Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
على معنى الجَحْدِ، وإذا كان الكلام على معنى الثبوت كما مَرَّ في بعض الوجوه فيمتنعُ جَعْلُه الملازمَ للنفي، والأمر واضحٌ مِمَّا تقدَّم.
وقرأ ابن كثير: «أأن يؤتى» بهمزة استفهام وهو على قاعدتِهِ في كونه يُسَهِّل الثانية بينَ بينَ من غير مدٍّ بينهما. وخُرِّجَتْ هذه القراءةُ على أوجه، أحدها: أن يكون «أن يُؤتى» على حَذْفِ حرف الجر وهو لام العلة والمُعَلَّلُ محذوف، تقديره: أَلأنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه. وقد قَدَّمَتْ تحقيقَ هذا فحينئذٍ يَسُوغُ في محلِّ «أَنْ» الوجهان: أعني النصبَ مذهبَ سيبويه، والجَرَّ مذهبَ الخليل.
الثاني: أَنَّ «أَنْ يُؤتَى» في محلِّ رفعب بالابتداءِ والخبر محذوف تقديره: أأن يؤتى أحد يا معشر اليهود مثلَ ما أوتيتم من الكتاب والعلم تُصَدِّقون به أو تعترفون به أو تَذْكُرونه لغيركم أو تُشيعونه في الناس ونحوُ ذلك مِمَّا يَحْسُن تقديرُه، وهذا على قولِ مَنْ يقول: «أزيد ضربته» وهو وجه مرجوح، كذا قَدَّرَهُ الواحدي تَبَعاً للفارسي، وأحسنُ من هذا التقدير لأنه الأصل: أإتيان أحدٍ مثلَ ما أُوتيتم ممكنٌ أو مُصَدَّقٌ به.
الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدر يفسِّره هذا الفعلُ المضمرُ، وتكونُ المسألةُ من بابِ الاشتغالِ والتقدير: أَتَذْكُرون أَنْ يُؤْتَى أحد تذكرونه، فتذكرونه مفسِّرٌ لتذكرون الأول على حَدِّ: «أزيداً ضربته» ثم حُذِفَ الفعلُ الأخير المفسِّر لدلالةِ الكلام عليه، وكأنه منطوقٌ به، ولكونِهِ في قوة المنطوق
стр. 1752
به صَحَّ له أن يفسِّر مضمراً، وهذه المسألةُ منصوص عليها. وهذا أرجحُ من الوجه قبله، لأنه مثلُ: أزيداً ضربته، وهو راجحٌ لأجلِ الطالب للفعل، ومثلُ حَذْفِ هذا الفعلِ المقدَّرِ لدلالة ما قبلَ الاستفهامِ عليه حَذْفُ الفعل في قوله: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١] قيل: تقديره: الآن آمنت ورَجَعْتَ وتُبْتَ ونحو ذلك.
قال الواحدي: «فإنْ قيل: كيف وُجِدَ دخولُ» أحد «في هذه القراءةِ وقد انقطَع من النفي والاستفهام، وإذا انقطع الكلامُ إيجاباً وتقريراً فلا يجوز دُخولُ» أحد «؟ قيل: يجوزُ أَنْ يكونَ» أحد «في هذا الموضع» أحداً «الذي في نحو: أحد وعشرين وهذا يقع في الإِيجاب، ألا ترى أنه بمعنى واحد. وقال أبو العباس:» إن أحداً ووحَدَاً وواحداً بمعنى «.
وقوله:» أو يُحاجُّوكم «» أو «في هذه القراءةِ بمعنى حتى، ومعنى الكلام: أَأن يُؤتى أحد مثل ما أوتيتم تذكرونه لغيركم حتى يحاجُّكم عند ربكم. قال الفراء:» ومثلُه في الكلام/: تَعَلَّقْ به أو يُعْطِيَكَ حقك، ومثلُه قولُ امرىء القيس:
١٣٣٥ - فَقُلْتُ له: لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إنما ... نحاوِلُ مُلْكاً أو نموتَ فَنُعْذَرَا
أي: حتى، ومِنْ هذا قولُه تعالى:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ
стр. 1753
عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] قال: «فهذا وجه، وأجودُ منه أن تجعلَه عطفاً على الاستفهام، والمعنى: أأن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم أو يُحاجَّكم أحدٌ عند الله تُصَدِّقونه وهذا كله معنى قول الفارسي، ويجوز أن يكون» أن يؤتى أحد «منصوباً بفعل مقدر لا على سبيل التفسير، بل لمجرد الدلالة المعنوية تقديرُه: أتذكرون أو أَتَشِيعونَ أَنْ يُؤْتَى أحدٌ، ذكره الفارسي أيضاً، وهذا هو الوجهُ الرابع.
الخامس: أَنْ يكونَ» أَنْ يؤتى «في قراءته مفعولاً من أجله على أن يكون داخلاً تحت القول لا من قولِ الطائفة. وهو أظهرُ مِنْ جَعْلِهِ من قول الطائفة.
وقد ضَعَّف الفارسي قراءةَ ابن كثير فقال:» وهذا موضِعٌ ينبغي أن تُرَجَّح فيه قراءةُ غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأنَّ الأسماءَ المفردة ليس بمستمرٍ فيها أن تَدُلَّ على الكثرة «. وقرأ الأعمش وشعيب بن أبي حمزة:» إنْ يؤتى «بكسر الهمزة، وخَرَّجها الزمخشري على أنها:» إنْ «النافية فقال:» على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب أي: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع
стр. 1754
دينكم وقولوا لهم: ما يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم حتى يُحاجُّوكم عند ربكم، يعني لا يُؤْتَوْن مثلَه فلا يُحاجُّونكم «.
وقال ابن عطية:» وهذه القراءةُ تحتمل أن يكونَ الكلامُ خطاباً من الطائفةِ القائلة، ويكونُ قولُها «أو يحاجُّوكم» بمعنى: أو فليحاجُّوكم وهذا على التصميمِ على أنه لا يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتي، أو تكون بمعنى: إلاَّ أَنْ يُحاجُّوكم، وهذا على تجويز أَنْ يؤتى أحدٌ ذلك إذا قامت الحجة له «فقد ظَهَرَ على ما ذَكَرَ ابن عطية أنه يجوزُ في» أو «في هذه القراءةِ أن تكونَ على بابِها مِنْ كونِها للتخيير والتنويع، وأَنْ تكونَ بمعنى» إلاَّ «، إلاَّ أنَّ فيه حَذْفَ حرفِ الجزم وإبقاءَ عمله، وهو لا يجوز، وعلى قولِ غيره تكونُ بمعنى حتى.
وقرأ الحسن:» أَنْ يُؤْتى أحدٌ «على بناءِ الفعل للفاعل. ولَمَّا نقل هذه القراءةَ بعضُهم لم يتعرَّض ل» ان «بفتحٍ ولا كسرٍ كأبي البقاء، وتعرَّض لها بعضُهم فقيَّدها بكسرِ» إنْ «وفسَّرها ب» إنْ «النافية، والظاهر في معناها أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وهي خطابٌ من النبي ﷺ لأمته، والمفعولُ محذوف تقديره: إنْ يؤتي أحدٌ أحداً مثلَ ما أوتيتم، فحُذِفَ المفعولُ الأولُ وهو» أحداً «لدلالة المعنى عليه، وأُبْقِيَ الثاني. وهذا ما تلخَّص مِنْ كلام الناس في هذه الآية مع اختلافه ولله الحمد. قال الواحدي:» وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبهِ تفسيراً، ولقد تدبَّرْتُ أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أَجِدْ قولاً يَطَّرِدُ في هذه الآية من أولِها إلى آخِرها مع بيان المعنى وصحة النظم.
стр. 1755
قوله تعالى: ﴿مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ﴾ : مَنْ مبتدأٌ، و «من أهل»
стр. 1756
خبره، قُدِّمَ عليه، و «مَنْ» : إما موصولة وإما نكرة، و «إِنْ تَأْمَنْهُ يُؤدِّه» هذه الجملة الشرطية: إمَّا صلةٌ فلا محلَّ لها، وإمَّا صفةٌ فمحلُّها الرفع.
