← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الانقطاع:» والثاني: هو في موضع الحال تقديرُه: إلاَّ في حالِ إتيانِهِنَّ بفاحشةٍ، وقيل: هو استثناء متصل، تقديرُه: ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في حالِ إتيان الفاحشة «انتهى. وهذا الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ القائلَ بكونِه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعلُ هذه الحالَ مستثناةً منه. وقرأ ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم:» مُبَيَّنة «بفتح الياء اسمَ مفعول في جميع القرآن، أي: بَيَّنَها مَنْ يَدَّعيها وأوضحها. والباقون بكسرها اسمَ فاعل وفيه وجهان، أحدهما: أنه من» بيَّن «المتعدي، فعلى هذا يكون المفعول محذوفاً تقديره مبيِّنةً حالَ مرتكبها. والثاني: أنه من بَيَّن اللازم، فإنَّ» بَيَّن «يكون متعدياً ولازماً يقال: بانَ الشيء وأبان واستبان وبَيَّن وتبيَّن بمعنى واحد أي: ظَهَر. وقرأ بعضهم: مُبيِنَة بكسرِ الباءِ وسكونِ الياء اسم فاعل من» أبان «، وفيها الوجهان المتقدمان في المشددة المكسورة، لأنَّ» أبان «أيضاً يكون متعدياً ولازماً، وأمَّا» مُبَيِّنات «فقرأهن الأخَوان وابن عامر وحفص عن عاصم بكسر الياء اسمَ فاعل، والباقون بفتحها اسمَ مفعول، وقد تقدَّم وجهُ ذلك. قوله: ﴿بالمعروف﴾ في الباء وجهان، أظهرُهما: أنها باءُ الحالِ: إمَّا من الفاعل أي: مصاحبين لهنَّ بالمعروف، أو من المفعول أي: مصحوباتٍ بالمعروف. والثاني: أنها باءُ التعدية. قال أبو البقاء: «بالمعروفِ» مفعول أو حالٍ «. قوله: ﴿فعسى﴾ الفاء جواب الشرط، وإنما اقترنت بها» عسى «لكونِها

стр. 2242

جامدةً. قال الزمخشري:» فإنْ قلت: مِنْ أيِّ وجهٍ صَحَّ أن يكون «فعسى» جزاءً للشرط؟ قلت: من حيث إنَّ المعنى: فإنْ كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهون خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه «. وقرىء» ويَجْعَلُ «برفع اللام. قال الزمخشري:» على أنه حال «، يعني ويكونُ خبراً لمبتدأ محذوف؛ لئلا يلزمَ دخول الواو على مضارع مثبت. و» عسى «هنا تامةٌ لأنها رَفَعَتْ» أنْ «وما بعدها، والتقدير: فقد قَرُبَتْ كراهتكم، فاستغنت عن تقدير خبر، والضمير في» فيه «يعود على» شيء «أي: في ذلك الشيء المكروهِ وقيل: يعودُ على الكره المدلول عليه بالفعل. وقيل: يعود على الصبر وإن لم يَجْرِ له ذكر.

стр. 2243

قوله تعالى: ﴿مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ : ظرفٌ منصوبٌ بالاستبدال، والمرادُ بالزوج هنا الجمعُ أي: وإنْ أردتم استبدالَ أزواجٍ مكانَ أزواج، وجاز ذلك لدلالةِ جمعِ المستبدِلين، إذ لا يُتَوَهَّم اشتراك المخاطبين في زوجٍ واحد مكانَ زوجٍ واحد، ولإِرادة معنى الجمع عادَ الضميرُ من قوله: «إحداهُنَّ» على «زوج» جمعاً. والتي نَهَى عن الأخذ منها هي المستبدلُ مكانَها، لأنها آخذةٌ منه بدليل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ وهذا إنما هو في القديمةِ لا المُسْتحدثةِ. وقال: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ ليدلَّ على أن قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ المراد منه: وآتى كلُّ واحد منكم إحداهن، أي: إحدى الأزواج، ولم يقل: «آتيتموهن قنطاراً» لئلا يُتَوَهَّم أن الجميع المخاطبين آتَوا الأزواج قنطاراً، والمراد: آتى كلُّ واحد زوجَه قنطاراً، فدل لفظ «إحداهن» على أن الضمير في «آتيتم» المرادُ منه كلُّ

стр. 2244

واحدٍ واحدٍ كما دَلَّ لفظ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ على أنَّ المرادَ استبدالُ أزواجٍ مكانَ أزواج، فأُريد بالمفرد هنا الجمعُ لدلالةِ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ﴾ . وأُريد بقوله ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ كلُّ واحد واحد، لدلالة «إحداهن» وهي مفردة على ذلك. ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجزَ ولا أفصحَ من هذا التركيب. وتقدَّم معنى القنطار واشتقاقه في آل عمران. والضمير في «منه» عائد على «قنطاراً» . وقرأ ابن محيصن: «آتيتم احداهن» بوصل ألف «إحدى» كما قرىء: ﴿إِنَّهَا لاحْدَى الكبر﴾ [المدثر: ٣٥] حَذَفَ الهمزة تخفيفاً كقوله: ١٥٦٠ - إنْ لم أقاتِلْ فالبسوني بُرْقُعاً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبهذا الذي ذكرته يتضح معنى الآية. وقد طَوَّل أبو البقاء فيها ولم يأت بطائل، ولا بد من التعرُّض لما قاله والتنبيه عليه. قال: «وفي قوله ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ إشكالان، أحدهما: أنه جَمَع الضميرَ والمتقدمُ زوجان. والثاني: أن التي يريد أن يُسْتبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً فينهاه عن أخذِه، فأما التي يريد أن يستحدِثها فلم يكن أعطاها شيئاً حتى ينهى عن أَخْذِه، ويتأيَّد ذلك بقولِه: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ . والجوابُ عن الأول: أنَّ المرادَ بالزوجِ الجمعُ، لأنَّ الخطاب لجماعة الرجال، وكلٌّ منهم قد يريد

стр. 2245

الاستبدالَ، ويجوز أن يكونَ جُمِع لأن التي يريد أن يستحدِثَها يُفْضي حالُها إلى أن تكونَ زوجاً، وأن يريد أن يستبدلَ بها كما استبدل بالأولى فجُمِع على هذا المعنى. وأمَّا الإِشكال الثاني فييه جوابان أحدهما: أَنه وَضَعَ الظاهر مَوْضِعَ المضمر، والأصل: وآتيتموهن. والثاني: أنَّ المستبدلَ بها مبهمةٌ فقال» إحداهن «إذ لم تتعيَّن حتى يَرْجِع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً مِنْ هذا في قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] انتهى. وفي قوله: «وََضَع الظاهرَ موضعَ المضمر» نظرٌ، لأنَّه لو كانَ الأصل كذلك لأوهم أنَّ الجميعَ آتوا الأزواج قنطاراً كما تقدَّم، وليس كذلك. قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً﴾ الاستفهام للإِنكار أي: أتفعلونه مع قُبْحِه. وفي نصب «بهتاناً وإثماً» وجهان: أحدهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجلِه أي: لِبهتانكم وإثْمِكم. قال الزمخشري: «وإنْ لم يكن غَرَضاً كقولِك: قعدَ عن القتالِ جُنْباً» . والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال، وفي صاحبها وجهان: أظهرهما: أنه الفاعل في «أتأخذونه» [أي] باهتين وآثمين. والثاني: أنه المفعول أي: أتأخذونه مُبْهِتاً مُحَيِّراً لشَنْعَتِه وقُبح الأُحدوثة عنه. وبُهْتان: فُعْلان من البَهْت، وقد تقدَّم معناه في البقرة، وتقدم أيضاً الكلام في «كيف» ومحلِّها من الإِعراب في البقرة أيضاً في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] .

