Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
قوله تعالى: ﴿مِنَ المؤمنين﴾ : متعلق بمحذوف لأنه حال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه القاعدون، فالعامل في الحال في الحقيقة يستوي، والثاني: أنه الضمير المستكنُّ في «القاعدون» لأن «أل» بمعنى الذي، أي: الذين قعدوا في هذه الحال، ويجوز أن تكون «مِنْ» للبيان.
стр. 2452
قوله ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضرر﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم «غير» بالرفع، والباقون بالنصب، والأعمش بالجر. والرفع من وجهين، أظهرهما: أنه على البدل من «القاعدون» وإنما كان هذا أظهرَ لأن الكلام نفي، والبدلُ معه أرجحُ لِما قُرِّر في عمل النحو. والثاني: أنه رفع على الصفة ل «القاعدون» ، ولا بد من تأويل ذلك لأن «غير» لا تتعَرَّفُ بالإِضافة، ولا يجوز اختلافُ النعت والمنعوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله: إمَّا بأن القاعدين لَمَّا لم يكونوا ناساً بأعيانهم بل أُريد بهم الجنسُ أَشْبَهوا النكرة فَوُصِفوا كما توصف، وإمَّا بأن «غير» قد تتعرَّف إذا وقعت بين ضدَّين، وهذا كله كما تقدم في إعراب ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] في أحد الأوجه، وهذا كلُّه خروج عن الأصول المقررة فلذلك اخترت الأول، ومثله:
١٦٤ - ١- وإذا اُقْرِضْتَ قَرْضاً فاجْزِهِ ... إنما يَجْزي الفتى غيرُ الجَمَلْ
برفع «غير» كذا ذكره أبو علي، والراوية «ليس الجمل» عند غيره. والنصبُ على أحد ثلاثة أوجه، الأول: النصبُ على الاستثناء من «القاعدون» وهو الأظهرُ لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني: من «المؤمنين» وليس بواضحِ، والثالث: على الحال من «القاعدون» والجرُّ على الصفة للمؤمنين، وتأويلُه كما تقدم في وجه الرفع على الصفة.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ﴾ كِلا الجارَّيْن متعلقٌ ب «المجاهدون» و «المجاهدون» عطف على «القاعدون» قوله: ﴿دَرَجَةً﴾ فيها أربعة أوجه، أحدها: أنها منصوبة على المصدر لوقوع «درجة» موقعَ المَرَّة من التفضيل كأنه
стр. 2453
قيل: فَضَّلهم تفضيلةً نحو: «ضربته سوطاً» الثاني: أنها حال من «المجاهدين» أي: ذوي درجة. الثالث: أنها منصوبة انتصابَ الظرف أي: في درجة ومنزلة. الرابع: انتصابها على إسقاط الخافض أي: بدرجة.
قوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ «كلاً» مفعول أول ل «وعد» مقدماً عليه، و «الحسنى» مفعول ثان. وقرئ: «وكلُّ» على الرفع بالابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: وعده، وهذه كقراءة ابن عامر في سورة الحديد ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [الآية: ١٠] . قوله «أجراً» في نصب أربعة أوجه، أحدهما: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه؛ لأن معنى «فَضَّل الله» آجرَ.
الثاني: النصب على إسقاطِ الخافض أي: فضَّلهم بأجر. الثالث: النصب على أنه مفعولٌ ثانٍ؛ لأنه ضَمَّن «فضَّل» أعطى، أي: أعطاهم أجراً تَفَضُّلاً منه. الرابع: أنه حال من «درجات» قال الزمخشري: «وانتصب» أجراً «على الحال من النكرة التي هي» درجات «مقدَّمةً عليها» وهو غير ظاهر؛ لأنه لو تَأَخَّر عن «درجات» لم يجز أن يكون نعتاً ل «درجات» لعدم المطابقة، لأنَّ «درجات» جمع، و «أجر» مفرد. كذا ردَّه بعضهم، وهي غفلة، فإنَّ «أجراً» مصدرٌ، والأفصحُ فيه أن يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مطلقاً.
стр. 2454
قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ : فيه ستة أوجه: الأربعة المذكورة في «درجة» ، والخامس: أنه بدلٌ من «أجراً» السادس: - ذكره ابن عطية - أنه منصوبٌ بإضمار فعل على أن يكون تأكيداً للأجر كما تقول: «لك عليَّ
стр. 2455
ألفُ درهمٍ عُرْفاً» كأنك قلت: أعرفها عُرْفاً، وفهي نظر. و «مغفرة ورحمة» عطف على درجات، ويجوز فيهما النصب بفعلهما أي: وغفر لهم مغفرةً ورحمهم رحمةً.
стр. 2456
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ﴾ : «توفَّاهم» يجوز أن يكون ماضياً، وإنما لم تلحق علامة التأنيث للفعل لأن التأنيث مجازي، ويدل على كونِه فعلاً ماضياً قراءةُ «توفَّتْهم» بتاء التأنيث، ويجوز أن يكون مضارعاً حُذِفت إحدى التاءين منه، والأصلُ: تتوفاهم.
