← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

مِّن ذلكم﴾ [آل عمران: ١٥] بعد ذِكْرِه أشياءَ قبله، وقد تقدَّم لك في البقرة ما حُكِي عن رؤبة لَمَّا قيل له في قوله: ١٥٤٠ - فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ ... كأنَّه في الجلدِ تَوْليعُ البَهَقْ «أردْتُ ذلك» ، فَأَجْرى الضميرُ مجرى اسم الإِشارة. الرابع: أنه يعودُ على المال، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، لأنَّ الصَّدُقات تَدُلُّ عليه. الخامس: أنه يعودُ على الإِيتاء المدلول عليه ب «آتُوا» قال الراغب وابن عطية. السادس: قال الزمخشري: «ويجوزُ أن يُذَكَّر الضمير لينصرف إلى الصَّداق الواحد، فيكون متناولاً بعضَه، ولو أُنِّث لتناول ظاهرُه هبةَ الصَّداق كلِّه، لأنَّ بعض الصَّدُقات واحد منها فصاعداً. وقال الشيخ:» وأقولُ حَسَّن تذكيرَ الضميرِ أنَّ معنى «فإنْ طِبْنَ» : فإنْ طابَتْ كلُّ واحدةٍ، فلذلك قال «منه» أي: مِنْ صَداقِها، وهو نظير: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ [يوسف: ٣١] أي: لكلِّ واحدةٍ، ولذلك أفردَ «مُتَّكأً» . قوله: «نَفْساً» منصوب على التمييز، وهو هنا منقولٌ من الفاعل، إذ الأصل: فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ، ومثله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] ، وهذا منصوب عن تمام الكلام. وجِيء بالتمييز هنا مفرداً، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدمِ اللَّبْسِ، إذ من المعلوم أنَّ الكلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ في نفس واحدة، ومثله: «قَرَّ

стр. 2172

الزيدون عيناً» ويجوز «أنفساً» و «أعيناً» . ولا بد من التعرُّضِ لقاعدةٍ يَعُمُّ النفعُ بها: وهي أنه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمامِ الكلام فلا يخلو: إمَّا أَنْ يكونَ موافقاً لِما قبله في المعنى أو مخالفاً له، فإن كان الأولَ وَجَبَتْ مطابقةُ التمييز لِما قبله نحو: «كَرُمَ الزيدون رجالاً» كما يطابقُه خبراً وصفةً وحالاً. وإن كان الثانيَ: فإمَّا أن يكونَ مفردَ المدلول أو مختلفَه، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد: «كَرُم بنو زيد أباً أو أصلاً» ، أي: إنَّ لهم جميعاً أباً واحداً متصفاً بالكرم، ومثله: «كَرُم الأتقياءُ سَعْياً» إذا لم تقصدِ بالمصدرِ اختلافَ الأنواع لاختلاف مَحالِّه. وإنْ كان مختلفَ المدلول: فإما أَنْ يُلْبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أو لا، فإن أَلْبَسَ وَجَبَت المطابقة نحو: كَرُم الزيدون آباء، أي: أن لكل واحدٍ أباً غيرَ أب الآخر يتصفُ بالكرم، ولو أُفردت هنا لتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أب واحدِ، والغرضُ خلافه. وإنْ لم يُلْبِس جاز الأمران: المطابقةُ والإِفراد، وهو الأَوْلى، ولذلك جاءت عليه الآيةُ الكريمةُ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمعِ. وحَسَّن الإِفرادَ أيضاً هنا ما تقدَّم مِنْ مُحَسِّنِ تذكيرِ الضمير وإفرادِه في «منه» وهو أن المعنى: فإنْ طابت كلُّ واحدة نفساً. وقال بعض البصريين: «إنما أفردَ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى مصدرٌ، والمصادرُ لا تُثَنَّى ولا تُجْمع» وقال الزمخشري: «ونفساً تمييزٌ، وتوحيدُها لأنَّ الغرضَ بيانُ الجنسِ، والواحدُ يدل عليه» . ونحا أبو البقاء نحوه، وشَبَّهه ب «درهماً» في قولك: «عشرون درهماً» .

стр. 2173

واختلفَ النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عاملِه إذا كان متصرفاً، فمنعَه سيبويه، وأجازه المبرد وجماعةٌ مستدلين بقولهم: ١٥٤١ - أَتَهْجُرُ ليلى بالفراقِ حبيبها ... وما كان نفساً بالفراقِ تَطِيب وقوله: ١٥٤٢ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . إذا عِطْفاه ماءً تَحَلَّبا والأصل: تطيبُ نفساً، وتحلَّبا ماء. وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا محلَّه. وحجةُ سيبويه في منع ذلك أنَّ التمييزَ فاعل في الأصل، والفاعل لا يتقدم فكذلك ما في قوته. واعتُرِض على هذا بنحو: «زيداً» من قولك: «أخرجْتُ زيداً» فإنَّ «زيداً» في الأصل فاعل قبل النقل، إذ الأصل: «خرج زيد» . والفرق لائح. وللتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. والجارَّان في قولِه: «فإن طِبْنَ لكم عن شيءٍ متعلِّقان بالفعلِ قبلَهما مضمناً معنى الإِعراض، ولذلك عُدِّي ب» عَنْ «كأنه قيل: فإنْ أَعْرَضْنَ لكم عن شيءٍ طيباتِ النفوس. والفاء في» فَكُلوه «جوابُ الشرطِ وهي واجبةٌ، والهاءُ في» فَكُلوه «عائدةٌ على» شيء «.

стр. 2174

قوله: ﴿هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ في نصبِ» هنيئاً «أربعةُ أقوال: أحدُها: أنه منصوبٌ على أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوف، تقديره: أكلاً هنيئاً. الثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من الهاء في» فكلوه «أي: مُهَنَّأً أي: سهلاً. الثالث: أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهارُه البتة، لأنه قَصَدَ بهذه الحال النيابةَ عن فعلها نحو:» أقائماً وقد قعد الناس «، كما ينوب المصدرُ عن فعلِه نحو:» سُقْياً له ورَعْياً «. الرابع: أنهما صفتان قامتا مقامَ المصدرِ المقصودِ به الدعاءُ النائبِ عن فعله. قال الزمخشري:» وقد يُوقف على «فكلوه» ويُبْتدأ «هنيئاً مريئاً» على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هَنْئاً مَرْءاً «. قال الشيخ: «وهذا تحريفٌ لكلام النحاة، وتحريفُه هو جَعْلُهما أٌقيما مُقام المصدر، فانتصابُهما انتصابَ المصدر، ولذلك قال:» كأنه قيل: هَنْئاً مَرْءاً، فصار كقولك «سُقْياً لك» و «رَعْياً لك» ، ويَدُلُّ على تحريفِه وصحةِ قولِ النحاة أنَّ المصادر المقصودَ بها الدعاء لا ترفع الظاهر، لا تقول: «سقياً الله لك» ولا: «رعياً الله لك» وإن كان ذلك جائزاً في أفعالها، و «هنيئاً مريئاً» يرفعان الظاهرَ بدليل قوله: ١٥٤٣ - هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مُخامِرٍ ... لعَزَّةَ مِنْ أَعْراضِنا ما استحَلَّتِ ف «ما» مرفوعٌ ب «هنيئاً» أو ب «مريئاً» على الإِعمال، وجاز ذلك وإنْ لم يكن بين العاملين ربطٌ بعطفٍ ولا غيرِه، لأنَّ «مريئاً» لا يُسْتعمل إلا تابعاً ل «هنيئاً» فكأنهما عاملٌ واحد، ولو قلت: «قام قعد زيد» لم يكن من الإِعمال إلا على نِيَّة حرف العطف «. انتهى.

