Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً قال: «تقديرُه: ظلماً قَدْرَ مثقالِ ذرة، فَحَذَفَ المصدرَ وصفته، وأقام المضافَ إليه مُقامهما» . ولا حاجة إلى ذلك لأنَّ المثقالَ نفسَه هو قَدْر من الأقدار، جُعِل معياراً لهذا القَدْر المخصوصِ. والثاني: أنه منصوب على أنه مفعول ثان ل «يَظْلم» والأول محذوف، كأنهم ضَمَّنوا «بظلم» معنى «بغضب» و «بنقص» فَعَدَّوه لاثنين، والأصل: إنَّ الله لا يظلم أحداً مثقال ذرة.
قوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً﴾ حُذِفت النون تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وهذه قاعدة كلية، وهو أنه يجوز حذفُ نون «يكون» مجزومةً، بشرطِ ألاَّ يليَها ضميرٌ متصل نحو: «لَم يَكُنْه» وألاَّ تُحَرَّك النون لالتقاء الساكنين نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ [البينة: ١] خلافاً ليونس، فإنه أجاز ذلك مستدلاً بقوله:
١٥٨٣ - فإنْ لم تَكُ المِرْآةُ أَبْدَتْ وَسامةً ... فقد أَبْدَتِ المرآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ
وهذا عند سيبويه ضرورةٌ، وإنما حُذفت النون لغُنَّتِها وسكونها فأشبهت الواو، وهذا بخلاف سائر الأفعال نحو: «لم يَضِنَّ» و «لم يَهُنْ» لكثرة استعمال «كان» ، وكان ينبغي أن تعود الواو عند حَذْفِ هذه النون؛ لأنها إنما حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين وقد زال ثانيهما وهو النونُ إلا أنها كالملفوظ بها.
وقرأ الجمهور «حسنةً» نصباً على خبر «كان» الناقصة، واسمها مستتر فيها
стр. 2312
يعود على «مثقال» وإنما أَنَّث ضميرَه حملاً على المعنى؛ لأنه بمعنى: وإنْ تكن زنةَ ذرة حسنة، أو لإِضافته إلى مؤنث فاكتسب منه التأنيث. وقرأ ابن كثير ونافع «حسنة» رفعاً على أنها التامة أي: وإنْ تقع أو توجد حسنة.
وقرأ ابن كثير وابن عامر: «يُضَعِّفْها» بالتضعيف، والباقون «يضاعفها» . قال أبو عبيدة: «ضاعفه» يقتضي مراراً كثيرة، و «ضَعَّفَ» يقتضي مرتين، وهذا عكسُ كلام العرب؛ لأن المضاعفة تقتضي زيادة المثل، فإذا شدَّدْتَ دَلَّت البُنْية على التكثير، فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة بحسَبِ ما يكون من العدد. وقال الفارسي: «هما لغتان بمعنًى، يدل عليه قولُه ﴿نُضَعِّفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿فَيُضَعِّفُهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقد تقدم لنا الكلام على هذا بأبسطَ منه هنا. وقرأ ابن هرمز:» نضاعِفْها «بالنون، وقرىء» يُضْعِفْها «بالتخفيف مِنْ أضعفه مثل أكرم.
قوله: ﴿مِن لَّدُنْهُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب» يُؤْتِ «و» من «للابتداء مجازاً. والثاني: يتعلَّق بمحذوف على أنه حال من» أجراً «فإنه صفةُ نكرةٍ في الأصلِ قُدِّم عليها فانتصب حالاً.
стр. 2313
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ﴾ : فيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها في
стр. 2314
محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف أي: فكيف حالُهم أو صنعُهم؟ والعامل في «إذا» هو هذا المقدر. والثاني: أنها في محلِّ نصب بفعل محذوف أي: فيكف تكونون أو تَصْنَعون؟ ويَجْري فيها الوجهان: النصب على التشبيه بالحالِ كما هو مذهبُ سيبويه، أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش، وهو العاملُ في «إذا» أيضاً. والثالث: حكاه ابن عطية عن مكي أنها معمولةٌ ل «جئنا» ، وهذا غلط فاحش.
قوله: ﴿مِن كُلِّ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب «جئنا» . والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «شهيد» ، وذلك على رأي مَنْ يجوُّزُ تقديمَ حالِ المجرور بالحرف عليه، وقد تقدم تحريره. والمشهودُ عليه محذوفٌ أي: بشهيد على أمته/.
والمِثْقال: مِفْعَال من الثِّقَل وهو زِنَةُ كل شيء، والذَّرَّة: النملة الصغيرة، وقيل: رأسُها، وقيل: الخَرْدَلة، وقيل: جزء الهَباءَة، وعن ابن عباس: أنه أَدْخَلَ يده في التراب ثم نَفَخَها وقال: «كلُّ واحدةٍ منه ذرةٌ» والأولُ هو المشهور؛ لأن النملة يُضْرَبُ بها المثل في القلة، وأصغرُ ما تكون إذا مَرَّ عليها حَوْلٌ، قالوا لأنها حينئذ تَصْغُر جداً، قال حسان:
١٥٨٤ - لو يَدِبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ ... رِ عليها لأنْدَبَتْها الكُلُومُ
стр. 2315
وقال امرؤ القيس:
١٥٨٥ - مِن القاصِراتِ الطَرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... من الذَرِّ فوق الإِتْبِ منها لأَثَّرا
قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أظهرها: أنها في محل جر عطفاً على «جئنا» الأولى أي: فكيف تصنعون في وقت المجيئين؟ . والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، و «قد» مرادةٌ معها، والعامل فيها «جئنا» الأولى أي: جئنا من كل أمة بشهيد وقد جئنا، وفيه نظر. والثالث: أنها مستأنفة فلا محل لها. قال أبو البقاء: «ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، ويكون الماضي بمعنى المستقبل» . انتهى. وإنما احتاج إلى ذلك لأنَّ المجيءَ بعدُ لم يقع، فادَّعى ذلك، والله أعلم. و ﴿على هؤلاء﴾ متعلق ب «شهيداً» و «على» على بابها وقيل: هي بمعنى اللام وفيه بُعْدٌ، وأجيز أن تكون «على» متعلقةً بمحذوف على أنها حالٌ من «شهيداً» ، وفيه بُعْدٌ، و «شهيداً» حالٌ من الكاف في «بك» .
стр. 2316
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ : فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه معمول ل «يود» أي: يَوَدُّ الذين كفروا يوم إذ جئنا. والثاني: أنه معمولٌ ل «شهيداً» قاله أبو البقاء، قال «وعلى هذا يكون» يود «صفةً ل» يوم «، والعائد محذوف تقديره: فيه، وقد ذكر ذلك في قوله ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] وفيما قاله نظرٌ لا يَخْفى.
والثالث: أن» يوم «مبني لإضافته إلى» إذ «قاله الحوفي، قال: لأنَّ الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤُه معه. و» إذ «هنا اسمٌ؛ لأنَّ الظروفَ
стр. 2317
إذا أُضيف إليها خَرَجَتْ إلى معنى الاسمية من أجل تخصيصِ المضاف إليها كما تُخَصَّصُ الأسماءُ، مع استحقاقِها الجر، والجرُّ ليس من علامات الظروف» .