و «ظالمي» حالٌ من ضمير «توفَّاهم» والإِضافةُ غير محضة، إذ الأصل: ظالمين أنفسَهم. وفي خبر «إنَّ» هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه محذوفٌ تقديرُه: إنَّ الذين توفَّاهم الملائكةُ هَلَكوا، ويكون قوله: ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ مبيِّناً لتلك الجملةِ المحذوفةِ. الثاني: أنه ﴿فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ودخلت الفاءُ زائدةً في الخبر تشبيهاً للموصول باسمِ الشرط، ولم تمنع «إنَّ» من ذلك، والأخفش يمنعه، وعلى هذا فيكون قولُه: ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ إمَّا صفةً ل «ظالمي» أو حالاً للملائكة، و «قد» معه مقدرةٌ عند مَنْ يشترط ذلك، وعلى القول بالصفة فالعائد محذوف أي: ظالمين أنفسَهم قائلاً لهم الملائكة. والثالث: أنه «قالوا فيم كنتم» ، ولا بد من تقدير العائد أيضاً أي: قالوا لهم كذا، و «فيم» خبر «كنتم» وهي «ما» الاستفهامية حُذِفت ألفها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك عند قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله﴾ [البقرة: ٩١] والجملة من قوله: «فيمَ كنتم» في محل نصب بالقول. «وفي الأرض» متعلقٌ ب «مستضعفين» ،
стр. 2457
ولا يجوز أن يكون «في الأرض» هو الخبرَ، و «مستضعفين» حالاً، كما يجوز ذلك في نحو: «ان زيدٌ قائماً في الدار» لعدمِ الفائدةِ في هذا الخبر.
قوله: ﴿فَتُهَاجِرُواْ﴾ منصوبٌ في جوابِ الاستفهام، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وقال أبو البقاء: «ألم تكن» استفهام بمعنى التوبيخ، «فتهاجروا» منصوبٌ على جواب الاستفهام، لأنَّ النفيَ صار إثباتاً بالاستفهام «انتهى قولُه:» لأنَّ النفي «إلى آخره لا يَظْهر تعليلاً لقوله» منصوبٌ على جواب الاستفهام «لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه علةً لقوله» بمعنى التوبيخ «. و» ساءت «: قد تقدم القول في ﴿ساء﴾ ، وأنها تجري مَجْرى» بِئْس «فيُشْترط في فاعلها ما يُشترط في فاعل تيك. و» مصيراً «تمييز.
стр. 2458
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ المستضعفين﴾ : في هذا الاستثناءِ قولان، أحدهما: أنه متصلٌ، والمستثنى منه قولُه: ﴿فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ . والضمير يعودُ على المتوفَّيْن ظالمي أنفسِهم، قال هذا القائل: كأنه قيل: فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، فعلى هذا يكون استثناء متصلاً. والثاني - وهو الصحيح - أنه منقطعٌ؛ لأن الضمير في «مَأواهم» عائد على قوله: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ﴾ وهؤلاء المتوفَّوْن: إمَّا كفارٌ أو عصاة بالتخلف، على ما قال المفسرون، وهم قادرون على الهجرة فلم يندرجْ فيهم المستضعفون فكان منقطعاً. و «من الرجال» حالٌ من المستضعفين، أو من الضمير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمحذوف.
قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ في هذه الجملة أربعة أوجه، أحدها: أنها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما وجهُ استضعافِهم؟ فقيل: كذا.
стр. 2459
والثاني: أنها حالٌ. قال أبو البقاء: «حالٌ مبيِّنة عن معنى الاستضعاف» قلت: كأنه يشير إلى المعنى الذي قَدَّمتْهُ في كونها جواباً لسؤال مقدر. والثالث: أنها مفسرةٌ لنفسِ المستضعفين؛ لأنَّ وجوه الاستضعاف كثيرة فبيَّن بأحد محتملاتِه كأنه قيل: إلا الذين استُضْعِفوا بسبب عجزهم عن كذا وكذا. والرابع: أنها صفة للمستضعفين أو للرجال ومَنْ بعدَهم، ذكره الزمخشري، واعتذر عن وَصْف ما عُرِّف بالألف واللام بالجمل التي في حكم النكرات بأن المُعَرَّف بهما لما لم يكن مُعَيَّناً جاز ذلك فيه كقوله:
١٦٤ - ٢- ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد قَدَّمْتُ تقرير المسألة مراراً.
