← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يا ثُلمةً ثُلِمَت في الدين واتسعت … ولستِ حتى اللقا والحشرِ تلتئمي هيهات هل تسمح الدنيا بمثلِ فتى … تيميةٍ أو يُرى في عالمِ الحُلمِ (١) ٩) الشيخ محمود بن علي الدقوقي البغدادي المحدث (٢) (٧٣٣ هـ): قال ﵀: يَا وَاحِد الدُّنْيَا الَّذِي بِعُلُومِهِ … يمتاز فِي الْإِسْلَام كل موحد يَا من يروم لَهُ عديلاً فِي الورى … قد رمت كالعنقاء مَا لم يُوجدِ (٣) ١٠) ابن سيد الناس اليعمري (٧٣٤ هـ): قال ﵀: «ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأَت عينه مثل نفسه» (٤). ١١) الشيخ مجير الدين الخياط الدمشقي (٥) (٧٣٥ هـ): قال ﵀ في قصيدة له في رثاء شيخ الإسلام: مَا كَانَ إِلَّا خير أمة أَحْمد … فِي الْعَصْر لم تسمح بِهِ الْأَعْصَار (٦) وقال واصفاً الشيخ في قصيدة أخرى: كَانَ وِتراً فِي الْفضلِ فَذَّاً وكلُّ النَّـ … اس جَاءُوا بشَفْعِهم والتُّؤامِ كَانَ سَمحاً بِمثلِهِ الدَّهْرِ ضنًّا … فِي ليَالِي الزَّمَان وَالْأَيَّامِ يَا فقيد الْمِثَال علماً وحلماً … وَقَرِيب المرمى بعيد المرامِ (٧)

стр. 72

وله أيضاً في قصيدة أخرى: مُطيعًا لرب الْعَرْش لم يعْص أمره … وَمِنْه لَهُ فِي الْعَصْر لم نر أطوعا فَللَّه مَفْقُود فقدناه نَافِع … لنا مِنْهُ غير الله لم نر أنفعا (١) ١٢) الشيخ علاء الدين بن غانم المقدسي (٢) (٧٣٧ هـ): قال ﵀: حَاز علماً مَا لَهُ من مسَاوٍ … فِيهِ من عَالم وَلَا من مسام ولم يكن فِي الدُّنْيَا لَهُ من نَظِيرٍ … فِي البرايا فِي الْفضل وَالْأَحْكَام كَانَ فِي علمه وحيدا فريدًا … لم ينالوا مَا نَالَ فِي الأحلام عَالمٌ فِي زَمَانه فاق بالعلـ … م جَمِيع الْأَئِمَّة والأعلام أوحدٌ فيه قد أُصيبَ البرايا … فيعزى فيه جميع الأنامِ حسدوه إِذْ مَاله من نَظِير … من بني دهره الْكِبَار الْكِرَام (٣) ١٣) العلامة ركن الدين محمَّد بن القوبع (٤) ﵀ (٧٣٨ هـ): قال أحمد بن محمد الفيومي (٥) ﵀: «سمعت من لفظ الشَّيخ الإِمامة العلامة ركن الدين محمَّد بن القوبع قال: (مات ابن تَيْميَّة ولم يترك على ظهر الأَرض مثله)، وحسبك بهذا القول من هذا الإمام» (٦).

стр. 73

١٤) الشيخ صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (١) (٧٣٩ هـ): قال ﵀: أَي حبر قد غيضته المنايا … فِي رجا حُفْرَة من الأرجاء أعلم النَّاس كلهم بكتا … ب الله جلّ اسْمه بِغَيْر مراء بمعانيه والعلوم الَّتِي فِيـ … هِ وأدرى بِالسنةِ الغراء (٢) ١٥) الحافظ المحدث أَبو الحَجَّاج المزي (٣) ﵀ (٧٤٢ هـ) كان يقول: «لم يُر مثله منذ أربعمائة سنة» (٤). ويقول أيضاً: «ما رأيتُ مِثْلَه، ولا أرىَّ هو مِثْلَ نَفْسِه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ولا أتبع لهما منه» (٥). ١٦) عبد الباقي بن عبدالمجيد اليماني (٦) (٧٤٣ هـ): قال ﵀: «أَجْمَعَ من شاهد معارفه، وتحقّق عوارفه: أَنّه نسيج وحده، وفريد وقته في علمه ومجده» (٧). وقال: «وعلى الجملة؛ لم يسمح الزمن له بمثيل» (٨). ١٧) العلامة الحافظ ابن عبد الهادي (٧٤٤ هـ): قال ﵀: «لم يُر أوسع من

стр. 74

نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مِثْلَ نفسه» (١). ١٨) شيخ النحاة أَبو حيَّان (٢) ﵀ (٧٤٥ هـ): قال العلامة القنوجي (٣) ﵀: «وحضر عنده -أي عند شيخ الإسلام- شيخ النحاة أَبو حيَّان وقال: ما رأيت عيناي مثله» (٤)، وقال فيه أبياتاً منها: لمَّا رأينا تقيَّ الدين لاحَ لنا … داعِ إلى اللهِ فردٌ ماله وَزرُ (٥) ١٩) تقي الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان الجعبري (٦) (٧٤٥ هـ): قال ﵀: يَا ابْن تَيْمِية وَيَا أوحد العصـ … ر وَيَا سيداً غَرِيب الدَّار التقي النقي ذِي الْمجد والسـ … ود والمكرمات والإيثار ٢٠) الإمام الحافظ الذهبي ﵀ (٧٤٨ هـ): وقد تنوعت عباراته المؤكدة على أن شيخ الإسلام لم يُرَ مثله، فقد قال ﵀: «وهو أَكبر من أَن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أَني ما رأَيت بعيني مثله ولا رأَى هو مثل

стр. 75

نفسه في العلم» (١). وقال: «فوالله ما مَقَلتْ عيني مِثْلَه ولا رأى هو مِثْل نَفْسه» (٢)، وقال أيضاً: «ولم يخلف بعده مثله في العلم، ولا من يُقاربه» (٣)، وقال أيضاً: «ولم أرَ مثله في ابتهاله واستغاثته بالله تعالى، وكثرة توجهه» (٤)، وقال: «وما رأيت في العالم أكرم منه ولا أفرغ منه عن الدينار لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه» (٥)، وقال: «هو في زمانه فريد عصره علماً وزهداً وشجاعةً وسخاءً، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، وكثرة تصانيف» (٦). وقال ﵀: «فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقاربه» (٧). وله عبارات كثيرة أخرى تدل على ذلك (٨). ٢١) سراج الدين أبو حفص البزار ﵀ (٧٤٩ هـ): قال ﵀: «ولقد اتفق كل من رآه خصوصاً من أطال ملازمته أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا حتى لقد صار ذلك مشهوراً، بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ من كان أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا واحرصهم على طلب الاخرة لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه» (٩)، وقال أيضاً: «ما رأيت أحداً أثبت جأشا منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه؛ كان يجاهد في سبيل الله

стр. 76

بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لؤمة لائم» (١)، وقال: «ولا والله ما رأيت أحدا أشد تعظيما لرسول الله ﷺ ولا أحرص على أتباعه ونصر ما جاء به منه» (٢). وقال ﵀: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك» (٣). ٢٢) العلامة ابن الوردي ﵀ (٧٤٩ هـ): قال ﵀ في رثائه للشيخ ﵀: تقي الدِّين أَحمد خيرُ حبرٍ … خُروق المعضلات به تُخاطُ (٤) وقال: قضى نحبًا وليس له قرينٌ … ولا لنظيره لُفَّ القِماط فتًى في علمه أَضحى فريدًا … وحلُّ المشكلات به يُناط (٥) ٢٣) العلامة أحمد بن يحيى ابن فضل الله العمري (٧٤٩) هـ قال ﵀: «كان أمةً وحده، وفردا حتى نزل لحده» (٦). وقال في رثائه لشيخ الإسلام: ولم يكن مثله بعد الصحابة في … علم عظيمٍ وزهدٍ ما له خطرُ (٧) وقال: يا ليت شعريَ هل في الحاسدين له … نظيره في جميع القوم إن ذُكِروا (٨) وقال: لِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مثل … تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ (٩)

