بحجة تهديه أو تقطعه، فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع، وما به يعرفه به غيره نوع، وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به» (١).
٣) إذا كان المناظِر عالماً بالحق ولكنه يحتج بالباطل لتقرير الحق قال شيخ الإسلام: «فلا يصلح ولا يحل أن نقول باطلاً أو نلتزمه لدفع مبطل؛ فإن ذلك رد باطل بباطل، ورد بدعة ببدعة، وهذا كما أنه حرام في الدين منكر في العقل، فمضرته أكثر من منفعته؛ فإن ذلك مما يوجب نفور المناظر، وظنه: أنا لا نعلم الحق، أو نعلمه ولا نتبعه؛ فيوجب ذلك إصراره على ما هو عليه من الباطل. فلا نكون قد نصرنا حقاً، ولا دفعنا باطلاً، بل أثرنا فتنة بلا فائدة، وإيقاع شبهات بلا بيّنات» (٢).
٤) إذا كان للمناظر قصد سيء من ظلم للخصم أو إرادة علو في الأرض، أو مجرد إرادة إظهار العلم والتفاخر به، أو مجرد المراء والجدال والخصومات دون إرادة إيصال الحق وإظهاره، فهذا -أيضاً- تكون مناظرته مذمومة منهياً عنها (٣).
وبالجملة فـ"كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حَصَلَ بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس" (٤).
стр. 37
الحالة الثانية: إذا كانت المناظرة مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة .
فأحوال المناظَرين لا تخرج عن أربع أحوال:
١) أن يكون ممن يفهم الحق ويقبله: فهذا تشرع مناظرته؛ لأنه ممن إذا بُين له الحق فهمه وقبله.
٢) أن يكون ممن لا يقبل الحق: وهذا أحد نوعين:
أ -إذا كان في مناظرته انقطاع له وكفٌ لشره عن الناس ودفع له: فمثل هذا تشرع مناظرته (١).
ب -إذا كان سوفسطائياً (٢) يجحد الضروريات، ويجادل في البديهيات: فمثل هذا لا يناظر باتفاق العقلاء، وهم بعد ذلك إما:
١ - أن يداووه إن كان فاسد العقل.
٢ - أو يتركوه إن كان عاجزاً عن معرفة الحق ولا مضرة تخشى منه.
٣ - أو يعاقبوه بالتعزير أو القتل إن كان مستحقاً للعقاب (٣).
ت -أن يكون ممن التبس عليه الحق، إما لضعف علمه بأدلته، أو لضعف عقله وفهمه، أو لما سمع من حجج أهل الباطل وشبههم: فمثل هذا يشرع مناظرته؛ لأن ذلك يفيده: إما معرفة الحق، وإما شكاً في اعتقاده الباطل وتوقفاً فيه وبعثاً لهمته على النظر في الحق وطلبه إن كان له رغبة بذلك (٤).
стр. 38
الحالة الثالثة: أن تكون في المناظرة مفسدة راجحة:
ومثال ذلك:
١. أن يكون الحق ظاهراً معروفاً عند المسلمين ويكون أهل الحق هم الظاهرون الأقوياء، والبدع وأهلها في حال ضعف وعجز، فتكون في مناظرتهم مفسدة حاصلة، وهي إظهار بدعهم ونشر باطلهم وشبههم بين عوام الناس مما قد يؤثر على ضعاف النفوس ومرضى القلوب، ففي مثل هذه الحالة يُنهى عن المناظرة لما يترتب عليها من مفسدة راجحة، وإنما المشروع هنا هجر أهل البدع وزجرهم ومنع الناس ونهيهم عن الجلوس لهم وعن مناظرتهم ومجادلتهم (١).
٢. أن تكون المناظرة سبباً للتفرق والاختلاف، قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد كره النبي ﷺ من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق. فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: (أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)، قال عبد الله بن عمرو ﵄: فما أغبط نفسي كما غبطتها ألا أكون في ذلك المجلس. روى هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره وأصله في الصحيحين (٢)، والحديث المشهور عنه ﷺ في السنن وغيرها أنه قال ﷺ : (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قيل: يا رسول الله ومن هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) (٣)،
стр. 39
وفي رواية: (هي الجماعة) (١)، وفي رواية: (يد الله على الجماعة) (٢)، فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة. وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع» (٣).
فهذه الأنواع المذكورة من المناظرات هي التي جاء في النصوص والآثار ذمها والنهي عنها والتحذير منها لأن مفسدتها أكبر من مصلحتها، وضررها أكبر من نفعها، وجماع الأسباب التي ينهى عن المناظرة فيها هذه الأسباب الثلاثة المذكورة وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ﵀ فقال: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة: من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة» (٤)، ثم قال ﵀: «وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى» (٥)، وهذه هي الطريق الوحيدة التي يمكن الجمع فيها بين الآيات والأحاديث والآثار التي قد يفهم منها التعارض، فقد جاء في
стр. 40
القرآن ذم الجدل وجاء الأمر به، وجاء في السنة ما يدل على مشروعيته، وجاء ما يرغب ويحذر عنه، وجاء عن السلف فعله والقيام به، وجاء عنهم التحذير والنهي عنه، وكل ذلك محمول على أن الجدل والتناظر نوعان فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وما جاء في النصوص والآثار من مدح أو حث أو فعل فإنما هو من النوع الأول، وما جاء في النصوص من ذم أو نهي أو تحذير فهو من النوع الثاني.
وقد كانت مناظرات شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- مع خصومه من النوع الأول، فقد تحققت بها مصالح شرعية كثيرة، واندفعت بها مفاسد كبيرة، وظهر فيها الحق أيما ظهور، واندثر فيها الباطل أيما دثور، وارتفعت فيها أعلام السنن، واندحر فيها خلق من أهل الزيغ والفتن، وهدى الله بها أمة من الناس إلى صراط مستقيم، كما سيظهر للقارئ خلال عرضها، في المباحث القادمة.
* * *
стр. 41
المبحث الثاني:
التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ومنهجه في المناظرات:
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ﵀.
المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام ﵀ في المناظرات.
* * *
стр. 42
المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ﵀: ويشتمل على:
اسمه ونسبه ومولده.
صفاته: سعة علمه، قوة حفظه، جلده في العلم والتعليم، قوة حجته، زهده وكرم نفسه، حلمه وعفوه وصفحه، صبره وانشراح صدره، شجاعته، تواضعه.
ثناء أهل العلم عليه.
كثرة تصانيفه.
وفاته.
حزن الناس عليه.
* * *
стр. 43
المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام ﵀:
تمهيد:
إن من الصعوبة بمكان الكلام على شخصية مثل شخصية شيخ الإسلام، في بضع ورقات أو عدة صفحات، وهو الذي بلغت شهرته الآفاق، وصنفت في ذكر مآثره، وتعداد مناقبه، المصنفات الكثيرة، ورحم الله الحافظ الذهبي حين قال: «وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأنه قلمي» (١) فإذا كان الذهبي مع عظم مكانه وعلو شأنه، يستصغر نفسه في الكتابة عن مثل هذا الإمام، فالكاتب باستشعار مثل هذا أولى وأحرى، كيف لا، والقلم يبقى حائرًا، والعقل منذهلًا، والخاطر مشتتًا، لا يدري ماذا يكتب في وصف هذا الإمام ونعته، وعلمه وفضله، ومكانته وقدره، وقوله وفعله، وحلمه وحزمه، وعفوه وصفحه، وسمته وهديه، وفطنته وعقله، وإنصافه وعدله، وهمته وهمه، وجهاده وصدقه.
ولكن لما لم يكن من الكتابة بُد، فقد استعنت بالله في اختيار ما تيسر من المناقب والفضائل والمآثر والشمائل التي تبرز شخصيه هذا الإمام وعلو كعبه وعظيم مكانته وقدره، وقديماً قيل: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق (٢).
стр. 44
اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله النميري الحراني (١) الدمشقي
المعروف بابن تيمية (٢)، الملقب بشيخ الإسلام (٣).
أما مولده: فكان كما قال تلميذه أبو حفص البزار (٤): «أخبرني غير واحد من
стр. 45
الحفاظ أنه ولد في حران في عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وست مئة، وبقي بها إلى أن بلغ سبع سنين، ثم انتقل به والده ﵀ إلى دمشق المحروسة، فنشأ بها أتم إنشاء وأزكاه، وأنبته الله أحسن النبات وأوفاه، وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة … ولم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات في الجهد والاجتهاد، وختم القرآن صغيرا ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك مع ملازمة مجالس الذكر وسماع الأحاديث والآثار» (١).
صفاته:
لقد جمع الله لشيخ الإسلام ابن تيمية من الخلال والأوصاف ما لا يكاد يعرف عن أحد ممن عاصره أو جاء بعده، ومثل هذا المقام لا يسع لذكر شيء منها إلا النزر اليسير والشيء القليل، وهي أضعاف أضعاف ما ذُكر بكثير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وبعد قراءة مطولة في تراجم الشيخ ﵀، حاولت أن أكون في تعدادي لصفاته وذكر مناقبه وخلاله (معتنياً مقتنيا): فاعتنيت بذكر أبرز ما يظهر علو كعبه وعظم مكانته، واقتنيت أجود ما عبر به المترجمون عن صفاته وعظيم خصاله، وهي كالآتي:
أولاً: سعة علمه:
إن مما اتفق عليه محبو شيخ الإسلام ومبغضوه، وشهد له به موافقوه ومخالفوه، أنه كان واسع العلم كبير المعرفة على دراية واطلاع بمختلف الفنون وأنواع العلوم قال ابن دقيق العيد (٢) ﵀: «لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً
стр. 46
كل العلوم بين عينيه؛ يأخذ ما يريد ويدع ما يريد» (١).
وقال ابن سيد الناس (٢): «ألفيته ممن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إِنْ تكلَّم في التفسير؛ فهو حامل رايته، أَو أفتى في الفقه؛ فهو مُدْرك غايته، أو ذاكر بالحديث؛ فهو صاحب علم وذو روايته، أَو حاضر بالنِّحل والملل؛ لم يُر أَوسع من نِحْلَتِه في ذلك ولا أَرفع من درايته، برز في كل فنِّ على أَبناء جِنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأَت عينه مثل نفسه» (٣).
وقال عَلم الشافعية العلامة كمال الدين ابن الزملكاني (٤): «كان -يعني: شيخ الإسلام- إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم: سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه … واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها» (٥).
وقد قال شيخ الإسلام ﵀ حاكياً عن نفسه: «أنا أعلم كل بدعة حدثت في
стр. 47
الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها» (١).
وقال ابن القيم: «ومن الجود بالعلم: أن السائل إذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: نعم، أو: لا. مقتصرا عليها.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك أمراً عجيباً: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة، إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح. وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات، واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته وهذه فتاويه ﵀ بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك» (٢).
ولم يكن علمه مقتصراً على العلوم الشرعية فحسب؛ بل لقد كان آية من آيات الله في مختلف العلوم وشتى الفنون قال العلامة أحمد بن يحيى العمري (٣): «وكان إماماً في التفسير وعلوم القرآن، عارفاً بالفقه واختلاف الفقهاء والأصلينِ والنحو وما يتعلق به، واللغة والمنطق وعلم الهيئة واجَبْر (٤) والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه» (٥).
стр. 48
وقد حكى الصفدي (١) عن المولى علاء الدين علي بن الآمدي (٢)، وهو من كبار كتاب الحساب، قال: «دخلت يوماً إليه، أنا والشمس النفيس عامل بيت المال، ولم يكن في وقته أكتب منه، فأخذ الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع، وعما بين الفذلكة واستقرار الجملة من الأبواب، وعن الفذلكة الثانية وخصمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الختم والتوالي، وما يطلب من العامل، وهو يجيبه عن البعض ويسكت عن البعض، ويسأله عن تعليل ذلك، إلى أن أوضح له ذلك وعلله؛ قال: فلما خرجنا من عنده قال لي النفيس: والله تعلمت اليوم منه ما لا كنت أعلمه» (٣).
