← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ، و «رسولهُ» و «الذين» عطفٌ على الخبر. قال الزمخشري: قد ذُكِرَتْ جماعةٌ فهلاً قيل: إنما أولياؤُكم. وأجابَ بأنَ الوِلايةَ بطريقِ الأصالةِ لله تعالى، ثم نَظَّم في سلكِ إثباتها لرسوله وللمؤمنين، ولو جيء به جمعاً فقيل: «إنما أولياؤُكم» لم يكنْ في الكلامِ أصلٌ وتَبَعٌ «. قلت: ويَحْتمل وجهاً آخرَ وهو أنَّ» وَلِيَّ «بزنة فَعِيل، وفعيل وقد نصَّ عليه أهلُ اللسان أنه يقعُ للواحدِ والاثنين والجماعة تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد، يقال:» الزيدون صديقٌ، وهند صديقٌ «وهذا مثلُه، غايةُ ما فيه أنه مقدَّمٌ في التركيب، وقد أجابَ الزمخشري وغيرُه بذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] ، وذكر وجهَ ذلك وهو شِبْهُه بالمصادر وسيأتي تحقيقُه. وقرأ ابن مسعود:» إنما مَوْلاكم «وهي تفسير لا قراءة. قوله تعالى: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاوة﴾ في خمسةُ أوجه، أحدها: أنه

стр. 2802

مرفوعٌ على الوصفِ لقوله» الذين آمنوا «وَصَفَ المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وذكرهاتين العبادتين دونَ سائرِ فروعِ الإِيمان لأنهما أفضلُها. الثاني: أنه مرفوعٌ على البدلِ من» الذين آمنوا «الثالث: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هم الذين. الرابع: أنه عطفُ بيانٍ لما قبله؛ فإنَّ كلَّ ما جاز أن يكونَ بدلاً جاز أن يكون بياناً إلا فيما استُثْي وقد ذكرْتُه فيما تقدم. الخامس: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، وهذا الوجهُ والذي قَبله من باب القطع عن التبعية. قال الشيخ: - بعد أن نقلَ عن الزمخشري وَجْهَيْ البدلِ وإضمارِ المبتدأ فقط -» ولا أَدْري ما الذي مَنَعه من الصفةِ، إذ هو المتبادَرُ إلى الذهن، ولأنَّ المُبْدَلَ منه على نية الطرحِ، وهو لا يَصِحُّ هنا / لأنه هو الوصفُ المترتِّب عليه [صحةُ] ما بعده من الأوصاف «قلت: لا نسلِّمُ أنَّ المتبادرَ إلى الذهن الوصفُ بل البدلُ هو المتبادرُ، وأيضاً فإنَّ الوصفَ بالموصولِ على خلافِ الأصل؛ لأنه مؤولٌ بالمشتقِّ وليس بمشتقٍ، ولا نُسَلِّم أنَّ المبدلَ منه على نيةِ الطَرْحِ، وهو المنقولُ عن سيبويه. قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها معطوفةٌ على ما قبلَها من الجملِ فتكونُ صلةً للموصولِ، وجاء بهذه الجملةِ اسميةً دونَ ما قبلَها، فلم يَقُلْ» ويركعون «اهتماماً بهذا الوصفِ؛ لأنه أظهرُ أركانِ الصلاة. والثاني: أنها واوُ الحال وصاحبُها هو واو» يُؤْتون «والمرادُ بالركوعِ الخضوعُ أي: يؤتون الصدقة وهم متواضِعُون للفقراءِ الذين يتصدَّقون عليهم، ويجوز أَنْ يُرادَ به الركوع حقيقةً؛ كما رُوي عن علي أميرِ المؤمنين أنه تصدَّقَ بخاتَمِة وهو راكعٌ.

стр. 2803

قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ : «مَنْ شرطٌ في محل رفع بالابتداءِ، وقولُه: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله﴾ يحتمل أن يكونَ جواباً للشرط، وبه يحتجُّ مَنْ لا يشترطُ عَوْدَ ضميرٍ على اسم الشرط إذا كان مبتدأ، ولقائل أن يقولَ: إنما جازَ ذلك لأنَّ المرادَ بحزب الله هو نفس المبتدأ، فيكون من بابِ تكرارِ المبتدأ بمعناه، وفيه خلافٌ: الأخفشُ يُجيزه فإنَّ التقدير: ومَنْ يتولَّ اللهَ ورسولَه والذين آمنوا فإنه غالبٌ، فوضَع الظاهرَ موضعَ المضمرِ لفائدةٍ وهي التشريفُ بإضافةِ الحزب إلى الله تعالى، ويحتمل أن يكونَ الجوابُ محذوفاً لدلالةِ الكلام عليه أي: ومَنْ يتولَّ اللهَ ورسولَه والذين آمنوا يَكُنْ من حزبِ الله الغالبِ أو يُنْصَرْه ونحوه. ويكون قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله﴾ دالاً عليه، وعلى هذين الاحتمالين فلا دلالة في الآية على عدمِ اشتراط عَوْدِ ضميرٍ على اسم الشرط. وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ في محلِّ جزم إنْ جعلناه جواباً للشرط، ولا محلَّ له إن جعلناه دالاًّ على الجواب. وقوله:» هم «يحتمل أن يكون فصلاً وأن يكونَ مبتدأ و» الغالبون «خبرُه، والجملة خبر» إنَّ «وقد تقدَّم الكلام على ضمير الفصل وفائدته. والحِزْبُ: الجماعة فيها غلظةٌ وشدةٌ، فهو جماعةٌ خاصة.

стр. 2804

قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ﴾ : الآية، فالذين وصلته هو المفعولُ الأول لقولِه: ﴿ولا تتَّخِذوا﴾ والمفعول الثاني هو قوله: «أولياء» و «دينَكم» مفعولٌ أولُ ل «اتخذوا» و «هُزُوا» مفعول ثان، وتقدَّم ما في «هُزْءاً» من القراءات والاشتقاق. وقوله: ﴿مِّنَ الذين أُوتُواْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محل نصب على الحال، وصاحبها فيه وجهان أحدُهما: أنه الموصولُ / الأول. والثاني: أنه فاعل «اتَّخذوا» الثاني من

стр. 2805

الوجهين الأولين أنه بيان للموصول الأول، فتكونُ «مِنْ» لبيانِ الجنس، وقوله: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلق «ب» أوتوا «؛ لأنهم أُوتوا الكتابَ قبل المؤمنين، والمرادُ بالكتابِ الجنسُ. قوله: ﴿والكفار﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي:» والكفارِ «بالخفض، والباقون بالنصب، وهما واضحتان، فقراءةُ الخفض عَطْفٌ على الموصول المجرور ب» من «ومعناها أنه نهاهم أن تيخذوا المستهزئين أولياءَ، وبيَّن أن المستهزئين صنفان: أهلُ كتاب متقدم وهم اليهود والنصارى، وكفارٌ عبدةُ أوثان، وإن كانَ اسمُ الكفر ينطلق على الفريقين، إلا أنه غَلَب على عبدة الأوثان: الكفار، وعلى اليهود والنصارى: أهل الكتاب. قال الواحدي:» وحجةُ هذه القراءة من التنزيلِ قولُه تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥] اتفقوا على جَرِّ «المشركين» عطفاً على أهل الكتاب، ولم يُعْطَفْ على العامل الرافعِ «يعني بذلك أنه قد أَطْلَق الكفار على أهل الكتاب وعلى عبدة الأوثان: المشركين، ويدل على أنَّ المرادَ بالكفار في آية المائدة المشركون قراءةُ عبد الله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ ورُجِّحت قراءةُ أبي عمرو وأيضاً بالقرب، فإن المعطوفَ عليه قريبٌ، ورُجِّحت أيضاً بقراءة أُبَيّ:» ومن الكفار «بالإِتيان ب» من «وأمَّا قراءةُ الباقين فوجهُها أنه عطفٌ على الموصول الأول أي: لا تتخذوا المستهزئين ولا الكفار أولياء، فهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ [آل عمران: ٢٨] ، إلا أنه ليس في هذه القراءة تعرُّضٌ للإِخبار باستهزاءِ المشركين» ، وهم مستهزئون أيضاً،

стр. 2806

قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين﴾ [الحجر: ٩٥] ، والمراد بهم مشركو العربِ، ولوضوحِ قراءةِ الجرِّ قال مكي بن أبي طالب: «ولولا اتفاقٌ الجماعة على النصب لاخترت الخفضَ لقوتِه في المعنى، ولقربِ المعطوف من المعطوف عليه» .

стр. 2807

والضمير في: ﴿اتخذوها﴾ : يجوز أن يعودَ على الصلاة - وهو الظاهر- ويجوز أن يعودَ على المصدرِ المفهومِ من الفعل أي: اتخذوا المناداةَ، ذكره الزمخشري، وفيه بُعْدٌ، إذ لا حاجةَ تدعو إليه مع التصريحِ بما يَصْلُح أن يعودَ عليه الضميرُ بخلاف قوله تعالى: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] /. وقوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ﴾ مبتدأٌ وخبر أي: ذلك الاستهزاءُ مستقر بسبب عدم عَقْلِهم.