стр. 2246

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أفضى﴾ : الواو للحال، والجملة بعدها في محل نصب، وأتى ب «قد» لِيَقْرُبَ الماضي من الحال، وكذلك «أَخَذْنَ»

стр. 2247

و «قد» مقدرةٌ معه لتقدُّمِ ذِكْرِها. و «منكم» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلقٌ ب «أَخَذْنَ» . وأجاز فيه أبو البقاء أن يكونَ حالاً من «ميثاقاً» قُدِّم عليه، كأنه لَمَّا رأى أنه يجوز أن يكونَ صفةً لو تأخَّر لجاز ذلك وهو ضعيف. و «أفضى» معناه ذهب إلى فضائِه أي: ناحيةٍ سَعَتِه، يقال: فَضَا يفضو، فألف «أَفْضى» عن ياءٍ أصلُها واو.

стр. 2248

قوله تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ : في «ما» هذه قولان أحدهما: أنها موصولة اسمية واقعة على أنواعِ مَنْ يَعْقِل، كما تقدم ذلك في قوله ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، وهذا عند مَنْ لا يجيز وقوعَها على آحاد العقلاء. فأمَّا مَنْ يُجيز ذلك فيقول: إنها واقعة موقعَ «مَنْ» ، ف «ما» مفعول به بقوله ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ﴾ ، والتقدير: ولا تتزوجوا مَنْ تزوج آباؤكم. والثاني: أنها مصدرية ِأي: ولا تَنْكحوا مثلَ نكاح آبائكم الذي كان في الجاهلية وهو النكاح الفاسد كنكاح الشِّغار وغيرِه، واختار هذا القولَ جماعة منهم ابن جرير الطبري قال: «ولو كان معناه: ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضعُ» ما «» من «. انتهى. وتبيَّن كونُه حراماً أو فاسداً [من] قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ . قوله: ﴿مِّنَ النسآء﴾ : تقدَّم نظيرُه أولَ السورة. قوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ، إذ الماضي لا يُجامع الاستقبال، / والمعنى: أنه لَمَّا حَرَّم عليهم نكاحَ ما نكح آباؤهم تطرَّق الوهمُ إلى ما مضى في الجاهلية ما حكمُه؟ فقيل: إلا ما قد سَلَفَ أي: لكن ما سلف فلا إثمَ فيه. وقال ابن زيد في معنى ذلك أيضاً:» إن

стр. 2249

المراد بالنكاح العقدُ الصحيح «وحَمَل ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ على ما كا ن يتعاطاه بعضُهم من الزنا فقال:» إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء فذلك جائزٌ لكم زواجُهم في الإِسلام، وكأنه قيل: ولا تَعْقِدوا على مَنْ عَقَد عليه آباؤُكم إلا ما قد سلف مِنْ زِناهم، فإنه يجوزُ لكم أن تتزوَّجُوهم فهو استثناءٌ منقطع أيضاً. والثاني: أنه استثناءٌ متصل وفيه معنيان، أحدهما: أن يُحْمل النِّكاحُ على الوطء، والمعنى: أنه نهى أن يَطَأ الرجلُ امرأةً وَطِئها أبوه إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بالمرأة فإنه يجوز للابن تزويجها. نُقِل هذا المعنى عن ابن زيد أيضاً، إلا أنه لا بد من التخصيص في شيئين: أحدُهما قولُه: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ﴾ أي ولا تَطَؤوا وَطْئاً مباحاً بالتزويج. والثاني: التخصيص في قوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ بوطء الزنا، وإلا فالوطء فيما قد سلف قد يكون وَطْئاً غيرَ زنا، وقد يكون زنا، فيصير التقدير: ولا تَطَؤوا ما وطِىء آباؤكم وطئاً مباحاً بالتزويج إلا مَنْ كان وَطْؤُها فيما مضى وطءَ زنا. ويجوز على هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن زيد أن يُراد بالنكاحِ الأولِ العقدُ، وبالثاني الوطءُ، اي: ولا تتزوجوا مَنْ وَطِئها آباؤكم إلا من كان وطؤها وطءَ زنا. والمعنى الثاني: «ولا تَنْكِحوا مثلَ نكاحِ آبائكم في الجاهلية إلا ما تقدَّم منكم مِنْ تلك العقودِ الفاسدةِ فمباحٌ لكم الإِقامةُ عليها في الإِسلام إذا كان مما يقِّرُ الإِسلامُ عليه» وهذا على رأي مَنْ يَجْعَلُ «ما» مصدريةً وقد تقدَّم. وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف استثنى» ما قد سلف «من» ما نكح آباؤكم «؟ قلت: كما استثنى» غيرَ أنَّ سيوفهم «من قوله:» ولا عيبَ فيهم «يعني: إنْ أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يَحِلُّ لكم غيرُه،

стр. 2250

وذلك غير ممكن، والغَرضُ المبالغةُ في تحريمه وسَدُّ الطريق إلى إباحته، كما تعلق بالمُحالِ في التأبيد في نحو قولهم:» حتى يَبْيَضَّ القارُّ «و» حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياط «. انتهى. أشار ﵀ إلى بيت النابغة في قوله: ١٥٦١ - ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ يعني إنْ وُجِد فيهم عَيْبٌ فهو هذا، وهذا لا يَعُدُّه أحدٌ عيباً فانتفى العيب عنهم بدليله. ولكن هل الاستثناءُ على هذا المعنى الذي أبداه الزمخشري من قبيلِ المنقطعِ أو المتصل؟ والحقُّ أنه متصلٌ لأنَّ المعنى: ولا تَنْكِحوا ما نكح آباؤكم إلا اللائي مَضَيْنَ وفَنِين، وهذا مُحالٌ، وكونُه مُحالاً لا يُخْرِجُه عن الاتصال. وأمَّا البيتُ ففيه نظرٌ، والظاهر أن الاستثناءَ فيه متصلٌ أيضاً، لأنه جَعَلَ العيبَ شامِلاً لقولِه» غيرَ أنَّ سيوفَهم «بالمعنى الذي أراده. وللبحثِ فيه مجالٌ. وتَلَخَّص مِمَّا تقدَّم أنَّ المرادَ بالنكاحِ في هذه الآية العقدُ الصحيحُ أو الفاسدُ أو الوطء، أو: يُرادُ بالأول العقدُ وبالثاني الوَطْءُ، وقد تقدَّم القولُ في البقرةِ: هل هو حقيقةٌ فيهما أو في أحدِهما؟ واختلافُ الناسِ في ذلك. وزعم بعضُهم أنَّ في الآيةِ تقديماً وتأخيراً والأصلُ: ولا تَنْكِحوا ما نكح آباؤكم من النساء، إنه كان فاحشة ومَقْتاً وساء سبيلاً إلا ما قد سلف. وهذا فاسدٌ من حيث الإِعراب ومن حيث المعنى: أمَّا الأولُ فلأنَّ ما في حَيِّز» إنَّ «لا يتقدَّم عليها، وأيضاً فالمستثنى لا يتقدَّمُ على الجملة التي هو من متعلَّقاتها سواءً كان متصلاً أم منقطعاً، وإنْ كان في هذا خلافٌ ضعيفٌ. وأما الثاني فلأنه

стр. 2251

أَخْبر أنه فاحشةٌ ومَقْت في الزمان الماضي بقوله» كان «فلا يَصِحُّ أن يُسْتثنى منه الماضي، إذ يصير المعنى: هو فاحشةٌ في الزمانِ الماضي إلا ما وقع منه في الزمانِ الماضي فليس بفاحشة. والمَقْتُ: بُغْضٌ مقرونٌ باستحقارٍ فهو أخصُّ منه. والضمير في قوله» إنه «عائدٌ على النكاح المفهوم من قولِه: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ﴾ ، ويجوز أن يعودَ على الزنى إذا أريد بقوله ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الزنى و» كان «هنا لا تدل على الماضي فقط لأن معناها هنا معنى لم يَزَلْ، وهذا المعنى هو الذي حَمَل المبردَ على قوله» إنها زائدة «. ورُدَّ عليه بوجودِ الخبر والزائدةُ لا خبرَ لها، وكأنه يعني بزيادتها ما ذكرته من كونها لا تَدُلُّ على الماضي فقط، فَعَبَّر عن ذلك بالزيادة. قوله: ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ في «ساء» قولان، أحدهما: أنها جارية مَجْرى «بئس» في الذم والعمل، ففيها ضميرٌ مبهمٌ يُفَسِّره ما بعده وهو «سبيلاً» والمخصوصُ بالذم محذوف تقديره: «وساء سبيلاً سبيلُ هذا النكاحِ» كقوله: «بِئْسَ الشراب» أي: ذلك الماء. والثاني: أنها لا تَجْري مَجْرى «بِئْس» في العمل بل هي كسائر الأفعالِ، فيكونُ فيها ضميرٌ يَعُود على ما عاد عليه الضميرُ في «إنه» ، و «سبيلاً» على كلا التقديرين تمييزٌ. وفي هذه الجملة وجهان أحدهما: أنه لا محل لها بل هي مستأنفة، ويكون الوقفُ على قوله: «ومقتاً» ثم يستأنف «وساء سبيلاً» أي: وساءَ هذا

