← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

والضمير في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ : عائدٌ على إبراهيم أو على القرآنِ أو على الرسول محمدٍ ﷺ ، أو على ما أوتيه إبراهيم ﵇. وقرأ الجمهور: «صَدَّ» بفتح الصاد، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة «صُدَّ» بضمها. وقرأ أبو رجاء وأبو الجوزاء بكسرها، وكلتا القراءتين على البناء / للمفعول، إلاَّ أَنَّ المضاعف الثلاثي كالمعتلِّ العينِ منه، فيجوزُ في أولِه ثلاثُ لغات: إخلاصُ الضم، وإخلاصُ الكسر، والإِشمامُ. و «سعيراً» تمييز، فإنْ كان بمعنى التهاب واحتراق فلا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: كفى بسعيرِ جهنم سعيراً، إلاَّ أَنَّ توقُّدَها والتهابَها ليس إياها، وإنْ كان بمعنى «مُسْعِر» فلا يَحْتاج إلى حذف.

стр. 2347

وقرأ الجمهور: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ : بضم النون من أصلَى، وحميد بفتحها من صَلَيْتُ ثلاثياً، وسلام ويعقوب: نُصْلِيهُم «بضم الهاء وهي لغة الحجاز وتقدم تقرير ذلك. قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ قد تقدم الكلامُ على» كلما «وأنها ظرفُ زمانٍ، والعاملُ فيها» بَدَّلْناهم «والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من الضميرِ المنصوبِ في» نُصْليهم «ويجوز أن يكونَ صفة ل» ناراً «والعائدُ محذوف وليس بالقوي،» وليذوقوا «متعلق ب» بَدَّلناهم «.

стр. 2348

قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ : فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره «سَنُدْخِلُهم» والثاني: أنه في محل نصب عطفاً على اسم «إن» وهو «الذين كفروا» ، والخبر أيضاً «سندخلهم جناتٍ» ويصيرُ هذا نظيرَ

стр. 2349

قولك: «إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً قاعدٌ» فعطفت المنصوب على المنصوب والمرفوع على المرفوع.: والثالث: أن يكون في محلِّ رفعٍ عطفاً على موضع اسم «إنَّ» لأنَّ محلَّه الرفع، ذكر ذلك أبو البقاء وفيه نظرٌ من حيث الشناعةُ اللفظية حيث يقال: «والذين آمنوا» في موضع نصب عطفاً على «الذين كفروا» ، وأتى بجملة الوعيد مؤكدةً ب «إنَّ» تنبيهاً على شدة ذلك، وبجملةِ الوعدِ خاليةً منه لتحقُّقها وأنه لا إنكار لذلك، وأَتَى فيها بحرفِ التنفيس القريبِ المدةِ تنبيهاً على قرب الوعد. و ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ في محلِّ نصبٍ صفةً ل «جنات» وقرأ بالنخعي «سَيُدْخِلُهم» وكذلك «ويُدْخِلُهم ظِلاًّ» بياء الغَيْبة، رَدَّاً على قوله: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً﴾ والجمهورُ بالنون رَدًّاً على قوله ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ و «خالدين» يجوزُ فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أنه حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في «سَنُدْخِلُهم» ، والثاني: أجازه أبو البقاء أن يكونَ حالاً من «جنات» قال: «لأنَّ فيها ضميراً لكل واحدٍ منهما، يعني أنه يجوزُ أن يكونَ حالاً من مفعول» سندخلهم «كما تقدم، أو من» جنات «لأن في الحال ضميرين أحدُهما: المستتر في» خالدين «العائدُ على الذين آمنوا، والآخر: المجرور ب» في «العائد على» جنات «فصحَّ أن يُجعل حالاً من كل واحد لوجود الرابط وهو الضمير. وهذا الذي قالَه فيه نظرٌ لا يَخْفى من وجهين، أحدهما: أنه يصيرُ المعنى: أنَّ الجناتِ خالداتٌ في أنفسِها، لأنَّ الضميرَ في» فيها «عائدٌ عليها، فكأنه قيل: جناتٌ خالداتٌ في الجناتِ أنفسِها. والثاني: ان هذا الجمعَ شرطُه العقلُ، ولو أُريد ذلك لقيل: خالدات. والثالث. أن يكون صفةً

стр. 2350

ل» جنات «أيضاً. قال أبو البقاء» على رأي الكوفيين «، يعين أنه جَرَتِ الصفةُ على غير مَنْ هي له في المعنى، ولم يَبْرُز الضمير، وهذا مذهبُ الكوفيين، وهو أنه إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وأُمِنَ اللَّبْسَُ لم يَجِبْ بروزُ الضميرِ كهذه الآية. ومذهبُ البصريين وحوبُ بروزِه مطلقاً، فكان ينبغي أَنْ يُقالَ على مذهبهم» خالدين هم فيها «ولَمَّا لم يَقُلْ كذلك دَلَّ على فسادِ هذا القولِ، وقد تقدَّم لك تحقيقُ ذلك. فإنْ قلت: فلْتكُنْ المسألةُ الأولى كذلك، أعني أنك إذا جعلت «خالدين» حالاً من «جنات» فيكونُ حالاً منها لفظاً وهي لغيرِها، معنى، ولم يَبْرُز الضميرُ عل رأي الكوفيين، ويَصِحُّ قولُ أبي البقاء فالجواب أن هذا لو قيل به لكان جيداً، ولكن لا يَدْفَعُ الردَّ عن أبي البقاء، فإنه خصص مذهبَ الكوفيين بوجه الصفة دون الحال. وقوله ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ﴾ مبتدأ وخبر، ومحلُّ هذه الجملة: إمَّا النصبُ أو الرفع، فالنصبُ: إمَّا على الحال من «جنات» أو من الضمير في «سندخلهم» ، وإمَّا على كونها صفةً ل «جنات» بعد صفة. والرفعُ على أنه خبر بعد خبر.

