Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
لِي﴾ [الشعراء: ٨٢] ﴿نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ﴾ [المجادلة: ١٣] إلى غير ذلك، والنوعُ المحتمل للأمرين تقع بعده تارة المخففةُ وتارةً الناصبةُ كما تقدم من الاعتبارين، وعلى كلا التقديرين أعني كونَها المخففةَ أو الناصبةَ فهي سادَّةٌ مسدَّ المفعولين عند جمهورِ البصريين، ومسدَّ الأولِ والثاني محذوفٌ عند أبي الحسن، أي: حَسِبوا عدمَ الفتنةِ كائناً أو حاصلاً. وحكى بعض النحويين أنه ينبغي لِمَنْ رفع أن يَفْصِل «أن» من «لا» في الكتابة؛ لأنها الهاء المضمرةَ حائلةٌ في المعنى، ومَنْ نَصَبَ لم يَفْصِل لعدمِ الحائل بينهما. قال أبو عبد الله: «هذا ربما ساغَ في غيرِ المصحفِ، أمَّا المصحفُ فلم يُرْسَمْ إلى على الاتصال» انتهى. قلت: «وفيه هذه العبارة تجوُّز إذ لفظُ الاتصالِ يُشْعر بأَنْ تُكْتب» أنلا «فتوصلَ» أن «ب» لا «في الخط، فينبغي أن يقال: لا تُثْبَتُ لها صورةٌ، أو تُثْبَتُ لها صورةٌ منفصلة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ في هذا الكتاب خمسة أوجه، أحدها: أنَّ الواوَ علامةُ جمع الفاعل، كما يَلْحق الفعلَ تاءُ التأنيث ليدلَّ على تأنيث الفاعل، ك» قامت هند «وهذه اللغة جاريةٌ في المثنى وجمعِ الإِناث أيضاً فيقال:» قاما أخواك، وقمن أخواتك «كقوله:
١٧٨ - ٧-. . . . . . . . . . . . . ... وقد أَسْلَماه مُبْعَدٌ وحَميمٌ
стр. 2872
وقوله:
١٧٨ - ٨- ولكنْ دِيافِيٌّ أبوه وأمُّه ... بِحَوْرانَ يَعْصِرنَ السَّليطَ أقاربُهْ
واستدلَّ بعضُهم بقولِه ﵇:» «يتعاقبون فيكم ملائكة» ويعبِّر النحاة عن هذه اللغةِ بلغةِ «أكلوني البراغيث» ولكنَّ الأفصحَ ألاَّ تلحقَ الفعلَ علامةٌ، وفَرَّق النحويون بين لَحاقِه علامةَ التأنيث وعلامةَ التثنية والجمع بأنَّ علامةَ التأنيث ألزمُ؛ لأن التأنيث في ذاتِ الفاعل بخلاف التثنيةِ والجمعِ فإنه غيرُ لازمٍ.
الوجه الثاني: أنَّ الواوَ ضميرٌ عائدٌ على المذكورين العائدِ عليهم واو «حسبوا» و «كثير» بدلٌ من هذا الضمير، كقولك: «إخوتك قاموا كبيرُهم وصغيرُهم» ونحوه.
الوجه الثالث: أن الواو ضمير أيضاً، و «كثيرٌ» بدلٌ منه، والفرقُ بين هذا الوجه والذي قبله أن الضمير في الوجهِ الأولِ مفسَّر بما قبلَه وهم بنو إسرائيل، وأمَّا في هذا الوجه فهو مفسَّر بما بعده، وهذا أحدُ المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعده، وهو أن يُبْدَلَ منه ما يفسِّرهُ، وهي مسألةُ خلاف وقد تقدم تحريرها. الوجه الرابع: أن الضميرَ عائدٌ على مَنْ تقدَّم، و «كثير» خبر مبتدأ محذوف، وقَدَّره مكي تقديرين، أحدهما: قال: «تقديرُه العُمْيُ والصُّمُّ كثير منهم» والثاني: العَمَى والصَّمَمُ كثيرٌ منهم، ودلَّ على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ فعلى تقديره الأول: يكون «كثير» صادقاً عليهم و «منهم» صفة ل «كثير» ، وعلى التقدير الثاني يكون «كثير» صادقاً على العَمَى
стр. 2873
والصَّمَمِ لا عليهم، و «منهم» صفةٌ له بمعنى أنه صادر منهم، وهذا الثاني غيرُ ظاهرٍ. وقدَّره الزمخشري فقال: «أولئك كثير منهم» الوجه الخامس: أنَّ «كثير» مبتدأٌ والجملةُ الفعلية قبله خبرٌ، ولا يُقال: إنَّ الفعلَ متى وقع خبراً وجَبَ تأخيرُه لأنَّ ذلك مشروطٌ بكونِ الفاعل مستتراً نحو: «زيدٌ قام» لأنه لو قُدِّم فقيل: قام زيدٌ لألبس بالفاعل، فإنْ قيل: وهذا أيضاً يُلْبس بالفاعل في لغة «أكلوني البراغيث» فالجواب أنها لغةٌ ضعيفةٌ لا نبالي بها. وضَعَّفَ أبو البقاء هذا الوجه بمعنى آخرَ فقال: «لأنَّ الفعلَ قد وَقَع في موضِعِه فلا يُنْوَى به غيرُه» وفيه نظرٌ لأنَّا لا نُسَلِّم أنه وَقَع موقعَه، وإنما كان واقعاً موقعَه لو كان مجرداً من علامةٍ. ومثلُ هذه الآية أيضاً قولُه تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبيا: ٣] .
والجمهورُ على «عَمُوا وَصمُّوا» بفتح العين والصاد، والأصل: عَمِيُوا وصَمِمُوا كشَرِبُوا، فأُعِلَّ الأولُ بالحذفِ، والثاني: بالإِدغام. وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي بضم العين والصاد وتخفيف الميم من «عَمُوا» قال الزمخشري: «على تقدير / عماهم الله وصَمَّهم أي: رماهم وضربهم بالعَمَى والصَّمم، كما يقال: نَزَكْتُه إذا ضربته بالنَّيْزَك وَركَبْتُه إذا ضربته بركبتِك» ولم يَعْترض عليه الشيخ، وكان قد قال قبل ذلك بعد أَنْ حكى القراءة: «جَرَتْ مَجْرى زُكِم الرجلُ وأَزْكَمَه الله، وحُمَّ وأَحَمَّه الله، ولا يقال: زَكَمه الله ولا حمَّه، كما لا يقال: عَمَيْتُه ولا صَمَمْته، وهي أفعالٌ جاءت مبنيةً
стр. 2874
للمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه وهي متعدِّيةٌ ثلاثية، فإذا بُنيت للفاعلِ صارَتْ قاصرة فإذا أَرَدْتَ بناءَها للفاعلِ متعديةً أَدْخَلْتَ همزة النقل، وهي نوع غريب في الأفعال» انتهى. فقوله: «كما لا يُقال عَمَيْتُه ولا صَمَمْتُه» يقتضي أن الثلاثي منها لا يتعدَّى، والزمخشري قد قال على تقدير: «عَماهُم الله وصَمَّهم» فاستعمل ثلاثِيَّةُ متعدياً، فإن كان ما قاله الشيخ صحيحاً فينبغي أن يكونَ كلام أبي القاسم فاسداً أو بالعكس.
وقرأ ابن أبي عبلة «كثيراً» نصباً على أنه نعت لمصدر محذوف، وتقدم غيرَ مرة أنه عند سيبويه حالٌ. وقال مكي: «ولو نَصَبْتَ» كثيراً «في الكلام لجازَ أن تجعلَه نعتاً لمصدر محذوف، أي: عمًى وصمماً كثيراً» قلت: كأنه لم يطَّلِعْ عليها قراءةً، أو لم تَصِحَّ عنده لشذوذها.
وقوله: ﴿فَعَمُواْ﴾ عطفَه بالفاء وقوله: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ عطفه ب «ثم» ، وهو معنى حسن، وذلك أنهم عَقِيبَ الحسبانِ حَصَل لهم العَمَى والصَّمَمُ مِنْ غير تراخٍ، وأسند الفعلين إليهم، بخلافِ قولِه: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] لأنَّ هذا فيمن لم يَسْبِقْ له هدايةٌ، وأسند الفعل الحسنَ لنفسِه في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ﴾ وعطف قوله: ﴿ثُمَّ عَمُواْ﴾ بحرفِ التراخي دلالةً على أنهم تمادَوا في الضلالِ إلى وقت التوبة.