стр. 2808

قوله تعالى: ﴿تَنقِمُونَ﴾ : قراءة الجمهور بكسر القاف، وقراءة النخعي وابن أبي عبلة وأبي حيوة بفتحها، وهاتان القراءتان مُفَرَّعتان على الماضي وفيه لغتان: الفصحى - وهي التي حكاها ثعلب في فصيحه - نَقَم بفتح القاف يَنْقِم بكسرها، والأخرى: نَقِم بكسر القاف ينقَم بفتحها، وحكاها الكسائي، ولم يُقْرأ في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨] إلا بالفتح. وقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ آمَنَّا﴾ مفعولٌ ل «تنقمون» بمعنى: تكرهون وتَعيبون وهو استثناء مفرغ. و «منا» متعلقٌ به، أي: ما تكرهون من جهِتنا إلا الإِيمانَ، وأصلُ «نَقَم» أن يتعدَّى ب «على» تقول: «نَقَمْتُ عليه كذا» وإنما عُدِّي هنا ب «مِنْ»

стр. 2809

لمعنى سأذكره. وقال أبو البقاء: «ومِنَّا مفعولُ تَنْقِمون الثاني، وما بعد» إلا «هو المفعولُ الأول، ولا يجوزُ أن يكونَ» منَّا «حالاً مِنْ» أَنْ «والفعل لأمرين، أحدُهما: تقدُّم الحالِ على» إلاّ «، والثاني: تقدُّم الصلة على الموصول، والتقدير: هل تكرهون منا إلا إيمانَنا» انتهى. وفي قوله مفعولٌ أولُ وثانٍ نظرٌ، لأنَّ الأفعالَ التي تتعدَّى لاثنين إلى أحدهما بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر محصورةٌ كأمر، واختار، واستغفر، وصَدَّق، وسَمَّى، ودعا بمعناه، وزَوَّج، ونبَّأ وأنبأ، وخَبَّر، وأَخْبر، وحَدَّث غيرَ مضمَّنةٍ معنى أعلم، وكلُّها يجوز فيها إسقاطُ الخافضِ والنصبُ، وليس هذا منها. وقوله: «ولا يجوز أن يكونَ حالاً» يعني أنه لو تأخَّر بعد «أن آمنَّا» لفظةُ «منا» لجازَ أن تكونَ حالاً من المصدر المؤولِ من «أَنْ» وصلتِها، ويصير التقديرُ: هل تَكْرهون إلا الإِيمان في حال كونِه منا، لكنه امتنع مع تقدُّمِه على «أن آمنَّا» للوجهين المذكورين، أحدُهما: تقدُّمه على «إلاَّ» ويعني بذلك أن الحال لا تتقدم على «إلاَّ» ولا أدري ما يمنع ذلك؟ لأنه إذا جَعَل «منَّا» حالاً من «أَنْ» وما في حَيِّزها كان عاملُ الحال مقدراً، ويكونُ صاحبُ الحال محصوراً، وإذا كان صاحبُ الحال محصوراً وجبَ تقديمُ الحالِ عليه، فيقال: «ما جاء راكباً زيد» و «ما ضَرَبْتُ مكتوفاً إلا عمراً» ف «راكباً» و «مكتوفاً» حالان مقدمان وجوباً لحصرِ صاحبَيْهما فهذا مثلُه. وقوله: «والثاني: تقدُّم الصلة على الموصول» لم تتقدَّمْ صلةٌ على موصول، بيانه: أن الموصول هو «أن» والصلة «آمنا» و «منَّا» ليس متعلقاً بالصلة بل هو معمول لمقدر، ذلك المقدَّرُ في الحقيقة منصوبٌ ب «تَنْقِمون» فما أدري ما توهَّمه حتى قال ما قال؟ على أنه لا يجوزُ أن يكونَ حالاً لكن لا لِما ذَكر بل لأنه / يؤدِّي إلى أنه يصير التقديرُ: هل تَنْقِمون إلا إيمانَنا منا، فَمِنْ نفسِ قوله «إيماننا» فُهِم أنه منَّا، فلا فائدةَ فيه حينئذ. فإن قيل: تكون حالاً

стр. 2810

مؤكدة. قيل: خلافُ الأصل، وليس هذا من مظانِّها، وأيضاً فإنَّ هذا شبيهٌ بتهيئة العامل للعمل وقَطْعِه عنه، فإنَّ «تَنْقِمون» يطلب هذا الجار طلباً ظاهراً. وقرأ الجمهور «وما أُنْزِل إلينا وما أُنْزِل» بالبناء للمفعول فيهما، وقرأ أبو نهيك: «أَنْزل، وأَنْزل» بالبناء للفاعل، وكلتاهما واضحة. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ قرأ الجمهورُ: «أَنَّ» مفتوحةَ الهمزة، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسرها. فأمَّا قراءةُ الجمهور فتحتمل «أنَّ» فيها أنْ تكونَ في محل رفع أو نصب أو جر، فالرفعُ من وجه واحد وهو أن تكونَ مبتدأً والخبر محذوف. قال الزمخشري: «والخبر محذوف أي: فسقُكم ثابت معلومٌ عندكم، لأنكم علمتم أنَّا على الحق وأنتم على الباطل، إلا أنَّ حبَّ الرئاسة وجمع الأموال لا يَدَعُكم فتنصفوا» فقدَّر الخبر مؤخراً. قال الشيخ: «ولا ينبغي أن يُقَدَّر الخبرُ إلا مقدماً لأنه لا يُبْتَدَأ ب» أَنَّ «على الأصحِّ إلا بعد» أمَا «انتهى. ويمكن أن يقال: يُغْتفر في الأمور التقديرية ما لايُغْتفر في اللفظية، لاسيما أن هذا جارٍ مَجْرى تفسير المعنى، والمرادُ إظهار ذلك الخبر كيف يُنْطَق به، إذ يقال إنه يرى جواز الابتداء ب» أنَّ «مطلقاً، فحصل في تقدير الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير. وأمَّا النصبُ فمِنْ ستة أوجه، أحدها: أن يُعْطَفُ على» أن آمَنَّا «، واستُشْكل هذا التخريج من حيث إنه يصير التقديرُ: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقَ أكثرهم، وهم لا يَعْترفون بأن أكثرَهم فاسقون حتى يكرهونه وأجيب عن ذلك، فأجاب الزمخشري وغيرُه بأنَّ المعنى: وما تنقمون منا إلا الجمعَ بين

стр. 2811

أيماننا وبين تَمَرُّدكم وخروجكم عن الإِيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفَتكم حيث دَخَلْنا في دين الإِسلام وأنتم خارجون منه» . ونقل الواحدي عن بعضهم أنَّ ذلك من باب المقابلة والازدواج، يعني أنه لَمَّا نقم اليهود عليهم الإِيمان بجميع الرسل وهو مما لا يُنْقَم ذكَرَ في مقابلته فِسْقَهم، وهو مِمَّا يُنْقِم، ومثلُ ذلك حسنٌ في الازدواج، يقول القائل: «هل تنقم مني إلا أني عَفَوْتُ عنك وأنك فاجر» فَيَحْسُن ذلك لإِتمامِ المعنى بالمقابلة. وقال أبو البقاء: «والمعنى على هذا: إنكم كرهتم إيماننا وامتناعكم، أي: كرهتم مخالفتَنا إياكم، وهذا كقولك للرجل: ما كرهتَ مني إلا أني مُحَبِّبٌ للناس وأنك مُبْغَضٌ» وإن كان لا يعترف بأنه مُبْغَض. وقال ابن عطية: وأنَّ أكثركم فاسقون / هو عند اكثر المتأوِّلين معطوفٌ على قوله: ﴿أَنْ آمَنَّا﴾ فيدخُل كونُهم فاسقين فيما نَقَموه، وهذا لا يتِّجِهُ معناه «ثم قال بعد كلام:» وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة: هل تَنْقِمون منا إلا مجموعَ هذه الحال من أنَّا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ مِمَّا قَرَّره المخاطب لهم، وهذا كما تقولُ لِمَنْ يخاصِمُ: «هل تَنْقِم عليَّ إلا أن صدقتُ أنا وكَذَبْتَ أنت» وهو لا يُقِرُّ بأنه كاذب ولا يَنْقِم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تَنْقِم إلا مجموعَ هذه الحال «وهذا هو مجموعُ ما أجاب به الزمخشري والواحدي. الوجه الثاني من أوجه النصب: أن يكونَ معطوفاً على» أن آمنَّا «أيضاً، ولكنْ في الكلامِ مضافٌ محذوفٌ لصحةِ المعنى، تقديرُه:» واعتقادَ أن أكثركم فاسقون «وهو معنى واضح، فإنَّ الكفار يِنقِمون اعتقاد المؤمنين انهم فاسقون، الثالث: أنه منصوبٌ بفعل مقدَّر تقديرُه: هل تنقمون منا إلا إيمانا، ولا تنقمون

