← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ضم، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزةِ ضمَّاها لزوالِ الكسر أو الياء. وأمَّا كسرُ حمزةَ الميمَ من «أمهات» في المواضع المذكورة فللإِتباعِ، أتبعَ حركةَ الميمِ لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميمِ تَبَع التبعِ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميمَ لما تقدم من زوالِ موجب ذلك. وكسرُ همزة «أم» بعد الكسرة أو الياء حكاه سيبويه لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل. قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ «إخوة» أعَمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب. وزعم قوم أنَّ الإِخوةَ خاص بالذكور، وأن الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثلث إلى السدس، قالوا: لأن إخوة جمع أخ، والجمهورُ على أنَّ الإِخوة وإنْ كانوا بلفظِ الجمع يَقَعُون على الاثنين، فيَحْجَبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثلث إلى السدس، خلافاً لابن عباس فإن لا يَحْجُب بهما والظاهر معه. قوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنه متعلق بما تقدَّمه من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليه وحدَه، كأنه قيل: قسمةٌ هذه الأنْصباء من بعد وصيةٍ، قالَهَ الزمخشري، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ وما بعدَه. والثاني: ذكره الشيخ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي: يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّل من بعد وصية. والثالث: أنه حال من السدس تقديره/ مستحِقاً من بعد وصية، والعاملُ الظرفُ، قاله أبو البقاء. وجَوَّزَ فيه وجهاً آخر قال: [ «ويجوز أن يكون ظرفاً] أي: يتسقر لهم ذلك بعد إخراجِ الوصيةِ، ولا بد من

стр. 2207

تقديرِ حذف المضاف؛ لأنَّ الوصيةَ هنا المالُ الموصَى به، وقد تكونُ الوصيةُ مصدراً مثلَ الفريضة» . وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وجهٌ. وقوله: «والعامل الظرف يعني بالظرف الجارَّ والمجرور في قوله ﴿فَلأُمِّهِ السدس﴾ فإنه شبيه بالظرفيةِ، وعَمِل في الحال لِما تضمَّنه من الفعلِ لوقوعِه خبراً. و» يوصي «فعل مضارع المرادُ به المضمر أي: وصيةٍ أوصَى بها. و» بها «متعلقٌ به، والجملةُ في محلِّ جرٍ صفةً ل» وصية «. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر» يُوصَى «مبنياً للمفعول في الموضعين، وافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً للفاعل، وقُرىء شاذاً:» يُوَصَّى «بالتشديد مبنياً للمفعول، ف» بها «في قراءةِ البناءِ للفاعل في محلِّ نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في محلِّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل. قوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ «أو» هنا لأحدِ الشيئين. قال أبو البقاء «ولا تَدُلُّ على ترتيبٍ، إذ لا فرقَ بين قولك:» جاءني زيد أو عمرو «وبين قولك:» جاءني عمرو أو زيد «لأن» أو «لأحد الشيئين، والواحدُ لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قول من قال:» من بعد دَيْن أو وصية «، إنما يقع الترتيبُ فيما إذا اجتمعا فَيُقَدَّم الدينُ على الوصية» . وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: فما معنى» أو «؟ قلت: معناها الإِباحةُ، وأنه إنْ كان أحدُهما أو كلاهما قُدَّم على قِسمة الميراثِ كقولك:» جالسِ [الحسنَ] أو ابنَ سيرين «، فإنْ قلت: لِمَ قُدِّمَتِ الوصية على الدَّيْن، والدَّيْن

стр. 2208

مُقَدَّم عليها في الشريعة؟ قلت: لَمَّا كانت الوصية مُشْبِهةً للميراث في كونِها مأخوذةً من غيرِ عوض كان إخراجُها مِمَّا يَشُّقُّ على الورثةِ بخلافِ الدَّيْن فإنَّ نفوسَهم مطمئنةٌ إلى أدائه، فلذلك قُدِّمت على الدَّيْن بعثاً على وجوبِها والمسارعةِ إلى إخراجها مع الدَّيْن؛ لذلك جِيء بكلمةٍ» أو «للتسويةِ بينهما في الوجوب» . قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ مبتدأٌ، و «لا تَدْرُون» وما في حيِّزه في محلِّ الرفع خبراً له، و «أيُّهم» فيه وجهان، أشهرُهما عند المُعْرِبين أن يكونَ «أيُّهم» مبتدأ وهم أسمُ استفهامٍ، و «أقربُ» خبرُه، والجملة من هذا المبتدأ وخبرِه في محلِّ نصب ب «تَدْرون» لأنها من أفعالِ القلوبِ، فعلَّقها اسمُ الاستفهامِ عن أَنْ تعملَ في لفظِه؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يَعْمل فيه ما قبلَه في غيرِ الاستثبات. والثاني: أنه يجوزُ أن تكونَ «أيُّهم» موصولةً بمعنى الذي، و «أقربُ» : خبرٌ مبتدأٍ مضمر هو عائدٌ الموصولِ، وجازَ حذفُه لأنه يجوز ذلك مع «أي» مطلقاً أي: أطالت الصلةُ أم لم تَطُلْ، والتقديرُ: أيُّهم هو أقربُ، وهذا الموصولُ وصلتُه في محلِّ نصب على أنه مفعول به، نصبَه «تَدْرون» ، وإنما بُني لوجودِ شرطَي البناءِ: وهما أَنْ تُضاف «أي» لفظاً وأَنْ يُحْذَفَ صدرُ صلتِها، وصارت هذه الآيةُ نظيرَ الآيةِ الأخرى وهي ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] فصارَ التقديرُ: لا تدرون الذي هو أقربُ. قال الشيخ: «ولم أرَهم ذكروه» يعني هذا الوجه. قلت: ولا مانعَ منه لا من جهةِ المعنى ولا من جهةِ الصناعةِ. فعلى القولِ الأولِ تكونُ الجملةُ سادَّةً مسدَّ المفعولين، ولا حاجةَ إلى تقدير حذف، وعلى الثاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مفعولاً أولَ،

стр. 2209

ويكون الثاني محذوفاً، وبعدمِ الاحتياجِ إلى حَذْفِ المفعول الثاني يترجَّح الوجُه الأول. ثم هذه الجملةُ أعني قولَه: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ﴾ لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها جملة اعتراضية. قال الزمخشري: بعد أن حكى في معانيها أقوالاً اختار منها الأولَ «لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضية، ومن حقِّ الاعتراضِ أَنْ يؤكِّد ما اعتَرَض بينه وبين ما يناسِبُه» يعني بالاعتراض أنها واقعةٌ من قصة المواريث، إلا أنَّ هذا الاعتراضَ غيرُ مرادِ النحويين، لأنهم لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصطلاحهم إلاَّ ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراضِ بين المبتدأ وخبره، والشرطِ وجزائه، والقسمِ وجوابه، والصلةِ وموصولها. ثم ذكر في معانيها أقوالاً أحدها: وهو الذي اختاره أَنْ جَعَلَها متعلقةً بالوصية فقال: «ثم أكَّد ذلك يعني الاهتمام بالوصية ورَغَّب فيه بقوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ أي: لا تَدْرُون مَنْ أنفعُ لكم من آبائكم وأبنائِكم الذين يَمُوتون، أَمَنْ أَوصى منهم أم من لم يوصِ، يعني أنَّ مَنْ أوصى ببعضِ مالِه فعرَّضكم لثوابِ الآخرةِ بإمضاء وصيته فهو أقربُ لكم نفعاً وأحضَرُ جدوى ممَّن ترك الوصيَّة فوفَّر عليكم عَرَض الدنيا، وجعل ثواب الآخرة أقربَ وأَحْضَرَ مِنْ عرض الدنيا، ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عَرَضَ الدنيا وإنْ كان قريباً عاجلاً في الصورة إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقةِ الأبعدُ الأقصى، وثوابُ الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق، فهو في الحقيقةِ الأقربُ الأدنى» . وانتصبَ «نفعاً» على التمييز من «أقرب» ، وهو منقول من الفاعلية، واجبُ النصب، لأنه متى وقع تمييزُ بعد أَفْعلِ التفضيل: فإنْ صَحَّ أَنْ يصاغَ منها فعلٌ مسندٌ إلى ذلك التمييز على جهة الفاعلية وجب النصب كهذه الآية، إذ يصح أن يقال: أيُّهم قَرُبَ الكم نَفْعُه، وإن لم يصِحَّ ذلك وجَبَ جَرُّه نحو: «زيد أحسنُ

стр. 2210

فقيه» بخلاف «زيد أحسنُ فقهاً» وهذه قاعدةٌ مفيدة. و «لكم» متعلق ب «أقرب» . قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمون الجملة السابقة من الوصية، لأنَّ معنى «يوصيكم» فرض الله عليكم، فصار المعنى: «يوصيكم الله وصيةَ فرض» فهو مصدر على غير الصدر. والثاني: أنها مصدر منصوب بفعل محذوف من لفظها. قال أبو البقاء: و «فريضةً» / مصدر لفعل محذوف أي: فرض الله ذلك فريضة «والثالث: قاله مكي وغيره أنها حالٌ لأنها ليست مصدراً، وكلامُ الزمخشري محتمل للوجهين الأَوَّلَيْن فإنه قال:» فريضة «نُصِبت نَصْبِ المصدر المؤكد، أي: فرض ذلك فرضاً» .

