبور بعض الأموات ولطلب الشفاء منهم للمرضى معتقدين أنهم يضرون أو ينفعون أو يكونون سبباً في نزول الأمطار فإنهم بغلطهم هذا قد خالفوا ما جاء عن الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله واعتقدوا النفع أو الضر ممن قد انقطع عمله وأصبح محتاجاً إلى دعاء من لم ينقطع عمله، وكيف لا يكونون مخالفين لما جاء عن النبي ﵌ وهم يطلبون النفع من الموتى تاركين العمل لأنفسهم بأنفسهم، وهذا والله لمن أعجب العجب وذلك لأن الأموات قد انقطعت أعمالهم وصاروا محتاجين إلى من يدعو لهم من الأحياء القادرين على الدعاء، ومن العجب أن يطلب الأحياء من الأموات أن يشفوا مرضاهم أو يدفعوا عنهم القحط والجفاف وهم في قبورهم عاجزين عن نفع أنفسهم فضلاً عن نفع غيرهم من الأحياء.
стр. 37
تحريم ادعاء الغيب
س: ما قولكم عن امرأة في بلاد (رداع) تخبر الناس أنها تعلم الغيب في وجود الماء في الطبقات الأرضية وعندما لا يوجد الماء تقول لهم أنتم قدمتم الحفر أو أخرتم الحفر ولم تزل تشعوذ على الناس وتختلسهم أموالهم، فما حكم الدين في مثل هذه المرأة؟
جـ: اعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله ولا يعلمه المخلوق حتى الأولياء والصالحين والعلماء العاملين فضلاً عن المشعوذات والمشعوذين والدجالات والدجالين، فمن كان مؤمناً راجح العقل يحفظ ماله ولا يصدق الكذابات ولا الكذابين، وإذا كان يجب أن يعرف مواطن الماء الذي يمكن أن يحفر فيها بئراً من الآبار العادية أو بئراً من الآبار الارتوازية الحديثة فليستعن بالخبراء من علماء الجيولوجيا العارفين بطبقات الأرض وما في جوفها من مياه عن دراسة وعلم ومعرفة لما قرره المختصون في هذا الفن، ولا يستعن بالدجالين ولا بالدجالات ولا بالمشعوذات والكذابات اللاتي يأكلن أموال الناس بالباطل ويكفيه ما قد وقع من هذه المرأة (لا يُلدَغ المؤمنُ مِنْ جحرٍ واحدٍ مرَّتين) (١).
س: ما صحة معرفة أو قيمة ما يسمى بنجم الحمل علمياً، وما ينجم عن ذلك من كلام غريب كأنه استدراج لمعرفة الغيب؟
جـ: اعلم بأن هذا الذي يقال عنه بأنه يخرج الأموات من قبورهم قد كثر الكلام حوله فمن الناس من يقول بأنه عبارة عن حيوان يشتهي لحوم الموتى وأنه يخرج جثث الأموات ويحملها على ظهره وأن له عدة أيدي وعدة أرجل ومن الناس من لا يصدق ما يقال عن هذا الحيوان ولا يؤمن بوجوده وأنا ممن لا يصدق ما يقال عنه ولا أصدق بوجود حيوان يسمى الحمل أو الباعث له أيدي وأرجل أكثر من غيره من الحيوانات التي تمشي على رجلين أو على أربعة أرجل وأن من طبيعته أن يراقب الأموات الذين يدفنون في قبورهم فمن كان نجمه الحمل نبش قبره وأخرجه، ومن لم يكن نجمه الحمل لا ينبش قبره ولا يخرجه إلى آخر ما جاء في السؤال، وإنما أنكرت وجود هذا الحيوان الموصوف بتلكم الصفات لأني لم أراه ولم يخبرني عدل ثقة بأنه رآه وحيث أني لم أراه ولم يخبرني عدل ثقة فالأصل عدم وجود هذا الحيوان الغريب في شكله والغريب في إدراكه حتى أراه بعيني أو يخبرني رجل عدل لا يكذب وضابط لما يعي ولما يرى أو يسمع وممن لا يخبر بالأوهام والتوهمات والخيالات ولعل غيري من العقلاء لا يصدق ما يقال عن هذا الحيوان من ناحية كونه موجوداً أولا، ومن ناحية شكله وأعماله ومعرفة طالع الميت وهل هو الحمل أو سعد الذابح أو سعد السعود أو غيرها من النجوم، فإذا كان طالع الميت هو الحمل فإنه ينقض على القبر فينبشه ثم يخرج الميت ويحمله على ظهره إلى مكان مجهول، وإذا كان طالع الميت غير الحمل فإنه لا يأخذه هم على حق إذا لم يصدقوا ما قيل عن هذا المخلوق ولم يؤمنوا بوجوده لان الأصل هو عدم الوجود ومن ادعى الوجود فعليه البرهان الصريح على صحة دعواه هذا هو جوابي.
س: يحصل في بعض المحافظات أن يُقرأ في ليلة النصف من شعبان ويُذكر فيه ما نصه (اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً أو فقيراً في الرزق فامسح من أم الكتاب شقاوتي وحرماني وتقتير رزقي
стр. 38
واكتبني عندك سعيداً مرزوقاً موفقاً للخيرات فإنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل على نبيك المرسل ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) فما المقصود بأم الكتاب؟
ثانياً: يفهم من نص الدعاء المذكور أن المحو والتثبيت يحصل في أم الكتاب فإذا كان المحو والإثبات ثابتاً في أم لكتاب كيف نوفق بينه وبين النصوص الشرعية مثل ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ﴾ (٢) ومثل (رفعت الأقلام وجفت الصحف) ومثل (يكتب على الجنين في بطن أمه رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، وهل يؤثر في عقيدة من يؤمن بذلك؟ وأخيراً إلى من ينسب هذا الدعاء نرجوا الإجابة على هذا ولكم من الله جزيل الثواب؟
جـ: اعلم أن المقصود بأم الكتاب هو اللوح المحفوظ أو علم الله تعالى، والجواب على سؤالك الثاني هو ما فهمته من نص الدعاء المذكور أن المحو والإثبات يحصل في أم الكتاب، والجواب على السؤال الثالث أن الجمع بين آية يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وبين قوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وبين قول النبي الأعظم (فَقَدْ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الْكُتُبُ) ومثل حديث (يكتب على الجنين وهو في بطن أمه رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) الجواب أن قوله تعالى ما يبدل القول لدي وحديث (فَقَدْ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الْكُتُبُ) (٣) والحديث الدال على أنه يكتب رزق الجنين وهو في بطن أمه ويكتب أجله وعمله وشقي أو سعيد وهو بلفظ (ثم يُبعَث إليه الملكُ فيُؤذَن بأَرْبَعِ كلماتٍ فيكتُبُ رزقَه وأَجله وعمله وشقيٌّ أم سعيدٌ) (٤) هو محمول على من لا يعمل أي عمل يكون سبباً في فعل الخير كصلة الأرحام التي تطيل العمر وتزيد في الرزق كما في حديث (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (٥) ومثل الدعاء برفع البلاء وبرد القضاء الوارد من حديث
стр. 39
البراء أنه يزيد في العمر وأن الدعاء يرد القدر وهو بلفظ (لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ) (١) واعلم بأن ذلك لا يؤثر على عقيدة المرء المؤمن.
تحريم تصديق من يدعي تسخير الجن والإخبار بالغيب بإخراج السرقات وغيرها
س: يوجد شخص يدعي أنه يعلم الغيب ويخرج السرقات ويخبر بالمتغيرات والناس يأتون إليه بمختلف الأمراض فهذا مجنون وهذا مريض وهذه امرأة لا تلد وكل واحد يريد منه قضاء حاجته بل إنه يقوم بكتابة الطلاسم والأسماء العجمية ويزعم أنه يملك الجن ويسخرهم لأغراضه إلى آخر أعماله، فما موقف الإسلام من هذا الرجل؟
جـ: اعلم بأن هذا الشخص كذاب دجال مشعوذ إن صح بأنه يعمل هذه الأعمال التي حكيتها في السؤال من أنه يزعم أنه يملك الجن ويسخرهم لتنفيذ أوامره ونواهيه وأنه يكتب الطلاسم بالأحرف الأعجمية التي لا يعرف ما هي وأنه يعطي الأمراض أوراقاً ويأمرهم بأن يحرقوها لتكون بخوراً لشفاء المريض وأنه يأمرهم بذبح كبش أسود شفاء للمريض، وأنه يخلو بنساء أجنبيات بدون حضور أحدٍ من الرجال، وأن الرجال يقصدونه ويعتقدون صحة ما يدعيه وكذلك تقصده النساء معتقدات صحة ما يدعيه إلى آخر ما جاء في هذا السؤال، واللازم على العلماء أن يبينوا للناس أن هذه الأفعال من هذا المشعوذ لا يجوز السكوت عليها ولا سيما إن صح أن النساء يقصدنه ويختلي بهن من دون حضور أحدٍ من محارمهن أو من غيرهم من الرجال وخصوصاً أنه لا يحضر لأداء صلاة الجمعة مع الناس وعلى أولياء النساء منع نسائهم من الحضور إليه، كما أن على ولاة الأمر المسؤلين في المنطقة منعه من ممارسة مثل هذه الأعمال أو منع الناس من الوصول إليه.
س: ما حكم من يقوم بالاتصال بالقنوات الفضائية التي تعلم الناس السحر ويدعون كذباً وزوراً أنهم يعلمون الغيب ويشفون المرضى وغير ذلك حيث نرى هذه القنوات منتشرة في هذه الأيام؟
جـ: لا يجوز ولا ينبغي لأيِّ رجل أو امرأة لا صبي ولا شاب ولا شيخ ولا كهل مشاهدة هذه القنوات ولا يجوز تصديق جميع ما يقوله السحرة والكهان، ولا فرق بين القنوات وغير القنوات فـ (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢) هكذا قال النبي ﷺ ولا فرق بين الإتيان أو فتح القناة.
س: لدينا أقارب لهم مريض مصاب بالسحر يذهبون به إلى مشعوذ وعندما ننصحهم بعدم الذهاب به إليه وعدم تصديقه يتحججون بأنه يعالج بالقرآن وقد حصلت بيننا مشاكل بسبب نصحهم، وقد نصحنا أحد العلماء بمقاطعتهم خشية الفتنة ما داموا على هذا الحال، فما رأيكم؟
جـ: قد أديتم الواجب ونهيتم عن المنكر بقدر المستطاع ولا لزوم للهجر ولا للقطيعة.
стр. 40
احتمال تلبس الجني بالأنسي نادراً
س: هل صحيح أن الجني يدخل الأنسي وما حكم من ينكر ذلك؟
جـ: قد يكون نادراً.
تحريم تعلم السحر
س: هل التنجيم حرام؟ وهل المُنجم حكمه حكم الساحر؟
جـ: السحر حرام والاعتقاد في النجوم حرام وتعلم السحر حرام.
تحريم الذهاب الى الساحر والكاهن
س: ما حكم من ذهب إلى السحرة أو المشعوذين أو الكهنة سواء صدق أم لم يصدق؟
جـ: الذهاب إلى الساحر والكاهن حرام.
