← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

قريبٌ ثَراه ما ينال عدوُّه ... له نَبَطاً، آبيْ الهوانِ قَطُوبُ و» منهم «حال: إمَّا من الذين، أو من الضمير في» يستنبطونه «فيتعلق بمحذوف. وقرأ أبو السمَّال:» لَعَلْمه «بسكون اللام، قال ابن عطية:» هو كتسكين ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] . وليس مثله؛ لأن تسكين فَعِل بكسر العين مقيسٌ، وتسكينَ مفتوحِها شاذٌّ، ومثلُ تسكين «لَعَلْمه» قوله: ١٦٢ - ٥- فإنْ تَبْلُه يَضْجَرْ كما ضَجْرَ بازِلٌ ... من الأُدْمِ دُبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُه أي: دَبِرت، فسكَّن. قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فيه عشرةُ أوجه، أحدها: أنه مستثنى من فاعل «اتَّبعتم» أي: لاتبعتم الشيطانَ إلا قليلاً منكم، فإنه لم يَتَّبع الشيطان، على تقديرِ كونِ فَضْل الله لم يأتِه، ويكونُ أراد بالفضل إرسالَ محمد ﷺ ، وذلك القليلُ كقِسِّ بن ساعدة الإيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، مِمَّن كان على دين المسيح قبل بعثة الرسول. وقيل: المرادُ مَنْ لم يبلغ التكليفَ، وعلى هذا التأويل قيل: فالاستثناء منقطع؛ لأن المستثنى لم يدخل تحت الخطاب، وفيه نظر يظهر في الوجه العاشر. الثاني: أنه مستثنى

стр. 2417

من فاعل «أذاعوا» أي: أظهروا أمرَ الأمن او الخوف إلا قليلاً. الثالث: أنه مستثنى من فاعل «عَلِمه» أي: لعلمه المستنبطون منهم إلا قليلاً. الرابع: أنه مستثنى من فاعل «لوجدوا» أي لوجدوا فيما هو من غير الله التناقضَ إلا قليلاً منهم، وهو مَنْ لم يُمْعِنِ النظرَ، فيظنَّ الباطلَ حقاً والمتناقضَ موافقاً. الخامس: أنه مستثنى من الضمير المجرور في «عليكم» وتأويلُه كتأويل الوجه الأول. السادس: أنه مستنثى من فاعل «يستنبطونه» وتأويله كتأويل الوجه الثالث. السابع: أنه مستثنى من المصدر الدالِّ عليه الفعلُ، والتقدير: لاتَبَعْتُمْ الشيطانَ إلا اتباعاً قليلاً، ذكر ذلك الزمخشري. الثامن: أنه مستثنى من المتَّبع فيه، والتقدير: لاتبعتم الشيطان كلَّكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعون الشيطان فيها، فالمعنى: لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا في قليلٍ من الأمور، فإنكم كنتم لا تتبعونه فيها، وعلى هذا فهو استثناء مفرغ، ذكر ذلك ابن عطية، إلا أنَّ في كلامِه مناقشةً وهو أنه قال «أي: لاتبعتم الشيطان كلَّكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها» فجعله هنا مستثنى من المتَّبعِ فيه المحذوف على ما تقدم تقريره، وكان قد تقدَّم أنه مستثنى من الإتِّباع، فتقديرُه يؤدي إلى استثنائِه من المتَّبع فيه، وادعاؤه أنه استثناء من الاتباع، وهما غَيْران. التاسع: أن المراد بالقلة العدمُ، يريد: لاتبعتم الشيطان كلكم وعدم تخلُّفِ أحدٍ منكم، نقله ابن عطية عن جماعة وعن الطبري، ورَدَّه بأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي دخولَها، قال: «وهذا كلامٌ قلق ولا يشبه ما حكى سيبويه من قولهم:» هذه أرضٌ قَلَّ ما تنبت كذا «أي لا تنبت شيئاً.

стр. 2418

وهذا الذي قاله صحيح، إلا أنه كان تقدم له في البقرة في قوله تعالى ﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ٤٦] أن التقليل هنا بمعنى العدم، وتقدَّم الردُّ عليه هناك فَتَنَبَّهَ لهذا المعنى هنا ولم يتنبهْ له هناك. العاشر: أن المخاطبَ بقوله» لاتبعتم «جميعُ الناس على العموم، والمرادُ بالقليلِ أمةُ محمد ﷺ خاصة، وأيَّد صاحبُ هذا القولِ قولَه بقولِه ﵇» ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالرَّقْمة البيضاء في الثور الأسود «.

стр. 2419

قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ﴾ : في هذه الفاءِ خمسةُ أوجه، أحدها: أنها عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملةِ قوله ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [النساء: ٧٤] . الثاني: أنها عاطفتها على جملةِ قوله ﴿فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان﴾ [النساء: ٧٦] . الثالث: أنها عاطفتها على جملة قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] . الرابع: أنها عاطفتها على جملة قوله ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٧٤] . الخامس: أنها جوابُ شرط مقدر أي: إنْ أردت فقاتِل، وأولُ هذه الأقوال هو الأظهر. قوله: ﴿لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ في هذه الجملة قولان، أحدهما: أنها في محلِّ نصب على الحال من فاعل «فقاتِلْ» أي: فقاتِلْ غيرَ مُكَلِّفٍ إلا نفسَك وحدَها. والثاني: أنها مستأنفة أخبره تعالى أنه لايكلِف غيرَ نفسه. والجمهور على «تُكَلَّفُ» بتاء الخطاب ورفع الفعل مبنياً للمفعول، و «نفسَك» هو المفعول الثاني. وقرأ عبد الله بن عمر: «لا تُكَلِّفْ» كالجماعة إلا أنه

стр. 2420

جزمه، فقيل: على جواب الأمر، وفيه نظر، والذي ينبغي أن يكون نهياً. وهي جملة مستأنفة. ولا يجوز أن تكون حالاً في قراءة عبد الله؛ لأنَّ الطلب لا يكون حالاً. وقرئ «لا نُكَلِّف» بنون العظمة ورفعِ الفعل وهو يحتمل الحال والاستئناف المتقدمين. والتحريض: الحَثُّ على الشيءِ، قال الراغب: «كأنه في الأصل إزالةُ الحَرَضْ نحو:» قَذِّيْتُه «أي: أزلت قذاه، وأَحْرضته: أَفْسَدْتُه كأقذيته أي: جَعَلْتُ فيه القذى، والحَرَضُ في الأصل ما لا يُعْتَدُّ به ولا خير فيه، ولذلك يقال للمشرف على الهلاك:» حَرَض «قال تعالى: ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾ [يوسف: ٨٥] وأَحْرَضَه كذا، قال: ١٦٢ - ٦- إني امرؤٌ رابني هَمٌّ فَأَحْرضني ... حتى بُليِتُ وحتى شَفَّني السَّقَمُ و» بأساً وتنكيلاً «تمييزٌ، والتنكيل: تفعيلٌ من النَّكْل وهو القيد، ثم استعمل في كل عذاب.