стр. 2211

قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً﴾ : هذه الآية مما ينبغي أن يُطَوَّل فيها القول لإِشكالها واضطراب أقوال الناس فيها. ولا بد قبل التعرض للإِعراب من ذكر معنى الكَلالة واشتقاقِها واختلاف الناس فيها، ثم نعود بعد ذلك لإِعرابها، لأنه متوقفٌ على ما ذكرنا فنقول وبالله العون: اختُلِفَ في معنى الكَلالة فقال جمهور اللغويين وغيرهم: إنه الميت الذي لا وَلَدَ له ولا والد، وقيل: الذي لا والدَ له فقط. وقيل: الذي لا ولد له فقط، وقيل: هو مَنْ لا يَرثُه أب ولا أم، وعلى هذه الأقوالِ كلِّها فالكَلالةٌ واقعةٌ على الميت. وقيل: الكلالة: الوَرَثَةُ ما عدا الأبوين والولد، قاله قطرب، وسُمُّوا بذلك لأنَّ الميت بذهاب طَرَفَيْه تُكَلله الورثة أي: أحاطوا به من جميع نواحيه،

стр. 2212

ويؤيد هذا القولَ بأنّ الآيةَ نزلت في جابر، ولم يكن له يومَ أُنْزِلَتْ أبٌ ولا ابن. وقل: الكلالة: المال الموروث. وقيل: الكلالة: القرابة، وقيل: هي الوراثة. فقد تلخص مِمَّا تقدم أنها: إمَّا الميتُ الموروثُ أو الوارثُ أو المال الموروث أو الإِرث أو القرابة. وأمَّا اشتقاقُها فقيل: هي مشتقة مِنْ تَكَلَّله الشيء أي: أحاط به، وذلك أنَّه إذا لم يَتْرك ولداً ولا والداً فقد انقطع طرفاه وهما عمودا نسبه وبقي مالُه الموروثُ لِمَنْ يتكلَّله نسبه أي: يحيط به كالإِكليل، ومنه «الروضة المُكَلَّلة» أي: بالزهر، وعليه قول الفرزدق: ١٥٥٤ - وَرِثْتُمْ قناةَ المجدِ لا عن كَلالةِ ... عن ابنَيْ منافٍ عبدِ شمس وهاشمِ وقيل: اشتقاقها من الكَلال وهو الإِعياءُ، فكأنه يصير الميراث للوارث من بعد إعياء. وقال الزمخشري: «والكلالة في الأصل: مصدرٌ بمعنى الكَلال وهو ذهابُ القوة من الإِعياء. قال الأعشى: ١٥٥٥ - فآليْتُ لا أَرْثي لها مِنْ كَلالةٍ ... ولا مِنْ وَحَىً حتى تُلاقِي مُحَمَّدا فاستُعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإِضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة» . وأجاز فيها أيضاً أن تكونَ صفةً على وزن فَعالة قال: «كالهَجاجَة والفَقاقَة للأحمق» .

стр. 2213

إذا تقرر هذا فَلْنَعُدْ إلى الإِعراب فنقول والعون بالله: يجوز في «كان» وجهان أحدهما: أن تكون ناقصة، و «رجلٌ» اسمها، وفي الخبر احتمالان، أحدهما: أنه «كلالة» إن قيل: إنها الميت، وإن قيل إنها الوارث أو غيرَ ذلك فتُقَدِّر حذفَ مضاف أي: ذا كلالة، و «يُورثُ» حينئذٍ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «رجل» وهو فعلٌ مبني للمفعول، ويتعدَّى في الأصل لاثنين أُقيم الأول مقامَ الفاعل وهو ضمير الرجل، والثاني محذوف تقديره: يُورَثُ هو مالَه. وهل هذا الفعلُ من وَرِث الثلاثي أو أورث الرباعي؟ فيه خلافٌ، إلا أنَّ الزمخشري لَمَّا جعله من الثلاثي جعَله يتعدَّى إلى الأول من المفعولين ب «مِنْ» فإنه قال: «ويُوْرَثُ مِنْ ورث، أي: يورث منه» يعني أنه في الأصل يتعدَى ب «مِنْ» ، وقد تُحْذَفُ، تقول: «وَرِثْتُ زيداً مالَه» أي: مِنْ زيد، ولَمَّا جَعَلَه مَنْ «أورث» جَعَل الرجل وارثاً لا موروثاً فإنه قال: «فإنْ قلت: فإنْ جَعَلْت» يورَث «على البناء للمفعول من» أورث «فما وجهُه؟ قلت: الرجلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ» وقال الشيخ: «إنه من» أورث «الرباعي المبني للمفعول» ولم يقِّيْده بالمعنى الذي قيَّده الزمخشري. الاحتمال الثاني: أن يكونَ الخبرُ الجملةَ من «يُورَث» ، وفي نصب «كلالة» حينئذ أربعةُ أوجه، أحدها: أنها حال من الضمير في «يُورَث» إنْ أريد بها الميتُ أو الوارثُ، إلا أنه يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضاف أي: يُورَث ذا كلالة؛ لأن الكلالة حينئذ ليست نفسَ الضمير المستكنِّ في «يُورث» . قال أبو البقاء على جَعْلِها بمعنى الميت: «ولو قُرِىء» كلالةٌ «بالرفع على أنها صفة أو بدل من الضمير في» يُورث «لجاز، غير أني لم أعرف

стр. 2214

أحداً قرأ به فلا يُقْرَأْنَ إلا بما نُقل» يعني بكونِها صفة أنها صفةٌ ل «رجل» . الثاني: أنها مفعولٌ من أجله إنْ قيل: إنها بمعنى القرابة أي: يورَثُ لأجل الكلالة. الثالث: أنه مفعول ثان ل «يورث» إنْ قيل إنها بمعنى المال الموروث. الرابعُ: أنها نعتٌ لمصدر محذوف إن قيل: إنها بمعنى الوراثة أي يورث وراثَة كلالة، وقدَّر مكي في هذا الوجهِ حَذْفَ مضافٍ قال: «تقديرُه ذات كلالة» . وأجازَ بعضُهم على كونها بمعنى الوراثة أن تكونَ حالاً. والوجه الثاني من وجهي كان: أن تكونَ تامةً فيُكْتَفَى بالمرفوع أي: وإنْ وجد رجل، و «يُورَثُ» في محلِّ رفع صفةً ل «رجل» و «كلالة» منصوبةٌ على ما تقدَّم من الحال أو المفعولِ من أجله أو المفعول به أو النعت لمصدرٍ محذوفٍ على حَسَب ما قُرِّر من معانيها. وَيَخُصُّ هذا وجهٌ آخرُ ذكره مكي: وهو أن تكون «كلالة» منصوبة على التفسير، قال مكي: «كان أي: وقع، و» يورث «نعتٌ للرجل، و» رجل «رفع ب» كان «، و» كلالة نَصْبٌ على التفسير، وقيل: هو نصبٌ على الحال، على أن الكلالة هو الميت على هذين الوجهين «وفي جَعْلِها تفسيراً أي تمييزاً نظرٌ لا يَخْفى. وقرأ الجمهور:» يُورَثُ «مبنياً للمفعول وقد تقدَّم توجيهُه. وقرأ الحسن: «يُورِثُ» مبنياً للفاعل، ونُقِل عنه أيضاً وعن أبي رجاء كذلك، إلاَّ أنَّهما شَدَّدا الراء، وتوجيهُ القراءتين واضحٌ مِمَّا تقدَّم: وذلك أنه إنْ أُريد بالكلالةِ الميتُ فيكون المفعولان محذوفين، و «كلالةً» نصب على الحال أي: وإنْ كان رجلٌ يورِث وارثَه أو أهلَه مالَه في حال كونِه كلالةً، وإنْ أريد بها