стр. 2252

السبيل منْ نكاح مَنْ نكحهن من الآباء. والثاني: أن يكونَ معطوفاً على خبر «كان» ، على أَنْ يُجْعَلَ محكيّاً بقول مضمر، ذلك القولُ هو المعطوفُ على الخبر، والتقدير: ومَقُولاً فيه: ساء سبيلاً، هكذا قَدَّره أبو البقاء. ولقائلٍ أن يقولَ: يجوز أَنْ يكونَ عطفاً على خبر «كان» مِنْ غيرِ إضمارِ قول، لأنَّ هذه الجملةَ في قوة المفرد، ألا ترى أنه يقعُ خبراً بنفسه تقول: «زيدٌ ساءَ رجلاً» و «كان زيدا ساء رجلاً» ، فغاية ما في الباب أنك أتيت بأخبار «كان» أحدُهما مفردَ والآخرُ جملة، اللهم إلا أَنْ يُقالَ: إن هذه جملةٌ إنشائيةٌ، والإِنشائية لا تقع خبراً ل «كان» ، فاحتاج إلى إضمار القول وفيه بحث.

стр. 2253

قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ : «أمهات» جمع «أم» فالهاءُ زائدةٌ في الجمع، فرقاً بين العقلاء وغيرهم. يقال في العقلاء: «أمهات» وفي غيرهم: «أُمَّات» كقوله: ١٥٦٢ - وأُمَّاتِ أَطْلاءٍ صغارِ. . . . . ... هذا هو المشهور، وقد يقال: «أُمَّات» في العقلاء: و «أمهات» في غيرهم وقد جَمَع الشاعر بين الاستعمالين في العقلاء فقال: ١٥٦٣ - إذا الأمَّهاتُ قَبُحْنَ الوجوهَ ... فَرَجْتَ الظلامَ بأُمَّاتِكا وقد سُمع «أُمَّهة» في «أُم» بزيادةِ هاء، بعدَها تاءُ تأنيث قال: ١٥٦٤ - أُمَّهتي خِنْدِفُ والياسُ أبي ...

стр. 2254

فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ «أمهات» جمعَ «أُمَّهة» المزيدِ فيها الهاء، والهاءُ قد أتت زائدةً في مواضع/ قالوا: هِبْلَع وهِجْرَع من البَلْعِ والجَرْع. قوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ عطفٌ على «أُمَّهاتكم» . وبنات جمع بنت، وبنت تأنيث ابن، وتقدَّم الكلامُ عليه وعلى اشتقاقِه ووزنِه في البقرة في قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الآية: ٤٠] ، إلا أن أبا البقاء حَكَى عن الفراء أنَّ «بنات» ليس جمعاً ل «بنت» يعني بكسرِ الباء بل جمع «بَنة» يعني بفتحِها، قال: وكُسِرت الباء تنبيهاً على المحذوف «. قلت: هذا إنما يجيء على اعتقادِ أنَّ لامها ياء، وقد تقدم لنا خلافٌ في ذلك وأن الصحيحَ أنها واو، وحَكَى عن غيره أن أصلها: بَنوَة، وعلى ذلك جاء جمعُها ومذكرها وهو بنون، قال:» وهو مذهبُ البصريين «قلت: لا خلاف بين القولينِ في التحقيق، لأنَّ مَنْ قال: بنات جمعُ» بَنة «بفتح الباء لا بد وأَنْ يعتقد أنَّ أصلها» بَنَوة «حُذِفَت لامُها وعُوِّض منها تاءُ التأنيث، والذي قال: بنات جمع» بَنَوة «لَفَظَ بالأصل فلا خلاف. واعلم أنَّ تاء» بنت «و» أخت «تاءُ تعويضٍ عن اللام المحذوفة كما تقدَّم تقريره، وليست للتأنيثِ، ويَدُلُّ على ذلك وجهان، أحدهما: أنَّ تاء التأنيث يلزَمُ فتحُ ما قبلها لفظاً أو تقديراً نحو: ثمرة وفتاة، وهذه ساكنٌ ما قبلَها. والثاني: أنَّ تاءَ التأنيث تُبْدَلُ في الوقفِ هاء، وهذه لا تُبْدَلُ بل تُقَرُّ على حالِها. وقال أبو البقاء:» فإنْ قيل: لِمَ رُدَّ المحذوف في «أخوات» ولم يُرَدَّ في «بنات» ؟ قيل: حُمِل كل واحد من الجمعين على مذكَّرِهِ، فمذكر «

стр. 2255

بنات» لم يُرَدَّ إليه المحذوف بل قالوا فيه «بنون» ، ومذكر «أخوات» رُدَّ فيه محذوفه قالوا في جمع أخ: إخْوة وإخْوان «. وهذا الذي قاله ليس بشيء لأنه أَخَذَ جمع التكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً ل» أَخَوات «جمعَ التصحيح، فقال: رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيضاً موجود في» بنات «؛ لأنَّ مذكره في التكسير رُدَّ إليه المحذوف. قالوا: ابن وأبناء، ولَمَّا جمعوا أخاً جمع السلامة قالوا فيه «أَخُون» بالحذف، فردُّوا في تكسير ابن وأخ محذوفَهما، ولم يَرُدَّوا في تصحيحهما، فبان فساد ما قال. قوله: ﴿وَخَالاَتُكُمْ﴾ ألف «خالة» و «خال» منقلبة عن واو، بدليل جمعه على «أخوال» ، قال تعالى: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ﴾ [النور: ٦١] . قوله: ﴿مِّنَ الرضاعة﴾ : في موضعِ نصب على الحال فيتعلق بمحذوف تقديره: وأخواتُكم كائناتٍ من الرضاعة. وقرأ أبو حيوة: «من الرِّضاعة» بكسر الراء. ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه حال من «ربائبكم» تقديره: «وربائبكم كائناتٍ من نسائكم» . والثاني: أنه حالٌ من الضمير المستكنِّ في قوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ لأنه لَمَّا وقع صلةً تَحَمَّل ضميراً، أي: اللاتي استَقْرَرْنَ في حُجُوركم. والربائب: جمع «ربيبة» وهي بنت الزوج أو الزوجة، والمذكر: ربيب، سُمِّيا بذلك؛ لأن أحد الزوجين يَرُبُّه كما يَرُبُّ ابنه. وقوله: ﴿اللاتي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لا مفهومَ له لخروجه مخرج الغالب. الحُجُور: جمع «حِجْر»

