← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

مفعولاً له عطفاً على» هدى «والعاملُ» آتيناه «الملفوظُ به - فإنه قال:» وآيتناه الإِنجيل ليتضمِّن الهدى والنورَ والتصديق وليحكم أهل الإِنجيل «قال الشيخ:» فعطفَ «وليحكم» على توهُّم علةٍ، ولذلك قال: «ليتضمن» وذكر الشيخُ قولَ الزمخشري السابقَ، وجعله أقربَ إلى الصواب من قول ابن عطية، قال: «لأنَّ الهدى الأول والنور والتصديق لم يؤتَ بها على أنها علةٌ، إنما جيء بقوله ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ على معنى كائناً فيه ذلك ومصدقاً، وهذا معنى الحال، والحالُ لا تكونُ علةً، فقوله:» ليتضمَّن كيتَ وكيت وليحكم «بعيدٌ. وقد خُتِمت الآيةُ الأولى ب» الكافرون «والثانية ب» الظالمون «والثالثة ب» الفاسقون «لمناسباتٍ ذكرَها الناس، وأحسنُ ما قيل فيها ما ذكره الشعبي من أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، وذلك أنَّ قبل الأولى» فإنْ جاؤوك فاحكُمْ «وكيف» يُحَكِّمونك «ويَحْكُم بها النبيون» وقبل الثانية: «وكَتَبْنا عليهم» وهم اليهود، وقبل الثالثة: «وليحكم أهل الإِنجيل» وهم النصارى، فكأنه خصَّ كلَّ واحدة بما يليه. وقرأ أُبيّ: «وأن ليحكم» بزيادة «أن» ، وليس موضعَ زيادتِها.

стр. 2767

قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ : الباء يجوزُ أن تكونَ للحال من «الكتاب» أي: ملتبساً بالحق والصدق، وهي حالٌ مؤكدة، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل أي: مصاحبِين للحق، أو حالاً من الكاف في «إليك» أي: وأنت ملتبسٌ بالحق. و «من الكتاب» تقدَّم نظيرُه. و «أل» في الكتاب الأول للعهدِ وهو القرآنُ بلا خلافٍ، وفي الثاني: يُحْتمل أن تكونَ للجنس، إذ المرادُ الكتبُ السماوية. وجَوَّز الشيخ أن تكونَ للعهد؛ إذ المراد نوعٌ

стр. 2768

معلومٌ من الكتاب، لا كلُّ ما يقع عليه هذا الاسمُ، والفرق بين الوجهين أنَّ الأولَ يحتاج إلى حذف صفة أي: الكتاب الإِلهي، وفي الثاني لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ العهدَ في الاسم يتضَّمنه بجميعِ صفاته. قوله: ﴿وَمُهَيْمِناً﴾ الجمهورُ على كسر الميم الثانية، اسمَ فاعل وهو حال من «الكتاب» الأول لعطفِه على الحال منه وهي «مصدقاً» ، ويجوز في «مصدقاً» و «مهيمناً» أن يكونا حالين من كافِ «إليك» وسيأتي تحقيقُ ذلك عند ذِكْرِ قراءةِ مجاهد ﵀. و «عليه» متعلق «بمهيمِن» والمهيمِن: الرقيب: قال: ١٧٣ - ٣- إنَّ الكتابَ مهيمِنٌ لنبيِّنا ... والحقُّ يعرِفُه ذَوُو الأَلْبابِ والحافظ أيضاً، قال: ١٧٣ - ٤- مليكٌ على عرشِ السماء مهيمِنٌ ... لعزته تَعْنُو الوجوهُ وتَسْجُدُ وهو الشاهد أيضاً. واختلفوا فيه: هل هو أصلٌ بنفسه أي: ليس مبدلاً من شيء، يقال: هَيْمَن يُهَيْمن فهو مُهَيْمِن، كبَيْطَر يُبَيْطِر فهو مُبَيْطر قال أبو عبيدة: «لم يَجِيءْ في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعةُ ألفاظ:» مبيطِر ومُسَيْطر ومُهَيْمِن ومُحَيْمِر «وزاد أبو القاسم الزجاجي في شَرْحه

стр. 2769

لخطبة» أدب الكاتب «لفظاً خامساً وهو:» مُبَيْقِر، اسمَ فاعل مِنْ بَيْقَر يُبَيْقِرُ أي خَرَج من أفق إلى أفق، أو البُقَّيْرى وهي لعبةٌ معروفة للصبيان، وقيل: إنَّ هاء مبدلة من همزة وأنه اسمُ فاعل من آمنَ غيرَه من الخوفِ، والأصلُ: «مُأَأْمِن» بهمزتين / أُبْدِلت الثانيةُ ياءً كراهيةَ اجتماعِ همزتين ثم أُبْدلت الأولى هاءً ك هراق وهَراح وهَبَرْتُ الثوب في: أراق وأراح وأَبَرْت الثوب، وهذا ضعيفٌ أو فيه تكلفٌ لا حاجةَ إليه، مع أنَّ له أبنيةً يمكنُ إلحاقه بها كمُبَيْطِر وإخوانِه، وأيضاً فإن همزة «مُأَأْمِن» اسمَ فاعل من «آمن» قاعدتُها الحذفُ فلا يُدَّعى فيها أُثْبِتَتْ ثم أُبْدِلَت هاءً، هذا ما لا نظير له. وقد سقطَ ابنُ قتيبة سقطةً فاحشة حيث زعم أن «مُهَيْمِناً» مصغرٌ، وأن أصله «مُؤَيْمِن» تصغيرُ «مُؤْمن» اسمَ فاعل، ثم قُلبت همزتُه هاء كهَراق، ويُعْزى ذلك لأبي العباس المبرد أيضاً. إلاَّ أنَّ الزجاج قال: «وهذا حسنٌ على طريقِ العربية، وهو موافقٌ لِما جاء في التفسير من أنَّ معنى مُهَيْمن: مُؤْمن» وهذا الذي قال الزجاج [واستحسنه أنكره الناسُ عليه وعلى المبرد ومَنْ تَبِعَهما] ، ولما بلغ أبا العباس ثعلباً هذا القولُ أنكره أشدَّ إنكار وأنحى على ابن قتيبة وكتب إليه: أَنِ اتقِ الله فإن هذا كفرٌ أوما أشبهه، لأن أسماء الله تعالى لا تُصَغَّر وكذلك كل اسمٍ معظَّم شرعاً. وقال ابن عطية: «إن النقاش حَكَى أنَّ ذلك لَمَّا بلغ ثعلباً فقال: إنَّ ما قاله ابنُ قتيبة رديءٌ باطل، والوثوبُ على القرآن شديد، وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف، وإنما جمع الكتب من هَوَسٍ غلبه» [وقال أبو البقاء: «وأصل مُهَيْمن: مُؤْيْمِن لأنه مشتق من

стр. 2770

الأمانة لأن المهيمنَ الشاهدُ، وليس في الكلام» هَيْمن «حتى تكون الهاء أصلاً» وهذا الذي قاله لي بشيء لِما تقدم من حكايةِ أهلا للغة هَيْمَن] وغايةُ ما في الباب أنهم لم يَسْتعملوه إلا مزيداً فيه الياءُ كبَيْطر وبابِه. وقرأ ابن محيصن ومجاهد: «ومُهَيْمَنا» بفتح الميم الثانية على أنه اسمُ معفولٍ بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أو لحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غُيِرت منه الحركةُ تنبَّه لها الناسُ ورَدُّوا على قارئِها بالصواب، والضمير في «عليه» على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، وعلى القراءةِ المشهورة عائد على الكتاب الثاني. وروي ابن أبي نجيح عن مجاهد قراءته بالفتح وقال: «معناه: محمد مُؤْتَمَنٌ على القرآن» قال الطبري: «فعلى هذا يكون» مهيمناً «حالاً من الكاف في» إليك «وطَعَن على هذا القول لوجود الواو في» ومهيمنا «لأنها عطف على» مصدقاً «و» مصدقاً «حال من الكتاب لا حال من الكاف؛ إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب:» لما بين يديك «بالكاف. قال الشيخ:» وتأويلُه على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيدٌ عن نظم القرآن، وتقديره: «وجعلناك يا محمد مهيمناً» أبعدُ «يعني أن هذين التأويلين يصلحان أن يكونا جوابين عن قول مجاهد، لكن الأول بعيدٌ والثاني