стр. 2460
و ﴿مُهَاجِراً﴾ : نصبٌ على الحال من فاعل «يَخْرج» قوله: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾ الجمهورُ على جزم «يدركْه» عطفاً على الشرط قبله، وجوابه «فقد وقع» ، وقرأ الحسن البصري بالنصب. قال ابن جني: «وهذا ليس بالسهل وإنما بابُه الشعر لا القرآنُ وأنشد:
١٦٤ - ٣- وسأترُكُ منزلي لبني تميم ... وألحقُ بالحجازِ فاستريحا
стр. 2461
والآيةُ أقوى من هذا لتقدُّم الشرط قبل المعطوف» ، يعني أن النصب بإضمار «أن» إنما يقع بعد الواو والفاء في جواب الأشياء الثمانية أو عاطفٍ، على تفصيلٍ موضوعه كتب النحو، والنصبُ بإضمار «أن» في غير تلك المواضع ضرروةٌ كالبيتِ المتقدم، وكقول الآخر:
١٦٤ - ٤-. . . . . . . . . . . . . . . ... ويَأْوي إليها المستجيرُ فيُعْصَما
وتبع الزمخشري أبا الفتح في ذلك، وأنشد البيت الأول. وهذه المسألة جَوَّزها الكوفيون لمدركٍ آخرَ وهو أن الفعلَ الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم إذا وقع بعد الواو والفاء، واستدلُّوا بقول الشاعر:
١٦٤ - ٥- ومَنْ لا يُقَدِّمْ رِجْلَه مطمئنةً ... فَيُثْبِتَها في مستوى القاعِ يَزْلَقِ
وقول الآخر:
١٦٤ - ٦- ومَنْ يَقْتَرِبْ منا ويخضع نُؤْوِه ... ولا يَخْشَ ظلماً ما أقامَ ولا هَضْما
وإذا ثبت ذلك في الواو والفاء فليَجُزْ في «ثم» لأنها حرف عطف. وقرأ
стр. 2462
النخعي وطلحة بن مصرف برفع الكاف، وخَرَّجها ابن جني على إضمار مبتدأ أي: «ثم هو يدركُه الموت» ، فعطفَ جملةً اسمية على فعلية، وهي جملة الشرط: الفعلُ المجزومُ وفاعلُه، وعلى ذلك حَمَل يونس قولَ الأعشى:
١٦٤ - ٧- إنْ تركَبوا فركوبُ الخيل عادتُنا ... أو تَنْزِلون فإنَّا معشرٌ نُزُلُ
أي: وأنتم تنزلون، ومثله:
١٦٤ - ٨- إنْ تُذْنِبوا ثم تأتيني بَقِيَّتُكُمْ ... فما عليَّ بذنبٍ عندكم حُوبُ
أي: ثم أنتم تأتيني. قلتُ: يريدُ أنه لايُحْملُ على إهمالِ الجازمِ فيُرْفَعُ الفعلُ بعدَه، كما رُفِعَ في «أليم يأتيك» فلم يَحْذِفِ الياء، وهذا البيت أنشده النحويون على أنَّ علامَةَ الجزمِ حَذْفُ الحركةِ المقدرة في حرفِ العلة، وضَمُّوا إليه أبياتاً أُخَرَ، أمَّا أنهم يزعمون أنَّ حرف الجزم يُهمل ويَسْتدلون بهذا البيت فلا. ومنهم مَنْ خَرَّجها على وجه آخر، وهو أنه أراد الوقفَ على الكلمة فنقلَ حركةَ هاءِ الضمير إلى الكافِ الساكنةِ للجزم، كقولِ الآخر:
١٦٤ - ٩- عَجِبْتُ والدهرُ كثيرٌ عَجَبُهْ ... مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّني لم أَضْرِبُهْ
стр. 2463
يريد «لم أَضْرِبْه» بسكون الباء للجازم، ثم نَقَلَ إليها حركة الهاء فصار اللفظُ «ثُم يُدْرِكُهْ» ثم أَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ فالتقى ساكنان فاحتاج إلى تحريك الأولِ وهو الهاءُ، فَحَرَّكها بالضمِّ؛ لأنه الأصلُ وللإِتباعِ أيضاً، وهذه الأوجهُ تَشْحَذُ الذِّهنَ وتنقِّحُه.
стр. 2464
قوله تعالى: ﴿أَن تَقْصُرُواْ﴾ : هذا على حذفِ الخافض أي: في أَنْ تَقْصُروا، فيكونُ في محلِّ «أَنْ» الوجهان المشهوران، وهذا الجارُّ يتعلقُ بلفظِ «جُناح» أي: فليس عليكم جُناحٌ في قَصْرِ الصلاة. والجمهور على «تَقْصُروا» من «قَصَر» ثلاثياً. وقرأ ابن عباس: «تُقْصِروا» من «أَقْصر» وهما لغتان: قَصَر وأقصر، حكاهما الأزهري، وقرأ الضبي عن رجاله بقراءة ابن عباس. وقرأ الزهري: «تُقَصِّروا» مشدداً على التكثير. قوله: ﴿مِنَ الصلاة﴾ في «مِنْ» وجهان، أظهرُهما: أنها تبعيضيةٌ، وهذا معنى قول أبي البقاء وزعم أنه مذهبُ سيبويه وأنها صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: شيئاً من الصلاة. والثاني: أنها زائدةٌ وهذا رأي الأخفش فإنه لا يشترط في زيادتِها شيئاً. و «أن يَفْتِنَكم» مفعول «خِفْتم» وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي: «من الصلاة أن يَفْتنكم» بإسقاط الجملة الشرطية، و «أَنْ يفْتنكم» على هذه القراءة مفعولٌ من اجله، ولغةُ الحجاز «فَتَن» ثلاثياً، وتميم وقيس: «أفتن» رباعياً.