стр. 2256

بفتحِ الحاءِ وكسرها، وهو مقدَّمُ ثوبِ الإِنسان ثم استعملت اللفظُ في الحِفْظ والستر. قوله: ﴿اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفةٌ ل «نسائكم» المجرورِ ب «مِنْ» ، اشترط في تحريم الربيبة أن يُدْخَلَ بأمها. ولا جائزٌ أن تكونَ صفة ل «نسائكم» الأولى والثانية لوجهين، أحدهما: من جهة الصناعة، وهو أن «نسائكم» الأولى مجرورةٌ بالإِضافة والثانية مجرورة ب «من» فقد اختلف العاملان، وإذا اختلفا امتنع النعت، لا تقول: «رأيت زيداً ومررت بعمرٍو العاقلين» على أن يكون «العاقلين» نعتاً لهما. والثاني من جهة المعنى: وهو أن أم المرأة تَحْرُم بمجردِ العَقْدِ على البنت دَخَلَ بها أو لم يَدْخُل بها عند الجمهور، والربيبةُ لا تَحْرُم إلا بالدخولِ على أمها. وفي كلام الزمخشري ما يلزم منه أنه يَجوز أَنْ يكونَ هذا الوصفُ راجعاً إلى الأولى في المعنى فإنه قال: ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ﴾ متعلق ب «ربائبكم» ومعناه: أن الربيبة من المرأةِ المدخولِ بها مُحَرَّمةٌ على الرجل حلالٌ له إذا لم يدخل بها. فإن قلت: هل يَصِحُّ أن يتعلق بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ ؟ قلت: لا يخلو: إمَّا أَنْ يتعلَّقَ بهن وبالربائب فتكون حرمُتهن وحرمةُ الربائب غيرَ مبهمتين جميعاً، وإمَّا أَنْ يتعلَّق بهن دونَ الربائبِ، فتكونُ حرمتُهن غيرَ مبهمة وحرمةُ الربائب مبهمةً، ولا يجوز الأول لأن معنى «من» مع أحد المتعلقين خلافُ معناها مع الآخر، ألا تراك إذا قلت: «وأمهاتُ نسائكم من

стр. 2257

نسائكم اللاتي دخلتم بهن» فقد جَعَلْتَ «مِنْ» لبيان النساء وتمييزاً للمدخولِ بهنَّ مِنْ غيرِ المدخول بهنَّ، وإذا قلت: «وربائبكم من نسائِكم اللاتي دَخَلْتُم بهن» فإنك جاعلٌ «مِنْ» لابتداءِ الغاية كما تقولُ: «بنات رسول الله ﷺ من خديجة» ، وليس بصحيحٍ أَنْ يَعْني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيين مختلفين، ولا يجوز الثاني لأن الذي يليه هو الذي يستوجبُ التعليقُ به ما لم يَعْرِضْ أمرٌ لا يُرَدُّ، إلا أَنْ تَقول: أُعَلِّقُه بالنساء والربائب، وأجعل «من» للاتصال كقوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] ، [وقال] : ١٥٦٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإني لستُ مِنْكَ ولَسْتَ مِنِّي [وقوله] : ١٥٦٦ - ما أنا من ددٍ ولا ددٌ مِنِي ... وأمهاتُ النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتُهن، كما أن الربائب متصلاتٌ بأمهاتهن لأنهن بناتُهن، هذا وقد اتفقوا على أن التحريم لأمهاتِ النساء مبهمٌ «. انتهى. ثم قال:» إلا ما رُوي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمرو وابن الزبير أنهم قرؤوا «وأمهاتُ نسائكم اللاتي دَخَلْتُم بهن» فكان ابن عباس يقول: «واللهِ ما أُنزل إلا هكذا» فقوله: «أعلقه بالنساء والربائب» إلى

стр. 2258

آخره يقتضي أن القيد الذي في الربائب وهو الدخول في أمهات نسائكم، كما تقدم حكايته عن علي وابن عباس. قال الشيخ: «ولا نعلم أحداً أثبتَ ل» مِنْ «معنى الاتصال، أما الآية والبيت والحديث فمؤولة. قوله: ﴿وَحَلاَئِلُ﴾ جمع» حليلة «وهي الزوجة، سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَحُلُّ مع زوجها حيث كان، فهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، والزوج حليل كذلك، قال: ١٥٦٧ - أغشى فتاةَ الحَيِّ عند حليلِها ... وإذا غَزَا في الجيشِ لا أَغْشاها وقيل: اشتقاقها من لفظ الحلال؛ إذ كلٌّ منهما حلال لصاحبه، وهو قول الزجاج وجماعة، ف» فَعِيل «بمعنى مفعول أي: مُحَلَّلة له وهو محللٌ لها، إلا أنَّ هذا يُضْعفُه دخولُ التأنيث، اللهم إلا أن يقال إنه جرى مَجْرى الجوامد/ كالنطيحة والذبيحة. وقيل: هما من لفظ» الحَلّ «ضد العَقْد؛ لأنَّ كلاً منهما يَحُلُّ إزارَ صاحبِه. و ﴿الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ صفةٌ مبينة؛ لأنَّ الابن قد يُطْلق على المُتَبَنَّى به وليست امرأتُه حراماً على مَنْ تَبَنَّاه، وأمَّا الابن من الرضاع فإنه وإنْ كان حكمُه حكمَ ابن الصُّلْب في ذلك فمبيَّنٌ بالسنة فلا يَرِد على الآية الكريمة. وأَصْلاب: جمع» صُلْب «وهو الظهرُ، سُمِّي بذلك لقوته اشتقاقاً من الصَّلابة، وأفصحُ لغتَيْه: صُلْب بضمِ الفاء وسكون العين وهي لغة الحجاز،

стр. 2259

وبنو تميم وأسد يقولون» صَلَباً بفتحهما، حكى ذلك الفراء عنهم في كتاب «لغات القرآن» له، وأنشد عن بعضهم: ١٥٦٨ - في صَلَبٍ مثلٍ العِنانِ المُؤْدَمِ ... وحكى عنهم: «إذا أَقُوم اشتكى صَلَبي» . قوله: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ﴾ في محلِّ رفع عطفاً على مرفوع «حُرِّمت» أي: وحُرِّم عليكم الجمعُ بين الأختين، والمرادُ الجمعُ بينهما في النكاح، أمَّا في الملِْك فجائزٌ اتفاقاً، وأمَّا الوطءُ بمِلكْ اليمين ففيه خلافٌ ليس هذا موضعَه. قولُه: ﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منطقع، فهو منصوبٌ المحل كما تقدَّم في نظيره أي: لكن ما مضى في الجاهلية فإن الله يَغْفِره. وقيل: المعنى إلا ما عَقَد عليه قبل الإِسلام، فإنه بعد الإِسلام يبقى النكاح على صحته، ولكن يَخْتار واحدةً منهما ويفارق الأخرى، وكان قد تقدَّمَ قريبٌ من هذا المعنى في ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الأولِ ويكون الاستثناء عليه متصلاً، وهنا لا يتأتَّى الاتصال البتة لفساد المعنى.

стр. 2260

قوله تعالى: ﴿والمحصنات﴾ : قرأ الجمهور هذه اللفظة سواء كانت معرفة ب «أل» أم نكرة بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في الجمع إلا قوله ﴿والمحصنات مِنَ النسآء﴾ في رأس الجزء فإنه وافق الجمهور. فأمَّا الفتحُ ففيه وجهان، أشهرهما: أنه أَسْند الإِحصان إلى غيرهن، وهو إمَّا

стр. 2261

الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يُحْصِنُ امرأته أي: يُعِفُّها، والوليَّ يُحصِنُها بالتزويجِ أيضاً والله يُحْصِنُها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوحَ الصادِ بمنزلة المكسور، يعني أنه اسمُ فاعل، وإنما شَذَّ فتحُ عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظَ: أَحْصَنَ فهو مُحْصَن وأَلْقح فهو مُلْقَح، وأَسْهَب فهو مُسْهَب. وأمَّا الكسر فإنه أسند الإِحصان إليهن؛ لأنهن يُحْصِنَّ أنفسهن بعفافهن، أو يُحْصِنَّ فروجهن بالحفظ، أو يُحْصِنَّ أزواجهن. وأما استثناء الكسائي التي في رأس الجزء قال: «لأن المراد بهن المُزَوَّجات فالمعنى: أن أوزاجَهُنَّ أحصنوهن، فهن مفعولاتٌ» ، وهذا على أحدِ الأقوال في المحصنات هنا مَنْ هن؟ على أنه قد قرىء شاذاً التي في رأس الجزء بالكسر أيضاً، وإنْ أُريد بهن المزوَّجات؛ لأنَّ المراد أحصنَّ أزواجهنّ أو فروجهنّ، وهو ظاهر. وقرأ يزيد بن قطيب: و «المُحْصُنات» بضم الصاد، كأنه لم يَعْتَدَّ بالساكن فأتبعَ الصاد للميم كقولهم: «مُنْتُن» . وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على المَنْعِ ومنه «الحِصْن» لأنه يُمْنع به، و «حِصان» للفرس من ذلك. ويقال: أَحْصَنَتِ المرأةُ وحَصُنَتْ، ومصدرُ حَصُنَت: «حُصْن» عن سيبويه و «حَصانة» عن الكسائي وأبي عبيدة، واسمُ الفاعلِ من أَحْصَنَتْ مُحْصَنة، ومن حَصُنت حاصِن، قال: ١٥٦٩ - وحاصِنٍ من حاصناتٍ مُلْسِ ... مِن الأذى ومن قِراف الوَقْسِ