ثانياً: قوة حفظه وسرعته:
لقد كان شيخ الإسلام أُعجوبة أهل زمانه في سرعة حفظه وفرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وسرعة إدراكه، وشدة استحضاره، وقد عد الحافظ أبو المظفر السُّرّمَرِّي (٤) قوة حفظ شيخ الإسلام من عجائب ذلك الزمان، حيث قال ﵀ في المجلس السابع والستين من أماليه في الذكر والحفظ: «ومن عجائب ما وقع في الحفظ في أهل زماننا: شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية؛ فإنه كان يمر بالكتاب فيطالعه مرة فينتقش في ذهنه، فيذاكر به وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه» (٥).
стр. 49
ولا أدل على عظمة حفظه، وقوة ذاكرته من مصنفاته العظيمة ومؤلفاته الجليلة، التي لم يعتمد في تصنيف معظمها -إن لم تكن كلها- إلا على حفظه وذاكرته، وهذه حقيقة تبهر العقول وتدهش الأذهان، قال ابن عبدالهادي (١) ﵀: «وله من المؤلفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحداً من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك؛ مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرًا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب» (٢).
ثالثاً: جلده في العلم والتعليم:
أما جلده في العلم فقد كان شيخ الإسلام ﵀ محباً للقراءة والحفظ والمذاكرة، شغوفاً بالعلم، لا تكاد نفسه تشبع منه، ولا تروى من مطالعته، قال الصفدي: «وكان من صغره حريصا على الطلب، مجدًا على التحصيل والدأب، ولا يؤثر على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظة منه في البطالة فذة، يذهل عن نفسه ويغيب في لذة العلم على حسه، لا يطلب أكلاً إلا إذا حضر لديه، ولا يرتاح إلى طعام ولا شراب في أبرديه (٣)» (٤).
ومن جميل ما يذكر في بيان شغفه ﵀ بالعلم وتحصيله، وجلده عليه وصبره وتشميره، تلك القصة التي حكاها ابن ناصر الدين الدمشقي (٥) ﵀ فقال: «ومن
стр. 50
أعجب ما سمعته عنه ما حدثني به بعض أصحابه: أنه لما كان صبياً في بداية أمره أراد والده أن يخرج بأولاده يوماً إلى البستان على سبيل التنزه، فقال له: يا أحمد تخرج مع إخوتك تستريح!
فاعتلَّ عليه، فألحَّ عليه والده، فامتنع أشد الامتناع.
فقال: أشتهي أن تعفيني من الخروج. فتركه وخرج بإخوته، فظلوا يومهم في البستان، ورجعوا آخر النهار.
فقال: يا أحمد، أوحشت إخوتك اليوم، وتكدر عليهم بسبب غيبتك عنهم، فما هذا؟!
فقال يا سيدي إنني اليوم حفظت هذا الكتاب، لكتاب معه (١).
فقال: حفظته؟! كالمنكر المتعجب من قوله.
فقال له: استعرضه عليَّ، فاستعرضه فإذا به قد حفظه جميعه!!
فأخذه وقبّله بين عينيه، وقال: يا بني، لا تخبر أحداً بما قد فعلت، خوفاً عليه من العين، أو كما قال» (٢).
وقال الصفدي ﵀ حاكياً همة شيخ الإسلام في جرد الكتب وقراءتها: «قلت: حكى لي من سمعه يقول: إني وقفت على مائة وعشرين تفسيراً، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها، أو كما قال» (٣). وقال تلميذ شيخ الإسلام أبو عبد الله ابن رشيق ﵀ (٤): «وقال لي مرة: ربما طالعت على الآية الواحدة
стр. 51
نحو مئة تفسير» (١). قال الذهبي ﵀: «كان آية من آيات الله تعالى في التفسير والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين» (٢). وقال أبو حفص البزار: «ولقد كان إذا قُرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته، والدرس برمته، وهو في تفسير بعض آية منها … يفعل ذلك بديهة» (٣).
ولربما أملى الكتاب في قعدة واحدة قال ابن عبد الهادي: «أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية سنة ثمان وتسعين في قعدة بين الظهر والعصر» (٤)، وهكذا ألف الواسطية في قعدة بين العصر والمغرب (٥)، وألف قاعدة في كلام الله (٦)، كتبها في قعدة واحدة كما نص على ذلك في آخرها، وغيرها كثير من فتاواه ومصنفاته رحمه الله تعالى وغفر له.
رابعاً: قوة حجته:
«وهو في وقت الحرب مجنة، قَلَّ أن قطعه خصمه الذي تصدى له وانتصب، أو خلص منه مناظره إلا وهو يشكو من الأين والنصب» (٧)، بهذه العبارة اختار الصفدي ﵀ أن يبين مدى قوة حجة شيخ الإسلام في مواجهته لخصومه، ومدى ضعف خصومه في منازعتهم له، وهذا الأمر ليس بغريب على شيخ الإسلام ﵀، فقد كان ﵀ لقوة ما أتاه الله من علم وحجة وبيان يستخدم شتى أنواع الأسلحة العقلية والنقلية في مواجهة الخصوم وبيان باطلهم، ونصر الحق وإظهاره، وقد
стр. 52
كان من عجيب أمره ﵀ أنه يكتفي في الرد على خصمه بالدليل الذي يحتج به الخصم عليه، فيقلب حجة الخصم حجة عليه، والدليل الذي يحتج به على صحة قوله دليلاً على بطلان قوله، قال ابن القيم ﵀: «فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم، وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وشفى واشتفى، وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون، وإليه يدعون، وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم، وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة، وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه» (١).