стр. 2421

﴿والكِفْلُ﴾ : النصيب، إلاَّ أنَّ استعمالَه في الشر أكثر، عكسَ النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخير، قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ وأصلُه قالوا: مستعارٌ مِنْ كِفْلِ البعير وهو كساء يدار حول سَنامِه ليُرْكَبَ، سُمِّي بذلك لأنه لم يَعُمَّ ظهرَه كله بل نصيباً منه، ولغلبةِ استعمالِه في الشر واستعمالِ النصيب في الخير غاير بينهما في هذه الآية الكريمة، إذ أتى بالكِفْل مع السيئة، والنصيب مع الحسنة. و «منها» الظاهر أن «

стр. 2422

مِنْ» هنا سببية أي: كِفْلٌ بسببها ونصيب بسببها، ويجوز أن تكونَ ابتدائيةً. والمُقِيت: المقتدر قال: ١٥٢ - ٧- وذي ضِغْن كَفَفْتُ الودَّ عنه ... وكنتُ على إساءته مُقيتا أي: مقتدراً، ومنه: ١٦٢ - ٨- ليت شِعْري وأَشْعُرَنَّ إذا ما ... قَرَّبوها منشورةً ودُعِيتُ ألِيَ الفضلُ أم عليَّ إذا حو ... سِبْتُ؟ إني على الحسابُ مُقيتُ / قال النحاس: «هو مشتقٌّ من القُوت، وهو مقدارُ ما يُحْفَظ به بدنُ الإِنسان من الهلاك» فأصل مُقيت: مُقوِت كمقيم.

стр. 2423

والتحية في الأصل: المُلْك. قال: ١٢٦ - ٩- أَؤمُّ بها أبا قابوسَ حتى ... أُنيخَ على تَحِيَّته بجُندي وقال آخر: ١٦٣ - ٠-

стр. 2424

ولكل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحِيَّهْ ويقال: التحية: البقاء والمُلْك، ومنه: «التحيات لله» ثم استُعملت في السلام مجازاً، ووزنها تَفْعِلة، والأصل: تَحْيِيَة فأدغمت، وهذا الإِدغامُ واجبٌ خلافاً للمازني، وأصل الأصل تَحْيِيٌّ، لأنه مصدر حَيّا، وحَيّا: فَعَّل، وفَعَّل مصدرُه على التفعيل، إلا أن يكون معتلَ اللام نحو: زكَّى وغَطَّى [فإنه تحذف إحدى الياءين] ويعوض منها تاء التأنيث فيقال: تزكية وتغطية، إلا ما شَذَّ من قوله: ١٦٣ - ١- باتَتْ تُنَزِّي دلوَها تَنْزِيَّاً ... كما تُنَزِّي شَهْلَةٌ صبيَّاً إلا أن هذا الشذوذَ لا يجوزُ مثلُه في نحو «حَيّا» لاعتلالِ عينه ولامه بالياء، وألحق بعضُم ما لامُه همزةٌ بالمعتلِّها نحو: «نَبّأ تنبئة» و «خَبّأ تخبئة» . ومثلُها: أَعْيِيَة وأَعِيَّة، جمع عَيِيٌّ. وقال الراغب: «وأصلُ التحيَّة من الحَياة، ثم جُعِل كلُّ دعاءٍ تحيةً لكون جميعِه غيرَ خارجٍ عن حصولِ الحياةِ أو سببِ الحياة. وأصل التحية أن تقول:» حَيَّاك الله «ثم استُعْمِل في عُرْفِ الشرعِ في دعاء مخصوصٍ. وقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ أي: رُدُّوا مثلَها؛ لأنَّ ردَّ عينها مُحالٌ، فحُذِفَ

стр. 2425

المضافُ نحو: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] وأصلُ» حَيُّوا «حَيِّيُوا، فاستُثْقِلت الضمةُ على الياءِ، فَحُذِفت الضمةُ فالتقى ساكنان: الياءُ والواوُ فحُذِفت الياءُ وضُمَّ ما قبل الواو. وقوله» بأحسنَ «اي: بتحيةٍ أحسنَ من تلك التحيةِ الأولى.

стр. 2426

قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ : جوابُ قسمٍ محذوف، وفي جملةِ هذا القسم مع جوابِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً لقوله «اللَّهُ» ، و «لا إلهَ إلا هو» جملةُ خبر أول. والثاني: انها خبر لقوله: «الله» أيضاً، و «لا إله إلا هو» جملة اعتراضٍ بين المبتدأ وخبره. والثالث: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب. وقد تقدم إعراب ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ [الآية: ٢٥٥] و ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [الآية: ٣] في البقرة. قوله: ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها على بابِها من انتهاءِ الغايةِ، قال الشيخ: «ويكونُ الجمعُ في القبور، أو تُضمِّن» ليجمعنَّكم «معنى ليحشرنَّكم» فيُعَدَّى ب «إلى» يعني أنه ضُمِّن الجمعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مجموع فيه. وقال أبو البقاء - بعد أَنْ جَوَّز فيها أن تكونَ بمعنى «في» - «وقيل: هي على بابها أي: ليجمعنَّكم في القبور، فعلى هذا يجوز أن يكون مفعولاً به، ويجوز أن يكونَ حالاً أي: ليجمعنَّكم مُفْضِين إلى حساب يوم القيامة» يريد بقوله «مفعولاً به» أنه فَضْلَةٌ كسائرِ الفَضَلات نحو: «سرت إلى الكوفة» ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأَنْ يُضَمَّنَ الجمعُ معنى الحشر كما تقدم، وأمَّا تقديرُه الحالَ ب «مُفَضِين» فغيرُ جائزٍ لأنه