стр. 2262

ويقال لها: «حَصان» أيضاً بفتح الحاء، قال حسان يصف عائشة ﵂: ١٥٧٠ - حَصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ ... وتصبحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافل والإِحصانُ في القرآن وَرَد، ويُراد به أحدُ أربعة معان: التزوج والعفة والحرية والإِسلام، وهذا تنفعك معرفته في الاستثناء الواقع بعده: فإن أُريد به هنا التزوُّجُ كان المعنى: وحُرِّمت عليكم المحصنات أي: المزوجات إلا النوعَ الذي ملكته أيمانكم: إما بالسَّبْي أو بمِلْكٍ مِنْ شَرْي وهبة وإرثٍ، وهو قولُ بعضِ أهل العلم، ويدلُ على الأول قولُ الفرزدق: ١٥٧١ - وذاتِ حَليلٍ أَنْكَحَتْها رماحُنا ... حَلالٌ لِمَنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ يعني: أنَّ مجردَ سبائِها أحلَّهَا بعد الاستبراءِ. وإنْ أُريد به الإِسلام أو العفةُ فالمعنى أنَّ المسلماتِ أو العفيفاتِ حرامٌ كلهن، يعني فلا يُزْنى بهن إلا ما مُلِك منهن بتزويجٍ أو مِلْك يمين، فيكون المرادُ ب ﴿مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ التسلُّطَ عليهن وهو قَدْرٌ مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكونُ الاستثناء متصلاً. وإنْ أريد به الحرائرُ فالمرادُ إلا ما مُلِكت بمِلْكِ اليمينِ، وعلى هذا فالاستثناءُ منقطع. وقوله: ﴿مِنَ النسآء﴾ في محلِّ نصبٍ على الحالِ كنظيرِه المتقدم. وقال

стр. 2263

مكي: «فائدةُ قولِه ﴿مِنَ النسآء﴾ أنَّ المُحْصَناتِ تقع على الأنفسِ، فقولُه ﴿مِنَ النسآء﴾ يرفعُ ذلك الاحتمال، والدليلُ على أنه يُراد بالمحصناتِ الأنفسُ قولُه: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: ٤] فلو أريد به النساءُ خاصة لَما حُدَّ مَنْ قذف رجلاً بنص القرآن، وقد أجمعوا على أنّ حَدَّه بهذا النصِّ» . انتهى. وهذا كلامٌ عجيب لأنه بعد تسليم ما قاله في آية النور كيف يَتَوهَّم ذلك هنا أحدٌ من الناس؟ قوله: ﴿كِتَابَ الله﴾ في نصبه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه منصوبٌ على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة قبله وهي قوله: «حُرِّمت» ، ونصبُه بفعل مقدر أي: كَتَبَ الله ذلك عليكم كتاباً. وأبعد عبيدة السلماني في جَعْلِه هذا المصدَر مؤكداً لمضمون الجملة من قوله تعالى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] . الثاني: أنه منصوبٌ على الإِغراء ب «عليكم» والتقدير: عليكم كتابَ الله أي: الزموه كقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وهذا رأي الكسائي ومَنْ تابعه، أجازوا تقديمَ المنصوب في باب الإِغراء مستدِلِّين بهذه الآيةِ، وبقولِ الآخر: ١٥٧٢ - يا أيُّها المائحُ دَلْوي دونَكَا ... إني رأيْتُ الناسَ يَحْمَدونكا

стр. 2264

ف «دلوي» منصوبٌ ب «دونَك» وقد تقدَّم. والبصريون يمنعون ذلك، قالوا: لأنَّ العاملَ ضعيف، وتأوَّلوا الآيةَ على ما تقدم، والبيتَ على أن «دلوي» منصوبٌ ب «المائح» أي: الذي ماح دَلْوي. والثالث: أنه منصوب بإضمار فعل أي: الزموا كتاب الله، وهذا قريبٌ من الإِغراء. وقال أبو البقاء في هذا الوجه: «تقديره: الزموا كتاب الله» و «عليكم» إغراء، يعني أن مفعوله قد حُذف للدلالة ب «كتاب الله» عليه، أي: عليكم ذلك، فيكون أكثر تأكيداً. وأمَّا «عليكم» فقال أبو البقاء: إنها على القول بأن «كتاب» مصدرٌ يتعلق بذلك الفعل المقدر الناصبِ ل «كتاب» ولا يتعلَّق بالمصدر «قال:» لأنه هنا فَضْله «. قال:» وقيل: يتعلَّق بنفسِ المصدر/ لأنه ناب عن الفعل، حيث لم يُذكر معه فهو كقولك: مروراً بزيد قلت: وأمَّا على القول بأنه إغراء فلا محلَّ له لأنه واقعٌ موقعَ فعلِ الأمر، وأمَّا على القولِ بأنه منصوبٌ بإضمار فِعْلٍ أي: الزموا ف «عليكم» متعلِّقٌ بنفس «كتاب» أو بمحذوف على أنه حال منه. وقرأ أبو حيوة «كَتَبَ اللهُ» على أن «كتب» فعل ماض، و «الله» فاعل به، وهي تؤيد كونَه منصوباً على المصدر المؤكد. وقرأ ابن السَّمَيْفَع اليماني: «كُتُبُ الله» جعله جمعاً مرفوعاً مضافاً لله تعالى على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديره: هذه كتبُ الله عليكم. قوله: ﴿وَأُحِلَّ﴾ قرأ الأخوان وحفص عن عاصم: «أَحَلَّ» مبنياً للمفعول، والباقون مبنياً للفاعل، وكلتا القراءتين الفعلُ فيهما معطوفٌ على

стр. 2265

الجملةِ الفعليةِ من قولِه: «حُرِّمَتْ» والمُحَرِّمُ والمُحَلِّلُ هو الله تعالى في الموضعين، سواءً صَرَّحَ بإسناد الفعلِ إلى ضميره أو حَذَف الفاعل للعلم به. وادَّعى الزمخشري أن قراءة «أُحِلَّ» مبنياً للمفعول عطفٌ على «حُرِّمت» ليُعْطَفَ فعلٌ مبني للمفعول على مثله، وأما على قراءة بنائه للفاعل فجعله معطوفاً على الفعل المُقدَّر الناصب ل «كتاب» كأنه قيل: كَتَب الله عليكم تحريمَ ذلك وأَحَلَّ لكم ما وراء ذلكم. قال الشيخ: «وما اختاره يعني من التفرقه بين القراءتين غيرُ مختار؛ لأنَّ الناصبَ ل» كتابَ الله «جملةٌ مؤكدة لمضمون الجملة من قوله» حُرِّمت «إلى آخره، وقوله» وأَحَلَّ لكم «جملةٌ تأسيسية فلا يناسِبُ أن تُعْطَفَ إلا على تأسيسية مثلِها لا على جملةٍ مؤكدة، والجملتان هنا متقابلتان، إذ إحداهما للتحريم والأخرى للتحليل، فالمناسب أن تُعطف إحداهما على الأخرى لا على جملة أخرىغيرِ الأولى، وقد فَعَلَ هو مثل ذلك في قراءة البناء للمفعول فليكن هذا مثلَه» وفي هذا الردَّ نظر. و ﴿مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مفعولٌ به: إمَّا منصوبُ المحل أو مرفوعُه على حَسَبِ القراءتين في «أحلَّ» . قوله: ﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ في محلِّه ثلاثةُ أوجه: الرفع والنصب والجر، فالرفعُ على أنه بدل من ﴿مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ على قراءة «أُحِلَّ» مبنياً للمفعول؛ لأن «ما» حينئذ قائمةٌ مقامَ الفاعل، وهذا بدلٌ منها بدلُ اشتمال. وأمَّا النصبُ فالأجودُ أن يكون على أنه بدل من «ما» المتقدمة على قراءة «أَحَلَّ» مبنياً للفاعل، كأنه