стр. 2812

فِسْقَ أكثركم. الرابع: أنه منصوبٌ على المعية، وتكونُ الواوُ بمعنى» مع «تقديرُه: وما تَنْقِمون منا إلا الإِيمانَ مع أن أكثرَكم فاسقون. ذَكَر جميعَ هذه الأوجه أبو القاسم الزمخشري. والخامس: أنه منصوبٌ عطفاً على» أنْ آمنَّا «و» أن آمنَّا «مفعولٌ من أجله فهو منصوب، فعَطَفَ هذا عليه، والأصلُ:» هل تَنْقِمون إلا لأجْلِ إيماننا، ولأجل أنَّ أكثرَهم فاسقون «، فلمَّا حُذِف حرفُ الجر من» أن آمنَّا «بقي منصوباً على أحدِ الوجهين المشهورين، إلا أنه يقال هنا: النصبُ ممتنعٌ من حيث إنه فُقِد شرطٌ من المفعول له، وهو اتحاد الفاعلِ، والفاعلُ هنا مختلفٌ، فإنّ فاعل الانتقام غير فاعل الإِيمان، فينبغي أن يُقَدَّر هنا محلُّ» أن آمنَّا «جراً ليس إلا، بعد حذفِ حرفِ الجر، ولا يَجْري فيه الخلاف المشهورُ بين الخليل وسيبويه في محلِّ» أنْ «إذا حُذِف منها حرفُ الجر، لعدمِ اتحاد الفاعل. وأُجيب عن ذلك بأنَّا وإن اشترطنا اتحادَ الفاعلِ فإنَّا نجوِّزُ اعتقادَ النصبِ في» أَنْ «و» أَنَّ «إذا وقعا مفعولاً من أجله بعد حَذْفِ حرفِ الجر لا لكونِهما مفعولاً من أجله، بل من حيث اختصاصُهما من يحث هما بجواز حذف حرف الجر لطولِهما بالصلةِ، وفي هذه المسألةِ بخصوصِها خلافٌ مذكور في بابِه، ويدلُّ على ذلك ما نقلَه الواحدي عن صاحبِ» النظم «فإن صاحب» النظم «ذَكَر عن الزجاج معنًى، وهو: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقَكم، أي: إنما كرهتم إيمانَنا وأنتم تعلمون أنَّا على حقٍّ لأنكم فسقتم بأنْ أقمتم على دينِكم، وهذا معنى قولِ الحسن، فعلى هذا يجب أن يكونَ موضعُ» أَنَّ «في قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ نصباً بإضمار اللام على تأويل» ولأنَّ أكثرَكم «والواوُ زائدةٌ، فقد صَرَّح صاحبُ» النظم «بما ذكرته. الوجه السادس: أنه في محلِّ نصبٍ على أنه مفعول من أجله لتنقِمون، والواوُ زائدةٌ كما تقدَّم

стр. 2813

تقريرُه. وهذا الوجه الخامس يحتاج إلى تقرير ليُفْهَم معناه، قال الشيخ بعد ذِكْرِ ما نَقَلْتُه من الأوجه المتقدمةِ عن الزمخشري: «ويظهرُ وجهٌ ثامن ولعله يكون الأرجحَ، وذلك، أن» نَقَم «أصلُه أن يتعدَّى ب» على «تقول:» نَقَمت عليه «ثم تبني منه افْتَعَل إذ ذاك ب» من «ويُضَمَّن معنى الإِصابة بالمكروه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ، ومناسَبَ التضمين فيها أنَّ مَنْ عاب على شخصٍ فِعْلَه فهو كارهٌ له، ومصيبُه عليه بالمكروه، فجاءت هنا فَعَل بمعنى افْتَعَل كقَدَرَ واقتدر، ولذلك عُدِّيت ب» مِنْ «دون» على «التي أصلُها أن تتعدَّى بها، فصار المعنى: وما تنالون منا وما تصيبوننا بما نَكْرَهُ إلا أن آمنا، أي: إلاَّ لأنْ آمنَّا» فيكون «ان آمنَّا» مفعولاً من أجله، ويكون «وأنَّ أكثركم فاسقون» معطوفاً على هذه العلة، وهذا - والله أعلم - سببُ تعديتِه ب «مِنْ» دون «على» انتهى ما قاله، ولم يُصَرِّحْ بكونِه حينئذ في محلِّ نصبٍ أو جر، إلاَّ أنَّ ظاهر حالِه أن يُعْتَقَد كونُه في محلِّ جرِّ، فإنه إنما ذُكِر أوجه الجر. وأمَّا الجرُّ فمن ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه عطفٌ على المؤمَنِ به، قال الزمخشري: «أي: وما تَنْقِمون منا إلا الإِيمانَ بالله وبما أُنْزِل، وبأن أكثركم فاسقون» وهذا معنى واضح، قال ابن عطية: «وهذا مستقيمُ المعنى، لأنَّ إيمانَ المؤمنين بأنَّ أهلَ الكتابِ المستمرين على الكفر بمحمدٍ ﷺ فَسَقه هو مما ينقمونه» الثاني: أنه مجرورٌ عطفاً على علةٍ محذوفةٍ

стр. 2814

تقديرها: ما تَنْقِمون منا إلا الإِيمان لقلة إنصافِكم وفسقِكم وإتباعِكم شهواتِكم، ويدلُّ عليه تفسيرُ الحسن البصري «بقسقِكم نَقَمتم علينا» ويُروى «لفسقهم نَقَموا علينا الإِيمان» الثالث: أنه في محلِّ جرِّ عطفاً على محل «أنْ آمنَّا» إذا جعلناه مفعولاً من أجله، واعتقَدْنا أنَّ «أنَّ» في محل جر بعد حذف الحرف، وقد تقدَّم ما في ذلك في الوجه الخامس، فقد تحصَّل في قولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أحدَ عشرَ وجهاً، وجهان في حال الرفع بالنسبة إلى تقدير الخبر: هل يٌقَدَّرُ مُقدَّماً وجوباً أو جوازاً، وقد تقدَّم ما فيه، وستةُ أوجه في النصب، وثلاثةٌ في الجر. وأمَّا قراءةُ ابن ميسرة فوجهها أنها على الاستئنافِ، أخبر أنَّ أكثرَهم فاسقون، ويجوز أن تكون منصوبة المحلِّ لعطفِها على معمول القول، أمرَ نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهم: هل تنقِمون إلى آخره، وأن يقول لهم: إنَّ أكثركم فاسقون، وهي قراءة جَلِيَّةٌ واضحة.

стр. 2815

قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ : المخاطب في «أنبئِّكُم» فيه قولان، أحدهما - وهو الذي لا يَعْرِف أكثرُ / أهلِ التفسير غيرَه: أنه يُراد به أهلُ الكتاب الذين تقدَّم ذكرُهم. والثاني: أنه للمؤمنين، قال ابن عطية: «ومَشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أُمَر أَنْ يقول لهم:» هل أنبئِّكم «هم اليهودُ والكفار المتَّخذون دينَنا هزواً ولعباً، قال ذلك الطبري، ولم يُسْنِد في ذلك إلى متقدِّم شيئاً، والآية تحتمل أن يكونَ القولُ للمؤمنين» انتهى، فعلى كونِه ضميرَ المؤمنين واضحٌ، وتكونُ أَفْعَلُ التفضيل - أعني «بشرّ» - على بابِها، إذ يصير التقدير: قل هل أنبِّئكم يا مؤمنون بشرٍّ من حال هؤلاء الفاسقين؟ أولئك أسلافُهم الذين لعنهم الله، وتكون الإِشارةُ ب «ذلك» إلى حالِهم، كذا قَدَّره ابنُ عطية، وإنما قَدَّر مضافاً، وهو حال