стр. 2351

قوله تعالى: ﴿أَن تُؤدُّواْ﴾ : منصوبُ المحلِّ: إمَّا على إسقاط حرف الجر؛ لأنَّ حَذْفَه يَطَّرِدُ مع «أنْ» ، إذا أُمِنَ اللَّبْسُ لطولِهما بالصلة، وإمَّا لأن «أَمَر» يتعدَّى إلى الثاني بنفسِه نحو: «أمرتك الخير» . فعلى الأول يجري الخلافُ في محلِّها: أهي في محلِّ نصبٍ أم جر، وعلى الثاني: هي في محلِّ نصبٍ فقط. وقُرئ «الأمانةَ» . والظاهرُ أنَّ قوله: ﴿أَن تَحْكُمُواْ﴾ معطوفٌ على أَنْ تُؤَدُّوا «أي: يأمركم بتأديةِ الأماناتِ وبالحكمِ بالعدلِ، فيكونُ قد فصل بين حرف العطف

стр. 2352

والمعطوف بالظرف، وهي مسألة خلاف: ذهب الفارسي الى مَنْعِها إلا في الشعر، وذهب غيره إلى جوازها مطلقاً. ولننقِّحْ محلِّ الخلاف أولاً فأقول: إنَّ حرف العطف إذا كان على حرف واحد كالواو والفاء: هل يجوزُ أن يُفْصَلَ بينه وبين ماعَطَفه بالظرفِ وشِبْهِهِ أم لا؟ ذهب الفارسي إلى مَنْعِه مستدلاً بأنه إذا كان على حرف واحد فقد ضَعُف، فلا يتوسَّط بينه وبين ما عطفه شيءٌ إلا في ضروة كقوله: ١٥٩٥ - يوماً تَراها كشِبْه أَرْدِيَةِ ال ... عَضْب ويوماً أَدِيمَها نَغِلا تقديره:» وترى أديمها نَغِلاً يوماً «فَفَصَل ب» يوماً. وذهب غيرُه إلى جوازِه مُسْتَدِلاًّ بقوله: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً﴾ [يس: ٩] ﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سموات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنّ﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات. . . . .﴾ الآية. وقال صاحب هذا القول: إن المعطوف عليه إذا كان مجروراً بحرف أُعيد ذلك الحرفُ مع المعطوفِ نحو: «امرُرْ بزيدٍ وغداً بعمروٍ» وهذه الشواهدُ لا دليلَ فيها: أمَّا «في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً» وقوله: «وجَعَلْنَا من بينِ أيديهم» فلأنَّه عَطَفَ شيئين على شيئين: عَطَفَ «الآخرة» على «الدنيا» بإعادة الخافضِ، وعَطَفَ «حسنةً» الثانيةَ على «حسنةً» الأولى،

стр. 2353

وكذلك عطف «مِنْ خلفهم» على «من بين» ، و «سداً» على «سداً» وكذلك البيت عطف فيه «أَدِيمَها» على المفعولِ الأولِ ل «تَراها» و «نَغِلا» على الثاني وهو «كشِبْه» و «يوماً» الثاني على «يوماً» الأول، فلا فصلَ فيه حينئذ، وحينئذ يقال: ينبغي لأبي عليّ أن يمنعَ مطلقاً، ولا يَسْتثني الضرورة، فإن ما استشهد به مؤولٌ عل ما ذَكَرْتُ. فإنْ قيل: إنَّما لم يجعلْه أبو علي من ذلك لأنه يؤدِّي إلى تخصيصِ الظرفِ الثاني بما وَقَعَ في الأولِ، وهو انه تراها كشِبْه أردية العَضْب في اليوم الأول والثاني؛ لأنَّ حكمَ المعطوف حكمُ المعطوفِ عليه فهو نظيرُ قولك: «ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت، ف» يومَ السبت «مقيَّدٌ بضربِ زيد كما يُقيَّد به يوم الجمعة، لكن الغرض أن اليوم الثاني في البيت مُقَيَّدٌ بقيد آخر وهو رؤية أَديمِها نَغِلا، فالجواب: انه لو تُرِكنا والظاهرَ من غيرِ تقييد الظرف الثاني بمعنى آخر كان الحكمُ كما ذكرت؛ لأنه الظاهرُ كما ذكرت في مثالك:» ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت «أمَّا إذا قَيَّدْته بشي آخر فقد تُرك ذلك الظاهرُ لهذا النصِّ، ألا تراكَ تقول:» ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً يوم السبت «فكذلك هذا، وهو موضعٌ يحتاج لتأمل. وأمَّا «فبشَّرناها بإسحاق» ف «يعقوب» ليس مجروراً عطفاً على «إسحاق» بل منصوباً بإضمار فعل أي: ووهبا لها يعقوب، ويدل عليه قراءة الرفع فإنها مؤذنةٌ بانقطاعِه من البشارة به، كيف وقد تقدَّم أنَّ هذا القائَل يقول: إنه متى كان المعطوفُ عليه مجروراً؟ أُعيد مع المعطوفِ الجارُّ. وأمَّا ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات﴾ فلا دلالة فيها أيضاً لأنَّ «إذا» ظرفٌ لا بدل له من عامل، وعاملُه: إمَّا «أَنْ تَحْكُموا» وهو الظاهرُ / من حيث المعنى، وإمَّا «يأمُركم» ، فالأول ممتنعٌ وإنْ كان المعنى عليه؛ لأنَّ ما في حَيِّزِ الموصول لا يتقدَّمُ عليه عند

стр. 2354

البصريين، وأما الكوفيون فيُجيزون ذلك، ومنه الآيةُ عندهم، واستدلُّوا بقوله: ٤٥٩٦ - كان جَزائي بالعصا أَنْ أُجْلَدا ... وقد جاء ذلك في المفعول الصريح في قوله: ١٥٩٧ -. . . . . . . . . . . . ... وشفاءُ غَيِّك خابراً أَنْ تَسْألي فكيف بالظرفِ وشبهِه؟ والثاني ممتنعٌ أيضاً لأنَّ الأمرَ ليس واقعاً وقت الحكم، كذا قاله الشيخ، وفيه نظرٌ، وإذا بَطَل هذان فالعامل فيه مقدرٌ يفسِّره ما بعدَه تقديُره: وأَنْ تحكموا إذا حكمتم، و «أن» تحكموا «الآخيرةُ دالةٌ على الأولى. قوله: ﴿بالعدل﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق ب» تحكموا «فتكونَ الباءُ للتعدية. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من فاعل» تَحْكُموا «فتكونَ الباءُ للمصاحبَة اي: ملتبسين بالعدل مصاحبين له، والمعنيان متلازمان. قوله: ﴿إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ قد تقدَّم الكلامُ على» ما «المتصلة ب» نعم «وبئس» وما ذكر الناسُ فيها فعليك بمراجعته. إلا أن ابن عطية