س: هل حديث (الإيمان لا يزيد ولا ينقص) صحيح أم ضعيف؟ وما حكم الشرع فيمن يؤخر النذر عن موعده المعين؟ وهل صحيح ما يدعيه بعض الناس من أنهم يرون الجن حقيقة ويتكلمون معهم وأن الجن يعلمون الغيب؟
جـ: حديث (الإيمان لا يزيد ولا ينقص) أخرجه (ابن عدي) من حديث عبدالله بن عمر ﵄ ولكنه غير صحيح عند الحفاظ وقد سئل عنه البخاري في ورقة أرسلها إليه (ابن كرار) فأجاب البخاري في ظاهر الورقة بقوله من حدث بهذا استوجب الأدب الكبير والحبس الطويل كما جاء في (كتاب الأباطيل) ونقله عن البخاري (الذهبي) و (الزركشي) و (ابن حجر) وغيرهم وقد عده من الموضوعات الكثير ممن ألف في الموضوعات المرتبة على الأبواب كـ (ابن الجوزي) في (موضوعاته الكبرى) و (السيوطي) في (اللآلئ المصنوعة) و (ابن عراق) في (تنزيه الشريعة) وغيرهم والسبب الذي جعل الحفاظ يجعلون هذا الحديث من الموضوعات هو أن في سنده (أحمد بن عبدالله) ويقال له أيضاً (الجوباري) وهو من الكذابين الوضاعين كما نص على ذلك من تقدم ذكرهم كـ (الجوزجاني) و (ابن الجوزي) و (السيوطي) و (ابن همات الدمشقي) وغيرهم من المحدثين كما نص على كونه كذاباً وضاعاً دجالاً كثيراً من الحفاظ الذين ألفوا في تراجم الوضَّاعين من المحدثين المتقدمين كـ (النسائي) و (ابن عدي) و (ابن حبان) وغيرهم.
والخلاصة: أن هذا الحديث الذي ينص على (أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص) حديث موضوع كما دل عليه كلام من سبق النقل عنهم من الحفاظ وعلى رأسهم البخاري و (ابن عدي) و (ابن حبان) و (الجوزجاني) و (ابن الجوزي) و (ابن القيم) و (الذهبي) و (ابن حجر) و (السيوطي) و (ابن همات الدمشقي) هذا من جهة الرواية، وأما من ناحية الدراية فهو مخالف لما جاء في القرآن الكريم من الآيات الدالة على زيادة الإيمان مثل قوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ … جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) وفي سورة آل عمران قوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢) وقوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ
стр. 41
وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (١) وقوله تعالى في سورة الفتح ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢) فهذه الآيات تدل على أن الإيمان يزداد وينقص.
والجواب على الثاني: هو الإسراع في إخراج النذر مهما كان النذر فيه قربة لأن المسارعة إلى فعل الخير مستحبة كما دلت على ذلك الأدلة الشرعية من الكتاب العزيز منها قوله تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٤) وقوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٥) وقوله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٦) والسنة النبوية المطهر على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
والجواب على الثالث: أن من ادعى بأنه يرى الجن عياناً وأنه يتكلم معهم وأنهم يعلمون الغيب فلا تصدقوهم فهي دعوى مجردة عن البراهين، والدعاوى إن لم تقم عليها بينات فأبناؤها أدعياء، على أن الأدلة قد دلت على أصل هذه الدعاوى وهي الأدلة الدالة على أن الجن لا يعلمون الغيب وأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى قال تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ … عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (٧)
وقال تعالى عن عدم معرفة الجن بالغيب ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٨).
تحريم ما يسمى بحفلة الزار
س: لدينا في أرض العدين عادة مخلة بالعقيدة والمروءة وبما أن هذه العادة منتشرة في اليمن ومصر كما ذكره الشيخ (محمد بن سالم البيحاني) ﵀ في كتابه أستاذ المرأة تحت عنوان (حفلة الزار) وكما ذكر ذلك صاحب كتاب (الإبداع في مضار الابتداع) فقد يصاب شخص بمرض من الأمراض أو بمرض الصرع فينسبون ذلك لشخص آخر ويستدعون بعض الزمارين المختصين بالأزوار كما يسمونهم ويعدون لهم حفل عشاء لا يسمون الله على ذبيحتهم ولا عند أكلهم طاعة للشيطان، وبعد تخزين مضغ القات وشرب الدخان يفتتح الحفل بالمزمار ويختلط النساء بالرجال ويرقصون على أنغام المزمار، وربما قام المريض بالرقص معهم سواء كان رجلاً أم امرأة وأكثر من يتعرض لهذا المرض النساء وبعد كل هذا وقد انقضى من الليل معظمه يستجوب المريض فيقول إنهم جن فلان بن فلان ويشترطون شروطاً منها عشاء رأس غنم أو الذبح باسمهم، فما حكم الشرع في الذبح لغير الله؟ وما حكم الأكل من تلك الذبيحة؟ وهل طاعة الشياطين فيما يشترطون تعد عبادة لهم؟
стр. 42
جـ: اعلم بأن ما جاء في الاستفتاء حرام حرام حرام لا يجوز لأحد السكوت عنه فضلاً عن الحضور عند حفلة الزار التي هي من أشر البدع التي قد نهى عنها العلماء في مؤلفاتهم ومنهم العلامة البيحاني في كتاب (أستاذ المرأة) والشيخ محفوظ ﵀ في كتابه القيم (الإبداع في مضار الابتداع) وغيرهما من العلماء، وكيف لا تكون هذه الأفعال محرمة وقد جمعت اللهو بالمزمار المحرم ثم باختلاط الرجال بالنساء حال الرقص ثم بالذبح لغير الله الذي قال فيه رسول الله ﵌ (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ) (١) وما ذبح للشيطان أو لأيِّ شيء مما يصدق عليه أنه أهل لغير الله به فلا ينبغي أكله، وعلى السائل وغيره من الشباب الأتقياء الحاذقين العارفين بأن هذه الأشياء من المحرمات عليهم نشر الوعي بين العامة وتعريفهم بأن هذه الأعمال مخالفة للشرع والعقل، وعليهم أن يقرأوا كتاب الشيخ محفوظ وكتاب الشيخ البيحاني وغيرها من الكتب النافعة بين الخاص والعام، وكم قد سبق أن تكلمت بمثل هذا الكلام في هذا البرنامج وفي غيره ولكن أكثر الناس لا يعقلون وعن نشر الوعي الديني يتغاضون ويتجاهلون وما الله بغافل عما يعملون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢).
تحريم تصديق القصص الخرافية
س: ما قول علمائنا الأفاضل فيما حكى الصوفيون من قصص عن الأولياء وخصوصاً عن رجل يدعي (ابن عمر) الملقب براكب النسر، وأنه لما أراد أن يؤدي فريضة الحج انتظر حتى أتى اليوم التاسع من شهر ذي الحجة وحضر له هذا الطائر وركب عليه ووقف بعرفه وعاد في آخر الليل إلى بيته وأدى صلاة العيد مع أهل المحل، بعض الناس يصدق هذه الخرافة وبعضهم ينكرها ولا يصدقها؟
جـ: اعلم أيها الأخ السائل أن كلامك هذا لا يصدقه أحد من الناس أصحاب العقول الفطرية الذين لم تدنس عقولهم وأفكارهم بأوضار الخرافات والأباطيل ولا يقره أحد من خلق الله الذين لا يزالون على الفطرة التي خلقهم الله عليها ولا يكاد يصدق أيُّ إنسان كل ما جاء في السؤال له فكر وعقل لأن ما جاء فيه كذب وافتراء وإفك وشعوذة وخرافات لا يقرها العقل ولا الدّين ولا العلم، وهل يمكن لعاقل أن يصدق بأنَّ رجلاً عادياً ركب على ظهر نسر من اليمن إلى مكة أو من مكة إلى اليمن في ساعات معدودة إلى حد أنه غادر اليمن ووقف في عرفات ورجع إلى اليمن في يوم وليلة ولم يصلي العيد إلا مع أصحاب محله، وهل يمكن شرعاً أن نسمي من ترك مناسك الحج التي عملها رسول الله ﷺ وأمر المسلمين بأخذها عنه حاجاً أو مؤدياً الحج وقد غادر عرفات راجعاً إلى بلده اليمن ولم يؤد باقي مناسك الحج التي من أهمها طواف الزيارة بعد المبيت بمزدلفة والمرور بالمشعر الحرم ورمي الجمرة الكبرى والحلق أو التقصير.
والخلاصة:
стр. 43
أن سفره ذهاباً وإياباً يرفضه العقل والعلم حيث كان في يوم وليلة فوق ظهر نسر وأن حجه هذا مخالف للشرع الشريف، وفعله هذا معاكس لما جاء في الكتاب والسنة وما اجمع العلماء عليه وهذا شيء واضح لا يحتاج إلى الاحتجاج عليه بدليل من الأدلة الشرعية الدالة على أن الحج لا تنتهي أعماله في ليلة يوم النحر لأن ذلك معلوم من الدين ضرورة كما يقول العلماء (وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل).
وأما ما يعمله الناس نتيجة لاعتقادهم بهذا المقبور كالحلف باسمه دون الحلف بالله والنذر له والذبح عند القبر وغير هذه من الأعمال التي تصدر من هؤلاء الناس المعتقدين في هذا الميت من النساء والرجال فهو حرام حرام حرام لأن الحلف لا يكون إلا بالله تعالى والنذر لا يكون إلا في طاعة الله.
الذبح عند القبر هو العقر وقد نهى عنه النبي ﵌ بقوله (لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ) (١).
س: هل صحيح أن اللحم لم يتغير شمه أو طعمه إلا بعد أن صلى بنو إسرائيل على نبي الله عيسى ﵇، وأن النساء ورثن من أمهن حواء ما يصدر من بعضهن من التمرد على أزواجهن وعمل مالا يريدون منهن عمله، وأنه لولا حوى لما حصل منهن أيُّ شيء من ذلك لأزواجهن؟
جـ: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ أنه قال (لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزْ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ) (٢) ومعنى قوله يخبث الطعام أي لم يتغير ريحه، ومعنى قوله (لَمْ يَخْنَزْ اللَّحْمُ) أي لم يتغير ولم ينتن، وقال المناوي: يعني لولا أنهم أي بنو إسرائيل سنوا ادخار اللحم حتى خنز فصار كلما أدخر لحماً ثم خنز قال: فهموا بأنه إشارة إلى أن خنز اللحم شيء عوقب به بنو إسرائيل بكفرانهم نعمة ربهم حيث ادخروا السلوى منتنة وقد نهاهم عيسى ﵇ عن الإدخار ولم يكن ينتن قبل ذلك، وفي بعض الكتب الإلهية لولا أني كتبت الفساد على الطعام لخزنه الأغنياء عن الفقراء، كما قال أيضاً في معنى ولولا حوى لم تخن أنثى زوجها معللاً الخيانة من النساء لأنها أي حواء أم النساء فأشبهنها ولولا أنها سنت هذه السنة لما سلكتها أنثى مع زوجها فإن البادئ بالشيء كالسابق الحامل لغيره على الإتيان به فلما خانت سرت في بناتها الخيانة فقلَّما تسلم امرأة من خيانة زوجها بفعل أو قول وليس المراد بالخيانة (الزنا) حاشا وكلا لكن لما مالت حواء إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وزينت ذلك لآدم مطاوعة لعدوه إبليس عُدَّ ذلك خيانة، وأما من بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها وأضاف المناوي إلى كلامه هذا قوله وفيه إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من النساء لما يقع لهم من المشاكل وأن ذلك من طبعهن والعرق دساس فلا يفرط في لوم من فرط منهن في شيء من غير قصه، وأخيراً قال المناوي: وينبغي لهن أن لا يتمسكن بهذا في الاسترسال على هذا النوع بل يضبطن أنفسن ويجاهدنها، هكذا قاله المناوي في معنى هذا الحديث شارحاً له في المجلد الخامس من
стр. 44
كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير والله أعلم بمراد رسول الله ﵌، ولا أدري هل المقصود بهذا الحديث ما قاله المناوي من أن خنز اللحم أي تغير رائحته كان عقاباً من الله لبني إسرائيل لأن السلوى كان لا ينتن أم أن ذلك غير صحيح حيث أن المناوي لم يبرهن على صحة ما ادعاه ببرهان صريح صحيح، ولهذا كله أقول الحديث صحيح من ناحية الرواية، وأما من ناحية الدراية فالله أعلم بالصواب.
