← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وقَدَّر الحالَ بقولك: «مملوءةً من الدمع» وفيه نظر، لأنه كونٌ مقيدٌ، ولا يجوزُ ذلك، فبقي ان يُقَدَّرَ كوناً مطلقاً أي: تفيض كائنً من الدمع، وليس المعنى على ذلك، فالقولُ بالحاليةِ لا ينبغي. فإن قيل: هل يجوزُ عند الكوفيين أن يكونَ «من الدمع» تمييزاً، لأنهم لا يَشْترطون تنكيرَ التمييز، والأصل: تفيض دمعاً، كقولك: «تَفَقَّأ زيدٌ شحماً» فهو من المتصبِ عن تمام الكلام؟ فالجوابُ أن ذلك لا يجوزُ، لأنَّ التمييز إذا كان منقولاً من الفاعلية امتنع دخولُ «مِنْ» عليه، وإن كانت مقدرةً معه، فلا يجوز: «تَفَقَّأ زيدٌ من شحم» وهذا - كما رأيتَ - مجرورٌ ب «من» فامتنع أن يكونَ تمييزاً، إلا أن ابا القاسم في سورة براءة جعله تمييزاً في قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع﴾ [التوبة: ٩٢] ، ولا بد من نقلِ نصه لتعرفه، قال رحمه الله تعالى: «تفيضُ من الدمعِ كقولك:» تفيضُ دمعاً «وهو أبلغ من قولِك: يفيضُ دمعُها، لأنَّ العينَ جُعِلَتْ كأنها دمعٌ فائض، و» من «للبيان، كقولك:» أَفْديك من رجلٍ «ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على التمييز» وفيه ما قد عَرَفْتَه من المانِعَيْنِ، وهو كونُه معرفةً، وكونُه جُرَّ ب «مِنْ» وهو فاعلٌ في الأصل، وسيأتي لهذا مزيدٌ بيانٍ، فعلى هذا تكونُ هذه الآيةُ كتلك عنده، وهو الوجهُ الثالث. الرابع: انَّ «مِنْ» بمعنى الباء، أي: تفيضُ بالدمع، وكونُها بمعنى الباءِ رأيٌ ضعيف، وجعلوا منه أيضاً قوله تعالى: ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] أي: بطرف، كما أنَّ الباءَ تأتي بمعنى مِنْ، كقوله: > ١٨٠ - ٤- شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم ترفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ

стр. 2907

أي: من ماءِ الجر. قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ «مِنْ» الأولى لابتداءِ الغاية وهي متعلقةٌ ب «تَفِيضُ» والثانيةُ يُحْتمل أن تكونَ لبيانِ الجنس، أي: بَيَّنت جنسَ الموصولِ قبلَها، ويُحتمل أن تكونَ للتبعيضِ، وقد أوضح أبو القاسم هذا غايةَ الإِيضاح، قال ﵀: «فإنْ قلت: أيُّ فرقٍ بينَ» مِنْ «و» مِنَ «في قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ ؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية، على أنَّ الدمع ابتدأ ونَشَأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببِه، والثانيةُ لبيان الموصول الذي هو» ما عرفوا «وتحتمل معنى التبعيض، على أنهم عَرَفوا بعضَ الحقِّ فأبكاهم وبَلَغَ منهم، فكيف إذا عَرَفوه كلَّه وقرؤوا القرآن وأحاطُوا بالسنة» انتهى. ولم يتعرض لما يتعلَّق به الجارَّان وهو يمكن أَنْ يُؤْخَذَ من قوةِ كلامه، وَلْنزد ذلك إيضاحاً و «مِنْ» الأولى متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنها حال من «الدمع» أي: في حالِ كونه ناشئاً ومبتدئاً من معرفةِ الحق، وهو معنى قول الزمخشري، على أنَ الدمعَ ابتدأ ونشَأَ من معرفة الحق، ولا يجوزُ أَنْ يتعلق ب «تفيض» لئلا يلزَم تعلُّقُ حرفين مُتَّحِدَيْن، لفظاً ومعنىً بعامل واحد، فإنَّ «مِنْ» في «من الدمع» لابتداءِ الغاية كما تقدَّم، اللهم إلا أن يُعتقد كونُ «مِنْ» في «من الدمع» للبيانِ، أو بمعنى الباء فقد يجوز ذلك، وليس معناه في الوضوحِ كالأول. وأمَّا «من الحق» فعلى جَعْلِه أنها للبيان تتعلَّقُ بمحذوف أي: أعني من كذا، وعلى جَعْلِه أنها للتبعيض تتعلق ب «عَرَفوا» وهو معنى قولِه: «عَرَفوا بعض الحق» . وقال أبو البقاء في «مِن الحق» إنه حالٌ من العائد المحذوف «على الموصول، أي: مِمَّا عرفوه كائناً من الحق، ويجوزُ أن تكون» من «في قوله

