Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وتأتي غالباً مع «إنْ» ، أما مع الموصول فلا، فلو جَوَّز في اللام أن تكون موطئةً وأن تكونَ للابتداء، ثم ذكر في «ما» الوجهين لحَمَلْنَا كلَّ واحد على ما يليق به.
الرابع: أن اللامَ هي الموطئة و «ما» بعدَها شرطيةٌ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها وهو «آتيتكم» ، وهذا الفعلُ مستقبلٌ معنًى لكونِه في حَيِّز الشرط، ومَحلُّه الجزم والتقدير: والله لأَيَّ شيء آتيتُكم مِنْ كذا وكذا لتكونن كذا.
وقوله: ﴿مِّن كِتَابٍ﴾ كقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وقد تقدَّم تقريرُه. وقوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الفعلِ قبلَه فيلزُم أَنْ يكون فيه رابطٌ يربطُه بما عُطِف عليه. و «لتؤمِنُنَّ» جوابٌ لقوله: ﴿أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾ ، وجوابُ الشرط محذوفٌ سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضميرُ في «به» عائدٌ على «رسول» ، كذا قال الشيخ، وفيه نظر لأنه عَوْدُه على اسمِ الشرط، ويَسْتَغني حينئذ عن تقديره رابطاً، وهذا كما تقدَّم في الوجهِ الثاني، ونظيرهُ هذا من الكلام أن تقول: «أَحْلِفُ باللهِ لأَيَّهم رأيتُ ثم ذهب إليه رجلٌ قُرَشي لأُحْسِنَنَّ إليه» تريدُ إلى الرجل، وهذا الوجهُ هو مذهبُ الكسائي.
وقال سأل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية فأجابَ بأنَّ «ما» بمنزلة الذي، ودَخَلَتِ اللامُ على «ما» كما دخلت على «إنْ» حين قلت: واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأفعلنَّ، فاللامُ التي في «ما» كهذه التي في إنْ، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا «هذا نصٌّ الخليل. قال أبو علي:» لم يُرِد الخليل بقوله «
стр. 1787
إنها بمنزلة الذي» كونَها موصولةً بل أنها اسمٌ كما أن الذي اسم، وقرر أن تكونَ حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحياة﴾ [الزخرف: ٣٥] وقال سيبويه: «ومثلُ ذلك: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] إنما دَخَلَتْ اللامُ على نِيَّة اليمين» .
وإلى كونِها شرطيةً ذهب جماعةٌ كالمازني والزجَّاج والزمخشري والفارسي، قال الشيخ: «وفيه حَدْسٌ لطيف، وحاصلُ ما ذكر أنهم إن أرادوا تفسيرَ المعنى فيمكن أن يُقال، وإنْ أرادوا تفسير الإِعراب فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلاً منهما أعني الشرط والقسم يطلُب جواباً على حِدة، ولا يمكن أن يكونَ هذا محمولاً عليهما؛ لأنَّ الشرطَ يقتضيه على جهة العملِ فيكونُ في موضع جزم، والقسمُ يطلبُه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له من الإِعراب، ومُحالٌ أن يكونَ الشيء له موضعٌ من الإِعراب ولا موضع له من الإِعراب» قلت: تقدَّم هذا الإِشكالُ والجوابُ عنه.
الخامس: أنَّ أصلَها «لَمَّا» بتشديدِ الميم فخففت، وهذا قول ابن أبي إسحاق، وسيأتي توجيهُ قراءة التشديد فَتُعْرَفُ مِنْ ثَمَّة.
وقرأ حمزة: «لِما» بكسرِ اللامِ خفيفةَ الميم أيضاً، وفيها أربعةُ أوجه، أحدهما: وهو أغربُها أن تكونَ اللام بمعنى «بعد» كقوله النابعة:
стр. 1788
١٣٤٩ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
يريد: فَعَرَفْتُها بعد ستة أعوام، وهذا منقولٌ عن صاحب النظم، ولا أدري ما حَمَله على ذلك؟ وكيف يَنْتظم هذا كلاماً، إذ يصير تقديرُه: وإذ أخذ اللهُ ميثاقَ النبيين بعدَما آتيناكم، ومَنِ المخاطبُ بذلك؟
الثاني: أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة ب «لتؤمِنُنَّ» ، و «ما» حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري: «ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ» ما «مصدريةٌ، والفعلان معها أعني:» آتيناكم «و» جاءكم «في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى: أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ:» ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله: لتؤمِنُنَّ به «، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول: والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ: والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في» لِما «بقوله:» لتؤمِننَّ «. وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب إذا كان ظرفاً أو مجروراً تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك:
١٣٥٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . .
стр. 1789
عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
وقولَه تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله:» لَتُؤْمِنُنَّ «وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت: أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه.
والثالث: أن تتعلَّقَ اللام بأخذ أي: لأجل إيتائي إياكم كيتَ وكيتَ أخذْتُ عليكم الميثاق، وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: لرعاية ما أتيتكم.
الرابع: أن تتعلَّقَ بالميثاق لأنه مصدر، أي توثَّقْنا عليهم لذلك. هذه الأوجهُ بالنسبة إلى اللام، وأمَّا [ما] ففيها ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أَنْ تكونَ مصدرية وقد تقدَّم تحريرُه عند الزمخشري. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي وعائدُها محذوفٌ و» ثم جاءكم «عطف على الصلة، والرابط لها بالموصول: إمَّا محذوفٌ تقديره:» به «وهو رأيُ سيبويه، وإمَّا لقيامِ الظاهر مقامَ المضمرِ وهو رأيُ الأخفش، وإِمَّا ضميرُ الاستقرار الذي تضمَّنه» معكم «وقد تقدَّم تحقيق ذلك. والثالث: أنها نكرةٌ موصوفة، والجملةٌ بعدها صفتُها وعائدُها محذوف، و» ثم جاءكم «عطفٌ على الصفة، والكلامُ في الرابطِ كما تقدَّم فيها وهي صلة، إلا أنَّ إقامة الظاهر مُقام الضمير في الصفة ممتنع، لو قلت:» مررت برجلٍ قام أبو عبد الله «على أن يكون» قام أبو عبد الله «صفة
стр. 1790
لرجل، والرابطُ أبو عبد الله، إذ هو الرجل في المعنى لم يَجُز ذلك، وإن جاز في الصلة والخبر عند مَنْ يرى ذلك، فيتعيَّن عَوْدُ ضمير محذوف.
وجوابُ قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ﴾ قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ كما تقدم، والضمير فيه «به» عائدٌ على «رسول» ، ويجوز الفصلُ بين القسم والمقسم عليه بمثلِ هذا الجار والمجرور لو قلت «أقسمتُ للخير الذي بلغني عن عمرٍو لأحْسِنَنَّ إليه» جاز.
وقوله: ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ : إمَّا حالٌ من الموصول أو من عائده، وإمَّا بيانٌ له فامتنع في قراءةِ حمزة أن تكونَ «ما» شرطيةً كما امتنع في قراءة الجمهورِ أن تكونَ مصدريةً.