стр. 77

٢٤) الشيخ زين الدين عمر بن الحُسام الشبلي (١) (٧٤٩ هـ): قال في رثاء الشيخ: لَو كَانَ يقنعني عَلَيْك بُكَائِي … لجرت سوابق عبرتي بدماء أَتَرَى علمت وَأَنت أفضل عَالم … مَا عندنَا من لوعة وبلاء بِأبي وحيداً مَاتَ مُنْفَرداً عَن ال … أحباب كَانَ بَقِيَّة الصلحاء بَحر الْعُلُوم حوى الْفَضَائِل كلهَا … وسما سمو كواكب الجوزاء متفرداً فِي كل علم دونه … لعلو رتبته ذرى العلياء (٢) ٢٥) الإمام سعد الدين أبو محمد سعد الله بن بُخيخ (٣) (٧٤٩ هـ): قال ﵀: يَا عَالما جلّ عَن ضد يضاهيه … وفَاق أقرانه فِيمَا يعانيه يَا ذَا الْفَضَائِل يَا زين الأماثل يَا … مُردي المُماثل يَا مُوهي مُناويه (٤) ٢٦) الإمام شمس الدين ابن القيم ﵀ (٧٥١ هـ): قال ابن رجب: «قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كَانَ فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب النَّاس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه» (٥). ٢٧) العلامة الصفدي ﵀ (٧٦٤ هـ): قال ﵀ «وكان إذا تكلم أغمض عينيه وازدحمت العبارة على لسانه فرأيت العجب العجيب، والحبر الذي ما له

стр. 78

مشاكل في فنونه ولا ضريب» (١)، وقال أيضاً: «وعلى الجملة؛ فما رأيت ولا أرى مثله في اطّلاعه وحافظته» (٢)، وقال: «وعلى الجملة فكان الشيخ تقيُّ الدين ابن تيميَّة أحد الثلاثة الذين عاصرتُهم ولم يكن في الزمان مثلُهم، بل ولا قبلَهم من مئةِ سنة، وهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، وقلت في ذلك: ثلاثةٌ ليس لهمْ رابعٌ … فلا تكنْ مِن ذاكَ فِي شَكِّ وكلُّهمْ مُنتسبٌ للتُّقَى … يَقْصُرُ عَنْهُم وَصْفُ مَنْ يَحْكِيْ فإنْ تَشَأْ قُلت: ابن تيميَّةٍ … وابن دقيقِ العيدِ والسُّبْكيْ (٣) ٢٨) الملك الأفضل عباس بن علي بن داود بن رسول (٤) (٧٧٨ هـ): قال ﵀: «لم يُر في حياته إلا كاتبًا أو ذاكرًا أو متوجهًا أو ناشرًا للعلم أو مُتكلِّمًا بفائدة، قليل النوم، مُكِبًّا على العلم مُذْ نَشَأ، قليل الأكل، لم يتزوج قط ولا تسرَّى، ولم يكمل أحدٌ من العالم كما كَمُل: هيهاتَ لا يأْتي الزَّمانُ بمثلِه … إنَّ الزَّمانَ بِمِثْلِه لَعَدِيْمُ» (٥) ٢٩) الشيخ الفقيه أمين الدين عبد الوهاب بن سلار الشافعي (٦) (٧٨٢ هـ): قال ﵀:

стр. 79

قد رزئنا إِمَام علم وَدين … عَدِمَ الْمثل فِي الزَّمَان فريد (١) ٣٠) الشيخ قاسم بن عبد الرحمن بن نصير المقرئ (٢): قال ﵀ في قصيدة له يرثي بها الشيخ: عظُمَ الْمُصَاب وزادت الأفكار … وَجَرت بِحكم فراقك الأقدار يَا واحداً فِي حلمه وعلومه … خلت الْبِقَاع وَقلت النصار حبر لَبِيب أوحد فِي عصرنا … سل مَا تشا لَهُ بِهِ أَخْبَار مَا كَانَ إِلَّا خير أمة أَحْمد … شخصت لعظم مصابه الْأَبْصَار (٣) ٣١) جمال الدين محمود بن الأثير الحلبي (٤): قال ﵀: ابْن تَيْمِية يتيمة دهرٍ … مَا لَهُ من مساوم ومسامي أوحد فِي الْعُلُوم وَالْفضل والزهد … لَا يرأي فِي مِلَّة الْإِسْلَام فاق بِالْعلمِ والفضائل بالخلق … فأضحى إِمَام كل إِمَام أوحد الْخلق فِي التفاسير طرا … وَالْأَحَادِيث والعلوم التَّمام (٥) ٣٢) بدر الدين محمد بن عز الدين المغيثي (٦): قال في رثاء شيخ الإسلام: لِتقيِّ دينِ الله وصفٌ باهرٌ … وخصائصٌ خَضَعت لَهَا الأفهامُ

стр. 80

بَحرُ الْعُلُوم وكنز كلِّ فَضِيلَةٍ … فِي الدَّهْر فَردٌ فِي الزَّمَان إِمَامُ وأناله رب السَّمَوَات الْعلَا … فِي الْعلم سبقا مَا إِلَيْهِ مرام فاق الْقُرُون سوى الثَّلَاث فإنها … خير الْقُرُون يزينهن تَمام وَسوى ابْن حَنْبَل إِنَّه علم الْهدى … حبر إِمَام صابر قوام لَكِن أَحْمد مثل أَحْمد قد حوى … علما وزُهداً فِي الْعُلُوم تُؤامُ (١) ٣٣) الشيخ عبد الله بن خصر الرومي الدمشقي الحريري (٢): قال ﵀: أَلا يَا تَقِيّ الدّين يَا فَرد عصره … بروقك قد لاحت كشمس مضيئة (٣) وله أيضاً في قصيدة أخرى: فِي علمه مَا علمنَا من يُنَاسِبه … إِلَّا أئمتنا أهل العنايات فِي زهده مَا سمعنَا من يشاكله … إِلَّا رجال مضوا أهل الكرامات فِي جوده مَا وجدنَا من يماثله … غير البرامك كَانُوا فِي سعادات يجود وَهُوَ فَقير إِن ذَا عجب … هُوَ الَّذِي مَا سمعنَا فِي الحكايات أعجوبة الدَّهْر فَرد فِي فضائله … عَلامَة الْوَقْت فِي الْمَاضِي وَفِي الْآتِي (٤) ٣٤) بدر الدين حسن بن محمد النحوي المارداني (٥): قال ﵀: تفردت فِي علم وزهد وفطنة … فضلت بهَا فِي الْفضل بَين الورى ذكرا فأقسم بِالْقُرْآنِ فِي الْعَصْر صَادِقا … بأنك قد شرفت من دهرك العصرا (٦) ٣٥) الشَّيْخ شمس الدّين الْحَنْبَلِيّ (٧)، قال ﵀:

