← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة إصدارات الناشر المتميز (١٠٠) الرسائل الجامعية (١٩) المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع ودراسة تأليف هيثم قاسم موسى الحمري تقديم فضيلة الشيخ أ. د. محمد بن عبد الرحمن الخميس أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الناشر المتميز للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب: رسالة علمية تقدم بها الباحث لنيل الدرجة العالمية "الماجستير" من قسم العقيدة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وقد أجيزت بتقدير: ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بالطبع بتاريخ ٢١ شعبان ١٤٣٨ هـ، وتكونت لجنة المناقشة من: ١ - د. عبد العزيز بن صالح الطويان … مشرفًا. ٢ - أ. د. عبد الله بن سليمان الغفيلي … مناقشًا. ٣ - أ. د. صالح بن عبد العزيز سندي … مناقشًا.

стр. 3

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد،،، فإن لعلماء الدعوة السلفية جهود عظيمة ومشكورة في نشر عقيدة السلف والدعوة إلى التوحيد الخالص والتحذير مما يناقض العقيدة الصحيحة من الشرك والبدع، ومن جملة هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد تصدى للرد على المخالفين من أهل البدع وأهل الضلال تأليفا ومناظرة وإفتاءا وتدريسا. وقد اشتملت مناظرات شيخ الإسلام على المخالفين على مسائل عقدية وقواعد مهمة تستوجب مزيدا من الدراسة. وفي بيان جهوده ﵀ في المناظرة ما كتبه الباحث/ هيثم بن قاسم الحمري في رسالته للحصول على العالمية الماجستير والموسومة بـ ((المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية - جمعا ودراسة-))، وقد حازت على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من الجامعة الإسلامية، حيث أنه وفق للتصدي لجمع شتات المادة العلمية في هذه الرسالة، إذ أن مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية للمخالفين جاءت مبعثرة في كتب العقيدة وكتب التراجم وغيرهما. وقد قسم الباحث تلك المناظرات على قسمين رئيسيين: القسم الأول: في المناظرات مع الطوائف غير المسلمة القسم الثاني: في المناظرات مع الفرق المنتسبة إلى الإسلام وذكر تحت كل قسم عددا من الطوائف والفرق، ولذا عرض ما وقف عليه من المناظرات ودرسها مستدلا على ذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح. فأسأل الله التوفيق للباحث والمزيد من العناية بالعقيدة الإسلامية الصحيحة والذب عنها. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. كتبه: أ. د. محمد بن عبد الرحمن الخميس أستاذ العقيدة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

стр. 4

المقدمة وتشتمل على: -أهمية الموضوع -وسبب اختياره -وخطة البحث -وحدود الموضوع -والمنهج المتبع فيه.

стр. 5

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله المتصف بصفات الكمال، المنعوت بنعوت الجلال والجمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثل ولا مثال، شهادة أدخرها ليوم لا بيع فيه ولا خلال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى أصح الأقوال، وأسد الأفعال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وخير آل، صلاة دائمة بالغدو والآصال (١). أما بعد: فإن من السنن الكونية التي قضاها رب البرية، الصراع بين أهل الحق والباطل، وأهل الضلال والهدى، هذا الصراع الذي لا يقتصر على مكان، ولا يحده ظرف ولا زمان، بل هو قضاء مستمر إلى قيام الساعة، فمنه ما يكون بالسيف والسنان، ومنه ما يكون بالحجة واللسان، وقد قضى ربنا سبحانه فيما قضى به، أن تكون الحرب بالسيوف سجالاً، فيومٌ للحق وأهله ويوم عليهم، وأما صراع الحجج والبراهين، فما زالت الغلبة فيه لأهل الحق من قبل ومن بعد، وإلى يوم يبعث الله الخلق، قال ابن حزم (٢) ﵀: «وقد تُهزم العساكر الكبار، والحجة

стр. 6

الصحيحة لا تُغلب أبداً … وقد قُتِلَ أنبياء كثير وما غُلِبت حجتهم قط» (١). وهذا الصراع تنوعت ميادينه، وتعددت طرقه وأساليبه، ومن أعظمها نفعاً، وأبلغها أثراً، أسلوب (المحاورات والمناظرات) التي تعتبر-إذا توفرت شروطها ومقتضياتها- من أنفع الوسائل في بيان الحق وأفضلها، ويزداد نفعها ويعظم أثرها عندما يكون المتصدي لها هو أحد أئمة الإسلام ورجاله العظام، كشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، صاحب العلم الجم والفهم الثاقب والحجج القوية والبراهين الساطعة، الذي كان علمه بمذاهب الخصوم أكثر من علم أصحابها بها، والذي لا يُعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله. ويعظم أثرها أكثر، إذا كان أهل الباطل هم أهل التمكن والمنعة، وأهل الحق في ضعف وقلة، فحينئذ يظهر الحق بظهور أهله، وكشفهم للباطل، وردهم للجاهل، وقمعهم لكل مجادل. وهذه هي الحال التي كانت في عصر شيخ الإسلام، فقد كانت الصولة والجولة في ذلك الزمان لأهل البدع والأهواء، وكان سوق البدعة هو الرائج، وأهلها هم أصحاب السلطة والكلمة، فكان لوجود تلك المناظرات، في مثل ذلك العصر، الأثر الكبير البارز، في إظهار الحق وأهله، وفضح الباطل وجنده، ورحم الله ابن القيم حين قال في وصف شيخه: وله المقامات الشهيرة في الورى … قد قامها لله غير جبان نصر الإله ودينه وكتابه … ورسوله بالسيف والبرهان أبدى فضائحهم وبيّن جهلهم … وأرى تناقضهم بكل زمان