والتنوينُ في «إذ» تنوينُ عوضٍ على الصحيح، فقيل: عوض من الجملة الأولى في قوله ﴿جِئْنَا مِن كُلِّ﴾ أي: يومَ إذْ جِئْنا من كل أمة بشهيد، وجِئْنا بك على هؤلاء شهيداً، والرسولُ على هذا اسم جنس. وقيل: عوضٌ من الجملةِ الأخيرة، وهي «وجِئْنا بك» ، ويكون المراد بالرسول محمداً ﷺ . وكان النظم «وعَصَوْك» ولكنْ أُبْرِزَ ظاهراً بصفةِ الرسالةِ تنويهاً بقَدْرِهِ وشَرَفِه.
وفي قوله: ﴿وَعَصَوُاْ﴾ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها جملة معطوفة على «كفروا» فتكونُ صلةً، فيكونون جامعين بين كفرٍ ومعصية. وقيل: بل هي صلةٌ لموصول آخر فيكونون طائفتين. وقيل: هي في محل نصب على الحال من «كفروا» و «قد» مرادةٌ أي: وقد عصوا. وقرأ يحيى وأبو السمَّال: «وعَصَوا الرسول» بكسر الواو على الأصل.
قوله: ﴿لَوْ تسوى﴾ إنْ قيل: إنَّ «لو» على بابها كما هو قول الجمهور فمفعول «يود» محذوف أي: يود الذين كفروا تسويةَ الأرض [بهم] ، ويدلُّ عليه: ﴿لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض﴾ وجوابها حينئذ محذوف أي: لَسُرُّوا بذلك. وإنْ قيل: إنها مصدرية كانت هي وما بعدها في محل مفعول «يود» ولا جوابَ لها حينئذٍ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦] قال أبو البقاء «
стр. 2318
وعَصَو الرسول» في موضع الحال، و «قد» مرادةٌ، وهي معترضةٌ بين «يود» وبين مفعولِها وهو «لو تُسَوَّى» ، و «لو» بمعنى «أَنْ» «المصدرية» . انتهى. وفي جَعْلِه الجملةَ الحاليةَ معترضةً بين المفعولِ وعاملِه نَظَرٌ لا يَخْفَى، لأنها مِنْ جملةِ متعلقات العامل الذي هو صلةٌ للموصولِ، وهذا نظير ما لو قلت: «ضَرَبَ الذين جاؤوا مُسْرِعين زيداً» فكما لا يقال إنَّ «مسرعين» معترض به فكذلك هذه الجملة.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم «تُسَوَّى» بضم التاء وتخفيف السين مبنياً للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي: تَسَوَّى بفتحِها والتخفيفِ، ونافع وابن عامر بالتثقيل. فأما القراءة الأولى فمعناها: أنهم يَوَدُّون أن الله تعالى يُسَوِّي بهم الأرض: إمَّا على أن الأرض تنشق وتبتلعهم، وتكون الباء بمعنى «على» ، وإمَّا على أنهم يَوَدُّون أن لو صاروا تراباً كالبهائم، والأصل: يَوَّدون أن الله يُسَوِّيهم بالأرض، فَقُلِب إلى هذا كقولهم: «أدخلت القَلَنْسوة في رأسي» ، وإمَّا على أنهم يودُّون لو يُدْفَنون فيها، وهو كمعنى القولِ الأول، وقيل: لو تُعْدَلُ بهم الأرض أي: يُؤْخَذُ ما عليها منهم فديةً.
وأمَّا القراءة الثانية فأصلُها «تَتَسَوَّى» بتاءين، فحذفت إحداهما. وفي الثالثة حُذِفت أحداهما. ومعنى القراءتين ظاهرِ مِمَّا تقدَّم، فإن الأقوال الجارية في القراءةِ الأولى جاريةٌ في القراءتين الأُخْرَيَيْن، غايةُ ما في الباب أنه نَسَب الفعلَ إلى الأرض ظاهراً.
قوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ﴾ فيه ستةُ أوجهٍ، وذلك أنَّ هذه الواوَ تحتمل أن تكونَ للعطفِ وأن تكون للحالِ: فِإنْ كانت للعطفِ احتمل أن يكون من عطف المفردات، وأن يكونَ من عطف الجمل، إذا تقرر هذا فيجوز أن [يكون] ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ﴾ عطفاً على مفعول «يود» أي: يَوَدُّون تسويةَ الأرض بهم وانتفاءَ
стр. 2319
كتمان الحديث، و «لو» على هذا مصدريةٌ، ويَبْعُدُ جَعْلُها حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيرِه، ويكونُ «ولا يكتمون» عطفاً على مفعول «يَوَدُّ» المحذوفِ. فهذان وجهان على تقدير كونِه من عطفِ المفردات.
ويجوزُ أَنْ يكونَ عطفاً على جملة «يَوَدُّ» ، أَخْبَرَ تعالى عنهم بخبرين أحدُهما: الوَدادة لكذا، والثاني: أنهم لا يَقْدِرُون على الكتم في مواطنَ دونَ مواطنَ، و «لو» على هذا مصدريةٌ، ويجوزُ أن تكونَ «لو» حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيره، وجوابُها محذوفٌ، ومفعولُ «يود» أيضاً محذوفٌ، ويكون «ولا يكتمون» عطفاً على «لو» وما في حَيِّزها، ويكونُ تعالى قد أخْبَرَ عنهم بثلاثِ جمل: الوَدادةِ وجملةِ الشرط ب «لو» وانتفاءِ الكتمان، فهذان أيضاً وجهان على تقدير كونه من عطف الجمل.
وإنْ كانَتْ للحالِ جاز أن تكونَ حالاً من الضمير في «بهم» ، والعامل فيها «تُسَوَّى» ، ويجوزُ في «لو» حينئذٍ أَنْ تكونَ مصدريةً وأن تكون امتناعيةً، والتقديرُ: يَوَدُّون تسويةَ الأرضِ بهم غيرَ كاتمين، أو: لو تُسَوَّى بهم غيرَ كاتمين لكان بغيتَهم، ويجوز أن تكون حالاً من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ ، والعاملُ فيها «يود» ، ويكونُ الحال قيداً في الوَدادةِ، و «لو» على هذا مصدريةٌ في محلِّ مفعولِ الودادة، والمعنى: يومئذ يود الذين كفروا تسوية الأرض بهم غير كاتمين الله حديثاً، ويبعد أن تكون «لو» على هذا الوجه امتناعيةً للزوم الفصل بين الحال وعاملها بالجملة. و «يكتمون» يتعدى لاثنين، والظاهر أنه يصل إلى أحدهما بالحرف، والأصل: ولا يكتمون من الله حديثاً.
стр. 2320
قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أن في الكلامِ حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: مواضعَ الصلاة، والمراد بمواضعها المساجدُ، ويؤيدُ هذا قولُه بعد ذلك: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ في أحد التأويلين. والثاني: أنه لا حذفَ، والنهي عن قربان نفسِ الصلاة في هذه الحالة.