وأمَّا قراءةُ سعيد والحسن ففيها أوجه، أحدها: أَنَّ «لَمَّا» هنا ظرفيةٌ بمعنى حين فتكونُ ظرفية. ثم القائلُ بظرفيتها اختلف تقديرُه في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم فقال: «لَمَّا» بالتشديد بمعنى حين، أي: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَ عليكم الإِيمانُ به ونصرتُه «. وقال ابن عطية:» ويظهر أن «لمَّا» هذه الظرفيةُ أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة «فقدَّر ابن عطية جوابَها من جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهبا إليه مذهب مرجوح قال به الفارسي، والجمهور: سيبويه وأتباعُه على خلافه، وقد تقدم تحقيق هذا الخلاف فلا حاجة لذكره. وقال
стр. 1791
الزجاج:» أي لَمَّا آتاكم الكتاب والحكمة أخذ عليكم الميثاق، وتكون «لمَّا» تَؤُول إلى الجزاء كما تقول: لَمّا جِئْتني أكرمتُك «وهذه العبارةُ لا يؤخذ منها كونُ» لَمّا «ظرفيةً ولا غير ذلك، إلا أن فيها عاضداً لتقدير ابن عطية جوابَها من جنس ما تقدمها بخلاف تقدير الزمخشري.
الثاني: أن» لَمَّا «حرفُ وجوبٍ لوجوبٍ، وقد تقدَّم دليله وأنه مذهب سيبويه، وجوابُها كما تقدَّم مِنْ تقديري ابن عطية والزمخشري. وفي قول ابن عطية:» فيجيء على المعنى كالمعنى في قراءة حمزة «نظر؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل وهذه القراءةُ لا تعليل فيها، اللهم إلا أن يقال: لَمَّا كانت» لَمَّا «تحتاجُ إلى جوابٍ أشبه ذلك العلةَ ومعلولَها، لأنك إذا قلت:» لَمَّا جِئْتَني أكرمتُك «في قوةِ: أكرمتُك لأجلِ مجيئي إليك، فهي من هذه الجهةِ كقراءة حمزة.
والثالث: أنَّ الأصلَ: لَمِنْ ما فأدغمت النون في الميم لأنها تقاربُها، والإِدغامُ هنا واجب، / ولما اجتمع ثلاثُ ميمات، ميمِ مِنْ، وميمِ» ما «والميمِ التي انقلبت من نون» من «لأجل الإِدغام فحصل ثقل في اللفظ.
قال الزمخشري: «فحذفوا إحداها» . قال الشيخ: «وفيه إبهامٌ» ، وقد عَيَّنها ابن عطية بأن المحذوفة هي الأولى، قلت: وفيه نظر، لأنَّ الثقلَ إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيح في نظائره إنما هو حَذْفُ الثواني نحو: «تَنَزَّل» و «تَذَكَّرون» ، وقد ذكر أبو البقاء أنّ المحذوفة هي الثانية، قال: «لضَعْفها بكونِها بدلاً وحصولِ التكرير بها» .
стр. 1792
و «مِنْ» هذه التي في «لَمِنْ ما» زائدة في الواجب على رأي أبي الحسن الأخفش. وهذا تخريج أبي الفتح، وفيه نظرٌ بالنسبة إلى ادعائه زيادة «مِنْ» فإن التركيب يقلق على ذلك، ويبقى المعنى غيرَ ظاهر.
الرابع: أنَّ الأصل أيضاً: لَمِنْ ما، فَفُعِل به ما تقدم من القلب والإِدغام ثم الحذفِ، إلا أن «مِنْ» ليست زائدةً بل هي تعليليَّةٌ، قال الزمخشري: «ومعناه لمِنْ أجل ما أتيتكم لتؤمنُنَّ به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى» قلت: وهذا الوجه أوجهُ ممَّا تقدَّمه لسلامته من ادِّعاء زيادة «مِنْ» ولوضوح معناه. قال الشيخ: «وهذا التوجيهُ في غاية البُعْد ويُنَزَّه كلامُ العرب أن يَأْتيَ فيه مثلُه فكيف في كتاب اللهِ ! وكان ابن جني كثيرَ التمحُّلِ في كلام العرب، ويلزم في» لَمّا «هذه على ما قرره الزمخشري أن تكونَ اللامُ في» لِمنْ ما آتيناكم «زائدةً، ولا تكونُ اللامَ الموطئة، لأنَّ الموطئةَ إنما تدخل على أدوات الشرط لا على حرف الجر، لو قلت:» أٌقسم بالله لمِنْ أجلك لأضربن زيداً «لم يَجُزْ، وإنما سُمِّيت موطئةً لأنها تُوَطِّىء ما يَصْلُح أن يكونَ جواباً للشرط للقسم، فيصيرُ جوابُ الشرط إذ ذاك محذوفاً لدلالةِ جواب القسم عليه» قلت: قد تقدَّم له هو أنَّ «ما» في هذه القراءة يجوز أن تكونَ موصولة بمعنى الذي، وأن اللام معها موطئةٌ للقسمِ، وقد حصر هنا أنها لا تدخل إلا على أدوات الشرط فأحدُ الأمرين لازمٌ له، وقد قَدَّمْتُ أنَّ هذه هو الإِشكالُ على مَنْ جَعَلَ «ما» موصولةً وجَعَلَ اللامَ موطئةً.
وقرأ نافع: «آتيناكم» بضميرِ المعظِّم نفسَه، والباقون: «آتيتكم»
стр. 1793
بضميرِ المتكلم وحدَه، وهو موافقٌ لما قبله وما بعده من صيغة الإِفراد في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله﴾ ، وجاء بعده «إصري» .
وفي قوله «آتيتكم» أو «آتيناكم» على كلا القراءتين التفاتان أحدُهما: الخروجُ من الغيبة إلى التكلم في قوله آتينا أو آتيتُ، لأنَّ قبله ذِكْرَ الجلالة المعظمة في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله﴾ ، والثاني: الخروجُ من الغَيْبَة إلى الخطاب في قوله: «آتيناكم» لأنه قد تقدَّمه اسم ظاهر وهو «النبيين» ، إذ لو جرى على مقتضى تقدُّم الجلالة والنبيين لكان التركيب: وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين لما آتاهم من كتاب كذا، قال بعضهم: «وفيهِ نظرٌ لأنَّ مثلَ هذا لا يسمى التفاتاً في اصطلاحِهم، وإنما يسمى حكايةً الحال، ونظيرُه قولُك: حلف زيد ليفعلنَّ ولأفعلن، فالغَيْبَةُ مراعاةً لتقدُّم الاسم الظاهر، والتكلُم حكايةً لكلامِ الحالفِ، والآية الكريمة من هذا» .