стр. 2771

أبعدُ منه. وقال ابن عطية هنا بعد أن حكى قراءةَ مجاهد وتفسيرَه محمداً ﵇ أنه أمين على القرآن:» قال الطبري: وقولُه ومهيمناً على هذا حالٌ من الكاف في قوله «إليك» قال: وهذا تأويلٌ بعيدٌ من المفهوم «قال:» وغَلِط الطبري في هذه اللفظةِ على مجاهد، فإنه فَسَّر تأويلَه على قراءة الناس: «مهيمناً» بكسر الميم الثانية فَبَعُدَ التأويل، ومجاهد - رحمة الله - إنما يقرأ هو وابن محيصن: «ومهيمَنا» بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول، وهو حالٌ من الكتاب معطوف على قوله: «مصدقاً» وعلى هذا يتجه أنَّ المؤتَمَنَ عليه هو محمد ﵇. قال: و «كذلك مشى مكي ﵀» قلت: وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يَرُدُّ على الطبري، فإنَّ الطبري استشكل كونَ «مهيمنا» حالاً من الكاف على قراءة مجاهد، وأيضاً فقد قال ابن عطية بعد ذلك: «ويحتمل أن يكون» مصدقاً ومهيمناً «حالَيْن من الكاف في» إليك «، ولا يَخُصُّ ذلك قراءةَ مجاهد وحده كما زعم مكي، فالناس إنما استشكلوا كونَهما حالين من كاف» إليك «لقلق التركيب، وقد تقدَّم ما فيه وما نقله الشيخُ من التأويلين، وقوله:» لا يخص ذلك «كلامٌ صحيح، وإنْ كان مكي التزمه وهو الظاهر. و» عليه «في موضع رفع على قراءة ابن محيصن ومجاهد لقيامِه مقامَ الفاعل، كذا قال ابن عَطية، قلت: هذا إذا جعلنا» مهيمناً «حالاً من الكتاب، أمَّا إذا جعلناه حالاً من كاف» إليك «فيكونُ القائمُ مقامَ الفاعلِ ضميراً مستتراً يعودُ على النبي ﵇، فيكون» عليه «أيضاً في محلِّ نصبٍ كما لو قُرِئ به اسمَ فاعل. قوله: ﴿عَمَّا جَآءَكَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: -

стр. 2772

وبه قال أبو البقاء - أنه حال أي: عادلاً عما جاءك، هذا فيه نظرٌ من حيث إنَّ» عن «حرفُ جر ناقص لا يقع خبراً عن الجثة، فكذا لا يقع حالاً عنها، وحرفُ الجر الناقص إنما يتعلق بكون مطلق لا بكونٍ مقيدٍ، لكنَّ المقيدَ لا يجوز حَذْفُه. والثاني: أنَّ» عَنْ «على بابها من المجاوزة، لكن بتضمين» تَتَّبعْ «معنى» تتزَحْزَحْ وتنحرف «أي: لا تحرف متبعاً. قوله: ﴿مِنَ الحق﴾ فيه أيضاً وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من الضمير المرفوع في» جاءك «والثاني: أنه حالٌ من نفس» ما «الموصولة، فيتعلق بمحذوفٍ، ويجوز أَنْ تكونَ للبيانِ. قوله:» لكل «» كل «مضافة لشيء محذوف، وذلك المحذوفُ يُحتمل أن يكونَ لفظة» أمة «أي: لكل أمة، ويراد بهم جميعُ الناس من المسلمين واليهود والنصارى، ويحتمل أن يكونَ ذلك المحذوفُ» الأنبياء «أي: لكل الأنبياء المقدَّمِ ذكرُهم. و» جَعَلْنا «يُحتمل أن تكونَ متعديةً لاثنين بمعنى صَيَّرْنا، فيكون» لكل «مفعولاً مقدماً، و» شِرْعة «مفعولٌ ثان. وقوله: ﴿منكم﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: أعني منكم، ولا يجوزُ أَنْ يتعلَّق بمحذوف على أنه صفةٌ ل» كل «لوجهين، أحدُهما: أنه يلزمُ منه الفصلُ بين الصفة والموصوف بقوله» جَعَلْنا «وهي جملةٌ أجنبية ليس فيها تأكيدٌ ولا تسديدٌ، وما شأنه كذلك لا يجوز الفصلُ به. والثاني: أنه يلزم منه الفصلُ بين «جَعَلْنا» وبين معمولِها وهو «شِرْعةً» قاله أبو البقاء وفيه نظر، فإن العامل في «لكل» غيرُ أجنبي، ويدل على ذلك قوله: ﴿أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ﴾ [الأنعام: ١٤] ففصل بين الجلالة وصفتِها بالعمل في المفعول الأول، وهذا نظيره. وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب: «شَرْعة» بفتح الشين، كأن المكسور

стр. 2773

للهيئة والمفتوح مصدر. والشِرْعة في الأصل: السُّنَّةُ، ومنه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين﴾ [الشورى: ١٣] أي: سَنَّ والشارع: الطريق، وهو من الشريعةِ التي هي في الأصل الطريقُ المُوصِلُ إلى الماء، ومنه قوله: ١٧٣ - ٥- وفي الشرائعِ منْ جِلاَّنَ مُقْتَنِصٌ ... بالي الثيابِ خَفيُّ الصوتِ مُنْزَرِبُ والمِنْهاج: مشتق من الطريق النَّهْج وهو الواضح، ومنه قولُه ١٧٣ - ٦- مَنْ يَكُ ذا شَكٍّ فهذا فَلْجُ ... ماءٌ رُواءٌ وطريقٌ نَهْجُ أي: واضحٌ، يُقال: طريق مَنْهَجٌ ونَهْجٌ. وقال ابن عطية: «مِنْهاج مثالُ مبالغةٍ من نَهَج» يعني نحو قولهم: «إنه لمِنْحار بوائكَها» / وهو حسن، وهل الشرعةُ والمنهاجُ بمعنى، كقوله: ١٧٣ - ٧-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وهند أتى مِنْ دونِها النَّأْيُ والبُعْدُ

стр. 2774

[وكقوله:] ١٧٣ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأَلْفَى قولَها كَذِباً ومَيْنا أو مختلفان؟ فالشِّرْعة ابتداءُ الطريق، والمِنْهاج الطريق المستمر، قاله المبرد، أو الشِرْعَةُ الطريقُ واضحاً كان أو غيرَ واضح، والمنهاج الطريق الواضح فقط، فالأول أعمُّ، قاله ابن الأنباري، أو الدين والدليل؟ خلاف مشهور. قوله: ﴿ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلقٌ بمحذوف فقدَّره أبو البقاء «ولكنْ فَرَّقكم ليبلوكَم» وقدَّره غيرُه: «ولكن لم يَشَأْ جَعْلَكم أمةً واحدة» وهذا أحسنُ لدلالة اللفظ والمعنى عليه. و «جميعاً» حال من «كم» في «مرجعكم» ، والعاملُ في هذه الحال: إمَّا المصدرُ المضافُ إلى «كم» فإنَّ «كم» يحتمل أَنْ يكونَ فاعلاً، والمصدرُ يَنْحَلُّ لحرف مصدري وفعل مبنيٍ للفاعل، والأصلُ: «تَرْجعون جميعاً» ويحتمل أن يكونَ معفولاً لم يُسَمَّ فاعله على أن المصدر ينحلُّ لفعل مبني للمفعول أي: يُرْجِعُكم الله، وقد صُرِّح بالمعنيين في مواضع، وإمَّا أن يعملَ فيها الاستقرارُ المقدرفي الجار وهو «إليه» ، و «إليه مَرْجِعُكم» يُحتمل أن يكونَ من بابِ الجمل الفعلية أو الجمل الاسمية، وهذا واضحٌ بما تقدَّم في نظائره، و «فَيُنَبِّئُكم» هنا من «نَبَّا» غيرَ متضمنةٍ معنى «أعلم» فلذلك تَعَدَّت لواحدٍ بنفسها وللآخر بحرف الجر.