стр. 2427

كونٌ مقيِّدٌ. والثاني: أنها بمعنى «في» أي: في يوم القيامة، ونظيرُه قولُ النابغة: ١٦٣ - ٢- فلا تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأنني ... إلى الناسِ مَطْلِيُّ به القارُ أَجْرَبُ أي: في الناس. والثالث: أنها بمعنى «مع» ، وهذا غيرُ واضح المعنى. والقيامة بمعنى القِيام كالطَّلابة والطِّلاب، قالوا: ودَخَلَتْ التاءُ فيه للمبالغة كعَلاَّمة ونَسَّابة لشدةِ ما يقع فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيامِ الناس فيه للحسابِ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ [المطففين: ٦] . والجملةُ من قوله: «لا ريب فيه» فيها وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ نصب على الحال من «يوم» فالضمير في «فيه» يعودُ عليه، والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ نعتاً لمصدرٍ محذوف دَلَّ عليه «ليجمعنَّكم» أي: جمعاً لا ريبَ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ. «ومَنْ أصْدَقُ» تقدَّم نظيرُ هذه الجملة. و «حديثاً» نصبٌ على التمييز. وقرأ الجمهور «أَصْدَقُ» بصاد خالصة، وحمزة والكسائي بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ، نحو: «تَصْدُقون» و «تَصْدِيَةً» وهذا كما فعل حمزة في ﴿الصراط﴾ [الفاتحة: ٦] و ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] للمجانسةِ قَصْدَ الخِفَّةِ.

стр. 2428

قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ : مبتدأ وخبر. و «في المنافقين» فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلقٌ بما تعلَّق به الخبرُ وهو «لكم» أي: أيُّ شيءٌ كائنٌ لكم - أو مستقر لكم - في أمر المنافقين. والثاني: أنه متعلق

стр. 2429

بمعنى فئتين، فإنه في قوة «ما لكم تفترقون في أمور المنافقين» فحُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه. والثالث: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «فئتين» لأنه في الأصل صفةٌ لها، تقديرُه: فئتين مفترقتين في المنافقين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها انتصبَتْ حالاً. وفي «فئتين» وجهان، أحدُهما: أنها حالٌ من الكاف والميم في «لكم» ، والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به «لكم» ومثلُه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ، وقد تقدَّم أنَّ هذه الحالَ لازمةٌ؛ لأن الكلامً لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البصريين في كل ما جاء من هذا التركيب والثاني - وهو مذهب الكوفيين-: أنه نصبٌ على خبر «كان» مضمرةً، والتقدير: ما لكم في المنافقين كنتم فئتين، وأجازوا: «ما لك الشاتمَ» أي: ما لك كنت الشاتمَ، والبصريون لا يجيزون ذلك لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كونه حالاً التزامُ مجيئه في هذا التركيب نكرةً، وهذا كما قالوا في «ضربي زيداً قائماً» إن «قائماً» لا يجوز نصبُه على خبر «كان» المقدرةِ، بل على الحال لالتزامِ تنكيره. وقد تقدَّم اشتقاقُ «الفئة» في البقرة. قوله: ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وفيها وجهان أظهرهما: أنها حالٌ: إمَّا من المنافقين - وهو الظاهرُ - وإمَّا من المخاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه انكرَ عليهم اختلافَهم في هؤلاء، والحال أن الله قد ردَّهم إلى الكفر. والثاني: أنها مستأنفةٌ أخبر تعالى عنهم بذلك. و «بما كَسَبوا» متعلقٌ ب «أَرْكَسهم» والباء سببية أي: بسبب كَسْبهم، و «ما» مصدريةٌ أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ على الثاني لا [على] الأولِ على الصحيح.

стр. 2430

والإِركاس: الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس للرجيع، قال ﵇ في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها: «إنها رِكْس» وقال أمية بن أبي الصلت: ١٦٣ - ٣- فَأُرْكِسوا في جحيم النار إنَّهمُ ... كانوا عصاةً وقالو الإفْكَ والزورا أي: رُدُّوا، وقال الراغب: «الرِّكْس والنِّكْس: الرِّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ، لأن النِّكَس ما جُعِل أعلاه أسفله، والرِّكس ما صار رجيعاً بعد أن كان طعاماً. وقيل: أَرْكسه أَوْبقَه، قال: ١٦٣ - ٤- بشُؤْمِك أَرْكَسْتَني في الخَنا ... وأَرْمَيْتَني بضروبِ العَنا وقيل: الإِركاس: الإِضلال، ومنه: ١٣٦ - ٥- وأَرْكَسْتَنِي عن طريق الهدى ... وصَيَّرْتَنِي مَثَلاً للعِدى وقيل: هو التنكيسُ، ومنه: ١٦٣ - ٦- رُكِّسوا في فتنةٍ مظلمةٍ ... كسوادِ الليلِ يَتْلُوها فِتَنْ ويقال: أَرْكس وَرَكَّس بالتشديد ورَكَس بالتخفيف: ثلاث لغات بمعنى واحد، وارتكس هو أي: رجَع. وقرأ عبد الله: «ركَسَهم» ثلاثياً، وقرئ «

стр. 2431

رَكَّسهم - رُكِّسوا» بالتشديد فيهما. وقال أبو البقاء: «وفيه لغةٌ أخرى» رَكَسه الله «من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحداً قرأ به» قلت: قد تقدَّم أن عبد الله قرأ «والله ركسهم» من غير همز ولا تشديد، وكلام أبي البقاء مُخّلِّصٌ فإنه إنما ادَّعى عدمَ العلمِ بأنها قراءةٌ لا عدمَ القراءة بها. قال الراغب: «إلا أن» أركسه «أبلغُ من» رَكَسه «كما أنَّ أَسْفَله أبلغُ من سُفْلَه» وفيه نظر.

стр. 2432

قوله تعالى: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ : «لو» يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ مصدرية. والثاني: أنها على بابها من كونِها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، فعلى الأول تتقدَّر مع ما بعدَها بمصدر، وذلك المصدرُ في محل المفعول ل «وَدُّوا» ، وحينئذ فلا جوابَ لها، والتقدير: وَدُّوا كفركم، وعلى الثاني يكون مفعولُ «وَدَّ» محذوفاً «، وجوابُ» لو «أيضاً» محذوف، لدلالةِ المعنى عليهما، والتقدير: وَدُّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا لسُرُّوا بذلك. و «كما كفروا» نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: كفراً مثلَ كفرهم، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدر كما هو مذهب سيبويه، / و «فتكونوا» عطف على «تكفرون» والتقدير: وَدُّوا كفركم فكونَكم مستوين معهم في شَرْعهم. قال الزمخشري: «ولو نُصِب على جوابِ التمني لجاز» وجعل الشيخ فيه نظراً من حيث إن النصبَ في جواب التمني إذا كان التمني بلفظ الفعل يَحْتاج إلى سماع من العرب، بل لو جاء لم تتحقَّقَ فيه الجوابيةُ، لأنَّ «ودَّ» التي بمعنى التمني متعلقها المصادر لا الذوات، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعيَّنْ أن