стр. 2355

نقل هنا نَقْلاً لا يَبْعُد مِنْ وَهْمٍ، فلا بُدَّ من ذكره قال: و «ما» المردفةُ على «نِعْم» إنما هي المهيئةُ لاتصالِ الفعل بها، كما هي في «ربما» و «مِمَّا» في قولِه: «وكان رسولُ الله ﵇ مِمَّا يحرِّك شفتيه» وكقوله: ١٥٩٨ - وإنَّا لَمِمَّا نضربُ الكبشَ ضربةً ... على رأسِه تُلْقي اللسانَ من الفم وفي هذا هي بمنزلة «ربما» ، وهي لها مخالفةٌ في المعنى، لأن «ربما» للتقليل و «مِمَّا» للتكثير، ومع أن «ما» موطئة فهي بمعنى الذي، وما وَطَّأتْ إلا وهي اسم، ولكنَّ القصدَ إنما هو لِما يليها من المعنى الذي في الفعل «قال الشيخ:» وهذا متهافتٌ؛ لأنه من حيث جَعَلَها موطئةً مهيئةً لا تكون اسماً، ومِنْ حيثُ جَعلَها بمعنى «الذي» يلزم أن تكونَ اسماً فتدافعا «.

стр. 2356

قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ : في محلِّ نصبٍ على الحال من «أُولي الأمر» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: وأولي الأمرِ كائنين منكم، و «مِنْ» تبعيضية. قوله: «إنْ كنتم» شرطٌ جوابُه محذوفٌ عند جمهور البصريين أي: فَرُدُّوه إلى الله. وهو متقدمٌ عند غيرِهم. و «تأويلاً» نصبٌ على التمييز.

стр. 2357

﴿يَزْعُمُونَ﴾ : مثلُ ظنَّ وأخواتها بشرطِ ألاَّ تكونَ بمعنى كَفِل ولا كذب ولا سَمِن ولا هَزَل، و «أنَّ سادَّةٌ مسدَّ مفعوليها،. وقرأ الجمهور:» أُنْزل إليك وما أُنْزل من قبلك «مبنياً للمفعول، وقرئا مبنيين

стр. 2358

للفاعل وهو الله تعالى. والزعم - بفتح الزاي وضمها وكسرها - مصدرُ زَعَم، وهو قولٌ يقترن به اعتقاد ظني قال: ١٥٩٩ - فإنْ تَزْعُميني كنتُ أجهلُ فيكُمُ ... فإني شَرَيْتُ الحِلْمَ بعدَك بالجَهْل قال ابنُ دريد:» أكثرُ ما يقع على الباطل «وقال ﵇:» بئس مطيةُ الرجلِ زعموا «وقال الأعشى: ١٦٠٠ - ونُبِّئْتُ قيساً ولم أَبْلُه ... كما زعموا خيرَ أهلِ اليمنْ فقال الممدوح:» وما هو إلا الزعم «وحرمه ولم يُعْطِه شيئاً. [وذكر صاحبُ» العين «أنها تقع غالباً على» أنَّ «قال:» وقد تقع في الشعر على الاسم «وأنشد بين أبي ذؤيب، وقول الآخر] : ١٦٠١ - زَعَمَتْني شيخاً ولستُ بشيخٍ ... إنما الشيخُ مَنْ يَدِبُّ دبيباً وتكون» زعم «بمعنى» ظَنَّ «فتتعدَّى لاثنين، وبمعنى» كفِل «فتتعدى لواحد، ومنه ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وبمعنى» رَأس «وبمعنى سَمِن» و «هَزَل» فلا تتعدى.

стр. 2359

قوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ حالٌ من فاعل «يَزْعُمون» أو من «الذين يزعمون» وقوله: ﴿وَقَدْ أمروا﴾ حال من فاعل «يريدون» فهما حالان متداخلان، و «أن يكفروا» في محلِّ نصب فقط إنْ قَدَّرْتَ تعدية «أمر» إلى الثاني بنفسِه، وإلا ففيها الخلافُ المشهور، والضمير في «به» عائد على الطاغوت، وقد تقدَّم أنه يُذَكَّر ويؤنث، وما قال الناس فيه في البقرة. وقرأ عباس بن الفضل: «ان يكفُروا بهنَّ» بضمير جميع التأنيث. قوله: ﴿أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً﴾ في «ضلالاً» ثلاثة أقوال، أحدهما: أنه مصدر على غير الصدر نحو: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ٣] والأصل «إضلال» و «إنبات» فهو اسمٌ مصدر لا مصدر. والثاني: أنه مصدرٌ لمطاوع «أَضلَّ» أي: أضَلَّهم فضلُّوا ضلالاً. والثالث: أن يكون من وَضْعِ أحد المصدرين موضعَ الآخر. وقد تقدم الكلامُ على «تعالوا» في آل عمران وما قال الناس فيها، وقراءةِ الحسن وتوجيهِها فعليك بالالتفات إليه.

стр. 2360

قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ﴾ : فيها وجهان، أحدُهما: أنها من رؤية البصر أي: مجاهرة وتصريحاً. والثاني: انها من رؤية القلب أي: «علمت» ، ف «يصدُّون» في محل نصب على الحال القول الأول، وفي محلِّ المفعول الثاني على الثاني. و «صدوداً» فيه وجهان، احدهما: أنه اسم مصدر، والمصدر إنما هو الصدُّ، وهذا اختبار ابن عطية، وعزاه مكي

стр. 2361

للخليل بن أحمد. والثاني: انه مصدر بنفسه يقال: صد صَدًّاً وصُدوداً، وقال بعضُهم: «الصُّدود: مصدر» صَدَّ «اللازم، والصَّدُّ مصدر» صد «المتعدي، نحو: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ [النمل: ٢٤] ، والفعل هنا متعدِّ بالحرف لا بنفسِه، فلذلك جاء مصدرُه على» فُعُول «لأنَّ فُعولاً غالباً للازم» وهذا فيه نظرٌ، إذ لقائلٍ أَنْ يقولَ: هو هنا متعد، غايةُ ما فيه أنه حَذَف المفعول أي: يَصُدُّون غيرهم - أو المتحاكمين عندك - صدوداً، وأمَّا فُعول فاء في المتعدي نحو: لزمه لُزوماً وفتنة فُتوناً.