стр. 2266

قال: وأَحَلَّ الله لكم الابتغاء بأموالكم من تزويج أو مِلْك يمين. وأجاز الزمخشري أن يكونَ نصبُه على المفعول من أجله، قال «بمعنى: بَيَّن لكم ما يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُم إرادةَ أن يكون ابتغاؤكم بأموالِكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونِكم محصنين» . وأنحى عليه الشيخ، وجَعَلَه إنما قصد بذلك دسيسةَ الاعتزال ثم قال: «وظاهرُ الآية غيرُ ما فهمه، إذ الظاهر أنه تعالى أَحَلَّ لنا ابتغاء ما سوى المحرماتِ السابقِ ذكرُها بأموالنا حالةَ الإِحصان لا حالةَ السِّفاح، وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يُعْرَبَ» أن تبتغوا «مفعولاً له، لأنه فات شرطٌ من شروطِ المفعولِ له وهو اتحادُ الفاعلِ في العامل والمفعول له، لأنَّ الفاعلَ ب» أحلَّ «هو الله تعالى والفاعلَ في» تبتغوا «ضميرُ المخاطبين فقد اختلفا، ولمَّا أحسَّ الزمخشري إن كان أحسَّ جعل» أن تبتغوا «على حذفِ» إرادة «حتى يتحدَ الفاعل في قوله» وأحلَّ «وفي المفعولِ له، ولم يجعل» أن تبتغوا «مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامتِه مقامَه، وهذا كلُّه خروج عن الظاهر» . انتهى. ولا أدري ما هذا التَحمُّلُ، ولا كيف يَخْفى على أبي القاسم شرطٌ اتحاد الفاعل في المفعول له حتى يقول «إن كان أحسَّ» !!! وأجاز أبو البقاء فيه النصبَ على حذف حرف الجر، قال أبو البقاء: «وفي» ما «يعني من قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وجهان، أحدُهما: هي بمعنى» مَنْ «، فعلى هذا يكون قوله» أن تبتغوا «في موضع جر أو نصب على تقدير: بأن تبتغوا أو لأنْ تبتغوا، أي: أُبيح لكم غيرُ مَنْ ذكرنا من النساء

стр. 2267

بالمهور، والثاني: أن» ما «بمعنى الذي، والذي كنايةٌ عن الفعل أي: وأحَلَّ لكم تحصيلَ ما وراء ذلك الفعلِ المحرَّمِ، و» أن تبتغوا «بدلٌ منه، ويجوز أن يكونَ أصلُه بأن تبتغوا، أو لأن تبتغوا. وفي ما قاله نظر لا يخفى. وأمَّا الجرُّ فعلى ما ذكره أبو البقاء. وقد تقدَّم ما فيه. و ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ حال من فاعل» تَبْتغوا «، و» غيرَ مسافحين «حالٌ ثانية، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الضمير في» مُحْصِنين «، ومفعول محصنين ومسافحين محذوف أي: مُحْصِنين فروجَكم غير مسافحين الزواني، وكأنها في الحقيقة حال مؤكدة لأن المُحْصِن غيرُ مسافِحٍ. ولم يقرأ أحد بفتح الصاد من» محصنين «فيما علمت. قوله: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ﴾ يجوزُ في» ما «وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطيةً. والثاني: أن تكونَ موصولةً. وعلى كلا التقديرين فيجوز أن يكونَ المرادُ بها النساءَ المستمتَع بهن أي: النوعَ المُسْتمتع به، وأن يراد بها الاستمتاعُ الذي هو الحدثُ. وعلى جميع الأوجه المتقدمة فهي في محل رفع بالابتداء، فإنْ كانت شرطيةً ففي خبرها الخلاف المشهور: هل هو فعلُ الشرط أو جوابُه أو كلاهما؟ وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة. وإن كانت موصولةً فالخبرُ قولُه: ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ ، ودخلت الفاءُ لشبهِ الموصولِ باسم الشرط، وقد تقدَّم أيضاً تحقيقه. ثم إنْ أُريد بها النوعُ المستمتعُ به فالعائدُ على المبتدأ سواءً كانت» ما «شرطاً أو موصولةً الضميرُ المنصوب في» فآتوهن «، ويكون قد راعَى لفظَ» ما «تارة فأَفْرد في قوله» به «ومعناها أخرى، فَجَمع في قوله» منهن «

стр. 2268

و» فآتوهن «، فيصيرُ المعنى: أيَّ نوع من النساء استمتعتم به فآتوهُنَّ، أو النوعَ الذي استمتعتم به من النساء فآتوهن، وإنْ أريد بها الاستمتاع فالعائدُ حينئذ محذوفٌ تقديره: فأيَّ نوع من الاستمتاع استمتعتم به من النساء فآتوهُنَّ أجورهن لأجلِه، أو: أيَّ نوع من الاستمتاع الذي استمتعتم به من النساء فآتوهن أجورهُنَّ لأجله. و «مِنْ» في «منهم» تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون للبيان. والثاني: أن تكون للتبعيض، ومحلُّها النصب على الحال من الهاء في «به» ولا يجوز في «ما» أن تكون مصدرية لفسادِ المعنى، ولعَوْدِ الضميرِ في «به» عليها. / والسِّفاح: الزنا، وأصله الصَبُّ، لأن الزاني يَصُبُّ فيه، وكانوا يقولون: سافحيني وماذيني. والمسافِحُ: مَنْ تظاهر بالزنا، ومتخذ الأخدان مَنْ تَسَتَّر فاتخذ واحدة خفية. قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ من «أجورهن» أو مصدرٌ مؤكِّد أي: فرض الله ذلك فريضة، أو مصدرٌ على غير الصدر؛ لأن الإِيتاء مفروض فكأنه قيل: فآتوهُنَّ أجورَهنَّ إيتاءً مفروضاً.

стр. 2269

قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ﴾ : «مَنْ» شرطية وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولةً. وقوله: «فممَّا ملكت» : إمَّا جوابُ الشرط وإما خبر الموصول، وشروطُ دخولِ الفاء في الخبر موجودةٌ. و «منكم» في محل نصبٍ على الحال مِنْ فاعل «يستطِعْ» . وفي نَصْب «طَوْلاً» ثلاثة أوجه أظهرها: أنه مفعول ب «يستطع» ، وفي

стр. 2270

قوله: «أن ينكحَ» على هذا ثلاثة أقوال، القول الأول: أنه في محلِّ نصب ب «طَوْلاً» على أنه مفعولٌ بالمصدر المنون؛ لأنه مصدر «طُلْت الشيء» أي: نِلْتُه، والتقدير: ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات. ومثلُه قول الفرزدق: ١٥٧٣ - إن الفرزدق صخرةٌ ملمومَةٌ ... طالَتْ فليسَ ينالها الأوعالا أي: طالت الأوعال فلم تَنَلْها، وإعمالُ المصدر المنون كثير، قال: ١٥٧٤ - بضربٍ بالسيوف رؤوسَ قومٍ ... أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقيل وقولُ الله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا﴾ [البلد: ١٤-١٥] ، وهذا الوجه ذهب [إليه] الفارسيّ. القول الثاني: أنَّ «أَنْ ينكحَ» بدلٌ من «طَوْلاً» بدلُ الشيء من الشيء؛ لأنَّ الطَّوْل هو القدرةُ أو الفَصْلُ، والنكاحُ قدرةٌ وفَصْلٌ. القول الثالث: أنَّه على حذفِ حرفِ الجر، ثم اختلف هؤلاء: فمنهم مَنْ قَدَّره ب «إلى» أي: طَوْلاً إلى أن ينكحَ، ومنهم مَنْ قَدَّره باللام، أي: لأنْ ينكِحَ، وعلى هذين التقديرين فالجارُّ في محل الصفة ل «طَوْلاً» فيتعلق بمحذوفٍ، ثم لَمَّا حُذِفَ حرفُ الجر جاء الخلاف المشهور في محل «أَنْ» أنصبُ هو أم جر؟ وقيل: اللامُ المقدرة مع «أنْ» هي لامُ المفعول من أجله أي: طَوْلاً لأجل نكاحِهِنَّ.