стр. 2321
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «تقربوا» . وقرأ الجمهورُ: «سُكارى» بضم السين وألف بعد الكاف، وفيه قولان، أحدهما: وهو الصحيح أنه جمع تكسير، نص عليه سيبويه، قال: «وقد يُكَسِّرون بعضَ هذا على فُعالى، وذلك كقولِ بعضِهم» سُكارى «» وعُجالى «. والثاني: أنه اسمُ جمع، وزعم ابنُ الباذش أنه مذهب سيبويه، قال:» وهو القياسُ لأنه لم يأت من أبنيةِ الجمع شيءٌ على هذا الوزن «. وذكر السيرافي الخلافَ، ورجَّح كونه تكسيراً.
وقرأ الأعمش:» سُكْرى «بضم السين وسكون الكاف/، وتوجيهُها أنها صفةٌ على فُعْلى كحُبْلى، وقعت صفةً لجماعةٍ أي: وأنتم جماعةٌ سُكْرى. وحَكى جناح بن حبيش:» كُسْلى وكَسْلى «بضم الكاف وفتحها. قاله الزمخشري. وقرأ النخعي:» سَكْرى «بفتح السين وسكون الكاف، وهذه تحتمل وجهين، أحدُهما: ما تقدَّم في القراءة قبلها وهو أنها صفةٌ مفردةٌ على فَعْلى كامرأةٍ سَكْرى وُصِفَ بها الجماعة. والثاني: أنها جمعُ تكسيرٍ كجَرْحى ومَوْتى وهَلْكى، وإنما جَمْعُ سَكْران على» فَعْلى «حملاً على هذه؛ لِما فيه من الآفةِ اللاحقةِ للفعلِ، وقد تقدَّم لك شيء من هذا في قولهِ في البقرة عند قولِه: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى﴾ [الآية: ٨٥] ، وقُرىء» سَكارى «بفتحِ السينِ، والألفِ، وهذا جمعُ تكسيرِ نحو: نَدْمان ونَدامى وعَطْشان وعَطاشَى.
والسُّكْر لغةً: السَّدُّ، ومنه قيل لِما يَعْرِضُ للمرءِ مِنْ شرب المُسْكِر؛ لأنه
стр. 2322
يَسُدُّ مابين المرء وعقله، وأكثرُ ما يقال السُّكْرُ لإِزالة العقلِ بالمُسكِر، وقد يُقال ذلك لإِزالتِه بغضبٍ ونحوِه من عشقٍ وغيرِه قال:
١٥٨٦ - سُكْرانِ سُكْرُ هوىً وسُكْرُ مُدامَةٍ ... أنَّى يُفيقُ فتىً به سُكْرانِ
والسَّكْرُ بالفتح وسكون الكاف حَبْسُ الماءِ، وبكسرِ السينِ نفسُ الموضعِ المسدودِ، وأمَّا» السَّكَر «بفتحهما فما يُسْكَرُ به من المشروبِ، ومنه ﴿سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] ، وقيل: السُّكْر بضمِّ السين وسكون الكاف السَّدُّ أي: الحاجزُ بين الشيئين قال:
١٥٨٧ - فما زِلْنَا على السُّكْرِ ... نُداوي السُّكْرِ بالسُّكْرِ
والحاصلُ: أنَّ أصلَ المادة الدلالةُ على الانسدادِ، ومنه» سَكِرتْ عينُ البازي «إذا خالَطَها نومٌ، و» سَكِر النهرُ «إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه أنا.
قوله: ﴿حتى تَعْلَمُواْ﴾ » حتى «جارةٌ بمعنى» إلى «، فهي متعلقة بفعلِ النهي، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار» أَنْ «، وتقدَّم تحقيقُه.
و «ما» يجوزُ فيها ثلاثة أوجه: أن تكونَ بمعنى الذي، أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على هذين القولين محذوفٌ أي: يقولونه، أو مصدريةً فلا حَذْفَ إلا على رأيِ ابنِ السراجِ ومَنْ تَبِعه.
قوله: ﴿وَلاَ جُنُباً﴾ نصبٌ على أنه معطوفٌ على الحال قبله، وهو قوله ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ ، عَطَفَ المفردَ على الجملةِ لَمَّا كانَتْ في تأويلِه، وأعادَ معها «
стр. 2323
لا» تنبيهاً على أنَّ النهيَ عن قربانِ الصلاةِ مع كل واحدة من هذين الحالين على انفرادِهما، فالنهيُ عنها مع اجتماعِ الحالين آكدُ وأَوْلى.
والجُنُبُ: مشتقٌ من الجَنابة وهي البُعْد قال:
١٥٨٨ - فلا تَحْرِمَنِّي نائلاً عن جَنابَةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ
وسُمِّي الرجلُ جُنُباً لبُعْده عن الطهارة، أو لأنه ضاجَعَ بجَنْبه ومَسَّ به، والمشهورُ أنه يُستعمل بلفظٍ واحد للمفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، ومنه الآيةُ الكريمة. قال الزمخشري: «لجَرَيانه مَجَرى المصدر الذي هو الإِجْناب» ومن العرب مَنْ يُثَنِّيه فيقول: «جُنُبان» ويجمعه سَلامَةً فيقول: «جُنُبون» وتكسيراً فيقول: «أَجْناب» ، ومثله في ذلك: «شُلُل» وتقدَّم تحقيق ذلك.
قوله: ﴿إِلاَّ عَابِرِي﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الحال، فهو استثناء مفرغ، والعامل فيها فعل النهي، والتقدير: لا تقربوا الصلاةَ في حال الجنابة، إلا في حال السفر أو عبور المسجد، على حَسَب القولين. وقال الزمخشري: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ استثناءٌ من عامة أحوالِ المخاطبين، وانتصابُه على الحالِ. فإنْ قلت: كيف جَمَع بين هذه الحالِ والحالِ التي قبلها؟ قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاةَ في حالِ الجنابة إلا ومعكم حالٌ أخرى تُعْذَرُون فيها وهي حال السفر، وعبُور السبيلِ عبارةٌ عنه «. والثاني: أنه منصوب على أنه صفةٌ لقوله:» جُنُباً «وصفَة ب» إلا «بمعنى» غير «فظهر الإِعرابُ فيما بعدها، وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ عند قولِه تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ
стр. 2324
آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] كأنه قيل: لا تَقْرَبوها جُنُباً غيرَ عابري سبيل أي: جُنُباً مُقِيمين غيرَ مَعْذُورين، وهذا معنى واضح على تفسيرِ العبورِ بالسفر. وأمَّا مَنْ قَدَّر مواضع الصلاة فالمعنى عنده: لاتقْربوا المساجدَ جُنُباً إلا مجتازين لكونهِ لا ممرَّ سواه، أو غيرِ ذلك بحَسَبِ الخلاف.