стр. 7

وأصارهم واللهِ تحت نعال أهـ … ل الحق بعد ملابس التيجان وأصارهم تحت الحضيض وطالما … كانوا هم الأعلام للبلدان ومن العجائب أنه بسلاحهم … أرداهم تحت الحضيض الداني كانت نواصينا بأيديهم فما … منا لهم إلا أسير عان فغدت نواصيهم بأيدينا فما … يلقوننا إلا بحبل أمان وغدت ملوكهم مماليكا لأنصـ … ار الرسول بمنة الرحمن وأتت جنودهمُ التي صالوا بها … منقادة لعساكر الإيمان (١) ومثل هذه المناظرات العلمية الجليلة، التي حوت التقريرات السديدة، والمباحث المفيدة، كان من الأهمية بمكان جمعها في رسالة علمية، لعلها تكون نصرة للحق والدين، وإعانة لأهل العلم المجاهدين، ليستفيدوا من كلام هذا العلم العلامة في مواجهة الباطل وأهله، وأسأل الله العون والتيسير في ذلك، وما توفيقي إلا بالله وهو المستعان وعليه التكلان. • أهمية الموضوع وسبب اختياره: ١) ما حوته هذه المناظرات من مسائل عقدية وأصول مهمة؛ تستوجب مزيداً من العناية، وتستحق الجمع والدراسة. ٢) عدم الوقوف على دراسة كاملة لهذا الموضوع، جامعة لكل ما يتعلق به. ٣) أن هذه المناظرات جاءت مبعثرة في الكتب والدواوين كالدرر المنتشرة الشاردة الآبدة، ولم أجد أحدًا جمع هذه الجواهر من تلك الخزائن المدفونة، وقد كانت الحاجة ماسة إلى نظم تلك اليواقيت في بحث واحد؛ لتكون عدة وسلاحاً لأهل الحق في إبطال العقائد المنحرفة. ٤) في جمع هذه المناظرات دفاع عن ذلك العَلَم الهمام والشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية ﵀، وبيان لفساد ما اتهمه به خصومه ورموه به من الجهل،

стр. 8

وسوء الفهم، والحقد الدفين في قلبه (١)، وضعف وقلة عقله، وغيرها من التهم الزائفة التي رماه بها أصحاب القلوب المريضة (٢)، وكما هو معلوم أن الدفاع عن أحد أبرز أئمة أهل السنة، والرد على ما يرمى به من دعاوى، إنما هو دفاع عن المعتقد والمنهج الذي يحمله ذلك الإمام. ٥) بيان ضعف شُبه المبتدعة التي يثيرونها ضد معتقد أهل السنة والجماعة، وذلك من خلال عرضها، ثم عرض أجوبة شيخ الإسلام عنها ومناقشته لها وإفحامه للقائلين بها. ٦) أن هذ الأقوال والشبه التي رد عليها شيخ الإسلام وناظر أصحابها لا يزال أهل الأهواء يرددونها ويحتجون بها في زماننا. ٧) أهمية جمع جهود أعلام الإسلام وأئمة السنة في نصرة الحق ودحض الباطل، في مختلف الجوانب، وما هذا العمل إلا إبراز وإظهار لجانب مهم من جهود شيخ الإسلام ألا وهو مناظراته مع الخصوم. ٨) المكانة العلمية الجليلة التي يحظى بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وظهور حجته، وقوة تأثيره تجعل لجمع مناظراته أهمية بالغة وفائدة كبيرة خصوصاً في الرد على الطوائف المنحرفة والأديان المحرفة. ٩) حرص الباحث على قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لما في ذلك من عظيم النفع وكبير الفائدة.

стр. 9

• حدود الموضوع: حدود الموضوع تظهر من عنوان الرسالة، فالموضوع يختص بأمور ثلاثة: الأمر الأول: المناظرات بمعناها الاصطلاحي وهو: المحاورة في الكلام بين جانبين مختلفين، في قضية ما، إظهارا للحق والصواب (١). وهذا يُخرج ما قد يطلق عليه مناظرة على سبيل التجوز كالردود الكتابية وغيرها. الأمر الثاني: يختص الموضوع بالمناظرات العقدية دون غيرها من المناظرات. الأمر الثالث: يختص الموضوع بمناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ دون غيره من العلماء. الدراسات السابقة: ١) «مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل الملل والنحل» للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف. وهو عبارة عن كتيب صغير، جمع فيه مؤلفه ما وقف عليه من مناظرات لشيخ الإسلام وقد كان جمعه جمعاً طيباً إلا أنه لم يكن وافياً بالمقصود وذلك لأمور: أ -أنه كان يذكر المناظرات على سبيل الاختصار فقط، فقد يترك ذكر شيءٍ من الأحداث والوقائع والنقاشات والحجج التي تطرح في كثير من المناظرات؛ لأن مقصده هو التنبيه على أصل المناظرة وموضوعها الرئيس فقط، وذلك بشكل ميسر ومختصر، وأقرب مثال على هذا أنه عندما ذكر مناظرة شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية إنما ذكرها في ورقتين ونصف باختصار شديد جداً، بينما نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ذكرها وحكى ما حصل فيها في نحو سبعين ورقة.