стр. 2175

إلاَّ أن في عبارة سيبويه ما يُرْشِدُ لِما قاله الزمخشري، فإنه قال:» هنيئاً مريئاً: صفتان نصبُهما نصبُ المصادرِ المدعُوِّ بها بالفعلِ غيرِ المستعملِ إظهارُه المختَزَلِ لدلالةِ الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثَبَت ذلك هنيئاً مريئاً «، فأولُ العبارةِ يساعدُ الزمخشري، وآخرُها وهو تقديرُه بقولِه:» كأنهم قالوا: ثَبَتَ ذلك هنيئاً «يُعَكِّر عليه. فعلى القولين الأوَّلَيْن يكونُ» هنيئاً مريئاً «متعلقَيْنِ بالجملةِ قبلَهما لفظاً ومعنى، وعلى الآخِرَيْن مقتطعين لفظاً، لأنَّ عاملَهما مقدرٌ من جملةٍ أخرى كما تقدَّم تقريره. واختلف النحويون في قولِك لِمَن قال:» أصاب فلان خيراً هنيئاً له ذلك «هل» ذلك «مرفوعٌ بالفعلِ/ المقدَّرِ تقديرُه: ثبت له ذلك هنيئاً فحَذف» ثبت «وقام» هنيئاً «الذي هو حالٌ مَقامه، أو مرفوعٌ ب» هنيئاً «نفسِه، لأنه لمَّا ق مقامَ الفعلِ رَفَع ما كان الفعلُ يرفعه، كما أنَّ قولَك:» زيدٌ في الدار «» في الدار «ضميرٌ كان مستتراً في الاستقرار، فلمَّا حُذِف الاستقرار وقامَ الجار مَقامَه رفعَ الضمير الذي كان فيه. ذهب إلى الأول السيرافي، وجعل في» هنيئاً «ضميراً عائداً على» ذلك «، وذهب إلى الثاني أبو علي، وجعل» هنيئاً «فارغاً من الضمير لرفعه الاسمَ الظاهرَ. وإذا قلت:» هنيئاً «ولم تقل» ذلك «، فعلى مذهب السيرافي يكون في» هنيئاً «ضميرٌ عائد على ذي الحال، وهو ضميرُ الفاعلِ الذي استتر في» ثَبَتَ «المحذوفِ، وعلى مذهب الفارسي يكون في» هنيئاً «ضميرٌ فاعل بها، وهو الضميرُ الذي كان فاعلاً ل» ثَبَتَ «، ويكونُ» هنيئاً «قد قام مقام الفعلِ المحذوفِ فارغاً من الضمير. وأمَّا نصبُ «مريئاً» فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدها: أنه صفة ل «هنيئاً» ، وإليه ذهب الحوفي. والثاني: أنه انتصب انتصاب «هنيئاً» ، وقد تقدَّم ما فيه من

стр. 2176

الوجوه. ومنع الفارسي كونَه صفةً ل «هنيئاً» قال: «لأنَّ هنيئاً قام مقام الفعل والفعلُ لا يوصف، فكذا ما قامَ مقامَه» ، ويؤيِّد ما قاله الفارسي أنَّ اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلةَ المبالغة والمصادر إذا وُصِفت لم تَعْمَلْ عملَ الفعلِ. ولم يُستعمل «مريئاً» إلا تابعاً ل «هنيئاً» . ونَقَلَ بعضُهم أنه قد يَجيء غيرَ تابع، وهو مردودٌ، لأنَّ العرب لم تستعمِلْه إلا تابعاً. وهل «هنيئاً مريئاً» في الأصلِ اسما فاعلٍ على زنةِ المبالغةِ أم هما مصدران جاءا على وزِن فعيل كالصهيل والهدير؟ خلاف. نقل الشيخ القول الثاني عن أبي البقاء قال: «وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على وزن فَعيل كالصهيل والهدير، وليسا من باب ما يَطَّرد فيه فعيل في المصدر» . انتهى. وأبو البقاء في عبارته إشكالٌ فلا بد من التعرض إليها ليُعرف ما فيها، قال: «هنيئاً جاء على وزن فَعِيل، وهو نعت لمصدرٍ محذوفٍ أي: أَكْلاً هنيئاً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء، والتقديرُ: مُهَنَّأً و» مريئاً «مثلُه، والمَرِيء فَعيل بمعنى مُفْعِل، لأنك تقول:» أمرأني الشيء «. ووجهُ الإِشكال: أنه بعد الحكم عليهما بالمصدرية كيف يجعلهما وصفين لمصدر محذوف، وكيف يفسِّر» مريئاً «المصدر بمعنى اسم الفاعل؟ وذهب الزمخشري إلى أنهما وصفان، قال:» الهَنِيءُ والمَرِيءُ صفتان من هَنُؤ الطعامُ ومَرُؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه «. انتهى.

стр. 2177

وهَنا يَهْنَا بغير همز لغة ثانيةٌ أيضاً. ويقال: هَنَأني الطعامُ ومَرَأني، فإن أفردت» مَرَأني «لم يُسْتعمل إلا رباعياً فتقول» أَمْرأَني «وإنما استُعمل ثلاثياً للتشاكلِ مع» هَنأَني «، وهذا كما قالوا:» أَخَذَه ما قَدُم وما حَدُث «بضم دال» حدث «مشاكلة ل» قَدُم «، ولو أُفرد لم يستعمل إلا مفتوح الدال، وله نظائر أخر. ويقال: هَنَأْتُ الرجل أَهْنِئُه بكسرِ العين في المضارع أي: أعطيته. واشتقاقُ الهنِيْء من الهِناءِ وهو ما يُطلى به البعيرِ من الجرب، قال: ١٥٤٤ - مُتَبَذِّلاً تَبْدُو محاسِنُه ... يَضَع الهِناءَ مواضِعَ النُّقْبِ والمَرِيءُ: ما ساغ وسَهُل في الحلق، ومنه قِيل لمجرى الطعام من الحُلْقوم إلى فم المعدة: مَرِيء.

стр. 2178

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ﴾ أصل تُؤتوا: تُؤْتِيُوا مثل: تُكْرِموا، فاستثقلت الضمةُ على الياءِ، فَحُذِفت الضمة فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير، فَحُذِفت الياءُ لئلا يلتقيَ ساكنان. والسُّفهاء جمعُ سفيه، وعن مجاهد: «المراد بالسفهاء النساء» ، وضَعَّفه بعضُهم بأن فَعِيلة إنما تجمع على فَعائل أو فَعِيلات، قاله ابن عطية. وقد نَقل بعضُهم أنَّ سفيهة تُجْمع على سُفَهاء كالمذكر، وعلى هذا لا يَضْعُف قول مجاهد، وجمعُ فَعِيلة الصفةِ على فُعَلاء وإن كان نادراً إلا أنه نُقِل في هذا

стр. 2179

اللفظِ خصوصاً، وتخصيصُ ابن عطية جمعَ فَعِيلة بفعائل أو فَعيلات ليس بظاهرٍ، لأنها يَطَّرد فيها أيضاً «فِعال» نحو: كَريمة وكِرام وظَرِيفة وظِراف، وكذلك إطلاقُه فَعِيلة وكان من حقه أَنْ يقيِّدها بألاَّ تكون بمعنى مَفْعولة تَحَرُّزاً من قتيلة فإنها لا تُجمع على فَعائِل. والجمهورُ على ﴿التي جَعَلَ الله لَكُمْ﴾ بلفظِ الإِفراد صفةً للأموال، وإنْ كانت جمعاً؛ لأنَّه تقدَّم غيرَ مرة أنَّ جمع ما لا يعقل في الكثرة، أو لم يكن له إلا جمعٌ واحدٌ، الأحسنُ فيه أن يُعامَل معاملةَ الواحدة المؤنثة، والأموال من هذا القبيل لأنها جمعُ ما لا يعقلِ، ولم تُجْمع إلا على أَفْعال، وإن كانت بلفظِ القلة لأنَّ المرادَ بها الكثرة. وقرأ الحسن والنخعي: «اللاتي» مطابقةً للفظِ الجمع، وكان القياسُ ألاَّ يوصفَ ب «اللاتي» إلا ما يُوصَفُ مفرده ب «التي» ، والأموال لا يُوصف مفردُها وهو «مال» ب «التي» . وقال الفراء: «العربُ تقولُ في النساء:» اللاتي «أكثرَ مِمَّا تقول» التي «، وفي الأموال:» التي «أكثر مما تقول» اللاتي «. وكلاهما في كليهما جائز. وقرىء:» اللواتي «وهي جمعُ اللاتي، فهي جمعُ الجمع، أو جمع» التي «نفسِها. قوله:» قياماً «إنْ قلنا إنَّ» جَعَلَ «بمعنى صَيَّر ف» قياماً «مفعول ثانٍ، والأولُ محذوفٌ وهو عائد الموصول، والتقدير:» التي جعلها «أي: صَيَّرها لكم قياماً. وإنْ قلنا إنَّها بمعنى» خَلَقَ «ف» قِياماً «حال من ذلك العائدِ المحذوفِ، التقديرُ: جَعَلَها أي: خلقها وأوجدها في حالِ كونها قياماً.