стр. 2775

قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احكم﴾ : فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّ محلَّها النصبُ عطفاً على الكتاب، أي: وأَنْزلنا إليكم الحكمَ. والثاني: أنها في محلِّ جرٍ عطفاً على «بالحق» أي: أَنْزلناه بالحقِّ وبالحكم «وعلى هذا

стр. 2776

الوجهِ فيجوزُ في محلِّ» أَنْ «النصبُ والجرُّ على الخلافِ المشهور. والثالث: أنَّها في محلِّ رفعٍ على الابتداء وفي تقديره خبره احتملان أحدُهما: أنْ تقدِّر متأخراً أي: حكمُك بما أنزلَ اللهُ أمرُنا أو قولنا، والآخر: أن تقدِّره متقدماً أي: ومن الواجبِ أن احكم أي: حكمُك. والرابع: أنها تفسيريةٌ، قال أبو البقاء:» وهو بعيدٌ لأن الواو تمنع من ذلك، والمعنى يُفْسِدُ ذلك، لأنَّ «أَنْ» التفسيريةَ ينبغي أن يَسْبِقها قولٌ يُفَسَّر بها «أمَّا ما ذكره مِنْ مَنْعِ الواو أَنْ تكون» أَنْ «تفسيريةً فواضح، وأمَّا قولُه:» يسبِقُها قولٌ «إصلاحُه أن يقولَ:» ما هو بمعنى القول لا حروفه «ثم قال:» ويمكنُ تصحيحُ هذا القولِ بأن يكون التقدير: وأمرناك، ثم فَسَّر هذا الأمرَ ب «احكم» ومنع الشيخُ من تصحيحِ هذا القول بما ذكره أبو البقاء، قال: «لأنه لم يُحْفَظْ من لسانِهم حذفُ الجملةِ المفسَّرة ب» أَنْ «وما بعدها» وهو كما قال. وقراءتا ضمِّ نونِ «أن» وكسرِها واضحتان مِمَّا تقدَّم في البقرة: الضمة للإِتباع والكسر على أصل التقاء الساكنين. والضميرُ في «بينهم» : إمَّا لليهود خاصةً وإمَّا لجميع المتحاكمين. قوله: ﴿أَن يَفْتِنُوكَ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه معفولٌ من أجله أي: احْذَرهم مخافةَ أَنْ يَفْتِنوك. والثاني: أنها بدلٌ من المفعول على جهةِ الاشتمال كأنه [قال] : «واحْذَرْهُمْ فتنتهم» كقولك: «أعجبني زيد علمُه» وقوله: ﴿فَإِن

стр. 2777

تَوَلَّوْاْ﴾ قال ابن عطية: «قبلَه محذوفٌ يدل عليه الظاهرُ تقديرُه: لا تتبعْ واحذَرْ، فإنْ حَكَّموك مع ذلك واستقاموا لك فنعِمَّا ذلك، وإن تَوَلَّوا فاعَلْم» ويَحْسُن أن يُقَدَّر هذا المحذوفُ المعادلُ بعد قولِه: «لفاسقون» والذي ينبغي إلاَّ يقال في هذا النوع ثَمَّ حذفٌ؛ لأن ذلك من بابِ فحو الخطاب، والأمرُ فيه واضح.

стр. 2778

قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ﴾ : الجمهورُ على ضم الحاء وسكون الكاف ونصب الميم، وهي قراءةٌ واضحة. «حكمَ» مفعول مقدم، و «يبغون» فعل وفاعل، وهو المستفهم عنه في المعنى، والفاءُ فيها القولان المشهوران: هل هي مؤخرة على الهمزة وأصلُها التقديمُ، أو قبلَها جملةٌ عطَفَتْ ما بعدها عليها تقديره: أَيَعْدِلون عن حكمِك فيبغون حكمَ الجاهلية؟ وقرأ ابن وثاب الأعرج وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن برفع الميم، وفيها وجهان، أظهرُهما: - وهو المشهورُ عند المُعْرِبين - أنه مبتدأ، و «يبغون» خبره، وعائد المبتدأ محذوفٌ تقديرُه: «يَبْغُونه» حملاً للخبرِ على الصلة. إلا أن بعضهم جعلَ هذه القراءة خطأً، حتى قال أبو بكر بن مجاهد: «هذه القراءةُ خطأ» وغيرُه يجعلُها ضعيفةً، ولا تبلغُ درجة الخطأ، قال ابن جني في قول ابن مجاهد: «ليس كذلك، ولكنه وَجْهُ غيرِه أقوى منه، وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم: ١٧٣ - ٩- قد أصبحَتْ أمُّ الخيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذنباً كلُّه لم أَصْنَعِ

стр. 2779

أي: لم أصنعه» قال ابن عطية: «هكذا الراويةُ وبها ويتم المعنى الصحيح، لأنه أرادَ التبرُّؤ من جميع الذنوب، ولو نَصَب» كل «لكان ظاهرُ قوله أنه صنع بعضَه» قالت: هذا الذي ذكره أبو محمد معنى صحيح نصَّ عليه أهل علم المعاني والبيان، واستشهدوا على ذلك بقوله ﵇ حين سأله ذو اليدين فقال: «أَقَصَرْتَ الصلاة أم نسيت؟ فقال:» كلُّ ذلك لم يكن «أرادَ ﵇ انتفاءَ كلِّ فردٍ فردٍ، وأفاد هذا المعنى تقديمُ» كل «قالوا: ولو قال:» لم يكن كلُ ذلك «لاحتمل الكلام أن البعض غيرُ منفيّ، وهذه المسألة تُسَمَّى عمومَ السلب، وعكسُها نحو:» لم أصنعْ كلَّ ذلك «يُسَمَّى سلبَ العموم، وهذه مسألةٌ مفيدة فأتقنتُها، وإن كان بعضُ الناسِ قد فهم عن سيبويه غيرَ ما ذكرت لك. ثم قال ابن عطية:» وهو قبيحٌ - يعني حَذْفَ العائد من الخبر - وإنما يُحْذَفُ الضمير كثيراً من الصلة، ويُحْذَفُ أقلَّ من ذلك من الصفة، وحَذْفُه من الخبرِ قبيحٌ «ولكن رجَّح البيتَ على هذه القراءةِ بوجهين، أحدُهما: أنه ليس في صدرِ قوله ألفُ استفهام تطلب الفعل كما هي في» أفحكم «، والثاني: أن في البيت عوضاً من الهاء المحذوفة / وهو حرفُ الاطلاق، أعني الياء في» اصنعي «فتضعفُ قراءة مَنْ قرأ» أفحكمُ الجاهلية يبغون «وهذا الذي ذكره ابن عطية في الوجه الثاني كلامٌ لا يعبأ به، وأمَّا الأول فهو قريبٌ من الصواب، لكنه لم ينهضْ في المنعِ ولا في التقبيح، وإنما ينهضُ دليلاً عن الأحسنيَّة أوعلى أن غيرَه أَوْلى منه، وهذه المسألَةُ ذكر بعضُهم الخلافَ فيها بالنسبة إلى

стр. 2780

نوعٍ، ونَفَى الخلافَ فيها - بل حكى الإِجماع على الجواز - بالنسبة إلى نوع آخر، فحكى الإِجماعَ فيما إذا كان المبتدأُ لفظَ» كل «أو ما أشبهها في العموم والافتقار، فأمَّا» كل «فنحو:» كلُّ رجلٍ ضربت «وتقويه قراءةُ ابن عامر: ﴿وكلُّ وعد الله الحسنى﴾ ويريد بما أشبه» كلا «نحو:» رجلٌ يقولُ الحقَّ انصرْ «أي: انصُرْه، فإنه عامٌّ ويفتقر إلى صفة، كما أن» كلاً «عامةٌ وتفتقر إلى مضاف إليه، قال:» وإذا لم يكن المبتدأُ كذلك فالكوفيون يَمْنعون حذفَ العائد، بل ينصبون المتقدم مفعولاً به، والبصريون يُجيزون: «زيدٌ ضربتُ» أي ضربته، وذكره القراءةَ. وتعالى بعضُهم فقال: «لا يجوزُ ذلك» وأطلق، إلا في ضرورة شعر كقوله: ١٧٤ - ٠- وخالدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا ... بالحقِّ، لا يُحْمَدُ بالباطلِ قال: «لأنه يؤدي إلى تهيئةِ العامل للعمل وقطعه عنه» ، وقد أَتْقَنْتُ هذه المسألةَ وما نُقل فيها في كتابي «شرح التسهيل» فعليك بالالتفات إليه. والوجه الثاني من التوجيهين المتقدمين أن يكونَ «يبغون» ليس خبراً للمبتدأ، بل هو صفةٌ لموصوفٍ محذوف وذلك المحذوفُ هو الخبر، والتقدير: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ وحَذْفُ العائِد هنا أكثرُ لأنه كما تقدَّم يكثُر حَذْفُه من الصلةِ، ودونَه من الصفةِ، ودونَه من الخبر، وهذا ما اختاره ابنُ عطية وهو تخريجٌ ممكنٌ، ونَظَّره بقوله تعالى: ﴿مِّنَ الذين