وقال ﵀:
أبدى فضائحهم وبيّن جهلهم … وأرى تناقضهم بكل زمان
ومن العجائب أنه بسلاحهم … أرداهم تحت الحضيض الداني (٢)
خامساً: زهده وكرم نفسه:
وكما تربى شيخ الإسلام على حب العلم والعمل، نشأ كذلك على صفات كريمة وأخلاق نبيله، كالزهد في الدنيا، والجود والكرم والسخاء، والتواضع ولين الجانب وغير ذلك من خلال الخير والبر، قال سراج الدين أبو حفص البزار: «ولقد اتفق كل من رآه -خصوصاً من أطال ملازمته- أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهوراً؛ بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية -رحمة الله عليه-
стр. 53
لم يُسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سرية حوراء، ولا دار قوراء (١)، ولا مماليك جوار، ولا بساتين ولا عقار ولا شد على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب، ولا نعم ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا حشم ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رئي ساعياً في تحصيل المباحات، مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع أمره، خاضعين لقوله وفعله، وادين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لإجلاله أو أن يؤهل كلا منهم في بذل ماله» (٢).
وكذلك كرمه وجوده يفوق الوصف، قال العلامة أحمد بن يحيى العمري: «وكان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافاً ومئين، لا يلمس منه درهما بيده، ولا ينفقه في حاجة له» (٣)، «هذا مع ما جمع من الورع، وإلى ما فيه من العلى، وما حازه بحذافير الوجود في الجود، كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيهبه بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئا إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه كله في سبيل البر، وطريق أهل التواضع لا أهل الكبر. لم يمل به حب الشهوات» (٤).
وأختم بقول الذهبي ﵀: «وما رأيت في العالم أكرم منه ولا أفرغ منه عن الدينار لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه» (٥).
سادساً: حلمه وعفوه وصفحه:
إن من أبرز الصفات التي تحلى بها الشيخ الهمام شيخ الإسلام: حلمه وعفوه
стр. 54
وصفحه وصبره على مخالفيه؛ ومن كان له أدنى اطلاع على حياة الشيخ أدرك مدى اتصاف شيخ الإسلام بهذا الخلق النبيل وتحليه به، فقد كان كريم النفس عظيم الصفح؛ يُقرِب مَن يقصيه، ويُكرِم من يؤذيه، ويعتذر لمن جنى عليه، وللشيخ ﵀ حكايات عديدة ومواقف كثيرة يظهر فيها جلياً عفوه وصفحه وسماحته وكرم نفسه وصفاء سريرته، واكتفي هنا بذكر أهم وأبرز ما وقفت عليه منها:
الموقف الأول: بعد أن ارتفع نجم شيخ الإسلام في البلاد الشامية، وأظهر الله على يديه الحق والدين، وقمع به كثير من أهل الضلال والمنحرفين، ولم يستطع أهل الباطل مناظرته ومجاراته، وامتحن سنة خمس وسبعمائة بأمر السلطان في عقيدته الواسطية، وناظره فيها القضاة والعلماء بالقصر، وقرأوها في ثلاثة مجالس، وحاقَقُوه وبحثوا معه، ولم يستطيعوا أن يثبتوا على الشيخ مأخذًا أو مطعنًا وانتصر له السلطان، وحُكم بسلامة وصحة معتقده، قال ابن رجب ﵀: «ثم إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يعقد له مجلس، ويدعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون في ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير (١)، الذي تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجي (٢)، وابن مخلوف قاضي المالكية (٣)، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له
стр. 55
ثاني يوم وصوله - وهو ثاني عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة، وادعي عليه عند ابن مخلوف قاضي المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.
وقال المدعي: أطلب تعزيزه على ذلك، التعزيز البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك- فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم فيَّ؟ وغضب، ومراده: أني وإياك متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها، فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس» وأُمر به أن يحبس ويسجن، قال ابن رجب: «ويقال إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نوراً يهتدون به إلى الحق» (١). وهذا مصداق ما ذكره ابن القيم ﵀ عنه حيث قال: «وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم» (٢).
الموقف الثاني: عاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (٣) واسترد الملك الذي انتزع منه، والشيخ منفي بالإسكندرية بأمر الدولة وإنما أرادوا أَنْ يسيّروه إِلى الإِسكندرية كهيئة المنفيّ، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيلة فيستريحوا
стр. 56
منه، قال الشيخ علم الدين البرزالي (١): «ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الإسكندرية معززا مكرماً مبجلاً، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر، وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وجماعة كثيرة من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال أنا قد حاللت كل من آذاني» (٢).
الموقف الثالث: من أعظم ما يبين هذا الخلق العظيم الذي كان يتحلى به الشيخ ﵀ موقفه العظيم مع القضاة الذين آذوه وحاربوه بشتى الوسائل ومختلف السبل، وانتهزوا فرصة غياب الناصر بن قلاوون فألّبوا وحرضوا عليه الأمراء، ونشروا حوله الأكاذيب والافتراءات، وسجن بسببهم المرات العديدة، وأبعد عن أهله ووطنه، وبيته ومسكنه، ثم لما تمكن الناصر بن قلاوون وعاد لكرسيه ومنصبه، وأصبحت الكفة لشيخ الإسلام وتمكن من الإيقاع بهم لو أراد، وخيره السلطان في ذلك، وحرضه على الفتيا بقتلهم أو تعزيرهم، أبى ﵀ إلا العفو عنهم والصفح قال الشيخ علم الدين البرازلي: «وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت
стр. 57
أيضاً، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحداً منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مراراً. فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم وصفح. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا» (١). وقال ابن عبد الهادي: «فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: (ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكناً في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا» (٢).
وانظر إلى شهامته ومروءة نفسه وصفاء سريرته في قوله بعد الفتنة التي كانت بينه وبين القاضي ابن مخلوف المالكي، وبعد كل ما صنعه فيه: «وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين» (٣).
الموقف الرابع: موقفه عندما قام جماعة من مقلدة أهل البدع بضربه وإيذائه في الجامع، قال ابن عبد الهادي ﵀: «فلما كان في رابع شهر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة جاء رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له: إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه.
стр. 58
فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان بعض أصحاب الشيخ جالسًا عند شرف الدين قال: فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالاً وفرسانًا يسألون عن الشيخ؟ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس. وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا!
فقال لهم الشيخ: لأي شيء؟
قال: لأجلك.