стр. 2271

الوجه الثاني مِنْ نصب «طولاً» أن يكونَ مفعولاً له على حذف مضافٍ أي: ومَنْ لم يستطعْ منكم لعدمِ طَوْل نكاح المحصنات، وعلى هذا ف «أن ينكح» مفعولٌ «يستطع» أي: ومَنْ لم يستطِعْ نِكاح المحصناتِ لعدمِ الطَّوْل. الوجه الثالث: أن يكونَ منصوباً على المصدر، قال ابن عطية: «ويَصِحُّ أن يكونَ» طَوْلاً «نصباً على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة لأنهما بمعنى، و» أن ينكح «على هذا مفعولٌ بالاستطاعة أو بالمصدر» يعني أن الطَّوْل هو استطاعةٌ في المعنى فكأنه قيل: ومَنْ لم يستطع منكم استطاعةً. قوله: «فممَّا» الفاء قد تقدم أنها: إمَّا جوابُ الشرط، وإما زائدةٌ في الخبر على حَسَب القولين في «مَنْ» . وفي هذه الآية سبعة أوجه، أحدها: أنها متعلقة بفعل مقدر بعد الفاء تقديره: فلينكحْ مِمَّا مَلَكَتْه أيمانكم، و «ما» على هذا موصولةٌ بمعنى الذي، أي: النوعَ الذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدر محذوف تقديره: فلينكح امرأة أو أَمَةً مِمَّا ملكته أيمانكم، ف «مما» في الحقيقة متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لذلك المفعولِ المحذوفِ، و «مِنْ» للتبعيض نحو: أكلت من الرغيف، و «من فتياتكم» في محل نصب على الحال من الضمير المقدر في «مَلَكَتْ» العائدِ على «ما» الموصولة، و «المؤمناتِ» صفةٌ ل «فتياتِكم» . الثاني: أن تكونَ «مِنْ» زائدةً و «ما» هي المفعولةُ بذلك الفعل المقدر أي: فلينكح ما ملكَتْه أَيْمانكم. الثالث: أن «مِنْ» في «من فتياتكم» زائدة، و «فتياتِكم» هو مفعولُ ذلك الفعل المقدر أي: فلينكح فتياتِكم، و «مِمَّا ملكت» متعلقٌ بنفسِ الفعل، و «من» لابتداء الغاية، أو بمحذوفٍ على أنه حال من «فتياتكم» قُدِّمَ عليها، و «مِنْ» للتبعيض. الرابع: أن مفعول «فلينكح»

стр. 2272

هو المؤمنات أي: فلينكح الفتيات المؤمنات، و «مِمَّا ملكت» على ما تقدم في الوجه قبله، و «من فتياتكم» حالٌ من ذلك العائد المحذوف. الخامس: أنَّ «مما» في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فالمنكوحة مما ملكت. السادس: أن «ما» في «ممَّا» مصدريةٌ أي: فلينكح مِنْ مِلْك أيمانكم، ولا بد أن يكونَ هذا المصدرُ واقعاً موقع المفعول نحو: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: ١١] ليَصِحَّ وقوع النكاح عليه. السابع وهو أغربُها ونُقِل عن جماعة منهم ابن جرير «أن في الآية تقديماً وتأخيراً وأن التقدير: ومَنْ لم يستطع منكم طوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضُكم من بعض الفتيات، ف» بعضُكم «فاعل ذلك الفعل المقدر، فعلى هذا يكون قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ معترضاً بين ذلك الفعل المقدر وفاعِله. ومثلُ هذا لا ينبغي أن يقال. قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر، وجيء بها بعد قوله ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾ ليفيدَ أنَّ الإِيمان الظاهر كافٍ في نكاحِ الأَمَةِ المؤمنةِ ظاهراً، ولا يشترط في ذلك أَنْ يَعْلَمَ إيمانَها علماً يقيناً، فإنَّ ذلك لا يطَّلِعُ عليه إلا اللهُ تعالى، وفيه تأنيس أيضاً بنكاحِ الإِماء فإنهم كانوا يَنْفِرون من ذلك. قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأٌ وخبر أيضاً، جيء بهذه الجملة أيضاً تأنيساً بنكاح الإِماء كما تقدم، والمعنى: أن بعضكم من جنس بعض في النسب والدين، فلا يترفَّع الحُرُّ عن نكاح الأمةِ عند الحاجة إليه، وما أحسنَ قولَ أمير المؤمنين علي:» الناسُ من جهة التمثيل أَكْفاء، أبوهم آدم والأم حواء «. قوله: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ متعلق ب» انكحوهن «، وقَدَّر بعضهم مضافاً محذوفاً أي بإذنِ أهل ولايتهن، وأهلُ ولايةِ نكاحهنَّ هم المُلاَّك. و «بالمعروف» فيه

стр. 2273

ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه متعلق ب «آتوهُنَّ» أي: آتوهن مهورَهنَّ بالمعروف. / الثاني أنه حال من «أجورهن» أي: ملتبساتٍ بالمعروف يعني غيرَ ممطولةٍ. والثالث: أنه متعلق بقوله: «فانكِحوهن» أي: فانكِحوهن بالمعروف بإذن أهلهن ومَهْرِ مثلهن والإِشهاد عليه، وهذا هو المعروف. وقيل: في الكلام حذف تقديره: وآتوهُنَّ أجورهن بإذن أهلهن، فحذف من الثاني لدلالة الأولِ عليه نحوُ: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: الذاكرات اللهَ. وقيل: ثَمَّ مضافٌ مقدر أي: وآتوا مواليَهن أجورَهُنَّ، لأنَّ الأَمَة لا يُسَلَّمُ لها شيءٌ من المهر. قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ حالان من مفعول «فآتوهن» ومحصنات على هذا بمعنى مُزَوَّجات. وقيل: محصنات حالٌ من مفعول «فانكحوهن» ، ومحصنات على هذا بمعنى عفائفَ أو مسلمات، والمعنى: فانكحوهن حالَ كونهن محصناتٍ لا حالَ سِفاحِهن واتخاذِهِنَّ للأخْدان. وقد تقدَّم أن «محصنات» بكسرِ الصادِ وفتحِها، وما معناها، وأنَّ «غيرَ مسافحين» حالٌ مؤكدة. ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ﴾ عطفٌ على الحال قبله. والأخْدان مفعول ب «متخذات» لأنه اسمُ فاعل، وأخدان جمع «خِدْن» ، ك: عِدل وأَعْدال، والخِدْن: الصاحب، وقد تقدَّم أن المسافح هو المجاهر بالزنى ومتخذَ الأخدانِ هو المستترُ به، وكذلك هو في النساء، وكان الزنى في الجاهلية منقسماً إلى هذين القسمين. قوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: «أُحْصِنَّ» بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول، والباقون