стр. 2816

ليصِحَّ المعنى، فإن «ذلك» إشارةٌ للواحدِ، ولو جاءَ مِنْ غيرِ حَذْفِ مضافٍ لقيل: بشرٍّ من أولئكم بالجمع. وقال الزمخشري: «ذلك» إشارةٌ إلى المنقومِ، ولا بد من حذفِ مضافٍ قبلَه أو قبل «من» تقديرُه: بشرٍّ من أهل ذلك، أو دينِ مَنْ لَعَنَه [الله] «انتهى. ويجوزُ ألاَّ يقدَّرَ مضافٌ محذوفٌ لا قبلُ ولا بعدُ، وذلك على لغةِ مَنْ يُشير للمفردِ وللمثنى والمجموع تذكيراً وتانيثاً بإشارةِ الواحدِ المذكر، ويكون» ذلك «إشارةً إلى الأشخاصِ المتقدِّمين الذين هم أهلُ الكتابِ، كأنه قيل: بشرٍّ من أولئك، يعني أن السلف الذي لهم شَرٌّ من الخَلَفِ، وعلى هذا يجيء قولُه ﴿مَن لَّعَنَهُ﴾ مفسِّراً لنفس» ذلك «، وإنْ كان ضميرَ أهلِ الكتاب وهو قولُ عامةِ المفسرين فيُشْكِل ويحتاج إلى جواب. ووجهُ الإِشكالِ أنه يصيرُ التقديرُ:» هل أنبِّئكم يا أهلَ الكتاب بشرٍّ من ذلك، و «ذلك» يُراد به المنقومُ وهو الإِيمان، وقد عُلِم أنه لا شرَّ في دينِ الإِسلام البتةَ، وقد أجابَ الناسُ عنه، فقال الزمخشري عبارةً قَرَّر بها الإِشكالَ المتقدمَ، وأجابَ عنه بعد أَنْ قال: «فإنْ قلت: المثوبةُ مختصةٌ بالإِحسان فكيف وَقَعَتْ في الإِساءةِ؟ قلت: وُضِعَتْ موضعَ عقوبةٍ فهو كقوله: ١٧٤ - ٩-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تحيةُ بينِهم ضَربٌ وَجيعُ ومنه ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ، وتلك العبارةُ التي ذكرتُها لك هي أن قال:» فإنْ قلت: المعاقَبُ من الفريقين هم اليهودُ، فلِمَ شُورك بينهم في العقوبة؟ قلت: كان اليهودُ - لُعِنوا - يزعمون أن المسلمين ضالُّون مستوجبون

стр. 2817

للعقوبة، فقيل لهم: مَنْ لعنه الله شرٌّ عقوبةً في الحقيقة واليقينِ من أهل الإِسلام في زعمكم ودعواكم «وفي عبارته بعضُ علاقة وهي قوله:» فلِمَ شُورك بينهم «أي: بين اليهود وبين المؤمنين، وقوله:» من الفريقين «يعني بهما أهلَ الكتاب المخاطبين ب» أنبِّئكم «ومَنْ لعنه الله وغَضِب عليه، وقوله» في العقوبة «أي: التي وَقَعَت المثوبةُ / موقعَها، ففسَّرها بالأصل، وفَسَّر غيرُه المثوبةَ هنا بالرجوعِ إلى الله تعالى يومَ القيامة، ويترتَّب على التفسيرين فائدةٌ ستظهرُ لك قريباً. و «مثوبةً» نصبٌ على التمييز، ومميِّزُها «شَرٌّ» وقد تقدم في البقرة الكلامُ على اشتقاقِها ووزنِها فَلْيلتفت إليه. وقوله: ﴿عِندَ الله﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بنفسِ «مَثُوبة» إنْ قُلْنا إنها بمعنى الرجوع، لأنك تقول: «رَجَعْتُ عنده» والعندية هنا مجازية. والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة ل «مثوبة» ، وهو في محلِّ نصبٍ إنْ قلنا: إنها اسمٌ محض، وليست بمعنى الرجوع بل بمعنى عقوبة. وقرأ الجمهور: ﴿أُنَبِّئكم﴾ بتشديد الباء من «نَبَّأ» وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب: «أُنْبِئُكم» بتخفيفها من «أنبأ» وهما لغتان فصيحتان. والجمهور أيضاً على «مَثُوبة» بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ الأعرج وابن بريدة ونبيح وابن عمران: «مَثْوبة» بسكون الثاء وفتح الواو،

стр. 2818

وجعلها ابن جني في الشذوذ كقولهم «فاكهة مَقْوَدَةٌ للأذى» بسكون القاف وفتح الواو، يعني أنه كان من حقها أن تُنْقَلَ حركةُ الواو إلى الساكن قبلها، وتٌقْلَبَ الواوُ ألفاً، فيقا: مثابة ومَقادة كما يقال: «مَقام» والأصل: «مَقْوَم» . قوله تعالى: ﴿مَن لَّعَنَهُ﴾ في محل [ «مَنْ» ] أربعة أوجه، أحدها: أنه في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر تقديره: هو مَنْ لعنه الله، وقَدَّر مكي قبله مضافاً محذوفاً، قال: «تقديرُه: لَعْنُ مَنْ لعنه الله» ثم قال: وقيل: «مَنْ» في موضعِ خفضٍ على البدلِ مِنْ «بشرِّ» بدلِ الشيء من الشيء وهو هو، وكان ينبغي له أن يقدِّر في هذا الوجه مضافاً محذوفاً كما قَدَّره في حالة الرفع، لأنه إنْ جَعل «شراً» مراداً به معنًى لزمه التقدير في الموضعين، وإن جعله مراداً به الأشخاصُ لَزمه ألاَّ يُقَدِّر في الموضعين. الثاني: أنه في محل جر كما تقدَّم بيانُه عن مكي. الثالث: أنه في محلِّ نصبٍ على البدل من محل «بشر» . الرابع: أنه في محلِّ نصبٍ على منصوبٌ بفعلٍ مقدَّر يدل عليه «أُنَبِّئكم» تقديره: أُعَرِّفكم مَنْ لعنه الله، ذكره أبوالبقاء، و «مَنْ» يُحْتَمل أن تكونَ موصولة وهو الظاهرُ، ونكرةً موصوفة. فعلى الأول لا محلَّ للجملة التي بعدها، وعلى الثاني لها محلٌّ بحسب ما يُحْكَمُ على «مَنْ» بأحد الأوجه السابقة، وقد حَمَل على لفظِها أولاً في قوله «لعنه» و «عليه» ثم على معناها في قوله: ﴿مِنْهُمُ القردة﴾ ، ثم على لفظها في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ ثم على لفظِها في قوله: ﴿أولئك﴾ فجَمَع في الحمل عليها أربع مرات. و «جَعَل» هنا بمعنى «صَيَّر» فيكون «منهم» في محل نصب مفعولاً ثانياً، قُدِّم على الأول فيتعلق بمحذوف أي صَيَّر القردة والخنازير كائنين منهم،

стр. 2819

وجعلَها الفارسي في كتاب «الحجة» له بمعنى خلق. قال ابن عطية «وهذه منه ﵀ نزعةٌ اعتزالية لأنه قوله: ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ تقديره: ومَنْ عبد الطاغوت» والمعتزلة لا ترى أن الله تعالى يصيِّر أحداً عابدَ طاغوت «انتهى. والذي يُفَرٌّ منه في التصيير هو بعينه موجودٌ في الخلق، وللبحث فيه موضع غير هذا تعرضت له في التفسير الكبير. وجَعَلَ الشيخ قوله تعالى» مَنْ لعنَه الله «إلى آخره مِنْ وَضْعِ الظاهر موضعَ المضمرِ تنبيهاً على الوصف الذي به حصل كونهم شراً مثوبةً، كأنه قيل: قل هل أنبِّئكم بشرٍّ من ذلك عند الله مثوبة؟ أنتم، أي: هم أنتم، ويَدُلُّ على هذا المعنى قوله بعد: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا﴾ فيكون الضميرُ واحداً، وجَعَل هذا هو الذي تقتضيه فصاحةُ الكلام. وقرأ أُبَيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود:» مَنْ غَضِب الله عليهم وجعلَهم قردةً «وهي واضحةٌ. قوله: ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ في هذه الآية أربعٌ وعشرون قراءةً اثنتان في السبع، وهما» وعَبَد الطاغوتَ «على أن» عَبَد «فعلٌ ماضٍ مبني للفاعل، وفيه ضميرٌ يعودُ على» مَنْ «كما تقدم، وهي قراءة جمهور السبعة غيرَ حمزة. والثانية: و» عَبُدَ الطاغوتِ «بضم الباء وفتح الدال وخفض الطاغوت، وهي قراءةُ حمزة ﵀ والأعمش ويحيى بن وثاب. وتوجيههُا كما قال الفارسي وهو أن» عَبُداً «واحدٌ يُراد به الكثرةُ مثلَ قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ

стр. 2820

نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وليس بجمع» عبد «لأنه ليس في أبنيةِ الجمعِ مثلُه. قال:» وقد جاء على فَعُل لأنه بناء يُراد به الكثرةُ والمبالغةُ في نحو يَقُظ ونَدُس كأنه قد ذهب في عبادة الطاغوت كلَّ مذهب، وبهذا المعنى أجاب الزمخشري أيضاً، قال - رحمه الله تعالى -: «معناه الغلُوُّ في العبودية كقولهم:» رجل حَذُر وفَطُن «للبليغ في الحذر والفطنة، وأنشدَ لطَرَفة: ١٧٥ - ٠- أبني لُبَيْنَى إنَّ أمَّكُمُ ... أَمَةٌ، وإنَّ أباكُمُ عَبُدُ وقد سَبَقهما إلى هذا التوجيهِ أبو إسحاق، وأبو بكر بن الأنباري، قال أبو بكر:» وضُمَّتِ الباءُ للمبالغةِ كقولِهم للفَطِن: «فَطُن» وللحَذِر: «حَذُر» ، يَضُمُّون العين للمبالغة، قال أوس بن حجر: -أبني لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُمُ ... أَمَةٌ، وإنَّ أباكُمُ عَبُدُ فضمَّ الباء، قلت: كذا نَسَب البيتَ لابن جحر، وقد قَدَّمْتُ أنه لطرفة، ومِمَّنْ نَسَبه لطرفةَ الشيخُ شهاب الدين أبو شامة. وقال أبو إسحاق: «ووجْهُ قراءِة حمزةَ أنَّ الاسمَ بُنِي على فَعُل كما تقول:» رجلٌ حَذُر «وتأويلُه أنه مبالغٌ في الحذر / فتأويلُ» عَبُد «أنَّه بَلَغ الغايةَ في طاعة الشيطان، وكأنَّ هذا اللفظَ لفظٌ واحدٌ يَدُلُّ على الجمعِ كما تقول للقوم» عَبُد العَصا «تريدُ عبيد العصا،