стр. 2781

هَادُواْ يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: ٤٦] أي: قومٌ يُحَرِّفون «يعني في حذف موصوفٍ وإقامة صفتِه مُقامه، وإلا فالمحذوفُ في الآية المنظَّرِ بها مبتدأٌ، ونظَّرها أيضاً بقوله: ١٧٤ - ١- وما الدهرُ إلا تارتانِ: فمنهما ... أموتُ وأُخْرى أبتغي العيشَ أكدحُ أي: تارةً أموت فيها. وقال الزمخشري:» وإسقاطُ الراجع عنه كإسقاطِه في الصلة، كقوله: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: ٤١] وعن الصفةِ: «في الناس رجُلان: [رجلٌ] أهنْتُ، ورجلٌ أكرمت» أي: رجلٌ أهنته ورجلٌ أكرمته، وعن الحالِ في نحو: «مررت بهند يضرب زيد» قال الشيخ: «إنْ عَنَى التشبيه في الحذف والحسن فليس كذلك لِما تقدَّم ذكرُه، وإن عنى في مطلق الحذفِ فَمَسَلَّم» . وقرأ الأعمش وقتادة: «أَفَحَكَمَ» بفتح الحاء والكاف ونصب الميم، وهو مفردٌ يراد به الجنس لأن المعنى: أحُكَّامَ الجاهلية، ولا بد من حذف مضاف في هذه القراءة هو المُصَرَّحُ به في المتواترة تقديره: أَفَحُكْمَ حُكَّام الجاهليةِ. والقُرَّاء غيرَ ابنِ عامر على «يَبْغُون» بياء الغيبة نسقاً على ما تقدَّم من الأسماء الغائبة. وقرأ هو بتاء الخطاب على الالتفاتِ ليكون أبلغَ في زَجْرهم

стр. 2782

وَرَدْعِهِم ومباكتته لهم، حيث واجهَهم بهذا الاستفهام الذي يَأْنَفُ منه ذَوُو البصائِر. و «حُكْماً» نصباً على التمييز. وقوله: ﴿لقوم﴾ في هذه [اللام] ثلاثةُ أوجهٍ أحدها: أن يتعلَّقَ بنفسِ «حكماً» إذ المعنى أنَّ حكمَ اللَّهِ للمؤمن على الكافر، والثاني: أنا للبيانِ فتتعلَّقُ بمحذوف كهي في «سُقْياً لك» ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] وهو رأي الزمخشري، وابن عطية قال شيئاً قريباً منه، وهو أن المعنى: «يُبَيِّن ذلك ويُظْهِرُه لقوم» الثالث: أنها بمعنى «عند» أي: عند [قوم] وهذا ليس بشي. ومتعلَّقُ «يوقنون» يجوز أن يُراد، وتقديرُه: يوقنون بالله وبحكمه، أو بالقرآن، ويجوز ألاَّ يُرادَ على معنى وقوع الإِيقان، وإليه ميلُ الزجاج فإنه قال: «يوقنون: يتبيِِّنون عَدْلَ اللِّهِ في حكمه» .

стр. 2783

قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ : مبتدأ وخبر، وهذه الجملة لا محلَّ لها لأنها مستأنفةٌ، سيقت تعليلاً للنهي المتقدم، وزعم الحوفي أنَّها في محلِّ نصبٍ نعتاً ل «أولياء» ، والأولُ هو الظاهر، والضمير في «بعضهم» يعودُ على اليهود والنصارى على سبيل الإِجمال، والقرينة تبيِّن أنّ بعضَ اليهودِ أولياءُ بعض، وأنَّ بعضَ النصارى أولياء بعضٍ، وبهذا التقريرِ لا يُحتاج كما زعم بعضُهم إلى تقدير محذوف يَصِحُّ به المعنى وهو: بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض، قال: لأنَّ اليهود لا يتولَّوْن النصارى، والنصارى لا يتوَلَّوْن اليهود، وقد تقدَّم جوابه.

стр. 2784

قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الذين﴾ : الجمهورُ على «ترى» بتاء الخطاب، و «الذين» مفعول، فإن كانت الرؤيةُ بصريةً أو عُرْفانية - فيما نقله

стр. 2785

أبو البقاء وفيه نظرٌ - فتكونُ الجملةُ من «يُسارعون» في محلِّ نصبٍ على الحال من الموصول، وإنْ كانت قلبية فيكون «يسارعون» مفعولاً ثانياً. وقرأ النخعي وابن وثاب: «فيَرى» بالياء وفيها تأويلان، أظهرُهما: أنَّ الفاعل ضميرٌ يعودُ على الله تعالى، وقيل: على الرأي من حيثُ هو، و «يُسارعون» بحالتِها، والثاني: أن الفاعل نفسُ الموصول والمفعول هو الجملةُ من قوله: ﴿يُسَارِعُونَ﴾ وذلك على تأويل حَذْفِ «أَنْ» المصدرية، والتقدير: ويرى القمُ الذين في قلوبهم مرض أَنْ يُسارعو، فلمَّا حُذِفَتْ «أَنْ» رُفِع كقوله: ١٧٤ - ٢- ألا أيُّهذا الزاجري أَحْضُرُ الوَغى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أجازَ ذلك ابن عطية إلا أنَّ هذا غيرُ مقيس، إذ لا تُحْذَف «أن» عند البصريين إلا في مواضعَ محفوظة. وقرأ قتادة والأعمش: «يُسْرِعون» من أسرع. و «يقولون» في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «يسارعون» ، و «نخشى» في محلِّ نصب بالقول، و «أن تصيبنَا» في محل نصب بالمفعول أي: نخشى إصابتَنا. والدائرة صفة غالبة لا يُذْكر موصوفُها، والأصل: داوِرَة، لأنها من دار يدور. قوله: ﴿أَن يَأْتِيَ﴾ في محلِّ نصب: إمَّا على الخبر ل «عسى» وهو رأي الأخفش، / وإمَّا على أنها مفعولٌ به وهو رأيُ سيبويه لئلا يلزمَ الإِخبارُ عن الجثة بالحَدَث في قولك: «عسى زيدٌ أَنْ يقومَ» وأجاز أبو البقاء أن يكونَ «أن يأتي» في محلِّ رفعٍ على البدل من اسم «عسى» وفيه نظر.

стр. 2786

قوله: ﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوب عطفاً على «يأتِيَ» المنصوب ب «أَنْ» والذي سَوَّغ ذلك وجودُ الفاءِ السببية، ولولاها لم يجز ذلك، لأن المعطوف على الخبر خبر، و «أن يأتي» خبر عسى وفيه راجعٌ عائدةٌ على اسمها، وقوله: ﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ ليس فيه ضميرٌ يعود على اسمها فكان من حقِّ المسألةِ الامتناعُ لكنَّ الفاءَ للسببية، فَجَعَلَتْ الجمليتن كالجملة الواحدة وذلك جارٍ في الصلة نحو: «الذي يطير فيغضب زيدٌ الذبابُ» والصفةِ نحو: «مررت برجل يبكي فيضحكُ عمرو» والخبرِ نحو: «زيد يبكي فيضحك خالد» ولو كانَ العاطفُ غيرَ الفاء لم يَجُز ذلك: والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار «أَنْ» بعد الفاء في جواب التمني قالوا: «لأنَّ عسى تمنٍّ وترجِّ في حق البشر» و «على ما أسَرُّوا» متعلق ب «نادمين» ، و «نادمين» خبرُ «أصبح» .