стр. 81

قد كَانَ كَالشَّمْسِ للدنيا إِذا طلعت … وَالْيَوْم لَا عوض عَنهُ وَلَا بدلُ لله در أبي الْعَبَّاس من رجل … مَا إِن يرى فِي البرايا مثله رجلُ قد كنت أعجوبة فِي الدَّهْر مدهشة … وَكَانَ درسك فِيهِ الْعقل ينذهلُ (١) عاشراً: كثرة تآليفه وتصنيفاته: لقد كان شيخ الإسلام أُعجوبة في الكتابة والتصنيف، والإفتاء والتأليف، فرسائله لا تحصى، والقواعد والأجوبة لا تكاد تستقصى، كما نصَّ على ذلك كبار تلامذته ﵀، مع براعة في التدوين، وجمعٍ للدلائل والبراهين منقطع النظير، قال العلامة ابن عبد الهادي: «وله من المؤلفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحداً من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك» (٢). وقال الذهبي: «وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر» (٣). وقال البزار: «وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد؛ لأنها كثيرة جدًا كبارًا وصغارًا وهي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه» (٤). وقد سرد جملة منها تلميذه أبو عبدالله ابن رشيق في رسالة سماها: (أسماء مؤلفات شيخ الإسلام)، قال في مطلعها: «أما بعد فإن جماعة من محبي السنة والعلم سألني أن أذكر له ما ألَّفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ، أوحد زمانه، فريد العصر: تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵁؛ فذكرت لهم إني أعجز عن

стр. 82

حصرها وتَعْدادها» (١). وممن استطرد في تعداد مصنفات هذا الإمام -ولم يحصها- العلامة ابن عبد الهادي ﵀ في العقود الدرية، وكذا ابن رشيق ﵀ في رسالة لطيفة له (٢) وغيرهم كثير. وفاته: لكل شيء إذا ما تم نقصانُ … فلا يطيب بطول العيش إنسان (٣) هكذا بعد حياة عامرة بالخير والدعوة والعلم والتعليم، جاء الأجل المحتوم، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فتوفي مسجوناً مظلوماً في قلعة دمشق في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وقد كانت جنازته مشهودة؛ ضاقت بها الطريق، وانتابها الناس من كل فج عميق، وقد صور لنا شمس الدين الجزري (٤) ﵀ شيئاً من وصف تلك الجنازة المهيبة فقال ﵀: «وصلى عليه جميع من في قلعة دمشق، ثم حمل وأخرج منها إلى جامع دمشق، ووضعت الجنازة أول الخامسة، وقد امتلأ الجامع بالناس، وغلقت جميع أسواق دمشق ولم يبق حانوت مفتوح، إلا أن يكون نصرانيا، لأن اليهود كانوا في عيد المظلة، وأما دكاكين المراوزة والحريريين والقزازين وجميع أرباب الأنوال والحاكة والصناع، وجميع أرباب الصنائع، وسكان الأحكار ظاهر دمشق، وأهل الصالحية بأجمعهم حضروا إلى الجامع المعمور لأجل الصلاة عليه، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، لأن أهل الصالحية من أهل الأحكار يصلون

стр. 83

يوم الجمعة في جوامعهم، وفي هذا اليوم حضروا إلى الجامع بأجمعهم، ولعل من لا له عادة بالصلاة حضر لأجل الصلاة عليه، وصلى عليه قاضي القضاة الشيخ علاء الدين القونوي الشافعي (١) عقيب صلاة الظهر بالجامع، ثم حضروا الأمراء والحجاب والنقباء بالعصي والدبابيس حول نعشه، وحملوه الترك من الأمراء والمقدمين على رؤوسهم تبركا به (٢)، والأجناد يضربون الناس، ولولا ذلك لما قدروا يصلوا به إلى قبره من كثرة الزحام والتبرك به. وكانت سويقة باب البريد قد أخربوها، فشق على الناس ذلك، وحملوه وخرجوا به من باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية (٣) من كثرة الناس. وامتد العالم إلى سوق الخيل (٤) وامتلأ، فصلى عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن (٥)، ثم حمل من سوق الخيل فمر به تحت القلعة المحروسة.

стр. 84

والله العظيم لقد رأيت الناس قاعدين على الطريق يمينا وشمالا، الرجال والنساء مختلطين كأنهم ينتظرون عبور السلطان، ومنهم من يبكي، ومنهم من يضج ويصيح، ومن يتأسف، ومنهم من يتفرج، فلما وصلت إلى مقبرة الصوفية (١) رأيتها وقد امتلأت بالعالم، وقد حفروا قبره إلى جانب أخيه الشيخ شرف الدين (٢)، وحضر أخوه زين الدين وحوله نقباء يحموه من الناس حتى شاهد القبر قبل وضع أخيه، وتأخرت الجنازة إلى قريب العصر حتى وضع في قبره وألحدوه وطم عليه ولقنوه (٣)، وبعد ذلك انصرف الناس أولا بأول متأسفين عليه» (٤). وقال البزار ﵀: «فما هو إلا أن سمع الناس بموته فلم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك وتفرغ له حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معايشها حينئذ وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قالوا ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس؛ خوفاً على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا

стр. 85

رجمهم الناس فأهلكوهم» (١). هكذا كان حرص أهل بلده ومن جاورهم من البلاد القريبة على حضور جنازة الشيخ والصلاة عليه، وأما من كان خارج البلاد، فقد قال ابن رجب ﵀: «وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون: أنه نودى بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة (الصلاة على ترجمان القرآن)» (٢). حزن الناس عليه: أي حبر مضى وأي إمام … فجعت فيه ملة الإسلام كل من في دمشق ناح عليه … ببكاء من شدة الآلام فجع الناس فيه في الشرق والغر … ب وأضحوا بالحزن كالأيتام لو يفيد الفداء بالروح كنا … قد فديناه من هجوم الحمام (٣) هذه الأبيات عبر بها الشيخ علاء الدين علي بن غانم ﵀ عما خيم من الحزن على جميع محبي الشيخ ﵀، فقد فقدوا إماماً عظيما، وشيخاً كبيرًا، يندر في الزمان مثله، فحُق لعيونهم أن تدمع، ولقلوبهم أن تألم وتتوجع. لِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مثل … تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ (٤) ومن المواقف المؤثرة المحزنة التي تحكي مكانة شيخ الإسلام في القلوب ومدى تأثر الناس بحزنه موقف الشيخ عبدالله بن حامد ﵀، الذي بذل ماله ووقته ونفسه من أجل السفر لرؤية الشيخ ولقاءه، ثم فوجئ في أثناء الطريق بخبر وفاة الشيخ ﵀، فبعث برسالة مؤثرة لتلاميذه يحكي في ضمنها مدى الحزن الذي غمره بوفاة الشيخ ﵀، وكان مما قال فيها: «ولما حججت سنة ثمان

стр. 86

وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته، ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته -رحمه الله تعالى- مع الرجوع إلى العراق، قبيل وصولي الكوفة، فوجدت عليه مالا يجده الأخ على شقيقه -استغفر الله- بل ولا الوالد الثاكل على ولده، وما دخل في قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه -رحمه الله تعالى- ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي؛ إلا ويتجدد لي حزنٌ قديمهُ كأنه مُحدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفاً على فراقه وعدم ملاقاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (١). وبهذا تم المقصود من ترجمته أسال الله أن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته. * * *

стр. 87

ملحق الترجمة جدول شامل لأبرز الأحداث في حياة شيخ الإسلام بتواريخها وسنة وقوعها وسن الشيخ عند وقوعها، منذ ولادته وإلى حين وفاته ﵀ العام … العمر … أبرز الأحداث ٦٦١ هـ … - … ولادته بحران ٦٦٧ هـ … ٦ … هجرته مع عائلته من حران إلى دمشق ٦٨٢ هـ … ٢١ … وفاة والده عبد الحليم ٦٨٣ هـ … ٢٢ … ٢/ محرم: التدريس بدار الحديث السكرية. ١٠/صفر: بدء درس التفسير في الجامع الأموي بعد الجمعة. ٦٩٢ هـ … ٣١ … الحج إلى مكة. ٦٩٣ … ٣٢ … حادثة عساف النصراني وتأليف كتاب الصارم المسلول. ٦٩٥ … ٣٤ … ١٧/شعبان: بدء التدريس في المدرسة الحنبلية. ٦٩٨ هـ … ٣٧ … -تأليف الواسطية. -تأليف الحموية الكبرى. -محنة الحموية في شهر ربيع الأول، وانتصار الأمير للشيخ. ٦٩٩ هـ … ٣٨ … -فتنة قدوم التتار وزعيمهم غازان إلى الشام. -٣/ ربيع الثاني: الذهاب لغازان وقصته معه. -٢/ رجب: الذهاب لمخيم بولاي وفك أسرى المسلمين. -١٧/رجب: خروج التتار من دمشق، وتكسير الشيخ وأصحابه للخمور وحاناتها وتعزير أصحابها.