فقال لهم: هذا ما يحق.
فقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس.
فقال لهم: هذا ما يحل.
قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك يحل؟! هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا.
والشيخ ينهاهم ويزجرهم. فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء.
قالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟!
قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه!!
قالوا: فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟! فإذا كنت تقول إنهم مأجورين فاسمع منهم ووافقهم على قولهم!
فقال لهم: ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ففعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطئ له أجر» (١).
стр. 59
الموقف الخامس: قال ابن القيم ﵀ في الدرجة الثانية من درجات الفتوة (١): «الدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك. وتكرم من يؤذيك. وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كظمًا، ومودة لا مصابرة … وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: (وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه)، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه» (٢).
الموقف الخامس: واستمرت هذه السجية ملازمة لشيخ الإسلام حتى حَضرهُ الموت وهو مسجون مظلوم في سجن القلعة قد مُنع عنه كل شيء حتى الدواة والقلم، وفي تلك اللحظات جاءه شمس الدين الوزير بدمشق إذ ذاك، فاستأذن في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحله مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ ﵁: «بأني قد أحللتك وجميع من عاداني، وهو لا يعلم أني على الحق، وقال -ما معناه-: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي؛ لكونه فعل ذلك مقلداً غيره، معذوراً، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما
стр. 60
بَلغهُ مما ظنهُ حقاً من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه، وقد أحللت كل واحد مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدواً لله ورسوله» (١).
وأختم بما ذكره ﵀ في رسالة عظيمة أرسلها لبعضهم من مصر إلى دمشق وقد أوذي في الله أيما إيذاء، كان مما قال فيها: «فلا أحب أن يُنتصر من أحدٍ بسببِ كذِبهِ علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي، وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم» (٢).
سابعاً: صبره وانشراح صدره:
ذكر أهل العلم أن للصبر على المحن والمصائب والابتلاءات درجات ومقامات، وأعظمها مقام الحمد والشكر على البلاء، وعندما نتحدث عن صبر شيخ الإسلام فإننا لا نتحدث عن حبسه لنفسه عن السخط وحسب، فقد فاق شيخ الإسلام هذا المقام بمراحل، فكان مع صبره على البلاء راضيًا بالقضاء وحامدًا شاكرًا في الشدة والرخاء ممتنًا لله عارفًا بفضله ونعمته ذاكرًا له على كل حال، قال ابن القيم ﵀: «سمعت شيخنا شيخ الإِسلام ابن تَيْمِيَّة قدس الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إِنَّ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أَنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أَنا حبسي خَلْوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة - أَو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير - ونحو هذا …
стр. 61
وقال مرة: المحبوس من حُبِس قلبُه عن ربِّه، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل إِلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إِليه، وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد:١٣].
قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كَانَ فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب النَّاس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.
وكنا إِذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إِلاَّ أَن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه! وفتح لهم أبوابها في دار العمل! فأتاهم من رَوحها ونسميها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إِليها اهـ» (١).
وهذه الأمور كلها هي التي جعلت أعداءه يحارون فيه، ولا يزدادون منه إلا غيضا وعليه إلا حسداً، ومن ذلك أنه لما كان محبوسا في سجن القاهرة وقد أيس الواشون به من إرجاعه عن معتقده أو إسكاته عن كشف ضلالهم، وأصابهم من ذلك هم وضيق وحيرة، قاموا بإرسال بعض المشايخ التدامرة إليه، وقالوا له: «قد اجتمعنا بهؤلاء القائمين عليك، وقالوا قد بُلشنا به، والناس تلعننا بسببه، وقد قلنا: إنا قد أخذناه بحكم الشرع في الظاهر، فليبصر شيئًا لا يكون علينا ولا عليه فيه رد فيكتبه لنا ونتفق نحن وهو عليه»، فلما قالوا له ذلك قال لهم: «أنا منشرح الصدر، وما عندي قَلَق، وهم برّا الحبس فَلِمَ يقلقون؟» (٢).
وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك، أو نفيك، أو حبسك، فقال لهم: «أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي
стр. 62
معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت تقلبت على صوف، فيئسوا منه وانصرفوا» (١).
ولما يئسوا منه وقرروا إخراجه من سجن القاهرة ليُنفى ويسجن في الاسكندرية، قال خادم الشيخ إبراهيم بن أحمد الغياني (٢) ﵀: «فوقفت أبكي، فقال الشيخ: «لا تبك، ما بقيت هذه المحنة تُبطئ»، ثم صار يقرأ القرآن، فلما صلوا المغرب بقي يدعو بدعاء الكرب، وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، كأن وجهه شمع يجلوه مثل العروس، وفي ظلمة الليل جاء نائب الوالي فقال: «باسم الله، فبقي المحبوسون يودّعونه ويبكون ويدعون عليهم بدعاء مختلف، أقله أن يسلبهم الله نعمته، وركب على باب الحبس، فقال له إنسان: «يا سيدي هذا مقام الصبر»، فقال له: «بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قُسِّم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها» (٣).
ثامناً: شجاعته:
كان ﵀ شجاعاً ثابت الجأش قوالاً بالحق، آمراً بالمعروف ناهيا عن المنكر. لا يخشى في الله لومة لائم ولا عذل عاذل، وسر ذلك كله ما اجتمع في قلبه من تعظيم الله وتبجيله وإجلاله، وما مُلئ به فؤاده من اليقين بالله والثقة به، وتجد أثر ذلك واضحاً في أقواله وتقريراته ومن ذلك قوله ﵀: «ولن يخاف الرجل من غير الله إلا لمرض في قلبه» (٤).
وقد كان تعلقه بالله كبيرا، وتوكله عليه توكلاً عظيما، فليس لأحد من الخلق عليه منه، ولا فضل ولا نعمة فيخاف من ذهابها، ويخشى من زوالها، وقد
стр. 63
صرح ﵀ بذلك فقال: «وليس لي ما أخاف الناسَ عليه: لا مدرسة، ولا إقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء» (١).