стр. 2875
قوله تعالى: ﴿ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ : معناه أحدُ الثلاثة، ولذلك منع الجمهورُ أن يُنْصَبَ ما بعده، لا تقول: ثالثٌ ثلاثةً ولا رابعٌ أربعةً، قالوا: لأنه اسمُ فاعلٍ ويعملُ عمل فعله، وهنا لا يقع موقعَه فعلٌ فعلٌ إذ لا يقال: ربَّعْتُ
стр. 2876
الأربعة ولا ثلَّثْتُ الثلاثة، وأيضاً فإنه أحدُ الثلاثة فيلزم أن يعمل في نفسه، وأجاز النصبَ بمثل هذا ثعلب، وردَّه عليه الجمهور بما ذكرته لك، أمَّا إذا كان من غيرِ لفظِ ما بعده فإنه يجوزُ فيه الوجهان: النصب والإِضافة نحو: رابعٌ ثلاثةَ، وإن شئت: ثلاثةٍ. واعلم أنه يجوز أن يُشتقَّ من واحد إلى عشرة صيغةُ اسمِ فاعل نحو: «واحد» ويجوز قبله فيقال: حادي وثاني وثالث إلى عاشر، وحينئذ يجوز أن يستعمل مفرداً فيقال: ثالث ورابع، كما يقال: ثلاثة وأربعة من غير ذكر مفسرٍ، وأن يستعملَ استعمالَ أسماءِ الفاعلين إنْ وقع بعده مغايرُه لفظاً، ولا يكونُ إلا ما دونه برتبةٍ واحدٍ نحو عاشرُ تسعةٍ، وتاسعُ ثمانيةٍ، فلا يجامعُ ما دونَه برتبتين نحو: عاشرُ ثمانيةٍ ولا ثامنُ أربعةٍ، ولا يُجامِعُ ما فوقه مطلقاً فلا يقال: تاسعُ عشرةٍ ولا رابعُ ستةٍ، إذا تقرر ذلك فيعطى حكمَ اسمَ الفاعلِ فلا يعملُ إلا بشروطه، وأمَّا إذا جامع موافقاً له لفظاً وجبت إضافتُه نحو: ثالثُ ثلاثةٍ وثاني اثنين، وتقدَّم خلاف ثعلب، ويجوز أن يُبْنى أيضاً من احد عشر إلى تسعة عشر فيقال: حادي عشر وثالث عشر، ويجوز أَنْ يُستعمل مفرداً كما ذكَرْتُه لك، ويجوز أن يُسْتَعْمل مجامعاً لغيره ولا يكونُ إلا موافقاً، فيقال: حادي عشر أحد عشرَ، وثالثَ عشرَ ثلاثَة عشرَ، ولا يقال: ثالثَ عشرَ اثني عشرَ، وإن كا بعضهم خالف، وحكمُ المؤنثِ كحكمِه في الصفاتِ الصريحةِ فيقال: ثالثة ورابعة، وحاديةَ عشرةَ، وثالثةَ عشرةَ ثلاثَ عشرةَ، وله أحكامٌ كثيرة استوفيتُها في «شرح التسهيل» .
قوله: ﴿وَمَا مِنْ إله﴾ «مِنْ» زائدة في المبتدأ لوجود الشرطين، وهما كونُ الكلامِ غيرَ إيجابٍ، وتنكيرُ ما جَرَّتْهُ، و «إلهٌ» بدل من محل «إلهٍ» المجرورِ
стр. 2877
ب «مِنْ» الاستغراقية، لأن محلَّه رفعٌ كما تقدم، والتقدير: وما إلهٌ في الوجودِ إلا إلهٌ متصفٌ بالواحدانية. قال الزمخشري: «من» في قوله: «مِنْ إله» للاستغراقِ، وهي المقدرةُ مع «لا» التي لنفي الجنس في قولك: «لا إلهَ إلا اللَّهُ» والمعنى، وما من إله قط في الوجود إلا إلهٌ متصفٌ بالوحدانية وهو الله تعالى «. فقد تحصَّل مِنْ هذا أن» مِنْ إله «وخبرُه محذوفٌ، و» إلا إلهٌ «بدلٌ على المحل. قال مكي:» ويجوزُ في الكلام النصبُ: «إلا إلهاً» على الاستثناء «قال أبو البقاء ولو» قُرئ بالجرِّ بدلاً من لفظ «إله» لكان جائزاً في العربية «قتل: ليس كما قال، لأنه يلزمُ زيادةُ» مِنْ «في الواجب، لأن النفيَ انتقضَ ب» إلاَّ «لو قلت:» ما قامَ إلا من رجلٍ «لم يَجُزْ فكذا هذا، وإنما يجوزُ ذلك على رأي الكوفيين والأخفشِ، فإنَّ الكوفيين يشترطون تنكيرَ مجرورها فقط، والأخفشُ لا يشترط شيئاً.
قال مكي: «واختار الكسائي الخفضَ على البدل من لفظ» إله «وهو بعيدٌ لأنَّ» مِنْ «لا تُزَاد في الواجب» . قلت: ولو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ قوله «إلا إلهٌ» خبر المبتدأ، وتكونُ المسألة من الاستثناءِ المفرغِ، كأنه قيل: ما إلهٌ إلا إلهٌ متصفٌ بالواحدِ لَمَا ظهر له منعٌ، لكني لم أرَهم قالوه. وفيه مجالٌ للنظر.
قوله: ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ هذا عليه، والتقديرُ: واللَّهِ إنْ لم ينتهوا ليمسَّنَّ، وجاء هذا على القاعدةِ التي قَرَّرْتُها: وهو أنه إذا اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ أُجيب سابقُهما ما لم يسبقْهما ذو خبر، وقد يجابُ الشرطُ مطلقاً، وقد تقدَّم أيضاً أن فعلَ الشرطِ حينئذ لا يكون
стр. 2878
إلا ماضياً لفظاً، أو معنًى لا لفظاً كهذه الآية، فإنْ قيل: السابقُ هنا الشرطُ، اذ القسمُ مقدرٌ فيكون تقديرُه متأخراً فالجوابُ أنه لو قُصِد تأخُّرُ القسمِ في التقدير لأُجيبَ الشرط، فلمَّا أُجيب القسمُ عُلِم أنه مقدَّرُ التقديمِ، وعَبَّر بعضُهم عن هذا فقال: «لام التوطئِة للقسمِ قد تُحْذَفُ ويُراعى حكمُها كهذه الآيةِ، إذ التقدير:» ولئن لم «كما صَرَّح بهذا في غير موضع كقوله: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون﴾ [الأحزاب: ٦٠] ، ونظيرُ هذه الآية قوله: ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وتقدَّم أنَّ هذا النوع من جواب القسم يَجِبُ أن يُتَلَقَّى باللامِ وإحدى النونين عند البصريين، إلاَّ ما قَدَّمْت لك استثناءَه» قال الزمخشري: «فإنْ قلت: فهلاَّ قيل: لَيَمسُّهُم عذاب. قلت في إقامة الظاهرُ مقامَ المضمرِ فائدةٌ، وهي تكريرُ الشهادة عليهم بالكفر» .
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال. قال أبو البقاء: «إمَّا من الذين، وإمَّا من ضميرِ الفاعل في» كفروا «قلت: لم يتغير الحكمُ في المعنى، لأنَّ الضميرَ الفاعل هو نفسُ الموصول، وإنما الخلاف لفظي. وقال الزمشخري:» مِنْ «في قوله: ﴿لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ للبيانِ كالتي في قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] قلت: فعلى هذا يتعلقُ» منهم «بمحذوفٍ، فإنْ قلت: هو على جَعْلِه حالاً متعلقٌ أيضاً بمحذوفٌ. قلت: الفرقُ بينهما أنَّ جَعْلَه حالاً يتعلَّقُ بمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الحالُ في
стр. 2879
الحقيقة، وعلى هذا الوجهِ يتعلَّقُ بفعلٍ مفسِّرٍ للموصولِ الأولِ، كأنه قيل: أعني منهم، ولا محلِّ ل» أعني «لأنها جملةٌ تفسيرية. وقال الشيخ:» ومِنْ «في» منهم «للتبعيض أي: كائناً منهم، والربطُ حاصلٌ بالضمير، فكأنه قيل: كافرُهم، وليسوا كلَّهم بَقُوا على الكفر» انتهى. يعني: هذا تقديرٌ لكونِها تبعيضيةً وهو معنى كونِها في محلِّ نصبٍ على الحال.