стр. 88

٧٠٠ هـ … ٣٩ … -ابتداء من ٢/صفر: موقفه العظيم في تثبيت الناس وتحريضهم للقتال بعد إشاعة خبر عودة التتار. -١١/جمادى الأول: الذهاب للسلطان بمصر وتحريضه على القتال، واستجابة السلطان. -رجوع التتار لبلادهم بعد مجيئهم لأطراف الشام، أثناء ذهاب الشيخ لمصر. ٧٠١ هـ … ٤٠ … -١/ رمضان: عودة التتار ووقوع معركة شقحب والجهاد العظيم الذي قام به الشيخ. ٧٠٥ هـ … ٤٤ … -٢/محرم: وقعة كسروان وقتاله لهم مع النائب وإجلائهم من الجبل. -٩/ جمادى الأولى: مناظرته مع الرفاعية في القصر. -٨/ رجب: المجلس الأول في المناظرة الواسطية. -١٢/ رجب: المجلس الثاني في المناظرة الواسطية. -٧/شعبان: المجلس الثالث. -١٥/ رمضان: ورود أمر السلطان بإحضار الشيخ إلى مصر، للتحقيق في قضية الحموية. -٢٢/ رمضان: وصوله مصر. -٢٣/ رمضان: عقد مجلس للشيخ مع ابن مخلوف وجماعة، وعدم السماح له بالكلام، والأمر بحبسه في البرج. -٢٩/ رمضان: نقله إلى الحبس المعروف بالجب. ٧٠٧ هـ … ٤٦ … -٢٣/ربيع الأول: إخراجه من السجن، بعد ذهاب الأمير ابن مهنا ملك العرب إلى مصر لإخراجه. -وعقدت له ٣ مجالس متفرقة في ربيع الأول وربيع الثاني انتهت بخير.

стр. 89

-١٠/شوال: شكاية خلق من المتصوفة والمبتدعة على الشيخ، وعقد مجلس له بدار العدل. -١٨/شوال: خروجه للسفر إلى الشام بعد ورود الأمر بذلك، ثم إرجاعه من الطريق في اليوم نفسه. -١٩/ شوال: حبسه بسجن الحكام بحارة الديلم. ٧٠٩ هـ … ٤٨ … -٢٩/ صفر: الأمر بنقله ونفيه إلى الإسكندرية، واقامته ببرج مليح هناك. -٨/شوال: أمر السلطان الناصر بإحضار الشيخ من الإسكندرية بعد رجوعه من الكرك. -١٨/ شوال: وصول الشيخ لمصر. -٢٤/شوال: اجتماع الشيخ مع السلطان بالقصر، وتعظيم السلطان له أمام الناس، وعفوه عن القضاة الذين ظلموه وكادوه. -ثم نزول الشيخ للقاهرة وسكنه قرب مشهد الحسين. ٧١١ هـ … ٥٠ … -قيام جماعة من المتعصبين بضرب الشيخ في الجامع. ٧١٢ هـ … ٥١ … -١/ذو القعدة: عودة الشيخ إلى دمشق بعد غياب سبع سنين وسبع جمع. ٧١٦ هـ … ٥٥ … -٢٠/ شوال: وفاة والدته رحمها الله. ٧١٨ هـ … ٥٧ … -١/جمادى الأول: ورود أمر السلطان بمنع فتوى الشيخ في مسألة الحلف بالطلاق. -١٣/جمادى الأولى: عقد مجلس للشيخ بذلك، والاتفاق على ذلك. -عودة الشيخ للإفتاء بها. ٧١٩ هـ … ٥٨ … -٢٩/ رمضان: ورود كتاب آخر من السلطان حول فتوى الطلاق، وعقد مجلس آخر للشيخ عُوتب فيه وأُكِّدَ عليهِ بالمنع.

стр. 90

٧٢٠ هـ … ٥٩ … -٢٢/رجب: عقد مجلس للشيخ بسبب مسألة الطلاق وأمر النائب بحبسه بالقلعة. ٧٢١ هـ … ٦٠ … -١٠/ محرم: إخراج الشيخ من السجن بعد ورود أمر السلطان بذلك. ٧٢٦ هـ … ٦٥ … -عثور خصوم الشيخ على فتوى للشيخ بمنع شد الرحال، وإحداثهم فتنة عظيمة بسبب ذلك، وقيامهم على الشيخ في الشام ومصر. -٦/شعبان: ورود أمر السلطان بحبس الشيخ في القلعة، والقيام بحبسه. -١٥/شعبان: حبس وتعزير جماعة من أصحاب الشيخ بأمر القاضي. ٧٢٨ هـ … ٦٧ … -١٩/جمادى الآخرة: أمر السلطان بإخراج كل ما عند الشيخ من ورق ودواة وأقلام، ومنعه من التصنيف والكتابة، بعد انتشار رسائله. -الحمى والمرض بضع وعشرين يومًا، وقيل ١٧ يومًا. -الاثنين ٢٠/ ذو القعدة: وفاته ﵀. • تنبيهان: التنبيه الأول: ميزت الأحداث التي وقعت للشيخ بمصر باللون الرمادي، وما كان بالأبيض فهو مما وقع له بالشام (دمشق). التنبيه الثاني: قد يشكل على البعض وقوع تلك الأحداث الجسمية لشيخ الإسلام عند قدومه مصر عام ٧٠٥ هـ فما بعدها، مع ما عرف من علاقته الجيدة بالسلطان، ومحبة السلطان للشيخ وتعظيمه إياه، والواقع أنه منذ عام ٦٩٨ إلى عام ٧٠٨ هـ والحاكم الفعلي لمصر هم أمراء المماليك ولم يكن للسلطان قلاوون إلا الاسم فقط، وفي عام ٧٠٨ هـ استلم الجاشنكير الحكم وغادر السلطان للكرك، ثم عاد الملك الناصر للحكم الفعلي للبلاد منذ عام ٧٠٩ هـ، وقضى على

стр. 91

خصومه وقام بإكرام الشيخ وتخييره في شأن خصومه، واستمر له الحكم حتى وفاته ٧٤١ هـ. وختاماً أقول لكل من أراد أن يتعرف على شيخ الإسلام: مهما قرأ القارئ في سيرة ابن تيمية وتراجم العلماء له، فلن يعرف حقيقة ابن تيمية حق المعرفة حتى يطلع على مؤلفاته، ويقرأ كتبه ورسائله ومصنفاته، ويبحر في أبحاثه ومسائله وكتابته وعند ذلك سيجد شيئاً عجيباً، يعجز عن وصفه الواصف! إن القارئ لكتبه ليقف حائراً مندهشاً، متعجباً منذهلاً من هذه الشخصية الفذة، أي عقل كانت تحمل؟! وبأي علم كانت تنطق وتكتب وتصنف؟! قرأت في سيرته الكتب الكثيرة، فما تعجبت لشيء مما كُتِبَ عنه، تعجبي واستغرابي عند قراءة ما كَتَبَ وصنف! إنه أعجوبة بحق .. إنه آية عظيمة من آيات الله! وما أصدق ما قال فيه خصمه ابن الزملكاني ﵀: ماذا يقولُ الواصفونَ له … وصِفاته جلَّتْ عن الحَصْرِ هو حُجّةٌ لله قاهِرَةٌ … هُو بيننا أُعجوبةُ الدَّهْرِ هو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهِرَةٌ … أَنْوارها أرْبَتْ على الفَجْرِ (١) * * *