стр. 2821

فأخذ أبو عليّ هذا وبَسَطه بما ذَكَرْتُه عنه، ثم قال» وجاز هذا البناءُ في عَبْد لأنه في الأصلِ صفةٌ، وإن كان قد استُعْمِل استعمالَ الأسماءِ، لا يُزيل ذلك عنه حكمَ الوصفِ كالأبطح والأبرق استُعْمِلا استعمالَ الأسماءِ حتى جُمِعا جَمْعَها في قولهم: أبارق وأباطح كأجادِل جمع الأجْدَل ثم لم يُزِلْ ذلك عنهما حكمَ الصفة، يَدُلُّك على ذلك مَنْعُهم له الصرفَ كأحمر، وإذا لم يَخْرج العبدُ عن الصفة لم يمتنعْ أَنْ يُبنى بناءَ الصفات على فَعُل نحو: «يَقُظ» ، وإنما أَشْبَعْتُ العبارةَ هنا لأن بعض الناس طَعَن على هذه القراءة ونسب قارئها إلى الوهم كالفراء والزجاج وأبي عبيد ونصير الرازي النحوي صاحب الكسائي. قال الفراء: «إنما يجوز ذلك في ضرورةِ الشعر - يعني ضمَّ باء» عَبُد «فأمَّا في القراء فلا» وقال أيضاً: «إنْ تكن لغةً مثلَ حَذُر وعَجُل جاز ذلك، وهو وجهٌ، وإلاَّ فلا تجوزُ في القراءة» وقال الزجاج: «هذه القراءةُ ليست بالوجهِ لأنَّ عَبُداً على فَعُل، وهذا ليس من أمثلةِ الجمعِ» وقال أبو عبيد: «إنما معنى العَبُد عندهم الأعبُد، يريدون خدَمَ الطاغوتِ، ولم نجد هذا يَصِحُّ عن أحد من فصحاء العرب أن العَبْد يقال فيه عَبُد وإنما هو عَبْد وأَعْبُد» وقال نصير الرازي «هذا وَهْمٌ مِمَّن قرأ به فليتقِ الله مَنْ قرأ به، وليسألْ عنه العلماء حتى يوقفَ على أنه غير جائز» قلت: قد سألوا عن ذلك العلماءَ ووجدوه صحيحاً في المعنى بحمد الله تعالى، وإذا تواتر الشيء قرآناً فلا التفاتَ إلى مُنْكرِه لأنه خَفِيَ عنه ما وَضَح لغيره.

стр. 2822

وأمَّا القراءاتُ الشاذةُ فقرأ أُبَيّ: و «عَبَدُوا» بواوِ الجمع مراعاةً لمعنى «مَنْ» وهي واضحةٌ. وقرأ الحسن البصري في رواية عَبَّاد و «عَبْدَ الطاغوت» بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من «الطاغوت» وخَرَّجها ابن عطية على وجهين احدهما: أنه أراد: «وعَبْداً الطاغوت» فحذف التنوينَ من «عبداً» لالتقاء الساكنين كقوله: ١٧٥ - ١-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا والثاني: أنه أراد «وعبَد» بفتح الباء على أنه فعلٌ ماضٍ كقراءة الجماعة إلا أنه سَكَّن العينَ على نحوِ ما سَكَّنها في قول الآخر: ١٧٥ - ٢- وما كلُّ مغبونٍ ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بسكون اللام، ومثله قراءةُ أبي السمال: ﴿ولُعْنوا بما قالوا﴾ بسكون العين، قلت: ليس ذلك مثلَ «لُعْنوا» لأنَّ تخفيف الكسر مقيس بخلاف الفتح ومثلُ «سَلْفَ» قولُ الآخر: ١٧٥ - ٣- إنما شِعْريَ مِلْحٌ ... قد خُلْطَ بجُلْجُلانْ

стр. 2823

من حيث إنه خَفَّف الفتحة. وقال الشيخ - بعد أن حكى التخريج الأول عن ابن عطية -: «وهذا التخريجُ لا يَصِحُّ لأنَّ عَبْداً لايمكن أن ينصبَ الطاغوت، إذ ليس بمصدرٍ ولا اسمِ فاعل، فالتخريجُ الصحيح أن يكونَ تخفيفاً من» عَبَدَ «ك» سَلْف «في» سَلَفْ «قلت: لو ذكر التخريجين عن ابن عطية، ثم استشكلَ الأولَ لكان إنصافاً لئلا يُتَوَهَّم أن التخريجَ الثاني له. ويمكن أن يقال: إنَّ» عَبْداً «لِما في لفظه من معنى التذلل والخضوعِ دَلَّ على ناصبٍ للطاغوت حُذِفَ، فكأنه قيل: مَنْ يعبُد هذا العبدَ؟ فقيل: يعبُد الطاغوتَ، وإذا تقرَّر أنَّ» عَبْدَ «حُذِفَ تنوينُه فهو منصوبٌ عطفاً على القردة، أي: وجعلَ منهم عَبْداً للطاغوت. وقرأ الحسن أيضاً في روايةٍ أخرى كهذه القراءة، إلا أنه جَرَّ» الطاغوت «وهي واضحةٌ فإنه مفرد يُراد به الجنسُ أُضيف إلى ما بعده. وقرأ الأعمش والنخعي وأبو جعفر:» وعُبِد «مبنياً للمفعول،» الطاغوتُ «رفعاً. وقرأ عبد الله كذلك إلا أنَّه زادَ في الفعلَ تاءَ التأنيث، وقرأ:» وعُبِدَتِ الطاغوتُ «والطاغوت يذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] ، وقد تقدَّم في البقرة قال ابن عطية:» وضَعَّفَ الطبري هذه القراءةَ، وهي متجهةٌ «يعني قراءةَ البناءِ للمعفول، ولم يبيِّنْ وجهَ الضعفِ ولا توجيهَ القراءة، ووجهُ الضعفِ أنه تخلو الجملة المعطوفة على الصلةِ من رابطٍ يربُطها

стр. 2824

بالموصولِ، إذ ليس في» عُبِد الطاغوتُ «ضميرٌ يعودُ على ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ لو قلت: أكرمت الذين أهنتُم وضُرِب زيدٌ» على أن يكون «وضُرِب» عطفاً على «أكرمت» لم يَجُزْ، فكذلك هذا. وأمَّا توجيهُها فهو كما قال أبو القاسم الزمخشري: «إنَّ العائدَ محذوفٌ تقديرُه:» وعُبِد الطاغوتُ فيهم أو بينهم «. وقرأ ابن مسعود في روايةِ عبد الغفار عن علقمة عنه: ﴿وعَبُدَ الطاغوتُ﴾ بفتح العين وضمِّ الباء وفتحِ الدالِ ورفعِ الطاغوت، وفيها تخريجان، أحدُهما: - ما ذكرَه ابن عطية - وهو أن يصيرَ له أَنْ عُبِد كالخُلُقِ والأمرِ المعتاد المعروف، فهو في معنى فَقُه وشَرُف وظَرُف، قلت: يريد بكونِه في معناه أي: صار له الفقهُ والظرفُ خُلُقاً معتاداً معروفاً، وإلاَّ فمعناه مغايرٌ لمعاني هذه الأفعالِ والثاني: - ما ذكرَه الزمخشري - وهو أَنْ صارَ معبوداً من دونِ الله ك» أمُر «أي: صار أميراً، وهو قريبٌ من الأولِ وإنْ كان بينهما فرقٌ لطيفٌ. وقرأ ابن عباس في رواية عكرمة عنه ومجاهد / ويحيى بن وثاب: و ﴿وعُبُدَ الطاغوتِ﴾ بضم العين والباء وفتح الدال وجر «الطاغوت» وفيها أقوال، أحدها: وهو قول الأخفش - أنَّ عُبُداً جمع عبيد، وعبيد جمعُ عَبْد فهو جمعٌ الجمعِ، وأنشد: ١٧٥ - ٤- أنسُبِ العبدَ إلى آبائِه ... أسودَ الجِلْدَةِ من قومٍ عُبُدْ