стр. 2787

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ﴾ : قرأ أبو عمرو والكوفيون بالواو قبل «يقول» والباقون بإسقاطها، إلا أنَّ أبا عمرو ونصب الفعل بعد الواو، وروى عنه علي بن نصر الرفع كالكوفيين، فتحصَّل فيه ثلاثُ قراءات: «يقول» من غير واو «ويقول» بالواو والنصب، و «يقول» بالواو والرفع. فأمَّا قراءةُ مَنْ قرأ «يقول» من غير واو فهي جملةٌ مستأنفة سِيقَتْ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه لمَّا تقدَّم قولُه تعالى: ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح﴾ إلى قوله: ﴿نَادِمِينَ﴾ سأل سائل فقال: ماذا قال المؤمنون حنيئذ؟ فأجيبَ بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ﴾ إلى آخره، وهو واضح، والواو ساقطةٌ في مصاحف مكة والمدينة والشام، والقارئ بذلك هو صاحبُ هذه المصاحف، فإن القارئين بذلك ابنُ كثير المكي وابن عامر الشامي ونافع المدني، فقراءتُهم موافقةٌ لمصاحفهم، وليس في هذا

стр. 2788

أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجلِ المصحف فقط، بل وافَقَتْ روايتُهم مصاحفَهم على ما بيَّنَتْهُ غيرَ مرة. وأمَّا قراءة الواو والرفع فواضحة أيضاً لأنها جملة ابتُدئ بالإِخبار بها، فالواوُ استئنافيةٌ لمجرد عطف جملة على جملة، فالواو ثابتة في مصاحف الكوفة والمشرق، والقارئُ بذلك هو صاحبُ هذا المصحف، والكلام كما تقدَّم أيضاً. وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فَضْلِ نظر، واختلف الناسُ في ذلك على ثلاثةِ أوجه، أحدُها: أنه منصوب عطفاً على «فيصحبوا» على أحد الوجهين المذكورين في نصبِ «فيُصْبحوا» وهو الوجه الثاني، أعني كونَه منصوباً بإضمار «أَنْ» في جوابِ الترجِّي بعد الفاء إجراءً للترجِّي مُجْرى التمني، وفيه خلافٌ مشهور بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يمنعونَه والكوفيون يُجيزونه مستدلِّين على ذلك بقراءِة نافع: ﴿لعله يزَّكى أو يَذَّكَّرُ فتنفعَه﴾ بنصب «تنفعه» وبقراءة عاصم في رواية حفص: «لعلي أبلغُ الأسبابَ أسبابَ السماواتِ فأطَّلِعَ» بنصب «فأطَّلِعَ» وسيأتي الجوابُ عن الآيتين الكريمتين في موضعِه. وهذا الوجهُ - أعني عطفَ «ويقول» على «فيصبحوا» قال الفارسي وتبعه جماعةٌ، ونقله عنه أبو محمد بن عطية، وذكرَه أبو عمرو بن الحاجب أيضاً، قال الشيخ شهابُ الدين أبو شامة بعد ذكره الوجهَ المتقدِّم: «وهذا وجهٌ جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ولم أَرَه لغيرِه، وذكروا وجوهاً كلُّها بعيدةٌ متعسِّفة» انتهى. قلت: وهذا - كما رأيتَ -

стр. 2789

منقولٌ مشهور عن أبي علي الفارسي، وأمَّا استجادتُه هذا الوجهَ فإنما يتمشى على قول الكوفيين، وهو مرجوحٌ كما تقرر في علم النحو. الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على المصدر قبلَه وهو الفتحُ كأنه قيل: فعسى اللَّهُ أن يأتِيَ بالفتحِ وبأَنْ يقولَ، أي: وبقولِ الذين آمنوا، وهذا الوجهُ ذكره أبو جعفر النحاس، / ونظَّره بقول الشاعر: ١٧٤ - ٣- لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوفِ وقول الآخر: ١٧٤ - ٤- لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثويتُه ... تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأَمَ سائِمُ وهذا مردودٌ من ثلاثةِ أوجه، أحدُها: أنه يؤدِّي ذلك إلى الفصل بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي، وذلك أنَّ الفتحَ على قوله مؤولٌ ب «أَنْ» والفعلِ تقديرُه: أَنْ يأتِيَ بأن يفتحَ وبأَنْ يقولَ، فيقعُ الفصلُ بقوله: ﴿فيُصبحوا﴾ وهو أجنبي لأنه معطوفٌ على «يأتي» الثاني: أن هذا المصدرَ - وهو الفتح - ليس يُراد به انحلالُه لحرفٍ مصدري وفعلٍ، بل المرادُ به مصدرٌ غيرُ مرادٍ به ذلك نحو: يعجبني ذكاؤك وعلمك. الثالث: أنه وإنْ سُلِّم انحلالُه لحرف مصدري وفعل فلا يكون المعنى على: «فعسى الله أن يأتيَ بأَنْ يقولَ الذين آمنوا» فإنه نابٍ عنه نُبُوّاً ظاهراً. الثالث- من أوجه نصبِ «ويقول» -: أنه منصوبٌ عطفاً على قوله: «

стр. 2790

يأتي» أي: فعسى اللَّهُ أَنْ يأتيَ ويقولَ، وإلى ذلك ذهب الزمخشري ولم يَعْتَرض عليه بشيء، وقد رُدَّ ذلك بأنه يلزمُ عطفُ ما لا يجوز أن يكون خبراً على ما هو خبر، وذلك أنَّ قولَه: ﴿أن يأتيَ﴾ خبرُ عسى وهو صحيحٌ، لأنَّ فيه رابطاً عائداً على اسم «عسى» وهو ضميرُ الباري تعالى، وقولُه: «ويقول» ليس فيه ضميرٌ يعودُ على اسم «عسى» فكيف يَصِحُّ جَعْلُه خبراً؟ وقد اعتذر مَنْ أجازَ ذلك عنه بثلاثة أوجه، أَحدُها: أنه من باب العطفِ على المعنى، والمعنى: فَعَسى أَنْ يأتي الله بالفتح وبقولِ الذين آمنوا، فتكون «عسى» تامةً لإِسنادها إلى «أَنْ» وما في حَيِّزها، فلا تحتاجُ حينئذ إلى رابط، وهذا قريبٌ من قولهم «العطف على التوهم» نحو: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠] . الثاني أنّ ﴿أَنْ ياتي﴾ بدلٌ من اسم الله لا خبرٌ، وتكونُ «عسى» حينئذ تامةً، كأنه قيل: فعسى أن يقولَ الذين آمنوا، وهذان الوجهان منقولان عن أبي عليّ الفارسيّ؟ إلا أنَّ الثاني لا يَصِحُّ لأنهم نَصُّوا على أنَّ عسى واخلولق وأوشك من بين سائر أخواتها يجوز أن تكونَ تامةً بشرطِ أن يكونَ مرفوعُها: «أن يفعل» قالوا: ليوجَدَ في الصورةِ مسندٌ ومسندٌ إليه، كما قالوا / ذلك في «ظن» وأخواتِها: إنَّ «أَنْ» و «أَنَّ» تسدُّ مسدَّ مفعوليها. والثالث: أن ثم ضميراً محذوفاً هو مصحِّحٌ لوقوعِ «ويقول» خبراً عن عسى، والتقدير: ويقولُ الذين آمنوا به أي: بالله، ثم حُذِفَ للعلم به، ذكر ذلك أبو البقاء، وقال ابن عطية بعد حكايتِه نصبَ «ويقولَ» عطفاً على «يأتي» : «وعندي في منع» عسى الله أن يقول المؤمنون «نظرٌ، إذ الله تعالى يُصَيِّرهم يقولون ذلك بنصرِه وإظهاره دينه»

стр. 2791

قلت: قولُ ابن عطية في ذلك يشبه قولَ أبي البقاء في كونِه قَدَّره ضميراً عائداً على اسم «عسى» يَصِحُّ به الربط. وبعضُ الناسِ يُكْثِرُ هذه الأوجه ويوصلُها إلى سبعة وأكثر، وذلك باعتبار تصحيحِ كلِّ وجهٍ من الأوجه الثلاثة التي ذكرتها لك، ولكن لا يخرج حاصلُها عن ثلاثة، وهو النصبُ: إمَّا عطفاً على «أن يأتي» وإما على «فيصبحوا» وإمَّا على «بالفتح» ، وقد تقدَّم لك تحقيقها. قوله: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ في انتصابِه وَجْهان، أظهرُهما: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ ناصبُه «أَقْسموا» فهو من معناه، والمعنى: أَقْسَموا إقسامَ اجتهادٍ في اليمين. والثاني - أجازُه أبو البقاء وغيره - أنه منصوبٌ على الحالِ كقولهم: «افعَلْ ذلك جَهْدَك» أي: مجتهداً، ولا يُبالي بتعريفه لفظاً فإنه مؤولٌ بنكرة على ما ذكرته لك، وللنحْويين في هذه المسألة أبحاث، والمعنى هنا: أقسموا بالله مجتهدين في أيمانهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ هذه الجملةُ لا محلَّ لها من الإِعراب فإنها تفسيرٌ وحكاية لمعنى القسم لا لألفاظِهم، إذ لو كانَتْ حكايةً لألفاظهم لقيل: إنَّا معكم، وفيه نظرٌ، إذ يجوزُ لك أن تقول: «حَلَفَ زيدٌ لأفعَلَنَّ» أو «ليفعلن» ، فكما جاز أن تقولَ: «لَيَفْعَلنَّ» جاز أن يقال: «إنهم لمعكم» على الحكايةِ. قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فيها أوجهٌ، أحدُها: أنها جملةٌ مستأنفة والمقصودُ بها الإِخبارُ من الباري تعالى بذلك. الثاني: أنها دعاءٌ عليهم بذلك وهو قولُ الله تعالى نحو: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] . الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ لأنها من جملة قول المؤمنين، ويَحْتمل معنيين كالمعنيين في الاستئناف، أعني كونَه إخباراً أو دعاءً. الرابع: أنها في محل رفعٍ على أنَّها خبرُ المبتدأ وهو «هؤلاء» وعلى هذا فيحتمل قوله ﴿الذين أَقْسَمُواْ﴾ وجهين،