стр. 10

ب -أنه لم يقم بدراسة المسائل العقدية الواردة في المناظرات. ت -أنه يكتفي فقط بعد ذكر المناظرة بذكر بعض الفوائد المستفادة من المناظرة لا غير. ث -أنه قد نبه في مقدمة بحثه على أن هذا الموضوع يحتاج لمزيد بحثٍ ودراسة وذلك لأهميته، ويظهر من صنيعه -وفقه الله- أنه إنما أراد أن يفتح المجال لمن أراد بعد ذلك أن يشرع بالبحث في الموضوع ودراسته. حيث قال في مقدمته (ص:٥): «فلا تزال جوانب مهمة في هذا الشأن - مجالاً رحباً للباحثين، ومن ذلك: مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل، فهو موضوع لم يسبق بحثه، حسب اطلاعي، وأحسب أنه من الموضوعات المهمة، والجديرة بالبحث والدراسة». ج -أنه لم يتبع الطريقة الأكاديمية في البحوث العلمية والتي تسهل على الباحث بحثه وترتبه، من تقسيم البحث لأبواب وفصول ومباحث وغيرها. ح -أنه قد فاته ذكر بعض مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية التي جرت بينه وبين بعض المخالفين. ٢) «مناظرات ابن تيمية لفقهاء عصره» للسيد الجميلي. الناظر في عنوان هذ الكتاب يتبادر إلى ذهنه أمران اثنان: الأمر الأول: أن هذ الكتاب مخصص في المناظرات الفقهية فقط دون غيرها. الأمر الثاني: أنه قد حوى جميع مناظرات شيخ الإسلام لفقهاء عصره أو على الأقل جلها ومعظمها. ولكن للأسف فإن الكتاب لم يكن فيه شيء من هذا ولا ذاك وعليه ملاحظات كثيرة واكتفي هنا بذكر أهمها؛ لأنها تغني عما دونها: أ -أنه لم يذكر من مناظرات شيخ الإسلام إلا ثلاث مناظرات فقط. وهذا بخلاف ما يتوهمه المرء عند قراءة العنوان لأول وهلة. بل العجيب أنه لم يذكر في

стр. 11

الحقيقة إلا مناظرة واحدة فقط وهي المناظرة في العقيدة الواسطية، أما المناظرتان الأخريان فإنهما في الحقيقة ليستا من مناظرات شيخ الإسلام في شيء، كما سيتبين في النقاط القادمة. ب -أنه أورد في كتابه مناظرة مكذوبة على شيخ الإسلام وهي مناظرته مع ابن عطاء الله الإسكندري (١) والتي من قرأها يُخيل إليه أن ابن تيمية هو ذلك الرجل المسكين الضعيف الذي لا علم له ولا حجة، بل ويظهر فيها ابن عطاء الله الإسكندري هو العالم صاحب الحجة وشيخ الإسلام عنده كالتلميذ يعلمه ويفهمه ويزيل عنه الشبه، ويظهر فيها شيخ الإسلام كأنه مقر لهذ الرجل على ما يقرره من مشروعية التوسل والاستغاثة بغير الله، والدفاع عن ابن عربي وغيرها من الأمور التي يستحيل أن يقرها شيخ الإسلام أو أن يسكت عنها (٢). ت -أما المناظرة الثالثة التي ذكرها فهي مناظرة لم تقع ولم تكن، وإنما هي من صنع قلمه؛ حيث قام بصنع مناظرة بين شيخ الإسلام وابن المطهر الحلي (٣) ويبدو أنه قد اعتمد في ذلك على منهاج السنة فكان يأخذ شبهة ابن المطهر ويتبعها برد ابن تيمية كأنها على شكل مناظرة وبهذا يتبين أنه لم يذكر في كتابه إلا المناظرة المشهورة وهي مناظرة العقيدة الواسطية لا غير.

стр. 12

ث -وما تبقى من الكتاب وهو أكثر من النصف فإنما هو في أمور وتحليلات خارجة عن جوهر البحث. وهناك ملاحظات أخرى كثيرة وفيما ذكر كفاية. ٣) "مناظرة ابن تيمية للطائفة الرفاعية" أفردها عبد الرحمن الدمشقية في كتيب صغير مع بعض التعليقات عليها. ويظهر من عنوان الكتاب كما هو واضح أنه إنما يتكلم عن مناظرة واحدة فقط من مناظرات شيخ الإسلام. ٤) هناك كتب عامة لم تختص بذكر مناظرات شيخ الإسلام فقط وإنما كان أصحابها يوردون المناظرات المختلفة وقد يوردون مناظرة أو مناظرتين لشيخ الإسلام ابن تيمية عرضاً لا قصداً كما فعل سليم الهلالي في كتابه: " مناظرات أئمة السلف مع حزب إبليس وأفراخ الخلف". • خطة البحث:- تشتمل خطة البحث على: مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة وفهارس: -أما المقدمة فتشتمل على أهمية الموضوع وسبب اختياره وخطة البحث والمنهج المتبع فيه. -وأما التمهيد فيشتمل على مبحثين: • المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها، ويشتمل على ثلاثة مطالب: o المطلب الأول: تعريف المناظرة لغةً واصطلاحاً. ويشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: تعريف المناظرة لغة. المسألة الثانية: تعريف المناظرة اصطلاحا. o المطلب الثاني: أركان المناظرة. o المطلب الثالث: حكم المناظرة. • المبحث الثاني: التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية ومنهجه في المناظرات: ويشتمل على مطلبين:

стр. 13

o المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية. o المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في المناظرات. • الباب الأول: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع غير المسلمين: … ويشتمل على أربعة فصول: • الفصل الأول: مناظراته مع النصارى ويشتمل على أربعة مباحث: • المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح وشبهتهم في ذلك: ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن: ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في احتجاجهم على شركهم بفعل بعض الجهلة من المنتسبين للإسلام: ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في جعلهم الشرك من باب التوسل. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • الفصل الثاني: مناظرته مع بعض التتار في زعمه أفضليتهم بفضل ملكهم. ويشتمل على مبحثين:

стр. 14

o المبحث الأول: عرض المناظرة. o المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • الفصل الثالث: مناظرته مع بعض المنجمين في فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بها. ويشتمل على مبحثين: o المبحث الأول: عرض المناظرة. o المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • الفصل الرابع: مناظرته مع بعض الفلاسفة. ويشتمل على مبحثين: o المبحث الأول: عرض المناظرة. o المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • الباب الثاني: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الطوائف المنتسبة للإسلام، ويشتمل على ستة فصول: • الفصل الأول: مناظراته مع الاتحادية، ويشتمل على خمسة مباحث: • المبحث الأول: مناظرته مع بعض حذاق الاتحادية في قولهم بأن الإحاطة هي الوجود المطلق، وفي أن أصل قولهم يرجع إلى القول بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله وهو

стр. 15

المسيح ابن مريم. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الرابع: مناظرته مع حسام الدين الكرماني في معتقد ابن حمويه في التوحيد والإلحاد. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. … • الفصل الثاني: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الصوفية وعباد القبور: ويشتمل على تسعة مباحث: • المبحث الأول: المبحث الأول: مناظرته مع بعض الرفاعية حول ما يدعونه من المخاريق. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثاني: مناظرته مع جماعة من الرفاعية فيما يزعمونه من إشارات وأحوال. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال. ويشتمل على مطلبين:

стр. 16

o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الخامس: مناظرته مع بعض الرفاعية في دعواه دخول التنور وعدم الاحتراق بذلك. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث السادس: مناظرته مع بعض من يحسن الظن بالأحجار ويجوزون التبرك بها. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث السابع: مناظرته مع جماعة يستشفون بقبور العبيدين ويعتقدون ولايتهم. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث التاسع: مناظرته مع بعض المشايخ الذين يستغيثون بغير الله

стр. 17

ويدَّعون ظهور صورته لهم. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • الفصل الثالث: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الرافضة، ويشتمل على مبحثين: • المبحث الأول: مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عقيدة العصمة. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثاني: مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عقيدة الإمامة. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • الفصل الرابع: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع المتكلمين: ويشتمل على سبعة مباحث: • المبحث الأول: مناظرته مع مجموعة من القضاة والعلماء حول العقيدة الواسطية بحضرة نائب السلطان. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل وفي صفة اليد وغيرها من المسائل. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.

стр. 18

• المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية؟ ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو من شيوخ المتكلمين. ويشتمل على مطلبين: o المطلب الأول: عرض المناظرة. o المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة • الفصل الخامس: مناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر: ويشتمل على مبحثين: o المبحث الأول: عرض المناظرة.

стр. 19

o المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. • الفصل السادس: مناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة، ودفاعه عن ذلك: ويشتمل على مبحثين: o المبحث الأول: عرض المناظرة. o المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. -الخاتمة -الفهارس: o فهرس الآيات القرآنية. o فهرس الأحاديث والآثار. o فهرس الأعلام المترجم لهم. o فهرس الفرق والطوائف. o قائمة بمصادر البحث. o فهرس تفصيلي للموضوعات. تنبيه: أثناء تقييد البحث وكتابته -أي بعد تقديم الخطة واعتمادها- عثرت على بعض المناظرات الأخرى، ولم تسنح الفرصة لإضافتها ضمن البحث بسبب عدم سماح النظام الأكاديمي بذلك، وقد أثبتها الآن في مواضعها المناسبة كـ (ملحق للأصل)، وحيث أن أغلب مواضيعها مما قد تمت دراستها سابقاً ضمن فصول الرسالة، فقد اكتفيت بإيراد نص المناظرة، مع تخريج لأحاديثها وفق المقرر في الخطة، وتبيين للغوامض فيها، وشيء من التعليقات اليسيرة عليها. • منهجي في كتابة البحث:- ١) جمعت المناظرات من جميع مؤلفات شيخ الإسلام المطبوعة، وكتب التراجم وغيرها قدر المستطاع. ٢) قسمت المناظرات على حسب الطوائف والمعتقدات، وجعلت هناك قسمين رئيسين: الأول: في المناظرات مع الطوائف غير المسلمة. والثاني: في

стр. 20

المناظرات مع الطوائف المنتسبة للإسلام. وتحت كل قسم عدد من الطوائف والفرق، وذكرت تحت كل طائفة المناظرات التي جرت معها مقسمة على شكل مباحث، وتحت كل مبحث مطلبان: أحدهما في عرض المناظرة، والآخر في دراستها. ٣) قمت في كل مبحث بعرض نص المناظرة كاملاً، ثم دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة وذلك من خلال الاعتناء بتقريرات شيخ الإسلام في المسألة المراد دراستها وذلك من مختلف كتبه ورسائله، واعتني في دراستي بذكر أصل الشبهة عند المخالف -إن وجدت- والجواب عليها، وعند تكرر بعض المسائل فإني أشير إلى أنه قد تم دراستها في ما سبق. ٤) عزوت الآيات إلى سورها بذكر السورة ورقم الآية. ٥) عزوت الأحاديث إلى مظانها من كتب السنة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليهما وإن كان في غيرهما عزوته إلى مصادره مع نقل حكم العلماء فيه. ٦) وثقت النقول من مصادرها الأصلية. ٧) قمت بالتعريف بالأعلام والفرق والملل والطوائف والأمكنة غير المشتهر منها. ٨) قمت بخدمة البحث بفهارس علمية تيسر للباحث الوصول إلى الفائدة المرادة. كلمة الشكرأحمد ربي -جل وعلا- وأشكره، فله الحمد كله وله الشكر كله، ومنه الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، لولاه ما كتبنا ولا قرأنا، ولا علمنا ولا تعلمنا، فكل فضل فهو منه، وكل منة فهي راجعة إليه، ولا حول ولا قوة لنا إلا به. فله الحمد والشكر أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً، له الحمد حتى يرضى وله الحمد إذا رضي وله الحمد بعد الرضا، له الحمد عدد كل شيء، وملء كل شيء، ووزن كل