стр. 2180

وقرأ نافع وابن عامر:» قِيَماً «وباقي السبعة:» قِياماً «وابن عمر:» قِواماً «بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر:» قَواماً «بفتحها، ويروى عن أبي عمرو. وقرىء» قِوَماً «بزنة عِنَب. فأما قراءة نافع وابنِ عامر ففيها ثلاثة أوجه، أحدهما: أنَّ» قِيَماً «مصدرٌ كالقيام وليس مقصوراً منه، قال الكسائي والأخفش والفراء، فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُراد به الثباتُ والدوامُ. وقد رُدَّ هذا القول بأنه كان ينبغي أن تَصِحَّ الواو لتحصُّنِها بتوسُّطِها، كما صَحَّت واو «عِوَض» و «حِوَل» . وأُجيب عنه بأنه تبع فعلَه في الإِعلال. فكما أُعِلَّ فعلُه أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِل عليه في الإِعلال. وحَكَى الأخفَشُ: قِيَماً وقِوَماً قال: «والقياسُ تصحيحُ الواو، وإنما اعتلَّت على وجهِ الشذوذِ كقولهم:» ثِيَرة «، وقولِ بني ضبة:» طِيال «في جمع طويل، وقولِ الجميع» جِياد «جمع جَواد، وإذا أعلُّوا» دِيَماً «لاعتلالِ» دِيْمة «فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أَوْلى، ألا ترى إلى صحة الجمع مع اعتلالِ مفردِه في معيشة ومعايش، ومقامة ومقاوِم، ولم يصححوا مصدراً أعلُّوا فِعْلَه. الثاني: أنه مقصورٌ من» قيام «، فحذفوا الألف تخفيفاً كما قالوا: خيَم في» خِيام «و» مِخْيَط «و» مِقْول «في:» مِخْياط «و» مِقْوال «. والثالث: أنه جمع» قِيمة «ك» دِيَم «في جمع دِيْمَة، والمعنى: أنَّ الأموالَ كالقيم للنفوس لأنَّ بقاءها بها. وقد رَدَّ الفارسي هذا الوجهَ، وإنْ كان

стр. 2181

هو قولَ البصريين غيرَ الأخفش بأنه قد قُرِىء قوله تعالى: ﴿دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقوله: ﴿البيت الحرام قِيَماً لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] ولا يَصِحُّ معنى القِيَمة فيهما. وقد ردَّ عليه الناس بأنه لا يلزَمُ من عدم صحةِ معناه في الآيتين المذكورتين ألاَّ يصِحَّ هنا، إذ معناه هنا لائقٌ، وهناك معنىً آخرُ يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي. وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فهو مصدرُ» قام «والأصلُ قِوام، فَأُبْدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى: التي جَعَلَها الله سبب قيامِ أبدانكم أي: بقائِها. وقال الزمخشري:» أي تقومون بها وتنتعشون «. وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان، أحدهما: أنه مصدر قاوَمَ ك لاوَذَ لِواذاً، صحَّت الواو في المصدر/ كما صحت في الفعل. والثاني: أنه اسم لما يقوم به الشيء، وليس بمصدرٍ كقولهم: هذا مِلاك الأمر» أي ما يُمْلك به. وأما قراءة الحسن ففيها وجهان، أحدهما: أنه اسم مصدر كالكَلام والدوام والسلام. والثاني: أنه لغة في القِوام المراد به القامة، والمعنى: التي جعلها الله سببَ بقاءِ قاماتكم، يقال: جارية حسنةُ القِوام والقَوام والقَامة، كلُّه بمعنىً واحد. وقال أبو حاتم: «قَوام بالفتح خطأٌ» قال: «لأنَّ القوام امتداد القامة» ، وقد تقدَّم تأويل ذلك على أن الكسائي قال: «هو بمعنى القِوام» أي بالكسرِ، يعني أنه مصدر.

стр. 2182

وأمَّا «قِوَماً» فهو مصدرٌ جاء على الأصلِ، أعني تصحيحَ العين كالحِوَل والعِوَض. قوله: «فيها» فيه وجهان، أحدُهما أنَّ «في» على بابها مِن الظرفية أي: اجْعَلوا رزقَهم فيها. والثاني: أنه بمعنى «مِنْ» أي: بعضها، والمراد: من أرباحِها بالتجارة.

стр. 2183

قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا بَلَغُواْ﴾ : في «حتى» هذه وما أشبهها أعني الداخلةَ على «إذا» قولان، أشهرُهما: أنها حرف غاية دَخَلَتْ على الجملةِ الشرطية وجوابِها، والمعنى: وابْتَلوا اليتامى إلى وقت بلوغِهم واستحقاقِهم دَفْعَ أموالِهم بشرطِ إيناس الرُّشْد، فهي حرف ابتداء كالداخلة على سائر الجمل كقوله: ١٥٤٥ - وما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دماءها ... بِدَجْلَةَ حتى ماءُ دَجْلَةَ أَشْكَلُ وقول امرىء القيس: ١٥٤ ٦ - سَرَيْتُ بهم حتى تَكِلَّ مَطِيُّهم ... وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بِأَرْسانِ والثاني: وهو قول جماعة منهم الزجاج وابن دُرُسْتويه أنَّها حرف جر، وما بعَدها مجرور بها، وعلى هذا ف «إذا» تتمحَّض للظرفيةِ، ولا يكون فيها معنى الشرط، وعلى القولِ الأولِ يكونُ العاملُ في «إذا» ما تخلَّص من معنى جوابِها تقديرُه: إذا بلغوا النكاح راشِدين فادْفَعوا.

стр. 2184

وظاهرُ عبارةِ بعضهم أنَّ «إذا» ليست بشرطية، قال: «وإذا ليست بشرطيةٍ لحصول ما بعدَها، وأجاز سيبويه أن يُجازى بها في الشعرِ، وقال:» فَعلوا ذلك مضطرين «، وإنما جُوزي بها لأنها تحتاج إلى جواب، وبأنه يَليها الفعلُ ظاهراً أو مضمراً، واحتجَّ الخليل على عدمِ شرطيَّتِها بحصولِ ما بعدها، ألا ترى أنك تقول:» أجيئك إذا احمرَّ البُسْر «، ولا تقولُ:» إنْ احمرَّ «. قال الشيخ:» وكلامُه يدل على أنها تكونُ ظرفاً مجرداً ليس فيها معنى الشرط، وهو مخالفٌ للنحويين، فإنهم كالمجمِعين على أنها ظرفٌ فيها معنى الشرط غالباً، وإن وجد في عبارةِ بعضِهم ما يَنْفي كونَها أداةَ شرطٍ فإنما يعني أنها لا يُجْزم بها لا أنها لا تكون شرطاً «. وقَدَّر بعضهُم مضافاً قال:» تقديره: بلغوا حَدَّ النكاح أو وقتَه، والظاهرُ أنه لا يُحتاج إليه، إذ المعنى: صَلَحوا للنكاح. والفاءُ في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ جوابُ «إذا» ، وفي قولِه «فادْفَعُوا» جوابُ «إنْ» . وقرأ ابن مسعود: «فإن أحَسْتُم» والأصل: أحْسَسْتُم فَحَذَفَ إِحدى السينين، ويُحتمل أن تكونَ العينَ أو اللام، ومثلُه قول أبي زبيد: ١٥٤٧ - سِوى أنَّ العِتاقَ من المَطايا ... حَسِيْنَ به فهنَّ إليه شوسُ وهذا حذفٌ لا ينقاس، ونَقَلَ بعضُهم أنها لغة سُلَيْم، وأنها مُطَّردة في عين كل فعلٍ مضاعفة اتصل به تاءُ الضمير أو نونُه. ونكَّر «رُشْداً» دلالةً على التنويعِ، والمعنى: أيُّ نوعٍ حَصَل من الرشدِ

стр. 2185

كان كافياً. وقرأ الجمهور: «رُشْداً» بضمة وسكون، وابن مسعود والسلمي بفتحتين، وبعضُهم بضمتين. وسيأتي الكلامُ على ذلك في الأعراف مشبعاً إن شاء الله تعالى. وآنَسَ كذا: أحسَّ به وشَعَر، قال: ١٥٤٨ - آنَسَتْ نَبْأَةً وأَفزعها القُن ... اصُ عَصْراً وقد دَنا الإِمساءُ وقيل: «وجد» عن الفراء، وقيل: «أبصر» . قوله: ﴿إِسْرَافاً وَبِدَاراً﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجله أي: لأجلِ الإِسرافِ والبِدار. ونقل عن ابن عباس أنه قال: «كان الأولياء يستغنمون أكل مالِ اليتيمِ، لئلا يكبرَ، فينتزعَ المالَ منهم» . والثاني: أنَّهما مصدران في موضعِ الحال أي: مسرفين ومُبادرين. و «بِداراً» مصدرُ بادرَ، والمفاعَلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابِها، بمعنى «أنَّ الوليَّ يبادر اليتيم إلى أخذِ مالِه، واليتيم يبادِرُ إلى الكبر، ويجوزُ أن يكونَ من واحد بمعنى: أن فاعَلَ بمعنى فعل نحو: سافر وطارَقَ. قوله: ﴿أَن يَكْبَرُواْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول بالمصدر أي: وبِداراً كِبَرُهم، كقولِه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤-١٥] ، وفي إعمال