стр. 92

المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام في المناظرات: لقد كان شيخ الإسلام ﵀ مدرسة حية في جميع العلوم والفنون، والأخلاق والآداب، والمعاملات والعبادات. ولقد رسم شيخ الإسلام ﵀ في مناظراته منهجاً علمياً رصيناً، ومنهجاً عملياً متيناً، يسير عليه ويحتذي حذوه فيه كل داعية للهدى والحق، ويستفيد منه في طريقة مناظرة الخصوم ومجادلتهم، ومقارعة أعداء الشريعة ومنازلتهم. هذا .. وإن الكتابة عن منهج الشيخ في مناظراته ومناقشاته لخصومه، هو في حد ذاته مشروع مستقل، يستحق أن يفرد بالبحث والدراسة، ومن الصعوبة بمكان إعطاء هذا الجانب حقه من البحث والدراسة في مبحث ضمن عدة مباحث وفصول؛ لأن الموضوع أطول من هذا، ويستحق من العناية والتحقيق أكبر من هذا، ولكنني سأحاول في هذا المبحث الاقتصار على أهم الجوانب التي توضح منهجه، وتبرز طريقته ومسلكه، في مناظرة خصومه ومخالفيه، وتتمثل أبرز هذه المعالم في الأمور التالية: ١) إخلاص النية وحسن القصد والتخلص من حظوظ النفس: إن ما تمتع به شيخ الإسلام -فيما أحسب- من إخلاص لله في نفسه، وحسن قصد في نيته، أمر يظهر لكل مطلع على محاورات الشيخ ﵀ ومناظراته، وذلك أن التوفيق العجيب الملازم لشيخ الإسلام في جميع مناظراته ومحاوراته، لا يناله أي شخص وأي أحد، وإنما هو من حظ عباد الله المخلصين، الذين علم الله

стр. 93

صدق نياتهم في الدفاع عن شريعته، والذود عن حياض ملته، فأحاطهم بحفظه وعنايته، وأيدهم بنصره وإعانته في الأقوال والأفعال ومختلف المقامات والأحوال، قال أبو حفص البزار: «ولما علم الله نياته ونياتهم أبى أن يُظفِرهم فيه بما راموا حتى أنه لم يحضر معه منهم أحد في عقد مجلس، إلا وصنع الله له ونصره عليهم بما يظهره على لسانه من دحض حججهم الواهية وكشف مكيدتهم الداهية للخاصة والعامة» (١) وقال: «وما كان ذلك كذلك إلا لما عَلِمَ الله سبحانه من حسن طوية هذا الإمام، وإخلاص قصده، وبذل وسعه في طلب مرضاة ربه، ومتابعة سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه» (٢)، ولم يكن له ﵀ في مناظراته مصلحة دنيوية، ولا فائدة شخصية، بل كانت مناظراته سبباً فيما حصل له من حبس وعناء، وكرب وبلاء، وقد بين ﵀ المقصد الصحيح الذي يجب على أهل العلم أن يسلكوه في مناظراتهم، ويكون هو غايتهم ومرادهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «فمن كان عالماً بالحق فمناظرته المحمودة: أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشداً طالباً للحق، أو يقطعه ويكف عداوته إن كان معانداً غير متبع للحق، ويوقفه ويسلكه ويبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أن قصده الحق» (٣). ٢) وحدة منهجه وطريقته ومسلكه: امتاز شيخ الإسلام بوحدة منهجه وطريقته في التعامل مع الخصوم في مختلف مناظراته ومحاوراته، حتى أن الناظر في مناظراته لا يكاد يميز بين المتقدم منها والمتأخر؛ وذلك لأن مستنده الذي ينطلق منه في جميع ذلك مستند واحد، ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بفهم سلف هذه الأمة ولذلك لم تتغير طريقته ولم تتناقض مواقفه، كما سيتضح في النقطة القادمة.

стр. 94

٣) الالتزام بالأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة: لقد سار شيخ الإسلام طيلة حياته على منهج ثابت متزن دعا إليه الناس، ونافح من أجله وقرره في مختلف رسائله وكتبه، وهو اتباع ما جاء في الكتاب والسنة على فهم سلف هذه الأمة، وبهذا الميزان تعامل مع كل خصومه، وعليه بنى منهجه وطريقته في كتابته ومناظراته وشتى سبل دعوته، قال ﵀: «فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي عليها ويعادي، غير النبي ﷺ ، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون بين الأمة، يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون» (١). ولما نازعه خصومه في مناظرة الواسطية، وأوهموا الناس أن له اعتقادًا خاصاً به يسير عليه ويدعو الناس إليه، أجابهم شيخ الإسلام بكل حزم وصرامة: «أما الاعتقاد: فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم» (٢). وقال لهم: «وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به: آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفياً» (٣). وبين ﵀ في كثير من مناظراته ورسائله وكتابته أن المرجع عند التنازع والاختلاف إنما هو كتاب الله وسنة نبيه، قال ﵀: «فإذا تنازع المسلمون في مسألة وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله و الرسول، فأي القولين دل عليه الكتاب

стр. 95

و السنة وجب اتباعه» (١)، قال ﵀: «وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاعَ إلا كتاب من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل» (٢). ٤) الثقة بالله تعالى، وبما رزقه من علم وبصيرة وحق: وهذه الثقة بارزة في جميع مناظرات الشيخ ومحاوراته مع خصومه، بل وحتى في كتابته ومؤلفاته، ولعظيم ثقته هذه لم يُعرف عنهُ قط التردد في صحة ما دل عليه الكتاب والسنة، أو أجمع عليه سلف الأمة، ولذلك تحدى المخالفين في أحد مناظرته أن يأتوا بدليل واحد يخالف ما قرره من الحق وبينه من الهدى، وأمهلهم على ذلك ثلاث سنين قال ﵀: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (٣)، يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك» (٤)، ولم يزل قلبه معلقًا بالله ومحسنًا للظن به، فلما اجتمع عليه الرفاعية تجمع الأحزاب، وتكالبوا تكالب الأعداء، وأرادوا تأليب السلاطين والأمراء، وطالبوا بحضور ابن تيمية، قال حينئذ: «فلما علمت ذلك، أُلقى في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين» (٥)، وقال: «فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى أُلقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون بردا وسلاما» (٦)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم ثقته بالله وتوكله عليه.

стр. 96

٥) قوة حجته وحضورها: على كثرة مناظرات شيخ الإسلام ﵀ وتنوع خصومه ومخالفيه: من علماء وقضاة ومتكلمين وأذكياء، إلا ان أحداً منهم لم يستطع الوقوف في وجه شيخ الإسلام، وما ذلك إلا لما كان يمتلكه من قوة حجة تُبهت الخصم وتسكته، وكثرة أدلة تُبهر الخصم وتقطعه، وهذه الميزة تظهر بوضوح في كل مناظرات شيخ الإسلام ومحاوراته، ولا أدل على ذلك من رجوع كثير من مناظريه عن أقوالهم، واعترافهم بما كانوا عليه من ضلال وباطل، وتصريحهم بالتوبة والرجوع إلى الحق الذي قرره شيخ الإسلام وبينه ووضحه، وهذا الأمر منطلق مما يعتقده شيخ الإسلام من أن تقرير الحق وجواب شبه أهل الباطل يجب أن يكون بحجة قوية وأدلة ظاهرة بينة، تقطع ضلال الخصم وتكشفه، وتبرز الحق وتظهره، قال شيخ الإسلام: «وكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور والطمأنينة في النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين» (١)، وقال ﵀: «وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة» (٢). ٦) تمام العلم والدراية بمذهب الخصم ومقالات المخالفين: لقد كان شيخ الإسلام بمكان عظيم من العلم والدراية بمذاهب ومقالات الفرق والطوائف، يشهد له بذلك كل من عرف حاله وقرأ كتبه ومصنفاته، وقد ظهر أثر هذه المعرفة الواسعة في مناظرته مع خصومه، حيث كان ﵀ يبين أقوال