стр. 2362

قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ﴾ : يجوز في «كيف» وجهان، أحدهما: انها في محل نصب، وهو قول الزجاج قال: «تقديره: فكيف تراهم» والثاني: أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي: فكيف صنيعُهم في وقت إصابة المصيبة إياهم؟ و «إذا معمولةٌ لذلك المقدر بعد» كيف «، والباء في» بما «للسببية، و» ما «يجوز أن تكونَ مصدريةً أو اسمية، فالعائدُ محذوف. قوله: ﴿يَحْلِفُونَ﴾ حال من فاعل» جاؤوك «و» إنْ «نافية أي: ما أردنا و» إحسانا «مفعول به، أو استثناء على حسب القولين في المسألة.

стр. 2363

قوله تعالى: ﴿في أَنْفُسِهِمْ﴾ : فيه أوجه: أَوْجهُها: أن يتعلق ب «قل» وفيه معنيان، الأولُ: قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد، لأنَّ ذلك أَدْعى إلى قَبول النصحية. الثاني: قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولاً يَبْلُغ بهم ما يَزْجُرهم عن العَوْدِ إلى النفاق. الثاني من الأوجهِ أَنْ يتعلَّق ب «بليغاً» أي: قولاً مؤثِّراً في قلوبِهم يغتمُّون به اغتماماً، ويستشعرون به استشعاراً، قال معناه الزمخشري، ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا مذهبُ

стр. 2364

الكوفيين، إذ فيه تقديمُ معمولِ الصفة على الموصوف، لو قلت: «جاء زيداً رجلٌ يضربُ» لم يجز عند البصريين؛ لأنه لا يتقدم المعمولُ إلا حيث يجوز تقديم العامل، والعامل هنا لا يجوزُ تقديمه؛ لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، والكوفيون يجيزون تقديم معمولَ الصفة على الموصوف، وأمَّا قول البصريين: إنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل ففيه بحث، وذلك أنَّا وجدنا هذه القاعدة منخرمةً في قوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] ف «اليتيم» معمول «ل» تقهر «، و» السائل «معمول ل» تنهر «وقد تقدًّما على» لا «الناهية، والعاملُ فيهما لا يجوز تقديمُه عليها إذ، المجزوم لا يتقدَّم على جازمه، فقد تقدَّم المعمول حيث لا يتقدم العامل، وكذلك قالوا في قوله: ١٦٠٢ - قنافِذُ هَدَّاجون حولَ بيوتِهم ... بما كان إيَّاها عطيَّةُ عَوَّدا خَرَّجوا هذا البيتَ على أنَّ في» كان «ضميرَ الشان، و» عَطِيَّةُ «مبتدأ و» عَوَّدَ «خبرُه، حتى لا يَليَ» كان «معمولُ خبرها، وهو غيرُ ظرفٍ ولا شِبْهِه، فلزمهم من ذلك تقديمُ المعمول وهو» إياهم «حيث لايتقدمَ العاملُ؛ لأن الخبرَ متى كان فعلاً رافعاً لضمير مستتر امتنع تقديمه على المبتدأ / لئلا يلتبسَ بالفاعل نحو:» زيد ضرب عمراً «وأصلُ منشأ هذا البحث تقديمُ خبرِ» ليس «عليها، أجازه الجمهور لقوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] ووجه الدليلِ أنَّ» يوم «معمولٌ ل» مصروفاً «، وقد تقدَّم على» ليس «وتقديمُ

стр. 2365

المعمولِ يُؤْذِنُ بتقديم العامل، فَعُورضوا بما ذَكَرْتُ لك، وللنظر في هذا البحثِ مجالٌ ليس هذا محلَّه، وقد أتقنت ذلك في كتابي» الشرحُ الكبير: شرح تسهيل الفوائد «فعليك به. الثالث: ونُقِل عن مجاهد ولا أظنُّه يَصِحُّ عنه - أنه متلعق ب» مصيبة «فهو التقديم والتأخير، والقرآن يُنَزَّهُ عن ذلك، وإنما ذَكَرْتُه تنبيهاً على ضَعْفه.

стр. 2366

قوله تعالى: ﴿لِيُطَاعَ﴾ هذه لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» وهذا استثناءٌ مفرغ من المفعول له، والتقدير: وما أرسلنا من رسولٍ لشيءٍ من الأشياء إلا للطاعة. «وبإذن الله» فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: [أنه] متعلقٌ ب «يُطاع» ، والباء للسببية، وإليه ذهب أبو البقاء، قال: «وقيل: هو مفعولٌ به أي: بسبب أمر الله» . الثاني: أن يتعلق ب «أرسلنا» أي: وما أَرْسلنا بأمر الله أي: بشريعته. الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من الضمير في «يطاعَ» ، وبه بدأ أبو البقاء. وقال ابن عطية: «وعلى التعليقين: أي: تعليِقِه ب» يُطاعَ «أو ب» أَرْسلنا «فالكلامُ عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنى؛ لأنَّا نقطعُ أن الله تعالى قد أراد من بعضِهم ألاَّ يُطيعوه، ولذلك تَأوَّلَ بعضُهم الإِذنَ بالعلم وبعضُهم بالإِرشاد» قال الشيخ: «ولا يُحتاج لذلك لأن قوله» عامُّ اللفظ «ممنوعُ، وذلك أن» يُطاع «مبني للمفعول، فيقدَّر ذلك الفاعلُ المحذوفَ خاصاً، وتقديره:» إلا ليطيعَه مَنْ أراد اللَّهُ طاعتَه «. قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ قد تقدَّم الكلامُ على» أنَّ «الواقعةِ بعد» لو «و» إذ «ظرفٌ معمولٌ لخبر» أنَّ «وهو» جاؤوك «وقال: ﴿واستغفر لَهُمُ الرسول﴾ ولم يَقُلْ» واستغفرت «خروجاً من الخطاب إلى الغَيْبة؛ لِما في هذا