وأصل لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنَّه: لتؤمنونَنّ ولتنصرونَنّ، فالنون الأولى علامة الرفع، والمشددة بعدها للتوكيد، فاستُثْقِلَ توالي ثلاثةِ أمثال فحذفوا نونَ الرفع لأنها ليست في القوة كالتي للتوكيد، فالتقى بحذفها ساكنان، فَحُذِفَت الواوُ لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله: «مُصَدِّقاً» نصبٌ على الحال من النكرة، وقد قاسه سيبويه وإنْ كان المشهورُ عنه خلاَفهُ، وحَسَّن ذلك هنا كونُ النكرةِ في قوة المعرفة من حيث إنه أُريد بها شخصٌ معين وهو محمد ﷺ . واللام في «لَما» زائدةٌ لأنَّ العاملَ فرع وهو مُصَدِّق والأصل: مُصَدِّقٌ ما معكم.
قوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ : فاعلٌ «قال» يجوز أن يكونَ ضميرَ الله تعالى وهو الظاهر، وأن يكون ضَميرَ النبي الذي هو واحد النبيين، خاطب بذلك
стр. 1794
أمته، ومتعلِّقٌ الإِقرارِ محذوفٌ، أي: أأقرتم بذلك كله، والاستفهامُ على الأولِ مجازٌ، إذ المرادُ به التقريرُ والتوكيدُ عليهم لاستحالتِهِ في حق الباري تعالى، وعلى الثاني هو استفهامٌ حقيقةً، و «إصْري» على الأول الياء لله تعالى وعلى الثاني للنبي.
وقرأ العامة «إصري» بكسر الهمزة وهي الفصحى، وقرأ أبو بكر عن عاصم في رواية: «أُصْري» بضمها، ثم المضمومُ يُحتمل أن يكون لغةً في المكسور وهو الظاهر، ويحتمل أن يكونَ جمع إصار، ومثله أُزُر في جمع إزار، وقد تَقَدَّم في أواخر البقرة الكلامُ عليه مشبعاً.
وقوله: ﴿أَقْرَرْنَا﴾ أي: بالإِيمان به وتبصرتِه. وفي الكلام حذفُ جملةٍ أيضاً، حُذِفَتْ لدلالةِ ما تقدَّم عليها، إذا التقديرُ: قالوا: أقررنا وأخذنا إصْرَكَ على ذلك كله.
وقوله: ﴿فاشهدوا﴾ هذه الفاءُ عاطفة على جملة مقدرةٍ تقديره: قال: أأقررتم فاشهدوا، ونظيرُ ذلك: «أَلقِيتَ زيداً» ؟ قال: «لَقِيتُه» ، قال: «فَأَحسِنْ إِليه» ، والتقدير: أَلَقِيتَ زيداً فأحسن إليه، فما فيه الفاءُ بعضُ المقول، ولا جائز أن يكونَ كلَّ المقولِ لأجل الفاء، ألا ترى قولَه: «قال: أأقررتم» وقوله: «قالوا: أقررنا» لَمَّا كان كلَّ المقول لم يُدْخِلِ الفاء، قاله الشيخ، والمعنى واضح بدونه.
قوله: ﴿مِّنَ الشاهدين﴾ هذا هو/ الخبرُ لأنَّه مَحَطُّ الفائدة، وأمَّا قوله: «معكم» فيجوزُ أن يكون حالاً أي: وأنا من الشاهدين مصاحباً لكم، ويجوز
стр. 1795
أن يكونَ منصوباً بالشاهدين ظرفاً له عند مَنْ يرى تجويز ذلك، ويمتنع أن يكونَ هو الخبرَ إذ الفائدةُ به غيرُ تامة في هذا المقام، والجملةُ من قوله: ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين﴾ يجوز ألاَّ يكونَ لها محلٌّ لاستئنافِها، ويجوز أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «فاشْهدوا» .
стр. 1796
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تولى﴾ : يجوز أنْ تكونَ «مَنْ» شرطيةً فالفاء في «فأولئك» جوابُها، وأن تكونَ موصولةً، ودخلت الفاءُ لشبه المبتدأ باسم الشرط، فالفعل بعدها على الأول في محل جزم، وعلى الثاني لا محلَّ له لكونِه صلةً، وأما «فأولئك» ففي محلِّ جزم أيضاً على الأول ورفعٍ على الثاني لوقوعِهِ خبراً، و «هم» يجوزُ أن يكونَ فصلاً وأن يكونَ مبتدأ، وهذه الأشياء واضحةٌ مِمَّا تقدَّم، فلذلك لم أُوغل في بيانها.
стр. 1797
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ﴾ : قد تقدم أن الجمهور يجعلون الهمزةَ مقدمةً على الفاء للزومِها الصدرَ، والزمخشري يُقِرُّها على حالِها ويقدِّرُ محذوفاً قبلها، وهنا جَوَّز وجهين، أحدُهما: أن تكونَ الفاءُ عاطفةً جملةً على جملة، والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغيَر دين الله يبغون، ثم توسَّطت الهمزةُ بينهما. والثاني: أن يُعْطَف على محذوفٍ تقديرُهُ: أيتولَّون فغيرَ دين الله يبغون، وقَدَّم المفعولَ الذي هو «غير» على فِعْلِهِ لأنه أهمُّ من حيثُ إنَّ الإِنكارَ الذي هو معنى الهمزة متوجهٌ إلى المعبودِ بالباطل، هذا كلامُ الزمخشري. قال الشيخ: «ولا تحقيقَ فيه لأنَّ الإِنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجَّه إلى الذوات، إنما يتوجَّه إلى الأفعال التي تتعلَّق بالذوات، فالذي أُنْكر إما هو الابتغاء الذى متعلَّقه غيرُ دين الله، وإنما جاء تقديمُ
стр. 1798
المفعول من باب الاتساع، ولشبهِ يبغون بالفاصلة بآخر الفعل» قلت: وأين المعنى من المعنى؟
وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم: «يَبْغون» بالياءِ من تحت نَسَقاً على قوله: ﴿هم الفاسقون﴾ والباقون بياءِ الخطاب التفاتاً.
قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات﴾ جملةٌ حالية أي: كيف يَبْغُون غيرَ دينه والحالُ هذه؟
قوله: ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ فيهما وجهان أحدُهما: أنهما مصدران في موضع الحال والتقدير: طائعين وكارهين. والثاني: أنهما مصدران على غير الصدر، قال أبو البقاء: «لأنَّ أسلم بمعنى انقاد وأطاع» ، وتابع الشيخ على هذا، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ هذا ماشٍ في «طوعاً» لموافقته لمعنى الفعل قبله، وأمَّا «كَرْهاً» فكيف يقال فيه ذلك، والقول بأنه يُغتفر في الثواني ما لا يُغْتفر في الأوائل غيرُ نافعٍ هنا. ويقال: طاع يَطُوع، وأطاع يُطيع بمعنى. وقيل: طاعة يَطُوعه انقادَ له، وأطاعه أي: رَضِي لأمره، وطاوَعَهُ أي: وافقه.
وقرأ الأعمش: «كُرْهاً» بالضم، وسيأتي أنها قراءة للأَخوين في سورة النساء، وللكوفيين وابن ذكوان في الأحقاف، وهناك تكلَّمْنا عليها، وتقدم لنا أيضاً ذِكْرُ هذه المادة في البقرة.