стр. 2215

القرابة فتكونُ منصوبة على المفعول من أجله، والمفعولان أيضاً محذوفان على ما تقدَّم تقريره، وإنْ أريدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً، والأول محذوف أي: يورِث أهله ماله، وأنْ أريد بها الوارثُ فبالعكسِ أي يورِث مالَه أهلَه. وقوله: ﴿أَو امرأة﴾ عطفٌ على «رجلٌ» ، وحُذف منها ما أُثبت في المعطوف عليه للدلالة على ذلك، التقديرُ: أو امرأةٌ تورَثُ كلالةً، وإنْ كان لا يلزمُ من تقييدِ المعطوفِ عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس، إلا أنه هو الظاهر. وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ جملةٌ من مبتدأٍ وخبر في محلِّ نصب على الحال، والواوُ الداخلةُ عليها واوُ الحال، وصاحبُ الحالِ: إمَّا «رجل» إنْ كان «يورَثُ» صفةً له، وإمَّا الضميرُ المستتر في «يورَث» . ووحَّدَ الضمير في قوله: «وله» ؛ لأنَّ العطفَ ب «أو» وما وَرَدَ على خلاف ذلك أُوِّلَ عند الجمهور، كقوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] وإنما أَتَى به مذكراً لأنه يجوزُ إذا تقدَّم متعاطفان ب «أو» مذكرٌ ومؤنثٌ كنت بالخيار: بين أن تراعيَ المتقدِّمَ أو المتأخرَ فتقول: «زيدٌ أو هند قام» ، وإن شئت: «قامت» /، وأجاب أبو البقاء عن تذكيره بثلاثة أوجه، أحدها: أنه يعودُ على الرجل وهو مذكر مبدوءٌ به. الثاني: أنه يعود على أحدهما، ولفظ «أحد» مفرد مذكر. والثالث: أنه يعود على الميت أو الموروثِ لتقدُّم ما يدل عليه «. والضميرُ في قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه يعودُ على الأخِ والأخت. والثاني: أنه يعودُ على الرجل وعلى أخيه أو أختِه، إذا أريد بالرجل في قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ أنه وارثٌ لا موروث، كما تقدَّمت

стр. 2216

حكايتُه عن الزمخشري. قال الزمخشري بعد ما حكيناه عنه: فإنْ قلت: فالضميرُ في قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ إلى مَنْ يرجِعُ حينئذ؟ قلت: على الرجل وعلى أخيه أو أخته، وعلى الأول: إليهما، فإنْ قلت: إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر للأنثى، فهل تبقى هذه الفائدة قائمةً في هذا الوجه؟ قلت: نعم لأَنَّك إذا قلت: السدس له، أو لواحدٍ من الأخ أو الأخت على التخييرِ فقد سَوَّيْتَ بين الذكر والأنثى» انتهى. وقرأ أُبي: «أخ أو أخت من الأم» . وقرأ سعد بن أبي وقاص: «من أم» بغيرِ أداة تعريف. وأجمع الناس على أن المراد بالأخ والأخت من الأم كقراءتهما، ولأنَّ ما في آخر السورة يدل على ذلك وهو كون: للأختِ النصفُ، وللأختين الثلثان، وللأخوة الذكور والإِناث للذَّكَر مثلُ حظ الانثيين. قوله: ﴿فَإِن كانوا﴾ الواوُ ضميرُ الإِخوة من الأمِّ المدلول عليهم بقوله: ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ ، والمرادُ الذكورُ والإِناث، وأتى بضمير الذكور في قوله: «كانوا» وقوله «فهم» تغليباً للمذكر على المؤنث، و «ذلك» إشارةٌ إلى الواحد، أي: أكثر من الواحد، يعني: فإن كان مَنْ يرث زائداً على الواحد؛ لأنه لا يَصِحُّ أن يقال: «هذا أكثرُ من واحد» إلا بهذا المعنى لتنافي معنى كثير وواحد، وإلاَّ فالواحدُ لا كثرة فيه. وقوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى﴾ قد تقدم إعراب ذلك وهذا مثلُه. قوله: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ «غيرَ» نصبٌ على الحال من الفاعل في «يوصَى»

стр. 2217

وهو ضمير يعود على الرجل في قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ﴾ ، هذا إنْ أُريد بالرجلِ الموروثُ، وإن أريد به الوارث كما تقدم فيعود على الميت الموروث المدلولِ عليه بالوارثِ مِنْ طريقِ الالتزام كما دل عليه في قولِه: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ أي: تَرَكَه الموروث، فصار التقدير: يوصَى بها الموروث، هكذا أعربه الناس فجعلوه حالاً: الزمخشري وغيره. إلا أن الشيخ رَدَّ ذلك بأنه يؤدِّي إلى الفصل بين هذه الحال وعامِلها بأجنبي منهما، وذلك أنَّ العاملَ فيها «يوصَى» كما تقرر، وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ أجنبي لأنه معطوف على «وصية» الموصوفة بالعامل في الحال، قال: «ولو كان على ما قالوه مِن الإِعراب لكانَ التركيب:» مِنْ بعد وصيةٍ يُوصَى بها غيرَ مُضارٍّ أو دينٍ «. وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين: أعني بناءَ الفعلِ للفاعل أو المفعول، وتزيد عليه قراءةُ البناء للمفعول وجهاً آخرَ، وهو أَن صاحب الحال غيرُ مذكور، لأنه فاعلٌ في الأصل حُذِفَ وأقيم المفعول مُقامَه، ألا ترى أنك لو قلت:» تُرْسَلُ الرياح مبشِّراً بها «بكسر الشين، يعني:» يرسلُ اللهُ الرياحَ مبشِّراً بها «فحذفت الفاعل وأقمت المفعول مُقامَه، وجئت بالحال من الفاعل لم يَجُزْ فكذلك هذا» . ثم خَرَّجه على أحد وجهين: إمَّا بفعل يدل عليه ما قبله من المعنى؛ ويكون عامًّاً لمعنى ما يتسلَّط على المال بالوصية أو الدين وتقديره: يلزم ذلك مالَه، أو يُوجبه فيه غيرَ مُضارٍّ بورثته بذلك الإِلزامِ أو الإِيجاب. وإمَّا بفعلٍ مبني للفاعل لدلالةِ المبني للمفعولِ عليه أي: يوصي غير مُضارٍّ، فيصير نظير قوله: ﴿يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦-٣٧] على قراءةِ منْ فتح الباء.

стр. 2218

قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ في نصبها أربعة أوجه؛ أحدُها: أنها مصدر مؤكِّد، أي يوصيكم الله بذلك وصيةً الثاني: أنها مصدر في موضع الحالِ، والعامل فيها يُوصيكم. قاله ابن عطية، والثالث: أنها منصوبةٌ على الخروج: إمَّا من قولِه: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس﴾ أو من قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث﴾ وهذه عبارةٌ تشبه عبارة الكوفيين. والرابع: أنها منصوبةٌ باسمِ الفاعل وهو «مُضارّ» ، والمُضارَّةُ لا تقع بالوصية بل بالورثة، لكنه لمَّا وصّى الله تعالى بالوَرَثة جَعَل المُضارَّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصية مبالغةً في ذلك، ويؤيد هذا التخريج قراءةُ الحسن: «غيرَ مُضارِّ وصيةٍ» بإضافة اسم الفاعل إليها على ما ذكرناه من المجاز، وصارَ نظيرَ قولِهم: «يا سارقَ الليلةِ» التقدير: يا سارقاً في الليلة، ولكنه أضافَ اسم الفاعل إلى ظرفه مجازاً واتِّساعاً، فكذلك هذا، أصله: غيرَ مضارٍّ في وصيةٍ من الله، فاتُّسع في هذا إلى أن عُدِّي بنفسه من غيرِ واسطةٍ، لِما ذكرت لك من قصد المبالغة. وهذا أحسنُ تخريجاً من تخريج أبي البقاء فإنه ذكر في تخريج قراءة الحسن وجهين، أحدُهما: أنه على حذف «أهل» أو ذي أي: غيرَ مضارِّ أهلِ وصيةٍ أو ذي وصية. والثاني: على حذف وقت أي: وقتَ وصية قال: «وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب من ذلك قولُهم:» هو فارسُ حربٍ «أي: فارس في الحرب، وتقول:» هو فارسُ زمانه «أي: في زمانه، كذلك تقديرُ القراءة: غيرَ مضار في وقت الوصية. ومفعول» مُضارّ «محذوفٌ إذا لم تُجْعَلُ» وصيةً «مفعولةً أي: غيرَ مضارٍّ ورثتِه بوصية.