يغار على الْإِسْلَام من كل بِدعَة … وَمَا زَالَ مِنْهَا هادما كل بُنيان
وَفِي الله لم تَأْخُذهُ لومة لائم … وَلم يخْش مخلوقا من الْإِنْس والجان (٢)
وقد وصف غير واحد ممن عاصره وترجم له شجاعته وإقدامه ومن ذلك قول الذهبي ﵀: «وأما شجاعته وجهاده وإقدامه فأمر يتجاوز الوصف ويفوق النعت» (٣)، وقال ﵀: «وإليه كان المنتهى في فرط الشجاعة» (٤)، وقال ابن الوردي (٥) ﵀: «بشجاعته تضرب الأمثال وببعضها يتشبه أكابر الأبطال» (٦)، وقال عنه أيضاً: «أطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياماً لا مزيد عليه بدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدى إليه اجتهاده، وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال، وجرى بينه وبينهم حملات حربية ووقعات شامية ومصرية» (٧).
ومن المواقف المشهودة في ذلك موقفه في صد هجمة التتار عندما انزعج الناس وطاشت عقولهم وفر منهم من فر وجزع منهم من جزع، وشيخ الإسلام
стр. 64
على ثبات عظيم يحث الناس على القتال ويحضهم عليه، ويثبت العسكر والأمراء على القتال ويقوي جأشهم ويرفع من عزيمتهم، وذهب إلى السلطان في بلاد مصر فاجتمع به وبالوزير وأعيان الدولة وحرضهم على القتال وحثهم عليه، بل وجزم لهم بالنصر حتى جرَّدت العساكر إلى الشام لحمايته من بطش التتار، وشهد القتال بنفسه وأظهر فيه من الشجاعة أمرًا عجباً، ومن البسالة شيئا مذهلا (١)، قال ابن عبد الهادي ﵀: «ولقد أخبرني حاجب من الحجاب الشاميين أمير من أمرائهم ذو دين متين وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمَرْجُ الصُّفَّر (٢) وقد تراءى الجمعان: يا فلان أوقفني موقف الموت قال فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم.
ثم قلت له: يا سيدي هذا موقف الموت وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة فدونك وما تريد.
قال فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلا ثم انبعث وأقدم على القتال وأما أنا فخُيل إلي أنه دعا عليهم وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة
قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر وانحاز التتار إلى جبل صغير عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين تلك الساعة وكان آخر النهار
قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضا على القتال وتخويفا للناس من الفرار.
فقلت يا سيدي: لك البشارة بالنصر فإنه قد فتح الله ونصر وهاهم التتار
стр. 65
محصورون بهذا السفح، وفي غد إن شاء الله تعالى يؤخذون عن آخرهم.
قال فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ودعا لي في ذلك الموطن دعاء وجدت بركته في ذلك الوقت وبعده» (١).
ومن مواقفه في ذلك موقفه العظيم مع سلطان التتر السلطان محمود غازان (٢)، قال العلامة أحمد بن يحيى العمري: «ولما قدم غازان دمشق خرج إليه ابن تيمية في جماعة من صلحاء الدماشقة، منهم القدوة الشيخ محمد بن قوام، فلما دخلوا على غازان كان مما قال ابن تيمية للترجمان: قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ مؤذنون على ما بلغنا، فغزوتنا، وأبوك وجدّك هولاكو كانا كافرين وما عملاً الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجرت له مع غازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب، قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله» (٣).
وقال القاضي شهاب الدين أحمد بن يحيى العمري: «جلس الشيخ إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب دواخل أجسامها، وتجد النار فتوراً في ضرمها، والسيوف فرقاً في قرمها، خوفاً من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه» (٤).
стр. 66
ومن شجاعته في قول الحق ولو في وجه السلاطين والأمراء ما حكاه البزار ﵀ من موقفه مع الملك الناصر بن قلاوون، حيث قال: «أخبرني من لا اتهمه أن الشيخ ﵁ حين وُشي به إلى السلطان المعظم الملك الناصر محمد، أحضره بين يديه، قال: فكان من جملة كلامه: إنني أُخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك؟
فلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عالٍ سمعه كثير ممن حضر: (أنا أفعل ذلك، والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين)، فتبسم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة، إنك والله لصادق، وإن الذي وشيء بك إليَّ كاذب، واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه في حقه من الأقاويل الزور والبهتان؛ ممن ظاهر حاله للطغام العدالة وباطنه مشحون بالفسق والجهالة» (١).