و «لكم» متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه حالٌ من «عَدُوّاً» فإنه في الأصل صفةُ
стр. 2465
نكرةٍ ثم قُدِّم عليها، وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّق ب «كان» ، وفي المسألةِ خلافٌ مرَّ تفصيلُه. وأفرد «عَدُواً» وإن كان المرادُ به الجمعَ لِما تقدَّم تحقيقُه في البقرة، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يدل عليه ما قبله. وقيل: الكلامُ تَمَّ عند قولِه ﴿مِنَ الصلاة﴾ ، والجملةُ الشرطيةُ مستأنفةٌ، حتى قيل: إنها نزلت بعد سنةٍ من نزول ما قبلها، وحينئذ فجوابُه أيضاً محذوفٌ، لكن يُقَدَّرُ مِنْ جنس ما بعده، وهذا قولٌ ضعيفٌ، وتأخيرُ نزولها لا يقتضي استئنافاً.
стр. 2466
والضمير في «فيهم» يعودُ على الضاربين في الأرض، وقيل: على الخائفين، وهما محتملان، والضميرُ في «وليأخذوا» الظاهر عَوْدُه على «طائفة» لقُربه منها، ولأنَّ الضمير في قوله ﴿سَجَدُواْ﴾ لها. وقيل: يعود على طائفة أخرى وهي التي تحرس المُصَلِّية. واختار الزجاج عَوْدَه على الجميع قال: «لأنه أَهْيَبُ للعدو» . والسلاح: ما يُقاتَل به وجمعُه أَسْلِحَة وهو مذكر، وقد يُؤَنَّث باعتبار الشوكة، قال الطرماح:
١٦٥ - ٠- يَهُزُّ سِلاحاً لم يَرِثْها كَلالةً ... يشكُّ بها منها غموضَ المَغَابِنِ
فأعاد الضميرَ عليه كضمير المؤنثة، ويقال: سِلاح كحِمار، وسِلْح كضِلْع، وسُلَح كصُرَد، وسُلْحان كسُلْطان نقله أبو بكر بن دريد والسَّلِيح نبت إذا رَعَتْه الإِبل سَمِنَتْ وغَزُرَ لبنُها، وما يُلْقيه البعير من جوفه يقال له «
стр. 2467
سُلاح» بزنة غُلام، ثم عُبِّر به عن كل عَذِرة حتى قيل في الحُبارى: «سِلاحُه سُلاحه» .
قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّواْ﴾ الجملة في محل رفع لأنها صفة ل «طائفة» بعد صفةٍ، ويجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصب على الحال؛ لأنَّ النكرة قبلها تخصَّصت بالوصف بأخرى. وقرأ الحسن: «فَلِتَقُمْ» بكسر لام الأمر، وهو الأصل. وقرأ أبو حيوة «وليأت» بناء على تذكير الطائفة. ورُوي عن أبي عمرو الإِظهار والإِدغامُ في «ولتأت طائفة» ووجوهُ هذه واضحة. وفي قوله ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ مجازٌ حيث جعل الحِذْر - وهو معنى من المعاني- مأخوذاً مع الأسلحة فجَعَلَه كالآلة، وهو كقوله تعالى: ﴿تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] في أحدِ الأوجه. وقد تقدَّم الكلامُ في «لو» الواقعةِ بعد ﴿وَدَّ﴾ [الآية: ١٠٩] هنا وفي البقرة وقرئ «أَمْتِعاتِكم» وهو الشذوذِ من حيث إنه جمع الجمعِ كقولهم: أَسْقِيات وأَعْطِيات. وقوله: ﴿أَن تضعوا﴾ كقولِه: ﴿أَن تَقْصُرُواْ﴾ وقد تقدم.
стр. 2468
قوله تعالى: ﴿قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ : حالان من فاعل «اذكروا» ، وكذلك «وعلى جُنوبكم» فإنه في قوة مُضطجعين، فيتعلق بمحذوف. وقوله: ﴿فَإِذَا اطمأننتم﴾ قد تقدَّم الكلامُ على هذه المادة في البقرة واختلافُ الناس فيها، وهل هي مقلوبةٌ أم لا؟ وصَرَّح أبو البقاء هنا
стр. 2469
بأنَّ الهمزة أصلٌ وأن وزن الطُّمَأْنينة: فُعَلِّيلَة، وأن «طأمن» أصل آخر برأسه، وهذا مذهبُ الجرميّ. و «موقوتاً» صفةٌ ل «كتاباً» بمعنى محذوداً بأوقات، فهو من وَقَت مخففاً كمضروب من ضرب، ولم يقل «مَوْقوتة» بالتاء مراعاة ل «كتاب» فإنه في الأصل مصدر.