استحباب التبرك بآثار النبي ﵌
س: ما حكم التبرك بآثار النبي ﵌؟ وكيف توزن الأعمال؟ وما ورد في الحوض المورود؟
جـ: اعلم أنه لا مانع من التبرك بآثار النبي ﵌ كالصلاة في المواضع التي كان يصلي فيها أو التي صلى فيها ولو مرة واحدة مثل صلاته في مسجده ﵌ وفي الكعبة وفي مسجد قباء، وقد جاء في كتب الحديث أن بعض الصحابة تبركوا بشعره ومنهم من تبرك بعرقه ومنهم من تبرك بريقه بل إن ذلك مستحب وخصوصاً التبرك بالمواضع التي صلى فيها بأبي هو وأمي
وما حب الديار شغفن قلبي … ولكن حب من سكن الديار.
ونقول في الجواب عن السؤال الثاني: اختلف العلماء في هذه المسألة فقال بعضهم: إن الأعمال هي التي توزن لأصحابها وذلك لأنها وإن كانت أعراضاً إلا أن الله يقلبها يوم القيامة أجساماً توزن كما توزن سائر الأجسام، قال البغوي: يروى هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن سورتي البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف كما في حديث (اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا) (١)، ومن ذلك ما في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك وهو بلفظ (يَجيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجلِ الشَّاحِبِ، فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي أَسهَرْتُ لَيْلَكَ وَأَظْمَأْتُ نَهَارَكَ) (٢)، وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق وهو بلفظ (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السمَاءِ بِيضُ الْوُجوهِ كَأَنَّ وُجوهَهُمْ الشَّمْس مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجنَّةِ حَتَّى يَجلِسوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجلِس عِنْدَ رَأْسهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْس الطَّيِّبَةُ اخْرُجي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُج تَسيلُ كَمَا تَسيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُج مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسكٍ وُجدَتْ عَلَى وَجهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ:
وقيل يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة أن السجلات توضع في كفة والبطاقة في كفة قال: في آخر الحديث فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل شيء باسم الله الرحمن الرحيم ولفظه (يُصَاحُ بِرَجلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوس الْخَلَائِقِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسعَةٌ وَتِسعُونَ سجلًّا كُلُّ سجلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : َهَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أَلَكَ عَنْ ذَلِكَ حَسنَةٌ؟ فَيُهَابُ الرَّجلُ فَيَقُولُ: لَا فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسنَاتٍ وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتُخْرَج لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، قَالَ: فَيَقُول: ُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السجلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السجلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السجلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ) (١)، ذكر معنى ذلك الشيخ (عبدالعزيز السلمان) فيما كتبه عن (العقيدة الواسطية لابن تيمية) ﵀ قال العلامة (محمد بن اسماعيل الأمير الصنعاني).
إذا تفكرت في ذنوبي … خفت على قلبي احتراقه
لكنه ينطفي لهيبي … بذكر ما جاء في البطاقه
وقيل يوزن صاحب العمل مع عمله ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي
стр. 47
صلى الله عليه وآله وسلم (إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (١) وروى الإمام (أحمد) أن بعض أصحاب النبي ضحكوا من ابن مسعود الذي كان دقيق الساقين وأن الريح كانت تكفيه فقال لهم النبي ﵌: مم تضحكون قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه فقال النبي ﵌: (لَرِجْلُ عَبْدِ اللَّهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ) (٢) وفي لفظ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ) (٣)، وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن صاحبها، كما نص على معنى ذلك الشيخ (عبدالعزيز) فيما حرره على (العقيدة الواسطية) أو يقال: في مثل هذا آمنا بالله وبما جاء من طرق صحيحة عن رسول الله ﵌ ونفوض تفسير ذلك كله إلى الله كما آمن به السلف رضوان الله عنهم.
والجواب عن السؤال الثالث: أن الحوض هو الحوض المورود الذي جاءت بذكره الأحاديث الصحيحة المتواترة منها حديث (وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ) (٤) وحديث (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنْ الْإِبِلِ عَنْ الْحَوْضِ) (٥) وموضعه في عرصات القيامة، ومعنى الإيمان به التصديق الجازم بأنه لا بد من وجوده في يوم القيامة تصديقاً للأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى النبي ﵌ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى كما في قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٦)، والذي
стр. 48
يرده هم أمته ﵌، ومسافته شهر وعدد كيزانه كنجوم السماء كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى رسول الله ﵌ كحديث (نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ) (١) وحديث (إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنْ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنْ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ) (٢) وحديث (إِنَّ حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى أَيْلَةَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، أَكَاوِيبُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا) (٣) وغيره.
والجواب على السؤال الرابع: أن خلاصة ما جاء في الأحاديث أنه مورد عظيم من شرب من مائه لا يظمأ أبداً، وأن طوله وعرضه سواء وأن كل زاوية من زواياه مسافة شهر كما في بعض الروايات وجاء في بعض الروايات ما بين (بصري) و (صنعاء)، وأما من أين يمد هذا الحوض فقد ورد ما يدل على أنه يمد من شراب الجنة وهو نهر الكوثر الذي جاء وصفه في الحديث الصحيح بأنه اشد بياضاً من اللبن وأبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك وهو بلفظ (يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ) (٤) قال بعض العلماء
وحوض رسول الله حقاً أعده … له الله دون الرسل ماء مبردا
ويشرب منه المؤمنون وكل من … سقى منه كأساً لم يجد بعد صدا
أباريقه عدّ النجوم وعرضه … كـ (بصرى) و (صنعاء) في المسافة حددا
ومن أراد أن يطلع على الأحاديث الواردة في الميزان والحوض فعليه بمطالعة ما ذكره (المنذري) في (الترغيب والترهيب) و (ابن كثير) في (نهاية البداية) ومن الأحاديث التي ذكرها (ابن كثير) في كتابه هذا الحديث المرفوع إلى رسول الله ﵌ أنه قال: (إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ، أَضْرِبُ
стр. 49
بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ) (١) هكذا جاء في الحديث بلفظ (لأهل اليمن) وقرأته عند مشايخي بهذا اللفظ وشرحه (النووي) على هذا اللفظ وعلل ذلك لكون أهل اليمن هم الذين آووه وناصروه حيث الأوس والخزرج هم من أهل اليمن، ولكن جاء هذا الحديث في كتاب (البداية والنهاية) لـ (ابن كثير) بلفظ (أذود الناس لأهل اليمين) بزيادة الياء فيما بين الميم والنون ولا أدري هل تصحف الحديث على المؤلف (ابن كثير) أو على بعض النساخ أو الحديث في الواقع هو بهذا اللفظ ولقد علق عليه الشيخ (محمد فهيم أبو عيبه) الذي قدم هذا الكتاب وحققه وعلّق عليه بقوله هذا تمثيل للحيلولة بين من ليسو من أهل اليمين وبين مقام الإكرام والرحمة يوم القيامة.
والخلاصة: أن الحديث في صحيح مسلم ورد بلفظ (لأهل اليمن) وقد عمل بموجبها من ألف في فضائل أهل اليمن مثل مؤلف كتاب (نثر الدر المكنون في فضائل اليمن الميمون) حيث سرد هذا الحديث من جملة الأحاديث الواردة في فضل أهل اليمن وجاء في (البداية والنهاية) بزيادة (الياء) وفسره المعلق بأهل اليمين وهم ضد أهل الشمال.
تحريم التبرك بآثار المخلوق حياً أو ميتاً
س: الحاجات القبيحة وصاحب الحق من يستطيع أن يأكل كمية من التراب المسحوق الممزوج بأشياء غامضة يوزعها المنصوب على من يريد لقصد التبرك وكذلك المشرك المعد لهذا المهرجان الخرافي، نرجو من العلماء أن يبينوا حكم الإسلام؟
جـ: اعلم أن هذه البدع لم تكن من بدع هذا العصر بل هي من البدع القديمة حتى ظنها العوام وأشباههم من الإسلام والإسلام منها براء لأنها مذكورة في مؤلفات شيخ الإسلام (ابن تيمية) في كثير من رسائله وفتاواه وقد عاش (ابن تيمية) في (آخر القرن السابع وأول القرن الثامن الهجري) وهكذا ليست من البدع التي اختص بها بعض أهل اليمن بل هي منتشرة في أكثر البلاد الإسلامية ولقد شاهدت بعيني وسمعت بأذني عند قبر (أبي العباس) في (الإسكندرية) وعند قبر السيد (أحمد البدوي) في (طنطا) وعند قبر السيدة (زينب بنت علي) وهكذا وجدت وشاهدت عند قبر (علي الرضا بن موسى الكاظم) في مدينة (مشهد) في (إيران) ما هو أعظم، وقد بلغ عدد الزوار في بعض السنين خمسة وعشرين ألف زائر واعتقدوا أن الأموات ينفعونهم متناسين قوله تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٢) وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (٣) وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاس بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا) (٤) كما أنهم شدوا الرحال إلى قبور هؤلاء الأولياء كما تشد الرحال إلى المسجد الحرام مخالفين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
стр. 50
(لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (١) وهكذا رفعوا قبور من اعتقدوا فيه وعمروا عليه المشاهد والقباب مع ما ورد من حديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال لعلي (أَنْ لَا تَدَعَ تِمثْالاً إِلاَّ طَمَستَهُ، وَلَا قَبْراً مُشْرِفاً إِلاَّ سوَّيْتَهُ) (٢) وهكذا كان من البدع عمارة المساجد على القبور مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد حرم ذلك كما في حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (٣) كما أنهم ابتدعوا الاستغاثة بأهل القبور ودعائهم مع الله أو من دون الله مع قوله ﴿قُلْ إِنَّمَا … أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ (٤) وكذلك قبَّلوا أحجار القبور مع أن الإسلام حرم تقبيل الحجارة عدا تقبيل الحجر الأسود، وعمر قد قال (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) (٥).
س: عندما قدم الرسول ﵌ إلى المدينة أراد (عبدالله بن سلام) أن يتحقق من نبوءة رسول الله ﵌ فقال يا محمد إني أسألك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة ؟ ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
جـ: الرسول أجاب بان أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأن أول طعام يأكله أهل الجنة (زيادةُ كبدِ الحوت) أي القطعة المعلقة بالكبد وهي في الطعم في غاية اللذة، وأجابهم عن الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه بأنه إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه وإن سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه، هكذا قال وهو بلفظ (أما أولُ أشراط الساعة فنارٌ تحشُرُ الناس منَ المشرقِ إلى المغرب، وأما أولُ طعام
стр. 51
أهلِ الجنة فزيادةُ كبدِ الحوت، وإذا سبقَ ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ نزعَ الولدُ، وإذا سبقَ ماءُ المرأةِ نَزَعت) (١).
أطفال المسلمين لا يسألون في قبورهم
س: ما هو حكم أطفال المسلمين الذين يموتون وهم صغار هل يسألون في قبورهم؟ أم لا؟ وهل هم مسلمون؟
جـ: الظاهر أن أطفال المسلمين لا يسألون في القبور لأنهم غير مكلفين، والسؤال لا يكون إلا للمكلفين لا لغير المكلفين وقد ورد حديث صحيح عن رسول الله ﵌ (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) (٢) وبناء على ذلك فأطفال المسلمين مسلمون عملاً بهذا الحديث.
عذاب القبر واقع لتواتر أحاديثه
س: هل عذاب القبر صحيح كما جاء عن النبي ﵌؟
جـ: يجب على المسلم أن يؤمن بما جاء عن النبي ﵌ من أن عذاب القبر واقع لوروده في عدة أحاديث متواترة تواتراً معنويا منها حديث (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ: ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) (٣) ولا ينبغي أن نبحث عن الكيفية لأن عالم البرزخ وراء العقل وليس للعقل البحث عن كيفيته كما قاله السلف رضوان الله عليهم.