стр. 2219

قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ : حَمَلَ على لفظ «مَنْ» فَأْفْرَدَ الضميرَ في قوله: «يُطِعْ» و «يُدْخِلْه» ، وعلى معناها فجمع في قوله «خالدين» . وهذا أحسنُ الحَمْلين، أعني الحملَ على اللفظ ثم المعنى، ويجوزُ العكس وإن كان ابن عطية قد منعه، وليس بشيء لثبوتِه عن العرب، وقد تقدَّم ذلك غيرَ مرةٍ وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورةٌ في كتب النحو. وفي نصبِ «خالدين» وجهان، أظهرهما: أنه حال من الضمير المنصوبِ في «يُدْخِلُه» ، ولا يَضُرُّ تغايُرُ الحالِ وصاحِبها من حيث كانت جمعاً وصاحبُها مفرداً لِما تقدَّم من اعتبار اللفظ والمعنى، وهي مُقَدَّرة لأنَّ الخلود بعد الدخولِ. والثاني: أن يكونَ نعتاً ل «جنات» من باب ما جَرَى على موصوفِه لفظاً وهو لغيرِه معنىً نحو: مررت برجلٍ قائمةٍ أمه، وبامرأة حسنٍ غلامُها، ف «قائمة» و «حسنٍ» وإن كانا جارِيَيْنِ على ما قبلهما لفظاً فهما لِما بعدَهما معنىً، أجاز ذلك في الآية الكريمة الزجاج وتبعه التبريزي، إلاَّ أنّ الصفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب/ إبرازُ الضمير مطلقاً على مذهب البصريين: أَلْبس أو لم يُلْبِس. وأما الكوفيون فيفصِّلون فيقولون: إذا جرت الصفة على غير مَنْ هي له: فإن أَلْبس وجب إبراز الضمير كما هو مذهب البصريين نحو: «زيدٌ عمروٌ ضاربُه هو» إذا كان الضرب واقعاً من زيد على

стр. 2220

عمرو وإن لم يُلْبِس لم يَجِبِ الإِبرازُ نحو: «زيدٌ هندٌ ضاربُها» ، إذا تقرَّر هذا فمذهب الزجاج في الآية إنما يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حسن. واستدلَّ مَنْ نَصَر مذهبَ الكوفيين بالسماع، فمنه قراءةُ مَنْ قرأ: ﴿إلى طَعَامٍ غَيْرِ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] بجر «غير» مع عدمِ بروزِ الضمير، ولو أَبْرزه لقال: «غيرِ ناظرين إناه أنتم» ومنه قولُ الآخَر: ١٥٥٦ - قَوْمي ذُرا المجدِ بانُوها وقد عَلِمَتْ ... بكُنْهِ ذلك عدنانٌ وقَحْطانُ ولم يقل: بانُوها هم، وقد خَرَّج بعضُهم البيت على حذف مبتدأ تقديره: هم بانوها، ف «قومي» مبتدأ أول «و» ذرا «مبتدأ ثان، و» هم «مبتدأ ثالث، و» بانوها «خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وقد منع الزمخشري كونَ» خالدين «و» خالداً «صفةً ل» جنات «و» ناراً «بعدم بروز الضمير فقال:» فإنْ قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين ل «جنات» و «ناراً» ؟ قتل: لا، لأنهما جريا على غير مَنْ هما له، فلا بد من الضمير في قولك: «خالدين هم فيها، وخالداً هو فيها» . ومَنَع أبو البقاء ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع «خالداً» ،

стр. 2221

ولم يتعرض لذلك مع «خالدين» ، ولا فرق بينهما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنعُ على مذهبِ البصريين كما تقدم. وقرأ نافع وابن عامر هنا «نُدْخِلْه» في الموضعين، وفي سورة التغابن والطلاق والفتح بنونِ العظمة، والباقون بالياء، والضمير لله تعالى، وإنما جمع «خالدين» في الطائعين، وأَفْرَد «خالداً» في العاصين، قالوا: لأنّ أهلَ الطاعة أهلُ الشفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هم والمشفُوعُ لهم ناسَبَ ذلك الجمعَ، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرُه النارَ فناسَبَ ذلك الإِفرادُ. والجملةُ من قولِه ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ في محلِّ نصبٍ صفةً ل «جنات» وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ المنصوبَ بعد «دخل» من الظروف هل نصبُه نصبُ الظروف أو نصبُ المفعولِ به؟ الأول قول الجمهور، والثاني قول الأخفش، فكذلك «جنات» و «ناراً» .

стр. 2222

قوله تعالى: ﴿واللاتي﴾ : اللاتي: جمع «التي» في المعنى لا في اللفظ؛ لأنَّ هذه صيغٌ موضوعةٌ للتثنية والجمع، وليست بتثنية ولا جمع حقيقةً. وقال أبو البقاء: «اللاتي جمع» التي «على غير قياس، وقيل: هي صيغة موضوعة للجمع» ومثل هذا لا ينبغي أَنْ يَعُدَّه خلافاً. ولها جموعٌ كثيرة: ثلاثَ عشرةَ لفظة، وهي: اللاتي واللواتي واللائي، وبلا ياءات فهذه ست، واللاي بالياء من غيرِ همزٍ، واللا من غير ياءٍ ولا همزٍ، واللَّواء بالمد، واللَّوا بالقصر، و «الأُلى» كقوله:

стр. 2223

١٥٥٧ - فأمَّا الأُلى يَسْكُنَّ غَوْرَ تهامةٍ ... فكلُّ فتاةٍ تترُكُ الحِجْلَ أَفْصَما إلا أنَّ الكثيرَ أن تكونَ جمْعَ «الذي» . و «اللاءاتِ» مكسوراً مطلقاً أو معرباً إعراب جمع المؤنث السالم كقوله: ١٥٥٨ - أولئك إخواني الذين عَرَفْتُهُمْ ... وأخْدانُك اللاءاتُ زُيِّنَّ بالكَتَمْ برفعِ «اللاءات» . وفي محلِّ «اللاتي» قولان، أحدُهما: أنه رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر حينئذٍ وجهان، أحدُها: الجملةُ مِنْ قوله: «فاسْتَشْهدوا» ، وجازَ دخولُ الفاءِ زائدةً في الخبرِ وإن لم يَجُزْ زيادتُها في نحو: «زيدٌ فاضرِبْ» على رأي الجمهور، لأنَّ المبتدأ أَشْبَهَ الشرطَ في كونِه موصولاً عاماً صلتُه فعلٌ مستقبل، والخبرُ مستحقٌ بالصلةِ. الوجه الثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ، والتقدير: «فيما يتلى عليكم حكُم اللاتي» ، فحُذفَ الخبرُ والمضافُ إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَله سيبويه في نحو: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [النور: ٢] و ﴿السارق والسارقة فاقطعوا﴾ [المائدة: ٣٨] أي: فيما يتلى عليكم حكمُ الزاينة، ويكونُ