وقرأَ أُبَيّ: «تِئْمَنْهُ» في الحرفين، و ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب العقيلي، إلا أنهما أَبْدلا الهمزة ياء، وجَعَلَ ابن عطية ذلك لغةَ قريش، وغَلَّطه الشيخ. وقد تقدَّم لنا الكلامُ في كسرِ حرفِ المضارعة وشرطِ ذلك في سورة الفاتحة بكلامٍ مشبع فليُراجع ثمة.
والدينار أصله «دِنَّار» بنونين، فاسْتُثْقِلَ توالي مِثْلِين فأبدلوا أولهما حرفَ علة تخفيفاً لكثرة دَوْره في لسانهم، ويَدُلُّ على ذلك رَدُّه إلى النونين تكسيراً وتصغيراً في قولهِم: دَنانير ودُنَيْنِير، مثله: قيراط: أصله قِرَّاط بدليل قراريط وقُرَيْرِيط كما قالوا: تَظَنَّيْت وقَصَّيْت أظفاري، يريدون تَظَنَّنْت وقَصَّصت بثلاث نونات وثلاث صادات. والدينار مُعَرَّب، قالوا: ولم يختلف وزنه أصلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قيراط ثلاث شُعيرات معتدلة، فالمجموعُ اثنتان وسبعون شُعَيْرة.
وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم: «يُؤَدِّهْ» بسكون الهاء في الحرفين، وقرأ قالون: يُؤَدِّه بكسر الهاء من دون صلة، والباقون بكسرها موصولة بياء، وعن هشام وجهان، أحدهما: كقالون، والآخر كالجماعة.
стр. 1757
فأما قراءة أبي عمرو ومن ذُكِر معه فقد خَرَّجوها على أوجه أحسنها أنه سُكِّنت هاءُ الضمير إجراءً للوصل مُجْرى الوقف، وهو باب واسع مضى لك منه شيء نحو: ﴿يَتَسَنَّهْ وانظر﴾ [البقرة: ٢٥٩] ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وسيمر بك منه أشياء إن شاء الله تعالى، وأنشد ابن مجاهد على ذلك قوله:
١٣٣٦ - وأشربُ الماءَ ما بي نحوه عطشٌ ... إلا لأنَّ عيونَه سيلُ وادِيها
وأنشد الأخفش على ذلك أيضاً:
١٣٣٧ - فَظَلْتُ لدى البيتِ العتيقِ أُخيلُه ... ومِطْواي مُشتاقان لَهُ أَرِقانِ
إلاَّ أنَّ هذا يَخُصُّه بعضُهم بضرورة الشعر، وليس كما قال لما سيأتي.
وقد طعن بعضهم على هذه القراءة فقال الزجاج: «هذا الإِسكان الذي رُوِي عن هؤلاء غلطٌ بَيِّنٌ، لأن الهاء لا ينبغي أن تُجْزم، وإذا لم تجزم فلا تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة فَغُلِط عليه كما غُلِطَ عليه في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ، وقد حَكَى عنه سيبويه وهو ضابطٌ لمثل هذا أنه كان يكسِر كسراً خفياً، يعني يكسر في» بارئكم «كسراً خفياً فظنَّه
стр. 1758
الراوي سكوناً» . قلت: وهذا الردُّ من الزجاج ليس بشيء لوجوه منها: أنه فَرَّ من السكون إلى الاختلاس/، والذي نصَّ على أن السكون لا يجوز نَصَّ على أن الاختلاس أيضاً لا يجوز، بل جَعَلَ الإِسكان في الضرورة أحسنَ منه في الاختلاس قال: «ليَجري الوصل مُجرى الوقف إجراءً كاملاً» ، وَجَعَلَ قولَه «عيونَهْ سيلُ واديها» أحسنَ من قوله:
١٣٣٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ما حَجَّ ربَّه في الدنيا ولا اعتمرا
حيث سَكَّن الأول واختلس الثاني.
ومنها: أنَّ هذه لغةٌ ثابتةٌ عن العرب حَفِظَها الأئمة الأعلام كالسكائي والفراء، وحكى الكسائي عن بني عُقيل وبني كلاب: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع، ويقولون: «لَهْ مال ولَهُ مال» بالإِسكان والاختلاس. وقال الفراء: «مِن العرب مَنْ يجزم الهاءَ إذا تحرَّك ما قبلها فيقولون: ضربتهْ ضرباَ شديداً، فيسكنون الهاء كما يُسكنون ميم» أنتم «و» فمنهم «وأصلُها الرفع، وأنشد:
١٣٣٩ - لمَّا رأى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مالَ إلى أرطاةِ حِقْفٍ فالطَجَعْ
قلت: وهذا عجيبٌ من الفراء كيف يُنْشد هذا البيتَ في هذه المَعْرِض
стр. 1759
لأن هذه الهاء مبدلةٌ من تاء التأنيث التي كانت ثابتةً في الوصل فقلبها هاءً ساكنة في الوصل إجراءً له مُجْرى الوقف، وكلامُنا إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيث، لأنَّ هاء التأنيث لا حظَّ لها في الحركة البتة، ولذلك امتنع رَوْمُها وإشمامها في الوقفِ، نصوا على ذلك، وكان الزجاج يَضْعُف في اللغة، ولذلك رَدَّ على ثعلب في» فصيحه «أشياءَ أنكرها عن العرب، فردَّ الناس عليه ردَّه، وقالوا: قالتها العرب، فحفِظها ثعلب ولم يحفظْها الزجاج فَلْيكن هذا منها.
وزعم بعضهم أن الفعل لَمَّا كان مجزوماً وحَلَّتِ الهاءُ محلَّ لامه جرى عليها ما يجري على لام الفعل من السكون للجزم وهو غير سديد. وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها:
١٣٤٠ - لَهُ زَجَلٌ كأنه صوتُ حادٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقول الآخر:
١٣٤١ - أنا ابنُ كِلابٍ وابنُ أوسٍ فَمَنْ يَكُنْ ... قناعهُ مَغْطِيَّاً فإنِّي لَمُجْتَلِي
وقول الآخر:
١٣٤٢ - وأغبرُ الظَّهْرِ يُنْبي عن وَلِيَّتِه ... ما حَجَّ ربه في الدنيا ولا اعتمرا
وقد تقدَّم أنها لغةُ عقيل وكلاب أيضاً.
стр. 1760
وأمَّا قراءةُ الباقين فواضحةٌ. وقرأ الزهري:» يُؤَدِّهو «بضم الهاء بعدها واو، وقد تقدَّم أن هذا هو الأصل في هاء الكناية، وقرأ سلام كذلك، إلا أنه ترك الواو فاختلس، وهما نظيرتا قراءَتَيْ:» يؤد هي ويؤده «بالإِشباع والاختلاس مع الكسر.
واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعلٍ مجزوم أو أمر معتل الآخر جرى فيها هذه الأوجه الثلاثة أعني السكونَ والاختلاس والإِشباع وذلك: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ [النساء: ١١٥] ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨] ، وقد جاء ذلك في قراءة السبعة أعني الأوجه الثلاثة في بعض هذه الكلمات، وبعضها لم يأتِ فيه إلا وجهان، وسيأتي ذلك مفصَّلاً في سوره إن شاء الله تعالى، والسر فيه أن الهاء التي للكناية متى سَبَقها متحركٌ فالفصيحُ فيها الاشباعُ نحو: إنه، وبه، وله، وإنْ سَبَقها سكانٌ فالأشهرُ الاختلاسُ، وسواءً كان ذلك الساكن صحيحاً أو معتلاً نحو: فيه ومنه، وبعضُهم يُفَرِّق بين المعتل والصحيح، وقد أتقنت ذلك في أول الكتاب، إذا علم ذلك فنقول: هذه الكلماتُ المشارُ إليها إنْ نَظَرْنا إلى اللفظ فقد وَقَعتْ بعد متحركٍ فحقُّها أَنْ تُشْبَعَ حركتُها موصولةً بالياء أو الواو، وإن سَكَنَتْ فلِما تقدَّم من إجراءِ الوَصْلِ مُجْرى الوقف، وإنْ نظرنا إلى الأصلِ فقد سَبَقَها ساكنٌ وهو حرفُ
стр. 1761
العلة المحذوف للجزم، فلذلك جاز الاختلاسُ، وهذا أصلٌ نافعَ يَطَّرِدُ معك عند قربِك في هذا الكتاب من هذه الكلماتِ.