стр. 2792

أحدُهما: أنه صفةٌ لاسمِ الإِشارة، والخبر: «حَبِطَتْ أعمالُهم» . والثاني: أنَّ «الذين» خبرٌ أولُ، / و «حَبِطت» خبرٌ ثانٍ عند مَنْ يُجيز ذلك. وجَعَلَ الزمخشري «حَبِطَتْ أعمالُهم» مُفْهِمَةً للتعجب. قال: «وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط أعمالَهم ما أخسرَهم» وأجاز مع كونِه تعجباً أن يكونَ من قولِ المؤمنين، فيكونَ في محل نصب، وأن يكونَ من قولِ الباري تعالى، لكنه أَوَّلَ التعجبَ في حق الله تعالى بأنه عجيب، قال: «أو مِنْ قول الله شهادةً لهم بحبوط الأعمال وتعجباً من سوء حالهم» وقرأ أبو واقد والجراح: «حَبَطت» بفتح الباء، وهما لغتان، وقد تقدم ذلك وقوله تعالى: ﴿فأصبحوا﴾ وجهُ التسبُّبِ في هذه الفاءِ ظاهرٌ.

стр. 2793

قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ﴾ : «مَنْ» شرطيةٌ فقط لظهورِ أثرها، وقوله تعالى: ﴿فسوف﴾ جوابُها، وهي مبتدأة، وفي خبرها الخلاف المشهور، وبظاهره يتمسَّك مَنْ لا يشترط عودَ ضميرٍ على اسم الشرط من جملة الجواب، ومَنْ التزم ذلك قَدَّر ضميراً محذوفاً تقديره: «فسوف يأتي الله بقوم غيرهم» ف «هِم» في «غيرهم» يعودُ على «مَنْ» على معناها. وقرأ ابن عامر ونافع: «يَرْتَدِدْ» بدالين. قال الزمخشري: «وهي في الإِمام - يعني رسمَ المصحف - كذلك» ولم يبيِّنْ ذلك، ونَقَل غيرُه أنَّ كلَّ قارئ وافقَ مصحفَه، فإنها في مصاحف الشام والمدينة، «يرتدد» بدالين، وفي الباقية: «يرتدَّ» وقد تقدَّم أنَّ الإِدغام لغة تميم، والإِظهارَ لغةُ الحجاز، وأنَّ

стр. 2794

وجهَ الإِظهارِ سكونُ الثاني جزماً أو وقفاً، ولا يُدْغَمُ إلا في متحرك، وأنَّ وجهَ الإِدغام تحريكُ هذا الساكن في بعضِ الأحوال نحو: رُدَّا، رُدُّوا، رُدِّي، ولم يَرُدَّا، ولم يَرُدُّوا، واردُدِ القوم، ثم حُمِل «لم يردَّ» و «رُدَّ» على ذلك، فكأن التميميين اعتبروا هذه الحركة العارضة، والحجازيين لم يَعْتبروها، و «منكم» في محل نصبٍ على الحال من فاعل «يرتد» و «عن دينه» متعلِّقٌ ب «يرتدَّ» . قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ في محلِّ جر لأنها صفة ل «قوم» و «يُحِبُّونه» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه معطوفٌ على ما قبلَه، فيكون في محلِّ جرٍّ أيضاً فوصفَهم بصفتين: وصفَهم بكونِه تعالى يحبُّهم وبكونهم يحبونه. والثاني أجازه أبو البقاء: أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير المنصوب في «يحبهم» قال: «تقديره: وهم يحبونه» قلت: وإنما قَدَّر أبو البقاء لفظة «هم» ليخرجَ بذلك من إشكال: وهو أن المضارعَ المثبتَ متى وقع حالاً وجب تَجَرُّدُه من الواو نحو: «قمت أضحك» ولا يجوز: «وأضحك» وإنْ وَرَدَ شيء أُوِّل بما ذكره أبو البقاء كقولهم: «قمت وأصك عينه» وقوله: ١٧٤ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نَجَوْتُ وأَرْهنُهُمْ مالِكا أي: وأنا أصك، وأنا أَرْهنُهم، فَتُؤَوَّلُ الجملةُ إلى جملة اسمية فيصِحُّ اقترانها بالواو، ولكن لا ضرورةَ في الآية الكريمة تَدْعُو إلى ذلك حتى يُرْتَكَب، فهو / قولٌ مرجوح. وقُدِّمَتْ محبةُ الله تعالى على محبتهم لشرفها وسَبْقِها، إذ محبتُه تعالى لهم عبارةٌ عن إلهامِهم فعلَ الطاعةِ وإثابتِه إياهم عليها. قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ هاتان صفتان أيضاً لقوم، واستدلَّ بعضُهم على جوازِ تقديمِ الصفة غير الصريحة على الصفة

стр. 2795

الصريحة بهذه الآيةِ، فإنَّ قوله: ﴿يُحِبُّهم﴾ صفةٌ وهي غير صريحة، لأنها جملة مؤولة بمفرد، وقوله «أذلة - أعزة» صفتان صريحتان لأنهما مفردتان، وأمَّا غيره من النحويين فيقول: متى اجتمعت صفة صريحة وأخرى مؤولة وجبَ تقديمُ الصريحةِ إلا في ضرورة شعر كقولِ امرئ القيس: ١٧٤ - ٦- وفَرْعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ ... أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلة المُتَعَثْكِلِ فقدم قوله «يُغَشِّي» - وهو جملة - على «أسود» وما بعده وهن مفردات، وعند هذا القائل أنه يُبدأ بالمفرد ثم بالظرف أو عديلِه ثم بالجملة، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] ، وهذه الآية حجةٌ عليه، وكذا قوله تعالى: ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] . قال الشيخ: «وفيها دليلٌ على بطلان مَنْ يعتقد وجوب تقديم الوصفِ بالاسم على الوصف بالفعل إلا في ضرورة» ثم ذَكَرَ الآيةَ الأخرى. قلت: وليس في هاتين الآيتين الكريمتين ما يَرُدُّ قولَ هذا القائل. أما هذه الآية فيحتمل أن يكون قولُه تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ جلمةَ اعتراض لأنَّ فيها تأكيداً وتسديداً للكلام، وجملةُ الاعتراض تقعُ بين الصفةِ وموصوفِها كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ف «عظيم» صفةٌ ل «قَسَم» وقد فَصَل بينهما بقولُه: ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ فكذلك فَصَلَ هنا بين قوله «بقوم» وبين صفتهم وهي «أذلة - أعزة» بقولِه ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فعلى هذا لا يكون لها محلُّ من الإِعراب. وأمَّا ﴿وهذا كِتَابٌ

стр. 2796

أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فلا نسلِّم أن «مبارك» صفةٌ، بل يجوزُ أن يكونَ خبراً عبد خبر، ويجوز أن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: هو مبارك، ولو استدل على ذلك بآيتين غير هاتين لكان أقوى، وهما قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] ، فقدَّم الوصفَ بالجارِّ على الوصف بالصريح، ويحتمل أَنْ يُقال: لا نُسَلِّم أن «مِنْ ربهم» و «مِنَ الرحمن» صفتان لجواز أَنْ يكونا حالين مُقَدَّمَيْن من الضمير المستترِ في «مُحْدَثٍ» أي: مُحْدَثٍ إنزالُه حالَ كونه من ربهم. وأَذِلَّة جمعُ ذليل بمعنى متعطف، ولا يراد به الذليل الذي هو ضعيف خاضع مُهان، ولا يجوز أن يكون جمع «ذَلُول» لأنَّ / ذلولاً يجمع على «ذُلُل» لا على «أَذِلة» وإن كان كلام بعضهم يوهم ذلك. قال الزمخشري: «ومَنْ زعم أنه من الذُّل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غَبِي عنه أن ذَلُولا لا يُجمع على أَذِلة» وأَذِلّة وأَعِزة جمعان لذليل وعزيز وهما مثالا مبالغة، وعَدَّى «أذلة» ب «على» وإن كان أصلُه أن يتعدى باللام لِما ضُمِّن من معنى الحُنُوِّ والعطف، والمعنى: عاطفين على المؤمنين على وجهِ التذلُّلِ لهم والتواضعِ، ويجوزُ أَنْ يكون المعنى: أنهم مع شرفهم وعلوِّ طبقتهم وفَضْلِهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قولُه تعالى: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ذكر هذين الوجهين أبو القاسم الزمخشري. قال الشيخ: «قيل: أو لأنه على حَذْفِ مضاف، التقدير: على فَضْلِهم على المؤمنين،