стр. 2224

قولُه «فاستشهِدوا» و «فاجْلدوا» دالاً على ذلك الحكم المحذوفِ لأنه بيانٌ له. والقول الثاني: أنَّ محلَّه نصبٌ، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ لدلالةِ السياقِ عليه لا على جهةِ الاشتغالِ لِما سنذكره، والتقدير: اقصِدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا. ولا يجوز أن ينتصَبَ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره قولُه «فاستشهدوا» فتكونُ المسألة من باب الاشتغال، لأنَّ هذا الموصولَ أشبهَ اسمَ الشرطِ كما تقدَّم تقريره، واسمُ الشرطِ لا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ على الاشتغالِ لأنه لا يعمل فيه ما قبله، فلو نصبناه بفعلٍ مقدرٍ لزم أن يعملَ فيه ما قبلَه. هذا ما قاله بعضهم، ويَقْرُبُ منه ما قاله أبو البقاء فإنه قال: «وإذا كان كذلك أي كونَه في حكم الشرط لم يَحْسُنِ النصبُ؛ لأنَّ تقديرَ الفعل قبل أداةِ الشرط لا يجوز، وتقديرُه بعد الصلةِ يحتاج إلى إضمارِ فعلٍ غيرِ قوله» فاستشهدوا «لأنَّ» استشهدوا «لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في» اللاتي «وفي عبارِته مناقشةٌ يطول بذكرها الكتاب. والثاني: أنه منصوبٌ على الاشتغال/، ومَنْعُهم ذلك بأنه يلزُم أَنْ يعملَ فيه ما قَبلَه جوابُه أنَّا نقدِّرُ الفعلَ بعده لا قبله، وهذا خلافٌ مشهورٌ في أسماءِ الشرط والاستفهام: هل يَجْري فيها الاشتغال أم لا؟ فمنعَه قومٌ لِما تقدَّم، وأجازه آخرون مقدِّرين الفعل بعد الشرطِ والاستفهام، وكونُه منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكي فإنه ذكر ذلك في قوله: ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا

стр. 2225

مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] والآيتان من وادٍ واحد، ولا بدَّ من إيراد نصَّه ليتَّضحَ لك قولُه، قال ﵀: «واللذانِ يأتيانِها» الاختيارُ عند سيبويه في «اللذان» الرفع، وإنْ كان معنى الكلامِ الأمرَ، لأنه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّن معنى الشرط فيه إذ لا يقع على شيءٍ بعينه، فلمَّا تمكَّن معنى الشرط والإِبهام جرى مَجْرى الشرطِ في كونه لم يَعْمل فيه ما قبله كما لا يعمل في الشرط ما قبله من مضمرٍ أو مظهر «. ثم قال:» والنصبُ جائزٌ على إضمارِ فعل لأنه إنما أشبه الشرطَ، وليس الشبيهُ بالشيء كالشيءِ في حكمه «. انتهى. وليس لقائل أن يقولَ: مرادُه النصبُ بإضمار فعل النصب لا على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ عليه، كما تقدم نَقْلُه عن بعضِهم، لأنه لم يكن لتعليله بقوله:» لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره «فائدةٌ إذ النصبُ كذلك لا يَحْتاج إلى هذا الاعتذار. وقوله: ﴿مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل من» يِأْتِين «، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: يأتين كائناتٍ من نسائكم. وأما قوله» منكم «ففيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلقَ بقوله:» فاستشهدوا «. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفة ل» أربعة «، فيكون في محل نصبٍ تقديرُه: فاستشهدوا عليهنَّ أربعة كائنة منكم. قوله» حتى «،» حتى «بمعنى إلى، فالفعل بعدها منصوب بإضمار» أن «وهي متعلقة بقوله:» فأمسكوهن «غاية له. وقوله:» أو يجعلَ «فيه وجهان، أحدهما: أن تكون» أو «عاطفة فيكون الجَعْلُ غاية لإِمساكهن أيضاً، فينتصبُ» يجعلَ «بالعطف على» يتوفَّاهن «. والثاني: أن تكون» أو «بمعنى» إلا «كالتي في قولهم» لألزَمَنَّك أو تقضيَني حقي «على أحدِ المعنيين، والفعلُ بعدها

стр. 2226

منصوبٌ أيضاً بإضمار» أن «كقوله: ١٥٥٩ - فَسِرْ في بلادِ اللهِ والتمسِ الغِنَى ... تَعِشْ ذا يَسارٍ أو تموت فَتُعْذَرا أي: إلا أَنْ تموتَ. والفرقُ بين هذا الوجهِ والذي قبله أنَّ الجَعْلَ ليس غايةً لإِمساكِهِنَّ في البيوت. قوله:» لهن «فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلقٌ ب» يَجْعَلَ «. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه حال من» سبيل «، إذ هو في الأصلِ صفةُ نكرةِ قُدِّم عليها فَنُصِب حالاً، هذا إنْ جُعِل الجَعْلُ بمعنى الشرع أو الخلق، وإنْ جُعِل بمعنى التصيير فيكون» لَهُنَّ «مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأول وهو» سبيل «، وتقديمُه هنا واجبٌ لأنهما لو انْحَلاَّ لمبتدأ وخبرٍ وَجَبَ تقديمُ هذا الخبرِ لكونهِ جارَّاً، والمبتدأُ نكرةٌ لا مسِّوغَ لها غيرُ ذلك.

стр. 2227

قوله تعالى: ﴿واللذان﴾ : الكلامُ عليه كالكلامِ على «اللاتي» إلا أنَّ في كلامِ أبي البقاء ما يُوهِمُ جوازَ الاشتغالِ فيه، فإنه قال: «الكلام في» اللذان «كالكلام في» اللاتي «، إلا أنَّ مَنْ أجاز النصبَ يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلاً من جنس المذكور تقديرُه: آذُوا اللذين، ولا يجوز أن يعملَ ما بعد الفاء فيما قبلها ههنا ولو عَرِي من الضمير؛ لأن الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك تقطع ما بعدها عما قبلها»

стр. 2228

فقولُه: «مَنْ أجازَ النصبَ» يَحْتمل مَنْ أجاز النصب المتقدم في «اللاتي» بإضمارِ فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو «اقصِدوا» ، ويَحْتمل مَنْ أجازَ النصبَ على الاشتغال من حيث الجملةُ، إلا أنَّ هذا بعيدٌ لأنَّ الآيتين من وادٍ واحدٍ فلا يُظَّنُّ به أنه يمنع في إحداهما ويجيز في الأخرى، ولا ينفع كونُ الآيةِ الأولى فيها الفعلُ الذي يفسِّر متعدٍ بحرفِ جر، والفعلُ الذي في هذه الآية مُتَعَدٍّ بنفسه فيكون أقوى إذ لا أثرَ لذلك في باب الاشتغال. والضميرُ المنصوب في «يأتِيانها» للفاحشة. وقرأ عبد الله: «يأتينَ بالفاحشةِ» أي يَجِئْنَ بها، ومعنى قراءةِ الجمهور «يَغْشَيْنَها ويخالطنها» . وقرأ الجمهور: «واللذانِ» بتخفيف النون، وقرأ ابن كثير: «واللذان» هنا، و «اللذين» في حم السجدة بتشديد النون. ووجهُها جَعَل إحدى النونين عوضاً من الياء المحذوفة التي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن «الذي» مثل «القاضي» ، و «القاضي» تثبت ياؤه في التثنية، فكان حقُّ ياء الذي والتي أن تثبت في التثنية ولكنهم حَذَفُوها: إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غيرِ القياسِ، لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى إلا ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذفَ مَنْبَهَةً على هذا، وإمَّا لطولِ الكلامِ بالصلةِ. وزعم ابن عصفور أنَّ تشديدَ النونِ لا يجوزُ إلا مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجر والنصب، وقراءةُ ابن كثير في حم السجدة: ﴿أَرِنَا اللذيْنِّ أَضَلاَّنَا﴾ [الآية: ٢٩] حجةٌ عليه.