стр. 2470
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ﴾ : الجمهورُ على كسر الهاء، والحسن فتحها من «وَهِن» بالكسر في الماضي، أو من وَهَن بالفتح، وإنما فُتِحت العين لكونِها حلقيةً فهو نحو: يَدَع. وقرأ عبيد بن عمير: «تُهانوا» من الإِهانة مبنياً للمفعولِ ومعناه: لا تَتَعاطَوا من الجبنِ والخَورَ ما يكون سبباً إهانتِكم كقولهم: «لا أُرَيَنَّك ههنا» والأعرج: «أن تكونوا» بالفتح على العلة. وقرأ يحيى بن وثاب ومنصور بن المعتمر «تِئْلمون فإنهم يِئْلمون كما تِئْلمون» بكسر حرف المضارعة، وابن السَّمَيْفَع بكسر تاء الخطاب فقط وهذه لغة ثابتة، وكنت قد قَدَّمْتُ في الفاتحة أنًَّ مَنْ يكسِرُ حرفَ المضارعة يستثنى التاء، وذكرت شذوذ «تِيجل» ووجهَه، فعليك بالالتفات إليه، وزاد أبو البقاء في قراءةِ كسر حرف المضارعة قَلْبَ الهمزةِ ياء، وغيرُه أطلق ذلك.
стр. 2471
قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ : في محلِّ نصبٍ على الحال
стр. 2472
المؤكِّدة فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحالِ هو الكتابُ أي: أنزلناه ملتبساً بالحق. و «لتحكمْ» متعلق ب «أَنْزلنا» و «أراك» متعدٍّ لاثنين أحدهما العائدُ المحذوفُ، والثاني كافُ الخطابِ أي: بما أراكه الله. والإِراءَةُ هنا يجوزُ أن تكون من الرأي كقولك: «رأيتُ رَأْيَ الشافعي» أو من المعرفة، وعلى كلا التقديرين فالفعلُ قبلَ النقل بالهمزة متعدٍّ لواحد وبعدَه متعدٍّ لاثنين كما عَرَفْتَ. و «للخائنين» متعلِّق ب «خصيماً» واللامُ للتعليلِ على بابها، وقيل: هي بمعنى «عن» ، وليس بشيء لصحة المعنى بدون ذلك. ومفعولُ «خصيماً محذوفٌ تقديرُه:» خصيماً البرآء «وخصيم يجوز ان يكون مِثالَ مبالغةٍ كضريب، وأن يكون بمعنى مُفاعِل نحو: خَلِيط وجَلِيس بمعنى مُخاصِم ومُخالط ومُجالِس.
стр. 2473
و ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ : فيها وجهان، أظهرهما: أنها مستأنفة لمجرد الإخبار بأهم يطلبون التستُّر من الله تعالى بجهلهلم. والثاني: أنها في محلِّ نصب صفةً ل «مَنْ» في قوله: ﴿لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ وجُمع الضمير اعتباراً بمعناها إنْ جَعَلْتَ «مَنْ» نكرةً موصوفة، أو في محل نصب على الحال مِنْ «مَنْ» إنْ جَعَلْتَها موصولة، وجُمِعَ الضميرُ باعتبار معناها أيضاً. «وهو معهم» جملة حالية: إمّا من الله تعالى أو من المُسْتَخْفِين، و «إذ» منصوبٌ بالعاملِ في الظرف الواقع خبراً وهو «معهم» .
стр. 2474
وتقدَّم الكلامُ في نحو ﴿هَا أَنْتُمْ هؤلاء﴾ : وقولُه: ﴿فَمَن يُجَادِلُ﴾ مَنْ استفهامية في محل رفع بالابتداء، و «يجادل» خبره، و «أم» منقطعة وليست بعاطفة. وظاهرُ عبارة مكي أنها عاطفة فإنه قال: «وأم من يكونُ مثلُها عطف عليها» أي: مثلُ «مَنْ» في قوله: ﴿فَمَن يُجَادِلُ﴾ وهو في محلِّ نظرٍ، لأنَّ في المنقطعة خلافاً: هل تُسَمَّى عاطفة أم لا؟ .
стр. 2475
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ : في هذه الهاءِ أقوالٌ، أحدها: أنها تعود على «إثماً» ، والمتعاطفان ب «أو» : يجوز أن يعودَ الضمير على المعطوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه كقوله ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] . والثاني: أنها تعودُ على الكَسْب المدلول عليه بالفعلِ نحو: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: ٨] . الثالث: أنها تعود على أحد المذكورين الدالِّ عليه العطفُ ب «أو» فإنه في قوة «ثم يَرْمِ بأحد المذكورين» . الرابع: أنَّ في الكلام حذفاً، والأصل: «ومَنْ يكسِبْ خطيئة ثم يرم بها، وهذا كما قيل في قوله: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] أي: يكنزون الذَهب ولا ينفقونه. و» أو «هنا لتفصيلِ المُبْهَمِ، وتقدَّم له نظائرُ. وقرأ معاذ بن جبل:» يَكِسِّبْ «بكسر الكاف وتشديد السين، وأصلها: يَكْتَسِبْ فأدغمت تاءُ الافتعال في السينِ وكُسِرت الكافُ إتباعاً، وهذا شبيه ب ﴿يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠] ، وقد تقدَّم توجيهُه في البقرةِ. والزهري:» خَطِيَّة «بالتشديد وهو قياسُ تخفيفِها.
قوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله﴾ في جواب» لولا «وجهان، أظهرهما: أنه مذكورٌ وهو قولُه:» لَهَمَّتْ «والثاني: أنه محذوفٌ أي: لأضلُّوك، ثم استأنف جملةً فقال:» لَهَمَّتْ «أي: لقد هَمَّتْ. قال أبو البقاء في هذا الوجه:» ومثلُ حذفِ الجوابِ هنا حَذْفُه في قوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله
стр. 2476
تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] وكأنَّ الذي قَدَّر الجوابَ محذوفاً استشكل كونَ قولِه «لهمَّتْ جواباً لأنَّ اللفظَ يقتضي انتفاءَ هَمِّهم بذلك، والغرضُ أنَّ الواقع كونُهم هَمُّوا على ما يُروى في القصة فلذك قَدَّره محذوفاً، والذي جعله مثبتاً أجابَ عن ذلك بأحدِ وجهين: إمَّا بتخصيص الهَمِّ أي: لَهَمَّتْ هَمَّاً يؤثِّر عندك، وإمَّا بتخصيص الإِضلال أي: يضلونك عن دينِك وشريعتِك، وكلا هذهين الهمَّيْنِ لم يقع. و» اَنْ يُضِلُّونك «على حذف الباء أي: بأن يُضِلُّوك، ففي محلِّها الخلافُ المشهور، و» مِنْ «في» من شيء «زائدةٌ، و» شيء «يراد به المصدرُ أي: وما يَضُرُّونك ضرراً قليلاً ولا كثيراً.
стр. 2477
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ﴾ : في هذا الاستثناءِ قولان، أحدهما: أنه متصلٌ، والثاني: أنه منقطعٌ، وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يُرادَ بها المصدرُ كالدَّعْوى فتكون بمعنى التناجي، وأَنْ يُرادَ بها القومُ المتناجُون إطلاقاً للمصدرِ على الواقع منه مجازاً نحو: «رجلٌ عَدْل وصَوْم» فعلى الأول يكون منقطعاً لأنَّ مَنْ أَمَر ليس تناجياً، فكأنه قيل: لكنْ مَنْ أَمَر بصدقةٍ ففي نجواه الخيرُ، والكوفيون يقدِّرون المنقطع ب «بل» ، وجَعَلَ بعضُهم الاستثناءَ متصلاً وإنْ أُريد بالنجوى المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مضافٍ كأنه قيل: إلا نجوى مَنْ أَمَر، وإنْ جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلاً. وقد عَرَفْتَ مِمَّا تقدَّم أن المنقطع منصوبٌ أبداً في لغة الحجاز، وأنَّ بني تميم يُجْرونه مُجْرى المتصل بشرط توجُّهِ العاملِ عليه، وأنَّ الكلامَ إذا كان نفياً أو شبهَه جاز في المستثنى الإِتباعُ بدلاً وهو المختار والنصبُ على أصل الاستثناء، فقوله ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ﴾ : إما منصوبٌ على الاستثناءِ المنقطع إنْ جَعَلْتَه منقطعاً في لغة الحجاز، أو على أصلِ الاستثناءِ إنْ جَعَلْتَه متصلاً، وإمَّا مجرورٌ على البدلِ من «كثير» أو مِنْ «نجواهم» أو صفةٌ لأحدهما: كما تقول: «لا تَمُرَّ
стр. 2478
بجماعة من القوم إلا زيد» إنْ شئتَ جَعَلْتَ زيداً تابعاً للجماعةِ أو للقومِ. ولم يَجْعلْه الزمخشري تابعاً إلا «لكثير» قال: «إلا نَجْوَى مَنْ أمر على أنه مجرورٌ بدلٌ من» كثير «كما تقولُ:» لا خيرَ في قيامِهم إلا قيامِ زيدٍ «وفي التنظير بالمثالِ نظرٌ لا تَخْفَى مباينتُه للآية، هذا كله إنْ جَعَلْنَا الاستثناءَ متصلاً بالتأويلين المذكورين أو منقطعاً على لغة تميم. وتلخَّص فيه ستة أوجه: النصب على الانقطاع في لغةِ الحجاز أو على أصل الاستثناءِ، والجرُّ على البدل من» كثير «أو مِنْ» نجواهم «أو على الصفةِ لأحدهما.
و ﴿مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل» كثير «فهو في محلِّ جر، والنجوى في الأصلِ مصدرٌ كما تقدم، وقد يُطْلَقُ على الأشخاص مجازاً [قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ [الإِسراء: ٤٧]] ، ومعناها المُسَارَّة، ولا تكون إلا من اثنين فأكثرَ، وقال الزجاج: النجوى ما تَفَرَّد به الاثنانُ فأكثرُ سراً كان أو ظاهراً. وقيل: النجوى جمع نَجِيّ نقله الكرماني. قوله:» بين «يجوز ان يكون منصوباً بنفس» إصلاح «تقول:» أصلحت بين القوم «قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] .