تاسعاً: تواضعه:
ومع تلك المكانة الرفيعة التي نالها شيخ الإسلام، والتي دان له بها العلماء والأمراء إلا أنه ﵀ كان غاية في التواضع ولين الجانب، والبعد عن الفخر والاعتداد بالنفس، قال الحافظ أبو حفص البزار ﵀: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك» (٢)، ويقول العلامة ابن القيم ﵀: «ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: (ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء)، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكدّي وابن المكدّي (٣) … وهكذا كان أبي وجدّي
стр. 67
وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: (والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً)، وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
أنا الفقير إلى رب البريات … أنا المسيكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضراتِ» (١)
الثناء عليه:
كان من البساطة بمكان نقل ثناء أهل العلم على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وذلك أنه لا تخلو ترجمة من تراجمه على ما لا يحصى من أنواع التعظيم والمدح والثناء العاطر والذكر الحسن والجميل، وقد تفنن المترجمون له في ذكر صفاته الحميدة وأخلاقه العظيمة وعلمه الجم، حتى أن الناقل للثناء عليه ليتحير فيما ينقل وعمن ينقل؟! ولكن مع هذا كله كان مما لفت نظري وشد انتباهي عبارة عظيمة وُصِفَ بها شيخ الإسلام ولطالما تكررت أثناء ترجمته بنحو لم يعهد في ترجمة أحد غيره، وهي قول كثير ممن عاصره أو ترجم له: إنه لم يُرَّ مِثلُهُ، أو لم نرَّ مثلهُ، أو نحوها من العبارات التي تتضمن المدلول نفسه، وهذه العبارة على قلة كلماتها إلا أنها تُعتبر الغاية في الثناء، والمنتهى في المدح والإطراء، وهي الكلمة التي يقف عندها العاجز عن وصف ما شاهده، فإن الواقف على مكان جميل أو منظر خلاب إذا عجز عن وصف ذلك ورأى أنه مهما عبر للناس عن جماله وحسنه لم يؤد حقه، فإنه يلجأ إلى هذه الكلمة فيقول لم أر مثله قط، وكأنه يختصر المسافة أمام السامع فيقول له: تذكر أجمل مكان رأيته في حياتك فهذا أفضل منه وأجمل، فليس له نظير ولا مثيل ولا شبيه، وكذلك كان شيخ الإسلام ﵀ فريد وقته وأوحد عصره
стр. 68
ولذلك رأى كثير من مترجميه أنهم مهما وصفوه به من العلم والكرم والجود والزهد والتواضع والشجاعة وغيرها من الصفات، فإن هذا لن يوفيه حقه، فوصفوه بأنه لم يُرَّ مثله قط، وذلك لكي لا يتوهم السامع أن ما وصفوه به من الصفات هي كصفات غيره، فإن المتصفون بهذه الصفات كُثر، ولكن كان شيخ الإسلام أكثرهم علمًا وأعظمهم خُلقًا وأجلهم قدرًا، فليس في أحد منهم مساو له ولا نظير، ولهذه كله فإنني سأقتصر في ذكر ثناء الناس عليه، بذكر من وصفه بهذه العبارة أو بمعنى يقاربها، وهم أكثر من ثلاثين رجلاً منهم الموافق والمخالف، والملك والوزير، والمؤرخ والعالم، وقد رأيت أن أرتبهم حسب الوفاة وهم كالتالي:
١) سلطان التتر السلطان محمود غازان (٧٠٣ هـ): حيث قال واصفاً شيخ الإسلام ﵀: «إني لم أر مثله ولا أثبت قلباً منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أَعظمُ انقيادًا مني لأحدٍ منهُ» (١).
٢) الشيخ عماد الدين الواسطي المعروف بابن شيخ الحزامين (٢) (٧١١ هـ)، قال ﵀: «واللهِ ثمَّ واللهِ ثمَّ واللهِ لم أَرَ تحت أديم السَّماء مِثْلَه؛ عِلْمًا وعملاً وحالاً وخُلُقًا وكرمًا وحِلْمًا في حقِّ نَفْسه، وقيامًا في حَقِّ الله عند انتهاك حرماته» (٣)، وقال أيضاً: «ما رأينا في عصرنا هذا من تُستجلى النبوةُ المحمديةُ وسنتُها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل» (٤).
٣) نائب السلطنة جمال الدين بن الأفرم (٥) ﵀ (٧١٦ هـ):
стр. 69
قال ابن كثير (١) ﵀: «وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أُخْبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشَّيخ تقي الدين من الحبس الَّذي يُقال له: الجبّ. فأرسل في طلبه، فجيء به، فقرئ على الناس. فجعل يشكر الشَّيخ ويُثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزُهده. وقال: ما رأيتُ مثله» (٢). وقال ابن رجب ﵀: «ثمَّ في آخر هذه السنة وصل كتاب إِلى نائب السلطنة بدمشق من الشَّيخ، فأخبر بذلك جماعة ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه، وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه» (٣).
٤) قاضي المالكية ابن مخلوف (٧١٨ هـ): قال: «ما رأينا مثل ابن تَيْمِيَّة حرَّضْنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا» (٤).
٥) نجم الدين إسحاق بن أبي بكر ابن ألمي التركي (٥) (بعد ٧٢٠ هـ): قال ﵀:
стр. 70
وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعلم والزهد مُشبِهٌ … سوى الْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن الْمسيب
وَمن رام حبرًا غَيره الْيَوْم فِي الورى … فَذَاك الَّذِي قد رام عنقاء مغرب (١)
٦) شيخ الشافعية كمال الدين ابن الزَّمْلَكاني (٧٢٧ هـ): قال ابن رجب ﵀: «وبلغني من طريق صحيح عن ابن الزَّمْلَكاني: أَنَّه سئل عن الشَّيخ فقال: لم ير من خمسمائة سنة، أَو أربعمائة سنة -الشك من الناقل، وغالب ظنه: أَنَّه قال: من خمسمائة سنة- أحفظ منه» (٢).
٧) قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الحريري الحنفي (٣) ﵀ (٧٢٨ هـ): قال العلامة شهاب الدين أحمد بن عبدالوهَّاب النُّوَيري (٤): «كان ممن تعصب لتقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة بالشام قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الحريري الحنفي، وأثبتَ محضرًا له مما هو عليه من الخير، وكتبَ في أعلاه بخطه ثلاثة عشر سطرًا يقول في جملتها: (إنه منذ ثلاث مئة سنة ما رأى الناس مثله)، وأراني قاضي القضاة زين الدين المالكي هذا المحضر» (٥).
٨) الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عبد الكريم التبريزي (٦) (٧٣٠ هـ): قال ﵀:
стр. 71
يا ثُلمةً ثُلِمَت في الدين واتسعت … ولستِ حتى اللقا والحشرِ تلتئمي
هيهات هل تسمح الدنيا بمثلِ فتى … تيميةٍ أو يُرى في عالمِ الحُلمِ (١)
٩) الشيخ محمود بن علي الدقوقي البغدادي المحدث (٢) (٧٣٣ هـ): قال ﵀:
يَا وَاحِد الدُّنْيَا الَّذِي بِعُلُومِهِ … يمتاز فِي الْإِسْلَام كل موحد
يَا من يروم لَهُ عديلاً فِي الورى … قد رمت كالعنقاء مَا لم يُوجدِ (٣)
١٠) ابن سيد الناس اليعمري (٧٣٤ هـ): قال ﵀: «ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأَت عينه مثل نفسه» (٤).