стр. 2825

وتابعه الزمخشري على ذلك، يعني أنَّ عبيداً جمعاً بمنزلة رغيف مفرداً فيُجْمع جمعَه كما يُقال: رغيف ورُغُف. الثاني - وهو قولُ ثعلب - أنه جمعُ عابد كشارف وشُرُف، وأنشد: ١٧٥ - ٥- ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النَّواءِ ... فهنَّ مُعَقِّلاتٌ بالفِناءِ والثالث: أنه جَمْعُ عَبْد كسِقْف وسُقُف ورَهْن ورُهُن. والرابع: أنه جمع عِباد، وعِباد جمعُ «عَبْد» فيكونُ أيضاً جمعَ الجمعِ مثل «ثِمار» هو جمع «ثَمَرة» ثم يُجْمع على «ثُمُر» وهذا لأنَّ عِباداً وثِماراً جمعين بمنزلة كتاب مفرداً، وكتاب يجمع على كُتُب فكذلك ما وازَنَه. وقرأ الأعمش: «وعُبَّدَ» بضمِّ العينِ وتشديدِ الباءِ مفتوحةً وفتحِ الدال، «الطاغوت» بالجرِّ، وهي جمع عابِد كضُرَّب في جمع ضارِب وخُلَّص في جمع خالِص. وقرأ ابنُ مسعود أيضاً في رواية علقمة: ﴿وعُبَدَ الطاغوت﴾ بضمِّ العين وفتح الباء والدالِ. و «الطاغوتِ» جَرَّا، وتوجيهُها أنه بناءُ مبالغةٍ كحُطَم ولُبَد وهو اسمُ جنسٍ مفردٍ يُراد به الجمعُ، والقولُ فيه كالقول في قراءةِ حمزة وقد تقدَّمَتْ. وقرأ ابن مسعود في رواية علقمةَ أيضاً: و ﴿وعُبَّدَ الطاغوتَ﴾ بضمِّ العين وبشد الباء مفتوحة وفتح الدال ونصب «الطاغوت» وخَرَّجها ابن عطية على

стр. 2826

أنها جمعُ عابد كضُرِّب في جمع ضارب، وحَذَف التنوين من «عبدا» لالتقاء الساكنين كقوله: ١٧٥ - ٦-. . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا قال: «وقد تقدَّم نظيرُه» يعني قراءةَ: ﴿وعَبْدَ الطاغوتَ﴾ بفتح العين والدال وسكونِ الباءِ ونصبِ التاء، وكان ذَكَر لها تخريجين، أحدُهما هذا، والآخرُ لا يمكنُ وهو تسكينُ عينِ الماضي. وقرأ بريدة الأسلمي فيما نقلَه عنه ابنُ جرير: «وعابِد الشيطانِ» بنصبِ «عابد» وجَرِّ «الشيطان» بدلَ الطاغوت وهو تفسيرٌ لا قراءةٌ. وقرأ أبو واقد الأعرابي: ﴿وعُبَّاد﴾ بضمِّ العينِ وتشديدِ الباءِ بعدها ألف ونصبِ الدال، والطاغوتِ بالجر، وهي جمعُ عابد كضُرًَّاب في ضارب. وقرأ بعضُ البصريين: «وعِبادَ الطاغوتِ» بكسرِ العين، وبعد الباء المخففة ألف، ونصب الدال وجَرِّ «الطاغوت» وفيها قولان: أحدهما: أنه جمع عابِد كقائِم وقِيام، وصائِم وصِيام. والثاني: أنها جمعُ عَبْد، وأنشد سيبويه: ١٧٥ - ٧- أتوعِدُني بقومِك يابنَ حَجْلٍ ... أُشاباتٍ يُخالُون العِبادَا قال ابن عطية: «وقد يجوزُ أن يكونَ جمعَ» عَبْد «، وقلما يأتي»

стр. 2827

عِباد «/ مضافاً إلى غيرِ الله تعالى، وأَنْشَد سيبويه:» أتُوْعِدُني «البيت قال أبو الفتح: يريد عبادَ آدم ﵇، ولو أراد عباد الله فليس ذلك بشيء يُسَبُّ به أحدٌ، فالخَلْقُ كلُّهم عبادُ الله» قال ابن عطية: «وهذا التعليقُ بآدم شاذٌّ بعيدٌ والاعتراضُ باقٍ، ولي هذا مِمَّا تخيَّل الشاعرُ قصدَه، وإنما أرادَ العبيد فساقَتْه القافيةُ إلى العباد، إذ قد يُقال لِمَنْ يملكه مِلْكاً ما، وقد ذكر أن عربَ الحيرة سُمُّوا عِباداً لدخولهم في طاعةِ كِسْرى فدانَتْهم مملكتُه» قلت: قد اشْتَهَر في ألسنةِ الناس أن «عَبْدا» المضافَ إلى الله تعالى يُجْمَعُ على «عِباد» وإلى غيره على «عبيد» ، وهذا هو الغالبُ، وعليه بنى أبو محمد. وقرأ عون العقيلي في روايةِ العَبَّاس بن الفضل عنه: «وعابِدُ الطاغوتِ» بضمِّ الدالِ وجَرِّ الطاغوت كضاربِ زيدٍ. قال أبو عمرو: تقديرُه: «وهم عابدُ الطاغوت» قال ابن عطية: «فهو اسمُ جنسٍ» قلت: يعني انه أرادَ ب «عابِد» جماعةً، قتل: وهذه القراءةُ يجوز أن يكونَ أصلُها: «وعابدو الطاغوت» جَمْعَ عابد جمعَ سلامةٍ، فلمَّا لَقِيت الواوُ لامَ التعريف حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين، فصار اللفظُ بدالٍ مضمومةٍ، ويؤيِِّد فَهْمَ هذا أنَّ أبا عمرو قَدَّر المبتدأ جَمْعاً فقال: «تقديرُه: هم عابدو» اللهم إلا أَنْ ينقلُوا عن العقيلي أنه نَصَّ علي قراءتِه أنها بالإِفراد، أو سمعوه يقف على «عابد» أو رَأَوْا مصحفَه بدالٍ دونَ واوٍ، وحينئذ تكونُ قراءتُه كقراءةِ ابن عباس: ﴿وعابدو﴾

стр. 2828

بالواوِ، وعلى الجملة فقراءتُهما متحدةٌ لفظاً، وإنَّما يَظْهَرُ الفرقُ بينهما على ما قالُوه في الوقفِ أو الخطِّ. وقرأ ابنُ عباس في روايةٍ أخرى لعكرمة: «وعابِدُوا» بالجمعِ، وقد تقدَّم ذلك. وقرأ ابن بُرَيْدة: «وعابد» بنصبِ الدالِ كضاربِ زيدٍ، وهو أيضاً مفردٌ يُراد به الجنسُ. وقرأ ابن عباس وابن أبي عبلة: ﴿وعَبَد الطاغوتِ﴾ بفتحِ العينِ والباءِ والدال وجَرِّ الطاغوت، وتخريجُها أنَّ الأصلَ: «وعبدةً الطاغوت» وفاعِل يُجْمَعُ على فَعَلَة كفاجِر وفَجَرة، وكافِر وكَفَرة، فحُذِفَتْ تاءُ التأنيثِ للإِضافة كقوله: ١٧٥ - ٨- قام وُلاها فسقَوْه صَرْخَدا ... أي: ولاتُها، وكقوله: ١٧٥ - ٩-. . . . . . . . . . . . . . . ... وأَخْلَفُوك عِدَ الأمرِ الذي وَعَدُوا أي: عدةَ الأمر، ومنه: ﴿وَإِقَامَ الصلاوة﴾ [الأنبياء: ٧٣] أي: إقامةِ الصلاة، ويجوزُ أَنْ يكونَ «عَبَدَ» اسمَ جنسٍ لعابد كخادِم وخَدَم / وحينئذ فلا حَذْفَ تاءِ تأنيثٍ لإِضافة. وقُرِئ: «وعَبَدَة الطاغوت» بثبوتِ التاء وهي دالَّةٌ على حَذْفِ التاء للإِضافة في القراءةِ قبلَها، وقد تقدَّم توجيهُها أنَّ فاعِلاً يُجْمَعُ على «فَعَلَة» كبارّ وبَرَرة وفاجِر وفَجَرة. وقرأ عبيد بن عمير: «وأعْبُد الطاغوت» جمع عبد كفَلْس وأَفْلُس وكَلْب وأَكْلُب. وقرأ ابن عباس: «وعبيد الطاغوت» جمع عبدٍ كفَلْس وأَفْلُس وكَلْب وأَكْلُب. وقرأ ابن عباس: «وعبيد الطاغوت» وجمعَ عبدٍ ايضاً وهو نحو: كلب وكليب «قال: ١٧٦ - ٠-