دخول الجنة جزاء لمن يحافظ على الصلوات وأعمال الإسلام الأخرى
س: هل من حافظ على الصلوات فقط دون بقية الأعمال الأخرى يدخل الجنة؟
стр. 52
جـ: إن الدين الإسلامي فيه سعادة البشرية وليس مقصوراً على الصلاة بل إن فيه زكاة وصوماً وحجاً وأمراً بمعروف وفعل خير ونهياً عن المحرمات مثل شهادة الزور والزنا واللواط والقذف والسحر وليس الإسلام منحصراً في الصلاة فقط وإن كانت هي أهم أركان الإسلام.
صحيح البخاري وصحيح مسلم أصح كتب الأحاديث النبوية
س: ما هي الكتب الصحيحة لأحاديث النبي ﷺ ؟
جـ: البخاري ومسلم من الأمهات الست المشهورة وباقي الأمهات مثل (سنن ابن ماجة) و (سنن الترمذي) و (سنن أبي داوود) و (سنن النسائي) فيوجد فيها الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة ولكن الضعيفة فيها قليلة لا سيما (سنن النسائي)، وهكذا غير هذه الأمهات من كتب الحديث المسندة يوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف مثل (موطأ مالك) و (مسند الإمام أحمد بن حنبل) و (سنن الدار قطني) و (سنن البيهقي) و (مستدرك الحاكم) و (جامع عبد الرزاق الصنعاني) وغيرها وأحسن كتاب من كتب المتأخرين الجامعة للأحاديث الحسنة والصحيحة في حسن السيرة والسلوك ومكارم الأخلاق وغير ذلك هو كتاب (رياض الصالحين) للإمام (النووي) وكتاب (المتجر الرابح) لـ (الدمياطي) وأحسن الكتب الجامعة لأحاديث النبي ﷺ (فتح الغفار) للعلامة (حسن بن أحمد الرباعي) أحد تلاميذ شيخ الإسلام (الشوكاني) ﵀.
خُلِق الرسول ﷺ في عام الفيل
س: يقال بأن النبي ﵌ كان نوراً قبل أن يخلق أبونا آدم بأربعين عاماً، فهل لهذا القول أثر في السنة النبوية؟
جـ: اعلم بأن آدم خلق قبل أن يخلق الرسول ﵌ ولكن رسول الله كان نبياً في الوقت الذي كان آدم فيه طيناً قبل أن ينفخ الله الروح في آدم كما جاء في الحديث الصحيح أي أن الله كتب في الأزل أن محمداً سيكون رسولاً ونبياً قبل نفخ الروح في آدم، وأما خلق الرسول فلم يكن قبل آدم ولا في عصره وإنما كان في عام الفيل، وأما ما جاء في بعض الآثار أن أول ما خلق الله هو نور النبي محمد ﵌ فليس بصحيح عند الحفاظ كما نص على ذلك الحافظ (اللكنوي) في كتاب (الآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة).
جواز تصرف المالك في ملكه بما شاء وكيف شاء ولا ينافي التوكل على الله تعالى
س: يوجد لديَّ منزل وبه حجرة في الطابق الثاني والمنزل برأس الجبل وهذه الغرفة تصعق كل سنة أي يصيبها الصاعقة، فهل يجوز نقل هذا البناء إلى مكان آخر أو أن ذلك غير جائز شرعاً، أفيدونا جزاكم الله خير؟
جـ: إذا كانت الحجرة ملكاً خالصاً لك وليس لك شريك في ملكيتها أو بعبارة أعم إذا كان هذا المبنى ملكاً خالصاً لك وليس لك شريك في ملكيته فلا مانع من نقل المبنى إلى مبنى آخر لأن للمالك أن يعمل في ملكه ما يشاء وأن يتصرف فيما هو له بأيِّ نوع من أنواع التصرف كـ (البيع أو الإجارة أو الهبة أو النذر أو الوصية أو الوقف) أو غير ذلك من التصرف الذي يجوز لكل مالك أن يتصرف فيه كما يشاء، وللسائل أن يبحث عن محل من المحلات التي يجد فيه منزلاً بدلاً عن هذا المحل المعرض للصواعق في أكثر الأعوام، وإن كان المبنى ليس خاصاً بك بل كان لك أخوة أو مالكون آخرون فلا يجوز نقل هذا المبنى إلى محل آخر إلا بعد الإذن من إخوته أو من الشريك، وان كان هذا المبنى لمن كان قاصراً أو مجنوناً فلا يجوز نقله إلا بإذن من ولي القاصر أو المجنون أو من غيره إذا كان هناك مصلحة راجحة في النقل وإلا فلا، وإذا كنت أنت الولي أو الوصي فلا مانع
стр. 53
لك إن كان ثم مصلحة أيضاً وهكذا إن كان القاصر والمجنون شريكاً في ملكية المبنى لا بد فيه من الإذن من الوصي أو الولي مع وجود المصلحة، وإن كان المبنى لوقف آخر فالولاية لوزارة الأوقاف ولا بد من إذنها وإن كان وقفاً خاصاً فالولاية لمتوليه إذا أذن المتولي بذلك مع مراعاة المصلحة في كل من الولايتين العامة والخاصة، وإن كان مرادك أن في نقل المبنى مخالفة للتوكل على الله أو فراراً من المقدور فليس النقل لهذا المبنى من المحل التي تكثر فيه الصواعق إلى محل آخر من المحلات التي لا تكثر فيها الصواعق أو لا تأتيها الصواعق عادة ليس فيه أيُّ مقدور أو منافاة للتوكل على الله أو فراراً من قدر الله لأن الله قد أمر النبي ﵌ والصحابة رضوان الله عليهم بأن يأخذوا حذرهم وأن يتوكلوا على الله وأن القرآن قد أمر بأخذ الحيطة (الحذر) كما أمر أيضاً بالتوكل على الله كما في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَإِذَا كُنْتَ … فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ … بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢)، وكذلك النبي ﵌ قد أمر بذلك بالاحتياط والتوكل كما في حديث (إعقِلْهَا وَتَوَكَلْ) (٣) وهكذا كان هدي النبي ﵌ أن يجمع بين الأمرين فقد خرج من مكة يوم هجرته إلى المدينة جامعاً بين الأمرين حيث لم يغامر بالخروج في أيِّ وقت كان ولا ذهب من مكة إلى المدينة رأساً ولا بقي في محله حتى يأتي أعداؤه من مشركي مكة بل خرج في الوقت المناسب للخروج وهو الوقت الذي لا يقتص الخروج فيه المشركون، وأبقى أمير المؤمنين علياً كرم الله وجهه في بيته ليوهم المشركين أنه لا زال في البيت لينتظروا خروجه من البيت فيقتلونه ثم اختفى في الغار مدة ثلاثة أيام ليبحث عنه المشركون في طريق المدينة فلا يجدونه ويحصل عندهم يأس فإذا أصبحوا يائسين من بحثهم عنه في الطريق رجعوا ويخرج من الغار وقد أمن منهم، وهكذا عمل يوم الخندق جميع الإحتياطات وهذان المثلان لهدي النبي ﵌ في العمل بالاحتياط وفي دفع المسببات بالأسباب مما يدل على أنه لا منافاة بين التوكل على الله وبين الحذر وأن لو استعرضنا ما جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية من أقوال النبي ﵌ ومن أفعاله لما اتسع الوقت لإذاعتها وفيما ذكرته الكفاية لمن تأمله.
والخلاصةهي:
إن كان السؤال عن نقل هذا المبنى من الناحية الشرعية التي تخشى أن تسأل عنها يوم القيامة فلا مانع لك إن كان المبنى من أملاكك الخاصة، وإن كان لك شريك فلا بد من إذنه، وإن كان لغير مكلف فلا بُدَّ من إذن الولي أو الوصي مع مراعاة المصلحة، وهكذا إن كان وقفاً لا بد من إذن من الجهات العامة أو الخاصة.
وإن كان السؤال عن النقل لهذا المبنى من الناحية الدينية التي تخشى أن تسأل عنها أمام الله فلا مانع لك من
стр. 54
نقل المبنى لأنك ستفر من قدر الله إلى قدر الله إلا أنك تعمل بقانون الأسباب وستأخذ حذرك وتتوكل على الله عملاً بما جاء في القرآن من الأمر بأخذ الحذر مع التوكل على الله في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَإِذَا كُنْتَ … فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢) وبما جاء في الحديث (إعقِلْهَا وَتَوَكَلْ) وبما عمله النبي ﵌ يوم الهجرة ويوم الخندق وفي غير هذين الموقفين من المواقف التي عمل الرسول فيها بالحذر وتوكل على الله .
تحريم سب أمهات المؤمنين لا سيما أم المؤمنين عائشة ﵂
س: ما قول العلماء جميعاً والقاضي (محمد العمراني) خصوصاً في رجل بنى مسجداً جوار مسكنه ويؤم الناس في بعض الأوقات قبل دخول الوقت فلما نصحه البعض بأن يتأخر حتى يدخل الوقت ويصلي جماعة كبرى وخصوصاً أن بيته بجوار المسجد فأجاب بكلام طويل وبذي، سب فيه أم المؤمنين عائشة وأصحاب رسول الله ﵌ وسب العلماء الأعلام وأصبح يمنع العلماء من توعية الناس وإرشادهم إلى الكتاب والسنة، فهل يؤجر على عمارة هذا المسجد؟
جـ: جميع ما جاء في هذه الرسالة قد جاء فيه أحاديث صحيحة موجودة في جميع دواوين السنة النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، أما الصلاة فقد حث النبي ﵌ على المواظبة عليها في أول وقتها لأحاديث في هذا الموضوع كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها، منها حديث (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا) (٣)، وأما بخصوص ما قيل عن هذا الشخص بأنه سبَّ أم المؤمنين عائشة ﵂ أو أنَّه يسبَّها فإذا صح فهو آثم لأنها زوجة الرسول ﵌ وهو بأبي وأمي الطيب الطاهر وزوجاته من الطيبات الطاهرات لأن القرآن الكريم قد نص على أن الطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين كيف لا؟! وقد طهرها الله من فوق سبع سماوات بالآيات التي نزلت في براءتها في سورة النور من قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ﴾ (٤)، إلى قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) وأما سبُّ الصحابة ﵃ ولا سيما المبشرين بالجنة وخصوصاً الخلفاء الراشدين فهو
стр. 55
أيضاً من المحرمات لورود النهي عن ذلك في عدة أحاديث منها حديث (لَا تَسبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (١) زيادة على ما ورد في القرآن الكريم من مدحهم والثناء عليهم ومن شك في ذلك فليراجع ما جاء في القرآن الكريم من الثناء عليهم في قوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وما قاله علماء التفسير حول تفسير كل ما ورد فيهم على جهة العموم كقوله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ … مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ … الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٤) ومن أهل بيعة الرضوان على جهة الخصوص في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٥)، وهكذا ما جاء في الثناء عليهم في كتب الحديث الشريف كـ (الأمهات الست) وغيرها من كتب السنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام وهم محل تقدير وتعظيم واحترام عند جميع الأئمة المجتهدين من أمة محمد ﵌ ومنهم أئمة أهل البيت الطاهرين المتقدمون منهم والمتأخرون، ومن لم يعرف ما قاله علماء أهل البيت وأئمتهم الأعلام في صحابة خاتم الأنبياء والمرسلين ولا سيما الخلفاء الراشدين فعليه مطالعة (الرسالة الوازعة للمعتدين بسب أصحاب سيد المرسلين) التي ألفها الإمام (يحيى بن حمزة) وهو من أكبر علماء أهل البيت الطاهرين ومن أعظم أئمة أهل المذهب الزيدي وقد ألفها قبل (ستمائة عام) وطبعت عدة مرات أو يطالع كتاب (إرشاد الغبي إلى مذهب الآل في صحب النبي) لشيخ الإسلام (الشوكاني) ﵀ ليعرف آراء علماء أهل البيت عن الخلفاء الراشدين فيرجع عن رأيه ويتوب إلى الله من اعتقاد السوء فيهم إن صح ماجاء في الاستفتاء ولا شك بأنه إذا طالع ما ورد في فضلهم عن النبي ﵌ وما ورد عن أئمة أهل البيت سيندم ويرجع إلى الله بالتوبة النصوح من هذه العقيدة، وهكذا لا ينبغي له أن يسب العلماء فهم ورثة الأنبياء وهم الواسطة فيما بين رسول الله ﵌ وبين عامة الناس من أمته عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام وأنا أنصحه بأن يكفَّ لسانه عن سبِّ الناس جميعاً ولا سيما أصحاب الرسول العظيم والخلفاء الراشدين وجميع العلماء العاملين ومشائخنا في الدين زاد الله في إكرامهم وتعظيمهم وأعاد علينا من
стр. 56
بركاتهم وأن يلحقنا بهم صالحين، وهذا كله إن صح ما قيل عن هذا الشخص مما جاء في رسالة السائلين وغيرهما وأرجو أن لا يصح عنه هذا الاعتقاد كما أرجو إن صح عنه بأنه قد رجع عن آرائه هذه التي قد ذكرت الرد عليه في جوابي هذا، وأما كونه سيؤجر على عمارته للمسجد فالعلم عند الله فهو العالم بكل شيء.