стр. 1799
قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ مستأنفةً فلا محلَّ لها، وإنما سِيقت للإِخبار بذلك لتضمُّنها معنى التهديد العظيم والوعيدِ الشديد، ويجوزُ أن تكونَ معطوفةٌ على الجملةِ من قولِهِ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ فتكونُ حالاً أيضاً، ويكونُ المعنى أنه نَعَى عليهم ابتغاءَ غير دين مَنْ أسلم له جميعُ مَنْ في السماوات والأرض طائِعين ومُكْرَهين ومَنْ مَرجِعُهم إليه.
وقرأ حفص عن عاصم: «يُرْجَعُون» بياء الغيبة ويَحْتَمِل ذلك وجوهاً. أحدها: أَنْ يعودَ الضميرُ على مَنْ أسلم وهو واضح. الثاني: أن يعود على مَنْ عاد عليه ضميرُ «يَبْغَون» في قراءة مَنْ قرأه بالغيبة، وهو أيضاً واضحٌ، ولا التفاتَ في هذين الوجهين. والثالث: أن يعودَ على مَنْ عاد إليه الضمير في «تَبْغَون» في قراءة الخطاب فيكون التفاتاً حينئذٍ. وقرأ الباقون: «تَبْغُون» بالخطاب، فَمَن قرأ «تبغون» بالخطاب فهو واضح، ومَنْ قرأه بالغيبة فيكون هذا التفاتاً منه، ويجوز أن يكون التفاتاً من قوله: ﴿مَنْ فِي السماوات والأرض﴾ .
стр. 1800
قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بالله﴾ في هذه الآية احتمالان أحدُهما: أن يكونَ المأمورُ بهذا المقولِ وهو آمنَّا إلى آخره محمداً ﷺ ، ثم في ذلك معنيان، أحدهما: أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك، وإنما حُذِف معطوفُه لفهم المعنى، والتقدير: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنَّا بالله، وهذا تقديرُ ابن عطية. والثاني من المعنيين أنَّ المأمور هنا بذلك نبينا ﷺ وحدَه، وإنما خُوطب بلفظِ الجمع تعظيماً له. قال الزمخشري: «ويجوز أن يُؤْمَرَ بأَنْ يتكلَّم عن نفسِه كما تتكلم
стр. 1801
الملوكُ إِجلالاً مِنَ الله لقَدْرِ نبيه» قلت: وهو معنًى حسن. والاحتمال الثاني: أن يكونَ المأمور بهذا المقولِ مَنْ تَقَدَّم، والتقدير: قل لهم قولوا آمنَّا، فآمنَّا منصوبٌ بقُل على الاحتمالِ الأول، وبقولوا المقدرِ على الثاني، وذلك القولُ المضمر منصوبٌ المحل.
وهذه الآية شبيهةٌ بالتي في البقرة، إلاَّ أنَّ هنا تعديةَ أنزل بعلى، وهناك بإلى. فقال الزمخشري: «لوجودِ المعنيين جميعاً لأنَّ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل، فجاء تارةً بأحد المعنيين وأخرى بالآخر» وقال ابن عطية: «الإِنزالُ على نبي الأمة إنزالٌ عليها» ، وهذا لا طائل فيه بالنسبة إلى طلب الفرق. وقال الراغب: «إنَّما قال هنا» على «لأن ذلك لَمَّا كان خطاباً للنبيّ ﷺ وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطةٍ بشريةٍ كان لفظُ» على «المختصُّ بالعلو أَوْلى به، وهناك لَمَّا كان خطاباً للأمة، وقد وصل إليهم بواسطة النبي ﷺ كان لفظُ» إلى «المختصُّ بالإِيصال أَوْلى، ويجوزُ أَنْ يقال:» أَنْزَلَ عليه «إنما يُحمل على ما أُمِرَ المُنَزَّلُ عليه أَنْ يُبَلِّغه غيرَه، و» أَنْزَل إليه «على ما خُصَّ به في نفسِه وإليه نهايةُ الإِنزال، وعلى ذلك قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] خُصََّ هنا بإلى لَمَّا كان مخصوصاً بالذكر [الذي] هو بيانُ المُنَزَّل، وهذا كلامٌ في الأَوْلى لا في الوجوب» .
стр. 1802
وهذا الذي ذكره الراغب رَدَّهُ الزمخشري فقال: «ومَنْ قال: إنما قيل» علينا «لقوله» قل «، و» إلينا «لقوله» قولوا «تفرقةً بين الرسول والمؤمنين، لأنَّ الرسولَ يأتيه الوحيُ على طريقِ الاستعلام ويأتيهم على وجه الانتهاء فقد تَعَسَّف، [ألا ترى] إلى قوله ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب﴾ [المائدة: ٤٨] وإلى قوله: ﴿آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٧٢] .
وفي البقرة: ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون﴾ [الآية: ١٣٦] وهنا» والنبيون «لأنَّ التي في البقرةِ لفظُ الخطابِ فيها عامٌّ، ومِنْ حُكْمِ خطابِ العام البسطُ دونَ الإِيجاز بخلافِ الخطاب هنا فإنه خاصٌّ فلذلك اكتفى فيه بالإِيجاز دون الإِطناب. وباقي كلماتِ جملِ الآية تقدََّم الكلام عليها في البقرة.
стр. 1803
قوله تعالى: ﴿يَبْتَغِ غَيْرَ﴾ : العامَّة على إظهار هذين المِثْلين؛ لأن بينهما فاصلاً فلم يلتقيا في الحقيقة، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجزم، ورُوي عن أبي عمرو فيها الوجهان: الإِظهارُ على الأصل ولمراعاةِ الفاصلِ الأصلي، والإِدغامُ مراعاةً للَّفظ، إذ يَصْدُق أنهما التقيا في الجملة، ولأنَّ ذلك الفاصل مستحقٌّ الحذفَ لعاملِ الجزم، وليس هذا مخصوصاً بهذه الآيةِ بل كلما التقى فيه مِثْلان بسببِ حذف حرف، لعلَّةٍ اقتضت ذلك جرى فيه الوجهان نحو: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] ﴿وَإِن يَكُ
стр. 1804
كَاذِباً﴾ [غافر: ٢٨] ، وقد استُشْكِلَ على هذا نحو: ﴿ياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ﴾ [غافر: ٤١] و ﴿ياقوم مَن يَنصُرُنِي﴾ [هود: ٣٠] فإنه لم يُرْوَ عن أبي عمرو خلافٌ في إدغامهما، وكان القياس يقتضي جوازَ الوجهين لأنَّ ياءَ المتكلم فاصلةً تقديراً.
قوله: ﴿دِيناً﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنه مفعولُ يَبْتَغِ، و ﴿غَيْرَ الإسلام﴾ حالٌ لأنها في الأصل صفةٌ له، فلمَّا قُدِّمت عليه نُصِبَت حالاً.
الثاني: أن يكونَ تمييزاً لغير لإِبهامها، فَمُيِّزَت كما مُيِّزَت «مثل» و «شبه» وأخواتهما، وسُمع من العرب: «إنَّ لنا غيرَها إبلاً وشاء» . والثالث: أن يكونَ بدلاً مِنْ «غير» ، وعلى هذين الوجهين فغيرَ الإِسلامِ هو المفعولُ به ليبتَغِ.
وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ كقولِهِ: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] في الإِعراب وسيأتي ما بينَهما في المعنى. وقيل: «أل» معرفةٌ لا موصولةٌ فلم يمنعْ من تعلُّق ما قبلها. بما بعدها، وهذه الجملة يجوزُ أَنْ لا يكونَ لها محلٌّ لاستئنافها، ويجوزُ أن تكونَ في محل جزم نسقاً على جواب الشرط وهو «فلن يُقْبل» ، ويكون قد ترتَّب على ابتغاء غير الإسلام ديناً عدمُ القبول والخسران.
стр. 1805
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي﴾ كقولِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] وقيل الاستفهامُ هنا معناه النفي، وأنشد:
стр. 1806
١٣٥١ - كيفَ نومي على الفراشِ وَلمَّا ... تَشْمَلِ الشامَ غارةٌ شَعْواءُ
وقول الآخر:
١٣٥٢ - فهذي سيوفٌ يا صُدَّيُّ بنُ مالكٍ ... كثيرٌ ولكن كيف بالسيفِ ضارِبُ
قوله: ﴿وشهدوا﴾ في هذه الجملة ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها معطوفةٌ على «كفروا» و «كفروا» في محلِّ نصبٍ نعتاً لقوماً، أي: كيف يهدي مَنْ جَمَعَ بين هذين الأمرين، وإلى هذا ذهب ابنُ عطية والحوفي وأبو البقاء، إلا أنَّ مكيّاً قد رَدَّ هذا الوجهَ فقال: «لا يجوزُ عطفُ» شهدوا «على» كفروا «لفسادِ المعنى» ، ولم يُبَيِّن جهةَ الفسادِ فكأنه فَهِمَ الترتيبَ بين الكفر والشهادة، فلذلك فَسَدَ المعنى، وهذا غير لازمٍ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً، ولذلك قال ابن عطية: «المعنى مفهومٌ أنَّ الشهادةَ قبل الكفرِ والواوُ لا تُرَتِّب» .
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من واو «كفروا» ، والعاملُ فيها الرافعُ لصاحبِها، و «قد» مضمرةٌ معها على رأي، أي: كفروا وقد وقد شهدوا، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري وأبي البقاء وغيرهما، قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون العامل» يَهْدي «لأنه يهدي مَنْ شَهِدَ أن الرسول حق، يعني أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من» قوماً «، والعاملُ في الحال» يَهْدِي «لِما ذَكَر من فساد المعنى/.
стр. 1807
الثالث: أن يكونَ معطوفاً على» إيمانهم «لما تضمَّنه من الانحلال لجملةٍ فعلية، إذ التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، وإلى هذا ذهب جماعة، قال الزمخشري:» أن يُعْطف على ما في «إيمانهم» من معنى الفعل، لأن معناه: بعد أن آمنوا، كقولِهِ تعالَى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن﴾ [المنافقون: ١٠] وقوله:
١٣٥٣ - مشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها
انتهى. وجهُ تنظيره ذلك بالآية والبيت تَوَهُّمُ وجودِ ما يُسَوِّغُ العطفَ عليه في الجملة، كذا يقول النحاة: جُزِم على التوهم أي: لسقوط الفاء، إذ لو سقطت لانجزم في جوابِ التحضيض، وكذا يقولون: تَوَهَّم وجودَ الباءِ فجَرَّ، وفي العبارة بالنسبة إلى القرآن سوءُ أدبٍ، ولكنهم لم يقصِدوا ذلك حاش لله، وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أَوْلى كقوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: ١٨] ، إذ هو في قوة: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وفي هذه الآيةِ بحثٌ سيمر بك إن شاء الله تعالى.
وقال الواحدي: «عُطِف الفعلُ على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعلَ تقديرُه: كفروا بالله بعد أَنْ آمنوا، فهوعطفٌ على المعنى كما قال:
١٣٥٤ - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشفوفِ
معناه: لأِنْ ألبس وتقرَّ عيني» فظاهرُ عبارة الزمخشري والواحدي أن
стр. 1808
الأولَ يُؤَوَّل لأجل الثاني، وهذا ليس بظاهر، لأنَّا إنما نحتاج إلى ذلك لكونِ الموضع يطلبُه فعلاً كقوله: ﴿إِنَّ المصدقين﴾ لأنَّ الموصول يَطْلُبُ جملةً فعلية فاحتْجنا أَنْ نتأوَّل اسمَ الفاعل بفعلٍ، وعَطَفْنا عليه «وأقرضوا» ، وإما «بعد إيمانهم» وقوله «للبس عباءة» فليس مكانُ الاسمِ محتاجاً إلى فعل، فالذي ينبغي: أن نتأول الثاني باسمٍ ليصِحَّ عطفُه على الاسم الصريح قبله، وتأويلُه بأن نأتي معه ب «أن» المصدرية مقدرةً، وتقديرُه: بعد إيمانهم وأَنْ شَهِدوا، أي: وشهادتهم، ولهذا تأوَّل النحويون قولَها: «لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ» : وأَنْ تقرَّ، إذ التقدير: وقرةُ عيني، وإلى هذا الذي ذكرته ذهب أبو البقاء فقال «التقدير: بعد أَنْ آمنوا وأن شهدوا، فيكونُ في موضعِ جَرٍّ» .
انتهى، يعني أنه على تأويلِ مصدرٍ معطوفٍ على المصدرِ الصريح المجرور بالظرف، وكلام الجرجاني فيه ما يَشْهد لهذا ويَشْهَدُ لتقدير الزمخشري فإنه قال: قوله «وشَهِدوا» منسوقٌ على ما يُمكنُ في التقدير، وذلك أنَّ قولَه «بعد إيمانهم» يمكن أن يكونَ بعد «أن آمنوا» وأَنْ الخفيفة مع الفعلِ بمنزلةِ المصدرِ كقولهِ: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: والصوم، ومثلُه مِمَّا حُمِل فيه على المعنى قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ﴾ [الشورى: ٥١] فهو عطفٌ على قوله: ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ ، ويمكن فيه: إلا أن يُوحى إليه، فلما كان قوله ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ بمعنى: إلا أنْ يُوحَى إليه حَمَله على ذلك، ومثله من الشعر قوله:
١٣٥٥ - فَظَلَّ طُهاةٌ اللحم من بين مُنْضِجٍ ... صَفيفَ شِواءٍ أو قديرٍ مُعَجَّلٍ
стр. 1809
خَفَضَ قولَه «قدير» لأنه عَطْفٌ على ما يمكن في قوله «منضجٍ» لأنه أمكن أن يكون مضافاً إلى الصفيف فَحَمَله على ذلك قلت: فإتْيانُه بهذا البيت نظيرُ إتيان الزمخشري بالآية الكريمة والبيت المتقدمين، لأنه جَرَّ «قدير» هنا على التوهم، كأنه تَوَهَّم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله تخفيفاً فَجَرَّ على التوهم، كما تَوَهَّم الآخرُ وجودَ الباءِ في قوله: «ليسوا مصلحين» ، لأنها كثيراً ما تزاد في خبر ليس. وقوله: ﴿أَنَّ الرسول﴾ الجمهورُ على أنه وصف بمعنى المُرْسَل، وقيل: هو بمعنى الرسالة فيكون مصدراً وقد تقدَّم ذلك.