стр. 2797

والمعنى: أنهم يَذِلُّون ويَخْضَعُون لِمَنْ فُضِلوا عليه مع شَرَفِهم وعلوِّ مكانتِهم» وذَكَر آية الفتح. قتل: وهذا هو قولُ الزمخشري بعينِه، إلا أنَّ قولَه «على حَذْفِ مضاف» يُوهم حذفَه وإقامةَ المضافِ إليه مُقامه، وهنا حَذَ ف «على» الأولى وحَذَفَ المضافَ والمضافَ إليه معاً، ولا أدري ما حَمَله على ذلك؟ ووقع الوصفُ في جانب المحبة بالجملةِ الفعلية لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على التجدُّدِ والحدوثِ، هو مناسبٌ فإنَّ محبَّتهم للهِ تعالى تُجَدِّدُ طاعاتِه وعبادتَه كلَّ وقتٍ، ومحبةُ اللهِ إياهم تُجَدِّدُ ثوابَه وإنعامَه عليهم كل وقت. ووقع الوصفُ في جانبِ التواضعِ للمؤمنين والغِلْظَةِ على الكافرين بالاسم الدالِّ على المبالغة دلالةً على ثبوتِ ذلك واستقراره وأنه عزيزٌ فيهم، والاسمُ يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ، وقَدَّم الوصفَ بالمحبة منهم ولهم على وصفِهم بأذلَّة وأَعِزِّة لأنهما ناشِئتان عن المحبتين، وقَدَّم وصفَهم المتعلِّق بالمؤمنين على وصْفِهم المتعلق بالكافرين لأنه آكدُ وألزمُ منه، ولشرفِ المؤمنِ أيضاً. والجمهورُ على جَرِّ «أَذِلَّة - أَعِزَّة» على الوصفِ كما تقدم، قال الزمخشري: «وقُرئ» أَذِلَّةً وأَعِزِّةً «بالنصبِ على الحال» قلت: الذي قرأ «أَذِلَّة» هو عبد الله بن مسعود، إلا أنه قرأ بدل «أعزة» : «غُلَظاءَ على الكافرين» وهو تفسيرٌ، وهي حالٌ من «قوم» وجاز ذلك وإن كان «قوم» نكرةً لقُرْبِه من المعرفة إذ قد تخصَّص بالوصف. قوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ يحتمل ثلاثة أَوجه، أحدها: أن يكونَ صفةً أخرى ل «قوم» ولذلك جاء بغيرِ واو، كما جاءَتِ الصفتان قبلَه بغيرها. الثاني: أنه في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير المسكن في «أعزة» أي: يَعُزُّون مجاهدين، قالَه أبو البقاء، وعلى هذا فيجوزُ أن تكونَ حالاً من الضمير في «

стр. 2798

أَذِلَّة» أي: يتواضعون للمؤمنين حالَ كونِهم مجاهدين، أي: لا يَمْنعَهُم الجهادُ في سبيل الله من التواضعِ للؤمنين، وحاليَّتُها من ضمير «أعزة» أظهر من حاليَّتِها مِمَّا ذكرت، ولذلك لم يَسُغْ أن تُجْعَلَ المسألةُ من التنازع. الثالث: ان يكونَ مستأنفاً سِيق للإِخبارِ بأنهم يجاهِدون في نصرة دين الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُونَ﴾ فيه أوجه، أحدها: أن يكون / معطوفاً على «يُجاهِدُون» فتجري فيه الأوجهُ السابقة فيما قبله. الثاني: أن تكونَ الواوُ للحال، وصاحبُ الحالِ فاعلٌ «يجاهدون» قال الزمخشري: أي: يجاهِدُون وحالُهم في المجاهدةِ غيرُ حالِ المنافقين «وتَبِعه الشيخ ولم يُنْكِرْ عليه، وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم نصُّوا على أن المضارع المنفي ب» لا «أو» ما «كالمثبت في أنه لا يجوز أن تباشِرَه واوُ الحال، وهذا كما ترى مضارعٌ منفي ب» لا «إلا أَنْ يُقال: إن ذلك الشرطَ غير مُجْمَعٍ عليه، لكنَّ العلةَ التي مَنَعوا لها مباشرةَ الواوِ للمضارع المثبتِ موجودةٌ في المضارعِ المنفيِّ» ب «لا» و «ما» وهي: أنَّ المضارعَ المثبتَ بمنزلةِ الاسمِ الصريحِ، فإنك إذا قلت: «جاز زيدٌ لا يضحكُ» [كان] في قوةِ «ضاحكاً» ، و «ضاحكاً» لا يجوز دخولُ الواوِ عليه فكذلك ما أشبهه وهو في قوتِه، وهذه موجودةٌ في المنفي، فإنَّ قولك «جاء زيدٌ لا يضحك» في قوةِ «غيرَ ضاحك» و «غيرَ ضاحك» لا تدخلُ عليه الواوُ، إلاَّ أن هذا يُشْكِلْ بأنهم نَصُّوا على أن المنفي ب «لم» و «لما» يجوزُ فيه دخولُ الواو، مع أنه في قولِك: «قام زيد لم يضحكْ» بمنزلةِ «غيرَ ضاحك» ومِنْ دخول الواو قولُه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] ونحوُه. الثالث: أن تكون الواوُ للاستئنافِ، فيكونَ ما بعدها جملةً مستأنفة مستقلة بالإِخبار،

стр. 2799

وبهذا يحصُل الفرقُ بين هذا الوجهِ وبين الوجهِ الذي جَوَّزْتُ فيه أن تكون الواو عاطفةً مع اعتقادِنا أنَّ «يجاهدون» مستأنفٌ وهو واضح. واللَّوْمَةُ: «المَرَّةُ من اللَّوْم، قال الزمخشري» وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يَخافون شيئاً قَطُّ من لومِ أحدٍ من اللُّوُّام، و «لومة» مصدرٌ مضافٌ لفاعله في المعنى، فإن قيل: هل يجوزُ أن يكونَ مفعولُه محذوفاً، أي: لا يخافون لومةَ لائمٍ إياهم؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز عند الجمهور، لأنَّ المصدرَ المحدودَ بتاء التأنيث لا يعملُ، فلو كان مبنياً على التاء عَمِلَ كقوله: ١٧٤ - ٧- فولا رجاءُ النصر منك ورهبةٌ ... عقابَك قد كانوا لنا بالموارِدِ فأعمل «رهبةٌ» لأنه مبنيُّ على التاء، ولا يجوز أن يعملَ المحدودُ بالتاء إلا في قليلٍ من كلامِهم كقوله: ١٧٤ - ٨- يُحايي به الجَلْدُ الذي هو حازمٌ ... بضربةِ كَفَّيهِ المَلا وَهُو راكِبُ يصفُ رجلاً سقى رجلاً ماءً فأحياه به وتيمَّم بالتراب، والمَلا: التراب، فنصب «الملا» ب «ضربة» وهو مصدرٌ محدودٌ بالتاء. وأصل لائم: لاوِم، لأنه من اللَّوْم فأُعِلَّ كقائم. و «ذلك» في المشار إليه به ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه جميع ما تقدَّم من الأوصافِ التي وُصِف بها القومُ من المحبةِ والذلةِ والعزةِ والمجاهدة في سبيلِ

стр. 2800

الله وانتفاءِ خوفِ اللائمة من كلِّ أحدٍ، واسمُ الإِشارة يَسُوغ فيه ذلك، أعني أنه يقعُ بلفظِ الإِفراد مشاراً به لأكثر مِنْ واحدٍ، وقد تقدَّم تحقيقُه في قولِه تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] . والثاني: أنه مشارٌ به إلى حُبِّ الله لهم وحُبِّهم له. والثالث: أنه مشارٌ به إلى قوله: «أَذِلَّة» أي: لِين الجانب وتَرْكُ الترفُّع، وفي هذين تخصيصٌ غيرُ واضحٍ، وكأنَّ الحاملَ على ذلك مجيءُ اسمِ الإِشارة مفرداً. و «ذلك» مبتدأٌ، و «فَضْلُ الله» خبرُه، و «يؤتيه» يحتملُ ثلاثةَ أوجه، أظهرُها: أنه خبرٌ ثاني، والثاني: أنه مستأنف والثالث: أنه في محلِّ نصبٍ على الحال كقوله. ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: ٨٩] .