стр. 2880
وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ﴾ : تقدَّم نظيره مراراً وأنَّ فيه رأيين: رأيُ الجمهورُ تقديمُ حرفِ العطف على الهمزة تقديراً، ورأيُ أبي القاسم بقاؤُه على حالِه وحَذْفُ جملةٍ معطوفٍ على عليها، والتقديرُ: أيثبتون على كفرِهم فلا يَتُوبون، والاستفهامُ فيه قولان / أظهرُهما: أنه للتعجيب من حالهم: كيف لا يتوبون ويستغفرون من هذه المقالةِ الشنعاء؟ والثاني: أنه بمعنى الأمر وهو رأي ابن زياد الفراء، كأنه قال: تُوبوا واستغفروا من هاتين المقالتين، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] . كلامُ ابن عطية يُفْهِم أنه للتحضيضِ، قال: «رَفَقَ جلَّ وعلا بهم بتحضيضِه إياهم على التوبة وطلبِ المغفرة» يعني بذلك من حيث المعنى، وإلاَّ فَفَهْمُ التحضيضِ من هذا اللفظ غيرُ مُسَلَّمٍ، وكيف يُعْقَلُ أنَّ حرف العطف فَصَلَ بين الهمزة ولا المفهمةِ للتحضيضِ؟ فإنْ قلت: هذا إنما يُشْكِلُ على قولِنا: إنَّ «ألا» التحضيضيةَ بسيطةٌ غيرُ مركبةٍ، فلا يُدَّعى فيها الفصل بحرفِ العطف، أما إذا قلنا إنها همزة الاستفهامِ دَخَلَتْ على «لا» النافيةِ وصارَ معناهما التحضيضَ فلا يَضُرُّ الفصلُ بحرف العطف، لأنه عُهِد في «لا» النافيةِ الداخلِ عليها همزةُ الاستفهام، فالجواب: أنه لا يجوزُ مطلقاً؛ لأنَّ ذلك المعنى قد انسلخَ وحَدَثَ
стр. 2881
معنىً آخرُ وهو التحضيضُ، فلا يلزُم من الجوازِ في الأصلِ الجوازُ بعد حدوثِ معنًى جديدٍ.
стр. 2882
قوله تعالى: ﴿مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ : كقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . و «قد خَلَتْ» صفةٌ له كما في الآيةِ الأخرى. وتقدَّم معنى الحصرِ. وقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، ولا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعراب. و «صِدِّيقَةٌ» تأنيثُ «صِدِّيق» وهو بناء مبالغة ك «فَعّال» و «فَعُول» إلا أنه لا يعمل عملَ أمثلةِ المبالغة، فلا يقال: «زيدٌ شِرِّيبٌ العسلَ» كما يقال: «شَرَّابٌ العسلَ» وإن كان القياس إعمالَه، وهل هو مِنْ «صَدَق» الثلاثي أو من «صَدَّق» مضعفاً؟ القياسُ يقتضي الأولَ، لأنَّ أمثلةَ المبالغةِ تَطَّرِدُ من الثلاثي دونَ الرباعي، فإنه لم يَجيء منه إلا القليلُ. وقال الزمخشري: «انه من التصديق» وكذا ابنُ عطية، إلا أنَّه جَعَله محتملاً، وهذا واضحٌ لقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا﴾ فقد صَرَّح بالفعلِ المسند إليها مضعفاً.
وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام﴾ لا محلَّ له لأنه اسئنافٌ وبيان لكونِهما كسائرِ البشرِ في احتياجِهما إلى مايَحْتاج إليه كلُّ جسمٍ مُولَدٍ، والإلهُ الحقُّ منزَّهٌ عن ذلك. وقال بضعهم: «هو كناية عن احتياجهما إلى التغَوُّطِ» ولا حاجة إليه. قوله: «كيف» منصوب بقوله: «نُبَيِّن» بعده، وتقدم ما فيه في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] وغيرِه، ولا يجوز أن يكونَ معمولاً لِما قبله لأن له صدرَ الكلام، وهذه الجملةُ الاستفهامية في محلِّ نصب لأنها معلقةٌ للفعل قبلها. وقوله: ﴿ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ﴾ كالجملةِ قبلَها، «وأَنَّى» بمعنى كيف، و «يُؤْفكون» ناصبٌ ل «أنَّى» ويُؤْفكون: بمعنى يُصْرَفُون.
стр. 2883
قوله تعالى: ﴿مَا لاَ يَمْلِكُ﴾ : يجوز أن تكونَ «ما» بمعنى الذي، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ فلا محلَّ لها، وصفةٌ فمحلُّها النصبُ، وفي وقوعِ «ما» على العاقلِ هنا لأنه أُريد به عيسى وأمُّه وجوهٌ، أحدها: أنه أُتِي ب «ما» مراداً به العاقلُ لأنها مبهمةٌ تقعُ على كل شيء، كذا قالَه سيبويه، أو أُريد به النوعُ كقوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: ٣] أي: النوعَ الطيب، أو أُريد به العاقلُ مع غيره لأنَّ أكثرَ ما عُبِد مِنْ دونَ [اللَّهِ] غيرُ عاقلٍ كالأصنامِ والأوثانِ والكواكبِ والشجرِ، أو شبهُهُ على أولِ أحوالِه، لأنه في أولِ حالِه لا يُوصَفُ بعقلٍ فيكف يُتَّخذ إلهاً معبوداً؟ وفي تكريرِ الأمر بقوله: «انظُرْ» «ثم انظر» دلالةٌ على الاهتمام بالنظر، وأيضاً فقد اختَلف متعلَّقُ النظرين، فإنَّ الأولَ أمرٌ بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآياتِ وبيانِها بحيث إنه لا شكَّ فيها ولا ريبَ، والأمرُ الثاني بالنظر في كونِهم صُرِفوا عن تدبُّرها والإِيمان بها، أو بكونِهم قُلِبوا عمَّا أُريد بهم. قال الزمخشري: «فإنْ قتل: ما معنى التراخي في قولِه:» ثم انظرْ «؟ قلت: معناه ما بينَ التعجبين، يعني أنه بَيَّن لهم الآياتِ بياناً عجباً، وأنَّ إعراضَهم عنها أعجُب منه» انتهى. يعني أنه من بابِ التراخي في الرُّتَبِ لا في الأزمنةِ، ونحوُه: ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وسيأتي.