والعُبور: الجوازُ، ومنه:» ناقةٌ عُبْرُ الهَواجِر «قال:
١٥٨٩ - عَيْرانَةٌ سُبُحُ اليدينِ شِمِلَّةٌ ... عُبْرُ الهواجرِ كالهِزَفِّ الخاضِبِ
وقوله: ﴿حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ كقوله: ﴿حتى تَعْلَمُواْ﴾ فهي متعلقةٌ بفعلِ النهي. قوله: ﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ في محلِّ نصبٍ عطفاً على خبر» كان «وهو» مَرْضَى «وكذلك قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ﴾ ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ﴾ وفيه دليلٌ على مجيء خبرِ» كان «فعلاً ماضياً من غيرِ» قد «، وادِّعاء حذفِها تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه، كذا استدلَّ به الشيخ، ولا دليلَ فيه لاحتمال أن يكونَ» أو جاء «عطفاً على» كنتم «تقديرُه:» وإنْ جاء أحد «، وإليه ذهب أبو البقاء وهو أظهرُ من الأول، والله أعلم.
و «منكم» في محلِّ رفعٍ لأنه صفةٌ ل «أحد» ، فيتعلق بمحذوف و «من الغائط» متعلِّقٌ ب «جاء» ، فهو مفعولُه. وقرأ الجمهور: «الغائِط» بزنة فاعِل، وهو المكانُ المطمئِنُّ من الأرض، ثم عَبَّر به عن نفسِ الحدثِ كنايةً للاستحياء مِنْ ذكره، وفَرَّقت العرب بين الفعلين منه، فقالت: «غاطَ في
стр. 2325
الأرض» أي: ذهب وأبعد إلى مكانٍ لا يراه فيه إلا مَنْ وَقَفَ عليه، وتغوَّط: إذا أَحْدَثَ. وقرأ ابن مسعود: «من الغَيْطِ» وفيه قولان، أحدُهما: وإليه ذهب ابن جني أنه مخفف من فَيْعِل كهَيْن ومَيْت في: هيّن وميّت. والثاني أنه مصدرٌ على وزن فَعْلَ قالوا: غاط يغيط غَيْطاً، وغاط يَغُوط غَوطاً. وقال أبو البقاء: «هو مصدرُ» يَغُوط «فكان القياس» غَوْطاً «فَقَلبَ الواوَ ياءً وإنْ سَكَنَتْ وانفتَحَ ما قبلَها لِخفَّتها» كأنه لم يَطَّلع على أنَّ فيه لغةً أخرى من ذواتِ الياء حتى ادَّعى ذلك. وقرأ الأخوان هنا وفي المائدة: «لَمَسْتم» والباقون: «لامستم» فقيل: «فاعِل» بمعنى فَعَل، وقيل: لمَس: جامَع، ولامسَ لما دون الجماع.
قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ﴾ الفاءُ عَطَفَتْ ما بعدهَا على الشرط. وقال أبو البقاء: «على جاء» ، لأنه جَعَل «جاء» عطفاً على «كنتم» فهو شرط عنده. والفاءُ في قوله «فتيمَّموا» هي جوابُ الشرط، والضمير في «تَيَمَّموا» لكلِّ مَنْ تقدَّم من مريضٍ ومسافرٍ ومتغوِّط وملامس أو لامس، وفيه تغليبٌ للخطابِ على الغَيْبَةِ، وذلك أنه تقدَّم غيبة في قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ﴾ وخطابُ في «كنتم» و «لمستم» فَغَلَّب الخطابَ في قوله «كنتم» وما بعده عليه. وما أحسنَ ما أتى هنا بالغيبة لأنه كنايةٌ عما يُسْتحيا منه فلم يخاطِبْهم به، وهذا من محاسِنِ الكلام، ونحُوه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] . و «وَجَد» هنا بمعنى «لَقِي» فتعدَّت لوَاحد.
стр. 2326
و «صعيداً» مفعولٌ به لقوله: «تَيمَّموا» أي: اقصِدوا، وقيل: هو على إسقاطِ حرف أي: بصعيدٍ، وليس بشيء لعدمِ اقتياسِه. و «بوجوهكم» متعلِّقٌ ب «امْسَحوا» وهذه الباءُ تحتمل أَنْ تكون زائدة، وبه قال أبو البقاء، ويحتمل أن تكون متعدية، لأن سيبويه حكى: «مَسَحْتُ رأسَه وبرأسِه» فيكون من باب: نصحته ونصحت له. وحُذِفَ الممسوحُ به، وقد ظهَر في آية المائدة في قوله «منه» فَحُمِلَ عليه هذا.
стр. 2327
قوله تعالى: ﴿مِّنَ الكتاب﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلق بمحذوفٍ إذ هو صفةٌ ل «نصيباً» فهو في محل نصب، والثاني: أنه متعلق ب «أوتوا» أي: أوتوا من الكتابِ نصيباً. و «يَشْتَرُون» حالٌ وفي صاحبِها وجهان، أحدُهما: أنه واو «أوتوا» ، والثاني: أنه الموصولُ، وهي على هذا حالٌ مقدرة، والمشترى به محذوف أي: بالهُدى، كما صَرَّح به في مواضعَ. و «يريدون» عطفٌ على «يشترون» . وقرأ النخعي: «ويُريدون أَنْ تَضُلُّوا» بتاءِ الخطاب، والمعنى: وتريدون أيها المؤمنون أن تَدَّعوا الصوابَ/. وقرأ الحسن: «أن تُضِلُّوا» من «أضلَّ» . وقرىء: «أَنْ تُضَلُّوا السبيل» بضم التاء وفتح الضاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. و «السبيل» مفعول به كقولك: «أخطأ الطريق» ، وليس بظرفٍ، وقيل: يتعدَّى ب «عَنْ» تقول: «ضَلَلْتُ السبيل، وعن السبيل» .
стр. 2328
قوله تعالى: ﴿وكفى بالله﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على هذا التركيبِ أولَ السورةِ فَأَغْنى عن إعادتِه، وكذلك تقدَّم الكلامُ في المنصوبِ بعده.
стр. 2329
قوله تعالى: ﴿مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ﴾ : فيه سبعةُ أوجهٍ أحدها: أَنْ يكونَ «مِن الذين» خبراً مقدماً، و «يُحَرِّفون» جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةً لموصوف محذوف هو مبتدأ، تقديره: «من الذين هادوا قومٌ يُحَرِّفون» وحَذَفُ الموصوفِ بعد «مِنْ» التبعيضية جائزٌ، وإنْ كانت الصفةُ فعلاً كقولهم: «منا ظَعَن ومنا أَقام» أي: فريق ظعن، وهذا هو مذهبُ سيبويه والفارسي، ومثلُه:
١٥٩٠ - وما الدهرُ إلا تارتانِ فمِنْهما ... أموتُ وأُخْرى أبتغي العيشَ أكدحُ
أي: فمنهما تارةً أموت فيها.