стр. 2186

المصدرِ المنونِ خلافٌ مشهور. والثاني: أنه مفعول من أجله على حَذْفٍ، أي: مخافةَ أن يَكْبَروا، وعلى هذا فمفعولُ» بِداراً «محذوفٌ. وهذه الجملةُ النَّهْيِيَّة فيها وجهان، أصحُّهما: أنها استئنافية، وليست معطوفةً على ما قبلها. والثاني: أنها عطفٌ على ما قبلها وهو جوابُ الشرط ب» إنْ «أي: فادْفَعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسدٌ، لأنَّ الشرطَ وجوابَه مترتِّبان على بلوغِ النكاح، وهو معارضٌ لقوله ﴿وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ فيلزَمُ منه سَبْقُه على ما ترتَّبَ عليه وذلك ممتنع. قوله: ﴿وكفى بالله حَسِيباً﴾ في» كفى «قولان، أحدهما: أنها اسم فعل. والثاني: وهو الصحيح أنها فِعْلٌ، وفي فاعِلها قولان: أحدُهما وهو الصحيح أنه المجرورُ بالباءِ، والباءُ زائدةٌ فيه وفي فاعلِ مضارعه نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ [فصلت: ٥٣] باطِّراد. قال أبو البقاء:» زيدت لتدلَّ على معنى الأمرِ إذ التقدير: اكتفِ بالله «. والثاني: أنه مضمر، والتقدير: كَفَى الاكتفاءُ، و» بالله «على هذا في موضعِ نصب لأنه مفعول به في المعنى، وهذا رأيُ ابنِ السراج. ورُدَّ هذا بأنَّ إعمال المصدر المحذوف لا يجوزُ عند البصريين إلا ضرورةًَ كقوله: ١٥٤٩ - هل تَذْكُرون إلى الدَّيْرَيْنِ هِجْرَتَكم ... ومَسْحَكم صُلْبَكُمْ رُحْمانَ قُرْبانا أي: قولَكم يا رُحمان. وقال الشيخ:» وقيل: الفاعل مضمر،

стр. 2187

وهو ضمير الاكتفاء، أي: كفى هو، أي: الاكتفاء، والباءُ ليست زائدةً، فيكون في موضع نصب، ويتعلَّق إذ ذاك بالفاعل، وهذا الوجه لا يَسُوغ على مذهب البصريين؛ لأنه لا يجوزُ عندهم إعمالُ المصدرِ مضمراً وإنْ عَنَى بالإِضمارِ الحذفَ امتنع عندهم أيضاً لوجهين: حَذْفِ الفاعل، وإعمالِ المصدر محذوفاً وإبقاءِ معمولِه «. وفيه نظر، إذ لقائل أن يقول: إذا قلنا بأن فاعل» كفى «مضمرٌ لا نعلق» بالله «بالفاعلِ حتى يَلْزم ما ذَكَر، بل نعلِّقه بنفس الفعل كما تقدَّم، وهذا القول سبقه إليه مكي والزجاج فإنه قال:» دَخَلَتِ الباءُ في الفاعل، لأَنَّ معنى الكلام الأمرُ، أي: اكتفوا بالله «، وهذا الكلامُ يُشْعِرُ أنَّ الباءَ ليست بزائدة، وهو كلامٌ غيرُ صحيح، لأنه من حيث المعنى الذي قَدَّره يكون الفاعل هم المخاطبين، و» بالله «متعلقٌ به، ومِنْ حيث كونُ الباءِ دخلت في الفاعلِ يكونُ الفاعلُ هو اللهَ تعالى فتناقض. وفي كلامِ ابن عطية «نحوٌ من قولِه أيضاً، فإنه قال:» بالله «في موضعِ رفعٍ بتقديرِ زيادةِ الخافض، وفائدةُ زيادتِه تبيينُ معنى الأمر في صورةِ الخبر أي: اكتفوا بالله، فالباءُ تَدُلُّ على المرادِ من ذلك» ، وفي هذا ما رُدَّ به على الزجاج وزيادَةُ جعلِ الحرفِ زائداً وغيرَ زائدٍ. وقال ابن عيسى: «إنما دخلَتِ الباءُ في» كفى بالله «لأنه كان يتصل اتصالَ الفاعل، وبدخولِ الباءِ اتصل اتصالَ المضافِ واتصالَ الفاعل؛ لأن الكفايةَ منه تعالى ليست كالكفايةِ من غيرِه، فضوعف لفظُها لمضاعفةِ معناها» ويَحْتاج إلى فكر. قوله: ﴿حسيباً﴾ فيه وجهان، أصحُّهما: أنه تمييزٌ يَدُلُّ على ذلك صلاحيةُ دخولِ «مِنْ» عليه، وهي علامةُ التمييز. والثاني: أنه حال.

стр. 2188

و «كفى» هنا متعديةٌ لواحدٍ، وهو محذوفٌ تقديرُه: وكفاكم اللهُ «. وقال أبو البقاء:» وكفى «تتعدَّى إلى مفعولين حُذِفا هنا تقديرُه: كفاك اللهُ شرَّهم بدليل قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ [البقرة: ١٣٧] . والظاهر أنَّ معناها غيرُ معنى هذه. قال الشيخ بعد أَنْ ذكر أنها متعدية لواحدٍ:» وتأتي بغيرِ هذا المعنى متعدية إلى اثنين كقولِه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ . وهو محلُّ نظر.

стр. 2189

قوله تعالى: ﴿مِّمَّا تَرَكَ الوالدان﴾ : هذا الجارُّ في محل رفع لأنه صفةٌ للمرفوعِ قبلَه أي: نصيبٌ كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في محل نصبٍ متعلقاً بلفظ «نصيب» لأنَّه من تمامه. وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ في هذا الجارِّ أيضاً وجهان أحدُهما: أنه بدلٌ من «ما» الأخيرةِ في «مِمَّا ترك» بإعادة حرفِ الجر في البدل، والضميرُ في «منه» عائدٌ على «ما» الأخيرةِ، وهذا البدلُ مرادٌ أيضاً في الجملةِ الأولى حُذِفَ للدلالةِ عليه، ولأنَّ المقصودَ به التأكيدُ لأنه تفصيلٌ/ للعمومِ المفهومِ من قولِه: ﴿مِّمَّا تَرَكَ﴾ فجاءَ هذا البدلُ مفصِّلاً لحالتَيْه من الكثرةِ والقلة. والثاني: أنه حالٌ من الضمير المحذوف من «ترك» أي: مِمَّا تركه قليلاً أو كثيراً أو مستقراً مِمَّا قل. و «نصيباً» فيه أوجهٌ أحدها: أن ينتصِبَ على أنه واقعٌ موقعَ المصدر، والعاملُ فيه معنى ما تقَّدم، إذ التقديرُ: عطاءً أو استحقاقاً، وهذا معنى قولِ مَنْ يقولُ منصوبٌ على المصدرِ المؤكد. قال الزمخشري: «كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ [النساء: ١١] كأنه قيل: قسمةً مفروضةً» . وقد سَبَقه الفراء إلى هذا

стр. 2190

قال: «نُصِبَ لأنه أُخْرِج مُخْرَج المصدرِ، ولذلكَ وَحَّده كقولك:» له عليَّ كذا حقاً لازماً «ونحوه: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ ولو كان اسماً صحيحاً لم يُنْصَبْ، لا تقول:» لك عليَّ حق درهماً «. الثاني: أنه منصوبٌ على الحال، ويُحتمل أن يكونَ صاحبُ الحال الفاعلَ في» قَلَّ أو كَثُر «، ويُحتمل أن يكونَ» نصيب «وإن كان نكرة لتخصُّصِه: إمَّا بالوصفِ وإمَّا بالعمل، والعاملُ في الحال الاستقرارُ الذي في قوله:» للرجالِ «. وإلى نصبِه حالاً ذهب الزجاج ومكي، قالا:» المعنى لهؤلاءِ أَنْصِباء على ما ذكرناها في حالِ الفرض «. الثالث: أنه منصوبٌ على الاختصاص، بمعنى: أعني نصيباً، قاله الزمخشري. قال الشيخ: إنْ عنى الاختصاصَ المصطلحَ عليه فهو مردودٌ بكونِه نكرةً، وقد نَصُّوا على اشتراطِ تعريفِه» . الرابع: النصبُ بإضمار فعلٍ أي: أُوجبت أو جُعِلت لهم نصيباً. الخامس: أنه مصدرٌ صريحٌ أي: نَصَبْتُه نصيباً.