تحريم سب أو شتم أصحاب رسول الله ﷺ -
س: ما قول علمائنا الأجلاء فيمن يسب أو يشتم أصحاب رسول الله ﵌ وفي نفس الوقت ينكر كون عثمان ﵁ من أهل بدر وبيعة الرضوان؟
جـ: اعلم بأنه لا ينبغي لأيِّ مسلم أن يخوض في مسألة الصحابة الأجلاء ولا أن يشغل فكره حول هؤلاء الأعلام فضلاً عن أن يقدح في عدالتهم أو يشتمهم أو يسبهم ولا سيما السابقون الذين سبقوا غيرهم بالإيمان وخصوصاً الخلفاء الراشدين ﵃ الذين قد أخبرنا الله بأنه قد رضي عنهم في القرآن الكريم الذي أنزل على رسول الله ﵌ من فوق سبع سماوات حيث وهم ممن بايعوا رسول الله ﵌ تحت الشجرة، أما (أبو بكر وعمر وعلى) ﵃ فقد بايعوا النبي ﵌ بأنفسهم، وأما (عثمان بن عفان) ﵁ فقد بايع عنه رسول الله ﵌ بيده الشريفة المباركة وقال هذه عن (عثمان) لأنه كان مبعوث النبي ﵌ إلى قريش بل ما كانت البيعة هذه إلا بسبب ما كان أشيع عن (عثمان) ﵁ أن قريشاً قد حبسته في مكة، كما أنهم أيضاً من (أهل بدر) الذين قد أخبرنا النبي ﵌ بأنهم قد استحقوا المغفرة من الله تعالى حيث جاء في الحديث المرفوع إلى رسول الله ﵌ أنه قال: (لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (١) ولقد باشر الخلفاء الراشدون القتال في يوم بدر بأنفسهم إلا أمير المؤمنين (عثمان) رضى الله عنه فقد كان له عذر ضروري كان سبب تأخره في المدينة هو البقاء عند زوجته (رقية) ﵂ في مرضها المخوف بأمر من رسول الله ﵌ حتى توفيت و (عثمان) عندها وجاء البشير بانتصار النبي وأصحابه على عصابة قريش إلى المدينة المنورة في الوقت الذي دفن الناس فيه السيدة (رقية) بنت رسول الله ﵌ في مثواها الأخير وقد عد النبي ﵌ (عثمان) من جملة أهل بدر وقسم له سهماً مثل أصحابه أهل بدر حيث كان (عثمان) يعمل في حاجة رسول الله ﵌ بأمر رسول الله ﵌ وقد ذكر الإمام يحيى بن حمزة الحسيني ﵀ في رسالته المشهورة المسماة (الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب أصحاب سيد
стр. 57
المرسلين) كلاماً جيداً حول هذا الموضوع، فأنا أنصح كل من ينال من أصحاب رسول الله ﵌ ومن خلفائه الراشدين ويزعم أن ذلك هو مذهب أهل بيت النبي أو أنه مذهب علماء الزيدية أو مذهب الإمام (زيد بن علي) فعليه أن يطلع على هذا الكتاب وسيعرف أن مذهب أهل البيت برئ من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأنصح من يريد أن يرشد الجاهل الذي يظن أن شتمه للسلف الصالح ولحلقة الوصل بين رسول الله ﵌ وبين أمته إلى التأمل لما جاء في كتاب الله تعالى من الثناء عليهم من الآيات القرآنية في سورة الفتح في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١) وقوله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ … أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) وفي غيرها ولما جاء في السنة المطهرة من المدح العظيم لهم وإملاء ذلك كله على من في قلبه مرض عسى أن يهديه الله وينفع به وأحذره من الكلام الخشن والعبارات القاسية التي قد تضر ولا تنفع ومن أحسن ما يتلى على من يبقي في قلبه نوع من الاعتقاد السيئ في خلفاء رسول الله ﵌ هو باب مناقب الصحابة من كتاب (مجمع الزوائد) للحافظ (الهيثمي) أو كتاب (در السحابة في مناقب الصحابة) للحافظ (الشوكاني) رحمه الله تعالى.
س: ما هو حكم الإسلام فيمن يرتكب جريمة سبِّ الصحابة رضوان الله عنهم وخصوصاً الخلفاء الراشدين؟
جـ: أعلم بأنه ورد في الحديث (سبابُ المسلم فُسوقٌ وقِتالُهُ كفرٌ) (٣) ولذلك فإن سبَّ المسلم حرام شرعاً ولا سيما من كان من أصحاب النبي الذين وصفهم الله في القرآن بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ … أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) وخصوصاً من كان من السابقين الأولين إلى الدخول في الإسلام الذين بايعوا محمدا ﵌ عند أن كان الإسلام غريباً وهم الذين قال الله فيهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥) أو كانوا ممن بايعوا النبي بيعة الرضوان حيث صرَّح القرآن الكريم بأن الله قد رضي عنهم في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٦) أو كانوا من أهل بدر الذين أخبر
стр. 58
النبي أنهم ممن غفر الله لهم حيث قال (لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (١) أو كانوا من العشرة المبشرين بالجنة وذلك مثل الخلفاء الراشدين حيث أنهم من السابقين الأولين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن أهل بدر، ومن العشره المبشرين بالجنة فمن سبَّهم أو سبَّ بعضهم فهو عاصٍ لله وعاصٍ لرسول الله ﵌ لأنه خالف ما جاء في القرآن من الثناء على الصحابة عموماً وعلى السابقين الأولين على جهة الخصوص لا سيما من كان من أهل بيعة الرضوان أومن أهل بدر فإن السابَّ لهم أو لأحدهم يخالف النص القرآني المقدس والنص النبوي الشريف، فالقرآن يقول ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢) فالسابَّ لهم أو لبعضهم يشتم من ﵃ ويسبُّ من أثنى عليهم القرآن والسنة كما أنهم يسيئون الظن بمن أخبر النبي أنهم من أهل الجنة وبأن الله قد اطلع عليهم فقال (لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (٣) علماً أن الخلفاء الراشدين جميعاً كانوا من السابقين الأولين ومن أهل بدر ومن أهل بيعة الرضوان وممن أخبر النبي أنهم من أهل الجنة، ولا يضر (عثمان) أنه لم يشهد بدراً فقد تأخر بأمر النبي ليكون بجانب زوجته بنت النبي صلوات الله وسلامه عليه التي اشتد مرضها في يوم خروج النبي ﵌ لغزوة بدر وتوفيت في مرضها وجاء الخبر بانتصار المسلمين على المشركين عقيب دفنها.
سبُّ الصحابة من كبائر الإثم
س: ما موقف علماء الإسلام ممن يسبُّون صحابة رسول الله ﵌ والخلفاء الراشدين؟
جـ: سبُّ المسلم للمسلم حرام ولا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسبَّ أحداً أو يشتم أحداً أو يلعن أحداً ولاسيما من كان من أصحاب النبي ﵌ وخصوصاً العشرة المبشرين بالجنة الذين منهم الخلفاء الراشدون ﵃ وجزاهم عن الإسلام خيراً وحشرنا في زمرتهم، ومن قد صدر منهم السبَّ أو الشتم أو اللعن فعليه أن يتوب توبة خالصة ليتوب الله عنه كسائر من عصى الله ورسوله فسبَّهم من الكبائر وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد نهى النبي ﷺ عن سبِّ الصحابة في حديث (لَا تَسبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (٤) وقد وصف الله كل من يبغض الصحابة ويتغيَّض منهم بالكفر في قوله تعالى ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٥).
وجوب صون الألسنة عما جرى بين الصحابة
س: ما رأيكم فيمن يسبُّ ويلعن ويتكلم في (معاوية بن أبي سفيان) بل ويصل الأمر إلى تكفيره للصراع الذي جرى بينه وبين (على بن أبي طالب) وتصوير الأمر على أنه صراع على الملك والمال والذي لا زال حديث الناس إلى اليوم ويصل الحال إلى الجدال والصراع والخصام وارتفاع الأصوات في المساجد، نرجو من فضيلتكم التوضيح؟
جـ: الفتوى هي أنه ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) كل واحد من الناس
стр. 59
يجب عليه أن يعرض عما قد وقع قبل أكثر من ألف سنة، ولا يحشر نفسه بخصوص أناسٍ لهم منذ أن ماتوا ثلاثة عشر قرناً وأكثر ولا يتدخل بين من قد لقوا ربهم.
س: من هم العشرة المبشرين بالجنة؟
جـ: إن الذي بشرهم النبي ﵌ بالجنة هم (الخلفاء الأربعة) و (عبدالرحمن بن عوف) و (سعد بن أبي وقاص) و (سعيد بن زيد بن عمر) و (أبو عبيدة ابن الجراح) و (طلحة بن عبيدالله) و (الزبير بن العوام).
س: هل يجوز لعن أو سبُّ الصحابة وأمهات المؤمنين ﵅؟
جـ: لعن المسلم لا يجوز شرعاً لقول النبي ﵌ (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ، وَلَا بِلَعَّانٍ، وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ) (١) وخصوصاً من كان من أصحاب النبي ﵌ كـ (الخلفاء الراشدين) ﵃ و (أمهات المؤمنين) ﵅ ولاسيما أم المؤمنين (عائشة بنت أبي بكر الصديق) ﵄ الذي مات رسول الله ﵌ بين سحرها ونحرها وهو راض عنها، وإذا صح أن هناك من يسبُّها أو يلعنها فهو آثم وعليه المبادرة بالتوبة النصوح وهي الندم على ما كان منه في جانبها والعزم على عدم العودة إلى مثل هذا الذنب العظيم، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة ونعوذ بالله من النار وما يقربنا إلى النار من قولاً وعمل ونسأل الله حسن الخاتمة والرضا عن من مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو راضٍ عنهم من الصحابة وخلفائه الراشدين ومن أمهات المؤمنين.
س: ما حكم الإسلام فيمن يسبُّ صحابة رسول الله ﷺ ؟!!!
جـ: سبُّ المسلم حرام ولا سيما أصحاب النبي ﷺ وخصوصاً من كان من أهل بدر ومن أهل بيعة الرضوان مثل الخلفاء الراشدين فسبُّهم لا يجوز كيف وقد ورد في القرآن أن الله قد رضي عن الذين بايعوه تحت الشجرة في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢) والخلفاء الراشدون من أهل الشجرة فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله مما يعمله ابليس في هؤلاء الذين لا يحترمون أصحاب رسول الله ﷺ .
من تاب توبة نصوحاً قبل موته غفر الله له
س: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (٣) هل إذا مات إنسان وهو كافر لن يغفر الله له أم إذا كفر ثم آمن ثم كفر ثم آمن وتاب لن يقبل الله توبته؟
جـ: إذا كان آخر عمله قبل الموت مؤمناً غفر الله له وإلا فلا.