قوله: ﴿والله هُوَ السميع العليم﴾ «هو» : يجوزُ أن يكونَ مبتدأ ثانياً، و «السميعُ» خبرُه، و «العليمُ» خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ، والجملةُ خبرُ الأول، ويجوزُ أَنْ يكونَ فصلاً، وقد عُرِف ما فيه، ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً. وهذه الجملةُ الظاهرُ فيها أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، ويحتمل أن تكونَ في محلِّ نصبٍ
стр. 2884
على الحالِ من فاعلِ «تَعْبُدون» أي: أتعبدون غيرَ الله والحالُ أن الله هو المستحقُّ للعبادة لأنه يَسْمع كل شيء ويعلمه، وإليه ينحو كلامُ الزمخشري فإن قال: ﴿والله هُوَ السميع العليم﴾ متعلق ب «أتعبدون» أي: أتشركون بالله ولا تَخْشَوْنه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون؟ أتعبدون العاجزَ واللَّهُ هو السميع العليم؟ انتهى. والرابطُ بين الحالِ وصاحبِها الواوُ، ومجيءُ هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة، فإنَّ السميع يسمع ما يُشْكَى إليه من الضُّرِّ وطلب النفع ويعلم مواقعَهما كيف يكونان؟
стр. 2885
قوله تعالى: ﴿غَيْرَ الحق﴾ : فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف أي: لا تَغْلُوا في دينكم غُلُوَّاً غيرَ الحق أي: غلوَّاً باطلاً، ولم يذكر الزمخشري غيره. الثاني: أنه منصوبٌ على الحال من ضمير الفاعل في «تَغْلُوا» أي: لا تَغْلوا مجاوزينَ الحق، ذكره أبو البقاء الثالث: أنه حالٌ من «دينكم» أي: لا تغلوا فيه وهو باطل، بل اغلُوا فيه وهو حَقٌّ، ويؤيد هذا ما قاله الزمخشري فإنه قال: «لأنَّ الغلوَّ في الدين غُلُوَّان: حقٌّ وهو أَنْ يُفْحص عن حقائِقه ويفتَّشَ عن أباعدِ معانيه ويُجْتَهَدَ في تحصيله حُجَجَه، وغلوٌ باطل: وهو أن يَتَجاوز الحقَّ ويتخطاه بالإِعراض عن الأدلة» . الرابع: أنه منصوبٌ على الاستثناء المتصل. الخامس: على الاستثناءِ المنقطع. ذكرَ هذين الوجين الشيخُ عن غيره، واستبعدهما فإنه قال: «وأبعدَ مَنْ ذهب إلى أنها استثناءٌ متصل، ومَنْ ذهب إلى انها استثناءٌ
стр. 2886
منقعطع ويقدِّره ب» لكن الحقَّ فاتبعوه «قلت: والمستثنى منه يَعْسُر تعيينُه، والذي يظهر فيه أنه قوله: ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينكم إلا الدين الحق فإنه يجوز لكم الغلوُّ فيه، ومعنى الغلو فيه ما تقدم من تقرير الزمخشري له.
وذكر الواحدي فيه الحالَ والاستثناء فقال:» وانتصابُ «غيرَ الحق» من وجهين، احدُهما: الحالُ والقطعُ من الدين كأنه قيل: لا تغُلُوا في دينكم مخالفين للحقِّ، لأنهم خالفوا الحقَّ في دينهم ثم غَلَوا فيه بالإِصرار عليه. والثاني: أن يكونَ منصوباً على الاستثناء، فيكون «الحق» مستثنًى من المَنْهِيِّ عن الغلوِّ فيه بأَنْ يجوزَ الغلوُّ فيما هو حق على معنى اتباعِه والثباتِ عليه. وهذا نصٌّ فيما ذكرْتُ لك من أنَّ المستثنى هو «دينُكم» .
وتقدَّم معنى الغلوِّ في سورة النساء وظاهرُ هذه الأعاريب المتقدمةِ أنَّ «تَغْلُوا» فعلٌ لازم، وكذا نصَّ عليه أبو البقاء، إلا أن أهلَ اللغةِ يفسِّرونه بمعنى متعدٍّ، فإنهم قالوا: معناه لا تتجاوزوا الحد. قال الراغب: «الغلو تجاوزُ الحَدِّ، يقال ذلك إذا كان في السعر» غلاءً «وإذا كان في القَدْر والمنزلة» غُلُوَّا «وفي السهم» غَلْوا «وأفعالها جميعاً غلا يغلو، فعلى هذا يجوز أن ينتصب» غير الحق «مفعولاً به أي: لا تتجازوا في دينِكم غير الحق، فإنْ فَسَّرنا» تغلوا «بمعنى تتباعدوا من قولهم:» غلا السهمُ «أي: تباعدَ كانَ قاصراً، فيحتمل أن يكونَ مَنْ قال بأنه لازم أخذه من هذا لا من الأول.
قوله: ﴿كَثِيراً﴾ في نصبِه وجهان، أحدُهما: أنه / مفعولٌ به، وعلى هذا اكثرُ المتأوِّلين، فإنهم يفسِّرونه بمعنى: وأضَلُّوا كثيراً منهم أو من المنافقين.
стр. 2887
والثاني: أنه منصوبٌ على المصدرية أي: نعت لمصدر محذوف أي: إضلالاً كثيراً، وعلى هذا فالمفعول محذوف أي: أضَلُّوا غيرهم إضلالاً كثيراً.
стр. 2888
قوله تعالى: ﴿مِن بني إِسْرَائِيلَ﴾ : في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبُها: إمَّا «الذين» وإمَّا «واو» كفروا «وهم بمعنًى واحدٍ. وقوله: ﴿على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى﴾ المرادُ باللسانِ الجارحةُ لا اللغةُ، كذا قال الشيخ يعني أنَّ الناطقَ بِلَعْنِ هؤلاء لسانُ هذين النبيين، وجاء قولُه ﴿على لِسَانِ﴾ بالإِفراد دون التثنيةِ والجمعِ فلم يَقُلْ:» على لسانَيْ «ولا» على ألسنةِ «لقاعدةٍ كليةٍ، وهي: أن كلَّ جزأين مفردين من صاحبيهما إذا أُضيفا إلى كليهما من غيرِ تفريقٍ جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ، لفظُ الجمعِ - وهو المختارُ - ويليه التثنيةُ عند بعضِهم، وعند بعضِهم الإِفرادُ مقدمٌ علة التثنيةِ، فيقال:» قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين «وإنْ شئت: رأسَي الكبشين، وإن شئت: رأسَ الكبشين، ومنه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، فقولي» جزأين «تحرُّزٌ من شيئين ليسا بجزأين نحو:» درهميكما «وقد جاء:» من بيوتِكما وعمائمكما وأسيافمكا «لأَمْنِ اللَّبْسِ، وبقولي:» مفردين «من نحو:» العينين واليدين «فأمَّا قولُه تعالى: ﴿فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ففُهِم بالإِجماع وبقولي:» من غيرِ تفريق «تحرُّزٌ من نحو: قَطَعْتُ رأسي الكبشين: السمينِ والكبشِ الهزيل» ، ومنه هذه الآية فلا يجوزُ إلا الإِفرادُ وقال بعضهم: «وهو مختارٌ» أي: فيجوز غيرُه. وقد مضى تحقيقُ هذه القاعدةِ في سورة المائدة بكلامٍ طويٍ فعليك بالالتفاتِ إليه.
وفي النفسِ من كونِ المرادِ باللسان الجارحةَ شيءٌ، ويؤيد ذلك ما قاله
стр. 2889
الزمخشري فإنه قال: «نَزَّل اللهُ لَعْنَهم في الزبور على لسانِ داود، وفي الإِنجيل على لسانِ عيسى وقوةُ هذا تَأْبى كونَه الجارحةَ، ثم أني رأيتُ الواحدي ذكرَ عن المفسرين قولين، ورجَّح ما قلته قال ﵀:» وقال ابن عباس: يريد في الزبور وفي الإِنجيلِ، ومعنى هذا أنَّ اللَهَ تعالى لَعَنَ في الزبور مَنْ يكفر من بني إسرائيل وكذلك في الإِنجيل، وقيل: على لسان داود وعيسى؛ لأنَّ الزبورَ لسانُ داود والإِنجيلَ لسانُ عيسى «فهذا نصٌّ في أن المراد باللسانِ غيرُ الجارحة، ثم قال:» وقال الزجاج: «وجائزٌ أن يكون داود وعيسى عَلِما أنَّ محمداً نبيٌّ مبعوثٌ، وأنهما لَعَنا مَنْ يكفر به» والقول هو الأول، فتجويزُ الزجاجِ لذلك ظاهرٌ أنه يُراد باللسانِ الجارحةُ ولكن ليس قولاً للمفسرين. و «على لسانِ» متعلِّقٌ ب «لعن» قال أبو البقاء: «كما يُقال: جاء زيدٌ على فرس» . وفيه نظرٌ إذ الظاهر أنه حالٌ. وقولُه: «ذلك بما عَصَوْا» قد تقدَّم نظيره قوله: ﴿وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ في هذه الجملة الناقصةِ وجهان، أظهرهما: أن تكونَ عطفاً على صلةِ «ما» وهو «عَصَوْا» أي: ذلك بسب عصيانِهم وكونِهم معتدين. والثاني: أنها استئنافيةٌ أي: أخبر الله تعالى عنهم بذلك. قال الشيخ: «ويُقَوِّي هذا ما جاءَ بعده كالشرحِ له، وهو قولُه: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ﴾ .