стр. 2433

تكون فاءَ جواب، لاحتمال أن يكونَ من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به فيكون من باب: ١٦٣ - ٧- لَلُبْس عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يعني كأنَّ المصدر المفعولَ ب «يود» ملفوظٌ به، والمصدرُ المقدَّرُ ب «أن» والفعلِ عطفٌ عليه، فَجَعَلَ المصدرَ المحذوفَ ملفوظاً به في مقابلةِ المقدِّرِ ب «أَنْ» والفعلِ، وإلاَّ فالمصدرُ المحذوفُ ليس ملفوظاً به إلا بهذا التأويلِ المذكورِ، بل المنقولُ أنَّ الفعلَ ينتصبُ على جوابِ التمني إذا كان بالحرفِ نحو «ليت» ، و «لو» و «ألا» إذا أُشْربتا معنى التمني. وفيما قاله الشيخ نظر؛ لأن الزمخشري لم يَعْنِ بالتمني المفهومَ من فعل الوَدادةِ، بل المفهومَ من لفظ «لو» المشعرةِ بالتمني، وقد جاء النصب في جوابها كقوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] ، وقد قَدَّمْتُ تحقيقَ هذه المسألةِ، فقد ظَهَر ما قاله الزمخشري من غير توقُّفٍ. «وسواءً» خبر «تكونون» وهو في الأصل مصدرٌ واقعٌ موقعَ اسمِ الفاعلِ بمعنى مُسْتوين؛ ولذلك وُحِّد نحو: «رجال عَدْلٌ» .

стр. 2434

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ : فيه قولان، أظهرُهما: أنه استثناءٌ متصلٌ، والمستثنى منه قولُه ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ والمُسْتَثْنَوْن على هذا قومٌ كفارٌ، ومعنى الوَصْلةِ هنا الوَصْلَةُ بالمعاهَدَةِ والمهادَنَةِ، وقال أبو عبيد: «هو اتصالُ النسب» وغَلَّطة النحاس بأن النسبَ كان ثابتاً بين النبيِّ ﷺ والصحابة وبين المشركين، ومع ذلك لم يَمْنَعْهم ذلك من قتالهم. والثاني: أنه منقطعٌ - وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، واختيار

стр. 2435

الراغب - قال أبو مسلم: «لَمَّا أوجبَ اللَّهُ الهجرةَ على كلِّ مَنْ أسلمَ استثنى مَنْ له عذرٌ فقال: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ وهم قوم قصدوا الهجرة إلى الرسول ونصرتَه، وكان بينهم وبين المسلمين عَهْدٌ فأقاموا عندهم إلى أن يمكِّنهم الخلاصُ، واستثنى بعد ذلك مَنْ صار إلى الرسول وإلى أصحابِه لأنه يَخافُ اللَّهَ فيه، ولا يقاتِلُ الكفارَ أيضاً لأنهم أقاربُه، أو لأنه يخاف على أولاده الذين هم في أيديهم» فعلى هذا القولِ يكون استثناءً منقطعاً، لأن هؤلاء المستثنين لم يدخُلوا تحت قولِه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ والمستثَنْون على هذا مؤمنون. و ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ يجوز أن يكونَ جملةً من مبتدأ وخبر في محل جرِّ صفةً ل «قوم» ، ويجوز أن يكونَ «بينكم» وحده صفةً ل «قوم» فيكونَ في محلِّ جر ويتعلَّقُ بمحذوفٍ، و «ميثاق» على هذا رفعٌ بالفاعلية؛ لأنَّ الظرفَ اعتمد على موصوفٍ، وهذا الوجهُ أقربُ؛ لأنَّ الوصفَ بالمفردِ أصلٌ للوصفِ بالجملة. قوله: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على الصلة، كأنه قيل: أو إلا الذين جاؤوكم حَصِرَتْ صدورُهم، فيكون المستثنى صنفين من الناس، أحدهما واصلٌ إلى قومٍ معاهِدين، والآخر مَنْ جاء غَيْر مقاتِلٍ للمسلمين ولا لقومِه. والثاني: أنه عطفٌ على صفةِ «قوم» وهي قولُه ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ فيكون المستثنى صنفاً واحداً يختلف باختلافِ مَنْ يصل إليه من معاهِدٍ وكافرٍ. واختار الأولَ الزمخشري وابن عطية، قال الزمخشري: «الوجهُ العطفُ على الصلةِ لقوله: ﴿فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ فقرَّر أنَّ كفَّهم عن القتال أحدُ سببي استحقاقِهم لنفي

стр. 2436

التعرُّض لهم، وتَرْكِ الإِيقاع. بهم. فإن قلت: كلُّ واحد من الاتصالين له تأثيرٌ في صحة الاستثناء استحقاقِ تَرْكِ التعرضِ للاتصال بالمعاهِدين والاتصالِ بالكافِّين، فهلا جَوَّزْتَ أن يكون العطفُ على صفةِ» قوم «ويكون قولُه: ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ تقريراً لحكمِ اتِّصالهم بالكافِّين واختلاطِهم بهم وجَرْيهم على سُنَنِهم؟ قلت: هو جائز، ولكنّ الأولَ أظهرُ وأجْرى على أسلوب الكلام» انتهى. وإنما كان أظهرَ لوجهين، أحدهما من جهة الصناعة، والثاني من جهة المعنى: أمَّا الأولُ فلأنَّ عطفَه على الصلة لكون النسبة فيه إسناديةً، وذلك أن المستثنى مُحَدَّثٌ عنه محكومٌ له بخلاف حكم المستثنى منه، فإذا قَدَّرْتَ العطفَ على الصلة كان مُحَدَّثاً عنه بما عَطَفْتَه بخلاف ما إذا عَطّفْتَه على الصفة، فإنه يكونُ تقييداً في «قوم» الذين هم قيدٌ في الصلةِ المُحَدَّثِ عن صاحبها، ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسناديةً وبين أن تكون تقييدية كان جعلُها إسناديةً أَوْلى لاستقلالها. والثاني من جهة المعنى: وذلك أنَّ العطفَ على الصلة يؤدي إلى أنَّ سببَ تَرْكِ التعرُّض لهم تركُهم القتالَ وكَفُّهم عنه، وهذا سببٌ قريب، والعطفُ على الصفة يؤدي إٍلى أنَّ سببَ تركِ التعرضِ لهم وصولُهم إلى قوم كافِّين عن القتال وهذا سببٌ بعيدٌ، وإذا دار الأمرُ بين سببٍ قريبٍ وآخرَ بعيدٍ فاعتبارُ القريبِ أَوْلَى. والجمهورُ على إثبات «أو» ، وفي مصحف أُبَيّ: «جاؤوكم» من غير «أو» وخَرَّجها الزمخشري على أحد أربعة أوجه: إمَّا البيانِ ل «يَصِلون» ، أو البدلِ منه، أو الصفةِ لقومٍ بعد صفة، أو الاستئنافِ.