стр. 2367

الاسم الظاهر من التشريفِ والتنويه بوصف الرسالة. و» وجَد «هنا يُحْتَملُ أن تكونَ العِلْمية فتتعدى لاثنين، والثاني» تواباً «وأن تكون غيرَ العِلْمية فتتعدى لواحد، ويكون» تواباً «حالاً. وأمَّا» رحيماً «فيحتمل أن يكون حالاً من ضمير» تَوَّاباً «وأن يكون بدلاً من» تواباً «ويُحتمل أن يكونَ خبراً ثانياً في الأصل بناء على تعدُّد الخبر وهو الصحيح، فلمَّا دخل الناسخُ نُصِبَ الخبرُ المتعدد تقول:» زيدٌ فاضلٌ شاعرٌ فقيه عالم «ثم تقول:» علمتُ زيدا فاضلاً شاعراً فقيهاً عالماً «إلا أنه لا يَحْسُن أن يقال هنا:» وشاعراً: مفعول ثالث، وفقيهاً: رابع، وعالماً: خامس «.

стр. 2368

قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ : في هذه المسألةِ أربعة أقوال، أحدها: وهو قول ابن جرير أنَّ «لا» الأولى رَدٌّ لكلام تقدَّمها، تقديرُه: «فلا تعقِلون، أو: ليس الأمرُ كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف قسماً بعد ذلك، فعلى هذا يكون الوقف على» لا «تاماً. الثاني: أن» لا «الأولى قُدِّمَتْ على القسم اهتماماً بالنفي، ثم كُرِّرت توكيداً، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الأولى ويبقى [معنى] النفي ولكن تفوتُ الدلالةُ على الاهتمامِ المذكورِ، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الثانيةِ ويبقى معنى الاهتمامِ، ولكن تفوتُ الدلالةُ النفي، فجُمع بينهما لذلك. الثالث: أن الثانيةَ زائدةٌ، والقَسَمُ معترِضٌ بين حرفِ النفي والمنفي، وكأنَّ التقديرَ: فلا يؤمنون وربِّك. الرابع: أن الأولى زائدة، والثانيةَ غيرُ زائدةٍ، وهو اختيارُ الزمخشري فإنه قال:» لا «مزيدةٌ لتأكيد معنى القسم كما زيدت في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] لتأكيدِ وجوبِ العلمِ، و» لا يؤمنون «جوابُ القسم، فإنْ قلت: هَلاَّ زعمت أنها زِيدت لتظاهر» لا «في» لا يؤمنون «قلت: يأبى ذلك استواءُ النفيِ والإثبات فيه، وذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ

стр. 2369

وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] يعني أنه قد جاءت» لا «قبل القسم حيث لم تكن» لا «موجودةً في الجواب، فالزمخشري يرى ان» لا «في قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون﴾ [الحاقة: ٣٨] أنها زائدةٌ أيضاً لتأكيدِ معنى القسم، وهو أحدُ القولين، والقولُ الآخر كقول الطبري المتقدم، ومثلُ الآية في التخاريج المذكورة قولُ الآخر: ١٦٠٣ - فلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي ... ولا لَلِما بهم أبداً دواءُ قوله ﴿حتى يُحَكِّمُوكَ﴾ :» حتى «غايةٌ متعلقة بقوله» لا يؤمنون «أي: ينتفي عنهم الإيمانُ إلى هذه الغاية وهي تحكيمك وعدمُ وجدانِهم الحرجَ وتسليمُهم لأمرك. والتفت في قوله» ربِّك «من الغَيْبة في قوله ﴿واستغفر لَهُمُ الرسول﴾ رجوعاً إلى قوله» ثم جاؤوك «وقرأ أبو السَّمَّال:» شَجْر «بسكون الجيم هرباً من توالي الحركات وهي ضعيفةٌ، لأنَّ الفتحَ أخو السكون. و» بينهم «ظرف منصوب ب» شجر «هذا هو الصحيح، وأجاز أبو البقاء فيه أن يكونَ حالاً وجعل في صاحب هذه الحال احتمالين، أحدُهما: أن يكون حالاً من» ما «الموصولة، والثاني: أنه حال من فاعل» شجر «وهو نفس الموصول أيضاً في المعنى، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، و» ثم لا يجدوا «عطفٌ على ما بعد» حتى «،» ويَجِدُوا «يَحْتمل أن تكون المتعديةَ لاثنين، فيكونُ الأول» حرجاً «والثاني الجارُّ قبلَه فيتعلَّقُ بمحذوف، وأن تكونَ المتعدية لواحد فيجوز في» في أنفسهم «وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب» يجدوا «تعلُّقَ الفَضَلات.

стр. 2370

والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «حَرَجاً» لأنَّ صفةَ النكرةِ لَمَّا قُدِّمَتْ عليها انتصبَتْ حالاً. و ﴿مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ فيه وجان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بنفس «حرجاً» ؛ لأنك تقول: «خَرَجْتُ من كذا» والثاني: أنه متعلق بمحذوف، فهو في محلِ نصبٍ لأنه صفة ل «حرجاً» و «ما» يجوز أن تكونَ مصدريةً، وأن تكون بمعنى الذي، أي: حرجاً من قضائك، أومن الذي قضيته، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، فالعائدُ على هذين القولين محذوف.