стр. 2229

وقُرىء: «اللَّذَأَنِّ» بهمزةٍ وتشديدِ النون، ووجهُها أنه لَمَّا شَدَّد النونَ التقى ساكنان فَفَرَّ من ذلك بإبدالِ الألفِ همزةً، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في الفاتحة. وقرأ عبد الله: «والذين يَفْعَلُونه منكم» ، وهذه قراءةُ مشكلةٌ لأنها بصيغة الجمع، / وبعدَها ضميرُ تثنية، وقد يُتَكَلَّفُ لها تخريجٌ: هو أنَّ «الذين» لمَّا كان شاملاً لصنفي الذكورِ والإِناث عاد الضمير عليه مثنى اعتباراً بما اندرج تحته، وهذا كما عاد ضمير الجمع على المثنى الشامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ تحتَه كقوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] ، ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: ١٩] كذا قال الشيخ وفيه نظر، فإنَّ الفرقَ ثابتٌ؛ وذلك لأنَّ «الطائفة» اسمٌ لجماعة وكذلك «خصم» ؛ لأنه في الأصلِ مصدرٌ فأُطْلِقَ على الجمعِ. وأصلُ فآذُوهما: فآذِيُوهما، فاستثقِلَتِ الضمةُ على الياء فحُذِفَت الياء التي هي لام، وضُمَّ ما قبل الواوِ لتصِحَّ.

стр. 2230

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ : قد تقدَّم الكلام على «إنما» في أول البقرة وما قيل فيها. و «التوبة» مبتدأ، وفي خبرها وجهان، أظهرهما: أنه «على الله» أي: إنما التوبة مستقرة على فضل الله، ويكون «للذين» متعلقاً بما تعلَّق به الخبر. وأجاز أبو البقاء عند ذِكْرِه هذا الوجهَ

стр. 2231

أن يكونَ «للذين» متعلقاً بمحذوف على أنه حال قال: «فعلى هذا يكون» للذين يعملون السوء «حالاً من الضمير في الظرف وهو» على الله «، والعاملُ فيها الظرفُ أو الاستقرار أي: كائنةً للذين، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في الحالِ التوبة لأنه قد فُصِل بينهما بالخبر» ، وهذا الذي قاله فيه تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه. الثاني: أن يكونَ الخبرُ «للذين» و «على الله» متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حال من شيء محذوف، والتقدير: «إما التوبةُ إذا كانت أو إذ كانت على الله للذين يعملون» ، ف «إذا» و «إذ» معمولان ل «الذين» ؛ لأنَّ الظرفَ يتقدم على عامله المعنوي. و «كان» هذه التامَّةُ وفاعلُها هو صاحب الحال. ولا يجوز أن تكون «على الله» حالاً من الضمير المستتر في «للذين» ، والعامل فيها «للذين» لأنه عامل معنوي، والحال لا تتقدم على عامِلها المعنوي. هذا ما قاله أبو البقاء، ونَظَّر هذه المسألةَ بقولِهم: «هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطَباً» يعني أنَّ التقديرَ هنا: إذ كان بُسْراً أطيبُ منه إذْ كان رُطَباً، ففي هذه المسألة أقوال كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب. وقدَّر الشيخ مضافين حُذِفا من المبتدأ والخبر فقال: «التقديرُ: إنما قبولُ التوبةِ مترتبٌ على فضلِ الله، ف» على «باقيةٌ على بابها» يعني من الاستعلاء. قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من فاعل «يعملون» ، ومعناها المصاحبة أي: يعملون السوءَ ملتبسين بجهالةٍ أي: مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعولِ أي: ملتبساً بجهالة، وفيه بُعْدٌ وَتَجَوُّزٌ.

стр. 2232

والثاني: أن يتعلق ب «يعملون» على أنها باء السببية. قال الشيخ: «أي: الحاملُ لهم على عملِ السوءِ هو الجهالة، إذ لو كانوا عالمين بما يترتَّب على المعصية متذكرين له حالَ عملها لم يَقْدُموا عليها كقوله:» لا يَزْني الزاني حين يزني وهو مؤمن «لأن العقل حينئذ يكون مغلوباً أو مسلوباً. قوله: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن تكون» من «لابتداءِ الغاية أي: تبتدىء التوبة من زمانٍ قريب من زمان المعصية لئلا يقعَ في الإِصرار، وهذا إنما يتأتَّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون» مِنْ «لابتداء الغاية في الزمان، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهومُ الآية أنه لو تاب من زمانٍ بعيد لم يدخُلْ في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبولِ التوبة على الله المذكورةِ في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن قال فيهم» فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم «. والثاني: أنها للتبعيض أي: بعضَ زمانٍ قريب، يعني: أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فيه فهو تائب من قريب. وعلى الوجهين ف «مِنْ» متعلقة ب «يتوبون» ، و «قريب» صفة لزمان محذوف كما تقدَّم تقريره، إلا أنَّ حَذْفَ هذا الموصوف وإقامةَ هذه الصفةِ مُقامه ليس بقياسٍ، إذ لا ينقاس الحَذْفُ إلا في صور، منها أن تكونَ الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد كالأبطح والأبرق، أو كانت خاصةً بجنس الموصوف نحو مررت بكاتبٍ،

стр. 2233

أو تقدَّم ذِكْرُ موصوفها نحو: «اسقِني ماءً ولو بارداً، وما نحن فيه ليس شيئاً من ذلك. وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾ إعلامٌ بسَعَةِ عفوه، حيث أتى بحرف التراخي. والفاء في قوله» فأولئك «مؤذنةٌ بتسبُّبِ قَبول الله توبتَهم إذا تابوا من قريب. وضَمَّن» يتوب «معنى يَعْطِفُ فلذلك عَدَّى ب» على «.، وأمَّا قولُه: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ فراعَى المضافَ المحذوف إذ التقدير: إنما قبولُ التوبةِ على الله، كذا قال الشيخ وفيه نظر.

стр. 2234

قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا﴾ : حتى حرفُ ابتداء، والجملةُ الشرطية بعدها غايةٌ لِما قبلها أي: ليست التوبةُ لقومٍ يعملون السيئات، وغاية عَمِلهم إذا حضرهم الموتُ قالوا: كيت وكيت، وهذا وجه حسن، ولا يجوز في «حتى» أن تكونَ جارةً ل «إذا» أي: يعملون السيئات إلى وقت حضورِ الموت من حيث إنها شرطيةٌ، والشرطُ لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا «حتى» جارةً تعلَّقت ب «يعملون» ، وأدواتُ الشرط لا يعمل فيها ما قبلها، ألا ترى أنه يجوزُ: «بمَنْ تمرر أمرر» ، ولا يجوز: مَرَرْتُ بمن يَقُمْ أكرمْه، لأنَّ له صدرَ الكلام، ولأن «إذا» لا تتصرف على المشهور كما تقدم تقريره في أول البقرة واستدلَّ ابن مالك على تصرُّفها بوجوه، منها: جَرُّها ب «حتى» نحو: ﴿حتى

стр. 2235

إِذَا جَآءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١] ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ﴾ [يونس: ٢٢] ، وفيه من الإِشكال ما ذكرته لك، وقد تقدم تقرير ذلك عند قوله: ﴿حتى إِذَا بَلَغُواْ﴾ [النساء: ٦] . قوله: ﴿وَلاَ الذين يَمُوتُونَ﴾ «الذين» مجرورُ المحل عطفاً على قوله «للذين يعملون» أي ليست التوبةُ لهؤلاء ولا لهؤلاء، فَسَوَّى بين مَنْ مات كافراً وبين مَنْ لم يتب إلا عند معاينةِ الموتِ في عدم قبول توبتِه، والمرادُ بالعاملين السيئاتِ المنافقون. وأجاز أبو البقاء في «الذين» أن يكونَ مرفوعَ المحل على الابتداء، وخبرُه «أولئك» وما بعدَه، معتقداً أن اللام لام الابتداء، وليست ب «لا» النافية. وهذا الذي قاله من كونِ اللامِ لامَ الابتداء لا يَصِحُّ إلا أن يكون قد رُسِمَتْ في المصحف لامٌ داخلة على «الذين» فيصير «وللذين» ، وليس المرسوم كذلك، إنما هو لام وألف، وألف لام التعريف الداخلة على الموصول، وصورته: ولا الذين. قوله: «أولئك» مبتدأ، و «أَعْتَدْنا» خبرُه، و «أولئك» يجوز أن يكونَ إشارةً إلى «الذين يموتون وهم كفار/، لأنَّ اسم الإِشارة يَجْري مَجْرى الضميرِ فيعودُ لأقربِ مذكور، ويجوزُ أَنْ يُشارَ به إلى الصِّفتين: الذين يعملون السيئات والذين يَمُوتون وهم كفار. وأعتدنا أي: أَحْضَرْنا.