стр. 21

شيء، وعدل كل شيء، لا نحصي ثناء عليه، ولا نبلغ حمده، ولا ندرك فضله. سُبْحَانَ مَنْ لَوْ سَجَدْنَا بِالْعُيُونِ لَهُ … عَلَى حمى الشَّوْكِ وَالْمَحْمِيِ مِنَ الْإِبَرِ لَمْ نَبْلُغِ الْعُشُرَ مِنْ مِعْشَارِ نعمته … وَلا الْعُشَيْرَ وَلا عُشُرًا مِنَ الْعُشُرِ ثم إني أتقدم بالشكر لوالديّ وقرة عينيّ اللذين كانا سبباً في وجودي، وعوناً في هدايتي واستقامتي، وسنداً لي في جميع أمور حياتي. ولا أنسى أن أشكر الجامعة التي احتضنتنا، ومن معينها الصافي نهلنا، وفيها تعلمنا ومنها تخرجنا ألا وهي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية حرسها الله. والشكر موصول للشيخ الدكتور/ عبد العزيز الطويان على تفضله بالإشراف على رسالتي، وما قدمه لي من توجيه وإرشاد. وللشيخين الفاضلين / الشيخ الدكتور صالح السندي، والشيخ الدكتور عبد الله الغفيلي على تفضلهما بمناقشة رسالتي، وإرشادي وإفادتي. والشكر كذلك لكل من ساعدني وساندني بكلمة أو مشورة أو نصيحة أو معلومة. فجزى الله الجميع خيراً، وأجزل لهم الأجر والمثوبة. كتبه أبو عبد العزيز هيثم بن قاسم الحمري مملكة البحرين -حرسها الله-

стр. 22

التمهيد: ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها المبحث الثاني: التعريف بشيخ الإسلام ومنهجه في المناظرات * * *

стр. 23

المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها: ويشتمل على: المطلب الأول: تعريف المناظرة لغة واصطلاحاً. المطلب الثاني: أركان المناظرة. المطلب الثالث: حكم المناظرات * * *

стр. 24

المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها، ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف المناظرة لغة واصطلاحاً: تعريف المناظرة لغة: المناظرة مشتقة في اللغة من (النظر)، و (النظر) يدور في اللغة على معنين اثنين: ١ - المعنى الأول: النظر الذي هو حس البصر ورؤيته، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣ - ٢٤]. ٢ - المعنى الثاني: النظر بمعنى التفكر والتأمل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]. قال ابن فارس (١) ﵀: «النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمل الشيء ومعاينته، ثم يستعار ويتسع فيه. فيقال: نظرت إلى الشيء أنظر إليه، إذا عاينته. وحَيٌّ حِلَالٌ نَظَرٌ: متجاورون ينظر بعضهم إلى بعض» (٢).

стр. 25

فبين ﵀ أن مادة نظر ترجع إما إلى تأمل الشيء وهو النظر الذي بمعنى التفكر والتأمل، وإما إلى معاينة الشيء وهو النظر الذي بمعنى حس البصر ورؤيته. وقد جعل بعض الباحثين أصلاً ثالثاً ترجع إليه مادة (نظر): وهو النظر بمعنى الانتظار، والصواب أن هذا المعنى يرجع أيضاً إلى معنى النظر بعين البصر أو البصيرة، فما هو إلا فرع مقيس على الأصلين المذكورين كما بين ذلك ابن فارس ﵀ فقال: «ويقولون: نظرته، أي: انتظرته. وهو ذلك القياس، كأنه ينظر إلى الوقت الذي يأتي فيه» (١)، وقال: «ومن باب المجاز والاتساع قولهم: نَظَرَتِ الأرضُ: أَرَتْ نَبَاتَهَا. وهذا هو القياس. ويقولون: نَظَرَتْ بِعَيْنٍ. ومنه نَظَرَ الدهر إلى بني فلان فأهلكهم. وهذا نظير هذا، من هذا القياس; أي أنه إذا نظر إليه وإلى نظيره كانا سواء. وبه نَظْرَةٌ، أي شحوب، كأنه شَيْءٌ نُظِرَ إِلَيْهِ فشحب لونهُ، والله أعلم بالصواب» (٢)، وعليه فكل استعمال غير هذين الاستعمالين -كالانتظار وغيره- إنما هو مستعار منهما ومقيس عليهما. وقال الراغب الأصفهاني (٣) ﵀: «النظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته» (٤). وقال أبو هلال العسكري ﵀ (٥): «وحد النظر طلب إدراك الشيء من جهة

стр. 26

البصر أو الفكر ويحتاج في إدراك المعنى إلى الأمرين جميعاً … ، وأصل النظر المقابلة فالنظر بالبصر الإقبال نحو .. (١)، والنظر بالقلب الإقبال بالفكر نحو المفكر فيه» (٢). ويؤخذ من كلام ابن فارس والراغب الأصفهاني وأبي هلال العسكري أن النظر يقع على المحسوسات وعلى المعاني، فما كان من المحسوسات فالنظر إليه بالبصر وما كان من المعاني فالنظر فيه بالبصيرة والعقل. فمن النظر بالبصر قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣ - ٢٤]، ومن النظر بالبصيرة وهو التفكر والتدبر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١] والمناظرة التي نحن بصدد تعريفها ترجع إلى هذين الأصلين فهي مأخوذة من نظر الحس وبصره، حيث ينظر كل منهما إلى صاحبه بعين البصر، ومأخوذة من نظر التفكر والتأمل فينظر كل منها في إلى الأدلة والحجج والأقوال بعين البصيرة، والملاحظ أن المعنى الأخير هو الجانب الأكبر في المناظرة، حيث لا تخلو منه المناظرة ولا تصح دونه بحال؛ ولذلك نجد أن أهل اللغة قد ركزوا في تعريفهم للمناظرة على هذا الجانب، فقال الخليل بن أحمد الفراهيدي (٣) ﵀ في تعريفه للمناظرة: «أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه كيف تأتيانه» (٤). وتبعه على هذا الأزهري (٥) في