стр. 2274

بفتحهما على البناء للفاعل، فمعنى الأولى: «فإذا أُحْصِنَّ بالتزوج» فالمُحْصِنُ لهنّ هو الزوج، ومعنى الثانية: «فإذا أَحْصَنَّ فروجَهن أو أزواجَهن» وهو واضح مما تقدم. والفاء في «فإنْ» جواب «إذا» وفي «فعليهن» جواب «إنْ» ، فالشرطُ الثاني وجوابه مترتِّبٌ على وجود الأول، ونظيره: «إن أكلت فإنْ ضربت عمراً فأنت حر» لا يُعْتق حتى يأكلَ أولاً ثم يضربَ عمراً ثانياً، ولو أسقطت الفاء الداخلة على «إن» في مثل هذا التركيب انعكس الحكمُ، ولزم أن يَضْرب أولاً ثم يأكل ثانياً. وهذا يُعْرف من قواعد النحو، وهو أن الشرط الثاني يُجعل حالاً فيجب التلبُّسُ به أولاً. قوله: ﴿مِنَ العذاب﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من الضمير المستكنِّ في صلةِ «ما» وهو «على» ، فالعاملُ فيها معنوي، وهو في الحقيقةِ ما تعلَّق به هذا الجار، ولا يجوزُ أن يكونَ حالاً من «ما» المجرورةِ بإضافة «نصف» إليها؛ لأنَّ الحالَ لا بد أن يعمل فيها ما يعمل في صاحبها، و «نصفُ» هو العامل في صاحبِها الخفضَ بالإِضافة، ولكنه لا يعمل في الحال لأنه ليس من الأسماء العاملة، إلاَّ أن بعضهم يَرى أنه إذا كان جزءاً من المضافِ جازَ ذلك فيه، والنصفُ جزءٌ فيجوز ذلك. قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ﴾ «ذلك» مبتدأ، و «لِمَنْ خشي» جارٌّ ومجرور خبرُه، والمشار إليه ب «ذلك» إلى نكاح الأمة المؤمنة لِمَنْ عَدِم الطَّوْلَ. والعَنَتْ في الأصل انكسارُ العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة، وأُريد به هنا ما يَجُرُّ إليه الزنى من العقاب الدنيوي والأخروي، و «منكم» حالٌ من الضمير

стр. 2275

في «خَشِي» أي: في حالِ كونه منكم. ويجوز أن تكونَ «مِنْ» للبيان. قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مبتدأ وخبر لتأوُّلِه بالمصدر وهو كقوله: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] .

стр. 2276

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ﴾ : في مثلِ هذا التركيبِ للناسِ مذاهبُ: مذهب البصريين أن مفعول «يريد» محذوف تقديره: يريد الله تحريمَ ما حَرَّمَ وتحليلَ ما حَلَّل وتشريعَ ماتقدَّم لأجلِ التبيين لكم، ونَسَبه بعضُهم لسيبويه، فمتعلَّقُ الإِرادة غيرُ التبيين وما عُطِف عليه، وإنما تأولوه بذلك لئلا يلزَم تعدِّيَ الفعلِ إلى مفعولِه المتأخر عنه باللام وهو ممتنعٌ، وإلى إضمارِ «أَنْ» بعد اللام الزائدة. والمذهب الثاني: ويعزى أيضاً لبعض البصريين أَنْ يُقَدَّر الفعلُ الذي قبل اللام بمصدرِ في محل رفع بالابتداء، والجار بعده خبره، فيقدر ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ﴾ إرادةُ الله للتبيين، وقوله: ١٥٧٥ - أريدُ لأنْسَى ذِكْرَها. . . . . . . . ... أي: إرادتي، وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ أي: أُمِرْنا بما أُمِرْنا [به] لنسلمَ، وفي هذا القولِ تأويلُ الفعل بمصدر من غير حرف مصدر، وهو ضعيف نحو: «تَسْمَعُ بالمُعَيْدَيِّ خيرٌ مِنْ تراه» قالوا: تقديره: «أنّْ تسمعَ» فلمَّا حَذَفَ «أن» رَفَع الفعل، وهو في تأويل المصدر لأجل الحرف

стр. 2277

المقدر فكذلك هذا، فلامُ الجر على الأول في محل نصب لتعلُّقها ب «يريد» وعلى هذا الثاني في محلِّ رفع لوقوعها خبراً. الثالث: وهو مذهب الكوفيين أن اللامَ هي الناصبة بنفسها من غير إضمار «أَنْ» ، وهي وما بعدها مفعول الإِرادة، ومنع البصريون ذلك؛ لأن اللامَ ثَبَت لها الجر في الأسماء، فلا يجوز أن يُنْصَبَ بها، فالنصب عندهم بإضمار «أن» كما تقدم. الرابع: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء أن اللامَ زائدة، و «أَنْ» مضمرة بعدها، والتبيينُ مفعولُ الإِرادة. قال الزمخشري: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ﴾ يريد اللهُ أن يبيِّن، فزيدت اللامُ مؤكدة لإِرادة التبيين، كما زيدت في «لا أبا لك» لتأكيد إضافة الأب «. وهذا كما رأيت خارجٌ عن أقوال البصريين والكوفيين، وفيه أنَّ» أنْ «تضمر بعد اللام الزائدة، وهي لا تُضْمر فيما نص النحويون بعد لامٍ وتلك اللامُ للتعليل أو للجحود. وقال بعضهم: اللامُ هنا لام العاقبة كهي في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] ، ولم يَذْكُر مفعولَ التبيين، بل حَذَفه للعلم به، فقدَّره بعضهم:» ليبين لكم ما يقرِّبكم «، وبعضُهم:» أن الصبر عن نكاح الأماء خيرٌ «، وبعضُهم:» ما فَصَّل من الشرائع «، وبعضهم:» أمرَ دينكم «وهي متقاربة. ويجوز في الآية وجهٌ آخرُ حسنٌ: وهو أَنْ تكونَ المسألةُ من باب الإِعمال: تنازع» يبيِّن «و» يَهْدي «في ﴿سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ لأنَّ كلاً منهما يَطْلبه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من إعمال الثاني، وحَذَفَ الضميرَ من

стр. 2278

الأول تقديرُه: ليبيِّنهَا لكم ويهديَكم سنن الذين من قبلكم، والسُّنَّة: الطريقة، ويؤيد هذا أن المفسرين نقلوا أنَّ كل ما بَيَّن لنا تحريمَه وتحليلَه من النساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكمُ كذلك أيضاً في الأمم السالفة، أو أنه بَيَّن لكم المصالحَ؛ لأنَّ الشرائعَ وإنْ كانت مختلفةً في نفسِها إلا أنها متفقةٌ في المصلحة.

стр. 2279

وزَعم بعضُهم أنَّ في قوله تعالى: ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ : تكريراً لقولِه: ﴿يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ المعطوفَ على «ليبين» . قال ابن عطية: «وتكرارُ إرادة الله للتوبة على عباده تقويةٌ للإِخبار الأول، وليس القصدُ في الآيةِ إلا الإِخبارَ عن إرادة الذين يتَّبعون الشهوات، فَقُدِّمت إرادةُ اللهِ توطئةً مُظْهِرَةً لفسادِ إرادةِ مُتَّبعي الشهوات» . وهذا الذي قاله إنما يتمشَّى على أنَّ المجرور باللام في قوله «ليبين» مفعول به للإِدارة لا على كونِه علةٍ، وقد تقدَّم أن ذلك قولُ الكوفيين وهو ضعيف وقد ضَعَّفه هو أيضاً. وإذا تقرَّر هذا فنقولُ: لا تكرار في الآية؛ لأنَّ تعلُّقَ الإِرادة بالتوبة في الأولِ على جهة العِلَّيَّة، وفي الثاني على جهةِ المفعولية، فقد اختلف المتعلَّقان. قوله: ﴿وَيُرِيدُ الذين﴾ بالرفعِ عطفاً على «والله يريد» عَطَفَ جملةً فعلية على جملة اسمية، ولا يجوز أن يتنصِبَ لفساد المعنى، إذ يصير التقدير: «والله يريدُ أن يتوبَ ويريدُ أن يريدَ الذين» . واختار الراغب أن الواوَ للحال تنبيهاً على أنه يريد التوبةَ عليكم في حال ما يريدون أن تَميلوا، فخالف بين الإِخبارين في تقديمِ المُخْبَرِ عنه في الجملة الأولى وتأخيره في الثانية،

стр. 2280

ليبين أنَّ الثاني ليس على العَطفِ «. وقد رُدَّ عليه بأن إرادةَ اللَّهِ التوبةَ ليست مقيدةً بإرادةِ غيرِه الميلَ، وبأن الواوَ باشَرَتِ المضارعَ المثبت. وأتى بالجملةِ الأولى اسميةً دلالةً على الثبوتِ، وبالثانيةِ فعليةً دلالةِ على الحُدوث.
следующие страницы →