стр. 2236

قوله تعالى: ﴿أَن تَرِثُواْ﴾ : في محلِّ رفعٍ على الفاعلية ب «يَحِلُّ» أي: لا يَحِلُّ لكم إرثُ النساءِ. وقرىء «لا تَحِلُّ» بالتاء من فوق

стр. 2237

على تأويل أن ترثوا: بالوراثة، وهي مؤنثةٌ، وهذا كقراءة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بتأنيث «تكن» ونصبِ «فتنتهم» بتأويل «ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتُهم» ، إلا أن في آية الأنعامِ مسوغاً وهو الإِخبار عنه بمؤنث كما سيأتي. و «النساءَ» مفعول به: إمَّا على حَذْف مضاف أي: أن ترثوا أموال النساء إنْ كان الخطاب للأزواج؛ لأنه رُوي أن الرجل منهم إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حتى تموتَ فيرثَها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالِها إنْ لم تمت. وإما من غير حذفٍ، على معنى أن يَكُنَّ بمعنى الشيء الموروث إنْ كان الخطابُ للأولياء أو الأقرباء الميت، فقد نُقل أنه إذا مات أحدُهم وتَرَكَ امرأة وابناً من غيرها كان أحقَّ بها مِنْ نفسها. وقيل: كان الوليُّ إنْ سبق وأَلْقى عليها ثوبَه كان أحق بها، وإنْ سَبَقَتْ إلى أهلها كانت أحقَّ بنفسِها، فنُهوا أن يجعلوهُنَّ كالأشياء المواريث، وعلى ما ذكرْتُ فلا يُحتاج إلى حَذْفِ أحدِ المفعولين: إمَّا الأول أو الثاني على جَعْلِ «أن ترثوا» متعدياً لاثنين كما فعل أبو البقاء قال: «والنساءَ فيه وجهان: أحدُهما: هُنَّ المفعول الأول، والنساء على هذا هن الموروثاتُ، وكانت الجاهليةُ تَرِثُ نساء آبائهم وتقول: نحن أحقُّ بنكاحِهِنَّ. والثاني: أنه المفعول الثاني والتقدير: أن ترثوا من النساء المالَ» انتهى. قوله: «هُنَّ المفعول الأول» يعني والثاني محذوف تقديرُه: أَنْ تَرِثوا من آباءكم النساء. و «كُرْهاً» مصدر في موضع نصب على الحال من النساء أي: أن ترثوهن كارهات أو مكرهات. وقرأ الأخوان «كرهاً» هنا وفي براءة

стр. 2238

والأحقاف بضم الكاف، وافقهما عاصم وابن عامر من رواية ابن ذكوان عنه على ما في الأحقاف، والباقون بالفتح. وقد تقدَّم الكلام في الكُره والكَره: هل هما بمعنى واحد أم لا؟ في البقرة فأغنى عن إعادته. ولا مفهومَ لقوله «كرهاً» يعني فيجوز أن يرثوهن إذا لم يَكْرَهْن ذلك لخروجه مَخْرج الغالبِ. قوله: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مجزوم ب «لا» الناهية، عَطَفَ جملةَ نهي على جملةٍ خبرية، فإنْ لم تُشْترط المناسبةُ بين الجمل كما مذهبُ سيبويه فواضحٌ، وإن اشترطنا ذلك كما هو رأيُ بعضِهم فلأنَّ الجملةَ قبلَها في معنى النهي، إذ التقديرُ: لا ترثِوا النساءَ كرهاً فإنه غيرُ حلالٍ لكم. وجعله أبو البقاء على هذا الوجهِ مستأنفاً، يعني أنه ليس بمعطوفٍ على الفعل قبله. والثاني: أجازه ابن عطية وأبو البقاء أن يكون منصوباً عطفاً على الفعل قبله. قال ابن عطية: «ويُحتمل أن يكونَ» تَعْضُلوهن «نصباً عطفاً على» تَرِثوا «، فتكون الواوُ مُشَرِّكةً عاطفة فِعْلاً على فعل» . وقرأ ابن مسعود: «ولا أَنْ تَعْضُلوهن» فهذه القراءة تُقَوِّي احتمال النصب وأنَّ العَضْل مِمَّا لا يَحِلُّ بالنص. ورَدَّ الشيخ هذا الوجه بأنك إذا

стр. 2239

عطفت فعلاً منفياً ب «لا» على مثبت وكانا منصوبين فإنَّ الناصب لا يُقَدَّر إلا بعد حرف العطف لا بعد «لا» ، فإذا قلت: «أريدُ أن أتوبَ ولا أدخلَ النار» فإنَّ التقدير: أريد أن أتوبَ وأَنْ لا أدخلَ النار، لأنَّ الفعلَ يطلبُ الأولَ على سبيل الثبوت والثاني على سبيل النفي، فالمعنى: أُريد التوبةَ وانتفاء دخولي النارَ، فو كان الفعلُ المتسلطُ على المتعاطِفَيْنِ منفياً فكذلك، ولو قَدَّرْتَ هذا التقديرَ في الآية لم يَصِحَّ لو قت: «لا يَحِلُّ أن لا تَعْضُلوهُنَّ» لم يَصِحَّ إلا أن تجعل «لا» زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أَنْ تقدِّر «أَنْ» بعد «لا» النافية فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرْتَ «أن» بعد «لا» كان من عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابن عطية العطفان، وَظنَّ أنه بصلاحية تقدير «أَنْ» بعد «لا» يكونُ من عطفِ الفعل على الفعلِ، وفَرْقٌ بين قولِك: [لا] أريد أن تقومَ وأن لا تخرج «وقولك:» لا أريدُ أن تقومَ ولا أن تخرج «ففي الأول نفى إرادةَ وجودِ قيامِه، وأراد انتقاءَ خروجهِ فقد أرادَ خروجَه، وفي الثانية نَفَى إرادةَ وجودِ قيامِه ووجودِ خروجِه، فلا يريدُ لا القيامَ ولا الخروج. وهذا في فهمه بعضُ غموضٍ على منْ لم يتمرَّنْ في علم العربية» انتهى ما رَدَّ به. وفيه نظرٌ: من حيث إنَّ المثال الذي ذكره في قوله: «أريد أن أتوب ولا أدخل النار» فِإنَّ تقديرَ الناصب فيه قبل «لا» واجب من حيث إنه لو قُدِّر بعدها لفسد التركيب، وأمَّا في الآية فتقدير «أن» بعد «لا» صحيحٌ، فإنَّ التقدير يصير: لا يَحِلُّ لكم إرث النساء كَرْهاً ولا عَضْلُهن. [ويؤيد ما قلته وما ذهب إليه ابن عطية قولُ الزمخشري فإنه قال: فإن قلت:] تعضُلوهن ما وجهُ

стр. 2240

إعرابه؟ قلت: النصبُ عطفاً على «أن ترثوا» و «لا» لتأكيدِ النفي أي: لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضُلوهن «، فقد صَرَّح الزمخشري بهذا المعنى وصَرَّح بزيادة» لا «التي جَعَلَها الشيخ خلاف الظاهر. وفي الكلام حذفٌ تقديرُه: «ولا تَعْضُلوهن من النكاح» إنْ كان الخطابُ للأولياء، أو: «ولا تعضُلوهن من الطلاق» إنْ كان الخطاب للأزواجِ. وتقدَّم معنى العَضْل في البقرة. قوله: ﴿لِتَذْهَبُواْ﴾ اللام متعلقةٌ ب «تَعْضُلوهن» ، والباء في «ببعض» فيها وجهان، أحدُها: أنها باءُ التعديةِ المرادفةُ لهمزتها اي: لِتَذْهَبُوا [بعضَ] ما آتيتموهن. والثاني: أنها للمصاحبةِ، فيكون الجارُّ في محلّ نصبٍ على الحال، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض، و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائدُ محذوفٌ، وفي تقديره إشكالٌ تقدَّمَ الكلامُ عليه في البقرة عند قوله: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الآية: ٣] فليلتفت إليه. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ﴾ في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ، فيكونُ «أن يأتينَ» في محلِّ نصب والثاني: أنه متصلٌ، وفيه حينئذ ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره: «ولا تعضُلوهنَّ في وقتٍ من الأوقات إلا وقتَ إتيانهنَّ بفاحشة. الثاني: أنه مستثنى من الأحوال العامة تقديره: لا تَعْضُلوهن في حال من الأحوال إلا في حالِ إتيانهن بفاحشة. الثالث: أنه مستثنى من العلة العامة تقديره: لا تعضُلوهن لعلةٍ من العلل إلا لإتيانهن بفاحشة. / وقال أبو البقاء بعد أن حكى فيه وجهَ