стр. 2437

قال الشيخ: «وهي وجوهٌ محتملةٌ وفي بعضِها ضعفٌ وهو البيانُ والبدلُ، لأنَّ البيانَ لا يكون في الأفعال، ولأن البدل لا يتأتَّى لكونِه ليس إياه ولا بعضَه ولا مشتملاً عليه» . انتهى. ويحتاج الجوابُ عنه إلى تأمُّل ونظر. قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ فيه سبعة أوجه، أحدها: أنه لا محلَّ لهذه الجملة، بل جيء بالدعاء عليهم بضيقِ صدورهم عن القتال، وهذا منقولٌ عن المبرد، إلاَّ أنَّ الفارسيَّ رَدَّ عليه بأنَّا مأمورُون بأَنْ ندعوَ على الكفارِ بإلقاءِ العداوة بينَهم فنقولُ: «اللهم أَوْقِعِ العداوةَ بين الكفار» لكن يكونُ قوله: ﴿أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ نَفْيَ ما اقتضاه دعاءُ المسلمين عليهم. وقد أجابَ عن هذا الردِّ بعضُ الناس، فقال ابن عطية: «يُخَرَّجُ قولُ المبرد على أن الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيزٌ لهم، والدعاءُ عليهم بأن لا يقاتِلوا قومَهم تحقيرٌ لهم أي: هم أقلُّ وأحقرُ ومستغنىً عنهم، كما تقول إذا أردت هذا المعنى:» لا جعل الله فلاناً عليَّ ولا معي «معنى أسْتغنِي عنه وأستقلُّ دونَه» وأجابَ غيرُه بأنه يجوزُ أن يكونَ سؤالاً لموتهم على أنَّ قولَه «قومهم» قد يُحْتمل أن يُعَبَّر به عَمَّنْ ليسوا منهم، بل عن مُعادِيهم «. الثاني: أنَّ» حَصَرِت «حالٌ من فاعل» جاؤوكم «وإذا وقعت الحال فعلاً ماضياً ففيها خلافٌ: هل يَحْتاج إلى اقترانهِ ب» قد «أم لا؟ والراجحُ عدمُ الاحتياجِ لكثرة ما جاء منه، فعلى هذا لا تُضْمَرُ» قد «قبل» حَصِرَتْ «ومَنِ اشترط ذلك قَدَّرها هنا. والثالث: أَنَّ» حَصِرَتْ «صفةٌ لحالٍ محذوفةٍ تقديرُه: أو جاؤوكم قوماً حَصِرَتْ صدورُهم. وسَمَّاها أبو البقاء حالاً مُوَطِّئَة، وهذا

стр. 2438

الوجهُ يُعْزَى للمبرد أيضاً/ الرابع: أن يكون في محل جَرٍّ صفةً لقوم بعد صفة، و «أو جاؤوكم» معترضٌ. قال أبو البقاء: «يَدُلُّ عليه قراءةُ مَنْ أسقط» أو «وهو أُبَيُّ، كذا نقله عنه الشيخ، والذي رأيتُه في إعرابه إسقاطُ» أو جاؤوكم «جميعه وهذا نَصُّه قال:» أحدهما: هو جَرٌّ صفةً لقوم وما بينهما صفة أيضاً، و «جاؤوكم» معترضٌ، وقد قرأ بعضُ الصحابة بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم، بحذف «أو جاؤوكم» هذا نَصُّه، وهو أوفق لهذا الوجهِ. الخامس: أن يكونَ بدلاً من «جاؤوكم» بدلَ اشتمال لأن المجيء مشتملٌ على الحَصْر وغيرِه، نقله الشيخ عن أبي البقاء أيضاً. السادس: أنه خبرٌ بعد خبر، وهذه عبارة الزجاج، يعني أنها جملة مستأنفة، أَخْبر بها عن ضيقِ صدور هؤلاء عن القتال بعد الإِخبار عنهم بما تقدَّم. قال ابن عطية بعد حكاية قولِ الزجاج: «يُفَرَّق بين الحال وبين خبر مستأنف في قولك:» جاء زيد ركب الفرسَ «أنك إذا أردت الحال بقولك» رَكَب الفرس «قَدَّرْتَ» قد «، وإن أردت خبراً بعد خبر لم تحتج إلى تقديرها» السابع: أنه جواب شرط مقدر تقديره: إن جاؤوكم حصرت، وهو رأي الجرجاني، وفيه ضَعْفٌ لعدم الدلالة على ذلك. وقرأ الجمهور: «حَصِرَتْ» فعلاً ماضياً، والحسن وقتادة ويعقوب: «

стр. 2439

حَصِرةً» نصباً على الحال بوزن «نَبَقَة» وهي تؤيد كونَ «حَصِرت» حالاً، ونقلها المهدوي عن عاصم في رواية حفص، ورُوي عن الحسن أيضاً: «حَصِراتٍ» و «حاصراتٍ» . وهاتان القراءتان تحتملان أن تكونَ «حَصِراتٍ» و «حاصراتٍ» نصباً على الحال، أو جراً على الصفة ل «قوم» ، لأنَّ جمع المؤنث السالم يستوي جَرُّه ونصبه إلا أنَّ فيهما ضعفاً من حيث إنَّ الوصف الرافعَ لظاهرٍ الفصيحُ فيه أن يُوَحَّد كالفعلِ أو يُجْمَعَ جَمْعَ تكسير ويَقِلُّ جمعُه تصحيحاً، تقول: مررت بقومٍ ذاهب جواريهم، أو قيام جواريهم، ويَقَلُّ: «قائماتٍ جواريهم» وقرئ «حَصِرةٌ» بالرفع على أنه خبر مقدم، و «صدوُرهم» مبتدأ، والجملة حال أيضاً. وقال أبو البقاء. «وإن كان قد قرئ» حصرةٌ «بالرفع، فعلى أنه خبر، و» صدورهم «مبتدأ، والجملةُ حال» . قوله: ﴿أَن يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أصلُه: عن أَنْ، فلمَّا حُذِف حرف الجر جرى الخلاف المشهور: أهي في محل جر أو نصب؟ والحَصْرُ: الضيق، وأصلُه في المكان ثم تُوُسِّع فيه، قال: ١٦٣ - ٨- ولقد تَسَقَّطَني الوشاة فصادَفُوا ... حَصِراً بسِرِّكِ يا أُميمُ ضَنِيناً وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ اللام جواب «لو» لعطفِه على الجواب، وقال ابن عطية: «هي لامُ المحاذاة والازدواج بمثابةِ الأولى، لو لم تكن الأولى كنت تقول» لقاتلوكم «وهي تسميةٌ غريبة، وقد سبقه إليها مكي. والجمهور على»