стр. 2191

قوله تعالى: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾ : في هذا الضميرِ ثلاثةُ أوجهٍ أحدها: [أن] يعودَ على المالِ لأنَّ القسمةَ تدل عليه بطريقِ الالتزام. الثاني: أنْ يعودَ على «ما» في قولِه: «مِمَّا ترك» . الثالث أَنْ يَعودَ على نفسِ القسمةِ وإن كان مذكراً مراعاةً للمعنى، إذ المرادُ بالقسمةِ الشيءُ المقسوم، وهذا على رأي مَنْ يرى ذلك، وأمَّا مَنْ يقولُ: القسمةُ من الاقتسام كالخِبْرة من الاختبار، أو بمعنى القَسَم فلا يتأتَّى ذلك.

стр. 2192

قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الذين﴾ : قرأ الجمهورُ بسكون اللام في الأفعال الثلاثةِ. وهي لامُ الأمر، والفعلُ بعدها مجزومٌ بها. وقرأَ الحسن وعيسى بن عمر بكسرِ اللامِ في الأفعالِ الثلاثةِ، وهو الأصلُ، والإِسكانُ تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبِّهوا «وَلْيخش» ب «كَتِف» وهذا كما تقدَّم الكلامُ في نحو: «وهي» و «لَهْي» في أول البقرة. و «لو» هذه فيها احتمالان، أحدُهما: أنَّها على بابِها مِنْ كونِها حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره، أو حرفَ امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين. والثاني: أنها بمعنى «إنْ» الشرطية. وإلى الاحتمال الأولِ ذهب ابن عطية والزمخشري. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: ما معنى وقوعِ» لو تركوا «وجوابِه صلةً ل» الذين «؟ قلت: معناه: وَلْيخش الذين صفتُهم وحالُهم أَنهم لو شارَفوا أَنْ يَتْرُكُوا خلفَهم ذريةً ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياعَ بعدهم لذهابِ كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل: ١٥٥٠ - لقد زادَ الحياةَ إليَّ حُبَّاً ... بناتِي أنَّهن من الضِعافِ أُحاذِرُ أن يَرَيْنَ البؤس بعدي ... وأن يَشْرَبْنَ رنْقاً بعد صافي

стр. 2193

وقال ابن عطية:» تقديرُه: لو تَرَكُوا لخافُوا، ويجوزُ حذفُ اللامِ من جواب لو «، ووجهُ التمسُّكِ بهذه العبارةِ أنه جَعَلَ اللامَ مقدرةً في جوابِها، ولو كانت» لو «بمعنى» إنْ «الشرطية لَما جاز ذلك، وقد صَرَّح غَيرُهما بذلك، فقال:» لو تركوا «» لو «يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و» خافوا «جوابُ» لو «. وإلى الاحتمال الثاني ذهب أبو البقاء وابن مالك، قال ابن مالك:» لو «هنا شرطيةٌ بمعنى» إنْ «، فتقلِبُ الماضي إلى معنى الاستقبال، والتقدير: وَلْيخش الذين إنْ تركوا، ولو وقع بعد» لو «هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بعد» إنْ «وأنشد: ١٥٥١ - لا يُلْفِكُ الرَّاجوك إلا مُظْهِراً ... خُلُقَ الكرامِ ولو تكونُ عَدِيما أي: وإنْ تكن عديماً. ومثلُ هذا البيتِ الذي أنشده قولُ الآخر: ١٥٥٢ - قومٌ إذا حارَبُوا شدَّوا مآزِرَهُمْ ... دونَ النساءِ ولو باتَتْ بأطْهارِ والذي ينبغي: أن تكونَ على بابِها من كونِها تعليقاً في الماضي. وإنما حَمَل ابنَ مالك وأبا البقاء على جَعْلِها بمعنى» إنْ «توهُّمُ أنه لَمَّا أمر بالخشية والأمرُ مستقبل ومتعلَّقُ الأمر موصولٌ لم يَصِحَّ أن تكون الصلةُ ماضيةً على تقدير دلالتِه على العَدَمِ الذي يُنَافي امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ»

стр. 2194

لو «لفظُ» إنْ «، ولأجلِ هذا التوَهُّمِ لم يُدْخِل الزمخشري» لو «على فعل مستقبل، بل أتى بفعلٍ ماضٍ مسندٍ للموصولِ حالةَ الأمر فقال:» وَلْيخش الذين صفتُهم وحالُهم أنهم لو شارَفُوا أن يتركوا «. قال الشيخ: «وهذا الذي توهَّموه لا يلزم، إلا إنْ كانت الصلةُ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذ معنى» لو تركوا من خلفهم «أي: ماتوا فتركوا مِنْ خلفهم، فلو كان كذلك لَلزم التأويلُ في» لو «أَنْ تكونَ بمعنى» إنْ «إذ لا يجامِعُ الأمرُ بإيقاعِ فعلٍ مَنْ مات بالفعل، أمَّا إذا كان ماضياً على تقديرٍ فيصِحُّ أن يقع صلةً. وأن يكونَ العاملُ في الموصولِ الفعلَ المستقبل، نحو قولِك: ليزُرْنا الذي لو مات أمسِ لبكيناه» انتهى. وأمَّا البيتان المتقدِّمان فلا يلزمُ مِنْ صحةِ جَعْلِها فيهما بمعنى «إنْ» أن تكونَ في الآيةِ كذلك. لأنَّا في البيتين نضطرُ إلى ذلك: أمَّا البيتُ الأولُ فلأنَّ جوابَ «لو» محذوفٌ مدلولٌ عليه بقولِه: «لا يُلْفِك» وهو نَهْيٌ، والنهيُ مستقبلٌ فلذلك كانت «لو» تعليقاً في المستقبل. أما البيتُ الثاني فلدخولِ ما بعدَها في حَيِّزِ «إذا» ، و «إذا» للمستقبل. ومفعول «وَلْيَخْشَ» محذوفٌ أي: وَلْيخش الله. ويجوزُ أَنْ تكون المسألةُ من بابِ التنازع، فإنَّ «وَلْيخش» يطلبُ الجلالةَ، وكذلك «فليتقوا» ، ويكونُ من إعمالِ الثاني للحذفِ من الأول. قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلِّقٌ ب «تركوا» ظرفاً له. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «ذرية» ، لأنَّه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً.

стр. 2195

وأمال حمزةُ ألفَ «ضِعافاً» ولم يُبالِ بحرفِ الاستعلاءِ لانكسارِه، ففيه انحدارٌ فلم ينافِرِ الإِمالةَ. وقرأ ابن محيصن: «ضُعُفاً» بضمِّ الضاد والعين، وتنوين الفاء. والسلمي وعائشة: «ضعفاء» بضمِّ الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مقيس في فعيل صفةً نحو: ظَريف وظُرَفاء وكريم وكُرَماء. وقرىء «ضَعافَى» بالفتحِ والإِمالة نحو: سَكارى. وظاهر عبارةِ الزمخشري أنه قُرِىءَ: «ضُعافى» بضم الضاد مثل سُكارى، فإنه قال: «وقُرىء ضُعَفَاء وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى» فيُحتملِ أَنْ يريد أنه قُرِىء بضم الضاد وفتحِها، ويُحتمل أن يريدَ أنه قُرىء: «ضَعافى» بفتح الضاد دونَ إمالة، و «ضَعافَى» بفتحِها مع الإِمالة كسَكارى بفتحِ السين دونَ إمالة، وسَكارى بفتحها مع الإِمالة، والظاهرُ الأولُ، والغالبُ على الظن أنها لم تُنْقل قراءة. وأمال حمزة ألفَ «خاف» للكسرةِ المقدرةِ في الألف، إذ الأصل «خَوِف» بكسر العين بدليلِ فتحِها في المضارع نحو: «يخاف» ، وعَلَّل أبو البقاء ذلك بأنَّ الكسر قد يَعْرِض في حال من الأحوال، وذلك إذا أُسْنِدَ الفعل إلى ضمير المتكلم/ أو إحدى أخواته نحو: خِفْت وخِفْنا، والجملةُ من «لو» وجوابِها صلةُ «الذين» .