الثاني: قول الفراء وهو أنَّ الجارَّ والمجرور خبرٌ مقدم أيضاً، ولكنَّ المبتدأَ المحذوفَ يقدِّرُه موصولاً تقديره: «من الذين هادوا مَنْ يحرفون» ، ويكون قد حَمَل على المعنى في «يُحَرِّفون» ، قال الفراء: «ومثله:
١٥٩١ - فَظَلُّوا ومنهم دَمْعُه سابقٌ له ... وآخرُ يَثْني دمعةً العينِ باليدِ
قال:» تقديرُه: «ومنهم مَنْ دمعُه سابقٌ له» . والبصريون لا يجيزون
стр. 2330
حَذْفَ الموصولِ لأنه جزءُ كلمة، وهذا عندهم مؤولٌ على حذف موصوف كما تقدم، وتأويلُهم أَوْلَى لعطفِ النكرة عليه وهو «آخر» ، و «أخرى» في البيتِ قبلَه، فيكونُ في ذلك دلالةٌ على المحذوفِ، والتقديرُ: فمنهم عاشقٌ سابقٌ دمعُه له وآخرُ.
الثالث: أنَّ «مِن الذين» خبرُ مبتدأ محذوف أي: هم الذين هادوا، و «يُحَرِّفون» على هذا حالٌ من ضمير «هادوا» . وعلى هذه الأوجهِ الثلاثةِ يكونُ الكلامُ قد تَمَّ عند قوله «نصيراً» .
الرابع: أن يكونَ «من الذين» حالاً من فاعل «يريدون» قاله أبو البقاء، ومَنَع أن يكونَ حالاً من الضمير في «أوتوا» ومن «الذين» أعني في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ﴾ قال: «لأنَّ الحال لا تكونُ لشيءٍ واحد إلا بعطفِ بعضِها على بعض» . قلت: وهذه مسألةٌ خلافٍ، من النحويين مَنْ مَنَع، ومنهم مَنْ جَوَّز وهو الصحيح.
الخامس: أنَّ «مِن الذين» بيانٌ للموصولِ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ﴾ لأنهم يهودٌ ونصارى فبيَّنهم باليهودِ، قال الزمخشري، وفيه نظرٌ من حيث إنه قد فُصِل بينهما بثلاثِ جمل وهي: «والله أعلم» إلى آخره، وإذا كان الفارسي قد مَنَعَ الاعتراضَ بجملتين فما بالُك بثلاث!! قاله الشيخ، وفيه نظرٌ فإنَّ الجمَلَ هنا متعاطفةٌ، والعطفُ يُصَيِّر الشيئين شيئاً واحداً.
стр. 2331
السادس: أنه بيانٌ لأعدائِكم، وما بينهما اعتراض أيضاً وقد عُرِف ما فيه.
السابع: أنه متعلِّقٌ ب «نصيراً» ، وهذه المادةُ تتعدَّى ب «من» . قال تعالى:
﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم﴾ [الأنبياء: ٧٧] ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ [غافر: ٢٩] على أحدِ تأويلين: إمَّا على تضمينِ النصرِ معنى المنع أي: منعناه من القوم، وكذلك: وكفى بالله مانعاً بنصرِه من الذين هادوا، وإمَّا على جَعْلِ «مِنْ» بِمعنى «على» والأولُ مذهبُ البصريين. فإذا جعلنا «من الذين» بياناً لِما قبله فبِمَ يتعلَّق؟؟ والظاهرُ أنه يتعلق بمحذوف، ويَدُلُّ على ذلك أنهم قالوا في «سُقيْاً لك» : إنَّ «لك» متعلق بمحذوف لأنه بيانٌ.
وقال أبو البقاء: «وقيل: هو حالٌ من» أعدائكم «أي: واللهُ أعلمُ بأعدائِكم كائنين من الذين هادوا، والفصلُ بينهما مُسَدِّد فلم يمنعْ من الحال» . فقوله هذا يُعْطي أنه بيانٌ لأعدائكم مع إعرابِه له حالاً فيتعلَّق بمحذوف، لكن لا على ذلك الحذفِ المقصودِ في البيان.
وقد ظهر مِمَّا تقدَّم أنَّ «يُحَرِّفون» : إمَّا لا محلَّ له، أو له محلُّ رفعٍ أو نصبٍ على حَسْبِ ما تقدم. وقرأ أبو رجاء والنخعي: «الكلام» وقرىء «الكِلْم» بكسر الكاف وسكون اللام جمع «كِلْمة» مخففة من كَلِمة، ومعانيهما متقاربةٌ.
و ﴿عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ متعلِّقٌ ب «يُحَرِّفون» ، وذكَّر الضمير في «مواضعه» حَمْلاً على «الكَلِم» لأنها جنسٌ.
стр. 2332
وجاء هنا: ﴿عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ ، وفي المائدة: ﴿مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [الآية: ٤١] قال الزمخشري: «أمَّا» عن مواضِعه «فَعَلى ما فَسَّرناه من إزالته عن مواضِعه التي أَوْجَبَتْ حكمةُ اللهِ وَضْعَه فيها بما اقتضَتْ شهواتُهم من إبدالِ غيره مكانَه، وأما ﴿مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ فالمعنى أنه كانت له مواضع هو قَمِنٌ بأن يكونَ فيها، فحين حَرَّفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارِّه، والمعنيان متقاربان» . قال الشيخ: «وقد يقال إنهما سِيَّان، لكنه حُذِف هنا وفي أول المائدة ﴿مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [الآية: ٤١] ؛ لأنَّ قولَه» عَنْ مَّواضِعِه «يدلُّ على استقرارِ مواضعَ له، وحُذِف في ثاني المائدة» عن مواضِعِه «لأنَّ التحريفَ من بعد مواضعه يدل على أنه تحريفٌ عن مواضعِه، فالأصلُ: يُحَرِّفون الكلمَ من بعد مواضعِه عنها، فَحَذَف هنا البعدية وهناك» عنها «توسُّعاً في العبارةِ، وكانت البداءةُ هنا بقوله» عن مواضعِه «لأنه أخصرُ، وفي تنصيصٌ باللفظِ على» عن «وعلى المواضعِ وإشارةٌ إلى البعدِيَّة» .
وقال أيضاً: «والظاهرُ أنهم حيث وُصِفوا بشدةِ التمرُّدِ والطغيانِ وإظهارِ العداوةِ واشتراءِ الضلالةِ ونَقْضِ الميثاق جاء ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ كأنهم حَرَّفوها من أولِ وهلةٍ قبل استقرارها في مواضعها وبادَرُوا إلى ذلك، ولذلك جاء أَوَّلُ المائدة كهذهِ الآيةِ حيث وصفهم بنقضِ الميثاق وقسوةِ القلوب، وحيث وُصِفوا باللين وترديدِ الحكم إلى الرسول جاء ﴿مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ كأنهم لم يبادِروا إلى التحريفِ، بل عرض لهم بعد استقرارِ الكلمِ في مواضعِها فهما سياقان مختلفان» .