стр. 2890
وقوله تعالى: ﴿عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ : متعلِّقٌ ب «يَتَناهَوْن» و «فعلوه» صفةٌ ل «منكر» . قال الزمخشري: «ما معنى وصفِ المنكرِ
стр. 2891
بفعلوه، ولا يكونُ النهيُ بعد الفعلِ؟ قلت: معناه لا يتناهَوْن عن معاودةِ منكرٍ فَعَلُوه، أو عن مِثْلِ منكرٍ فَعَلوه، أو عن منكرٍ أرادُوا فِعْلَه، كما ترى أماراتِ الخوضِ في الفسقِ وآلاتِه تُسَوَّى وتُهَيَّأُ، ويجوز أن يُرادَ: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكرٍ فعلوه، بل يُصِرُّون عليه ويُداومون، يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه» .
стр. 2892
وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا﴾ : و «بئسما قَدَّمَتْ قد تقدَّم إعرابُ نظيرِ ذلك فلا حاجةَ إلى إعادته، وهنا زيادةٌ أخرى لخصوصِ التركيب وستعرِفُها. قوله: ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ في محلِّه أوجهٌ، أحدها: أنه مرفوعٌ على البدلِ من المخصوصِ بالذم، والمخصوصُ قد حُذِفَ وأُقيمت صفتُه مُقامه فإنه تُعْرِبُ» ما «اسماً تاماً معرفةً في محلِّ رفعٍ بالفاعلية بفعلِ الذمِّ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، و» قَدَّمت لهم انفُسُهم «جملة في محلِّ رفعٍ صفةً له، والتقديرُ لبئس الشيءُ شيءٌ قَدَّمَتْهُ لهم أنفُسُهم، ف» أَنْ سَخِط اللهُ عليهم «بدلٌ من» شيء «المحذوفِ، وهذا هو مذهبُ سيبويه كما تقدَّم تقريرُه. الثاني: أنه المخصوصُ بالذمِّ فيكونُ فيه ثلاثةُ الأوجهِ المشهورةِ، أحدُها: أنه مبتدأٌ والجملةُ قبلَه خبرُه، والرابطُ على هذا العمومُ عند مَنْ يَجْعَلُ ذلك أو لا يَحْتاج إلى رابط لأن الجملةَ عينُ المبتدأ، الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ لأنك لَمَّا قلت:» بِئْسَ الرجل «قيل لك: مَنْ هو؟ فقلت: فلان، أي: هو فلان. الثالث: أنه مبتداٌ خبرُه محذوفٌ، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، وإلى كونه مخصوصاً بالذمِّ ذهب جماعةٌ كالزمخشري ولم يذكر غيرَه، قال: ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ هو المخصوص بالذمِّ كأنه قيل: لِبئْس زادُهم إلى الآخرة سُخْطُ اللهِ عليهم، والمعنى: موجِبُ سُخْطِ الله» قلت: وفي تقديرِ هذا
стр. 2893
المضاف من المحاسنِ ما لا يَخْفى على متأمِّله، فإنَّ نفسَ السخطِ المضافَ إلى الباري تعالى لا يُقال هو المخصوص بالذم، إنما المخصوصُ بالذم أسبابُه، وذهبَ إليه أيضاً الواحدي ومكي وأبو البقاء إلاَّ أنَّ الشيخ بعد أَنْ حكى هذا الوجهَ عن أبي القاسم الزمخشري قال: «ولم يَصِحَّ هذا الإِعرابُ إلا على مذهبِ الفراء والفارسي/ في جَعْلِ» ما «موصولةً، أو على مذهبِ مَنْ يجعلُ» ما «تمييزاً، و» قَدَّمَتْ لهم «صفتها، وأمَّا على مذهبِ سيبويه فلا يتأتَّى ذلك ثم ذَكَر مذهبَ سيبويه.
والوجه الثالث من أوجهِ» أَنْ سَخِطَ «: أنه في محل رفع على البدلِ من» ما «وإلى ذلك ذهب مكي وابنُ عطية، إلا أن مكِّيّاً حكاه عن غيره، قال:» وقيل: في موضعِ رفعٍ على البدلِ من «ما» في «لبئس» على أنها معرفةٌ «قال الشيخ - بعد ما حكى هذا الوجهَ عن ابن عطية -: ولا يَصِحُّ هذا سواءً كانت» ما «تامةً أو موصولةً لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدلِ منه، و» أَنْ سَخِطَ «لا يجوزُ أَنْ يكونَ فاعلاً ل» بِئْسَ «لأنَّ فاعل» بِئْس «لا يكونُ أَنْ والفعل» وهو إيرادٌ واضِحٌ كما قاله.
الوجه الرابع: أنه في محلِّ نصبٍ على البدلِ من «ما» إذا قيل بأنها تمييزٌ، ذَكَر مكي وأبو البقاء، وهذا لا يجوزُ البتة؛ وذلك لأنَّ شرطَ
стр. 2894
التمييز عند البصريين ان يكونَ نكرةً، و «أَنْ» وما في حَيِّزها عندهم من قبيلِ أعرفِ المعارفِ لأنَّها تُشْبِهُ المُضْمَرَ، وقد تقدم تقريرُ ذلك فيكف يَقعُ تمييزاً لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه؟ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك لأنَّهم لا يُجيزون التمييزَ بكلِّ معرفةٍ خصوصاً أَنْ والفعل. الخامسُ: أنه في محلِّ نصبٍ على البدلِ من الضمير المنصوبِ ب «قَدَّمَتْ» العائدِ على «ما» الموصولة أو الموصوفة على حَسَبِ ما تقدَّم، والتقديرُ: قَدَّمَتْه سُخْط الله، كقولك: «الذي رأيت زيداً أخوك» وفي هذا بحثٌ في موضعِه. السادس: أنه موضع نصب على إسقاطِ الخافضِ، إذ التقديرُ: لأَنْ سَخِط، وهذا جارٍ على مذهبه سيبويه والفراء لأنهما يَزْعُمان أنَّ محلَّ «أَنْ» بعد حَذْفِ الخافض في محلِّ نصب. السابع: أنه في محلِّ جر بذلك الخافضِ المقدَّرِ، هذا جارٍ على مذهبِ الخليلِ والكسائي لأنهما يُزْعُمان أنَّهما في محل جر، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك غيرَ مرةٍ، وعلى هذا فالمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي: لَبِئْسما قَدَّمَتْ لهم أنفسُهم عملُهم أو صُنْعُهم، ولامُ العلةِ المقدرةُ معلَّقَةٌ إمَّا بجملةِ الذمِّ أي: سببُ ذَمِّهم سخطُ اللهِ عليهم أو بمحذوفٍ بعده، أي: لأَنْ سَخِطَ اللهُ عليهم كان كيتَ وكيتَ.
стр. 2895
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾ : الظاهرُ أنَّ اسم «كان» وفاعل «اتخذوهم» عائدٌ على «كثيراً» من قوله: ﴿ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ والضميرُ المنصوب في «اتِّخذوهم» يعودُ على «الذين كفروا» في قوله: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ﴾ وأجاز القفال أن يكون اسمُ «كان» يعودُ على «الذين كفروا» وكذلك الضميرُ المنصوبُ في «اتِّخذوهم» والضميرُ المرفوعُ في «اتخذوهم» يعودُ على اليهودِ، والمرادُ بالنبي محمدٌ ﷺ ، والتقدير: ولو كان
стр. 2896
الكافرون المُتَوَلِّون مؤمنين بمحمد والقرآن ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياءَ، والأولُ أَوْلى لأن الحديثَ عن كثيرٍ لا عن المتولَّيْن، وجاء الجواب «لو» هنا على الأفصح وهو عدمُ دخولِ اللام عليه لكونه منفياً، ومثله قول الآخر:
١٧٨ - ٩- لو أنَّ بالعلمِ تُعْطَى ما تعيشُ به ... لَمَا ظَفِرْت من الدنيا بثُفْرُوْقِ
و «ترى» يجوز أَنْ تكونَ مِنْ رؤية البصر، ويكونُ المعاصرين لرسول الله ﷺ ، وأن تكونَ العِلْمية، والكثيرُ على هذا أَسْلافُهم، فمعنى «تَرى» تَعْلَمُ أخبارَهم وقصصهم بإخبارِنا إياك، فعلى الأول يكون قولُه «يَتَولَّون» في محلِّ نصب على الحال، وعلى الثاني يكون في محلِّ نصبٍ على المفعول الثاني: وقولُه: ﴿ولكن كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ هذا الاستدراكُ واضحٌ بما تقدَّم. وقولُه: «كثيراً» هو من إقامةِ الظاهر مُقامَ المضمرِ لأنه عبارةٌ عن «كثيراً منهم» المتقدِّمِ، فكأنه قيل: ترى كثيراً منهم ولكنَّ ذلك الكثيرَ، ولا يريدُ: ولكنَّ كثيراً من ذلك الكثيرِ فاسقون.