قوله: «بدينار» في هذه الباءِ أوجهٌ، أحدُها: أنها على أصلها من الإِلصاق وفيه قلقٌ، والثاني: أنها بمعنى في، ولا بُدَّ من حذف مضاف أي: في حفظِ دينارٍ وفي حفظ قنطار. والثالث: أن الباء بمعنى على، وقد عُدِّي بها كثيراً: ﴿لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٦٤] وكذلك هي في «بقنطار» .
قوله: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ استثناءٌ مفرغ من الظرف العام، إذا التقدير: لا يُؤدِّه إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه متوكلاً به. ودُمْتَ هذه هي الناقصة/ ترفع وتنصب، وشرطُ إعمالها أَنْ يتقدمها «ما» الظرفيةُ كهذه الآية، إذ التقدير إلا مدةَ دوامك، ولا يتصرف، فأمَّا قولُهم، «يدومُ» فمضارع «دام» التامة بمعنى بقي، ولكونها صلةً ل «ما» الظرفية لَزِم أن تكونَ محتاجةً إلى كلام آخر لتعمل في الظرف نحو: «لا أصحبُك ما دمت باكياً» ، ولو قلت: «ما دام زيد قائماً» من غير شيء لم يكن كلاماً.
وجَوَّز أبو البقاء في «ما» هذه أن تكونَ مصدرية فقط، وذلك المصدرُ المنسبك منها ومِنْ دام في محلِّ نصب على الحال، وهو استثناء مفرغٌ أيضاً من الأحوال المقدَّرة العامة، والتقدير: إلاَّ في حال ملازمتك له، وعلى هذا فتكون «دام» هنا تامةً لِما تقدم مِنْ أنَّ تقدُّم الظرفيةِ شرطٌ في إعمالها، وإذا كانت تامة انتصب «قائماً» على الحال.
ويقال: دامَ يدوم كقام يقوم، ودُمت قائماً بضم الفاء وهذه لغة الحجاز،
стр. 1762
وتميم يقولون: دِمت بكسرها، وبها قرأ أبو عبد الرحمن وابن وثاب والأعمش وطلحة والفياض بن غزوان، قال الفراء: «وهذه لغة تميم ويجتمعون في المضارع، فيقولون: يدوم» ، يعني أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارعَ مضموم العين، وكان قياس تميم أن تقول يَدام كخَاف يخَاف ومات يمات، فيكون وزنُها عند الحجاز: فَعَل بفتح العين، وعند التميميين: فَعِل بكسرها، وهذا نقلُ الفراء، وأمَّا غيرُه فنقل عن تميم أنهم يقولون: دِمْت أدام كخِفْت أخاف، نقل ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني وأبي القاسم الزمخشري.
وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على الثبوت والسكون، يقال: «دام الماء» أي سكن، وفي الحديث: «لا يبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ» وفي بعضه بزيادة «الذي لا يجرى» وهو تفسيرٌ له، وأَدَمْتُ القِدْرَ ودوَّمْتُها: سكَّنت غليانها بالماء، ومنه دام الشيء: إذا امتد عليه زمان، ودَوَّمَتِ الشمس: إذا وقفت في كبد السماء، قال ذو الرمة:
١٣٤٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
стр. 1763
والشمسُ حَيْرَى لها في الجَوِّ تَدْويمُ
هكذا أنشد الراغب هذا الشطرَ على هذا المعنى، وغيرُه يُنْشِده على معنى أنَّ الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حولَ الشيء، ومنه الدوامُ: وهو الدُّوار الذي يأخذ الإِنسان في دماغه فيرى الأشياءَ دائرة، وأنشد معه أيضاً قولَ علقمة بن عبدة:
١٣٤٤ - تَشْفي الصُّداع ولا يُؤْذِيك صالِبُها ... ولا يُخالطُها في الرأسِ تدويم
ومنه: دَوَّم الطائرُ إذا حَلَّق ودار.
وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلِّقٌ بقائماً، والمعنى بالقيام: الملازمة لأن الأغلَب أنَّ المطالِب يقوم على رأس المطالَب، ثم جُعِل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام.
قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، و «ذلك» إشارة إلى الاستحلال وعدمِ المؤاخذة في زعمهم، أي: ذلك الاستحلالُ مستحق أو جائز بقولِهم: «ليس علينا في الأميين سبيل» .
قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ في «ليس» ضميرُ الشأن وهو اسمها، وحينئذ يجوز أن يكون «سبيل» مبتدأ و «علينا» الخبرُ، والجملةُ خبرُ «ليس» ويجوز أن يكونَ «علينا» وحده هو الخبرَ، و «سبيل» مرتفعٌ به على الفاعلية، ويجوز أن يكونَ «سبيل» اسمَ ليس، والخبرُ أحد الجارَّيْن أعني علينا أو في الأميين ويجوزُ أن يتعلق «في الأميين» بالاستقرار الذي تعلق به «علينا» .
стр. 1764
وجَوَّز بعضهم أن يتعلَّقَ بنفس «ليس» نقله أبو البقاء وغيرُه وفي هذا النقلِ نظرٌ، وذلك أنَّ هذه الأفعال النواقص في عملِها في الظروف خلافٌ، وبَنوا الخلافَ على الخلاف في دلالتها على الحدثِ فَمَنْ قال: تَدُلُّ على الحدَث جَوَّز إعمالَها في الظرف وشِبْهِه، ومن قال: لا تَدْلُّ على الحدَث مَنَع إعمالَها، واتفقوا على أن «ليس» لا تدل على حدثٍ البتة فكيف تعمل؟ هذا ما لا يُعْقَلُ. ويجوز أنَّ يتعلَّقَ «في الأميين» بسبيل، لأنه استُعْمِل بمعنى الحرج والضمان ونحوهما، ويجوز أن يكون حالاً منه، فيتعلق بمحذوف.
وقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ الكذب﴾ يجوز أن يتعلق «على الله» بالكذب وإن كان مصدراً؛ لأنه يُتَّسع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسع في غيرهما، ومن مَنَع علَّقه بيقولون متضمناً معنى يفترون فَعُدِّي تعديتَه، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «الكذب» .
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حالية، ومفعولُ العلم محذوف اقتصاراً أي: وهم من ذوي العلم، أو اختصاراً أي: يعلمون كذبهم وافتراءهم وهو أقبحُ لهم.
стр. 1765
وقوله تعالى: ﴿بلى﴾ : جوابٌ لقولهم «ليس» وإيجابٌ لِما نَفَوه، وقد تقدَّم القول في نظيره، ومَنْ شرطية أو موصولة، والرابطُ من الجملة الجزائية أو الخبرية هو العمومُ في المتقيَّن، وعند مَنْ يرى الربط بقيام الظاهرِ مقامَ المضمر يقولُ ذلك هنا، وقيل: الجزاء أو الخبر محذوف تقديره: يحبه الله، ودلَّ على هذا المحذوفِ قولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وفيه تكلفٌ لا حاجةَ إليه.
و ﴿بِعَهْدِهِ﴾ يجوز أَنْ يكونَ المصدرُ مضافاً لفاعِله على أَنَّ الضمير يعودُ
стр. 1766
على مَنْ، أو إلى مفعوله على أنه يعود على «الله» ، ويجوز أن يكون المصدرُ مضافاً للفاعل وإن كان الضمير لله تعالى/، وإلى المفعول وإنْ كان الضمير لِمَنْ، ومعناه واضح إذا تُؤُمِّل.