стр. 2333
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عطفٌ على «يُحَرِّفون» ، وقد تقدَّم، وما بعده في محلِّ نصبٍ به. قوله: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ في نصبه وجهان أحدهما: أنه حالٌ، والثاني: أنه مفعولٌ به، والمعنى: اسمَعْ غيرَ مُسْمَع كلاماً ترضاه، فسمعُك عنه نابٍ. قال الزمخشري بعد حكايتِه نصبَه على الحالِ وذكرِه المعنى المتقدم: «ويجوز على هذا أن يكون» غيرَ مُسْمَع «مفعول» اسمَعْ «أي: اسْمَعْ كلاماً غيرَ مسمعٍ إياك لأنَّ أذنك لا تَعِيه نُبُوّاً عنه» . وهذا الكلامُ ذو وجهين: يعني أنَّه يحتمل المدح والذم فبإرادة المدحِ تقدِّرُ: «غيرَ مُسْمِعٍ مكروهاً» ، فيكونُ قد حذف المفعولَ الثاني، لأنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ، وبإرادة الذمِّ تقدِّر: «غير مُسْمع خيراً» ، وحُذِفَ المفعولُ الثاني أيضاً.
وقال أبو البقاء: «وقيل: أرادوا غيرَ مسموعٍ منك» ، وهذا القولُ نَقَله ابن عطية عن الطبري، وقال: «إنه حكايةٌ عن الحسن ومجاهد» . قال ابن عطية: «ولا يساعِدُه التصريف» يعني أن العرب لا تقول: «أَسْمَعْتُك» بمعنى قَبْلْتُ منك، وإنما تقول: «أسْمَعْتُه» بمعنى سَبَبْتُه، و «سمعت منه» بمعنى: قَبِلْتُ منه، يُعَبِّرون بالسماع لا بالإِسماع عن القَبولِ مجازاً، وتقدَّم القولُ في ﴿رَاعِنَا﴾ [الآية: ١٠٤] في البقرة.
قوله: ﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً﴾ فيهما وجهان أحدهما: أنهما مفعولٌ من أجله ناصبُهما: «ويقولون» . والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال أي: لاوينَ وطاعنِين. وأصل لَيّاً: «لَوْيٌ» من لوى يَلْوي، فأُدْغِمَتِ الواوُ في الياء
стр. 2334
بعد قَلْبِها ياءً فهو مثل «طَيّ» مصدر طَوَى يَطْوي. و «بألسنتِهم» و «في الدين» متعلقان بالمصدرين قبلهما. و ﴿لَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ﴾ تقدَّم الكلامُ على ذلك في البقرة بأشبعِ قول.
قوله: ﴿لَكَانَ خَيْراً﴾ فيه قولان، أظهرُهما: أنه بمعنى أفعل، ويكونُ المفضَّلُ عيه محذوفاً، أي: لو قالوا هذا الكلامَ لكان خيراً من ذلك الكلامِ. والثاني: أنه لا تفضيلَ فيه، بل يكون بمعنى جيد وفاضل، فلا حَذْفَ حينئذ، والباءُ في «بكفرِهم» للسببية.
قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فيه ثلاثةُ أوجه: أحدُها: أنَّه منصوبٌ على الاستثناءِ من «لَعَنَهم» أي: لَعَنَهم الله إلا قليلاً منهم، فإنهم آمنوا فلم يَلْعَنْهم. والثاني: أنه مستثنى من الضميرِ في «فلا يؤمنون» والمرادُ بالقليلِ عبد الله بن سلام وأضرابه. ولم يستحسن مكي هذين الوجهين: أمَّا الأول قال: لأنَّ مَنْ كَفَر ملعون لا يستثنى منهم أحدٌ. وأمَّا الثاني: فلأنَّ الوجهَ الرفعُ على البدلِ؛ لأنَّ الكلامَ غير موجبٍ «. والثالث: أنه صفةٌ/ لمصدرٍ محذوفٍ أي: إلا إيماناً قليلاً، وتعليلُه هو أنهم آمنوا بالتوحيدِ وكفروا بمحمدٍ ﷺ وشريعته.
وعَبَّر الزمخشري وابن عطية عن هذا التقليل بالعدمِ، يعني أنهم لا يؤمنون البتة، كقوله:
стр. 2335
١٥٩٢ - قليلٌ التشكِّي للمُهِمِّ يُصيبه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخ: «وما ذكراه من أن التقليلَ يُراد به العَدَمُ صحيح، غير أنَّ هذا التركيبَ الاستثنائي يأباه، فإذا قلت:» لم أقم إلا قليلاً «فالمعنى: انتفاء القيام إلا القليلَ فيوجد منك، لا أنه دال على انتفاء القيامِ البتةَ بخلافَ» قَلَّما يقولُ ذلك أحدٌ إلا زيدٌ «و» قَلَّ رجلٌ يفعل ذلك «فإنه يَحْتمل القليل المقابل للتكثير، ويحتمل النفيَ المحض، أمَّا أنك تنفي ثم توجب، ثم تريد بالإِيجاب بعد النفي نفياً فلا، لأنه يلزم أَنْ تجيءَ» إلاَّ «وما بعدها لغواً من غيرِ فائدة، لأنَّ انتفاءَ القيام قد فُهِم من قولك:» لم أقم «فأيُّ فائدةٍ في استثناء مثبت يراد به انتفاءٌ مفهومٌ من الجملة السابقة؟ وأيضاً فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعدَ» إلا «موافقاً لِما قبلها في المعنى، والاستثناءُ يلزم أن يكون ما بعد» إلاَّ «مخالفاً لِما قبلها فيه» .
стр. 2336
قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ﴾ : متعلقٌ بالأمر في قوله: «آمنوا» ، و «نَطْمِس» يكون متعدياً، ومنه هذه الآية، ومثلُها: ﴿فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] لبنائِه للمفعولِ من غيرِ حرفِ جرٍّ، ويكون لازماً يقال: «طمس المطرُ الأعلامَ» و «طَمَست الأعلامُ» ، قال كعب:
١٥٩٣ - من كلِّ نَضَّاخةِ الذِّفْرى إذا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُها طامِسُ الأعلامِ مجهولُ
وقرأ الجمهور: «نَطْمِس» بكسر الميم، وأبو رجاء بضمها، وهما لغتان
стр. 2337
في المضارع. وقَدَّر بعضُهم مضافاً أي: عيونَ وجوهٍ، ويُقَوِّيه أنَّ الطمسَ للأعينِ، قال تعالى: ﴿لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] .
وقوله: ﴿على أَدْبَارِهَآ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلق ب «نَرُدَّها» . والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف؛ لأنه حال من المفعول في «نردَّها» قاله أبو البقاء، وليس بواضح.
قوله: «أو نلعَنهم» عطفٌ على «نَطْمِسَ» ، والضميرُ في «نلعنهم» يعودُ على الوجوه، «على حَذْفِ مضافٍ إليه» ، أي: وجوه قوم، أو على أن يُرادَ بهم الوُجَهاءُ والرؤساءُ، أو يعودُ على الذين أوتوا الكتاب، ويكون ذلك التفاتاً من خطابٍ إلى غيبة، وفيه استدعاؤُهم للإِيمان، حيث لم يواجِهْهم باللعنةِ بعد أَنْ شَرَّفهم بكونهم من أهل الكتاب. وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله﴾ : أمرٌ واحدٌ أُريد به الأمورُ. وقيل: هو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به أي: مأمورُه أي: ما أَوْجَدَه كائنٌ لا محالةَ.