стр. 60
س: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ (١) ما المقصود بالتوبة هنا هل هي التوبة السابقة أم إذا كفر ثم آمن ثم كفر ثم آمن وتاب لن يقبل إيمانه وتوبته؟
جـ من كان في آخر عمره تائباً غفر الله له.
س في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢) هل إذا آمن الشخص ثم أشرك ثم آمن لا يغفر الله له ولا يقبل إيمانه؟
جـ الله لا يغفر للمشرك، وأما العاصي فهو تحت مشيئة الله فإن شاء غفر له ذنوبه وإن شاء لا يغفر له ذنوبه هذا في المسلم العاصي.
المنجي من عذاب القبر هو كل طاعة لله تعالى أو لرسوله ﷺ
س: ما هي الأمور المنجية من عذاب القبر بعد توفيق الله تعالى للعبد؟
جـ: كل طاعة لله تعالى أو لرسوله ﷺ .
س: من مات وعليه دين لم يستطع أداءه بسبب فقره، هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟
جـ: العلم عند الله.
عذاب القبر يكون على الروح لا على البدن
س: هل عذاب القبر يكون على الروح أم على البدن؟
جـ: على الروح لا على البدن.
الدعاء والصدقة يردان القضاء
س: هل الدعاء والصدقة تردان القضاء والقدر؟
جـ: الظاهر أن القضاء والدعاء يتصادمان عند نزول القضاء وطلوع الدعاء كما ورد حديث نبوي صحيح وهو بلفظ (وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ) (٣).
أحاديث الكتاب المسمى بـ (وصايا النبي لعلي بن أبي طالب) موضوعة
س: اطلعت على كتاب يسمى وصايا النبي ﵌ لأمير المؤمنين علي، ولم يذكر اسم مؤلف هذا الكتاب أحاديث كثيرة ما مدى صحة هذه الوصايا؟
جـ: اعلم أخي السائل أن هذه النسخة كانت قد طبعت في مدينة (دلهي) بـ (الهند) ثم طبعت في (بيروت) بالتصوير الفوتوغرافي وهي نسخة جمعت (مائتين وثلاثين) وصية، ولم يذكر المؤلف لها متناً ولا سنداً وقد ذكر سندها علماء الحديث كـ (ابن الجوزي) في (الموضوعات الكبرى) و (السيوطي) في كتابه (اللآلي المصنوعة)
стр. 61
وقد حكما على هذه النسخة بأنها موضوعة، وحكم عليها كثير من العلماء بالوضع كـ (ابن عراق الكناني) في كتاب (تنزيه الشريعة عن الأحاديث الموضوعة) و (الشوكاني) في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) وحكم عليها من المعاصرين بالوضع (عبد العزيز الغماري) العلامة المغربي.
معنى حديث (الدنيا ملعونة) هو المحرَّم منها
س: ما المراد بالحديث النبوي الشريف (أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ)؟
جـ: المراد بقوله (أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ) (١) أنها مبغوضة ساقطة فعبر عنه لأن من لازم المبغوض الساقط والمراد بقوله (مَلْعُونٌ مَا فِيهَا) ملعون ما فيها من الأشياء الدنيوية الفانية من شهوات وغيرها أي أن الاشتغال بها مبعد عن الحق فقد جاء في بعض الآثار ولم يصح حديثاً مرفوعاً (حب الدنيا رأس كل خطيئة) ومعنى قوله (إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ) إلا ذكر الله وما داناه مما أحبه الله تعالى والولى: القرب والدنو، ويكون المعنى الدنيا ملعون ما فهيا إلا ذكر الله وما قاربه من الطاعة الموصلة لمرضاته تعالى، ومعنى قوله (وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ) و إلا العلماء الذين يعلمون الناس الخير وينصحونهم وطلبة العلم الذين يطلبون العلم ليعلموا الجهال أو الذين يطلبون العلم لوجه الله ولا يفهم من هذا الحديث سبُّ الدنيا أو لعن الدنيا مطلقاً بل الظاهر منه أن الملعون من الدنيا ما كان مبعداً عن الله، أمَّا ما كان مقرباً إلى الله فلا يدخل في الدنيا الملعونة بدليل الاستثناء المتصل وهو قوله في آخر الحديث إلا ذكر الله وعالماً ومتعلماً وبدليل الأدلة الأخرى المخصصة لعموم هذا الحديث وهي كثيرة لمن يبحث عنها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣) والكلام حول الموضوع طويل.
والخلاصة:
١ - أن كل شيء ثبت شرعاً أنه حرام فهو داخل في عموم قوله الدنيا ملعونة ملعون ما فيها.
ما ثبت شرعاً أنه مشروع على جهة الوجوب أو الندب أو أنه مباح فهو خارج من هذا العموم لأن الأدلة على مشروعيته على جهة الوجوب أو على جهة الندب قد دلت على خروجه من هذا العموم، الأدلة الدالة على مشروعيته مخصصة للعموم كسائر المخصصات لسائر العمومات حتى لقد قيل ما من عامٍ إلا وقد خُص، وهكذا نقول: الأدلة الدالة على إباحة أيِّ شيء من الأشياء تكون مخصصه لعموم قوله (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا) فلا يبقى من الدنيا ومما في الدنيا داخل في اللعن إلا ما كان محرماً شرعاً، أما غير المحرم مما قد ثبت شرعاً أنه مشروع أو مباح فهو خارج من هذا العموم.
стр. 62
التيجانية مسلمون والقاديانية غير مسلمين
س: هل التيجانية والقاديانية مسلمون فقد جهلنا عن أحوالهم لبعدهم عنا؟
جـ: إن صريح كلام العلماء الذين اطلعت على قولهم أن التيجانية مسلمون من المسلمين الصوفية ولكنهم مبتدعون كما نص عليه السيد العلامة (محمد رشيد رضى) في (تفسير سورة يونس) من المجلد العاشر من (تفسير المنار)، وأمَّا القاديانية فليسو بمسلمين لأن من جملة عقائدهم أن غلام (أحمد القادياني) نبي مع أن الأدلة القطعية قد دلت على أن الرسول (محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم) هو آخر الأنبياء وأنه خاتم المرسلين وأنه لا نبي بعده كما قرر ذلك العلامة الكشميري في كتابه (التوضيح لأدلة نزول المسيح) والعلامة (عبدالفتاح أبو غدة) في مقدمته وتعليقاته على هذا الكتاب، وقد قال تعالى ﴿مَا كَانَ … مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١).
س: من هم أهل السبت الذين مسخهم الله قردة وخنازير؟
جـ: هم طائفة من اليهود أو أمة من اليهود احتالوا على حكم الله عليهم بعدم جواز الصيد في يوم السبت وتحريمه عليهم بالحيلة المذكورة في القرآن فعاقبهم الله عقاباً في الدنيا بأن مسخهم قردة وخنازير كما نص عليه القرآن في قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٢).
س: القرآن الكريم ذكر أصحاب السبت في عدة مواضع ووصفهم بأنهم قردة وخنازير وملاعين لارتكابهم هذه الجريمة جريمة المخالفة، فما هذه الجريمة التي ارتبكوا حتى استحقوا هذه العقوبة؟ وهل من خالف دينه واحتال سيكون مصيره المسخ والغضب كهؤلاء أم أن العقوبة خاصة للسابقين دون المسلمين؟
جـ: لا يلزم من عقاب الله لهم في الدنيابهذه العقوبة أن يكون غيرهم من العصاة يستحقون هذا العقاب الذي عاقبهم الله به، ولا يلزم من هذا العقاب القول بأن من خالف الدين واحتال على حكم أرحم الراحمين سيكون مصيره المسخ لخلقته من الآدمية إلى الحيوانية القبيحة.
القول بأن روح الميت تحضر زفاف ابنها في الدنيا لا أصل له
س: يقال (أن الرجل إذا مات وقد عرس ابنه في الدنيا يقال أن الروح تحضر في زفاف العريس وتبكي من شدة الفرح لزواج ابنها أو ابنتها) هل هذا الاعتقاد صحيح؟
جـ: هذا لا أصل له.
الجماعة التي تجعل الكتاب والسنة الصحيحة منهجها ومرجعها هي التي على الحق
س: الناس في حيرة وكثير منهم من يسأل أيُّ الجماعة في الساحة على الحق لأن كل جماعة تطعن في الأخرى، فماذا تنصحونا؟
جـ: من كان على الكتاب والسنة الصحيحة هو الذي سيكون الحق معه
стр. 63
النظر إلى الله يوم القيامة
س: ما قول الشرع في النظر إلى الله يوم القيامة؟
جـ: قد ورد فيه حديث صحيح بلفظ (أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ فِي رُؤْيَتِهِ) (١)
س: ما هو الرد على من يقول بأن الناس لن ينظروا إلى الله يوم القيامة؟
جـ: قل لهم قد ورد فيه حديث صحيح بلفظ (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ) (٢).
ضمة القبر للمؤمن ولغير المؤمن
س: هل ضمة القبر حتى للمؤمن مع الخوف منها في الدنيا أو أن الله يعافيه منها؟
جـ: هي للجميع.
رفة العين ليست دليل على خير ولا شر
س: رفة العين البعض يقول سيحصل خيراً، والبعض يقول سيحصل شراً لمن يشعر بذلك؟
جـ: لا خير ولا شر.
تحريم مناداة الله بلفظ (يا ستار العيوب)
س: هل يجوز مناداة الله بلفظ (ياستار العيوب)؟
جـ: الوارد هو لفظة ستير في حديث (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ) (٣) و لم يرد (ستار، ساتر).
стр. 64
علم الله الِأزلي سابق لا سائق
س: رجل يدعي أنه من المتفقهين في الدين يقول لمن حوله إن الذي قد كتب عليه من أصحاب النار لن يدخل الجنة وإن تاب، وأن الذي قد كتب عليه من أصحاب الجنة سيكون من أصحاب الجنة ويدخلها؟
جـ: هذا الكلام المروي عن هذا الفقيه فيه إجمال أو قصور في تعبير السائل لأني لم أعرف ما هو المراد من هذا الكلام، فإن كان المراد أن الفقيه يقول إن من كان قد كتب في علم الله أنه من أهل النار فهو من أهل النار، ومن كان قد كتب في علم الله أنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنة فلا مانع له من هذا الكلام لأنه قد ورد في الحديث الصحيح أن الله يكتب أجل المولود ورزقه وكونه شقيا أو سعيدا وهو في بطن أمه، وقال العلماء أن علم الله سابق لما سيقع من هذا المولود لا سائق له الى فعل الشر، والكلام حول هذا الموضوع طويل.
تحريم تصديق ما يطلق عليه المنبه بكنز (الخبية) مدفون في مكان ما من الأرض
س: زعم رجل أنه أتى اليه المنبه وقال له اذهب الى المكان الفلاني وحدد له هذا المكان وخذ الكنز منه بشرط أن تفقد أصبعك الوسطى لمدة ثلاث ليال، فهل يجوز له تصديق هذا المنبه؟
جـ: هذا لا يجوز.
الورود على جهنم غير الدخول فيها
س: بعض الناس يقول بأن كل الناس سيردون جهنم مستدلين على قولهم بقوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (١) فهل معنى ذلك أن كل الناس سيردون جهنم؟
جـ: الورود غير الدخول فيها، والذين سيدخلون فيها هم العصاة، والذين سيردون هم الجميع، والخلاصة: أن الورود ليس هوالدخول.
الإيمان تصديق بالجنان والإسلام عمل بالأركان
س: أفيدونا ما هو الفرق بين المسلم والمؤمن؟
جـ: اعلم بأن الإسلام هو الخضوع والاستسلام والإيمان هو التصديق والاعتقاد الخالص فـ (عبد الله بن أبي) كان مسلماً في الظاهر وكافراً في الباطن، ولهذا سمي بالمنافق أو برئيس المنافقين قال عز من قائل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٢).
стр. 65
كتاب الطهارة
الباب الأول: المياه.
الباب الثاني: النجاسات.
الباب الثالث: تطهير المتنجس.