стр. 27

تهذيب اللغة (١)، والزبيدي (٢) في تاج العروس (٣)، وغيرهم من أهل اللغة. ونجد الراغب الأصفهاني ﵀ يركز أيضاً على هذا الجانب في تعريفه للمناظرة فيقول: «والمناظرة المباحثة والمباراة في النظر واسْتِحْضَارُ كُلِّ ما يَرَاهُ ببصيرته» (٤). وجمع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٥)، في تعريفه للمناظرة بين المعنيين المذكورين فقال: «فالمناظرة في اللغة: المقابلة بين اثنين كل منهما ينظر إلى الآخر، أو كل منهما ينظر بمعنى يفكر» (٦). تعريف المناظرة اصطلاحاً: عرف الجرجاني (٧) ﵀ المناظرة في الاصطلاح بأنها: «النظر بالبصيرة من

стр. 28

الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب» (١). وتابعه على هذا التعريف المناوي (٢) في "التوقيف على مهمات التعريف" (٣)، وأبو البقاء الحنفي (٤) في "الكليات" (٥)، ومن الفقهاء صاحب (٦) "حاشية الجمل على شرح المنهج" (٧)، والبيجرمي (٨) في "حاشيته على المنهج" (٩). وعرفها عبد الوهاب الآمدي (١٠) ﵀ بأنها: «تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق» (١١).

стр. 29

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀-في تعريفه للمناظرة اصطلاحاً: «وهي في الاصطلاح: المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر مع رغبة كل منهما في ظهور الحق، فكأنها بالمعنى الاصطلاحي مشاركتهما في النظر الذي هو النظر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن ليظهر الصواب» (١). وقال طاش كُبري زاده (٢): هي النظر من جانبي خصمين … معلل وسائل اثنين في نسبة بينهما حكميه … ليظهر الصواب والخفية (٣) وبالجمع بين هذه التعاريف جميعها يتلخص لنا أن المناظرة لا تسمى مناظرة حتى تجمع الأمور التالية: أولاً: أن تكون المناظرة بين شخصين أو جانبين مختلفين، وتعبير الجرجاني ﵀ بـ"الجانبين" أدق من تعبير غيره بـ"شخصين"؛ لأن المناظرة قد تكون بين شخصين وقد تكون بين أكثر من ذلك، فلا بد أن يكون فيها جانبان متناظران بغض النظر عن عدد كل جانب، والآمدي في تعريفه للمناظرة إنما نظر إلى أقل ما يتحقق به اسم المناظرة وهو وجود شخصين. ثانياً: أن تكون بحضور الجانبين ومحاورتهما لبعضهما عن طريق الكلام، فيخرج بذلك ما قد يطلق عليه مناظرةً على سبيل التجوز كالردود الكتابية ونحوها. ثالثاً: أن يكون الهدف منها إظهار الحق والصواب، وتعبير الجرجاني بقوله: «إظهاراً للصواب» أدق من تعبير الآمدي وغيره بقولهم: «مع رغبة كل منهما في

стр. 30

ظهور الحق»؛ وذلك لأن المراد بالمناظرة إظهار الحق مطلقاً سواء لهما أو لأحدهما أو لغيرهما ممن حضر مناظرتهما أو سمعها، فالمقصود إظهار الصواب والحق، وهذا الشرط إنما جعل احترازاً من الجدال الذي لا يراد منه التوصل إلى الحق، وإنما يراد إفحام الخصم وإسكاته، سواء كان حقاً أو باطلاً. وبتعداد هذه الأمور التي نص عليها أهل الفن مما يجب توافره في المناظرة، يتضح لك أن التعريفات السابقة وإن كانت وافية بغالب المقصود إلا أنه لم يخل شيء منها من قصور في ناحية من النواحي؛ ولذلك فإن التعريف المختار للمناظرة اصطلاحاً هو: المحاورة في الكلام بين جانبين مختلفين، في قضية ما، إظهاراً للحق والصواب. المطلب الثاني: أركان المناظرة: يظهر بوضوح مما ذكره أهل العلم في تعريف المناظرة وحدِّها، أن للمناظرة ثلاثة أركان رئيسة لا تقوم إلا بها، وهذه الأركان هي: الركن الأول: موضوع مختلف فيه، تجري فيه المناظرة. الركن الثاني والثالث: طرفان متناظران. أحدهما: مُدع، أو ناقل خبر: ويسمى في علم المناظرة (مانعاً) أو (معللاً). والآخر: معترض عليه: ويسمى في علم المناظرة (مستدلاً) أو (سائلاً) (١).