стр. 2829

تَعَفَّق بالأَرْطَى لها وأرادَها ... رجالٌ فَبَذَّتْ نبلَهُمْ وكَلِيبُ وقُرئ أيضاً:» وعابدي الطاغوت «وقرأ عبد الله بن مسعود:» ومَنْ عَبَدوا «فهذه أربعٌ وعشرون قراءةً، وكان ينبغي ألاَّ يُعَدَّ فيها:» وعابد الشيطان «لأنها تفسيرٌ لا قراءة. وقال ابن عطية:» وقد قال بعضُ الرواة في هذه الآية: إنها تجويزٌ لا قراءةٌ «يعني لَمَّا كَثُرت الرواياتُ في هذه الآيةِ ظنَّ بعضُهم أنه قيل على سبيلِ الجواز لا أنها منقولةٌ عن أحدٍ، وهذا لا ينبغي أَنْ يُقال ولا يُعْتقدَ فإنَّ أهلَها إنما رَوَوْها قراءةً تَلَوها على مَنْ أخذوا عنه، وهذا بخلاف و» عابد الشيطان «فإنَّه مخالفٌ للسواد الكريم. وطريقُ ضبطِ القراءةِ في هذا الحرفِ بعدَما عُرِفَ القراء أن يقال: سبع قراءات مع كونِ» عَبَد «فعلاً ماضياً وهي: وعَبَد وعَبَدُوا ومَنْ عَبَدوا وعُبِد وعُبِدَت وعَبُدَ وعَبْدَ في قولِنا: إنَّ الباء سَكَنَتْ تخفيفاً كسَلْفَ في سَلَف، وتسعُ قراءاتٍ مع كونِه جمعَ تكسيرٍ وهي: وعُبُدَ وعُبَّد مع جَرِّ الطاغوت وعُبَّد مع نصبه وعُبَّاد وعِباد وعَبَدَ على حَذْفِ التاءِ للإِضافةِ وعَبَدَة وأَعْبُد وعبيد، وست مع المفرد: وعَبُدَ وعُبَدَ وعابدَ الطاغوت وعابدُ الطاغوت بضم الدال وعابد الشيطان وعَبْدَ الطاغوت، وثنِتان مع كونه جمعَ سلامة: وعابِدوا بالواو وعابدي بالياء. فعلى قراءةِ الفعل يجوز في الجملةِ وجهان، أحدهما: أن تكونَ معطوفةً على الصلة قبلها والتقدير: مَنْ لعنَه الله وعَبَد الطاغوت. والثاني: أنه ليس داخلاً في حَيِّز الصلةِ، وإنما هو على تقديرِ مَنْ أي: ومَنْ عَبَد، ويدلُّ له قراءة عبد الله بإظهارِ» مَنْ «إلاَّ أنَّ هذا - كما قال الواحدي - يؤدِّي إلى حَذْفِ الموصولِ وإبقاءِ صلتِه، وهو ممنوعٌ عند البصريين، جائزٌ عند

стр. 2830

الكوفيين، وسيأتي جميعُ ذلك في قولِه تعالى: ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أي: وبالذي أُنْزل. وعلى قراءةِ جمع التكسير فيكون منصوباً عطفاً على القردة والخنازير أي: جَعَلَ منهم القردةَ وعِباد وعُبَّاد وعبيد، وعلى قراءةِ الإِفراد كذلك أيضاً، ويجوز النصبُ فيها أيضاً من وجهٍ آخرَ وهو العطفُ على» مَنْ «في ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ إذا قلنا بأنه منصوبٌ على ما تقدَّم تحريرُه قبلُ، وهو مرادٌ به الجنس، وفي بعضِها قُرئ برفعه نحو:» وعابدُ الطاغوت، وتقدَّم أن أبا عمرو يُقَدِّر له مبتدأ أي: هم عابد، وتقدَّم ما في ذلك، وعندي أنه يجوزُ ان يرتفعَ على أنه معطوفٌ على «مَنْ» في قولِه تعالى ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ ويَدُلُّ لذلك أنهم أجازوا في قراءِة عبدِ الله: «وعابدُو» بالواوِ هذين الوجهين فهذا مثله. وأما قراءة جمع السلامة فَمَنْ قرأ بالياء فهو منصوبٌ عطفاً على القردةِ، ويجوزُ فيه وجهان آخران، أحدُهما: أنه منصوبٌ عطفاً على «مَنْ» في ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ إذا قلنا إنَّ محلَّها نصبٌ كما مَرَّ. والثاني: أنه مجرورٌ عطفاً على ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ أيضاً إذا قُلنا بأنَّها في محلِّ جر بدلاً من «بشرِّ» كما تقدمَّ إيضاحُه. وهذه أوجهٌ واضحةٌ عَسِرة الاستنباطِ واللهُ أعلمُ. ومَنْ قَرأ بالواو فرفعُه: إمَّا على إضمارِ مبتدأ أي: هم عابدُو الطاغوت، وإمَّا نسقٌ على «مَنْ» في قولِه تعالى: ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ كما تقدَّم. قوله تعالى: ﴿أولئك شَرٌّ﴾ مبتدأ وخبر، و «مكاناً» نصب على التمييز، نَسَب الشَّر للمكان وهو لأهلِه، كنايةً عن نهايتهِم في ذلك، و «شرّ» هنا على بابه من التفضيل، والمفضَّل عليه فيه احتمالان، أحدهما: أنهم المؤمنون، فيقال: كيف يُقال ذلك والمؤمنون لا شَرَّ عندهم البتة؟ فَأُجيب بجوابين، أحدُهما: - ما ذكره النحاس - وهو أنَّ مكانَهم في الآخرة شَرٌّ مِنْ مكانِ

стр. 2831

المؤمنين في الدنيا لِما يلحقُهم فيه من «الشر» يعني من الهمومِ الدنيويةِ والحاجةِ والإِعسار وسماعِ الأذى والهَضْم من جانبهم قال: «وهذا أحسنُ ما قيل فيه» لعَمْري لقد صدق فطالما يَلْقَى المؤمن من الأذى ويذوقُ من الحاجة كلَّ صابٍ وعَلْقم. والثاني من الجوابين: أنه على سبيل التنزيل والتسليم للخصم على زعمه إلزاماً له بالحجة، كأنه قيل: شَرٌّ من مكانهم في زعمكم، فهو قريب من المقابلة في المعنى. والثاني من الاحتمالين أنَّ المفضَّل عليه هم طائفة من الكفارِ، أي: أولئك الملعونون المغضوبُ عليهم المجعولُ منهم القردةُ والخنازيرُ العبادون الطاغوتَ شرٌّ مكاناً من غيرهم مِنَ الكفرة الذين لم يَجْمعوا بين هذه الخصالِ الذميمةِ.

стр. 2832

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ﴾ : الضميرُ المرفوعُ لليهودِ المعاصرين، فحينئذ لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ أي: وإذا جاءكم ذريتُهم أو نَسْلُهم؛ لأنَّ أولئك المجعولَ منهم القردة والخنازير لم يَجيئوا، ويجوزُ ألاَّ يقدَّر مضافٌ محذوفٌ، وذلك على أن يكونَ قولُه ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ إلى أخره عبارةً عن المخاطبين في قوله: ﴿يَا أَهْلَ الكتاب﴾ وأنه مِمَّا وُضِع فيه الظاهرُ موضعَ المضمر، وكأنه قيل: أنتم، كذا قاله الشيخ، وفيه نظرٌ فإنه لا بدَّ من تقدير مضافٍ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة﴾ تقديرُه: وجَعَلَ من آبائِكم أو أسلافكم أو من جنسكم، لأن المعاصرين ليسوا مجعولاً منهم بأعيانِهم، فسواءً جَعَله مِمَّا ذَكَر أم لا، لا بد من حذف مضاف. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر﴾ هذه جملةٌ حاليةٌ / وفي العامل فيها وجهان أحدُهما: وبه بدأ أبو البقاء - أنه «قالوا» أي: قالوا كذا في حالِ دخولِهم كفرةً وخروجِهم كفرةً وفيه نظرٌ، إذ المعنى يَأباه. والثاني: أنه «آمنَّا» ،

стр. 2833

وهذا واضحٌ أي: قالوا آمنَّا في هذه الحال. و «قد» في «وقد دَخَلُوا» «وقد خَرَجُوا» لتقريب الماضي في الحال. وقال الزمخشري: «ولمعنًى آخرَ وهو أنَّ أماراتِ النفاقِ كانت لائحةً عليهم فكان الرسولُ ﵇ متوقعاً لإِظهار الله تعالى ما كتموه، فدخَلَ حرفُ التوقعِ، وهو متعلِّقٌ بقولِه» قالوا آمنا «أي: قالوا ذلك وهذه حالُهم» يعني بقوله: «وهو متعلِّقٌ» أي: والحال، وقوةُ كلامِه تُعْطي أنَّ صاحبَ الحالِ وعاملَها الجملةُ المَحْكِيَّة بالقول. و «بالكفر» متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من فاعلِ «دَخَلوا» فيه حال من حالٍ أي: دَخلوا ملتبسين بالكفرِ أي: ومعَهم الكفرُ كقولِهم: «خرج زيدٌ بثابه» وقراءةِ مَنْ قرأ: ﴿تَنْبُتُ بالدُّهْن﴾ أي: وفيها الدهن، ومنه ما أنشدَ الأصمعي: ١٧٦ - ١- ومُسْتَنَّةٍ كاسْتنانِ الخَرُو ... فِ قد قَطَعَ الحَبْل بالمِرْوَدِ أي: ومرودُه فيه، وكذلك «به» أيضاً حالٌ من فاعلِ «خرجوا» . وقوله: ﴿وهم﴾ مبتدأٌ، و «قد خَرَجُوا» خبرُه، والجملةُ حالٌ أيضاً عطفٌ على الحالِ قبلَها، وإنما جاءتِ الأولى فعليةً والثانيةُ اسميةً تنبيهاً على فرطِ تهالكِهم في الكفر، وذلك أنهم كان ينبغي لهم إذا دخلوا على الرسولِ ﵇ أَنْ يُؤمنوا، لِما يَرَوْن من حسنِ سَمْتِه وهَيْبَته وما يظهرُ على يديهِ