стр. 97

المخالفين ويفصل القول فيها، ما يصح نسبته إليها مما لا يصح ولا يثبت، وقد بين لمناظريه في العقيدة الواسطية ما رزقه الله من علم ودراية في هذا الباب فقال: «أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها» (١)، وكان مما قاله لهم أيضاً: «كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه!» (٢). ومن أوضح ما يبين ذلك ويوضحه تبحره ﵀ وتوسعه في معرف مذهب الاتحادية على ما في مذهبهم من المباحث الفلسفية والمسالك الوعرة التي لربما لم يفهمها رؤساؤهم وحذاقهم، قال ﵀: «ولهذا لما بينت لطوائف من اتباعهم ورؤسائهم قولهم، وسر مذهبهم، صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون … » (٣). وقد ظهر هذا أيضاً في تحريه دقة النقل عن المخالفين، والتحري في نسبة الأقوال لهم، كما سيظهر في النقطة القادمة. ٧) الدقة في النقل والتحري في نسبة الأقوال للمخالفين: كثير من المناظرين قد يخطئ في نسبة الأقوال لأصحابها، وإرجاع المقالات لأربابها، وذلك ناشئُ غالبًا عن قلة علم بالفرق والمقالات، وأحيانًا عن بغي وظلم للآخرين، ولما كان شيخ الإسلام ذا اطلاع واسع على أقوال الفرق والمذاهب، وذا صدق وإخلاص وعدل وإنصاف مع الموافق والمخالف، فقد كان دقيق النقل للأقوال متحرياً في نسبتها للطوائف والرجال.

стр. 98

ففي مناظرته لأحد مُعظِّمي الرازي ومبجليه، بَيَّنَ خطأ ما نسبه الرازي لبعض الفرق: من القول بجواز أن يتكلم الله بكلام لا يعني به شيئاً، ولما حاول هذا المتعصب الدفاع عن الرازي ونسب هذا القول للكرامية، بين شيخ الإسلام خطأه أيضاً، وقال: «هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم» (١)، وهذا الجزم إنما نشأ عن تمام العلم بمقالات الفرق وآراءها. وبين في مناظرته لابن المرحل بطلان ما حكاه ونسبه لمذهب أهل السنة من أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد دون القول والعمل (٢). ولما نسب ابن المرحل إلى الحنابلة مخالفة الحسن البصري في كافر النعمة، بين له شيخ الإسلام بطلان هذا، وقال: «أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا فعمن تنقل من أصحابي هذا؟» (٣)، ثم عاد ابن المرحل فنسب هذا إلى أصحابه من الشافعية، فبين له شيخ الإسلام أن أصحابه أيضاً لم يخالفوا في هذا، فكان أعلم بمذهبه منه. ولما أحضر مخالفوه في المجلس الثاني للواسطية عالمهم الكبير صفي الدين الهندي ليناظر الشيخ، كان مما قرره أن أول مسألة اختلف فيها المسلمون هي مسألة الكلام، ونسب ذلك إلى الشهرستاني في كتابه الملل والنحل، فغضب شيخ الإسلام وبين له أن قوله خطأٌ وكذِبٌ مخالفٌ للإجماع، وأن الشهرستاني لم يذكر هذا على النحو الذي يريده، بل على خلاف ما يريد تقريره، فظهر عجز هذا الشيخ وإفلاسه أمام علم الشيخ ودرايته (٤). وحين نسب بعضهم في المناظرة الواسطية إلى الإمام أحمد القول بأن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي، بين شيخ الإسلام أن هذا كذب مفترى، لم

стр. 99

يقله أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، ولا يقوله عاقل (١). ومواقفه التي تبرز هذا الجانب من مناظراته كثيرة مشهودة لا يسع المقام لاستيعابها. ٨) الأمانة العلمية في الطرح: وهذه النقطة هي في الحقيقة تبع لما قبلها، وما تحريه في النقل ودقته في حكاية الأقوال إلا نموذج من نماذج الأمانة العلمية التي كان يتصف ويتحلى بها ﵀ ومما يوضح ذلك أكثر ما نص عليه ﵀ في رده على النصارى، حيث قال: «وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها، فصلاً فصلاً، وأُتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلاً وعقدًا وحلاً» (٢) ويرى ﵀ أنه يجب على الناقل لأقوال مخالفيه أن ينقلها بنصها وعينها دون تصرف أو رواية بالمعنى أو اختصار أو تلخيص؛ لما يقع في ذلك من الخلل والخطأ والزلل، قال شيخ الإسلام ﵀: «ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل، إما عمدًا وإما خطأ» (٣). ٩) حرصه في مناظراته على جمع الكلمة واتفاقها: مع ما عرض لشيخ الإسلام من قبل مخالفيه من كذب وكيد ووشاية ومكر وترصد وأذى، وحرص على الوقيعة بشيخ الإسلام في مناظراتهم ومخاصمتهم له، وإظهار شذوذه ومخالفته للجماعة، إلا أن ابن تيمية -وعلى خلاف ذلك -كان أحرص ما يكون على جمع الكلمة واتفاقها، وترك أسباب الفرقة واجتنابها، ولا أدل على ذلك من موقفه في العقيدة الواسطية بعد أن عرض له ما عرض من

стр. 100

مخالفيه ومناوئيه، إلا أنه عاملهم بالرحمة، والعفو، والإحسان (١)، والسعي إلى الاجتماع والنهي عن الفرقة كما جاء مبسوطاً في ثنايا المناظرة. ومن ذلك ما افتتح به ﵀ المجلس الثاني من مناظرته حيث قال: «إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف. وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله» (٢). وفي مناظرته مع الرفاعية كان أحرص ما يكون قبل حدوث الموقعة الكبرى عند الأمير، على تأليفهم وإرجاعهم للحق، والاتفاق معهم على اتباع كتاب الله وسنة نبيه، وترك ما أحدثوه من بدع ومحدثات، والدخول في صالح ما عليه المسلمين، وقد أرسل إلى شيخهم غير ما مرة ليخاطبه بذلك (٣). ومن تتبع سيرته ﵀ علم حقيقة ما حكاه عن نفسه قائلاً: «أنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين، وطلباً لاتفاق كلمتهم، واتباعاً لما أُمرِنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة» (٤). ١٠) شجاعته في النطق بالحق، وعدم مهابته لأحد غير الله: هذا الأمر شهد به لشيخ الإسلام أصدقاؤه وأعداؤه، واعترف به خصومه قبل محبيه، فقالوا عنه: «هذا رجل محجاج خصِم، وماله قلب يفزع من الملوك، وقد