стр. 1767
قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ﴾ : «صفةٌ ل» فريقاً «فهي في محل نصب، وجمع الضمير اعتباراً بالمعنى لأنه اسمُ جمع كالقَوْم والرهط، قال أبو البقاء:» ولو أُفْرد على اللفظ لجازَ «وفيه نظرٌ إذ لا يجوز:» القوم جاءني «.
والعامة على» يَلوون «بفتح الياء وسكون اللام وبعدها واوٌ مضمومة ثم أخرى ساكنةٌ، مضارع لَوَى أي: فَتَل. وقرأ أبو جعفر وشيبة بن نصاح، وأبو حاتم عن نافع: يُلَوُّون بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد الواو الأولى من لَوَّى مضعفاً، والتضعيفُ فيه للتكثير والمبالغة لا للتعدية، إذ لو كان لها لتعدَّى لآخرَ لأنه متعدٍّ لواحد قبلَ ذلك، ونسبها الزمخشري لأهل المدينة وهو كما قال: فإنَّ هؤلاء رؤساء قراء المدينة.
وقرأ حميد:» يَلُون «بفتح الياء وضم اللام بعدها واو مفردة ساكنة، ونسبها الزمخشري لمجاهد وابن كثير، ووجَّهها هو بأن الأصلَ:» يَلْوُون «كقراءة العامة، ثم أُبْدِلَتِ الواو المضمومة همزةً، وهو بدلٌ قياسيّ كأجوه وأُقِّتت، ثم خُفِّفت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكنِ قبلها وهو اللامُ وحُذِفَت الهمزة فبقي وزنُ يَلُون: يَفُون بحذف اللام والعين، وذلك أن اللام وهي الياء حُذفت لالتقاء الساكنين لأن الأصل:» يَلْوِيُون «كيَضْربون فاستُثْقلت الضمة
стр. 1768
على الياء فَحُذفت فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير فَحُذفت الياء لالتقائمها، ثم حُذِفت الواو التي هي عينُ الكلمة بما قدمته لك.
وألسنتهم: جمعُ لِسان وهذا على لغةِ مَنْ ذكَّر، وأما على لغة من يؤنثه فيقول: هذه لسان فإنه يُجْمع على ألسن نحو: ذِراع وأَذْرُع وكِراع وأَكْرُع، وقال الفراء:» لم نَسْمعه من العربِ إلا مذكراً «ويُعَبِّر باللسانِ عن الكلام لأنه يَنشأ منه وفيه، والمرادُ به ذلك أيضاً التذكيرُ والتأنيث.
والَّليُّ: الفَتْلُ، يقال: لَوَيْتُ الثوبَ ولَوَيْتُ عنقه أي: فَتَلْتُه والمصدرُ الليُّ والليَّان، قال:
١٣٤٥ - قد كُنْت دايَنْتُ بها حَسَّانا ... مخافةَ الإِفلاسِ واللَّيَّانا
والأصل: لَوْي ولَوْيان، فأُعِلَّ وهو واضح بما تقدَّم في» ميِّت «وبابِه، ثم يُطْلَقُ الَّليُّ على الإِراغةِ والمراوغة في الحجج والخصومةِ تشبيهاً للمعاني بالأجرام.
و ﴿بالكتاب﴾ متعلِّق بيَلْوُون وهو تعلُّقٌ واضح، وجَعَله أبو البقاء حالاً من الألسنة قال:» تقديرُه ملتبسةً بالكتاب أو ناطقة بالكتاب «، والضمير في ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ يجوزُ أَنْ يعودَ على ما دَلَّ عليه ما تقدم من ذِكْر الليِّ والتحريف أي: لتحسَبوا المحرَّف من التوراة، ويجوز أن يعودَ على مضافٍ محذوف دَلَّ
стр. 1769
عليه المعنى والأصل: يَلْوُون ألسنَتهم بشبه الكتاب لتحسَبوا شبه الكتاب الذي حرفوه من الكتاب، ويكون كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ﴾ [النور: ٤] ثم قال» يَغْشاه «والأصل: أو كذي ظلمات، فالضميرُ من» يغشاه «يعود على ذي المحذوف. و ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو المفعول الثاني للحسبان. وقُرىء» ليحسبوه «بياء الغَيْبة والمراد بهم المسلمون أيضاً، كما أريد بالمخاطبين في قراءة العامة، والمعنى: ليحسَب المسملون أنَّ المحرَّف من التوراة.
стр. 1770
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ﴾ : «أَنْ يؤتيَه» اسمُ كان و «لبشر» خبرُها. وقوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ عطفٌ على «يؤتيه» ، وهذا العطفُ لازمٌ من حيث المعنى، إذ لو سكت عنه لم يَصِحَّ المعنى، لأنَّ الله تعالى قد أتى كثيرا من البشر الكتابَ والحكم والنبوة، وهذا كما يقولون في بعض الأحوال والمفاعيل: إنها لازمة، فلا غرو أيضاً في لزوم المعطوف، وإما بَيَّنْتُ لك هذا لأجل قراءةٍ سأذكرها. ومعنى مجيء هذ النفيَ في كلام العرب نحو: «ما كان لزيد أن يفعل» ونحوه نفيُ الكونِ والمرادُ نفيُ خبرِه، وهو على قسمين: قسمٍ يكونُ النفي فيه من جهة الفعل، ويُعَبَّر عنه بالنفي التام نحو هذه الآية، لأنَّ الله تعالى لا يُعْطي الكتابَ والحكم والنبوة لمَنْ يقولُ هذه المقالةَ الشنعاء، ونحوُه: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: ١٤٥] ، وقسمٍ يكونُ النفي فيه على سبيل الانتقاء كقول أبي بكر «ما كان لابن أبي قحافة أن يقدَّم فيصلي بين يدي رسول الله ﷺ » ، ويُعْرَفُ القسمانِ من السياق.