стр. 1810
قوله تعالى: ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ مبتدأ ثانياً، و «أنَّ عليهم» إلى آخره في محلِّ رفعٍ خبراً لجزاؤهم، والجملةُ خبر لأولئك. والثاني: أن يكونَ «جزاؤهم» بدلاً من «أولئك» بدلَ اشتمال، و «أن عليهم» إلى آخره خبرُ أولئك. وقال هنا: ﴿جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله﴾ وهناك ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦١] دون «جزاؤهم» قيل: لأنَّ هناك وَقَعَ الإِخبارُ عَمَّن توفي على الكفر، فمن ثَم حَتَّم الله عليه اللعنةَ بخلافه هنا، فإنَّ سببَ النزولِ في قومٍ ارتدُّوا ثم رجَعوا للإِسلام. ومعنى «جزاؤهم» أي: جزاءُ كفرِهم وارتدادهم. وتقدَّم قراءةُ الحسنِ ﴿والناس أجمعون﴾ [البقرة: ١٦١] وتخريجُها.
стр. 1811
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ﴾ : حالٌ من الضمير في «عليهم» والعاملُ فيها الاستقرارُ أو الجارُّ لقيامه مقامَ الفعل وتقدَّمَتْ نظائرُه. والضمير في «فيها» للعنة. و ﴿لاَ يُخَفَّفُ﴾ جملةٌ حالية أو مستأنفة.
стр. 1812
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين﴾ : استثناءٌ متصلٌ.
стр. 1813
قوله تعالى: ﴿كُفْراً﴾ : تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية،
стр. 1814
والأصلُ: ثم ازداد كفرهُم، والدالُ الأولى بدلٌ من تاءِ الافتعالِ لوقوعِها بعد الزاي، كذا أعربه الشيخ، وفيه نظرٌ، إذ المعنى على أنه مفعول به، وذلك أنَّ الفعلَ المتعدِّيَ لاثنين إذا جُعِل مطاوعاً نَقَص مفعولاً، وهذا من ذاك، لأن الأصل: زِدْتُ زيداً خيراً فازداده، وكذلك أصلُ الآية الكريمة، زادهم الله كفراً فازدادوه.
ولم يُؤْتَ هنا بالفاء داخلةً على «لن» وأتى بها في «لن» الثانيةِ. قيل: لأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بالاستحقاق بالوصفِ السابق، لأنه قد صَرَّح بقيدِ موتهم على الكفر/ بخلافِ «لن» الأولى فإنه لم يُصَرِّح معها به، فلذلك لم يُؤْتَ بالفاء.
وقرأ عكرمة: «لن نقبل» بنونِ العظمة، «توبتَهم» بالنصب، فلذلك قرأ: «فلن نقبل مِنْ أحدِهم ملء» بالنصب.
قوله: ﴿وأولئك هُمُ الضآلون﴾ في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ في محلِّ رفعٍ عطفاً على خبر إنَّ، أي: إنَّ الذين كفروا لن تُقْبل توبتُهم وإنهم أولئك هم الضالون. الثاني: أن تُجْعَلَ معطوفة على الجملة المؤكدة بإن، وحينئذٍ فلا محلَّ لها من الإِعرابِ لعطفِها على ما لا محلَّ له. الثالث: وهو أغربُها أن تكونَ الواو للحال، فالجملة بعدها نصب على الحال، والمعنى: لن تُقْبَل توبتُهم من الذنوب والحالُ أنهم ضالون، فالتوبةُ والضلال متنافيان لا يَجْتمعان، قاله الراغب، وهو بعيد في التركيب، وإنْ كانَ قريبَ المعنى. قال الشيخ: «ويَنْبو عن هذا المعنى هذا التركيبُ، إذ لو أُريد هذا المعنى لم يُؤْتَ باسم الإِشارة» .
стр. 1815
وقوله: ﴿فَلَن يُقْبَلَ﴾ قد تقدم أن عكرمة [قرأ] «نقبل» بالنون، «ملءَ» بالنصب مفعولاً به، وقرأ بضعهم: فلن يَقبل بالياء من تحت على بنائه للفاعل وهو الله تعالى، و «ملءَ» بالنصب كما تقدم. وقرأ أبو جعفر وأبو السمَّال: «مِل الأرض» بطرح همزة «ملء» ، نقل حركتها إلى الساكن قبلها، وبعضُهم يُدْغم نحو هذا، أي: لام «ملء» في لام «الأرض» بعروضِ التقائِهما.
والملءُ مقدارُ ما يملأ الوعاءَ، والمَلْءُ بفتح الميم هو المصدر. يقال: «مَلأتُ القِرْبة أملؤها مَلْئَاً» ، والمُلاءة المِلْحَفة بضم الميم والمد.
و «ذَهَبا» العامة على نصبه تمييزاً، وقال الكسائي: «على إسقاط الخافض» وهذا كالأول، لأنَّ التمييزَ مقدَّرٌ ب «مِنْ» واحتاجت «ملء» إلى تفسير لإِبهامها، لأنها دالةٌ على مقدار. كالقَفِيز والصَّاع. وقرأ الأعمش «ذهبٌ» بالرفع، قال الزمخشري: «رَدّاً على مِلْءُ» كما يقال: «عندي عشرون نفساً رجالٌ» يعني بالرد البدل، ويكون بدلَ نكرة من معرفة، قال الشيخ: «ولذلك ضَبَط الحُذَّاق قوله» لك الحمدُ ملءُّ السماوات «بالرفع، على أنه نعتٌ للحمد، واستضعفوا نصبه على الحال لكونه معرفة» قلت: ولا يتعيََّنُ نصبُه على الحال حتى يلزَم ما ذكره من الضعف، بل هو منصوبٌ على الظرف، أي: إنَّ الحمد يقع مِلئاً للسماوات وللأرض.
قوله: ﴿وَلَوِ افتدى﴾ الجمهورُ على ثبوتِ الواو وهي واو الحال، قال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف موقعُ قولِه: ﴿وَلَوِ افتدى بِهِ﴾ ؟ قلت: هو كلامٌ
стр. 1816
محمولٌ على المعنى كأنه قيل: فَلَنْ يُقبل من أحدِهم فديةٌ ولو افتدى بملء الأرض» . انتهى. والذي ينبغي أن يُحْمل عليه أن الله تعالى أخبر أنَّ مَنْ ماتَ كافراً لا يُقْبل منه ما يَملأ الأرض من ذَهبٍ، على كل حال يَقْصِدُها ولو في حال افتدائه من العذاب، وذلك أنَّ حالة الافتداءِ حالةٌ لا يمتَنُّ فيها المفتدي على المفتدَى منه إذ هي حالةُ قهرٍ من المفتدَى منه للمفتدِي.