стр. 2196

قوله تعالى: ﴿ظُلْماً﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ

стр. 2197

من أجله، وشروطُ النصبِ موجودةٌ. والثاني: أنه مصدرٌ في محل نصب على الحال أي: يأكلونه ظالِمين، والجملةُ مِنْ قولِه: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ﴾ في محلِّ رفعٍ خبراً ل «إنَّ» ، وفي ذلك دلالةٌ على وقوعِ خبر «إنَّ» جملةً مصدرةً ب «إنَّ» وفي ذلك خلافٌ. قال الشيخ: «وحَسَّنة هنا وقوعُ اسمِ» إنَّ «موصولاً فطال الكلامُ بصلةِ الموصولِ، فلمَّا تباعَدَ لم يُبالَ بذلك، وهذا أحسنُ مِنْ قولِك:» إنَّ زيداً إنَّ أباه منطلقٌ «. ولقائلٍ أن يقول:» ليس فيها دلالةٌ على ذلك؛ لأنَّها مكفوفةٌ ب «ما» ، ومعناها الحصرُ فصارت مثلَ قولِك في المعنى: «إنَّ زيداً ما انطلق إلا أبوه» وهو مَحَلُّ نظر. قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ فيه وجهان أحدُهما: أنه متعلِّقٌ ب «يأكلون» أي: بطونُهم أوعيةٌ للنار: إمَّا حقيقةً بأن يَخلق اللهُ لهم ناراً يأكلونها في بطونِهم، أو مجازاً بأَنْ أطلق المُسَبَّبَ وأراد السببَ. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ مِنْ «ناراً» ، وكان في الأصلِ صفةً للنكرة فلمَّا قُدِّمَتْ انتصبَتْ حالاً. وذَكَر أبو البقاء هذا الوجهَ عن أبي علي في «تذكرته» ، وحَكَى عنه أنه منع أن يكونَ ظرفاً ل «يأكلون» ، فإنَّه قال: ﴿فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ قد تقدَّم في البقرة منه شيءٌ، ويخصُّ هذا الموضع أن «في بطونهم» حالٌ من «ناراً» أي: ناراً كائنةً في بطونِهم، وليس بظرفٍ ل «يأكلون» ، ذكره في «التذكرة» . وفي قوله: «والذي يَخُصُّ هذال الموضع» فيه نظر، فإنه كما يجوز أن يكونَ «في بطونهم» حالاً من «نار» هنا يجوز أن يكونَ حالاً من «النار» في البقرة، وفي إبداء الفرقِ عُسْرٌ، ولم يظهر في منعِ أبي علي كونَ «في بطونهم» ظرفاً للأكل وجهٌ ظاهر.

стр. 2198

قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ قرأ الجمهور بفتحِ الياء واللام، وابن عامر وأبو بكر بضمِّ الياء مبنياً للمفعول من الثلاثي. ويَحْتمل أن يكونَ من أصلى، فلمَّا بُني للمفعولِ قام الأولُ مقامَ الفاعلِ. وابن أبي عبلة بضمِّهما مبنياً للفاعلِ من الرباعي، والأصلُ على هذه القراءة: سيُصْلِيُون من أصلى مثل يُكْرِمون من أكرم، فاستثقِلَت الضمةُ على الياءِ فَحُذِفت فالتقى ساكنان، فحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وضُمَّ ما قبل الواو لتصِحَّ. و «أَصْلَى» : يُحتمل أَن ْ تكونَ الهمزةُ فيه للدخول في الشيء، فيتعدَّى لواحد وهو «سعيراً» وأن تكونَ للتعديةِ، فالمفعولُ محذوفٌ، أي: يُصْلُون أنفسَهم سعيراً. وأبو حيوة بضمِّ الياءِ وفتحِ الصاد، واللام مشددة، مبنياً للمفعول من «صَلَّى» مضعفاً. قال أبو البقاء: «والتضعيفُ للتكثيرِ» . والصِّلْيُ: الإِيقادُ بالنارِ، يقال: صَلِي بكذا بكسر العين، وقوله: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ [الليل: ١٥] أي يَصْلَى بها. وقال الخليل: «صَلِي الكافرُ النارَ» قاسَى حَرَّها. وصلاه النارَ وأَصْلاه غيرُه، هكذا قال الراغب، وظاهرُ هذه العبارةِ أنَّ فَعِل وأَفْعَل بمعنىً، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجر، وقد يُحْذَف. وقال غيرُه: «صَلِيَ بالنارِ أي: تَسَخَّن بقربها» ، ف «سعيراً» على هذا منصوبٌ على إسقاط الخافض. ويَدُلُّ على أنَّ أصلَ «يَصْلاها» يَصْلَى بها قولُ الشاعر:

стр. 2199

١٥٥٣ - إذا أَوْقَدُوا ناراً لحربِ عَدُوِّهم ... فقد خابَ مَنْ يَصْلَى بها وسعيرِها وقيل: يُقال صَلَيْتُه النارَ: أَدْنَيْتُه منها، فيجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً مِنْ غيرِ إسقاطِ خافضٍ. والسعيرُ في الأصلِ: الجَمْرُ المشتعل، سَعَرْتُ النارَ: أَوْقَدْتُها، ومنه: «مُسْعِرُ حربٍ» على التشبيهِ. والمِسْعَرُ: الآلة التي تُحَرَّك بها النار.

стр. 2200

قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ : هذه جملةٌ من مبتدأ وخبر، يُحْتمل أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ ب «يُوصي» لأِنَّ المعنى: يَفْرض لكم، أو يُشَرِّع في أولادكِم، كذا قاله أبو البقاء، وهذا يَقْرُبُ من مذهبِ الفراء فإنه يُجْري ما كان بمعنى القولِ مُجْراه في حكايةِ الجملِ بعده. قال الفراء: «ولم يَعْمل» يُوصيكم «في» مِثْل «، إجراءً له مُجْرى القول في حكايةِ الجمل، فالجملةُ في موضع نصبٍ ب» يُوصيكم «. وقال مكي:» للذَّكَرِ مثلُ حظ «ابتداءٌ وخبر في موضع نصب، تبيينٌ للوصية وتفسيرٌ لها. وقال الكسائي:» ارتفع «مثل» على حذْفِ «إنَّ» تقديره: «أنَّ للذكرِ مثلَ حظ» . وبه قرأ ابن أبي عبلة. ويُحْتمل ألأَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، بل جِيءَ بها للبيانِ والتفسيرِ، فهي جملةٌ مفسِّرة للوصية، وهذا أحسنُ وجارٍ على مذهب البصريين، وهو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري فإنَّه قال: «وهذا إجمالٌ تفصيلُه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ

стр. 2201

حَظِّ الأنثيين﴾ . وقوله:» للذَّكر «لا بدَّ من ضمير [فيه] يعود على» أولادكم «من هذه الجملة، فيُحتمل أن يكون محذوفاً، أي: للذكر منهم نحو:» السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم «قاله الزمخشري. ويُحْتمل أن يكونَ قامَ مقامَه الألفُ واللامُ عند مَنْ يَرَى ذلك، والأصلُ: لِذَكَرِهم. و» مثلُ «صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: للذَّكرِ منهم حَظُّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. و ﴿في أَوْلاَدِكُمْ﴾ قيل: ثَمَّ مضافٌ محذوف أي: في أولادِ موتاكم. قالوا: لأنه لا يَجُوزُ أَنْ يُخاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولادِه ويُفْرََضَ عليه ذلك. وقال بعضُهم:» إنْ قلنا: إنَّ معنى «يُوصيكم» «يبيِّن لكم» لم يحتج إلى هذا التقدير «. وقَدَّر بعضُهم قبل» أولادكم «مضافاً أي: في شأنِ أولادِكم، أو في أمرِ أولادكم. وقرأ الحسن وابن أبي عبلة:» يُوَصِّيكم «بالتشديد، وقد تقدَّم أنَّ أوصي ووصَّى لغتان. قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ الضميرُ في» كُنَّ «يعودُ على الإِناث اللاتي شَمَلَهُنَّ قولُه ﴿في أَوْلاَدِكُمْ﴾ . فإنَّ التقدير: في أولادكم الذكورِ والإِناثِ، فعادَ الضميرُ على أحدِ قِسْمَي الأولادِ، وإذا عاد الضمير على جمعِ التكسيرِ العاقلِ المرادِ به مَحْضُ الذكور في قوله ﵇:» وربَّ الشياطين ومَنْ أَضْلَلْن «كعَوْدِه على جماعةِ الإِناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسيرِ الشاملِ للإِناثِ بطريقِ الأَوْلَى والأحرى، وهذا معنى قولِ الشيخ. وفيه نظرٌ لأنَّ عودَه هناك كضميرِ الإِناث إنما كان لمعنىً مفقودٍ هنا، وهو طلبُ المشاكلة