وأَنْ يتعلق / بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل» إصلاح «و» ابتغاءَ «مفعولٌ من أجله. وألف» مرضاة «عن واوٍ، وقد تقدم تحقيقه. وقرأ أبو عمرو وحمزة:» فسوف يُؤتيه «بالياءِ نظراً إلى الاسم الظاهر في قوله ﴿مَرْضَاتِ الله﴾ والباقون بالنون نظراً لقوله بعدُ:» نُولِّه ونُصْلِه «وهو أوقعُ للتعظيمِ.
стр. 2479
﴿وَمَن يُشَاقِقِ﴾ تقدَّم أنّ المضارعَ المجزوم والأمرَ من
стр. 2480
نحو «لم يَرْدُدْ» و «رَدَّ» يجوزُ في الإِدغامُ وتركُه على تفصيلٍ في ذلك وما فيه من اللغات في آل عمران، وكذلك حكُم الهاء في قوله: «نُؤْته» و «نُصْلِه» وتقدَّم قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] . وخُتمت تيك بقوله «فقد افترى» وهذه بقوله: «فقد ضَلَّ» لأنَّ ذلك في غاية المناسبة، فإن الأولى في شأن أهل الكتاب من أنهم عندهم علمٌ بصحة ثبوته، وأن شريعتَه ناسخةٌ لجميع الشرائعِ، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك فافتروا على الله تعالى، وهذه في شأنِ قومٍ مشركين غير أهلِ كتابٍ ولا علمٍ فناسَب وصفُهم بالضلال، وأيضاً فقد تقدَّم ذكر الهدى وهو ضدُّ الضلال.
стр. 2481
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِنَاثاً﴾ : في هذه اللفظة تسعُ قراءات: المشهورةُ وهي جمع أُنْثى نحو رِباب جمعُ رُبّى. والثانية: وبها قرأ الحسن «أنثى» بالإِفراد والمرادُ به الجمع. والثالثة: - وبها قرأ ابن عباس وأبو حيوة وعطاء والحسن أيضاً ومعاذ القارئ وأبو العالية وأبو نهيك-: «إلا أُنُثا» كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه، أحدها: - وبه قال ابن جرير - أنه جمعُ «إناث» كثِمار وثُمُر، وإناث جمع أنثى فهو جمع الجمع، وهو شاذ عند النحويين. والثاني: أنه جمع «أنيث» كقليب وقُلُب وغدير وغُدُر، والأنيث من الرجال المُخَنَّثُ الضعيفُ، ومنه «سيف أنيث وميناث وميناثة» أي: غير قاطع
стр. 2482
قال صخر:
١٦٥ - ١- فتخْبِرَه بأنَّ العقلَ عندي ... جُرازٌ لا أَفَلُّ ولا أَنيثُ
والثالث: أنه مفردٌ أي: يكون من الصفات التي جاءت على فُعُل نحو امرأة حُنُثٌ. والرابعة: - وبها قرأ سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو الجوزاء - «وثَنا» بفتح الواو والثاء على أنه مفرد يراد به الجمع. والخامسة - وبها قرأ سعيد بن المسيب ومسلم بن جندب وابن عباس أيضاً - «أُثُنا» بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان، أظهرهما: أنه جمع وثَنَ نحو: «أسَد وأُسُد» ثم قَلَبَ الواوَ همزةً لضمِّها ضماً لازِماً، والأصلُ: «وثُنُ» ثم أُثُن. والثاني: أن «وَثَناً» المفردَ جُمِع على «وِثان» نحو: جَمَل وجِمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع «وِثان» على «وُثُن» نحو: حِمار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لِما تقدَّم فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عطية هذا الوجه بأنَّ فِعالاً جمعُ كثرة، وجموعُ الكثرة لا تُجْمع ثانياً، إنما يجمعُ من الجموع ما كان من جموعِ القلة. وفيه مناقشة من حيث إن الجمع لا يُجمع إلا شاذاً سواءً كان من جموعِ القلة أم من غيرها. والسادسة - وبها قرأ أيوب السختياني -: وُثُنا وهي أصل القراءة التي قبلها. والسابعة والثامنة: «أُثْنا ووُثْنا» بسكونِ الثاء مع الهمزة والواو، وهي تخفف فُعُل كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار،
стр. 2483
وكذا وُجِدَتْ في مصحف عائشة: «إلا أَوْثاناً» جمع «وَثَن» نحو: جَمَل وأَجْمال وجَبَل وأَجْبال. وسُمِّيتْ أصنامهم إناثاً لأنهم كانوا يُلْبسونها أنواعَ الحُلِيّ ويسمونها بأسماءِ المؤنثات نحو: اللات والعزى ومَناةَ. وقد رُدَّ هذا بأنهم كانوا يُسَمَّون بأسماء الذكور نحو: هُبَل وذي الخَلَصة، وفيه نظر، لأن الغالب تسميتهم بأسماء الاناث. و «مريداً» فعيل من «مَرَدَ» أي تَجرَّد للشرِّ، ومنه «شجرة مَرْداء» أي: تناثر ورقُها، ومنه: الأمْرَدُ لتجرُّدِ وجهِه من الشعر، والصَّرْحُ الممرَّد الذي لا يعلوه غبار من ذلك.