قال الشيخ: «وقد قَرَّرنا من نحوِ هذا التركيب أنَّ» لو «تأتي مَنْبَهَةً على أَنَّ ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يُظَّنُّ أنها لا تندَرجُ فيما قبلها، كقوله ﵇:» اعطُوا السائل ولو جاء على فرس «و» رُدُّوا السائل ولو بِظِلْفٍ مُحْرَق «، كأنَّ هذه الأشياء كان ممَّا ينبغي أن لا يُؤْتى بها، لأنَّ كونَ السائلِ على فرسٍ يُشْعر بغناه فلا يناسبُ أَنْ يُعْطى، وكذلك الظِّلْفُ المُحرَقُ لا غناءَ فيه، فكان يناسِبُ ألاَّ يُرَدَّ به السائل» .
وقيل: الواو هنا زائدةٌ، وقد يتأيَّد هذا بقراءة ابن أبي عبلة «لو افتدى به» دون واوٍ، ومعناها أنه جُعِل الافتداءُ شرطاً في عدم القبول فلم يتَعمَّمْ نَفْيُ وجود القبولِ. و «لو» قيل: هي هنا شرطية بمعنى إنْ، لا التي معناها لِما كان سيقع لوقوع غيره، لأنها مُعَلَّقة بمستقبل، وهو قوله: ﴿فَلَن يُقْبَلَ﴾ وتلك مُعَلَّقَةٌ بالماضي.
وافتدى: افْتَعَلَ من لفظِ الفِدْيَة وهو متعدٍّ لواحدٍ لأنه بمعنى فَدَى، فيكونُ افْتَعَل فيه وفَعَل بمعنىً نحو: شَوَى واشتوى، ومفعولُه محذوف تقديره: افتدى نفسَه.
стр. 1817
والهاءُ في «به» فيها أقوال، أظهُرها: عودُها على «ملء» لأنه مقدارُ ما يملؤها، أي: ولو افتدى بملء الأرض. والثاني: أن يعودَ على «ذهبا» قاله أبو البقاء، قال الشيخ: «ويوجد في بعضِ التفاسير أنها تعود على المِلء أو على الذهب، فقوله:» أو على الذهب «غلطٌ» قلت: كأن وجهَ الغلطِ فيه أنه ليس مُحَدَّثاً عنه/، إنما جيء به بياناً وتفسيراً لغيره فَضْلةً. الثالث: أن يعود على «مثل» محذوفٍ، قال الزمخشري: «ويجوز أَنْ يُرادَ» ولو افتدى بمثله «كقوله:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [المائدة: ٣٦] والمِثلُ يُحذف في كلامهم كثيراً، كقولك «ضَرَبْتُ ضربَ زيدٍ» تريد مثلَ ضربه، أبو يوسف أو حنيفة «أي مثلُه، و:
١٣٥٦ - لا هيثمَ الليلةَ للمَطيّ ... و» قضية ولا أبا حسنٍ لها «تريد: لا مثلَ هيثم ولا مثل أبي حسن، كما أنه يزاد في قولهم:» مثلُك لا يفعل كذا «يريدون: أنت لا تفعل، وذلك أن المثلين يَسُدُّ أحدهما مَسَدَّ الآخر، فكانا في حكم شيء واحد» . قال الشيخ: «ولا حاجةَ إلى تقدير» مثل «في قوله: ﴿وَلَوِ افتدى بِهِ﴾ ، وكأن الزمخشري تَخَيَّل أنَّ ما نُفِي أَنْ يُقْبَلَ لا يمكن أن يُفْتَدَى به فاحتاج إلى إضمار» مثل «حتى يُغايِرَ بين ما نُفِيَ قَبُوله وبين ما يُفْتَدَى به، وليس كذلك؛ لأن ذلك كما ذكرناه على سبيل الفَرَض والتقدير، إذ لا يمكن عادةً أنَّ أحداً يملك مِلْءَ الأرض ذهباً، بحيث إنه لو بَذَله علىأي جهة بَذَله لم يُقْبَلْ منه، بل لو كان ذلك مُمْكِناً لم يَحْتَجْ
стр. 1818
إلى تقدير» مثل «لأنه نُفِي قبولُه حتى في حالة الافتداء، وليس ما قَدَّر في الآية نظيرَ ما مَثَّل به، لأَنَّ هذا التقدير لا يُحتاج إليه ولا معنى له، ولا في اللفظ ولا في المعنى ما يدل عليه فلا يُقَدَّر، وأما ما مَثَّل به من نحو: ضربت ضرب زيد، وأبو يوسف وأبو حنيفة» فبضرورة العقل نعلم أنه لا بد من تقدير «مثل» ، إذ ضربُك يستحيل أن يكون ضرب زيد، وذاتُ أبي يوسف يستحيل أن تكونَ ذات أبي حنيفة، وأما «لا هيثم الليلة للمطي» فَدَلَّ على حذف «مثل» ما تقرَّر في اللغة العربية أن «لا» التي لنفي الجنس لا تدخُل على الأعلام فتؤثِّر فيها فاحتيج إلى إضمار «مثل» لتبقى على ما تقرَّر فيها إذ تقرَّر فيها أنها لا تعملُ إلا في الجنس، لأن العَلَمية تنافي عمومَ الجنس، وأما قوله «كما يُزاد في نحو:» مثلُك لا يفعل «تريد أنت» فهذا قولٌ قد قِيل [به] ، ولكن المختارَ عند حُذَّاق النحويين «أنَّ الأسماء لا تزاد» . قلت: وهذا الاعتراضُ على طولِه جوابُه ما قاله أبو القاسم في خطبة كشافة: «فاللغوي وإن عَلَكَ اللغة بِلَحْيَيْه والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه إلى آخره» .
قوله: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يجوزُ أنْ يكونَ «لهم» خبراً لاسم الإِشارة، و «عذابٌ» فاعلٌ به، وعَمِل لاعتمادِه على ذي خبر، أي: أولئك استقر لهم عذاب، وأن يكونَ «لهم» خبراً مقدماً، و «عذاب» مبتدأ مؤخراً، والجملةُ خبر عن اسم الإِشارة، والأولُ أحسنُ، لأنَّ الإِخبار بالمفرد أقربُ من الإِخبار بالجملة، والأول من قَبيلِ الإِخبار بالمفرد.
قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ «من ناصرين» فاعلاً، وجاز
стр. 1819
عَمَل الجار لاعتماده على حرف النفي أي: وما استقر لهم من ناصرين. والثاني: أنه خبر مقدم و «من ناصرين» مبتدأ مؤخر، و «مِنْ» مزيدةٌ على الإِعرابين لوجود الشرطين في زيادتها. وأتى بناصرين جمعاً لتوافِقَ الفواصلَ.
стр. 1820
قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ﴾ : النَّيْل: إدراكُ الشيء ولُحوقُه، وقيل هو العطية، وقيل: هو تناوُلُ الشيء باليد، يقال: نِلْتُه أناله نَيْلاً. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾ [التوبة: ١٢٠] . وأمَّا النَّوْلُ بالواو فمعناه التناول، يقال: نِلته أنوله أي: تناولته، وأنلته زيداً أَنوله إياه أي: ناولته إياه، كقولك: عَطَوْتُه أعطوه بمعنى تناولته، وأعطيته إياه إذا ناولته إياه.