стр. 31

والأصل أن الأول (المعلل أو المانع) هو الذي يبدأ بالكلام وطرح الموضوع أو المسألة، ثم يوجه (السائل أو المستدل) عليه اعتراضه ويناقشه ويحاوره فيما طرح، وقد ينعكس الحال أثناء المناظرة، فينقلب السائل معللا والمعلل سائلاً، وذلك بحسب ما يتجدد من قضايا ومسائل أثناء الحوار والتناظر (١). المطلب الثالث: حكم المناظرات: الجدال والمناظرة من حيث الحكم على قسمين (٢): القسم الأول: جدل وتناظر محمود: وهذا النوع من الجدل والمناظرات مشروع بالكتاب والسنة وفعل الصحابة وسلف الأمة: فأما أدلة الكتاب فقد تنوعت دلالات القرآن الكريم على مشروعية المناظرات المحمودة -وما في معناها-وجوازها: منها الأدلة المصرحة بالأمر بها والحث عليها كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥]. ومنها الأدلة الحاكية لشيء مما جرى من المناظرات بين أهل الحق

стр. 32

وأهل الباطل على سبيل التقرير والاستشهاد، كمناظرات الأنبياء مع أقوامهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٥٨] وغيرها من الأدلة. ومنها الأدلة المثنية على من قام بمحاجة ومناظرة أهل الباطل كما قال سبحانه بعد حكاية مناظرة إبراهيم ﵇ مع قومه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣]. ومنها تقريره لقواعد فن المناظرة وأنواع الحجج والأدلة والأقيسة، قال ابن القيم ﵀: «وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكراً وافياً اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه» (١). وقال ﵀: «والمقصود ان القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع أنواع الادلة والأقيسة الصحيحة» (٢)، وقال شيخ الإسلام ﵀: «وفيه من مناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين ما لم يذكر مثله في التوراة، مع أنه لم ينزل كتاب من السماء أهدى من القرآن والتوراة» (٣). ومنها الأوامر العامة بالدعوة إلى سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والأمر بإحقاق الحق ورد الباطل، وغيرها من الأوامر التي تتضمن مناظرة أهل الباطل ومحاججتهم. قال شيخ الإسلام ﵀: «وأما ما في القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم وجوابها، فهذا كثير جداً، فإنه يجادلهم تارة في التوحيد، وتارة في النبوات، وتارة في المعاد، وتارة في الشرائع بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)

стр. 33

وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٢ - ٣٣]. وقد أخبر الله ﵎ عن أولي العزم من الرسل بمجادلة الكفار فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]، وقال عن الخليل: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام:٨٠]، إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٣]. وأمر الله تعالى محمداً ﷺ بالمجادلة بالتي هي أحسن، وذم سبحانه من جادل بغير علم، أو في الحق بعدما تبين، ومن جادل بالباطل: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٦]. وقال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال:٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥] وهذا هو الجدال المذكور في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]» (١). وأما السنة: فقد دلت السنة بأنواعها القولية والفعلية والتقريرية على مشروعيتها، فمن السنة القولية قوله ﷺ : (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (٢)، قال ابن حزم ﵀: «وهذا حديث في غاية الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله» (٣). ومن السنة الفعلية مناظراته ومحاوراته الكثيرة مع المشركين، ومناظرته مع

стр. 34

اليهود (١) ومناظرته مع ابن صياد (٢) وغير ذلك. وأما فعل الصحابة والسلف فهو أكثر من أن يحصر، ومن أشهرها مناظرة ابن عباس للخوارج (٣)، ومناظرات الإمام أحمد للجهمية (٤)، قال ابن حزم ﵀: «وقد تحاج المهاجرون والأنصار وسائر الصحابة -رضوان الله عليهم- وحاجَّ ابن عباس الخوارج بأمر علي ﵁ وما أنكر قط أحد من الصحابة الجدال في طلب الحق» (٥). وقال صاحب كتاب "تنبيه الرجل العاقل إلى تمويه الجدل الباطل" (٦)،، مبيناً ما جاء من حض الشرع للمؤمنين على الجدل المحمود: «وحضهم على المناظرة والمشاورة لاستخراج الصواب في الدنيا والآخرة حيث يقول لمن رضي دينهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، كما أمرهم بالمجادلة والمقاتلة لمن عدل عن السبيل العادلة حيث يقول آمرا وناهيا لنبيه والمؤمنين لبيان ما يرضاه منه ومنهم ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فكان أئمة الإسلام ممتثلين لأمر المليك العلام يجادلون أهل الأهواء المضلة حتى يردوهم إلى سواء الملة كمجادلة ابن عباس- ﵄ للخوارج المارقين حتى رجع كثير منهم إلى ما خرج عنه من الدين وكمناظرة كثير من السلف الأولين لصنوف المبتدعة الماضين ومن في قلبه ريب يخالف اليقين حتى هدى الله من شاء من البشر وعلن

стр. 35

الحق وظهر، ودرس ما أحدثه المبتدعون واندثر» (١). وقد حكى إجماع العلماء على مشروعيتها الخطيب البغدادي (٢) في كتاب الفقيه والمتفقه (٣) وأبو الوليد الباجي (٤) في إحكام الفصول (٥). القسم الثاني: جدل وتناظر مذموم: وهذا النوع من الجدل والمناظرات هو الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة في ذمه والتحذير منه، وإنما تكون المناظرة مذمومة منهيا عنها في حالات ثلاث: الحالة الأولى: إذا لم يكن المناظِر أهلاً للمناظرة؛ وذلك لأحد أسباب أربعة: ١) إذا كان المناظِر جاهلاً بالحق، أو ضعيف العلم والحجة، فيخشى عليه أن يفسده ذلك المضل، فمثل هذا يُنهى عن المناظرة، وتكون المناظرة في حقه مذمومة (٦). ٢) إن كان المناظِر عالماً بالحق، ولكنه لا يحسن إيصاله للغير وبيانه لهم؛ فليس كل من يعلم الحق يمكنه إيصاله للغير، قال شيخ الإسلام ﵀: «ولكن ليس كل من عرف الحق -إما بضرورة أو بنظر- أمكنه أن يحتج على من ينازعه