стр. 101

اجتمع بقازان ملك التتر وكبار دولته، وما خافهم» (١)، ومظاهر شجاعته ﵀ وخصوصاً في مواجهة خصومه ومناظرتهم أشهر من أن تُذكر، ومن أمثلتها الواضحة موقفه العظيم مع الرفاعية، فعلى الرغم مما كان للأحمدية من مهابة ومكانة في نفوس الناس، ونفوذ عند السلاطين والحكام، فإن شيخ الإسلام أظهر الحق وبين أنهم ضلال مبتدعة ودجاجلة مفترون، وصاح بهم أمام الناس بذلك، وتحداهم وعارضهم بكل ما يستطيع. وعارض علماء دمشق أولاً ثم علماء مصر بعد ذلك، مع أنهم قضاة البلاد، وأصحاب النفوذ ومرجع الأمراء والسلاطين، ووقف في بيان دين الله وإظهار الحق، أعظم المواقف وأجلها، وكان شجاعاً في الصدع بالحق في كل محفل وعند كل أحد، يصدع به أمام السلاطين والأمراء، والقضاة والعلماء والوجهاء، كما يصدع به أمام التلاميذ والأصدقاء، ويرى أن الرجل لا يخاف من النطق بالحق إلا لمرض في قلبه، وقلة توكل وإيمان بربه (٢). غلب الْمُلُوك مهابةً وشجاعةً … لَيْثٌ يهابُ- لِقَاءه الْكُفَّارُ (٣) ١١) فطنته بمكايد الخصم وسرعة بديهته في معرفة مراده: كان شيخ الإسلام ﵀ ذا فطنة كبيرة وخبرة عالية، بأغراض الخصوم ومقاصدهم، بحيث يفهم مراد الخصم قبل أن يصرح به، ويستعد للإجابة على استشكال الخصم قبل أن يورده عليه، ومن ذلك أن بعض مناظريه في العقيدة الواسطية طلب إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة مرة أخرى؛ فتفطن شيخ الإسلام لمراده من ذلك قبل أن يتفوه به فقال: «كأنك قد استعددت للطعن

стр. 102

في حديث الأوعال» (١)، ثم أجاب عن حديث الأوعال وبين صحته. ولما تحداهم أن يأتوا بشيء عن السلف يخالف ما ذكره في العقيدة، أحضر بعض أكابرهم في المجلس الثاني (كتاب الأسماء والصفات) للبيهقي -رحمه الله تعالى- فقال: «هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، قال شيخ الإسلام: «فوقع في قلبي ما أَعَد، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال: نعم» (٢)، ثم بين الشيخ له وللحاضرين أنه لا حجة في ذلك، وأن ما ورد في تفسير الآية عن مجاهد والشافعي ليس فيه شيء من تأويل الآية، ولا صرفها عن ظاهرها الذي تقتضيه. ولما سأل بعضهم عما ينسب للإمام أحمد من القول بقدم مداد المصاحف وأصوات القارئين، وظنوا أن هذا هو مذهب الشيخ، فأرادوا أن يجعلوه بين أمرين: إما الإقرار بهذا فيظهر للناس شناعة قوله، وإما الرجوع لقولهم فيحصل مقصودهم، تفطن شيخ الإسلام لهذا فأجابهم بنقيض ما أرادوه، قال ﵀: «وكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضراً في المجلس، فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله، حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم، حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة، وليس هو ما يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة -إذ قد يقوله بعض الجهال- بُهتوا لذلك» (٣). ١٢) العدل مع المخالف: لما كان شيخ الإسلام ﵀ يعتقد أن من أعظم أسباب النصر والتأييد والمعونة من رب العالمين ضد الأعداء والخصوم، هو العدل معهم في الأقوال

стр. 103

والأفعال حيث يقول ﵀: «إن الإنسان إذا اتبع العدل نُصر على خصمه، وإذا خرج عنه طمع فيه خصمه» (١)، لهذا السبب ولما أوجبه الله قبل هذا من ترك الظلم ولزوم العدل في جميع الأحوال كان شيخ الإسلام ﵀ عادلاً في معاملته لخصومه منصفاً لهم، عادلاً في الحكم عليهم وعلى مقالتهم، وهو القائل تلك المقولة الجليلة: «أوجب الله العدل، لكل أحد، على كل أحد، في كل حال» (٢)، وهذه السمة تجدها بارزة في جميع مناظرات الشيخ ﵀، ومن أبرز ملامحها تفاوت حكمه على المقالات بحسب قربها وبعدها من الكتاب والسنة، وتفريقه في الحكم بين القول وقائله، وإنصافه لخصومه في مخاطبتهم وإنزالهم منزلتهم التي يستحقونها، كما سيتضح في النقطة القادمة، قال شيخ الإسلام ﵀: «وليس مما أمر الله به ورسوله، ولا مما يرتضيه عاقل، أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء، وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم، إذ هم -ولله الحمد- أكمل الناس عقلاً وأتمهم إدراكاً وأصحهم ديناً، وأشرفهم كتاباً، وأفضلهم نبياً، وأحسنهم شريعة» (٣). ١٣) إنصاف الخصم وإنزاله منزلته التي يستحقها: وترى هذا الأمر جلياً واضحا في حديث الشيخ عمن ناظرهم وفي مخاطبته لهم، فمع شدة العداوة بين شيخ الإسلام والفلاسفة والرافضة والأشاعرة وجميع الفرق المخالفة، وبعد الفجوة بينه وبينهم، وبغضه لآرائهم ومعتقداتهم، لم يمنعه هذا من نسبة الفضل لذي الفضل منهم فقد قال في مناظرته مع الفلاسفة: «ولهذا خاطبني بعض الأعيان من الفضلاء المتفلسفين» (٤)، وقال في وصفه للشيخ

стр. 104

الرافضي الذي ناظره: «ولقد طلب مني أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي، وأتكلم معه في ذلك … » (١). ولما أتى مخالفوه في المجلس الثاني للمناظرة الواسطية بالشيخ صفي الدين الهندي لينتصروا به، وقع بينه وبين شيخ الإسلام ما وقع، ومع هذا قال الشيخ: «فذكر هو بحثاً حسناً يتعلق بدلالة اللفظ فحسنته ومدحته عليه» (٢)، وقال: «وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة وشيخهم، وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه، وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه» (٣). وصدق الناظم إذ قال فيه: يا ابن تيمية يا أنصح العلما … يا من لأسرار دين الله قد فهما يا آية ظهرت في الكون باهرة … لا زلت في سلك دين الله منتظما إلى أن قال: تعفو عن الجاهل الجاني وترحمه … وتكثر العدل والإنصاف للخُصَما (٤) ١٤) الاعتناء بالأصول والقواعد دون الفروع والجزئيات في الرد والتقرير: لما كثرت الطوائف والفرق في عصر شيخ الإسلام وصار لكل طائفة شيوخ وأتباع، وقواعد وأصول بنوا عليها باطلهم وكثيرًا من ضلالتهم وانحرافاتهم مع نسبتها إلى الاعتقاد الحق، قام شيخ الإسلام بتمييز الحق الصافي عما خلطوه به من باطل وضلال، وركز في ذلك على نقد تلك القواعد والأسس ونقض تلك الأصول التي قامت عليها آرائهم المنحرفة ومعتقداتهم الباطلة، فنلحظ مثلاً في مناظرته المدنية كيف اعتنى شيخ الإسلام بمسألة تأويل الصفات، وقدمها في

стр. 105

النقاش على كل المسائل التي خالف فيها الأشاعرةُ أهلَ السنة، وعلل ذلك بأنها: «الأم وسائر المسائل فرع عنها» (١)، وهذا من اهتمام شيخ الإسلام بالقواعد والأصول، في باب التقرير وفي باب الردّ والمناقشة. ويرى شيخ الإسلام ﵀ أن معرفة القواعد والأسس أمر ضروري يجب أن يتصف به المرء قبل حكمه على المقالات والأشخاص، ولذلك قال ﵀: «لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم» (٢). ١٥) ضرب الأمثلة والتطبيقات، لما يذكره من قواعد وتقريرات: مما امتازت به طريقة شيخ الإسلام في تقرير الحق والرد على مخالفيه سواء في المناظرات أو غيرها، أنه كان يُتبِع ما قرره من قواعد وتأصيلات بالأمثلة والتطبيقات، فقد قرر لمناظِره في الرسالة المدنية، أن تأويل نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها لا يصح إلا بأربعة شروط، ثم جعل شيخ الإسلام صفة اليد أنموذجا تطبيقيا لما ذكره من شروط (٣). وفي مناظرته مع بعض النصارى قرر لهم قاعدة عامة وهي أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها؛ ثم ضرب شيخ الإسلام على هذا عدة أمثلة كأحياء الموتى، وجعل العصا حية وغير ذلك، فأتْبَعَ التقعيد بالتمثيل والتطبيق (٤). وفي مناظرته مع الرفاعية بين للسلطان أنهم أهل كذب وخداع وتلبيس على الأمراء والمسلمين، ثم حكى في ذلك عدة أمثلة من القصص والوقائع التي فعلوها ولبسوا فيها على الأمراء (٥). ولما كان من