стр. 2338
وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ : مستأنفٌ، وليس عطفاً على «يَغْفر» الأولِ لفسادِ المعنى. والفاعل في «يشاء» ضميرٌ عائد على الله تعالى، ويُفْهَمُ مِنْ كلامِ الزمخشري أنه ضميرٌ عائدٌ على «مَنْ» في «لِمَنْ» ؛ المعنى عنده: إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ الشرك لمن لا يشاء أن يغفر له، بكونهِ مات على الشرك غيرَ تائبٍ منه، ويغفرُ ما دونَ ذلك لمَنْ يشاءُ أَنْ يغفرَ له بكونهِ مات تائباً من الشرك «، و» لِمَنْ يشاء «متعلقٌ ب» يغفر «.
стр. 2339
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : تقدَّم مثلُه، و «بل» إضرابٌ عن
стр. 2340
تزكيتهم أنفسَهم. وقَدَّر: أبو البقاء قبل هذا الإِضراب جملةً قال: «تقديره: أخطؤوا بل الله يزكي من يشاء.
وقوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ﴾ يجوز أن يكونَ حالاً مِمَّا تقدَّم، وأَنْ يكونَ مستأنفاً، والضميرُ في» يُظْلمون «يجوز أن يعودَ على مَنْ يشاء» أي: لا يُنْقِصُ من تزكيتهم شيئاً، وإنما جَمَع الضميرَ حَمْلاً على معنى «مَنْ» ، وأن يعودَ على الذين يُزَكُّون، وأن يعود على القبيلين: مَنْ زكَّى نفسَه ومَنْ زكَّاه الله، فذاك لا يُنْقِصُ من عقابِه شيئاً، وهذا لا يُنْقِصُ من ثوابِه شيئاً. والأولُ أظهرُ؛ لأن «مَنْ» أقربُ مذكورٍ، ولأنَّ «بل» إضرابٌ منقطعٌ ما بعدها عَمَّا قبلها. وقال أبو البقاء: «ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً أي: مَنْ زَكَّى نفسَه، ومَنْ زَكَّاه الله» انتهى، فَجَعَلَ عود الضميرِ على الفريقين بناءً على وجهِ الاستئنافِ، وهذا غيرُ لازمٍ، بل يجوزُ عَوْدُه عليهما والجملةُ حاليةٌ.
و ﴿فَتِيلاً﴾ مفعولُ ثانٍ، لأنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ، ويجوز أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، كما تقدَّم تقريرُه في ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] . والفتيل: خيط رقيق في شِقِّ النَّواة، يُضْرب به المَثَلُ في القلة، وقيل: هو ما خرج من بين إصبعيك أو كفَّيْك من الوسخ حين تفتلهما، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقد ضَرَبَتِ العربُ المثلَ في القلة التافهة بأربعة أشياء اجتمعن في النواة، وهي: الفتيل والنقير وهو النُّقْرة التي في ظَهر النَّواة والقِطْمير وهو القشر الرقيق فوقها وهذه الثلاثةُ واردةٌ في الكتابِ العزيز، والثُّفْروق وهو ما بين النواة والقِمْع الذي يكون في رأس التمرة كالعِلاقة بينهما.
стр. 2341
قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ﴾ : كيف منصوبٌ ب «يَفْتَرون» وتقدَّم الخلافُ فيه، والجملةُ في محلِّ نصب بعد إسقاط الخافضِ، لأنها معلقةٌ ل «انظر» و «انظر» يتعدَّى ب «في» لأنَّها هنا ليست بصريةً. و «على الله» متعلقٌ ب «يفترون» وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الكذب» قُدِّم عليه قال: «ولا يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالكذبِ؛ لأنَّ معمولَ المصدرِ لا يقتدَّم عليه، فإنْ جُعِل على التبيين جاز» وجَوَّز ابنُ عطية أن تكونَ «كيف» مبتدأً، والجملةُ من قولِه «يفترون» الخبرُ، وهذا فاسدٌ لأنَّ «كيف» لا تُرْفَعُ بالابتداء، وعلى تقديرِ ذلك فأين الربطُ بينها وبين الجملةِ الواقعة خبراً عنها؟ ولم تكن نفسَ المبتدأ حتى تَسْتغني عن رابط. و «إثْماً» تمييزٌ، والضميرُ في «به» عائدٌ على الكذب، وقيل: على الافتراءِ، وجَعَله الزمخشري عائداً على زعمِهم، يعني مِنْ حيث التقديرُ.
стр. 2342
قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: انه حالٌ: إمَّا من «الذين» ، وإمَّا من واو «أُوتوا» . و «بالجِبْتِ» متعلق به، «ويقولون» عطفٌ عليه، و «للذين» متعلِّقٌ ب «يقولون» واللام: إمَّا للتبليغ وإمَّا للعلِة كنظائرِها. «وهؤلاء أَهْدَى» مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ بالقول. و «سبيلاً» تمييزٌ. والثاني: أنَّ «يؤمنون» مستأنف، وكأنه تعجَّبَ مِنْ حالِهم، إذ كان ينبغي لِمَنْ أُوتي نصيباً من الكتاب ألاَّ يفعلَ شيئاً مِمَّا ذُكِر فيكونُ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ألا تعجَبُ من حالِ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب؟ فقيل: وما حالُهم؟ فقال: يؤمنون ويقولون، وهذان منافيان لحالِهم.
والجِبْتُ: هو الجِبْسُ بالسينِ المهملةِ، أُبْدِلَتْ تاءً، كالنات والأكيات وست
стр. 2343
في: الناس والأكياس وسِدْس، قال:
١٥٩٤ -. . . . . . . . . . . ... شرارُ الناتِ ليسوا بأجوادٍ ولا أَكْياتِ
والجِبْس: هو الذي لاخيرَ عنده، يُقال: رجلٌ جِبْسٌ وجِبْتٌ أي: رَذْل، قيل: وإنَّما ادَّعَى قلبَ السينِ تاءً لأنَّ مادة جَ بَ تَ مهملةٌ، وهذا قولُ قطرب، وغيره يجعلُها مادةً مستقلة، وقيل: الجِبْت: الساحر بلغةِ الحبشة، ويُطلق الجبتُ على كل ما عُبِد مِنْ دونِ الله، ولدلك سَمَّوا به صنماً بعينِه. والطاغوتُ تقدَّم تفسيرُه وتصريفُه.