стр. 1771
وقرأ العامة: «يقول» بالنصب نسقاً على «يؤتيه» ، وقرأ ابن كثير في رواية شبل بن عباد، وأبو عمرو في رواية محبوب: «يقول» بالرفع، وخرَّجوها على القطع والاستئناف، وهو مشكلٌ لِما قَدَّمته من أن المعنى على لزومِ ذكر هذا المعطوف، إذ لا يستقِلّ ما قبله لفساد المعنى فيكون يقولون على القَطع والاستئناف؟ /
قوله: ﴿عِبَاداً﴾ قال ابن عطية: «ومِنْ جموعه عبيد وعِبِدَّى. قال بعض اللغويين: هذه الجموعُ كلها بمعنى، وقال بعضُهم: العِباد لله، والعبيد والعِبِدّى للبشر، وقال بعضهم: العِبِدَّى إنما يقال في العبد من العبيد كأنه مبالغةٌ تقتضي الإِغراق في العبودية، والذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع» عبد «متى سيقت اللفظة في مضمار الترفُّع والدلالة على الطاعة دونَ أَنْ يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن، وانظر قوله: ﴿والله رَؤُوفٌ بالعباد﴾ [البقرة: ٢٠٧] و ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] و ﴿ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] ، وقولَ عيسى في معنى الشفاعة والتعريض: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] ، وأمَّا العبيد فيستعمل في تحقيره، ومنه قول امرىء القيس:
стр. 1772
١٣٤٦ - قولا لدودانَ عبيدِ العَصا ... ما غَرَّكم بالأسدِ الباسلِ
وقال حمزة بن عبد المطلب:» وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي «، ومنه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لأنه مكان تشفيقٍ وإعلامٍ بقلة انتصارهم ومَقدِرتهم، وأنه تعالى ليس بظلامٍ لهم مع ذلك، ولما كانت لفظةُ العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أَنِس بها في قوله تعالى:
﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] «فهذا النوعُ من النظر يَسْلُك بك سبيلَ العجائب في فصاحة القرآن العزيز على الطريقةِ العربية» قال الشيخ: «وفيه بعضُ مناقشة أمَّا قولُه: ومِنْ جموعِه عبيد وعِبدَّى» فأمَّا «عبيد» فالأصحُّ أنه جمع. وقيل: اسم جمع، «وأَما عِبِدَّى فاسم جمع، وألفه للتأنيث» قلت: لا مناقشة، فإنه إنما يعني جمعاً معنوياً ولا شك أنَّ اسمَ الجمعِ جمعٌ معنوي. ثم قال: «وأمَّا ما استقراه من أنَّ» عباداً «يُساقُ في معنى الترفع والدلالة على الطاعة دونَ أن يقترِنَ بها معنى التحقير والتصغير وإيرادُهُ ألفاظاً في القرآن بلفظ العباد، وأَمَّا قوله:» وأمَّا العبيد فَيُستعمل في تحقير وأنشد بيتَ امرىء القيس وقولَ حمزة «وهل أنتم إلا عبيدُ أبي» وقوله تعالى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فاستقراءُ ليس بصحيح، وإنما كَثُرَ استعمال «عباد» دون «عبيد» لأنَّ فِعالاً في جمع فَعْل غير اليائي العين قياسيٌّ مطرد، وجمع فَعْل على فَعيل لا يَطِّرد. قال سيبويه: «وربما جاء فَعِيلاً وهو قليل نحو: الكليب والعبيد» فلما كان فِعال مقيساً في جمع «عبد» جاء «عباد» كثيراً. وأما ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فَحَسَّن مجيئه هنا وإن لم يكن مقيساً أنه جاء لتواخي الفواصل، ألا ترى أنَّ قبله ﴿أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ
стр. 1773
بَعِيدٍ﴾ وبعده ﴿قالوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ فَحَسَّن مجيئَه بلفظ العبيد مراعاةُ هاتين الفاصلتين، ونظير هذا في سورة ق: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الآية: ٢٩] لأنَّ قبله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد﴾ وبعده: «وتقول: هل من مزيد» . وأمَّا مدلُوله فمدلولُ «عِباد» سواءٌ. وأمَّا بيتُ امرىء القيس فلم يُفْهَمْ التحقيرُ من لفظ «عبيد» إنما فُهِمَ من إضافتهم إلى العصا ومن مجموعِ البيت، وكذلك قولُ حمزة: «هل أنتم إلا عبيدُ أبي» إنما فُهِمَ التحقير من قرينة الحال التي كان عليها، وأتى في البيت وفي قول حمزة على أحد الجائزين «. قلت: رَدُّه عليه استقراءَه من غير إتيانِهِ بما يخْرِمُ الاستقراء مردودٌ. وأمَّا ادِّعاؤه أن التحقير مفهومٌ من السياق دون لفظِ عبيد فممنوعٌ، ولأنه إذا دار إحالةٌ الحكم بين اللفظِ وغيره فالإِحالَةُ على اللفظ أَوْلَى.
وقوله:» لي «صفةٌ لعباد، و» مِنْ دون «متعلِّقٌ بلفظِ» عباد «لِما فيه من معنى الفعل، يجوزُ أَنْ يَكونَ صفةً ثانيةً وأَنْ يكونَ حالاً لتخصُّص النكرة بالوصف.
قوله: ﴿ولكن كُونُواْ﴾ أي: ولكن يقول كونوا، فلا بُدَّ من إضمار القول هنا. والرَّبَّانِيُّون جمع ربَّانِيّ، وفيه قولان، أحدهما أنه منسوب إلى الرَّبِّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة كرقبَاني وشَعْراني ولِحْياني للغليظ الرقبة والكثير الشعر والطويل اللحية، ولا تُفْرد هذه الزيادة عن النسب، أَمَّا إذا نَسَبوا إلى الرقبة والشعر واللحية من غير مبالغة قالوا: رَقَبي وشَعْري ولَحَوي، هذا معنى قول سيبويه.
والثاني: أنه منسوب إلى
стр. 1774
رَبَّان والربَّان هو المُعَلِّمُ للخير ومَنْ يسوس الناس ويُعَّرِّفهم أمرَ دينِهم، فالألفُ والنونُ دالَّتان على زيادةِ الوصفِ كهي في عَطْشان ورَيَّان وجَوْعَان ووَسْنان، وتكونُ النسبةُ على هذا في الوصف نحو أَحْمريّ، قال:
١٣٤٧ - أطَرباً وأنت قِنَّسْرِيُّ ... والدهرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ
وقال سيبويه: «زادوا ألفاً ونوناً في الرَّباني أرادوا تخصيصاً بعلم الرب دونَ غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: شَعْراني ولِحْياني ورَقَباني» وفي التفسير: «كونوا فقهاء علماء» ، ولمَّا مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية: «مات اليوم رَبَّانيُّ هذه الأمة» .
قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ الباء سببية أي: كونوا/ علما بسبب كونكم. وفي متعلَّق هذه الباءِ حينئذٍ أقوال أحدها: أنه متعلقة بكونوا، كذا ذكره أبو البقاء والخلاف مشهور. الثاني: أن تتعلق بربانيين، لأنَّ فيه معنى الفعل. الثالث: أن تتعلَّق بمحذوف على أنها صفة لربانيين ذكره أبو البقاء وليس بواضح المعنى.
و «ما» مصدريةٌ، وظاهرُ كلام الشيخ أنه يجوز أن تكون غير ذلك، فإنه قال: «وما الظاهر أنها مصدريةٌ» فهذا يجوِّزُ غير ذلك، وجوازه فيه بُعْدٌ،
стр. 1775
وهو أن تكون موصولةً، وحينئذٍ تحتاجُ إلى عائد وهو مقدَّر، أي: بسبب الذي تُعَلِّمون به الكتاب، وقد نقَص شرطُ وهو اتحاد المتعلَّق فلذلك لم يظهر جَعْلُها غيرَ مصدرية.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «تَعْلَمُون» مفتوحٌ حرفُ المضارعة، ساكنُ العينِ مفتوحُ اللام من: عَلِمَ يَعْلَم، أي: تعرفون فيتعدى لواحد، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً، فيتعدى لاثنين أولهما محذوف، تقديره: تُعَلِّمون الناس والطالبين الكتابَ، ويجوز ألاَّ يُرادَ مفعول أي: كنتم من أهلِ تعليم الكتاب، وهو نظيرُ: «أطعم الخبز» المقصودُ الأهمُّ إطعامُ الخبزِ من غيرِ نظر إلى مَنْ يُطْعِمُه، فالتضعيف فيه للتعدية.
وقد رَجَّح جماعة هذه القراءةَ على قراءة نافع بأنها أَبْلَغُ؛ وذلك أَنَّ كلَّ مُعَلِّمٍ عالمٌ، وليس كلُّ عالمٍ مُعَلماً، فالوصفُ بالتعليم أبلغُ، وبأن قبله ذِكْرَ الربانيين، والربَّانيُّ يقتضي أَنْ يَعْلَمَ ويُعَلِّمَ غيره، لا أن يَقْتَصَر بالعلم على نفسه.
ورجَّح بعضُهم الأولى بأنه لم يُذْكَر إلا مفعولٌ واحدٌ والأصل عدم الحذف، والتخفيف مُسَوِّغٌ لذلك بخلاف التشديد، فإنه لا بد من تقدير مفعول، وأيضاً فهو أوفقُ لتدرُسون. والقراءتان متواترتان فلا ينبغي ترجيحُ إحداهما على الأخرى، وقد قَدَّمت ذلك في أوائل هذا الموضوع.
стр. 1776
وقرأ الحسن ومجاهد: «تَعَلَّمون» فتح التاء والعين واللام مشددة من «تعلَّم» والأصل: تتعلَّمون بتاءين فحُذِفَت إحداهما. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ كالذي قبله.