стр. 2834

الشريفة من الخوارقِ والمعجزات، ولذلك قال بعض الكفرة: «رأيت وجهَ مَنْ ليس بكذَّاب» فلمَّا [لم] ينجَعْ فيهم ذلك أكَّد كفرهَم الثاني بأَنْ أبْرَز الجملةَ اسميةً صدرُها اسمٌ وخبرها فعلٌ، ليكونَ الإِسنادُ فيها مرتين. وقال ابن عطية: «وقولُه» «وهم» تخليص من احتمالِ العبارةِ أن يدخُلَ قومٌ بالكفرِ ثم يؤمنوا ويخرجَ قومٌ وهم كفرة، فكان ينطبِقُ على الجميع وهم قد دَخَلوا بالكفر وقد خَرَجوا به، فأزال اللهُ الاحتمالَ بقوله: «وهم قد خَرَجوا به» أي: هم بأعيانِهم «وهذا المعنى سَبَقه إليه الواحدي فبسَطَه ابنُ عطية، قال الواحدي:» وهم قد خَرَجوا به «أكَّد الكلامَ بالضمير تعييناً إياهم بالكفرِ وتمييزاً لهم عن غيرِهم» وقال بعضُهم: «معنى» هم «التأكيدُ في إضافة الكفر إليهم، ونفى أن يكونَ من الرسولِ ما يوجِبُ كفرَهم مِنْ سوءِ معاملتِه لهم، بل كان يلطفُ بهم ويعاملُهم أحسنَ معاملةٍ، فالمعنى: أنهم هم الذين خَرَجوا بالكفر باختيارِ أنفسهم، لا أنك أنت الذي تسبَّبْبَ لبقائِهم في الكفر» وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ التقديرُ: وقد كانوا خَرَجُوا به» ولا معنى لهذا التأويلِ. والواوُ في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ﴾ تحتمل وجهين أحدهما: أن تكونَ عاطفةً لجملةِ حالٍ على مثلِها، والثاني: أن تكونَ هي نفسُها واوَ الحال، وعلى هذا يكونُ في الآية الكريمة حجةٌ لمن يُجيز تعدُّدَ الحالِ لذي حالٍ مفردٍ من غير عطف ولا بدل إلا في أفعلِ التفضيل، نحو: «جاء زيدٌ ضاحكاً كاتباً» وعلى الأول لا يجوزُ ذلك إلا بالعطفِ أو البدلِ، وهذا شبيهٌ بالخلاف في تعدُّد الخبر.

стр. 2835

وقوله تعالى: ﴿وترى﴾ : يجوز أن تكونَ بصريةً فيكونَ «يُسارعون» حالاً، وأن تكونَ العِلْمية أو الظنيَّة فينتصب «يسارعون» مفعولاً ثانياً.

стр. 2836

و «منهم» في محلِّ نصب على أنه صفةٌ ل «كثيراً» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: كائناً منهم أو استقرَّ منهم. وقرأ أبو حيوة: «العِدوان» بالكسر. وأَكْلِهم «هذا مصدرٌ مضافٌ لفاعله. والسحتَ مفعولُه، وقد تقدَّم ما فيه قبلَ ذلك وقوله:» لبئسما «قد تَقَدَّم ايضاً حكمُ» ما «مع بئس ونِعْم أولَ هذا الكتاب فأَغْنى عن إعادته.

стр. 2837

وقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ﴾ : حرفُ تحضيضٍ ومعناه التوبيخ. وقرأ الجراح وأبو واقد: «الِّربيُّون» مكان الربانيين. وقرأ ابن عباس «بئسما» بغير لام قسم. و «قولِهم» مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه، «والإِثْمَ» مفعولُه.

стр. 2838

وقرأ أبو السمَّال: «ولُعنوا» بسكون العين، وحَسَّن تخفيفَها هنا كونُها كسرةً بين ضمتين، ومثلُه قولُ الآخر: ١٧٦ - ٢- لو عُصْرَ منه البانُ والمسكُ انعصَرْ ... والظاهر أن الضميرَ في «كانوا» عائدٌ على الأحبار والرهبان، ويجوز أن يعودَ على المتقدمين. وقول تعالى حكايةً عن اليهود: ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ فيه قولان، أحدُهما:

стр. 2839

أنه خبرٌ مَحْضٌ. وزعم بعضُهم أنه على تقديرِ همزةِ استفهام تقديره: «أيدُ اللَّهِ مغلولةٌ» ؟ قالوا ذلك لَمَّا قَتَّر عليهم معيشتهم، ولا يحتاجون إلى هذا التقدير. و «بما قالوا» الباء للسببية أي: لُعنوا بسببِ قولِهم، و «ما» مصدريةٌ، ويجوزُ أن تكونَ موصولةً اسمية والعائدُ محذوف. وغَلُّ اليدِ وبسطُها هنا استعارةٌ للبخل والجود، وإن كان ليس ثَمَّ يدٌ ولا جارحة، وكلامُ العرب ملآنُ من ذلك. قالت العرب: «فلانٌ ينفق بكلتا يديه» قال: ١٧٦ - ٣- يداك يدا مجدٍ، فكفٌّ مفيدةٌ ... وكفٌ إذا ما ضُنَّ بالمالِ تُنْفِقُ وقال آخر هو ابو تمام: ١٧٦ - ٤- تعوَّد بَسْطَ الكفِّ حتى لَوَ أنَّه ... دعاها لقَبْضٍ لم تُطِعْه أنامِلُهْ وقد استعارت العربُ ذلك حيث لا يدَ البتة، ومنه قولُ لبيد: ١٧٦ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . ... إذْ أصبحَتْ بيدِ الشَمالِ زِمامُها وقال آخر: ١٧٦ - ٦- جادَ الحِمَى بَسْطُ اليدين بوابلٍ ... شَكَرتْ نداه تِلاعُه ووِهادُهْ وقالوا: «بَسَطَ اليأسُ كفَّيه في صدري» واليأسُ معنًى لا عينٌ، وقد

стр. 2840

جعلوا له كَفَّين مجازاً. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ ثُنِّيت اليد في» بل يداه مبسوطتان «وهي في» يَدُ اللَّهِ مغلولةٌ «مفردةٌ؟ قلت: ليكونَ ردُّ قولِهم وإنكارُه أبلغَ وأدلَّ على إثباتِ غايةِ السخاء له ونَفْيِ البخل عنه، وذلك أنَّ غايةَ ما يبذله السخيُّ من ماله بنفسِه أن يعطيَه بيديه جميعاً فبنى المجازَ على ذلك» وقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ﴾ يحتمل الخبرَ المحضَ، ويحتمل أن يُرادَ به الدعاءُ عليهم. وفي مصحف عبد الله: «بُسُطان» يقال: «يدٌ بُسُط» على زنة «ناقة سُرُح» و «أُحُد» و «مِشْية سُجُع» ، أي: مبسوطة بالمعروف، وقرأ عبد الله: «بسيطتان» يقال: يد بسيطة أي: مُطْلَقَةٌ بالمعروف. قوله: ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ في هذه الجملة خمسةُ أوجه، أحدها: - وهو الظاهر - أنْ لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مستأنفة والثاني: أنها في محلِّ رفع لأنها خبر ثان ل «يداه» والثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من الضميرِ المستكنِّ في «مبسوطتان» وعلى هذين الوجهين فلا بُدَّ من ضمير مقدَّرٍ عائدٍ على المبتدأ، أو على ذي الحال أي: ينفق بهما، وحَذْفُ مثلِ ذلك قليلٌ. وقال أبو البقاء: «ينفق كيف يشاء» مسأنفٌ، ولا يجوزُ ان يكونَ حالاً من الهاء - يعني في «يداه» - لشيئين، أحدُهما: أنَّ الهاءَ مضاف إليها. والثاني: أنَّ الخبرَ يَفْصِل بينهما: ولا يجوزُ أن تكونَ حالاً من اليدين، إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما «قلت: قوله:» أحدُهما: أنَّ الهاء مضاف إليها «ليس ذلك بمانع؛ لأن الممنوع إنما هو مجيءُ الحال من المضافِ إليه إذا لم يكن
следующие страницы →