١١) الشيخ مجير الدين الخياط الدمشقي (٥) (٧٣٥ هـ): قال ﵀ في قصيدة له في رثاء شيخ الإسلام:
مَا كَانَ إِلَّا خير أمة أَحْمد … فِي الْعَصْر لم تسمح بِهِ الْأَعْصَار (٦)
وقال واصفاً الشيخ في قصيدة أخرى:
كَانَ وِتراً فِي الْفضلِ فَذَّاً وكلُّ النَّـ … اس جَاءُوا بشَفْعِهم والتُّؤامِ
كَانَ سَمحاً بِمثلِهِ الدَّهْرِ ضنًّا … فِي ليَالِي الزَّمَان وَالْأَيَّامِ
يَا فقيد الْمِثَال علماً وحلماً … وَقَرِيب المرمى بعيد المرامِ (٧)
стр. 72
وله أيضاً في قصيدة أخرى:
مُطيعًا لرب الْعَرْش لم يعْص أمره … وَمِنْه لَهُ فِي الْعَصْر لم نر أطوعا
فَللَّه مَفْقُود فقدناه نَافِع … لنا مِنْهُ غير الله لم نر أنفعا (١)
١٢) الشيخ علاء الدين بن غانم المقدسي (٢) (٧٣٧ هـ): قال ﵀:
حَاز علماً مَا لَهُ من مسَاوٍ … فِيهِ من عَالم وَلَا من مسام
ولم يكن فِي الدُّنْيَا لَهُ من نَظِيرٍ … فِي البرايا فِي الْفضل وَالْأَحْكَام
كَانَ فِي علمه وحيدا فريدًا … لم ينالوا مَا نَالَ فِي الأحلام
عَالمٌ فِي زَمَانه فاق بالعلـ … م جَمِيع الْأَئِمَّة والأعلام
أوحدٌ فيه قد أُصيبَ البرايا … فيعزى فيه جميع الأنامِ
حسدوه إِذْ مَاله من نَظِير … من بني دهره الْكِبَار الْكِرَام (٣)
١٣) العلامة ركن الدين محمَّد بن القوبع (٤) ﵀ (٧٣٨ هـ): قال أحمد بن محمد الفيومي (٥) ﵀: «سمعت من لفظ الشَّيخ الإِمامة العلامة ركن الدين محمَّد بن القوبع قال: (مات ابن تَيْميَّة ولم يترك على ظهر الأَرض مثله)، وحسبك بهذا القول من هذا الإمام» (٦).
стр. 73
١٤) الشيخ صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (١) (٧٣٩ هـ): قال ﵀:
أَي حبر قد غيضته المنايا … فِي رجا حُفْرَة من الأرجاء
أعلم النَّاس كلهم بكتا … ب الله جلّ اسْمه بِغَيْر مراء
بمعانيه والعلوم الَّتِي فِيـ … هِ وأدرى بِالسنةِ الغراء (٢)
١٥) الحافظ المحدث أَبو الحَجَّاج المزي (٣) ﵀ (٧٤٢ هـ) كان يقول: «لم يُر مثله منذ أربعمائة سنة» (٤). ويقول أيضاً: «ما رأيتُ مِثْلَه، ولا أرىَّ هو مِثْلَ نَفْسِه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ولا أتبع لهما منه» (٥).
١٦) عبد الباقي بن عبدالمجيد اليماني (٦) (٧٤٣ هـ): قال ﵀: «أَجْمَعَ من شاهد معارفه، وتحقّق عوارفه: أَنّه نسيج وحده، وفريد وقته في علمه ومجده» (٧). وقال: «وعلى الجملة؛ لم يسمح الزمن له بمثيل» (٨).
١٧) العلامة الحافظ ابن عبد الهادي (٧٤٤ هـ): قال ﵀: «لم يُر أوسع من
стр. 74
نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مِثْلَ نفسه» (١).
١٨) شيخ النحاة أَبو حيَّان (٢) ﵀ (٧٤٥ هـ): قال العلامة القنوجي (٣) ﵀: «وحضر عنده -أي عند شيخ الإسلام- شيخ النحاة أَبو حيَّان وقال: ما رأيت عيناي مثله» (٤)، وقال فيه أبياتاً منها:
لمَّا رأينا تقيَّ الدين لاحَ لنا … داعِ إلى اللهِ فردٌ ماله وَزرُ (٥)
١٩) تقي الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان الجعبري (٦) (٧٤٥ هـ): قال ﵀:
يَا ابْن تَيْمِية وَيَا أوحد العصـ … ر وَيَا سيداً غَرِيب الدَّار
التقي النقي ذِي الْمجد والسـ … ود والمكرمات والإيثار
٢٠) الإمام الحافظ الذهبي ﵀ (٧٤٨ هـ): وقد تنوعت عباراته المؤكدة على أن شيخ الإسلام لم يُرَ مثله، فقد قال ﵀: «وهو أَكبر من أَن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أَني ما رأَيت بعيني مثله ولا رأَى هو مثل
стр. 75
نفسه في العلم» (١). وقال: «فوالله ما مَقَلتْ عيني مِثْلَه ولا رأى هو مِثْل نَفْسه» (٢)، وقال أيضاً: «ولم يخلف بعده مثله في العلم، ولا من يُقاربه» (٣)، وقال أيضاً: «ولم أرَ مثله في ابتهاله واستغاثته بالله تعالى، وكثرة توجهه» (٤)، وقال: «وما رأيت في العالم أكرم منه ولا أفرغ منه عن الدينار لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه» (٥)، وقال: «هو في زمانه فريد عصره علماً وزهداً وشجاعةً وسخاءً، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، وكثرة تصانيف» (٦). وقال ﵀: «فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقاربه» (٧). وله عبارات كثيرة أخرى تدل على ذلك (٨).
٢١) سراج الدين أبو حفص البزار ﵀ (٧٤٩ هـ): قال ﵀: «ولقد اتفق كل من رآه خصوصاً من أطال ملازمته أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا حتى لقد صار ذلك مشهوراً، بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ من كان أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا واحرصهم على طلب الاخرة لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه» (٩)، وقال أيضاً: «ما رأيت أحداً أثبت جأشا منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه؛ كان يجاهد في سبيل الله