والعامة على «تَدْرُسون» بفتح التاء وضم الراء من الدَّرْس وهو مناسب لَتَعْلَمون من علم ثلاثياً، قال بعضهم: «كان حقُّ مَنْ قرأ» تُعَلِّمون «بالتشديد أن يقرأ:» تُدَرِّسون «بالتشديد» وليس بلازم، إذ المعنى: كنتم تُعَلِّمون غيركم ثم صرتم تدرسُون، وبما كنتم تدرسونه عليهم أي: تتلونه عليهم كقوله تعالى: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس﴾ [الإسراء: ١٠٦] .
وقرأ ابو حيوة في إحدى الروايتين عنه «تَدْرِسُون» بكسر الراء وهي لغة ضعيفة، يقال: دَرَسَ العلم يَدْرِسه بكسر العين في المضارع وهما لغتان في مضارع دَرَسَ، وقرأ هو أيضاً في رواية: «تُدَرِّسون» مِنْ دَرَّس بالتشديد، وفيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ التضعيف فيه للتكثير، فيكون موافقاً لقراءة تَعْلَمون بالتخفيف. والثاني: أن التضعيف للتعدية ويكون المفعولان محذوفين لفهم المعنى، والتقديرُ: تُدَرِّسون غيرَكم العلمَ أي: تَحْمِلُونهم على الدَّرْسِ. وقُرىء «تُدْرِسون» من أَدْرَسَ، كتُكْرِمُون مِنْ أَكْرَمَ على أنَّ أفعل بمعنى فَعَّل بالتشديد، فأَدْرَس ودَرَّس واحدٌ كأكرم وكرَّم وأَنْزَلَ ونَزَّل.
والدَّرْس: التَّكرارُ والإِمانُ على الشيء ومنه: دَرَسَ زيدٌ الكتاب والقرآن يَدْرُسه ويدرِسه أي كرَّر عليه، ويقال: دَرَسْتُ الكتاب أي: تناوَلْتُ أثرَه بالحفظ.
стр. 1777
ولمَّا كانَ ذلك بمداومَةِ القرآن عَبَّر عن إدامةِ القرآن بالدَّرْسِ، ودَرَسَ المنزل: ذَهَبَ أثرُهُ وطللُ عارفٍ ودارسٌ بمعنًى.
стр. 1778
قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب «يأمركم» والباقون بالرفع، وأبو عمرو على أصلِهِ من جواز تسكين الراء والاختلاسِ، وهي قراءة واضحة سهلة التخريج والمعنى، وذلك أنها على القطع والاستئناف، أخبر تعالى بأن ذلك الأمرَ لا يقع. والفاعل فيه احتمالان، أحدهما: هو ضميرُ الله تعالى، والثاني هو ضميرُ «بَشَر» الموصوف بما تقدَّم، والمعنى على عَوْدِهِ على «بَشَر» أنه لا يقع مِنْ بشر موصوفٍ بما وُصِف به أَنْ يَجْعَلَ نفسَه رباً فيُعْبَدَ، ولا يأمر أيضاً أن تُعْبَدَ الملائكة والأنبياءُ من دون الله، فانتقى أن يدعوَ الناس إلى عبادة نفسه وإلى عبادة غيره. والمعنى على عَوْده على الله تعالى أنه أخبر أنه لم يأمر بذلك فانتفى أمر الله وأمر أنبيائه بعبادةِ غيره تعالى.
وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها [أوجه،] أحدُها: قول أبي علي وغيره، وهو أن يكونَ المعنى: ولا له أن يأمرَكم، فقدَّروا «أَنْ» تُضْمر بعد «لا» وتكون «لا» مؤكِّدةً لمعنى النفي السابق كما تقول: «ما كان من زيد إتيانٌ ولا قيام» وأنت تريدُ انتفاءَ كلِّ واحدٍ منهما عن زيد، فلا للتوكيد لمعنى النفي السابق/، وبقي معنى الكلام: ما كانَ من زيدٍ إتيانٌ ولا منه قيام.
الثاني: أن يكونَ نصبُه لنسقِهِ على «يُؤْتِيَه» قال سيبويه: «والمعنى: وما كان لبشرٍ أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة» . قال الواحدي: «ويُقَوِّي هذا
стр. 1779
الوجه ما ذكرنا أن اليهود قالت للنبي ﷺ : أتريد يا محمد أن نتَّخذك رباً فَنَزَلَت» .
الثالث: أن يكونَ معطوفاً على «يقول» في قراءة العامة قاله الطبري. قال ابن عطية: «وهذا خطأٌ لا يلتئم به المعنى» ولم ييبِّنْ أبو محمد وجهَ الخطأ ولا عدمَ التئام المعنى. قال الشيخ: «وجهة الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على» يقول «وجَعَل» لا «للنفي على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد فلا يمكن أن يقدِّر الناصبَ وهو» أنْ «إلا قبل» لا «النافية، وإذا قَدَّرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي ب» لا «مصدر منفيٌّ، فيصير المعنى: ما كان لبشرٍ موصوفٍ بما وُصف به انتفاءُ أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، وإذا لم يكن له انتفاءُ الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك، وهو خطأٌ بيِّن. أمَّا إذا جَعَل» لا «لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خطأ ولا عدم التئام المعنى، وذلك أنه يصير النفي منسحباً على المصدرين المُقَدَّرِ ثبوتُهما فينتفي قولُه ﴿كُونُواْ عِبَاداً لِّي﴾ وينتفي أيضاً أمرُه باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، ويوضِّح هذا المعنى وضعُ» غير «موضعَ» لا «فإذا قلت:» ما لزيد فقهُ ولا نحوٌ «كانت» لا «لتأكيد النفي وانتفى عنه الوصفان، ولو جعلت» لا «لتأسيس النفي كانت بمعنى غير، فيصير المعنى انتفاء الفقه عن وثبوتَ النحو له، إذ لو قلت:» ما لزيد فقه وغيرُ نحو «كانَ في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلت: ما له غيرُ نحو، ألا ترى أنك إذا قلت:» جئتُ بلا زادٍ «كان المعنى جئت بغير زادٍ، وإذا قلت:» ما جئت بغير زادٍ «معناه أنك جِئت بزاد، لأنَّ» لا «هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدمَ التئام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن تكون» لا «لتأسيس النفي لا لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي
стр. 1780
بلا على المثبت الداخل عليه النفيُ نحو: ما أريد أن تجهل وأن لا تتعلم تريد: ما أريدُ أَنْ لا تتعلم» انتهى.
وتابع الزمخشريُّ الطبريَّ في عطف «يَأْمركم» على «يقول» وجَوَّز في «لا» الداخلةِ عليه وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ لتأسيس النفي، والثاني: أنها مزيدةٌ لتأكيده، فقال: «وقُرىء» ولا يأمركم «بالنصب عطفاً على» ثم يقول «، وفيه وجهان، أحدهما: أَنْ تَجْعَلَ» لا «مزيدةً لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وتركِ الأندادِ، ثم يأمرَ الناسَ بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً كقولك: ما كان لزيدٍ أن أكرمه ثم يهينَني ولا يستَخِفَّ بي. والثاني: أن تَجْعَلَ» لا «غيرَ مزيدة، والمعنى: أنَّ رسول الله ﷺ كان ينهى قريشاً على عبادةِ الملائكة، واليهودَ والنصارى عن عبادةِ عُزير والمسيح، فلمَّا قالوا له: أَنتخذك رَبّاً قيل لهم: ما كان لبشَر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء» . قلت: وهذا الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ «لا» لتأسيسِ النفي أو تأكيدِهِ، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر والحمد لله صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري وظهر أن ردَّ ابن عطيةَ عليه مردود.
وقد رَجَّحَ الناسُ قراءةَ الرفع على النصب قال سيبويه: «ولا يأمُركم منقطعة مما قبلهما؛ لان المعنى ولا يأمركم الله» ، قال الواحدي: «ومما يدلُّ على الانقطاع من الأول قراءةُ عبد الله:» ولَنْ يأمركم «.