стр. 2897
قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس﴾ : قد تقدَّم إعرابُ هذا في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياوة﴾ [البقرة: ٩٦] ، فَأَغَنَى عن إعادته / وقال ابنُ عطية: «اللامُ للابتداءِ» ، وليس بشيء، بل هي لامٌ يُتَلَقَّى بها القسمُ. و «أشدَّ الناس» مفعول أول، و «عداوةً» نصب على التمييز. و «للذين» متعلقٌ بها، قَوِيَتْ باللامِ لَمَّا كانت فرعاً في العمل على الفعل، ولا يَضُرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء لأنها مبنيةٌ عليها، فهي كقولهِ:
١٧٩ - ٠-. . . . . . . . . . .
стр. 2898
ورهبةٌ ... عقابَك. . . . . . . . . . . . . .
ويجوزَ أن يكونَ «للذين» صفةً ل «عداوة» فيتعلَّقَ بمحذوف، و «اليهودَ» مفعولٌ ثانٍ. وقال أبو البقاء: «ويجوُ أن يكونَ اليهود هو الأولَ، و» أشدَّ «هو الثاني، وهذا هو الظاهرُ، إذ المقصودُ أَنْ يخبرَ الله تعالى عن اليهودِ والمشركين بأنَّهم أشدٌّ الناسِ عداوة للمؤمنين، وعن النصارى بأنهم أقربُ الناسِ مودةً لهم، وليس المرادُ أَنْ يخبرَ عن أشدِّ الناس وأقربهم بكونِهم من اليهودِ والنصارى. فإن قيل: متى استويا تعريفاً وتنكيراً وَجَب تقديمُ المفعولِ الأولِ وتأخيرُ الثاني كما يجب في المبتدأ والخبرِ وهذا من ذاك. فالجوابُ: أنه إنما يجب ذلك حيث أَلْبس، أما إذا دَلَّ دليلٌ على ذلك جاز التقديمُ والتأخيرُ ومنه قوله:
١٧٩ - ١- بَنُونا بنو أبنائِنا، وبناتُنا ... بنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
ف» بنوا أبناء «هو المبتدأ، و» بَنُونا «خبره، لأنَّ المعنى على تشبيهِ أولادِ الأبناء بالأبناء، ومثلُه قول الآخر:
١٧٩ - ٢- قبيلةٌ ألأَمُ الأحياءِ أكرمُها ... وأَغْدُر الناسِ بالجيرانِ وافِيها
أكرمُها» هو المبتدأُ، و «ألأمُ الأحياءِ» خبرُه، وكذا «وافيها» مبتدأ و «أغدرُ الناس» خبره، والمعنى على هذا، والآيةُ من هذه القبيلِ فيما ذَكَرْتُ لك.
стр. 2899
وقوله: ﴿والذين أَشْرَكُواْ﴾ عطفٌ على اليهود، والكلامُ على الجملة الثانيةِ كالكلام على ما قبلها. و «ذلك بأنَّ» مبتدأٌ وخبرُ، وتقدم تقريره، و «منهم» خبر «أنَّ» و «قسيسين» اسمها، وأن واسمُها وخبرها في محل جَرِّ بالباء، والباءُ ومجرورُها ههنا خبر «ذلك» والقسيسين جمع «قِسِّيس» على فِعِّيل، وهو مثالُ مبالَغَة ك «صِدِّيق» وقد تقدَّم وهو هنا رئيسُ النصارى وعابُدهم، وأصلُه من تَقَسِّسَ الشيءَ إذا تَتَّبَعَه وطَلَبه بالليل، يقال: «تقسَّسْتُ أصواتَهم» أي: تَتَبَّعْتُها بالليلِ، ويُقال لرئيس النصارى: قِسّ وقِسّيس، وللدليلِ بالليل: قَسْقَاس وقَسْقَس، قاله الراغب، وقال غيرُه: القَسُّ بفتح القاف تَتَبُّعُ الشيءِ، ومنه سُمِّي عالُم النصارى لتتبُّعِه العلمَ. قال رؤبه بن العجاج:
١٧٩ - ٣- أَصْبَحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوافِلا ... يَمْشِين هَوْناً خُرُداً بَهالِلا
ويقال: قَسَّ الأثرَ وقَصَّه بالصاد أيضاً، ويقال: قَسّ وقِسّ بفتح القاف وكسرها، وقِسِّيس. وزعم ابن عطية أنه أعجمي مُعَرَّب. وقال الواحدي: «وقد تكلمت العرب بالقَسّ والقِسّيس» وأنشد المازني:
١٧٩ - ٤- لو عَرَضَتْ لأيْبُلِيٍّ قَسِّ ... اشعثَ في هيكلهِ مُنْدَسِّ
حَنَّ إليها كحنينِ الطَسِّ ...
стр. 2900
وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
١٧٩ - ٥- لو كان مُنْفَلَتٌ كانت قساوسةٌ ... يُحْيِيهم الَّهُ في أَيْديهم الزُّبُرُ
هذا كلامُ أهل اللغة في القِسّيس، ثم قال: «وقال عروة بن الزبير:» ضَيَّعَتِ النصارى الإِنجيل وما فيه، وبقي منهم رجلٌ يُقال له قسيساً «يعني بقي على دينِه لم يُبَدِّلْه، فَمَنْ بقي على هديِة ودينِه قيل له» قِسِّيس «وقال قطرب:» القَسّ والقِسّيس: العالم بلغة الروم، قال ورقة:
١٧٩ - ٦- لما خَبَّرْتَنا مِنْ قولِ قَسٍّ ... من الرهبانِ أكرُه أَنْ يَبُوحا
فعلى هذا القَسُّ والقِسٍيس مما اتفق فيه اللغتان. قلت: وهذا يُقَوّي قولَ ابن عطية، ولم ينقلْ أهلُ اللغة في هذا اللفظ «القُس» بضم القاف لا مصدراً ولا وصفاً، فأما قُسّ بن ساعدة الإِيادي فهو عَلمَ فيجوز أن يكون مِمَّا غُيِّر بطريق العلَمية، ويكون أصلُه قَسّ أو قِسّ بالفتح أو الكسر كما نَقَله ابن عطية وقُسُّ بن ساعدة كان أعلمَ أهلِ زمانه، وهو الذي قال فيه ﵇: «يُبْعَثُ أمةً وحدَه» وأمَّا جمعُ قِسّيس فجمعُ تصحيحٍ كما في الآية الكريمة. قال الفراء: «ولو جُمِع» قَسُوساً «كان صواباً لأنهما في معنى واحد» يعني: «قِسّاً» و «قسِيساً» قال: «ويُجْمَعُ القِسّيس على» قساوِسَة «جمعوه على مثال المَهالِبَة، والأصلُ: قساسِسَة، فكثُرت السينات / فأُبْدِلت إحداهُنَّ واواً، وأنشدوا لأمية:» لو كان مُنْفَلَتٌ كانت قساوسةٌ «البيت. قال الواحدي:»
стр. 2901
والقُسوسة مصدرُ القِسّ والقِسِّيس «قلت: كأنه جَعَل هذا المصدرَ مشتقاً من هذا الاسمِ كالأبوّة والأخوّة والفتوّة من لفظ أب وأخ وفتى، وكنتُ قد قَدَّمْتُ أن القَسّ بالفتحِ في الاصل هو المصدرُ، وأنَّ العالِمَ سُمِّي به مبالغةً، ولا أدري ما حملَ مَنْ قال: إنه معرَّب مع وجودِ معناه في لغة العربِ كما عَرَفْتَه مِمَّا تقدم؟
والرُّهْبان: جمعُ راهبٍ كراكب ورُكْبان، وفارِس وفُرْسان. وقال أبو الهيثم.» إنَّ رهباناً يكون واحداً ويكون جمعاً «وأنشد على كونِه مفرداً قولَ الشاعر:
١٧٩ - ٧- لو عايَنَتْ رهبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ ... لأَقْبَلَ الرُّهبانُ يَعُدُوا ونَزَلْ
ولو كان جمعاً لقال:» يَعُدُون «و» نَزَلُوا «بضمير الجمع. وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنه قد عادَ ضميرُ المفرد على الجمعِ الصريحِ لتأوُّله بواحدٍ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] فالهاء في» بطونه «تعود على الأنعام، وقال:
١٧٩ - ٨- وطابَ البانُ اللِّقاحِ وبَرَدْ ... في» برد «ضميرٌ يعودُ على» أَلْبان «وقالوا:» هو أحسنُ الفتيانِ وأجملُه «.