وقوله: ﴿حتى تُنْفِقُواْ﴾ بمعنى إلى أن، و «مِنْ» في ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيةٌ، يدلُّ عليه قراءةُ عبد الله: «بعضَ ما تحبون» ، وهذه عندي ليست قراءةً بل تفسيرُ معنى. «ما» موصولةٌ وعائدها محذوف، والقولُ بكونها نكرةً موصوفة لا معنى له، وقد جَوَّز ذلك أبو البقاء فقال: [ «أو نكرةٌ موصوفة، ولا تكون مصدريةً لأنَّ المحبةَ لا تُنْفَقُ، فإنْ جُعِلَتِ المحبة بمعنى المفعول جاز على رأي عليّ» ] يعني يبقى التقدير: من الشيء المحبوب، وهذان الوجهان ضعيفان، والأول أضعف.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ﴾ تقدم نظيره في البقرة.
стр. 1821
قوله تعالى: ﴿حِلاًّ﴾ : الحِلُّ: بمعنى الحلال وهو في الأصل مصدر لحَلَّ يَحِلُّ كقولك: عَزَّ يَعِزُّ عِزّاً، ثم يُطلق على الأشخاص مبالغة، ولذلك يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث كقوله تعالى: ﴿لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، وفي الحديث عن عائشة ﵂: «كنت أُطَيِّبُه ﷺ لحِلّه ولحَرَمِه» أي: لإِحلاله ولإِحرامه، وهو كالحِرْم واللِّبْس بمعنى الحَرام واللباس، قال تعالى: «وحِرْمٌ» وقرىء «وحرام» . و «لبني» متعلق بحِلّ.
قوله: ﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ﴾ مستثنى/ من اسمِ كان. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ مستثنى من ضميرِ مستتر في «حِلاً» فقال: «لأنه استثناء من اسم كان، والعاملُ فيه» كان «، ويجوزُ أن يعملَ فيه» حِلاً «ويكون فيه ضميرٌ يكون الاستثناء منه؛ لأن حِلاً وحَلالاً في موضعِ اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح» .
وفي هذا الاستثناءِ قولان، أحدُهما: أنه متصل، والتقدير: إلا ما حَرَّم إسرائيلُ على نفسه، فَحُرِّم عليهم في التوراة، فليس فيها ما زادوه من محرمات وادعوا صِحَّة ذلك. والثاني: أنه منقطع، والتقدير: لكنْ حَرَّم إسرائيلُ على نفسِه خاصةً ولم يُحَرِّمْه عليهم، والأول هو الصحيح.
قوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلقَ بحَرّم أي: إلا ما حَرَّم مِنْ قبلِ، قاله أبو البقاء. قال الشيخ: «ويَبْعُد ذلك، إذ هو من
стр. 1822
الإِخبار بالواضح، لأنه معلومٌ أنَّ ما حَرَّم إسرائيل على نفسه هو مِنْ قبل إنزال التوراةِ ضرورةَ لتباعدِ ما بين وجود إسرائيل وإنزالِ التوراة» . والثاني: أنها تتعلَّقُ بقوله: كان حِلاً «قال الشيخ:» ويظهر أنه متعلّقٌ بقولِه ﴿كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ أي: مِنْ قبلَ أَنْ تُنَزَّل التوراة، وفَصَل بالاستثناء إذ هو فصلٌ جائز، وذلك على مذهبِ الكسائي وأبي الحسن في جواز أَنْ يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو مجروراً أو حالاً نحو: «ما حُبِس إلا زيدٌ عندَكَ، وما أوى إلا عمروٌ إليك، وما جاء إلا زيدٌ ضاحكاً» وأجازَ الكسائي ذلك في المنصوبِ مطلقاً نحو: ما ضَرَب إلا زيدٌ عمراً، وأجاز هو وابن الأنباري ذلك في المرفوع نحو: ما ضَرَب إلا زيداً عمرو، وأمَّا تخريجُه على غيرِ مذهبِ الكسائي وأبي الحسن فيُقَدَّرُ له عاملٌ مِنْ جنسِ ما قبله، وتقديرُه هنا: حَلَّ من قبلِ أَنْ تُنَزَّل التوراة «.
стр. 1823
قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّق بافترى، وهذا هو الظاهرُ، والثاني: جَوَّزه أبو البقاء وهو أَنْ يتعلَّقَ بالكذب، يعني الكذبَ الواقعَ مِنْ بعد ذلك. وفي المشار إليه بذلك ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: استقرارُ التحريم المذكور في التوراة، إذ المعنى: إلاَّ ما حَرَّم إسرائيلُ على نفسِه ثم حَرَّمته التوراة عليهم عقوبةً لهم. الثاني: التلاوةُ، وجاز تذكيرُ اسمِ الإِشارة لأنَّ المرادَ بها بيانُ مذهبهم. والثالث: الحالُ بعد تحريمِ إسرائيل على نفسه.
وهذه الجملةُ أعني قولَه ﴿فَمَنِ افترى﴾ يجوز أن تكون استئنافية فلا محلَّ لها من الإِعراب، ويجوز أن تكونَ منصوبةَ المحلِّ نسقاً على قوله: «فَأْتوا بالتوراة» فتندرجَ في المقول. و «مَنْ» يجوز أن تكون شرطية أو موصولة،
стр. 1824
وحَمَل على لفظِها في قولِه: ﴿افترى﴾ فلذلك وَحَّد الضميرَ، وعلى معناها فَجُمِع في قولِه: ﴿فأولئك﴾ إلى أخره.
стр. 1825
قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ : أي: قل لهم. والعامةُ على إظهارِ لام «قُل» مع الصادِ، وقرأ أبان بن تغلب بإدغامِها فيه، وكذلك أدغمَ اللامَ في السين في قوله: ﴿قُلْ سِيرُواْ﴾ [الأنعام: ١١] ، وسيأتي أنَّ حمزة والكسائي وهشاماً أَدْغموا اللامَ في السينِ مِنْ قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ [يوسف: ١٨] .
قال أبو الفتح: «علةُ ذلك فُشُوُّ هذين الحرفين في الفَمِ وانتشارُ الصوتِ المنَبثِّ عنهما فقارَبَتا بذلك مَخْرَجَ اللامِ فجازَ إدغامُها فيهما وهو مأخوذٌ من كلامِ سيبويه، فإنَّ سيبويه قال:» والإِدغامُ يعني إدغامَ اللام مع الطاء والصاد وأخواتِهما جائزٌ وليس ككثرتِه مع الراء، لأنَّ هذه الحروفَ تراخَيْن عنها وهي من الثنايا «قال:» وجوازُ الإِدغام لأن آخرَ مخرجِ الام قريبٌ من مَخْرجها. انتهى «. وقال أبو البقاء عبارةً توضِّح ما تقدَّم وهي:» لأن الصاد فيها انبساطٌ وفي اللام انبساطٌ، بحيث يتلاقى طرفاهما فصارا متقاربين «وقد تقدَّم إعراب قولِه: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [البقرة: ١٣٥] فأغنى عن أعادته.
следующие страницы →