стр. 2371

قوله تعالى: ﴿أَنِ اقتلوا﴾ : «أن» فيها وجهان، أحدُهما: أنها المفسرةُ؛ لأنها أتت بعدما هو بمعنى القولِ لا حروفِه، وهذا أَظْهَرُ. والثاني: أنها مصدريةٌ، وما بعدها من فعل الأمر صلتُها وفيه إشكال من حيث إنه أذا سُبِكَ منها ومِمَّا بعدها مصدرٌ فاتت الدلالة على الأمر، ألا ترى أنك إذا قلت: «كتبت إليه أَنْ قم» فيه من الدلالة على طلبِ القيامِ بطريقِ الأمر ما لا في قولِك: «كتبت إليه القيامَ» ولكنهم جَوَّزوا ذلك، واستدلُّوا بقولهم «كتبت إليه بأَنْ قم» ، ووجهُ الدلالةِ أنَّ حرفَ الجَرِّ لا يُعَلَّق، وتحريرُ المبحثِ في ذلك في «الشرح الكبير للتسهيل» . وقرأ أبو عمرو بكسرِ نون «أَنْ» ، وضم واو «أو» وكسرهما حمزة وعاصم، وضَمَّهما باقي السبعة، فالكسرُ على أصل التقاء الساكنين، والضمُّ للإتباع للثالث، إذ هو مضمومٌ ضمةً لازمة، وإنما فَرَّق أبو عمرو لأن الواوَ أختُ الضمةِ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البقرة عند قوله: ﴿فَمَنِ اضطر﴾ [الآية: ١٧٣] .

стр. 2372

قوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ﴾ الهاء يُحْتمل أن تكون ضمير مصدر «اقتلوا» أو «اخرجوا» أي: ما فعلوا القتل أو ما فعلوا الخروج. وقد أبعد فخر الدين الرازي حيث زعم أنها تعودُ إليهما معاً، لنُبُوِّ الصناعة عنه. [وأجاز أبو البقاء وجهاً رابعاً] : وهو أن يعودَ على المكتوبِ ودَلَّ عليه «كتبنا» . قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ رفعُهُ من وجهين، أحدهما: أنه بدلٌ من فاعل «فَعَلوه» وهو المختارُ على النصب؛ لأن الكلامَ غيرُ موجبٍ، الثاني: أنه معطوفُ على ذلك الضمير المرفوع، و «إلاَّ» حرفُ عطف، وهذا رأي الكوفيين، ولهذه المسألةِ موضوعٌ غير هذا. وقرأ ابن عامر وجماعة: «إلا قليلاً» نصباً وفيه وجهان، أشهرُهما: أنه نصب على الاستثناء وإن كان الاختيارُ الرفَع؛ لأنَّ المعنى موجودٌ معه كما هو موجود مع النصب، ويَزيدُ عليه بموافقة اللفظ. والثاني: أنه صفة لمصدر محذوف تقديرُه: «إلا فعلاً قليلاً» قاله الزمخشري، وفي نظرٌ، إذ الظاهرُ أنَّ «منهم» صفةٌ ل «قليلاً» ومتى حُمِل القليلُ على غير الأشخاص يَقْلَق هذا التركيب، إذلا فائدةَ حينئذ في ذِكْرِ «منهم» . قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ﴾ قد تقدَّم الكلام على نظير هذه المسألة في مواضع، «وما» في «ما يوعظون» موصولةٌ اسمية. والباءُ في «به» تحتمل أن تكونَ المعدِّيةَ دخلت على الموعوظ به، والموعوظُ به على هذا هو التكاليف من الأوامر والنواهي، وتُسَمَّى أوامرُ اللَّهِ تعالى ونواهيه مواعظَ لأنها مقترنةٌ

стр. 2373

بالوعد والوعيد، وأَنْ تكونَ للسبية، والتقدير: ما يوعظون بسببه أي: بسبب تَرْكِه، ودلَّ على التَرْكِ المحذوفِ قولُه: «ولو أنهم فعلوا» واسمُ كان ضميرٌ عائد على الفعلِ المفهوم من قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواُْ﴾ أي: لكان فعلُ ما يُوعظون به، و «خيراً» خبرها، و «تثبيتاً» تمييز ل «أشد» .

стр. 2374

و ﴿وَإِذاً﴾ : حرفُ جوابٍ وجزاءٍ. وهل هذان المعنيان لازِمان لها، أو تكونُ جواباً فقط؟ قولان، الأول قول الشلوبين تَبَعاً لظاهر قول سيبويه. والثاني: قول الفارسي، فإذا قال القائل: «أزورُك غداً» فقلت: «إذن أكرمَك» فهي عنده جواب وجزاء، وإذا قلت «إذاً أظنَّك صادقاً» كانت حرفَ جواب فقط، وكأنه أخذ هذا من قرينة الحال، وقد تقدَّم أنها من النواصِب للمضارع بشروطٍ ذُكِرت. وقال أبو البقاء: «وإذَنْ جوابٌ ملغاةٌ» فظاهرُ هذه العبارةِ موافقٌ لقول الفارسي، وفيه نظرٌ، لأن الفارسيَّ لا يقول في مثلِ هذه الآية إنها جواب فقط، وكونُها جواباً يحتاجُ إلى شيءٍ مقدَّرٍ. قال الزمخشري: وإذن جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيتِ أيضاً فقيل: لو تثبتوا لآتيناهم لأنَّ «إذَنْ» جوابٌ وجزاء. و «مِنْ لَدُنّا» فيه وجهان أظهرُهما: أنه متعلقٌ ب «آتيناهم» والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه حالٌ من «أجراً» ؛ لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، و «أجراً» مفعولٌ ثانٍ ل «آتيناهم» .

стр. 2375

و ﴿صِرَاطاً﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «هدَيْناهم» .

стр. 2376

قوله تعالى: ﴿مِّنَ النبيين﴾ : فيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه بيانٌ للذين أَنْعَم الله عليهم. والثاني: أنه حالٌ من الضميرِ المجرور في «