وقال الآخر:
١٧٩ - ٩-
стр. 2902
لو أنَّ قوميَ حين أَدْعُوهمْ حَمَلْ ... على الجبالِ الشُّمِّ لانهدَّ الجَبَلْ
إلى غير ذلك مِمَّا يطولُ ذِكْرُه، ومن مجيئِه جمعاً الآيةُ، ولم يَرِدْ في القرآن الكريم إلا جَمْعاً، وقال كثّير:
١٨٠ - ٠- رُهْبانُ مَدْيَنَ والذين عَهِدْتُهُمْ ... يبكون من حَذَرِ العقابِ قُعودا
لو يَسْمعون كما سَمِعْتُ كلامَها ... خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجودا
قيل: ولا حُجَّة فيه لأنه قال: «والذين» فيُحتمل أنَّ الضمير إنما جُمع لأجلِ هذا الجمعِ لا لكونِ رُهبان «جمعاً، وأصرحُ مِنْ هذا قولُ جرير:
١٨٠ - ١- رُهبانُ مَدْيَنَ لو رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا ... والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقُولِ الفادِرِ
قال ابن الهيثم:» وإن جُمِع الرهبان الواحدُ «رَهابين ورهابِنة» جاز، وإنْ قلت: رهبانيون كان صواباً كأنك تَنْسُبُه إلى الرهبانية، والرهبانية من الرَّهْبَة وهي المخافَةُ، وقال الراغب «» والرُهبانُ يكونَ واحداً وجمعاً، فَمَنْ جَعَلَه واحداً جَمَعَه على رَهابين، ورهابِنَةُ بالجمع أليقُ «يعني أن هذه الصيغةَ غَلَبَتْ
стр. 2903
في الجمع كالفرازِنَة والموازِجَة والكيالِجة وقال الليث:» الرهبانيِّةُ مصدرُ الراهبِ والترهُّبِ: التعبُّد في صومعة «، وهذا يُشْبِهُ الكلام المتقدم في ان القَسْوَسة مصدرٌ من القَسّ والقِسّيس، ولا حاجةَ إلى هذا بل الرهبانيةُ مصدرٌ بنفسِها من الترهُّب وهو التعبد أو من الرَّهَب وهو الخوف، ولذلك قال الراغب:» والرهبانيةُ غلوُّ مَنْ تحمَّل التعبُّدَ مِنْ فرطِ الرَّهْبَة «وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادة في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] .
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ نسقٌ على» أنَّ «المجرورةِ بالباء أي: ذلك بما تقدَّم وبأنَّهم لا يستكبرون.
стр. 2904
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ﴾ «إذا» شرطيةٌ جوابُها «تَرى» وهو العاملُ فيها، وهذه الجملةُ الشرطيةُ فيها وجهان، أظهرُهما: أنَّ محلِّها الرفعُ نسقاً على خبر «أنَّهم» الثانيةِ، وهو «لا يستكبرون» أي: ذلك بأنَّ منهم كذا وأنهم غيرُ مستكبرين وأنهم إذا سمعوا، فالواو عَطَفَتْ مفرداً على مثله. والثاني: أنَّ الجملةَ استئنافية أي: أنه تعالى أَخْبر عنهم بذلك. والضميرُ في «سمعوا» ظاهرُه أَنْ يعودَ على النصارى المتقدِّمين لعمومِهم، وقيل: إنما يعودُ لبعضِهم وهم مَنْ جاء مِن الحبشة إلى النبي ﷺ . قال ابن عطية: «لأنَّ كلَّ النصارى ليسوا كذلك» .
و «ما» في «ما أُنْزل» تحتمل الموصولةَ والنكرةَ الموصوفةَ، و «ترى» بصَريةٌ، فيكون قولُه «تَفيض من الدمع» جملةً في محلِّ نصب على الحال.
стр. 2905
وقُرئ شاذاً «تُرى» بالبناء للمفعول، «أعينُهم» / رفعاً، وأسند الفيضَ إلى الأعينِ مبالغةً، وإن كان القائضُ إنما هو دمعُها لا هي، كقول امرئ القيس:
١٨٠ - ٢- ففاضَتْ دموعُ العينِ مني صَبابةً ... على النَّحْرِ حتى بَلَّ دَمْعِيَ مَحْمِلي
والمرادُ المبالغةُ في وصفِهم بالبكاءِ، أو يكونُ المعنى أنَّ أعينَهم تمتلئ حتى تفيضَ، لأنَّ الفيضَ ناشىءٌ عن الامتلاءِ كقوله:
١٨٠ - ٣- قوارِصُ تأتيني وتَحْتَقِرُونها ... وقد يَمْلأَ الماءُ الإِناءَ فَيَفْعُمُ
وإلى هذين المعنيين نحا أبو القاسم، فإنه قال: «فإنْ قلت:» ما معنى «تَفيض من الدمع» ؟ قلت: معناه تَمْتَلِئ من الدمع حتى تفيض، لأنَّ الفيض أَنْ يمتلئَ الإِناءُ حتى يَطْلُعَ ما فيه من جوانبه، فوضع الفيضَ الذي هو من الامتلاءِ موضعَ الامتلاء، وهو من إقامةِ المسبب مُقام السببِ، أو قَصَدْتَ المبالغةَ في وصفِهم بالبكاء، فجَعَلْتَ أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي: تسيل من الدمع من أجلِ البكاء من قولك: «دَمَعَتْ عينُه دمعاً» .
و «من الدمع» فيه أربعةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلِّقٌ ب «تَفيض» ، ويكون معنى «مِنْ» ابتداءَ الغاية، والمعنى: تَفِيضُ من كثرة الدمع. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الفاعلِ في «تفيضُ» قالهما أبو البقاء،
стр. 2906
وقَدَّر الحالَ بقولك: «مملوءةً من الدمع» وفيه نظر، لأنه كونٌ مقيدٌ، ولا يجوزُ ذلك، فبقي ان يُقَدَّرَ كوناً مطلقاً أي: تفيض كائنً من الدمع، وليس المعنى على ذلك، فالقولُ بالحاليةِ لا ينبغي. فإن قيل: هل يجوزُ عند الكوفيين أن يكونَ «من الدمع» تمييزاً، لأنهم لا يَشْترطون تنكيرَ التمييز، والأصل: تفيض دمعاً، كقولك: «تَفَقَّأ زيدٌ شحماً» فهو من المتصبِ عن تمام الكلام؟ فالجوابُ أن ذلك لا يجوزُ، لأنَّ التمييز إذا كان منقولاً من الفاعلية امتنع دخولُ «مِنْ» عليه، وإن كانت مقدرةً معه، فلا يجوز: «تَفَقَّأ زيدٌ من شحم» وهذا - كما رأيتَ - مجرورٌ ب «من» فامتنع أن يكونَ تمييزاً، إلا أن ابا القاسم في سورة براءة جعله تمييزاً في قوله تعالى:
﴿تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع﴾ [التوبة: ٩٢] ، ولا بد من نقلِ نصه لتعرفه، قال رحمه الله تعالى: «تفيضُ من الدمعِ كقولك:» تفيضُ دمعاً «وهو أبلغ من قولِك: يفيضُ دمعُها، لأنَّ العينَ جُعِلَتْ كأنها دمعٌ فائض، و» من «للبيان، كقولك:» أَفْديك من رجلٍ «ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على التمييز» وفيه ما قد عَرَفْتَه من المانِعَيْنِ، وهو كونُه معرفةً، وكونُه جُرَّ ب «مِنْ» وهو فاعلٌ في الأصل، وسيأتي لهذا مزيدٌ بيانٍ، فعلى هذا تكونُ هذه الآيةُ كتلك عنده، وهو الوجهُ الثالث. الرابع: انَّ «مِنْ» بمعنى الباء، أي: تفيضُ بالدمع، وكونُها بمعنى الباءِ رأيٌ ضعيف، وجعلوا منه أيضاً قوله تعالى: ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] أي: بطرف، كما أنَّ الباءَ تأتي بمعنى مِنْ، كقوله: >
١٨٠ - ٤- شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم ترفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ
стр. 2907
أي: من ماءِ الجر.
قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ «مِنْ» الأولى لابتداءِ الغاية وهي متعلقةٌ ب «تَفِيضُ» والثانيةُ يُحْتمل أن تكونَ لبيانِ الجنس، أي: بَيَّنت جنسَ الموصولِ قبلَها، ويُحتمل أن تكونَ للتبعيضِ، وقد أوضح أبو القاسم هذا غايةَ الإِيضاح، قال ﵀: «فإنْ قلت: أيُّ فرقٍ بينَ» مِنْ «و» مِنَ «في قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ ؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية، على أنَّ الدمع ابتدأ ونَشَأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببِه، والثانيةُ لبيان الموصول الذي هو» ما عرفوا «وتحتمل معنى التبعيض، على أنهم عَرَفوا بعضَ الحقِّ فأبكاهم وبَلَغَ منهم، فكيف إذا عَرَفوه كلَّه وقرؤوا القرآن وأحاطُوا بالسنة» انتهى. ولم يتعرض لما يتعلَّق به الجارَّان وهو يمكن أَنْ يُؤْخَذَ من قوةِ كلامه، وَلْنزد ذلك إيضاحاً و «مِنْ» الأولى متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنها حال من «الدمع» أي: في حالِ كونه ناشئاً ومبتدئاً من معرفةِ الحق، وهو معنى قول الزمخشري، على أنَ الدمعَ ابتدأ ونشَأَ من معرفة الحق، ولا يجوزُ أَنْ يتعلق ب «تفيض» لئلا يلزَم تعلُّقُ حرفين مُتَّحِدَيْن، لفظاً ومعنىً بعامل واحد، فإنَّ «مِنْ» في «من الدمع» لابتداءِ الغاية كما تقدَّم، اللهم إلا أن يُعتقد كونُ «مِنْ» في «من الدمع» للبيانِ، أو بمعنى الباء فقد يجوز ذلك، وليس معناه في الوضوحِ كالأول.
وأمَّا «من الحق» فعلى جَعْلِه أنها للبيان تتعلَّقُ بمحذوف أي: أعني من كذا، وعلى جَعْلِه أنها للتبعيض تتعلق ب «عَرَفوا» وهو معنى قولِه: «عَرَفوا بعض الحق» .
وقال أبو البقاء في «مِن الحق» إنه حالٌ من العائد المحذوف «على الموصول، أي: مِمَّا عرفوه كائناً من الحق، ويجوزُ أن تكون» من «في قوله
стр. 2908
تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُواْ﴾ تعليلةً، أي: إنَّ فَيْضَ دمعهم بسبب عرفانهم الحقَّ، ويؤيِّدُه قول الزمخشري:» وكان مِنْ أجله وبسببه «فقد تحصل في» مِنْ «الأولى أربعةُ أوجه، وفي الثالثةِ ضَعْفٌ أو منعٌ كما تقدم، وفي» مِنْ «الثانية أربعةٌ أيضاً: وجهان بالنسبة إلى معناها: هل» من «ابتدائية أو تعليليةٌ؟ ووجهان بالنسبة إلى ما تتعلق به: هل هو» تفيض «أو محذوفٌ على أنها حالٌ من الدمع، وفي الثالثة خمسة، اثنان بالنسبة إلى معناها: هل هي بيانيةٌ أو تبعيضيةٌ؟ وثلاثةُ بالنسبة إلى متعلِّقها: هل هو محذوفٌ وهو» أعني «أو نفسُ» عَرَفوا «أو هو حالٌ، فتتعلق بمحذوفٍ أيضاً كما ذكره أبو البقاء.
قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مستأنف فلا محل له، أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالةِ الحسنةِ، الثاني: أنها حال من الضمير المجرور في» أعينهم «، وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنَّ المضافَ جزؤهُ فهو كقولِه تعالى: ﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر: ٤٧] . الثالث: أنه حالٌ من فاعل» عَرَفوا «والعاملُ فيها» عرفوا «قال الشيخ لَمَّا حكى كونَه حالاً:» كذا قاله ابن عطية وأبو البقاء، ولم يُبَيِّنا ذا الحال ولا العاملَ فيها «قلت: أمَّا أبو البقاء فقد بَيَّنَ ذا الحال فقال:» يقولون «حالٌ من ضميرِ الفاعل في» عَرَفوا «فقد صَرَّح به، ومتى عُرِف ذو الحال عُرِف العاملُ فيها، لأنَّ العاملَ في الحال من العامل في صاحبها، فالظاهر أنه أطَّلع على نسخةٍ مغلوطةٍ من إعراب أبي البقاء سقط منها ما ذكرته لك، ثم إنَّ الشيخَ رَدَّ كونَها حالاً من الضمير في» أعينهم «بما معناه أن الحَال لا تَجيءُ من المضافِ إليه وإن كان
стр. 2909
المضافُ جُزْأَه، وجعله خطأً، وأحالَ بيانَه على بعضِ مصنفاتِه، ورَدَّ كونَها حالاً أيضاً من فاعل» عرفوا «بأنه يلزمُ تقييدُ معرفتِهم الحقَّ بهذه الحال، وهم قد عرفوا الحق في هذه الحالِ وفي غيرها، قال:» فالأَوْلى أن يكون مستأنفاً «أمَّا ما جعله خطأً فالكلامُ معه في هذه المسألة في موضوع غير هذا، وأمَّا قوله» يلزم التقييدُ «فالجوابُ أنه إنما ذُكِرت هذه الحالُ لأنها أشرفُ أحوالهم فَخَرَجَتْ مخرجَ المدح لهم. وقوله:» ربَّنا آمنَّا «في محل نصب بالقول، وكذلك: ﴿فاكتبنا﴾ إلى قوله: ﴿الصالحين﴾ .
стр. 2910
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ﴾ : «ما» استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء، و «لنا» جارٌّ ومجرورٌ خبرُه، تقديرُه: أيُّ شيء استقر لنا، و «لا نؤمن» جملة حالية. وقد تقدَّم نظيرُ هذه الآية والكلامُ عليها، وأنَّ بعضَهم قال: إنها حال لازمة لا يتمُّ المعنى إلا بها نحو: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ، وتقدَّم ما قلتُه فيه فأغنى ذلك عن إعادتِه. وقال الشيخ هنا: «وهي المقصودُ وفي ذكرِها فائدةُ الكلام، وذلك كما تقول:» جاء زيدٌ راكباً «لِمَنْ قال: هل جاء زيدٌ ماشياً أو راكباً؟ .
قوله: ﴿وَمَا جَآءَنَا﴾ في محلِّ» ما «وجهان، أحدهما: أنه مجرور نسقاً على الجلالة أي: بالله وبما جاءَنا، وعلى هذا فقوله:» من الحق «فيه احتملان، أحدُهما: أنه حالٌ من فاعل» جاءنا «أي: جاء في حال كونِه من جنسِ الحقِّ. والاحتمال الآخر: أن تكونَ» مِنْ «لابتداء الغاية، والمرادُ بالحقِّ الباري تعالى، وتتعلَّقُ» مِنْ «حينئذ ب» جاءنا «كقولك» جاءَنا فلانُ من عند زيد «، والثاني: أنَّ محلَّه رفعٌ بالابتداء، والخبر قوله: ﴿مِنَ الحق﴾ والجملةُ في موضع الحال، كذا قاله أبو البقاء ويصيرُ التقدير: وما لنا لا نؤمِنْ بالله
следующие страницы →