قالوا الفراء: «فهذا
стр. 1781
دليلٌ على انقطاعِها من النسق وأنَّها مستأنفةٌ، فلمَّا وقعت [لا] موقعَ لن رَفَعَتْ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ [البقرة: ١١٩] وفي قراءة عبد الله:» ولن تُسْأل «وقال الزمخشري:» والقراءة بالرفع على ابتداءِ الكلام أظهرُ، ويَعْضِدُها قراءةُ عبد الله: «ولن يأمركم» . انتهى.
وقد تقدَّم أنَّ الضميرَ في «يأمركم» يجوز أن يعود على «الله» وأن يعود على البشر الموصوف بما تقدم، والمرادُ به النبي ﷺ أو أعلمُّ من ذلك، سواءً قُرىء برفع «ولا يأمركم» أو بنصبه إذا جعلناه معطوفاً على «يؤتيه» ، وأما إذا جعلناه معطوفاً على «يقول» فإنَّ الضمير يعود لبشر ليس إلا، ويؤيد ما قلته ما قال بعضُهم: «ووجهُ القراءةِ بالنصب أن يكونَ معطوفاً على الفعلِ المنصوب قبله، فيكونُ الضميرُ المرفوع لبشر لا غير» يعني بما قبله «ثم يقولَ» . ولمَّا ذكر سيبويه قراءة الرفع جعل الضميرَ عائداً على الله تعالى، ولم يذكر غيرَ ذلك، فيُحتمل أَنْ يكونَ هو الأَظهرَ عنده، ويُحتمل أنه لا يجوز غيرُه، والأولى أَوْلى.
قال بعضهم: «في الضمير المنصوب في» يأمركم «على كلتا القراءتين خروجٌ من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفاتِ» قلت: كأنه تَوَهَّم أنه لمَّا [توهم] تقدَّم ذِكْرُ الناسِ في قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ كان ينبغي أن يكون النظم «ولا يأمرهم» جَرْياً على ما تقدم، وليس كذلك، بل هذا ابتداءُ خطابٍ لا التفاتَ فيه.
قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ «بعد» متعلِّقٌ بيأمركم، و «بعد» ظرفُ زمانٍ
стр. 1782
مضافٌ لظرفِ زمانٍ ماضٍ، وقد تقدَّم أنه لا يُضاف إليه إلا الزمان نحو: حينئذٍ ويومئذٍ، و ﴿أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ في محلِّ خفضٍ بالإِضافة؛ لأنَّ «إذ» تُضاف إلى الجملة مطلقاً اسميةً كانت أو فعليةً.
стр. 1783
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾ : في العامل في هذا الظرف أوجهٌ، أحدُها: «اذكر» إنْ كان الخطاب للنبيّ ﷺ . والثاني: «اذكروا» إن كان خطاباً لأهل الكتاب. الثالث: «اصطفى» فيكون معطوفاً على «إذ» المقدَّمةِ قبلها. وفيه بُعْدٌ، بل امتناعٌ لبُعْدِه. الرابع: أنَّ العامل فيه «قال» من قوله: «قال أأقررتم» وهو واضح جداً.
و ﴿مِيثَاقَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي وعبد الله وقراءاتِهما: «ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب» مثلَ ما آخر السورة، وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال: «أخطأ الكاتب» وهذا خطأٌ من قائله كائناً مَنْ كان، ولا أظنُّه يصِحُّ عن مجاهد، وفإنه قرأ عليه مثلُ ابنِ كثير وأبي عمرو ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.
والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكَر الناسُ فيها أوجهاً، أحدُها: أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضَهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلوه، وهذا مَرْوِيٌّ عن جماعة. الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير: ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبد الله، ويؤيدُه أيضاً قولُه: ﴿فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك﴾ . الثالث: أنه على حذف مضاف تقديرُه: ميثاقُ أمم الأنبياء أو أتباعِ، ويؤيده ما أيَّد ما قبله أيضاً وقوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ .
стр. 1784
الرابع: قال الزمخشري: «أَنْ يُراد أهلُ الكتاب، وأَنْ يَرُدَّ على زَعْمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون: نحن أَوْلى بالنبوة من محمد ﷺ ، لأنَّا أهل كتاب ومنا كان النبيون» وهذا الذي قاله بعيد جداً، كيف يُسَمِّيهم أنبياءً تهكماً بهم، ولم يكن ثَم قرينةٌ تبيِّن ذلك؟
قوله: ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ العامةُ: «لَما» بفتح اللام وتخفيف الميم، وحمزةُ وحده على كسر اللام، وسعيد بن جبير والحسن: لَمَّا بالفتح والتشديد.
فأمَّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه: أحدُها: أن تكون «ما» موصولةً بمعنى الذي وهي مفعولةٌ بفعل محذوف، وذلك الفعلُ هو جوابُ القسم، والتقدير: والله لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتابٍ، قال هذا القائل: لأنَّ لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللامُ على الفعل حُذِف، ثم قال تعالى: «ثم جاءكم رسول وهو محمد صلى الله عليه سلم» قال: «وعلى هذا التقدير يستقيم النظم» . قلت: «وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوزَ البتة، إذ يمتنع أن تقولَ في نظيرِه من الكلام:» واللهِ لزيداً «تريد: والله لتضرِبَنَّ زيداً.
الوجه الثاني: وهو قول أبي عليّ وغيره أن تكونَ اللامُ في «لَما» جوابَ قوله: ﴿مِيثَاقَ النبيين﴾ لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي لامُ الابتداء المُتَلَقَّى بها القسمُ، و «ما» مبتدأةٌ موصولة و «آتيناكم» صلتُها، والعائد محذوف تقديره: آتيناكموه، فَحُذِفَ لاستكمال شروطه، و «من كتاب» حال: إمَّا من الموصول وإمَّا من عائده، وقوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الصلة، وحينئذ فلا بُدَّ من رابطٍ يربطُ هذه الجملةَ بما قبلَها فإنَّ المعطوفَ على الصلة صلةٌ، واختلفوا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه محذوفٌ تقديره: «ثم
стр. 1785
جاءكم رسول به» فَحُذِف «به» لطول الكلام ولدلالة المعنى عليه، وهذا لا يجوزُ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَفْ إلا بشروطٍ تقدَّمت، هي مفقودةٌ هنا، وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفته، ومنهم مَنْ قال: الربطُ حصل هنا بالظاهر، لأن هذا الظاهر وهو قوله: «لِما معكم» صادقٌ على قوله: «لِما آتيناكم» فهو نظير: «أبو سعيد الذي رَوَيْتُ عن الخِدْريّ، والحَجَّاج الذي رأيتُ ابنُ يوسف» ، وقال:
١٣٤٨ - فيا رَبَّ ليلى أَنْتَ في كلِّ موطن ... وأنت الذي في رحمةِ اللهِ أَطْمَعُ
يريدون: عنه ورأيته وفي رحمته، وقد وَقَع ذلك في المبتدأ والخبر نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠] وهذا رأي أبي الحسن وتقدَّم فيه بحث. ومنهم مَنْ قال: إنَّ العائدَ يكون ضميرَ الاستقرارِ العامل في «مع» ، و «لتؤمِنُنَّ به» جوابُ قسمٍ مقدرٍ، وهذا القسمُ المقدَّرُ وجوابهُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو «لَما آتيتكم» ، والهاء في به تعود على المبتدأ ولا تعودُ على «رسول» ، لئلا يلزَمَ خُلُوُّ الجملةِ/ الواقعةِ خبراً من رابطٍ يَرْبِطُها بالمبتدأ.