الباب الرابع: قضاء الحاجة.
الباب الخامس: الوضوء.
الفصل الأول: أركان الوضوء وسننه.
الفصل الثاني: نواقض الوضوء.
الفصل الثالث: المسح على الخفين.
الباب السادس: الغسل.
الباب السابع: التيمم.
الباب الثامن: الحيض والنفاس.
الباب التاسع: مسائل متفرقة.
стр. 66
الباب الأول: المياه
• تنجس الماء إذا قد تغير لونه أو طعمه أو شمه بسبب نجاسة تحدث فيه
• تنجس ماء البرك إذا تغير من كثرة الإستنجاء بينه
• العبرة في تنجس المياه بتغير أحد أوصافه الثلاثة بسبب النجاسة التي وقعت فيه
• إذا تغير الماء بسبب النجاسة الواقعة فيه فهو متنجس وإن لم يتغير فهو طاهر
• تحريم شرب المائع إذا وقعت فيه النجاسة
• وجوب إزالة عين النجاسة إذا وقعت في مائع وظل جرمها موجوداً
• العبرة في مياه الشوارع والطرقات عقيب نزول الأمطار بغلبة الظن في طهارته أو نجاسته
• حكم ماء الوحل الذي بعد المطر بحسب غلبة الظن بطهارته أو نجاسته
• طهارة ماء مصبوب من فوق بيت يقع على ثياب أو جسم الإنسان إلا إذا تبيَّن نجاسته
• جواز استعمال الماء المتغيَّر بطاهر في غير الوضوء أو الغسل لرفع الأحداث
• آراء العلماء في انقسام الماء إلى قليل وكثير
• الماء المستعمل في الطهارة طاهر مطهر
• جواز استعمال الماء المستعمل لرفع الأحداث
• حديث غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم المراد به التعبد
• طهورية الماء الذي شربت منه الحيوانات
стр. 67
الباب الأول: المياه
تنجس الماء إذا قد تغير لونه أو طعمه أو شمه بسبب نجاسة تحدث فيه
س: في الأرياف يغتسل الناس من الجنابة ويتوضئون من برك المساجد لمدة طويلة، فما حكم هذا الماء؟
جـ: هذه مشكلة لأنَّ في المذهب الهادي أنَّ الحجار الثلاث لا تكفي ولا بد عندهم من غسل الفرجين بالماء أيضاً لأنَّ الفرجين من أعضاء الوضوء فيغسل فرجيه كل متوضئ بين البركة خمس مرات في كل يوم، وبعض البرك يتغير لونها فيصير لون الماء فيها أخضر وبعضها يتغير شمها ولا زالوا يتوضئون منها، والشيء الجيِّد أنَّ بعض المناطق قد عملوا فيها خزَّانات وحنفيات يتوضئون منها، وبعض المناطق لا زالوا يتوضئون ويغتسلون من هذه البرك وهي مشكلة، والماء يتنجس إذا قد تغير أحد أوصافه بسبب النجاسة، وهذه مشكلة على المذاهب كلها.
تنجس ماء البرك إذا تغير من كثرة الاستنجاء بينه
س: إذا تغير لون ماء البرك وأصبح ماؤها متغيراً ولا يُدرى هل وقعت فيه نجاسة أم لا؟ وهل نتوضأ منها أم لا؟
جـ: إذا تغير الماء من كثرة الاستنجاء والمكث فإنه ينجس، وإن تغير اللون بسبب أوراق شجر تتساقط بينه أو تغير لكون الأرض التي هي مقرُّ للماء لونها أسود أو غيره، فإنه لا يتنجس.
س: ما حكم الوضوء من ماء البرك التي قد أصبح ماؤها متعكراً فتغير اللون لكثرة الجراثيم؟
جـ: حكم الوضوء من الماء الذي في بعض البرك هو عدم جواز الوضوء من هذا الماء إذا قد صح أنها قد تغيرت إحدى أو صافه الثلاثة وهي الشم أو الطعم أو اللون من كثرة الاستنجاء فيه لأنَّ تغير إحدى هذه الأوصاف الثلاثة بسبب الاستخدام قد جعل الوضوء منه أو فيه غير جائز شرعاً حيث أنَّه لا يصدق علية أنَّه ماء طهور.
س: في بعض القرى هناك برك جوار المساجد ممتلئة بالماء في فصل سقوط الأمطار وعندما تمتلئ يتوضأ جميع أهالي القرية فيها إلاَّ النادر من يتوضأ في منزله، فهل الماء صالح للوضوء فيه مع العلم أنَّ الماء بعد مرور فترة لمدة شهر عليه يتغير لونه إلى اللون الأخضر، فهل يصح الوضوء منه بعد تغير لونه؟
جـ: الماء طهور كما قال النبي ﷺ في حديث (الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) (١) والأصل في الماء هو الطهارة إلا إذا تغير شمه أو طعمه أو لونه بنجاسة فهو نجس، وأما إذا كان قد تغير شمه أو طعمه أو لونه بطاهر فقد صار طاهر غير مطهر.
العبرة في تنجس المياه بتغير أحد أوصافه الثلاثة بسبب النجاسة التي وقعت فيه
س ما هي العبرة في تنجس الماء؟
جـ العبرة بتغير الطعم أو اللون أو الشم بسبب النجاسة التي وقعت فيه، فالمدار هو على حصول تغير واحد من
стр. 68
الأوصاف الثلاثة الطعم أو اللون أو الشم بسبب النجاسة الواقعة فيه، أو مشاهدة عين النجاسة في ماء غير مستبحر.
إذا تغير الماء بسبب النجاسة الواقعة فيه فهو متنجس وإن لم يتغير فهو طاهر
س: هل إذا سقط فأر أو غيره بين ماء بركة صغيرة أو برميل أو خزان الماء أو نحوه، فهل ينجس الماء؟
جـ: العبرة بالتغير، فإذا تغير طعم الماء أو لونه أو شمه فإنه يتنجس وإن لم يتغير لا طعمه ولا لونه ولا شمه بسبب النجاسة فهو طاهر.
س: هل ينجس الماء الذي هو أكثر من مائة رطل إذا ولغ منه الكلب أو وقعت فيه نجاسة؟
جـ: ما ولغ منه الكلب فيزال وما عدى ما ولغ منه الكلب فهو طاهر إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو شمّه بسبب النجاسة فإنه ينجس.
تحريم شرب المائع إذا وقعت فيه النجاسة
س: ما حكم النجاسة إذا وقعت في شئ من المائعات؟
جـ: إذا وقعت النجاسة بين شيء مائع فإنه يتنجس ويراق المائع سواءً كان المائع مرقا أو حليباً أو سمناً أو عسلاً أو شراباً أو أيَّ مائع، أما إذا وقعت النجاسة بين شيء جامد فإنه يبقى طاهراً ولا يتنجس إلا ما حول النجاسة لحديث لحديث (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ وَكُلُوا سَمْنَكُمْ) (١) فتلقى النجاسة وما حولها، وأما الباقي من الشئ الجامد كالمتبقي من صفيحة السمن أو العسل أو نحوه فهو طاهر، أما إذا كان السمن أو العسل مائعاً ووقعت فيه النجاسة فإنه يتنجس ويراق.
وجوب إزالة عين النجاسة إذا وقعت في مائع وظل جرمها موجوداً
س: إذا كانت النجاسة مبنية على تغير أحد الأوصاف الثلاثة فلماذا قال النبي ﷺ في الفأرة (أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ) دون نظر إلى التغير؟
جـ: قلنا إن مذهب العلامة (محمد بن إسماعيل الأمير) أن النجاسة إذا وقعت في الماء القليل فلا تنجسه إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته، هذا إذا كانت النجاسة المائعة وقعت في الماء المائع وتضيع بينه، أما النجاسة ذات الجرم فإذا كان جرم النجاسة موجودا مثل الفأرة الميتة فالعلماء متفقون على نجاستها، ومثلها عين النجاسة إذا شاهدناها بين ماء غير مستبحر فهي نجسة، كلام الأمير محمول على النجاسة المائعة التي تميع وتضيع بين الماء.
العبرة في مياه الشوارع والطرقات عقيب نزول الأمطار بغلبة الظن في طهارته أو نجاسته
س: إذا داس رجل الأرض بعد نزول المطر ووصل الماء إلى ثيابه وجسمه، فهل ينجس جسمه وثيابه مع أنه في شارع تجري فيه البواليع؟
стр. 69
جـ: هذا شيء راجع إلى غلبة الظن فإن كان نزول المطر في مكان نظيف كأرضية المطارات التي هي بعيدة عن النجاسات فالظاهر أنَّه طاهر، وإنْ كان مثل الشوارع التي في مدينة صنعاء فالظاهر أنَّ الماء يتنجس لا سيما في المطر الأول، أمَّا المطر الثاني والثالث ربما يكون الماء طاهراً لأنَّ الشوارع قد تطهرت بالمطر الأول إذا سال الماء في الشوارع، وإن كانت الشوارع والطرقات المتفجرة فيها البواليع فالأصل فيها النجاسة والعبرة بغلبة الظن.
حكم ماء الوحل الذي بعد المطر بحسب غلبة الظن بطهارته أو نجاسته
س: ما حكم ماء الوحل بعد المطر خاصة في الأماكن التي يغلب فيها النجاسة؟
جـ: إن كان يغلب على الظن أنَّ الشوارع طاهرة وذلك مثل أن يقع بعد المطر الثاني فالظاهر أنَّها طاهرة، وإن كان يغلب على الظن أنَّها نجسه وذلك عقيب المطر الأول كما في الصيف أو الخريف فيعمل بغالب الظن.
س: هل قليل المطر يذهب النجاسات؟
جـ: لا، إلا إذا كان سيلاً جارفاً.
طهارة ماء مصبوب من فوق بيت يقع على ثياب أو جسم الإنسان إلا إذا تبيَّن نجاسته
س: إذا مررت بطريق فصُبَّ ماء من بيت فوقع على ثيابي، فما أدري أطاهر أم نجس؟
جـ: كل مغيب طاهر، والأصل الطهارة، ولا يشرع لك السؤال عنه.
جواز استعمال الماء المتغيَّر بطاهر في غير الوضوء أو الغسل لرفع الأحداث
س: ما حكم الماء الذي وضع فيه الورد أو صار أخضراً؟
جـ: الماء الذي قد صار شَّمه ماء ورد أو لونه أخضراً لا يصح الوضوء به لأنه يصير طاهراً غير مطهر.
آراء العلماء في انقسام الماء إلى قليل وكثير
س: يوجد في جبل بركة لمسجد فيها ماء من مياه الأمطار تزيد على عشرين قلة يتوضأ فيه الناس ويغتسلون فجاء شخص وأمر الأهالي بأن لا يتوضئوا إلا بواسطة اغتراف الماء منها، وهذا يؤدي إلى أن تتعطل البركة من المياه الموجودة فيها مع أنَّ المقرَّر لدى بعض العلماء أنَّ الماء إذا بلغ قلتين فلا يحمل الخبث، فما قول العلماء في هذه القضية؟
جـ: اختلف العلماء في حكم الماء هل ينقسم إلى قليل وكثير أم لا فبعض العلماء ذهب إلى أنَّ الماء طاهر مطهر ما لم يتغير شَّمه أو طعمه أو لونه سواء كان قليلاً أو كثيراً، ومنهم من يقسم الماء إلى قليل وكثير، فالكثير لا ينجس بالاستعمال، والقليل ينجس إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته فعند الشافعية ما كان أقلَّ من القلتين فهو القليل وما كان أكثر من قلتين فهو الكثير، وعند الهادوية من الزيدية أنَّ حد الماء القليل ما ظن المتوضئ أو المغتسل استعمال النّجاسة باستعماله وكل متوضئ متعبد بظنه ولكل رأيه على مذهب إمامه، والعامي الصرف مذهبه مذهب من وافق، ومن كان مجتهداً فليعمل باجتهاده وليس له حق في فرض اجتهاده على الآخرين بالقوة بل بالتفاهم وبالمذاكرة والمدارسة وبالتي هي أحسن، فمن يدعو الناس إلى تصديق رأيه قد يجعلهم ينفرون عنه، وعليه أن يدعوهم بالرفق واللين والكلام الحسن والأسلوب الحكيم والكلمة الطيبة ولا بُدَّ أنْ تكون النتيجة حسنه، ولا أقدر أن أرجح قول من يجوِّز الوضوء من هذه البركة أو رأي من يمنع من ذلك لأنِّي لم أعرف طول هذه البركة وعرضها ومساحتها وعمقها وكم هم الذين يغتسلون منها ويتوضئون وكم يبقى الماء فيها وهل يتغير الماء هذا في طعمه أو في شمه أو في لونه أم أنه لم يتغيَّر في لونه أو في شمِّه أو في لونه
стр. 70
وهل عليه نجاسة وقعت عليه لأنَّ المدار هو تغير الماء في الشم أو الطعم أو اللون.