стр. 2440

فَلَقاتلوكم «من المُفاعلة. ومجاهد وجماعة:» فَلقتلوكم «ثلاثياً والحسن والجحدري:» فلقتَّلوكم «بالتشديد وقرأ الجحدري:» السَّلْم «بفتحِ السين وسكوِن اللام، والحسنُ بكسرها وسكون اللام. قوله: ﴿لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ » لكم «متعلق ب» جَعَل «و» سبيلاً «مفعولُ» جَعَل «و» عليهم حالٌ من «سبيلاً» لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، ويجوز أن تكونَ «جعل» بمعنى «صَيَّر» فيكونُ «سبيلاً» مفعولاً أولَ، و «عليهم» مفعولٌ ثان قُدِّم.

стр. 2441

والسين في ﴿سَتَجِدُونَ﴾ : للاستقبال على أصلها. قالوا: وليست هنا للاستقبال بل للدلالةِ على الاستمرار، وليس بظاهر. وقرأ عبد الله: «رُكِسوا» فيها ثلاثياً مخففاً، ونقل ابن جني عنه «رُكِّسُوا» بالتشديد.

стр. 2442

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن﴾ : قد تقدَّم نظيرُ هذا التركيب: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] . و «إلا خَطَأً» فيه أربعة أوجه، أحدُها: أنه استثناء منقطع وهو قولُ الجمهور إنْ أُريد بالنفي معناه، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ متصلاً إذ يصير المعنى: إلا خطأ فله قتلُه. والثاني: أنه متصلٌ إنْ أريد بالنفي التحريمُ، ويصير المعنى: إلا خطأ بأن عَرَفَه كافراً فقتله ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. الثالث: أنه استثناء مفرغ، ثم في نصبهِ ثلاثة احتمالات، الأول: أنه مفعولٌ له أي: ما ينبغي له أن يقتلَه لعلة من العلل إلا لخطأِ وحدَه، الثاني: أنه حال أي: ما ينبغي له أن يقتلَه في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. الثالث: أنه نعتُ مصدرٍ محذوف أي: إلا قَتْلاً خطأ، ذكر

стр. 2443

هذه الاحتمالاتِ الزمخشري. الرابع من الأوجه: أن تكونَ «إلا» بمعنى «ولا» والتقدير: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ، ذَكَره بعضُ أهل العلم، حكى أبو عبيدة عن يونس قال: «سألتُ رؤبة بن العجاج عن هذه الآيةِ فقال:» ليس له أن يقتله عمداً ولا خطأ «فأقام» إلا «مقامَ الواوِ، وهو كقول الشاعر: ١٦٣٩ - وكلُّ أخٍ مفارِقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدانِ إلا أن الفراء ردَّ هذا القولَ بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استثناء آخر فيكونُ الثاني عطفاً عليه كقوله: ١٦٤٠ - ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا وهذا رأي الفراء، وأمَّا غيرُه فيزعم أن» إلا «تكون عاطفة بمعنى الواو من غير شرط، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين﴾ [البقرة: ١٥٠] . والجمهور قرأ» خَطَأً «مهموزاً بوزن» نبأ «والزهري:» خَطَا «بوزن عصا، وفيها تخريجان، أحدهما: أنه حذف لام الكلمة تخفيفاً، كما حذفوا لام دم ويد وأخ وبابِها. والثاني: أنه خَفَّف الهمزة بإبدالها ألفاً، فالتقت مع

стр. 2444

التنوينِ فَحُذِفت لالتقاء الساكنين، كما يُفْعَل ذلك بسائر المقصور، والحسن قرأ:» خَطاءً «بوزن» سَماء «. قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ الفاء جواب الشرط، أو زائدةٌ في الخبر إنْ كانت» مَنْ «بمعنى الذي، وارتفاعُ» تحريرُ «: إمَّا على الفاعلية، أي: فيجبُ عليه تحريرُ وإما على الابتدائية والخبر محذوف أي: فعليه تحريرُ، أو بالعكس أي: فالواجبُ تحريرُ. والدِّيَةُ في الأصل مصدر، ثم أُطْلِقَ على المال المأخوذ في القتل، ولذلك قال:» مُسَلَّمَةٌ إلى أهله «والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الاعيان، تقول: وَدَى يَدِي دِيةً ووَدْياً كوشَى يشي شِيَةً، فحذفت فاء الكلمة، ونظيره في الصحيح اللام» زِنة «و» عِدة «و» إلى أهله «متعلق ب» مُسَلَّمة «تقول: سَلَّمت إليه كذا، ويجوزُ أن يكونَ صفةً ل» مُسَلَّمة «وفيه ضعفٌ. و «خطأ» في قوله: «من قتل مؤمناً خطأ» منصوبٌ: إمَّا على المصدر أي: قتلاً خطأ، وإمَّا على أنه مصدرٌ في موضع الحال أي: ذا خطأ أو خاطئاً. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ فيه قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع. والثاني: أنه متصلٌ، قال الزمخشري: «فإنْ قلت: بمَ تَعَلَّق» أَنْ يصَّدَّقوا «وما محلُّه؟ قلت: تَعَلَّق ب» عليه «أو بِ» مُسَلَّمَةٌ «كأنه قيل: وتَجِبُ عليه الدِّية أو يسلِّمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلُّها النصب على الظرف بتقديرِ حذف الزمان، كقولهم:» اجِلسْ ما دام زيد جالساً «ويجوز أن يكون حالاً من» أهله «بمعنى إلا متصدقين» . وخَطَّأه الشيخ في هذين التخريجين/، أما الأول فلأنَّ النحويين نَصُّوا على منع قيام «أَنْ» وما بعدَها مقامَ الظرف، وأنَّ ذلك ما تختص به «ما» المصدريةُ لو قلت: «آتيك أن يصيحَ الديك» أي: وقت صياحِه لم يجز. وأما الثاني فنصَّ سيبويه على منعه أيضاً قال في قول