стр. 2202

لأنَّ قبلَه» اللهم ربََّ السماوات ومَنْ أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين وما أَقْلَلْنَ «ذَكَر ذلك النحويون. وقيل: الضمير يَعُود على المتروكات أي: فإنْ كانت المتروكات، ودَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبو البقاء ومكي. وقَدَّرَه الزمخشري: «فإنْ كان البنات أو المولودات» . فإذا تقرَّر هذا ف «كُنَّ» كان واسمُها، و «نساءً» خبرُها، و «فوق اثنتين» ظرف في محل نصب صفةً ل «نساء» وبهذه الصفةِ تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتُصِر عليه لم تَحْصُلْ فائدةُ، ألا ترى أنه لو قيل: «إن كان الزيدون رجالاً كان كذا» لم يَكُنْ فيه فائدةٌ. وأجاز الزمخشري في هذه الآية وَجْهين غريبين، أحدهما: أن يكونَ الضميرُ في «كنَّ» ضميراً مبهماً، و «نساءً» منصوبٌ على أنه تفسيرٌ له يعني تمييزاً، وكذلك قال في الضمير الذي في «كانت» من قوله «وإنْ كانت واحدة» على أنَّ «كان» تامة. والوجهُ الآخر: أن يكونَ «فوق اثنتين» خبراً ثانياً ل «كُنَّ» ، ورَدَّهما عليه الشيخ: أمَّا الأولُ فلأنَّ «كان» ليسَتْ من الأفعالِ التي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بعدَه، بل هذا مختصٌّ من الأفعالِ ب «نعم» و «بئس» وما جَرى مَجْراهما، وبابِ التنازع عند إعمالِ الثاني. وأما الثاني فلِما تقدَّم من الاحتياجِ إلى هذه الصفةِ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أَنْ تستقلَّ به فائدةُ الإِسنادِ، وقد تقدَّم أنه لو اقتَصَر على قولِه: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ لم يُفِدْ شيئاً، لأنه معلوم.

стр. 2203

وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة: «ثُلْثا» و «الثلْث» و «النصْف» و «الرُّبْع» و «الثُّمْن» كلُّ ذلك بإسكان الوسط. والجمهور بالضم، وهي لغةُ الحجاز وبني أسد. قال النحاس: «من الثلث إلى العشر» . وقال الزجاج: «هي لغةٌ واحدة، والسكونُ تخفيف» . قوله: ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ قرأ نافع: «واحدةٌ» رفعاً على أنَّ «كان» تامة أي: وإنْ وُجِدَتْ واحدةٌ، والباقون «واحدة» نصباً على أنَّ «كانت» ناقصةً، واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة، و «واحدةً» نصبٌ على خبرِ «كان» ، وقد تقدَّم أن الزمخشري أجاز أن يكونَ في «كان» ضميرٌ مبهمٌ مفسَّر بالمنصوب بعدُ. وقرأ السلمي: «النُّصف» بضم النون، وهي قراءةُ على وزيد بن ثابت ﵄، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [الآية: ٢٣٧] . قوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس﴾ «السدس» مبتدأ و «لأبويه» خبر مقدم، و «لكلِّ واحدٍ» بدلٌ من «لأبويه» وهذا ما نَصَّ عليه الزمخشري فإنه قال: «لكلَّ واحد منهما» بدل من «لأبويه» بتكريرِ العاملِ، وفائدةُ هذا البدلِ أنه لو قيل: «ولأبويه السدسُ» لكان ظاهرُه اشتراكهما فيه، ولو قيل: «

стр. 2204

لأبويه السدسان» لأَوْهَمَ قسمةَ السدسين عليهما بالتسويةِ وعلى خلافِهما. فإنْ قلت: فهلا قيل: «ولكلِّ واحدٍ من أبويه السدس» وأيُّ فائدةٍ في ذِكْرِ الأبوين أولاً ثم في الإِبدالِ منهما؟ قلت: لأنَّ في الإِبدال والتفصيل بعد الإِجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمعِ بين المفسَّر والتفسيرِ. و «السدس» مبتدأ، وخبره «لأبويه» ، والبدلُ متوسط بينهما للبيانِ «. انتهى. وناقَشَه الشيخ في جَعْلِه» لأبويه «الخبرَ دونَ قوله» بكلِّ واحد «قال:» لأنه ينبغي أن يكونَ البدلُ هو الخبرَ دونَ المبدلِ منه «يعني أنَّ البدلَ هو المعتمدُ عليه، والمبدلُ منه صارَ في حكمِ المُطَّرح، ونَظَّره بقولك:» إنًَّ زيداً عينُه حسنة «فكما أنَّ» حسنة «خبر عن» عينه «دون» زيد «لأنّه في حكم المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك:» أبواك كلُّ واحد منهما يَصنع كذا «ف» يَصنع «خبرٌ عن» كل واحد «منهما، ولو قلت:» أبواك كلُّ واحدٍ منهما يَصْنعان كذا «لم يَجُزْ» . وفي هذه المناقشةِ نظرٌ لأنه إذا قيل لك: ما مَحَلُّ «لأبويه» من الإِعرابِ؟ نضطر إلى أَنْ نقولَ: في محلِّ رفعٍ خبراً مقدماً، ولكنه نَقَل نسبةَ الخبرية إلى «لكلِّ واحدٍ منهما» دونَ «لأبويه» . قال: «وقال بعضُهم» : «السدسُ» رفعٌ بالابتداء، و «لكلِّ واحدٍ» الخبرُ، و «لكلِّ» بدلٌ من الأبوين، و «منهما» نعتٌ لواحد، وهذا البدلُ هو بعضُ من كل، ولذلك أتَى معه بالضمير، ولا يُتَوَهَّمُ أنه بدلُ شيء من شيء وهما لعينٍ واحدة لجوازِ «أبواك

стр. 2205

يَصْنعان كذا» وامتناع «أبواكَ» كلُّ واحدٍ منهما يصنعان كذا «بل تقول:» يَصْنع «. انتهى. والضميرُ في» لأبويه «عائدٌ على ما عادَ عليه الضمير في» ترك «، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوةِ الكلام. والتثنية في» أبويه «من التغليب، والأصلُ: لأبيه وأمه، وإنما غَلَّب المذكرَ على المؤنث كقولهم: القَمَران والعُمَران وهي تثنيةٌ لا تنقاس. قوله:» فلأِمه «قرأ الجمهور» فلإِمه «وقولُه: ﴿في أُمِّ الكتاب﴾ [الآية: ٤] في سورةِ الزخرف، وقولُه: ﴿حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا﴾ [الآية: ٥٩] في القصص، وقوله: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في [النحل: ٧٨] و [الزمر: ٦] ، وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الآية: ٦١] في النور، و ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الآية: ٣٢] في النجم، بضم الهمزة من «أُمّ» وهو الأصلُ وقرأ حمزة والكسائي جميعَ ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة بزيادةِ كسرِ الميم من «أمَّهات» في الأماكنِ المذكورةِ، هذا كله في الدَّرْج. أمَّا في الابتداءِ بهمزةِ «الأم» و «الأمهات» فإنه لا خِلافَ في ضَمِّها. وأمَّا وجهُ قراءةِ الجمهور فظاهرٌ لأنه الأصلُ كما تقدَّم. وأمَّا قراءةُ حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبةِ الكسرةِ أو الياء التي قبل الهمزة، فكُسِرت الهمزةُ إتباعاً لِما قبلَها، ولاستثقالهم الخروجَ من كَسْرٍ أو شبهه إلى

стр. 2206

ضم، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزةِ ضمَّاها لزوالِ الكسر أو الياء. وأمَّا كسرُ حمزةَ الميمَ من «أمهات» في المواضع المذكورة فللإِتباعِ، أتبعَ حركةَ الميمِ لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميمِ تَبَع التبعِ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميمَ لما تقدم من زوالِ موجب ذلك. وكسرُ همزة «أم» بعد الكسرة أو الياء حكاه سيبويه لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل. قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ «إخوة» أعَمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب. وزعم قوم أنَّ الإِخوةَ خاص بالذكور، وأن الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثلث إلى السدس، قالوا: لأن إخوة جمع أخ، والجمهورُ على أنَّ الإِخوة وإنْ كانوا بلفظِ الجمع يَقَعُون على الاثنين، فيَحْجَبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثلث إلى السدس، خلافاً لابن عباس فإن لا يَحْجُب بهما والظاهر معه. قوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنه متعلق بما تقدَّمه من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليه وحدَه، كأنه قيل: قسمةٌ هذه الأنْصباء من بعد وصيةٍ، قالَهَ الزمخشري، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ وما بعدَه. والثاني: ذكره الشيخ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي: يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّل من بعد وصية. والثالث: أنه حال من السدس تقديره/ مستحِقاً من بعد وصية، والعاملُ الظرفُ، قاله أبو البقاء. وجَوَّزَ فيه وجهاً آخر قال: [ «ويجوز أن يكون ظرفاً] أي: يتسقر لهم ذلك بعد إخراجِ الوصيةِ، ولا بد من