стр. 36

بحجة تهديه أو تقطعه، فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع، وما به يعرفه به غيره نوع، وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به» (١). ٣) إذا كان المناظِر عالماً بالحق ولكنه يحتج بالباطل لتقرير الحق قال شيخ الإسلام: «فلا يصلح ولا يحل أن نقول باطلاً أو نلتزمه لدفع مبطل؛ فإن ذلك رد باطل بباطل، ورد بدعة ببدعة، وهذا كما أنه حرام في الدين منكر في العقل، فمضرته أكثر من منفعته؛ فإن ذلك مما يوجب نفور المناظر، وظنه: أنا لا نعلم الحق، أو نعلمه ولا نتبعه؛ فيوجب ذلك إصراره على ما هو عليه من الباطل. فلا نكون قد نصرنا حقاً، ولا دفعنا باطلاً، بل أثرنا فتنة بلا فائدة، وإيقاع شبهات بلا بيّنات» (٢). ٤) إذا كان للمناظر قصد سيء من ظلم للخصم أو إرادة علو في الأرض، أو مجرد إرادة إظهار العلم والتفاخر به، أو مجرد المراء والجدال والخصومات دون إرادة إيصال الحق وإظهاره، فهذا -أيضاً- تكون مناظرته مذمومة منهياً عنها (٣). وبالجملة فـ"كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حَصَلَ بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس" (٤).

стр. 37

الحالة الثانية: إذا كانت المناظرة مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة . فأحوال المناظَرين لا تخرج عن أربع أحوال: ١) أن يكون ممن يفهم الحق ويقبله: فهذا تشرع مناظرته؛ لأنه ممن إذا بُين له الحق فهمه وقبله. ٢) أن يكون ممن لا يقبل الحق: وهذا أحد نوعين: أ -إذا كان في مناظرته انقطاع له وكفٌ لشره عن الناس ودفع له: فمثل هذا تشرع مناظرته (١). ب -إذا كان سوفسطائياً (٢) يجحد الضروريات، ويجادل في البديهيات: فمثل هذا لا يناظر باتفاق العقلاء، وهم بعد ذلك إما: ١ - أن يداووه إن كان فاسد العقل. ٢ - أو يتركوه إن كان عاجزاً عن معرفة الحق ولا مضرة تخشى منه. ٣ - أو يعاقبوه بالتعزير أو القتل إن كان مستحقاً للعقاب (٣). ت -أن يكون ممن التبس عليه الحق، إما لضعف علمه بأدلته، أو لضعف عقله وفهمه، أو لما سمع من حجج أهل الباطل وشبههم: فمثل هذا يشرع مناظرته؛ لأن ذلك يفيده: إما معرفة الحق، وإما شكاً في اعتقاده الباطل وتوقفاً فيه وبعثاً لهمته على النظر في الحق وطلبه إن كان له رغبة بذلك (٤).

стр. 38

الحالة الثالثة: أن تكون في المناظرة مفسدة راجحة: ومثال ذلك: ١. أن يكون الحق ظاهراً معروفاً عند المسلمين ويكون أهل الحق هم الظاهرون الأقوياء، والبدع وأهلها في حال ضعف وعجز، فتكون في مناظرتهم مفسدة حاصلة، وهي إظهار بدعهم ونشر باطلهم وشبههم بين عوام الناس مما قد يؤثر على ضعاف النفوس ومرضى القلوب، ففي مثل هذه الحالة يُنهى عن المناظرة لما يترتب عليها من مفسدة راجحة، وإنما المشروع هنا هجر أهل البدع وزجرهم ومنع الناس ونهيهم عن الجلوس لهم وعن مناظرتهم ومجادلتهم (١). ٢. أن تكون المناظرة سبباً للتفرق والاختلاف، قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد كره النبي ﷺ من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق. فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: (أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)، قال عبد الله بن عمرو ﵄: فما أغبط نفسي كما غبطتها ألا أكون في ذلك المجلس. روى هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره وأصله في الصحيحين (٢)، والحديث المشهور عنه ﷺ في السنن وغيرها أنه قال ﷺ : (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قيل: يا رسول الله ومن هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) (٣)،

стр. 39

وفي رواية: (هي الجماعة) (١)، وفي رواية: (يد الله على الجماعة) (٢)، فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة. وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع» (٣). فهذه الأنواع المذكورة من المناظرات هي التي جاء في النصوص والآثار ذمها والنهي عنها والتحذير منها لأن مفسدتها أكبر من مصلحتها، وضررها أكبر من نفعها، وجماع الأسباب التي ينهى عن المناظرة فيها هذه الأسباب الثلاثة المذكورة وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ﵀ فقال: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة: من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة» (٤)، ثم قال ﵀: «وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى» (٥)، وهذه هي الطريق الوحيدة التي يمكن الجمع فيها بين الآيات والأحاديث والآثار التي قد يفهم منها التعارض، فقد جاء في

стр. 40

القرآن ذم الجدل وجاء الأمر به، وجاء في السنة ما يدل على مشروعيته، وجاء ما يرغب ويحذر عنه، وجاء عن السلف فعله والقيام به، وجاء عنهم التحذير والنهي عنه، وكل ذلك محمول على أن الجدل والتناظر نوعان فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وما جاء في النصوص والآثار من مدح أو حث أو فعل فإنما هو من النوع الأول، وما جاء في النصوص من ذم أو نهي أو تحذير فهو من النوع الثاني. وقد كانت مناظرات شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- مع خصومه من النوع الأول، فقد تحققت بها مصالح شرعية كثيرة، واندفعت بها مفاسد كبيرة، وظهر فيها الحق أيما ظهور، واندثر فيها الباطل أيما دثور، وارتفعت فيها أعلام السنن، واندحر فيها خلق من أهل الزيغ والفتن، وهدى الله بها أمة من الناس إلى صراط مستقيم، كما سيظهر للقارئ خلال عرضها، في المباحث القادمة. * * *
следующие страницы →