стр. 2445

العرب: «أنت الرجل أن تنازلَ، أو أن تخاصمَ» أي: أنت الرجل نزالاً ومخاصمة: «إنَّ انتصابَ هذا انتصابَ هذا انتصابُ المفعول من أجله، لأنَّ المستقبل لا يكون حالاً» فكونُه منقطعاً هو الصوابُ. وقال أبو البقاء: «وقيل: هو متصلٌ، والمعنى: فعليه دِيَةٌ في كل حال إلا في حال التصدُّق عليه بها» . والجمهور على «يَصَّدَّقوا» بتشديد الصاد، والأصل يتصدَّقوا، فأدغمت التاء في الصاد. ونقل عن أُبيّ هذا الأصلُ قراءةً، وقرأ أبو عمرو في روايةِ عبد الوراث - وتُعْزى للحسن وأبي عبد الرحمن -: «تَصَدَّقوا» بتاء الخطاب والأصل: تَتصدقوا بتاءين، فَأُدغمت الثانية. وقُرئ: «تَصْدُقوا» بتاء الخطاب وتخفيف الصاد، وهي كالتي قبلها، إلا أنَّ تخفيفَ هذه بحذفِ إحدى التاءين: الأولى أو الثانيةِ على خلاف في ذلك، وتخفيفَ الأولى بالإِدغام. قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ مفعولُه محذوفٌ أي: فَمَنْ لم يجِدْ رقبة، وهي بمعنى وجدان الضالّ، فلذلك تَعَدَّتْ لواحدٍ. وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ ارتفاعُه على أحدِ الأوجه المذكورة في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقد مَرَّ. أي: فعليه صيامُ أو: فيجبُ عليه صيام أو فواجبُه صيام. قال أبو البقاء: «ويجوزُ في غير القرآنِ النصبُ على» فليصم صومَ شهرين «. وفيه نظرٌ لأنَّ الاستعمالَ المعروفَ في ذلك أَنْ يُقالَ» «صمتُ شهرين ويومين» ولا يقولون: صمتُ صومَ - ولا صيامَ - شهرين. قوله: ﴿تَوْبَةً﴾ في نصبه ثلاثة أوجه، أحدهم: أنهما مفعول من أجله تقديره: شَرَعَ ذلك توبةً منه. قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون العامل»

стр. 2446

صوم «إلا على حذف مضاف، أي: لوقوعِ توبة أو لحصول توبة» يعني أنه إنما احتاج إلى تقدير ذلك المضاف ولم يقل إن العامل هو الصيام؛ لأنه اختلَّ شرطٌ من شروطِ نصبه؛ لأنَّ فاعل الصيام غير فاعلَ التوبة. الثاني: أنها منصوبةً على المصدر أي: رجوعاً منه إلى التسهيل حيث نَقَلكم من الأثقلِ إلى الأخفِّ، أو توبة منه أي: قَبُولاً منه، مِنْ تاب عليه إذا قَبِل توبته، فالتقدير: تابَ عليكم توبةً. الثالث: أنها منصوبةٌ على الحال ولكن على حذف مضافٍ تقديرُه: فعليه كذا حالَ كونِه صاحبَ توبةٍ، ولا يجوز ذلك من غيرِ تقدير هذا المضافِ لأنك لو قلتَ: «فعليه صيامُ شهرين تائباً من الله» لم يَجُزْ «ومِن الله» في محلِّ نصبٍ لأنه صفةٌ ل «توبة» فيتعلَّقُ بمحذوف.

стр. 2447

و ﴿مُّتَعَمِّداً﴾ : حالٌ من فاعل «يَقتلْ» وروي عن الكسائي سكون التاء كأنه فَرَّ من توالي الحركات. و «خالداً» نصب على الحال من محذوف، وفيه تقديران، أحدهما: «يُجْزاها خالداً فيها» فإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من الضمير المنصوب أو المرفوع، والثاني: «جازاه» بدليل «وغضب الله عليه ولعنَه» فعطفَ الماضي عليه، فعلى هذا هي حالٌ من الضمير المنصوب لا غيرُ، ولا يجوز أن تكون حالاً من الهاء في «جزاؤه» لوجهين، أحدهما: أنه مضاف إليه، ومجيء الحال من المضاف إليه ضعيفٌ أو ممتنع. والثاني: أنه يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي وهو خبرُ المبتدأ الذي هؤ «جهنم» .

стр. 2448

قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ : قرأ الأخوان من التثبُّت، والباقون من البيان، قيل: هما متقاربان لأن مَنْ تَثَّبت في الشيء تبينه، قاله

стр. 2449

أبو عبيد، وصَحَّحه ابن عطية وقال الفارسي: «التثبُّت هو خلاف الإِقدام والمراد التَّأنِّي، والتثبت أشد اختصاصاً بهذا الموضع، يدل عليه قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء: ٦٦] أي: أشدُّ وقعاً لهم عَمَّا وُعِظوا به بأَنْ لا يقدُموا عليه» فاختارَ قراءة الأخوين. وعكس قومٌ فرجَّحوا قراءة الجماعة قالوا: لأن المثبِّت قد لا يتبيَّن، وقال الراغب: «لأنه قلَّ ما يكون إلا بعد تثبُّت، وقد يكون التثبت ولا تبيُّنَ، وقد قوبل العجلة في قوله ﵇:» التبيُّن من الله والعجلةُ من الشيطان «قلت: فهذا يقوي قراءة الأخوين أيضاً. وتَفَعَّل في كلتا القراءتين بمعنى استفعل الدال على الطلب أي: اطلبوا التثبيت أو البيان. وقوله: ﴿لِمَنْ ألقى﴾ اللام للتبليغ هنا، و» مَنْ «موصولة. أو مفصولةٌ، و» ألقى «هنا ماضي اللفظِ، إلا أنه بمعنى المستقبل أي: لمن يُلْقي، لأنَّ النهيَ لا يكونُ عَمَّا وقع وانقضى، والماضي إذا وقع صلة صَلَح للمضيِّ والاستقبال. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة:» السَّلَم «بفتح السين واللام من غير ألف، وباقي السبعة:» السلام «بألف، ورُوي عن عاصم:» السِّلْم «بكسر السين وسكون اللام. فأما» السلام «فالظاهر أنه التحية. وقيل: الاستسلام والانقياد، والسَّلَم - بفتحهما - الانقياد فقط، وكذا ﴿السلم﴾ [الآية: ٢٠٨] بالكسر والسكون. والجحدري بفتحها وسكون اللام، وقد تَقَدَّم القول فيها في البقرة فعليك بالالتفات إليه. والجملة من قوله» لست مؤمناً «في محل