стр. 2377

عليهم» ، والثالث: أنه حالٌ من الموصولِ وهو في المعنى كالأول، وعلى هذين الوجهين فيتعلَّق بمحذوفٍ أي: كائنين من النبيين. والرابع: أن يتعلَّق ب «يُطِعِ» قال الراغب: «اي: ومَنْ يُطِع الله والرسول من النبيين ومن بعدهم، ويكونُ قوله: ﴿فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم﴾ إشارةً إلى الملأ الأعلى، ثم قال: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ ويُبَيِّن ذلك قولُه ﵇ عند الموت:» اللهم أَلْحِقْني بالرفيق الأعلى «وهذا ظاهرٌ» انتهى. وقد أفسده الشيخ من جهة لامعنى ومن جهة الصناعة. أمَّا مِنْ جهةِ المعنى فلأِنَّ الرسولَ هنا هو محمدٌ ﷺ ، وقد أَخْبَرَ تعالى أنه مَنْ يُطِعِ الله ورسوله فهو مع ذُكر، ولو جُعل «مِن النبيين» متعلِّقاً ب «يُطِع» لكان «من النبيين» تفسيراً ل «مَنْ» الشرطية «فيلزم أن يكونَ في زمانه ﵇ أو بعده أنبياءُ يطيعونه، وهذا غيرُ ممكنٍ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النبيين﴾ [الأحزاب: ٣٠] وقوله ﵇:» لا نبيَّ بعدي «وأمَّا مِنْ جهةِ الصناعةِ فلأِنَّ ما قبل الفاء الواقعةِ جواباً للشرط لا يعمل فيما بعدها، لو قلت:» إنْ تضرب يقم عمروٌ زيداً لم يَجُزْ «وهل هذه الأوصافُ الأربعةُ لصنفٍ واحدٍ من الناس أو لأصنافٍ مختلفة؟ قولان. قوله: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ في نصبِ» رفيقاً «قولان، أحدهما: أنه تمييزٌ، والثاني: أنه حالٌ، وعلى تقديرِ كونِه تمييزاً في احتمالان، أحدُهما: أن

стр. 2378

يكونَ منقولاً من الفاعلية وتقديرهُ:» وحِسُنَ رفيقُ أولئك «فالرفيقُ على هذا غيرُ المميِّز، ولا يجوزُ دخولُ» مِنْ «عليه. والثاني: ألاَّ يكونَ منقولاً، فيكونُ نفسَ المميِّز، وتدخل عليه» مِنْ «وإنما أتى به هنا مفرداً لأحدِ معنيين: إمَّا لأنَّ الرفيقَ كالخليطِ والصديق في وقوعِها على المفردِ والمثنى والمجموع بلفظٍ واحدٍ، وإمَّا اكتفاءً بالواحد عن الجمعِ لفَهْمِ المعنى، وحَسَّن ذلك كونُه فاصلةً. ويجوز في» أولئك «أن يكونَ إشارةً إلى النبيين ومَنْ بعدهم، وأَنْ يكونَ إشارةً إلى مَنْ يُطِع اللَّهَ ورسولَه، وإنَّما جَمَع على معناها، وعلى هذا فيُحتمل أَنْ يقال: إنه راعى لفظ» مَنْ «فأفردَ في قوله» رفيقاً «ومعناها فجمع في قوله» أولئك «، إلا أن البَداءَةَ في ذلك بالحَمْل على اللفظ أحسنُ، وعلى هذا فيكونُ قد جَمَعَ فيها بين الحملِ على اللفظ في» يُطِعْ «ثم على المعنى في» أولئك «ثم على اللفظ في» رفيقاً «. والجمهورُ على فتح الحاء وضم السين من «حَسُن» وقرأ أبو السمَّال بفتحِها وسكونِ السينِ تخفيفاً نحو «عَضْد» في «عَضُد» وهي لغة تميم، ويجوز: «وحُسْن» بضم الحاء وسكون السين، كأنهم نقلوا حركة العينِ إلى الفاء بعد سَلْبِها حركتَها وهذه لغةُ بعض قيس. وجَعَل الزمخشري هذا من بابِ التعجب فإنه قال: «فيه معنى

стр. 2379

التعجب كأنه قيل: وما أَحْسَنَ أولئك رفيقاً، ولاستقلاِله بمعنى التعجب قُرئ» وحَسْنَ «بسكون السين، يقول المتعجب:» حَسُنَ الوجهُ وجهُك «و» حَسْن الوجهُ وجهك «بالفتح والضم مع التسكين» قال الشيخ: «وهو تخليطٌ وتركيب مذهبٍ على مذهبٍ، فنقول: اختلفوا في» فَعُل «المرادِ به المدحُ: فذهب الفارسي وأكثر النحويين، إلى جواز إلحاقهِ بباب نعم وبئس فقط فلا يكون فاعلُه إلا ما يكونُ فاعلاً لهما. وذهب الأخفش والمبرد إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس فيُجْعَلُ فاعلُه كفاعِلهما، وذلك إذا لم يَدْخُلْه معنى التعجب، وإلى جواز ألحاقه بفعلِ التعجبِ فلا يَجْرِي مَجْرى نعم وبئس في الفاعل ولا في بقية أحكامهما، فتقول:» لَضَرُبَتْ يَدُكَ «و» لَضَرُبَتِ اليدُ «، فأخذ التعجب من مذهب الأخفش، والتمثيل من مذهب الفارسي، فلم يَتَّبع مذهباً من المذهبين. وأمَّا جَعْلُه التسكينَ والنقلَ دليلاً على كونِه مستقلاً بالتعجبِ فغيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنَّ الفراء حكى ذلك لغةً في غيرِ ما يُراد به التعجب» .

стр. 2380

قوله تعالى: ﴿ذلك الفضل مِنَ الله﴾ : «ذلك» مبتدأ، وفي الخبر وجهان، أحدُهما: أنه «الفضلُ» والجارُّ في محلِّ نصب على الحال، والعاملُ فيها معنى الإِشارة والثاني: أنه الجارُّ، و «الفضلُ» صفةٌ لاسم الإِشارة، ويجوز أن يكون الفضلُ والجارُّ بعدَه خبرين ل «ذلك» على رأي مَنْ يُجيزه قوله: ﴿وكفى بالله عَلِيماً﴾ . قال ابن عطية «ولذلك دخلت الباءُ

стр. 2381

على اسمِ الله لتدلَّ على الأمر» /، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألة مستوفى.