стр. 2241

الانقطاع:» والثاني: هو في موضع الحال تقديرُه: إلاَّ في حالِ إتيانِهِنَّ بفاحشةٍ، وقيل: هو استثناء متصل، تقديرُه: ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في حالِ إتيان الفاحشة «انتهى. وهذا الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ القائلَ بكونِه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعلُ هذه الحالَ مستثناةً منه. وقرأ ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم:» مُبَيَّنة «بفتح الياء اسمَ مفعول في جميع القرآن، أي: بَيَّنَها مَنْ يَدَّعيها وأوضحها. والباقون بكسرها اسمَ فاعل وفيه وجهان، أحدهما: أنه من» بيَّن «المتعدي، فعلى هذا يكون المفعول محذوفاً تقديره مبيِّنةً حالَ مرتكبها. والثاني: أنه من بَيَّن اللازم، فإنَّ» بَيَّن «يكون متعدياً ولازماً يقال: بانَ الشيء وأبان واستبان وبَيَّن وتبيَّن بمعنى واحد أي: ظَهَر. وقرأ بعضهم: مُبيِنَة بكسرِ الباءِ وسكونِ الياء اسم فاعل من» أبان «، وفيها الوجهان المتقدمان في المشددة المكسورة، لأنَّ» أبان «أيضاً يكون متعدياً ولازماً، وأمَّا» مُبَيِّنات «فقرأهن الأخَوان وابن عامر وحفص عن عاصم بكسر الياء اسمَ فاعل، والباقون بفتحها اسمَ مفعول، وقد تقدَّم وجهُ ذلك. قوله: ﴿بالمعروف﴾ في الباء وجهان، أظهرُهما: أنها باءُ الحالِ: إمَّا من الفاعل أي: مصاحبين لهنَّ بالمعروف، أو من المفعول أي: مصحوباتٍ بالمعروف. والثاني: أنها باءُ التعدية. قال أبو البقاء: «بالمعروفِ» مفعول أو حالٍ «. قوله: ﴿فعسى﴾ الفاء جواب الشرط، وإنما اقترنت بها» عسى «لكونِها

стр. 2242

جامدةً. قال الزمخشري:» فإنْ قلت: مِنْ أيِّ وجهٍ صَحَّ أن يكون «فعسى» جزاءً للشرط؟ قلت: من حيث إنَّ المعنى: فإنْ كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهون خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه «. وقرىء» ويَجْعَلُ «برفع اللام. قال الزمخشري:» على أنه حال «، يعني ويكونُ خبراً لمبتدأ محذوف؛ لئلا يلزمَ دخول الواو على مضارع مثبت. و» عسى «هنا تامةٌ لأنها رَفَعَتْ» أنْ «وما بعدها، والتقدير: فقد قَرُبَتْ كراهتكم، فاستغنت عن تقدير خبر، والضمير في» فيه «يعود على» شيء «أي: في ذلك الشيء المكروهِ وقيل: يعودُ على الكره المدلول عليه بالفعل. وقيل: يعود على الصبر وإن لم يَجْرِ له ذكر.

стр. 2243

قوله تعالى: ﴿مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ : ظرفٌ منصوبٌ بالاستبدال، والمرادُ بالزوج هنا الجمعُ أي: وإنْ أردتم استبدالَ أزواجٍ مكانَ أزواج، وجاز ذلك لدلالةِ جمعِ المستبدِلين، إذ لا يُتَوَهَّم اشتراك المخاطبين في زوجٍ واحد مكانَ زوجٍ واحد، ولإِرادة معنى الجمع عادَ الضميرُ من قوله: «إحداهُنَّ» على «زوج» جمعاً. والتي نَهَى عن الأخذ منها هي المستبدلُ مكانَها، لأنها آخذةٌ منه بدليل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ وهذا إنما هو في القديمةِ لا المُسْتحدثةِ. وقال: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ ليدلَّ على أن قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ المراد منه: وآتى كلُّ واحد منكم إحداهن، أي: إحدى الأزواج، ولم يقل: «آتيتموهن قنطاراً» لئلا يُتَوَهَّم أن الجميع المخاطبين آتَوا الأزواج قنطاراً، والمراد: آتى كلُّ واحد زوجَه قنطاراً، فدل لفظ «إحداهن» على أن الضمير في «آتيتم» المرادُ منه كلُّ

стр. 2244

واحدٍ واحدٍ كما دَلَّ لفظ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ على أنَّ المرادَ استبدالُ أزواجٍ مكانَ أزواج، فأُريد بالمفرد هنا الجمعُ لدلالةِ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ﴾ . وأُريد بقوله ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ كلُّ واحد واحد، لدلالة «إحداهن» وهي مفردة على ذلك. ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجزَ ولا أفصحَ من هذا التركيب. وتقدَّم معنى القنطار واشتقاقه في آل عمران. والضمير في «منه» عائد على «قنطاراً» . وقرأ ابن محيصن: «آتيتم احداهن» بوصل ألف «إحدى» كما قرىء: ﴿إِنَّهَا لاحْدَى الكبر﴾ [المدثر: ٣٥] حَذَفَ الهمزة تخفيفاً كقوله: ١٥٦٠ - إنْ لم أقاتِلْ فالبسوني بُرْقُعاً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبهذا الذي ذكرته يتضح معنى الآية. وقد طَوَّل أبو البقاء فيها ولم يأت بطائل، ولا بد من التعرُّض لما قاله والتنبيه عليه. قال: «وفي قوله ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ إشكالان، أحدهما: أنه جَمَع الضميرَ والمتقدمُ زوجان. والثاني: أن التي يريد أن يُسْتبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً فينهاه عن أخذِه، فأما التي يريد أن يستحدِثها فلم يكن أعطاها شيئاً حتى ينهى عن أَخْذِه، ويتأيَّد ذلك بقولِه: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ . والجوابُ عن الأول: أنَّ المرادَ بالزوجِ الجمعُ، لأنَّ الخطاب لجماعة الرجال، وكلٌّ منهم قد يريد

стр. 2245

الاستبدالَ، ويجوز أن يكونَ جُمِع لأن التي يريد أن يستحدِثَها يُفْضي حالُها إلى أن تكونَ زوجاً، وأن يريد أن يستبدلَ بها كما استبدل بالأولى فجُمِع على هذا المعنى. وأمَّا الإِشكال الثاني فييه جوابان أحدهما: أَنه وَضَعَ الظاهر مَوْضِعَ المضمر، والأصل: وآتيتموهن. والثاني: أنَّ المستبدلَ بها مبهمةٌ فقال» إحداهن «إذ لم تتعيَّن حتى يَرْجِع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً مِنْ هذا في قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] انتهى. وفي قوله: «وََضَع الظاهرَ موضعَ المضمر» نظرٌ، لأنَّه لو كانَ الأصل كذلك لأوهم أنَّ الجميعَ آتوا الأزواج قنطاراً كما تقدَّم، وليس كذلك. قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً﴾ الاستفهام للإِنكار أي: أتفعلونه مع قُبْحِه. وفي نصب «بهتاناً وإثماً» وجهان: أحدهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجلِه أي: لِبهتانكم وإثْمِكم. قال الزمخشري: «وإنْ لم يكن غَرَضاً كقولِك: قعدَ عن القتالِ جُنْباً» . والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال، وفي صاحبها وجهان: أظهرهما: أنه الفاعل في «أتأخذونه» [أي] باهتين وآثمين. والثاني: أنه المفعول أي: أتأخذونه مُبْهِتاً مُحَيِّراً لشَنْعَتِه وقُبح الأُحدوثة عنه. وبُهْتان: فُعْلان من البَهْت، وقد تقدَّم معناه في البقرة، وتقدم أيضاً الكلام في «كيف» ومحلِّها من الإِعراب في البقرة أيضاً في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] .
следующие страницы →