стр. 2450

نصب بالقول. والجمهور على كسر الميم الثانية من» مؤمناً «اسم فاعل وأبو جعفر بفتحها اسمَ مفعول أي: لانُؤَمِّنك في نفسك، وتُروى هذه القراءة عن علي وابن عباس ويحيى بن يعمر. قوله ﴿تَبْتَغُونَ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل» تقولوا «أي: لا تقولوا ذلك مبتغين. قوله:» كذلك «هذا خبر ل» كان «قُدِّم عليها وعلى اسمها أي: كنتم من قبل الإِسلام مثلَ مَنْ أقدم ولم يَتَثَبَّتْ. وقوله ﴿فَمَنَّ الله﴾ الظاهر أن هذه الجملة من تتمة قوله ﴿كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ فهي معطوفة على الجملة قبلها. وقيل: بل هي من تتمة قوله» تبتغون «والأولُ أظهر: وقوله:» فتبيِّنوا «قرئت كالتي قبلها فقيل: هي تأكيد لفظي للأولى، وقيل: ليست للتأكيد لاختلاف متعلقهما، فإنَّ تقدير الأول:» فتبيَّنوا في أمر مَنْ تقتلونه «، وتقدير الثاني: فتبينوا نعمةَ الله، أو تثبَّتوا فيها، والسياقُ يدل على ذلك، ولأنَّ الأصل عدم التأكيد. والجمهور على كسر همزة» إنَّ الله «، وقرئ بفتحها على أنها معمولة ل» تبينَّوا «أو على حذف لام العلةِ، وإن كان قد قرئ بالفتح مع التثبيت فيكونُ على لام العلة لا غير. والمغانم: جمع» مَغْنَم «وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان، ثم يُطلق على [كل] ما يؤخذ من مال العدو في الغزو، إطلاقاً للمصدر على اسم المفعول نحو:» ضَرْب الأمير «.

стр. 2451

قوله تعالى: ﴿مِنَ المؤمنين﴾ : متعلق بمحذوف لأنه حال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه القاعدون، فالعامل في الحال في الحقيقة يستوي، والثاني: أنه الضمير المستكنُّ في «القاعدون» لأن «أل» بمعنى الذي، أي: الذين قعدوا في هذه الحال، ويجوز أن تكون «مِنْ» للبيان.

стр. 2452

قوله ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضرر﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم «غير» بالرفع، والباقون بالنصب، والأعمش بالجر. والرفع من وجهين، أظهرهما: أنه على البدل من «القاعدون» وإنما كان هذا أظهرَ لأن الكلام نفي، والبدلُ معه أرجحُ لِما قُرِّر في عمل النحو. والثاني: أنه رفع على الصفة ل «القاعدون» ، ولا بد من تأويل ذلك لأن «غير» لا تتعَرَّفُ بالإِضافة، ولا يجوز اختلافُ النعت والمنعوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله: إمَّا بأن القاعدين لَمَّا لم يكونوا ناساً بأعيانهم بل أُريد بهم الجنسُ أَشْبَهوا النكرة فَوُصِفوا كما توصف، وإمَّا بأن «غير» قد تتعرَّف إذا وقعت بين ضدَّين، وهذا كله كما تقدم في إعراب ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] في أحد الأوجه، وهذا كلُّه خروج عن الأصول المقررة فلذلك اخترت الأول، ومثله: ١٦٤ - ١- وإذا اُقْرِضْتَ قَرْضاً فاجْزِهِ ... إنما يَجْزي الفتى غيرُ الجَمَلْ برفع «غير» كذا ذكره أبو علي، والراوية «ليس الجمل» عند غيره. والنصبُ على أحد ثلاثة أوجه، الأول: النصبُ على الاستثناء من «القاعدون» وهو الأظهرُ لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني: من «المؤمنين» وليس بواضحِ، والثالث: على الحال من «القاعدون» والجرُّ على الصفة للمؤمنين، وتأويلُه كما تقدم في وجه الرفع على الصفة. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ﴾ كِلا الجارَّيْن متعلقٌ ب «المجاهدون» و «المجاهدون» عطف على «القاعدون» قوله: ﴿دَرَجَةً﴾ فيها أربعة أوجه، أحدها: أنها منصوبة على المصدر لوقوع «درجة» موقعَ المَرَّة من التفضيل كأنه

стр. 2453

قيل: فَضَّلهم تفضيلةً نحو: «ضربته سوطاً» الثاني: أنها حال من «المجاهدين» أي: ذوي درجة. الثالث: أنها منصوبة انتصابَ الظرف أي: في درجة ومنزلة. الرابع: انتصابها على إسقاط الخافض أي: بدرجة. قوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ «كلاً» مفعول أول ل «وعد» مقدماً عليه، و «الحسنى» مفعول ثان. وقرئ: «وكلُّ» على الرفع بالابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: وعده، وهذه كقراءة ابن عامر في سورة الحديد ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [الآية: ١٠] . قوله «أجراً» في نصب أربعة أوجه، أحدهما: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه؛ لأن معنى «فَضَّل الله» آجرَ. الثاني: النصب على إسقاطِ الخافض أي: فضَّلهم بأجر. الثالث: النصب على أنه مفعولٌ ثانٍ؛ لأنه ضَمَّن «فضَّل» أعطى، أي: أعطاهم أجراً تَفَضُّلاً منه. الرابع: أنه حال من «درجات» قال الزمخشري: «وانتصب» أجراً «على الحال من النكرة التي هي» درجات «مقدَّمةً عليها» وهو غير ظاهر؛ لأنه لو تَأَخَّر عن «درجات» لم يجز أن يكون نعتاً ل «درجات» لعدم المطابقة، لأنَّ «درجات» جمع، و «أجر» مفرد. كذا ردَّه بعضهم، وهي غفلة، فإنَّ «أجراً» مصدرٌ، والأفصحُ فيه أن يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مطلقاً.

стр. 2454

قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ : فيه ستة أوجه: الأربعة المذكورة في «درجة» ، والخامس: أنه بدلٌ من «أجراً» السادس: - ذكره ابن عطية - أنه منصوبٌ بإضمار فعل على أن يكون تأكيداً للأجر كما تقول: «لك عليَّ

стр. 2455

ألفُ درهمٍ عُرْفاً» كأنك قلت: أعرفها عُرْفاً، وفهي نظر. و «مغفرة ورحمة» عطف على درجات، ويجوز فيهما النصب بفعلهما أي: وغفر لهم مغفرةً ورحمهم رحمةً.
следующие страницы →