стр. 2382

(والحَذَر والحِذْر) لغتان بمعنىً. قيل: ولم يُسْمَعْ في هذا التركيبِ إلا: «خُذْ حِذْرك» بالكسر لا «حَذَرك» قوله: «ثُباتٍ» نصب على الحال، وكذا [ «جميعاً» ، والمعنى: انفروا جماعاتٍ في تفرقةٍ سَرِيَّةً بعد سرية أو مجتعين كوكبةً واحدة] قال الشيخ: ولم يُقْرأ فيما عَلِمْتُ إلا بكسر التاء «. انتهى. وهذه هي اللغة الفصيحة. وبعضُ العرب ينصِبُ جمعَ المؤنثِ السالم، إذا كان معتلِّ اللام معوَّضاً منها تاءُ التأنيثِ بالفتحة، وأنشد الفراء. ١٦٠٤ - فلمَّا جَلاها بالأُيام تَحيَّزَتْ ... ثباتاً عليها ذُلُّها واكتئابُها وقرئ شاذاً:» ويَجْعلون لله البناتَ «بالفتحة. وحُكِي:» سمعتُ لغاتَهم «وزعم الفارسي أنَّ الوارد من ذلك مفردٌ رُدَّتْ لامُه؛ لأنَّ الأصلَ:» لُغَوَة «فلمَّا رُدَّتِ اللامُ قُلِبَتْ ألفاً، وقد رُدَّ على الفارسي بأنه يلزمه الجمعُ بين العوض والمعوض منه، ويَرُدُّ عليه أيضاً القراءةُ المتقدمةُ في» البناتَ «لأنَّ

стр. 2383

المفردَ منه مكسورُ الفاء، وهذه المسألةُ قد أوْضَحتُها في كتابي» شرح التسهيل «غايةَ الإِيضاح. و» ثباتٍ «جمعُ ثُبَة ووزنُها في الأصلِ: فُعَلة كحُطَمة، وإنما حُذِفت لامُها وعُوِّض منها تاءُ التأنيث، وهل لامُها واو أو ياء؟ قولان حجة القول الأول أنها مشتقة من ثَبا يَثْبوا كخلا يَخْلو أي: اجتمع، وحجةُ الثاني أنها مشتقةٌ من ثَبَيْتُ على الرجل إذا أثنيتُ عليه كأنك جمعت محاسنَة، وتُجمع بالألف والتاء وبالواو والنون، ويجوز في فائِها حين تُجمع على» ثُبين «الضمُّ والكسرُ، وكذا كل أشبهَها نحو:» قُلة «و» بُرة «ما لم تُجْمَعْ جمع تكسير. والثُّبَةُ: الجماعةُ من الرجال تكون فوق العشرة. وقيل: الاثنان والثلاثة، وتُصَغَّرُ على» ثُبَيَّة «بردِّ المحذوفِ، وأمَّا» ثُبَةُ الحوضِ «وهي وسَطُه فالمحذوفُ عينُها لأنها من باب يَثُوب الماءُ أي يَرْجِعُ، تُصَغَّر على» ثُوَيْبة «كقولك في تصغير سَنَة:» سُنَيْهة «. والنَّفَر: الفَزَعُ، يقال: نَفَر إليه أي: فَزِع إليه، وفي مضارعه لغتان: ضمُّ العينِ وكسرُها، وقيل: يُقال: نَفَر الرجل يَنْفِر بالكسر، ونَفَرت الدابةُ تنفُر بالضم فَفَرَّقوا بينهما في المضارع، وهذا الفرق يَرُدُّه قراءة الأعمش» فانفُروا «» أو انفُروا «بالضم فيهما. والمصدرُ: النَّفير والنُّفور والنَّفْر، والنَّفَر: الجماعةُ كالقوم والرهط. قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ » منكم «خبر مقدم ل» إنَّ «واسمُها» لَمَنْ «دخلت اللام على الاسم تأكيداً لَمَّا فُصِل بينه وبينها بالخبر،» ومَنْ «يجوزُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، واللامُ في» لَيُبَطِّئَنْ «فيها قولان، أصحُّهما: انها

стр. 2384

جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديره: أقسم الله ليبطِّئَن، والجملتان - أعني القسمَ وجوابه - صلةٌ ل» مَنْ «أو صفةٌ هلا على حَسَبِ القولين المتقدمين، والعائدُ على كلا التقديرين هو الضمير المرفوعُ ب» ليبطِّئن «والتقديرُ: وإنَّ منكم للذي - أو لفريقاً» واللَّهِ ليبطِّئن. واستدلَّ بعضُ النحاةِ بهذه الآيةِ على أنه يجوز وصلُ الموصولِ بجملةِ القسمِِ وجوابِه إذا عَرِيَتْ جملةُ القسمِ من ضمير عائد على الموصول نحو: «جاء الذي أحلفُ باللَّهِ لقد قام أبوه» وجَعَلَه ردَّاً على قدماء النحاةِ حيث زعموا منعَ ذلك، ولا دَلالةً في ذلك، إذ لقائلٍ أن يقول: ذلك القسمُ المحذوفُ لا أقدِّرُه إلا مشتملاً على ضميرٍ عائدٍ الموصول. والقول الثاني - نقله ابن عطية عن بعضِهم - أنها لام التأكيد بعد تأكيد، وهذا خطأُ من قائله. والجمهورُ على «لَيُبَطِّئَنْ» بتشديد الطاء، ومجاهد بالتخفيف، وعلى كلتا القراءتين يحتمل أن يكون الفعل لازماً ومتعدياً، يقال: أَبْطَأَ وبَطَّأَ بمعنى بَطُؤَ أي: تكاسل وتثبَّط، فهذان لازمان، وإنْ قَدَّر أنهما متعدِّيان فمفعولُهما محذوفٌ أي: ليبطِّئَنْ غيرَه أي: يُثَبِّطه ويُجْبِنُه عن القتال. و «إذا لم أكن» ظرفٌ ناصبُه «أنعم الله» .

стр. 2385

قوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ : الجمهورُ على فتحِ لام «ليقولَنَّ» لأنه فعل مسند إلى ضميرِ «مَنْ» مبنيُّ على الفتح لأجل نون التوكيد. وقرأ الحسن بضمها، فأسند الفعل إلى ضمير «مَنْ» أيضاً لكنْ حملاً له على معناها، والأصلُ: ليقولونَنَّ، وقد تقدَّم تصريفه. قوله: ﴿كَأَن لَّمْ تَكُنْ﴾ هذه «كَأَنْ» المخففةُ من الثقيلة، وعملُها باقٍ عند
следующие страницы →