стр. 106

أعظم تقريراته أن أهل السنة يعلمون الحق، ويرحمون الخلق (١)، فقد حقق ذلك والتزمه في جميع مناظراته ومناقشاته لخصومه ومخالفيه. وغيرها من النماذج الكبيرة التي تدل على هذا وتبرهن عليه. ١٦) التدرج مع المخالف في بيان الباطل وتقرير الحق: من حسن صنيع العالم في مناظرته للمخالف، أن يتدرج معه في النقاش والحوار حتى يوصله للمطلوب المراد دعوته إليه وبيانه له، وهذه الطريقة أقرب لقبول المدعوين وأجلب لقلوبهم، وقد كان شيخ الإسلام حريصًا على مثل هذا الأمر وعلى كل أمر ييسر قبول الخصم للحق ورجوعه عن الباطل، ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا المسلك، ما فعله مع مناظره الرافضي حيث ابتدأ شيخ الإسلام ببيان مذهب الرافضة في الإمامة وتقرير معتقدهم في ذلك حتى أقر له الرافضي بما ذكر من اعتقادهم وشهد بأنه قرر مذهبهم على أكمل وجه، ثم بدأ معه شيخ الإسلام بنقض مذهبهم وبيان ما في قولهم من فساد وضلال (٢). وفي مناظرة الرسالة المدنية تدرج شيخ الإسلام مع مناظره في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات وذكر أقوال المخالفين، ثم ذكر له أمهات المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، قال «فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات، فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها» (٣) وكان يورد المسألة تلو المسألة، وقرر شروط التأويل المقبول، ثم طبق ما قرره بمثال واضح، وهكذا بأسلوب بديع في التدرج مع المدعو، حتى سلم له مناظره وعرف الحق وأظهر التوبة والإنابة (٤).

стр. 107

١٧) البدء بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، قبل تقرير الحق والمعتقد الصحيح: من كمال التدرج المطلوب مع الخصم: أن يبدأ المناظر بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، ثم يقرر له الحق والمعتقد الصحيح الذي يجب اعتقاده، وهذه الطريقة يطلق عليها بعض العلماء: (التخلية قبل التحلية)، أو (التصفية قبل التربية)، وكانت هذه من أهم المسالك التي يعتني شيخ الإسلام بسلوكها وتطبيقها، ويعلل ذلك فيقول: «إن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لِما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه وإلا فما دام معتقداً نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل، امحه أولاً، ثم اكتب فيه الحق» (١). وهذا من كمال فقه شيخ الإسلام وتمام علمه بمسالك المناظرات وطرقها المفضية إلى إقناع الخصم. ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا الأمر ما تجده في مناظرته مع نفاة الرؤية حيث قام ﵀ بتلخيص شبهة نفاة الرؤية في مقدمتين ونتيجة، ثم قام بنقض هذه الشبهة وبيان بطلانها، وبعد ذلك قام بتقرير الحق في ذلك بالنصوص الشرعية والآثار الصحيحة التي تدل على ثبوت الرؤية، فابتدأ بنقض الأصل الفاسد، ثم أتبعه بتقرير الحق (٢)، وذلك لأن «الدليل إن لم تقرر مقدماته ويجاب عما يعارضها لم يتم» (٣). ١٨) التنزل مع الخصم أدعى لقبوله الحق: كان شيخ الإسلام حريصاً أشد الحرص على بيان الحق للناس، وكشف ما

стр. 108

علق بأذهانهم من آراء فاسدة، بُنيت على شُبهٍ باطلة وأدلة واهية مخالفة للثوابت الشرعية والنصوص القطعية من الكتاب والسنة، ولذلك فقد يتنزل شيخ الإسلام مع مناظره شيئا ما ليكون أدعى لقبوله الحق وإن كان شيخ الإسلام على يقين تام ببطلان قوله وفساد معتقده قال ﵀: «فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعاً لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]. وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان، أعظم من أن يبسط في هذا المكان» (١). وفي مناظرته مع بعض النصارى قال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية» (٢). ومن هذا الباب ما فعله شيخ الإسلام في مناظرته الرفاعية، فبعد أن بين حيلتهم في دخول النار، تنزل معهم وجاراهم في مخاريقهم فتحداهم في دخول النار بعد الاغتسال بالخل والماء الحار، وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب» (٣) أو قال: «فعليه لعنة الله» (٤). ولما استعظم الأمير ذلك وقال: أتفعل ذلك؟ فقال له شيخ الإسلام مبيناً سبب إقدامه على مثل هذا الفعل: «نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ﷺ المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله،

стр. 109

والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات» (١)، وقال: «وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم» (٢). والتنزل للخصوم في المناظرات من تمام الإنصاف، وفيه دعوة لطيفة لأهل الانحراف. فكم مُبْطل وافاه يَبْغِي جداله … فأنصفه فِي الْبَحْث من غير عدوانِ ويكشف عَنهُ شُبْهَة بعد شُبْهَة … إِلَى أَن يبين الْحق أحسن تبيانِ فَيُصْبِح عَن تِلْكَ الْمقَالة معرضًا … وَلَو كَانَ من أَحْبَار سوء وَرُهْبَانِ (٣) ١٩) الحرص على إفهام الخصم والإتيان بالعبارات الواضحة: لم يكن شيخ الإسلام يبخل على خصمه بالبيان والتوضيح والشرح والتفصيل، ليتضح له الحق، وينكشف أمامه الباطل، ويتبين له الهدى من الضلال، ولم يكن هذا الحرص على المخالفين المنتسبين للإسلام والملة فحسب، بل وحتى مع غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم من الكافرين، وقد يردد الكلام ويعيده على الخصم حتى يستوعبه ويفهمه حق الفهم، ومن ذلك ما فعله في مناظرته لبعض النصارى حيث قال: «وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهمًا جيدًا، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له» (٤).

стр. 110

وإذا رأى أن تفسير العبارات المجملة لا يحقق المقصود من هداية المخالف وبيان الحق له، فإنه يترك ذلك ويأتي بالعبارات البينة الواضحة، قال ﵀: «قد لا يتأتى في المناظرات تفسير المجملات، خوفاً من لدد الخصم، فيؤتى بالواضحات» (١). ٢٠) الاحتجاج بكتب المخالف وأقوال شيوخه الذين يعظمهم: لقد جبل كثير من أهل البدع على تعظيم مشايخهم وكتبهم ومؤلفاتهم، حتى أن كثيراً منهم ونظراً للتعصب المقيت الذي انتشر بينهم قد يرد الآية أو الحديث، ولكنه يهاب من رد قول شيخه أو مخالفته ولو في أوضح المسائل، وقد كان من حسن صنيع شيخ الإسلام مع مخالفيه، احتجاجه عليهم بكتبهم التي يعظمونها، ونصوص علماءهم ومشايخهم الذين ينتسبون إليهم ويرجعون إليهم في فهم النصوص والعمل بها، وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأسلوب في عدة مناظرات ومن أجلى ذلك وأظهره ما قام به في مناظرة العقيدة الواسطية قال ﵀: «وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتاباً: من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية كلها توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها، ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه» (٢).
следующие страницы →