стр. 2344
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ : «أم» هذه منقطعةٌ لفواتِ شرطِ الاتصال، وقد تقدَّم ذلك أولَ البقرة، فتتقدَّر ب «بل» والهمزِة التي يُراد بها الإنكارُ، وكذلك هي في قولِه ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس﴾ [النساء: ٥٤] وقوله: «فإذَنْ» حرفُ جوابٍ وجزاءٍ ونونُها أصليةٌ، قال مكي: «وحُذَّاق النحويين على كَتْب نونِها نوناً، وأجاز الفراء أن تُكْتَبَ ألفا» وما قاله الفراء هو قياسُ الخطِ؛ لأنه مبني على الوقف، والوقفُ على نونِها بالألف، وهي حرفٌ ينصِبُ المضارعَ بشروطٍ تقدَّمت، ولكن إذا وَقَعَتْ بعد عاطف فالأحسنُ الإهمال، وقد قرأ ابن مسعود وابن عباس ﵄ هنا بأَعمالها فحذفا النون من قوله «لا يؤتون» وقال أبو البقاء: «ولم يَعْمل هنا من أجل حرف العطف وهو الفاء، ويجوز في غير القرآن أن يعمل مع الفاءِ وليس المبطلُ» لا «لأنَّ»
стр. 2345
لا «يتخطَّاها العامل، فظاهرُ هذ العبارةِ أولاً أن المانعَ حرفُ العطف، وليس كذلك بل المانعُ التلاوةُ، ولذلك قال أخيراً» ويجوز في غيرِ القرآن «وقد تقدَّم قراءةُ عبد الله وعبد الله.
стр. 2346
والضمير في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ : عائدٌ على إبراهيم أو على القرآنِ أو على الرسول محمدٍ ﷺ ، أو على ما أوتيه إبراهيم ﵇. وقرأ الجمهور: «صَدَّ» بفتح الصاد، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة «صُدَّ» بضمها. وقرأ أبو رجاء وأبو الجوزاء بكسرها، وكلتا القراءتين على البناء / للمفعول، إلاَّ أَنَّ المضاعف الثلاثي كالمعتلِّ العينِ منه، فيجوزُ في أولِه ثلاثُ لغات: إخلاصُ الضم، وإخلاصُ الكسر، والإِشمامُ. و «سعيراً» تمييز، فإنْ كان بمعنى التهاب واحتراق فلا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: كفى بسعيرِ جهنم سعيراً، إلاَّ أَنَّ توقُّدَها والتهابَها ليس إياها، وإنْ كان بمعنى «مُسْعِر» فلا يَحْتاج إلى حذف.
стр. 2347
وقرأ الجمهور: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ : بضم النون من أصلَى، وحميد بفتحها من صَلَيْتُ ثلاثياً، وسلام ويعقوب: نُصْلِيهُم «بضم الهاء وهي لغة الحجاز وتقدم تقرير ذلك. قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ قد تقدم الكلامُ على» كلما «وأنها ظرفُ زمانٍ، والعاملُ فيها» بَدَّلْناهم «والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من الضميرِ المنصوبِ في» نُصْليهم «ويجوز أن يكونَ صفة ل» ناراً «والعائدُ محذوف وليس بالقوي،» وليذوقوا «متعلق ب» بَدَّلناهم «.
стр. 2348
قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ : فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره «سَنُدْخِلُهم» والثاني: أنه في محل نصب عطفاً على اسم «إن» وهو «الذين كفروا» ، والخبر أيضاً «سندخلهم جناتٍ» ويصيرُ هذا نظيرَ
стр. 2349
قولك: «إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً قاعدٌ» فعطفت المنصوب على المنصوب والمرفوع على المرفوع.: والثالث: أن يكون في محلِّ رفعٍ عطفاً على موضع اسم «إنَّ» لأنَّ محلَّه الرفع، ذكر ذلك أبو البقاء وفيه نظرٌ من حيث الشناعةُ اللفظية حيث يقال: «والذين آمنوا» في موضع نصب عطفاً على «الذين كفروا» ، وأتى بجملة الوعيد مؤكدةً ب «إنَّ» تنبيهاً على شدة ذلك، وبجملةِ الوعدِ خاليةً منه لتحقُّقها وأنه لا إنكار لذلك، وأَتَى فيها بحرفِ التنفيس القريبِ المدةِ تنبيهاً على قرب الوعد.
و ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ في محلِّ نصبٍ صفةً ل «جنات» وقرأ بالنخعي «سَيُدْخِلُهم» وكذلك «ويُدْخِلُهم ظِلاًّ» بياء الغَيْبة، رَدَّاً على قوله: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً﴾ والجمهورُ بالنون رَدًّاً على قوله ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ و «خالدين» يجوزُ فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أنه حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في «سَنُدْخِلُهم» ، والثاني: أجازه أبو البقاء أن يكونَ حالاً من «جنات» قال: «لأنَّ فيها ضميراً لكل واحدٍ منهما، يعني أنه يجوزُ أن يكونَ حالاً من مفعول» سندخلهم «كما تقدم، أو من» جنات «لأن في الحال ضميرين أحدُهما: المستتر في» خالدين «العائدُ على الذين آمنوا، والآخر: المجرور ب» في «العائد على» جنات «فصحَّ أن يُجعل حالاً من كل واحد لوجود الرابط وهو الضمير. وهذا الذي قالَه فيه نظرٌ لا يَخْفى من وجهين، أحدهما: أنه يصيرُ المعنى: أنَّ الجناتِ خالداتٌ في أنفسِها، لأنَّ الضميرَ في» فيها «عائدٌ عليها، فكأنه قيل: جناتٌ خالداتٌ في الجناتِ أنفسِها. والثاني: ان هذا الجمعَ شرطُه العقلُ، ولو أُريد ذلك لقيل: خالدات. والثالث. أن يكون صفةً
стр. 2350
ل» جنات «أيضاً. قال أبو البقاء» على رأي الكوفيين «، يعين أنه جَرَتِ الصفةُ على غير مَنْ هي له في المعنى، ولم يَبْرُز الضمير، وهذا مذهبُ الكوفيين، وهو أنه إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وأُمِنَ اللَّبْسَُ لم يَجِبْ بروزُ الضميرِ كهذه الآية. ومذهبُ البصريين وحوبُ بروزِه مطلقاً، فكان ينبغي أَنْ يُقالَ على مذهبهم» خالدين هم فيها «ولَمَّا لم يَقُلْ كذلك دَلَّ على فسادِ هذا القولِ، وقد تقدَّم لك تحقيقُ ذلك.
فإنْ قلت: فلْتكُنْ المسألةُ الأولى كذلك، أعني أنك إذا جعلت «خالدين» حالاً من «جنات» فيكونُ حالاً منها لفظاً وهي لغيرِها، معنى، ولم يَبْرُز الضميرُ عل رأي الكوفيين، ويَصِحُّ قولُ أبي البقاء فالجواب أن هذا لو قيل به لكان جيداً، ولكن لا يَدْفَعُ الردَّ عن أبي البقاء، فإنه خصص مذهبَ الكوفيين بوجه الصفة دون الحال. وقوله ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ﴾ مبتدأ وخبر، ومحلُّ هذه الجملة: إمَّا النصبُ أو الرفع، فالنصبُ: إمَّا على الحال من «جنات» أو من الضمير في «سندخلهم» ، وإمَّا على كونها صفةً ل «جنات» بعد صفة. والرفعُ على أنه خبر بعد خبر.
следующие страницы →