الثالث: كما تقدم إلا أن اللام في «لما» لامُ التوطئة، لأنَّ أَخْذَ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي «لتؤمِنُنَّ به» لامٌ جوابِ القسم، هذا كلام الزمخشري ثم قال: «وما» تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و «لتؤمِنُنَّ» سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى «الذي» . وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنَّ لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط،
стр. 1786
وتأتي غالباً مع «إنْ» ، أما مع الموصول فلا، فلو جَوَّز في اللام أن تكون موطئةً وأن تكونَ للابتداء، ثم ذكر في «ما» الوجهين لحَمَلْنَا كلَّ واحد على ما يليق به.
الرابع: أن اللامَ هي الموطئة و «ما» بعدَها شرطيةٌ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها وهو «آتيتكم» ، وهذا الفعلُ مستقبلٌ معنًى لكونِه في حَيِّز الشرط، ومَحلُّه الجزم والتقدير: والله لأَيَّ شيء آتيتُكم مِنْ كذا وكذا لتكونن كذا.
وقوله: ﴿مِّن كِتَابٍ﴾ كقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وقد تقدَّم تقريرُه. وقوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الفعلِ قبلَه فيلزُم أَنْ يكون فيه رابطٌ يربطُه بما عُطِف عليه. و «لتؤمِنُنَّ» جوابٌ لقوله: ﴿أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾ ، وجوابُ الشرط محذوفٌ سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضميرُ في «به» عائدٌ على «رسول» ، كذا قال الشيخ، وفيه نظر لأنه عَوْدُه على اسمِ الشرط، ويَسْتَغني حينئذ عن تقديره رابطاً، وهذا كما تقدَّم في الوجهِ الثاني، ونظيرهُ هذا من الكلام أن تقول: «أَحْلِفُ باللهِ لأَيَّهم رأيتُ ثم ذهب إليه رجلٌ قُرَشي لأُحْسِنَنَّ إليه» تريدُ إلى الرجل، وهذا الوجهُ هو مذهبُ الكسائي.
وقال سأل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية فأجابَ بأنَّ «ما» بمنزلة الذي، ودَخَلَتِ اللامُ على «ما» كما دخلت على «إنْ» حين قلت: واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأفعلنَّ، فاللامُ التي في «ما» كهذه التي في إنْ، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا «هذا نصٌّ الخليل. قال أبو علي:» لم يُرِد الخليل بقوله «
стр. 1787
إنها بمنزلة الذي» كونَها موصولةً بل أنها اسمٌ كما أن الذي اسم، وقرر أن تكونَ حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحياة﴾ [الزخرف: ٣٥] وقال سيبويه: «ومثلُ ذلك: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] إنما دَخَلَتْ اللامُ على نِيَّة اليمين» .
وإلى كونِها شرطيةً ذهب جماعةٌ كالمازني والزجَّاج والزمخشري والفارسي، قال الشيخ: «وفيه حَدْسٌ لطيف، وحاصلُ ما ذكر أنهم إن أرادوا تفسيرَ المعنى فيمكن أن يُقال، وإنْ أرادوا تفسير الإِعراب فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلاً منهما أعني الشرط والقسم يطلُب جواباً على حِدة، ولا يمكن أن يكونَ هذا محمولاً عليهما؛ لأنَّ الشرطَ يقتضيه على جهة العملِ فيكونُ في موضع جزم، والقسمُ يطلبُه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له من الإِعراب، ومُحالٌ أن يكونَ الشيء له موضعٌ من الإِعراب ولا موضع له من الإِعراب» قلت: تقدَّم هذا الإِشكالُ والجوابُ عنه.
الخامس: أنَّ أصلَها «لَمَّا» بتشديدِ الميم فخففت، وهذا قول ابن أبي إسحاق، وسيأتي توجيهُ قراءة التشديد فَتُعْرَفُ مِنْ ثَمَّة.
وقرأ حمزة: «لِما» بكسرِ اللامِ خفيفةَ الميم أيضاً، وفيها أربعةُ أوجه، أحدهما: وهو أغربُها أن تكونَ اللام بمعنى «بعد» كقوله النابعة:
стр. 1788
١٣٤٩ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
يريد: فَعَرَفْتُها بعد ستة أعوام، وهذا منقولٌ عن صاحب النظم، ولا أدري ما حَمَله على ذلك؟ وكيف يَنْتظم هذا كلاماً، إذ يصير تقديرُه: وإذ أخذ اللهُ ميثاقَ النبيين بعدَما آتيناكم، ومَنِ المخاطبُ بذلك؟
الثاني: أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة ب «لتؤمِنُنَّ» ، و «ما» حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري: «ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ» ما «مصدريةٌ، والفعلان معها أعني:» آتيناكم «و» جاءكم «في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى: أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ:» ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله: لتؤمِنُنَّ به «، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول: والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ: والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في» لِما «بقوله:» لتؤمِننَّ «. وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب إذا كان ظرفاً أو مجروراً تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك:
١٣٥٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . .
стр. 1789
عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
وقولَه تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله:» لَتُؤْمِنُنَّ «وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت: أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه.
والثالث: أن تتعلَّقَ اللام بأخذ أي: لأجل إيتائي إياكم كيتَ وكيتَ أخذْتُ عليكم الميثاق، وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: لرعاية ما أتيتكم.
الرابع: أن تتعلَّقَ بالميثاق لأنه مصدر، أي توثَّقْنا عليهم لذلك. هذه الأوجهُ بالنسبة إلى اللام، وأمَّا [ما] ففيها ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أَنْ تكونَ مصدرية وقد تقدَّم تحريرُه عند الزمخشري. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي وعائدُها محذوفٌ و» ثم جاءكم «عطف على الصلة، والرابط لها بالموصول: إمَّا محذوفٌ تقديره:» به «وهو رأيُ سيبويه، وإمَّا لقيامِ الظاهر مقامَ المضمرِ وهو رأيُ الأخفش، وإِمَّا ضميرُ الاستقرار الذي تضمَّنه» معكم «وقد تقدَّم تحقيق ذلك. والثالث: أنها نكرةٌ موصوفة، والجملةٌ بعدها صفتُها وعائدُها محذوف، و» ثم جاءكم «عطفٌ على الصفة، والكلامُ في الرابطِ كما تقدَّم فيها وهي صلة، إلا أنَّ إقامة الظاهر مُقام الضمير في الصفة ممتنع، لو قلت:» مررت برجلٍ قام أبو عبد الله «على أن يكون» قام أبو عبد الله «صفة
стр. 1790
لرجل، والرابطُ أبو عبد الله، إذ هو الرجل في المعنى لم يَجُز ذلك، وإن جاز في الصلة والخبر عند مَنْ يرى ذلك، فيتعيَّن عَوْدُ ضمير محذوف.
وجوابُ قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ﴾ قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ كما تقدم، والضمير فيه «به» عائدٌ على «رسول» ، ويجوز الفصلُ بين القسم والمقسم عليه بمثلِ هذا الجار والمجرور لو قلت «أقسمتُ للخير الذي بلغني عن عمرٍو لأحْسِنَنَّ إليه» جاز.
وقوله: ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ : إمَّا حالٌ من الموصول أو من عائده، وإمَّا بيانٌ له فامتنع في قراءةِ حمزة أن تكونَ «ما» شرطيةً كما امتنع في قراءة الجمهورِ أن تكونَ مصدريةً.
وأمَّا قراءةُ سعيد والحسن ففيها أوجه، أحدها: أَنَّ «لَمَّا» هنا ظرفيةٌ بمعنى حين فتكونُ ظرفية. ثم القائلُ بظرفيتها اختلف تقديرُه في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم فقال: «لَمَّا» بالتشديد بمعنى حين، أي: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَ عليكم الإِيمانُ به ونصرتُه «. وقال ابن عطية:» ويظهر أن «لمَّا» هذه الظرفيةُ أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة «فقدَّر ابن عطية جوابَها من جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهبا إليه مذهب مرجوح قال به الفارسي، والجمهور: سيبويه وأتباعُه على خلافه، وقد تقدم تحقيق هذا الخلاف فلا حاجة لذكره. وقال
следующие страницы →