وقرأ أبو رجاء - ويُرْوى عن عاصم - «تدْعُون» بالخطاب.
قوله: ﴿لَّعَنَهُ الله﴾ فيه وجهان. أظهرُهما: أنَّ الجملة صفة ل «شيطاناً» فهي في محلِّ نصب، والثاني: أنها مستأنفةٌ: إمَّا إخبار بذلك، وإمَّا دعاء عليه. وقوله: «وقال» فيه ثلاثة أوجه: الصفةُ أيضاً، أو الحالُ على إضمار «قد» أي: وقد قال، أو على الاستناف. و «لأتَّخِذَنَّ» جوابُ قسم محذوف. و «من عبادك» يجوزُ أَنْ يتعلق بالفعل قبله أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «نصيباً» لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها.
стр. 2484
ومفعولاتُ الأفعال الثلاثة محذوفةٌ للدلالةِ عليها أي: وَلأُضِلَّنَّهم عن الهدى ولأُمَنِّيَنَّهم بالباطل ولآمُرَنَّهم بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء والأحسنُ أن يُقَدَّر المحذوفُ من جنس الملفوظِ به أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتك، ولآمُرَنّهم بالتغيير. وقرأ أبو عمرو فيما نَقَل عنه ابن عطية: «ولامُرَنَّهم» بغيرِ ألفٍ وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجوز ألاَّ يُقَدَّر
стр. 2485
شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القصدَ الإِخبارُ بوقوعِ هذه الأفعال من غيرِ نظرٍ إلى متعلِّقاتها نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [الطور: ١٩] . والبتَكُ: القَطْعُ والشقُّ، والبِتْكَةُ: القطعة من الشيء جَمْعُها بِتَك:
١٦٥ - ٢- حتى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الغلام لها ... طارَتْ وفي كفِّه مِنْ ريشها بِتَكُ
ومعنى ذلك: أنَّ الجاهلية كانوا يَشُقُّون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن آخرُها ذَكَر.
стр. 2486
وقُرِىء: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ : بسكونِ الدال تخفيفاً لتوالي الحركات، ومفعولُ الوعدِ محذوفٌ أي: يعِدهُم الباطل أو السلامة والعافية. ﴿إِلاَّ غُرُوراً﴾ يُحْتمل أن يكونَ مفعولاً ثانياً، وأن يكونَ مفعولاً من أجله، وأن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي: وعداً ذا غُرور، وأَنْ يكونَ مصدراً على غير الصدرِ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوةِ يَغُرُّهم بوعدِه.
стр. 2487
و ﴿عَنْهَا﴾ : يجوز أن يتعلَّق بمحذوف: إمَّا على الحال من «محِيصاً» لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التبيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحذوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عن» ولا ب «محيصاً» ، وإنْ كان المعنى عليه لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يُجَوِّزُ ذلك يُجَوِّزُ تَعَلُّق «عن» به. والمحيصُ: اسمُ مصدر من حاصَ يَحِيص إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه:
١٦٥ - ٣-
стр. 2488
ولم نَدْرِ إنْ حِصْناً من الموت حَيْصَةً ... كم العمرُ باقٍ والمَدَى مُتَطاوِلُ
ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضاد المعجمة، ومنه: «وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ» وحاصَ باصَ، أي: وقعوا في أمرٍ يَعْسَرُ التخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحاص قال:
١٦٥ - ٤- أتَحِيصُ من حُكْمِ المَنِيَّةِ جاهداً ... ما للرجال عن المَنونِ مَحاصُ
ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاُ وحِياصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فهي، والحَوْصُ: ضيق مؤخر العين ومنه الأحْوَصُ.
стр. 2489
وقوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ : يجوزُ فيه وجهان: الرفع على الابتداءِ، والخبر «سَنُدْخِلُهم» والنصبُ على الاشتغال أي: سَنُدْخِل الذين آمنوا سندخلهم، وقرئ: «سيُدْخِلُهم» بياء الغيْبة. وانتصب «وعد الله» على المصدرِ المؤكِّد لنفسِه «وحقاً» على المصدرِ المؤكِّد لغيرِه، ف «وعدَ» مؤكدٌ لقولِه «سندخلهم» ، وهو مفهومٌ مما قبله، و «حقاً» مؤكِّدٌ لقوله: ﴿وَعْدَ الله﴾ و «قيلا» نصبٌ على التمييز. والقيل والقول والقال مصادرُ بمعنى واحدٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يارب﴾ [الزخرف: ٨٨] .
стр. 2490
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ : في «ليس» ضميرٌ هو اسمُها، وفيه خلافٌ: فقيل: يعودُ على ملفوظٍ به، وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه اللفظُ من الفعلِ، وقيل: يَدُلُّ عليه سببُ الآية. فأمَّا عَوْدُه على ملفوظٍ به
следующие страницы →