الماء المستعمل في الطهارة طاهر مطهر
س: هل إذا اغتسل إنسان من النجاسة وتساقط منه قطرات من الماء إلى شخص آخر، فهل ينجسه؟
جـ: إذا كان شخصان في الحمام العام مثلاً يغتسلان فإن كان أحدهما يغسل النجاسة التي على فرجيه وتساقط منه ماء إلى الآخر فإن الأخر يتنجس، أما إذا كان يصبُّ الماء على رأسه أو ظهره أو أيِّ جزء من أجزاء جسمه بعد غسل فرجيه لكونه محدثا حدثاً أكبر فإن الآخر لا يتنجس بالماء المتساقط إليه لأن النجاسة في الحدث الأكبر حكمية وليست حقيقية أي أنَّ نجاسة الجنب والحائض والنفساء نجاسة حكمية وليست حسية.
س: هل يصح الوضوء من إناء مع إعادة الماء السائل من الوجه واليدين إلى الإناء مرة أخرى حال استمرار المتوضئ في الوضوء؟
جـ: اعلم أن الجواب مبني على مسألة الخلاف في الماء المستعمل هل يجوز الوضوء به أو الغسل أو لا يجوز والذي ذهب إليه علماء الزيدية هو أن من شرط الماء الذي سيتوضأ به المتوضئ أن يكون غير مستعمل وأن المستعمل لا يجزئ الوضوء به ولا الغسل أيضا، وذهب آخرون وهو الذي رجحه الشوكاني إلى الجواز، والكلام حول الموضوع طويل والمراد بالمستعمل هو ما لصق بالبشرة وانفصل عنها ورفع حكماً أي توضأ به المتوضئ ليرفع به الحدث الأصغر أو اغتسل به المغتسل لرفع الحدث الأكبر به، ولكل عالم نظريته.
جواز استعمال الماء المستعمل لرفع الأحداث
س: ما حكم الماء المستعمل هل يجوز استعماله لرفع حدث مرة ثانية؟
جـ: نعم، يجوز استعماله لرفع الحدث على القول الصحيح.
حديث غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم المراد به التعبد
س: من قال بأن الماء القليل ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه استدلوا بحديث (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (١)؟
جـ: هذا الحديث المراد به التعبد ولم يقل بوجوب غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم من أئمة المذاهب إلاَّ الإمام (أحمد بن حنبل) والجمهور من العلماء على أنه يندب غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم ندباً فقط، والحديث ليس صريحا في الدلالة على أن الماء القليل ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه.
طهورية الماء الذي شربت منه الحيوانات
س: حدث أن رجلاً توضأ من ماء شرب منه حمار وهو يعلم، فهل يصح وضوؤه أمْ أنَّه غير صحيح؟
جـ: الماء طاهر مطهر ما لم يحدث حدث على الماء يخرجه من كونه طاهراً مطهراً إلى النَّجاسة أو إلى أن يصير
стр. 71
متنجساً وبناءً على ذلك فإذا كان الحمار قد أكل الأكل المعتاد من القصب والقضب والتبن وغيرها من الأشياء الطاهرة ثم شرب من الماء وأراد أحد الناس الوضوء من هذا الماء فلا مانع له من ذلك ووضوؤه صحيح وصلاته صحيحة لأنَّ الأصل هو الطهارة ولا سيَّما إذا كان قد شرب بعد أن أكل من المأكولات الطاهرة، وإذا كان قد أكل من العذرة أو غيرها من النجاسات ثم شرب من الماء فلا يجوز لأحد أن يتوضأ من هذا الماء الذي قد لامسه فم الحمار المتنجس بالعذرة ونحوها ومن توضأ منه فوضوءه غير صحيح وإن صلى بهذا الوضوء فصلاته غير صحيحة.
стр. 72
الباب الثاني: النجاسات
• إزالة النجاسة بغير الماء
• الشوكاني يوافق الظاهرية ويخالفهم في باب النجاسات وغيره
• معنى النجاسة الحسية والمعنوية
• صحة القول (جاف على جاف طاهر بلا خلاف)
• المالكية يقولون بطهارة ولوغ الكلب
• نجاسة الميتة
• طهارة المني
• طهارة القيء
• طهارة الدماء ما عدا دم الحيض
• طهارة ما يخرج من فروج الطيور والدجاج ونحوها
• طهارة أبوال الحيوانات
• الرجيع هو ما يخرج من دبر الإنسان أو الحيوان
• نجاسة الكبى إذا كانت من روث الحمير أو البغال وطهارتها إن كانت من بعر الجمال أو البقر أو الغنم
• نجاسة كلما يخرج من ذكر الإنسان إلا المني ففيه خلاف وكذلك الدم
• نجاسة سلس البول ووجوب طهارته إلا إذا هو يقطر دائماً
• حكم بول الرضيع الآدمي
• نجاسة بول الإنسان ولو قطرة واحدة
стр. 73
الباب الثاني: النجاسات
نجاسة بول الإنسان ولو قطرة واحدة
س: هل يجب غسل ما خرج من البول ولو كان قطرة؟
جـ: نعم، البول نجس ولو قطرة واحدة.
س: أين يوجد حديث (وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) (١)؟
جـ: هي إحدى روايات صحيح البخاري.
حكم بول الرضيع الآدمي
س: هل بول الطفل الصغير نجس أم لا؟
جـ: العلماء مختلفون في حكم بول الآدمي الصغير الذي لا زال مضطراً إلى اللبن ولم يأكل الطعام ولا زال يرضع فقيل يُغسل بول الرضيع مطلقاً سواء كان ذكراً أم أنثى وهذا مذهب الهادوية والحنفية، وقيل يكفي رشه بالماء مطلقاً سواء كان ذكراً أم أنثى وهذا مذهب مالك والشافعي، وقيل إن كان الرضيع ذكرا فيكفي فيه الرش وإن كان أنثى فيجب غسله، وهذا هو الراجح عندي لورود الأحاديث الصحيحة الدالة على التفرقة بين الرضيع الذكر والرضيع الأنثى ومنها حديث (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ) (٢).
نجاسة سلس البول ووجوب طهارته إلا إذا هو يقطر دائماً
س: هل سلس البول نجس؟
جـ: سلس البول نجس ويجب على المبتلى به إزالته إلا إذا هو يقطر دائماً فيصلي على الحالة.
نجاسة كلما يخرج من ذكر الإنسان إلا المني ففيه خلاف وكذلك الدم
س: هل كل ما يخرج من ذكر الإنسان نجس؟
جـ: كلما يخرج منه نجس إلا المني ففيه خلاف، وكذلك في الدم خلاف بين العلماء.
س: ما حكم البلل الذي يوجد في الذكر يجده الرجل عندما يستيقظ من نومه؟ وما الحكم إذا وجد هذا البلل يومياً واستطاع الرجل أن يفرق بينه وبين المني؟
стр. 74
جـ: إذا كان قد ظهر له أنه ليس منياً فهو نجس يجب عليه غسله وغسل ثوبه.
نجاسة الكبى إذا كانت من روث الحمير أو البغال وطهارتها إن كانت من بعر الجمال أو البقر أو الغنم
س: هل (الكبى) الذي يصنع من الروث طاهر أم نجس؟
جـ: إن كانت من روث الحمار أو البغال فهي نجسة لحديث (ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا أَوْ نَحْوَهُ، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ) (١) وإن كانت من بعر البقر أو الجمال أو الغنم فهي طاهرة.
الرجيع هو ما يخرج من دبر الإنسان أو الحيوان
س: ما معنى الرجيع؟
جـ: هو الشيء الذي يخرج من فرج الإنسان أو الحيوان كالضَّفع والروث والبعر والغائط ونحوه.
طهارة أبوال الحيوانات
س: ما هو القول الراجح في نجاسة أبوال الحيوانات؟
جـ: الظاهر ما قاله علماء الظاهرية بطهارتها.
س: يقول علماء الشافعية بأن كل أبوال الحيوانات نجسة فكيف نوفق بين هذا القول وحديث الرسول ﷺ بأنه أجاز شرب أبوال وألبان الإبل في حديث (فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) (٢) وهو في صحيح البخاري.
جـ: علماء الشافعية يقولون بأنه ﷺ أجاز شربها للتداوي فقط، ويجاب عنهم بأن التداوي لا يكون إلا بطاهر وبشيء حلال.
طهارة ما يخرج من فروج الطيور والدجاج ونحوها
س: ما حكم ما يخرج من فروج الطيور والدجاج هل هي نجسه؟
جـ: طاهر لأن الأصل الطهارة.
стр. 75
طهارة الدماء ما عدا دم الحيض
س: ما رأيكم في الدم المسفوح هل هو نجس أم طاهر؟
جـ: يحرم على الإنسان أكل الميتة أو شرب الدم والسياق القرآني هو في تحريم الشرب لا في النجاسة كما هوواضح في قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١).
س: هل دم البهيمة نجس أم لا؟
جـ: اعلم أن الدم ينقسم إلى قسمين:
١ - قسم أجمع العلماء على نجاسته وهو دم الحيض. ٢ - قسم اختلف العلماء في نجاسته وهو سائر الدماء.
فمن العلماء من حكم بنجاسة سائر الدماء سواء من دماء الآدميين أو دماء الحيوانات وهم جماهير العلماء.
ومنهم من حكم بطهارة جميع الدماء ما عدا دم الحيض وهم (الحسن بن صالح بن يحي الهمداني) أحد علماء الزيدية المتقدمين وكذلك الظاهرية، واحتج الجمهور على نجاسة جميع الدماء بحديث عمار بن ياسر المرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال له (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني) (٢) وقد أجاب عنهم أهل الظاهر بأن هذا الحديث غير صحيح عند علماء الحديث فلا يصلح للإحتجاج به، كما احتج الجمهور بالقياس على دم الحيض المجمع على نجاسته وأجيب عنهم بأنه قياس فاسد الاعتبار لأن من شرط القياس المساواة بين الأصل والفرع في التغليظ والتخفيف ودم الحيض مغلظ وغيره غير مغلظ، والأحوط إزالة كل دم عند القيام لأداء الصلاة.
س: ما حكم دم القمل والكتن هل هو نجس؟
جـ: ليس بنجس بالإجماع لأنه دم مكتسب وليس بدمه، وإنما هو دم الآدمي الذي يأكل منه.
س: هل المصل والقيح نجسان؟
جـ: المصل والقيح قاسهما العلماء على الدَّم فمن يقول بنجاسة جميع الدماء هما عنده نجسان، ومن يقول بنجاسة دم الحيض فقط هما عنده طاهران.
س: هل الدماء التي تعطى للإنسان المريض نجسة؟
جـ: لا، ليست بنجسه لأن الأصل الطهارة.
س: هل دم الحجامة طاهر أم نجس؟
جـ: على رأي الجمهور أنه نجس، وعند الظاهرية والشوكاني و (الحسن بن صالح بن يحي الهمداني) أنَّه طاهر.