стр. 2801

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ، و «رسولهُ» و «الذين» عطفٌ على الخبر. قال الزمخشري: قد ذُكِرَتْ جماعةٌ فهلاً قيل: إنما أولياؤُكم. وأجابَ بأنَ الوِلايةَ بطريقِ الأصالةِ لله تعالى، ثم نَظَّم في سلكِ إثباتها لرسوله وللمؤمنين، ولو جيء به جمعاً فقيل: «إنما أولياؤُكم» لم يكنْ في الكلامِ أصلٌ وتَبَعٌ «. قلت: ويَحْتمل وجهاً آخرَ وهو أنَّ» وَلِيَّ «بزنة فَعِيل، وفعيل وقد نصَّ عليه أهلُ اللسان أنه يقعُ للواحدِ والاثنين والجماعة تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد، يقال:» الزيدون صديقٌ، وهند صديقٌ «وهذا مثلُه، غايةُ ما فيه أنه مقدَّمٌ في التركيب، وقد أجابَ الزمخشري وغيرُه بذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] ، وذكر وجهَ ذلك وهو شِبْهُه بالمصادر وسيأتي تحقيقُه. وقرأ ابن مسعود:» إنما مَوْلاكم «وهي تفسير لا قراءة. قوله تعالى: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاوة﴾ في خمسةُ أوجه، أحدها: أنه

стр. 2802

مرفوعٌ على الوصفِ لقوله» الذين آمنوا «وَصَفَ المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وذكرهاتين العبادتين دونَ سائرِ فروعِ الإِيمان لأنهما أفضلُها. الثاني: أنه مرفوعٌ على البدلِ من» الذين آمنوا «الثالث: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هم الذين. الرابع: أنه عطفُ بيانٍ لما قبله؛ فإنَّ كلَّ ما جاز أن يكونَ بدلاً جاز أن يكون بياناً إلا فيما استُثْي وقد ذكرْتُه فيما تقدم. الخامس: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، وهذا الوجهُ والذي قَبله من باب القطع عن التبعية. قال الشيخ: - بعد أن نقلَ عن الزمخشري وَجْهَيْ البدلِ وإضمارِ المبتدأ فقط -» ولا أَدْري ما الذي مَنَعه من الصفةِ، إذ هو المتبادَرُ إلى الذهن، ولأنَّ المُبْدَلَ منه على نية الطرحِ، وهو لا يَصِحُّ هنا / لأنه هو الوصفُ المترتِّب عليه [صحةُ] ما بعده من الأوصاف «قلت: لا نسلِّمُ أنَّ المتبادرَ إلى الذهن الوصفُ بل البدلُ هو المتبادرُ، وأيضاً فإنَّ الوصفَ بالموصولِ على خلافِ الأصل؛ لأنه مؤولٌ بالمشتقِّ وليس بمشتقٍ، ولا نُسَلِّم أنَّ المبدلَ منه على نيةِ الطَرْحِ، وهو المنقولُ عن سيبويه. قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها معطوفةٌ على ما قبلَها من الجملِ فتكونُ صلةً للموصولِ، وجاء بهذه الجملةِ اسميةً دونَ ما قبلَها، فلم يَقُلْ» ويركعون «اهتماماً بهذا الوصفِ؛ لأنه أظهرُ أركانِ الصلاة. والثاني: أنها واوُ الحال وصاحبُها هو واو» يُؤْتون «والمرادُ بالركوعِ الخضوعُ أي: يؤتون الصدقة وهم متواضِعُون للفقراءِ الذين يتصدَّقون عليهم، ويجوز أَنْ يُرادَ به الركوع حقيقةً؛ كما رُوي عن علي أميرِ المؤمنين أنه تصدَّقَ بخاتَمِة وهو راكعٌ.

стр. 2803

قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ : «مَنْ شرطٌ في محل رفع بالابتداءِ، وقولُه: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله﴾ يحتمل أن يكونَ جواباً للشرط، وبه يحتجُّ مَنْ لا يشترطُ عَوْدَ ضميرٍ على اسم الشرط إذا كان مبتدأ، ولقائل أن يقولَ: إنما جازَ ذلك لأنَّ المرادَ بحزب الله هو نفس المبتدأ، فيكون من بابِ تكرارِ المبتدأ بمعناه، وفيه خلافٌ: الأخفشُ يُجيزه فإنَّ التقدير: ومَنْ يتولَّ اللهَ ورسولَه والذين آمنوا فإنه غالبٌ، فوضَع الظاهرَ موضعَ المضمرِ لفائدةٍ وهي التشريفُ بإضافةِ الحزب إلى الله تعالى، ويحتمل أن يكونَ الجوابُ محذوفاً لدلالةِ الكلام عليه أي: ومَنْ يتولَّ اللهَ ورسولَه والذين آمنوا يَكُنْ من حزبِ الله الغالبِ أو يُنْصَرْه ونحوه. ويكون قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله﴾ دالاً عليه، وعلى هذين الاحتمالين فلا دلالة في الآية على عدمِ اشتراط عَوْدِ ضميرٍ على اسم الشرط. وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ في محلِّ جزم إنْ جعلناه جواباً للشرط، ولا محلَّ له إن جعلناه دالاًّ على الجواب. وقوله:» هم «يحتمل أن يكون فصلاً وأن يكونَ مبتدأ و» الغالبون «خبرُه، والجملة خبر» إنَّ «وقد تقدَّم الكلام على ضمير الفصل وفائدته. والحِزْبُ: الجماعة فيها غلظةٌ وشدةٌ، فهو جماعةٌ خاصة.

стр. 2804

قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ﴾ : الآية، فالذين وصلته هو المفعولُ الأول لقولِه: ﴿ولا تتَّخِذوا﴾ والمفعول الثاني هو قوله: «أولياء» و «دينَكم» مفعولٌ أولُ ل «اتخذوا» و «هُزُوا» مفعول ثان، وتقدَّم ما في «هُزْءاً» من القراءات والاشتقاق. وقوله: ﴿مِّنَ الذين أُوتُواْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محل نصب على الحال، وصاحبها فيه وجهان أحدُهما: أنه الموصولُ / الأول. والثاني: أنه فاعل «اتَّخذوا» الثاني من

стр. 2805

الوجهين الأولين أنه بيان للموصول الأول، فتكونُ «مِنْ» لبيانِ الجنس، وقوله: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلق «ب» أوتوا «؛ لأنهم أُوتوا الكتابَ قبل المؤمنين، والمرادُ بالكتابِ الجنسُ. قوله: ﴿والكفار﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي:» والكفارِ «بالخفض، والباقون بالنصب، وهما واضحتان، فقراءةُ الخفض عَطْفٌ على الموصول المجرور ب» من «ومعناها أنه نهاهم أن تيخذوا المستهزئين أولياءَ، وبيَّن أن المستهزئين صنفان: أهلُ كتاب متقدم وهم اليهود والنصارى، وكفارٌ عبدةُ أوثان، وإن كانَ اسمُ الكفر ينطلق على الفريقين، إلا أنه غَلَب على عبدة الأوثان: الكفار، وعلى اليهود والنصارى: أهل الكتاب. قال الواحدي:» وحجةُ هذه القراءة من التنزيلِ قولُه تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥] اتفقوا على جَرِّ «المشركين» عطفاً على أهل الكتاب، ولم يُعْطَفْ على العامل الرافعِ «يعني بذلك أنه قد أَطْلَق الكفار على أهل الكتاب وعلى عبدة الأوثان: المشركين، ويدل على أنَّ المرادَ بالكفار في آية المائدة المشركون قراءةُ عبد الله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ ورُجِّحت قراءةُ أبي عمرو وأيضاً بالقرب، فإن المعطوفَ عليه قريبٌ، ورُجِّحت أيضاً بقراءة أُبَيّ:» ومن الكفار «بالإِتيان ب» من «وأمَّا قراءةُ الباقين فوجهُها أنه عطفٌ على الموصول الأول أي: لا تتخذوا المستهزئين ولا الكفار أولياء، فهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ [آل عمران: ٢٨] ، إلا أنه ليس في هذه القراءة تعرُّضٌ للإِخبار باستهزاءِ المشركين» ، وهم مستهزئون أيضاً،
следующие страницы →