стр. 2207

تقديرِ حذف المضاف؛ لأنَّ الوصيةَ هنا المالُ الموصَى به، وقد تكونُ الوصيةُ مصدراً مثلَ الفريضة» . وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وجهٌ. وقوله: «والعامل الظرف يعني بالظرف الجارَّ والمجرور في قوله ﴿فَلأُمِّهِ السدس﴾ فإنه شبيه بالظرفيةِ، وعَمِل في الحال لِما تضمَّنه من الفعلِ لوقوعِه خبراً. و» يوصي «فعل مضارع المرادُ به المضمر أي: وصيةٍ أوصَى بها. و» بها «متعلقٌ به، والجملةُ في محلِّ جرٍ صفةً ل» وصية «. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر» يُوصَى «مبنياً للمفعول في الموضعين، وافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً للفاعل، وقُرىء شاذاً:» يُوَصَّى «بالتشديد مبنياً للمفعول، ف» بها «في قراءةِ البناءِ للفاعل في محلِّ نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في محلِّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل. قوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ «أو» هنا لأحدِ الشيئين. قال أبو البقاء «ولا تَدُلُّ على ترتيبٍ، إذ لا فرقَ بين قولك:» جاءني زيد أو عمرو «وبين قولك:» جاءني عمرو أو زيد «لأن» أو «لأحد الشيئين، والواحدُ لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قول من قال:» من بعد دَيْن أو وصية «، إنما يقع الترتيبُ فيما إذا اجتمعا فَيُقَدَّم الدينُ على الوصية» . وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: فما معنى» أو «؟ قلت: معناها الإِباحةُ، وأنه إنْ كان أحدُهما أو كلاهما قُدَّم على قِسمة الميراثِ كقولك:» جالسِ [الحسنَ] أو ابنَ سيرين «، فإنْ قلت: لِمَ قُدِّمَتِ الوصية على الدَّيْن، والدَّيْن

стр. 2208

مُقَدَّم عليها في الشريعة؟ قلت: لَمَّا كانت الوصية مُشْبِهةً للميراث في كونِها مأخوذةً من غيرِ عوض كان إخراجُها مِمَّا يَشُّقُّ على الورثةِ بخلافِ الدَّيْن فإنَّ نفوسَهم مطمئنةٌ إلى أدائه، فلذلك قُدِّمت على الدَّيْن بعثاً على وجوبِها والمسارعةِ إلى إخراجها مع الدَّيْن؛ لذلك جِيء بكلمةٍ» أو «للتسويةِ بينهما في الوجوب» . قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ مبتدأٌ، و «لا تَدْرُون» وما في حيِّزه في محلِّ الرفع خبراً له، و «أيُّهم» فيه وجهان، أشهرُهما عند المُعْرِبين أن يكونَ «أيُّهم» مبتدأ وهم أسمُ استفهامٍ، و «أقربُ» خبرُه، والجملة من هذا المبتدأ وخبرِه في محلِّ نصب ب «تَدْرون» لأنها من أفعالِ القلوبِ، فعلَّقها اسمُ الاستفهامِ عن أَنْ تعملَ في لفظِه؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يَعْمل فيه ما قبلَه في غيرِ الاستثبات. والثاني: أنه يجوزُ أن تكونَ «أيُّهم» موصولةً بمعنى الذي، و «أقربُ» : خبرٌ مبتدأٍ مضمر هو عائدٌ الموصولِ، وجازَ حذفُه لأنه يجوز ذلك مع «أي» مطلقاً أي: أطالت الصلةُ أم لم تَطُلْ، والتقديرُ: أيُّهم هو أقربُ، وهذا الموصولُ وصلتُه في محلِّ نصب على أنه مفعول به، نصبَه «تَدْرون» ، وإنما بُني لوجودِ شرطَي البناءِ: وهما أَنْ تُضاف «أي» لفظاً وأَنْ يُحْذَفَ صدرُ صلتِها، وصارت هذه الآيةُ نظيرَ الآيةِ الأخرى وهي ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] فصارَ التقديرُ: لا تدرون الذي هو أقربُ. قال الشيخ: «ولم أرَهم ذكروه» يعني هذا الوجه. قلت: ولا مانعَ منه لا من جهةِ المعنى ولا من جهةِ الصناعةِ. فعلى القولِ الأولِ تكونُ الجملةُ سادَّةً مسدَّ المفعولين، ولا حاجةَ إلى تقدير حذف، وعلى الثاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مفعولاً أولَ،

стр. 2209

ويكون الثاني محذوفاً، وبعدمِ الاحتياجِ إلى حَذْفِ المفعول الثاني يترجَّح الوجُه الأول. ثم هذه الجملةُ أعني قولَه: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ﴾ لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها جملة اعتراضية. قال الزمخشري: بعد أن حكى في معانيها أقوالاً اختار منها الأولَ «لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضية، ومن حقِّ الاعتراضِ أَنْ يؤكِّد ما اعتَرَض بينه وبين ما يناسِبُه» يعني بالاعتراض أنها واقعةٌ من قصة المواريث، إلا أنَّ هذا الاعتراضَ غيرُ مرادِ النحويين، لأنهم لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصطلاحهم إلاَّ ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراضِ بين المبتدأ وخبره، والشرطِ وجزائه، والقسمِ وجوابه، والصلةِ وموصولها. ثم ذكر في معانيها أقوالاً أحدها: وهو الذي اختاره أَنْ جَعَلَها متعلقةً بالوصية فقال: «ثم أكَّد ذلك يعني الاهتمام بالوصية ورَغَّب فيه بقوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ أي: لا تَدْرُون مَنْ أنفعُ لكم من آبائكم وأبنائِكم الذين يَمُوتون، أَمَنْ أَوصى منهم أم من لم يوصِ، يعني أنَّ مَنْ أوصى ببعضِ مالِه فعرَّضكم لثوابِ الآخرةِ بإمضاء وصيته فهو أقربُ لكم نفعاً وأحضَرُ جدوى ممَّن ترك الوصيَّة فوفَّر عليكم عَرَض الدنيا، وجعل ثواب الآخرة أقربَ وأَحْضَرَ مِنْ عرض الدنيا، ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عَرَضَ الدنيا وإنْ كان قريباً عاجلاً في الصورة إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقةِ الأبعدُ الأقصى، وثوابُ الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق، فهو في الحقيقةِ الأقربُ الأدنى» . وانتصبَ «نفعاً» على التمييز من «أقرب» ، وهو منقول من الفاعلية، واجبُ النصب، لأنه متى وقع تمييزُ بعد أَفْعلِ التفضيل: فإنْ صَحَّ أَنْ يصاغَ منها فعلٌ مسندٌ إلى ذلك التمييز على جهة الفاعلية وجب النصب كهذه الآية، إذ يصح أن يقال: أيُّهم قَرُبَ الكم نَفْعُه، وإن لم يصِحَّ ذلك وجَبَ جَرُّه نحو: «زيد أحسنُ

стр. 2210

فقيه» بخلاف «زيد أحسنُ فقهاً» وهذه قاعدةٌ مفيدة. و «لكم» متعلق ب «أقرب» . قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمون الجملة السابقة من الوصية، لأنَّ معنى «يوصيكم» فرض الله عليكم، فصار المعنى: «يوصيكم الله وصيةَ فرض» فهو مصدر على غير الصدر. والثاني: أنها مصدر منصوب بفعل محذوف من لفظها. قال أبو البقاء: و «فريضةً» / مصدر لفعل محذوف أي: فرض الله ذلك فريضة «والثالث: قاله مكي وغيره أنها حالٌ لأنها ليست مصدراً، وكلامُ الزمخشري محتمل للوجهين الأَوَّلَيْن فإنه قال:» فريضة «نُصِبت نَصْبِ المصدر المؤكد، أي: فرض ذلك فرضاً» .
следующие страницы →