стр. 2908

تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُواْ﴾ تعليلةً، أي: إنَّ فَيْضَ دمعهم بسبب عرفانهم الحقَّ، ويؤيِّدُه قول الزمخشري:» وكان مِنْ أجله وبسببه «فقد تحصل في» مِنْ «الأولى أربعةُ أوجه، وفي الثالثةِ ضَعْفٌ أو منعٌ كما تقدم، وفي» مِنْ «الثانية أربعةٌ أيضاً: وجهان بالنسبة إلى معناها: هل» من «ابتدائية أو تعليليةٌ؟ ووجهان بالنسبة إلى ما تتعلق به: هل هو» تفيض «أو محذوفٌ على أنها حالٌ من الدمع، وفي الثالثة خمسة، اثنان بالنسبة إلى معناها: هل هي بيانيةٌ أو تبعيضيةٌ؟ وثلاثةُ بالنسبة إلى متعلِّقها: هل هو محذوفٌ وهو» أعني «أو نفسُ» عَرَفوا «أو هو حالٌ، فتتعلق بمحذوفٍ أيضاً كما ذكره أبو البقاء. قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مستأنف فلا محل له، أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالةِ الحسنةِ، الثاني: أنها حال من الضمير المجرور في» أعينهم «، وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنَّ المضافَ جزؤهُ فهو كقولِه تعالى: ﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر: ٤٧] . الثالث: أنه حالٌ من فاعل» عَرَفوا «والعاملُ فيها» عرفوا «قال الشيخ لَمَّا حكى كونَه حالاً:» كذا قاله ابن عطية وأبو البقاء، ولم يُبَيِّنا ذا الحال ولا العاملَ فيها «قلت: أمَّا أبو البقاء فقد بَيَّنَ ذا الحال فقال:» يقولون «حالٌ من ضميرِ الفاعل في» عَرَفوا «فقد صَرَّح به، ومتى عُرِف ذو الحال عُرِف العاملُ فيها، لأنَّ العاملَ في الحال من العامل في صاحبها، فالظاهر أنه أطَّلع على نسخةٍ مغلوطةٍ من إعراب أبي البقاء سقط منها ما ذكرته لك، ثم إنَّ الشيخَ رَدَّ كونَها حالاً من الضمير في» أعينهم «بما معناه أن الحَال لا تَجيءُ من المضافِ إليه وإن كان

стр. 2909

المضافُ جُزْأَه، وجعله خطأً، وأحالَ بيانَه على بعضِ مصنفاتِه، ورَدَّ كونَها حالاً أيضاً من فاعل» عرفوا «بأنه يلزمُ تقييدُ معرفتِهم الحقَّ بهذه الحال، وهم قد عرفوا الحق في هذه الحالِ وفي غيرها، قال:» فالأَوْلى أن يكون مستأنفاً «أمَّا ما جعله خطأً فالكلامُ معه في هذه المسألة في موضوع غير هذا، وأمَّا قوله» يلزم التقييدُ «فالجوابُ أنه إنما ذُكِرت هذه الحالُ لأنها أشرفُ أحوالهم فَخَرَجَتْ مخرجَ المدح لهم. وقوله:» ربَّنا آمنَّا «في محل نصب بالقول، وكذلك: ﴿فاكتبنا﴾ إلى قوله: ﴿الصالحين﴾ .

стр. 2910

قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ﴾ : «ما» استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء، و «لنا» جارٌّ ومجرورٌ خبرُه، تقديرُه: أيُّ شيء استقر لنا، و «لا نؤمن» جملة حالية. وقد تقدَّم نظيرُ هذه الآية والكلامُ عليها، وأنَّ بعضَهم قال: إنها حال لازمة لا يتمُّ المعنى إلا بها نحو: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ، وتقدَّم ما قلتُه فيه فأغنى ذلك عن إعادتِه. وقال الشيخ هنا: «وهي المقصودُ وفي ذكرِها فائدةُ الكلام، وذلك كما تقول:» جاء زيدٌ راكباً «لِمَنْ قال: هل جاء زيدٌ ماشياً أو راكباً؟ . قوله: ﴿وَمَا جَآءَنَا﴾ في محلِّ» ما «وجهان، أحدهما: أنه مجرور نسقاً على الجلالة أي: بالله وبما جاءَنا، وعلى هذا فقوله:» من الحق «فيه احتملان، أحدُهما: أنه حالٌ من فاعل» جاءنا «أي: جاء في حال كونِه من جنسِ الحقِّ. والاحتمال الآخر: أن تكونَ» مِنْ «لابتداء الغاية، والمرادُ بالحقِّ الباري تعالى، وتتعلَّقُ» مِنْ «حينئذ ب» جاءنا «كقولك» جاءَنا فلانُ من عند زيد «، والثاني: أنَّ محلَّه رفعٌ بالابتداء، والخبر قوله: ﴿مِنَ الحق﴾ والجملةُ في موضع الحال، كذا قاله أبو البقاء ويصيرُ التقدير: وما لنا لا نؤمِنْ بالله

стр. 2911

والحالُ أنَّ الذي جاءنا كائنٌ من الحق،» والحقُّ «يجوز أن يُراد به القرآنُ فإنه حقُّ في نفسه، ويجوزُ أن يُراد به الباري تعالى - كما تقدَّم - والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تضمَّنه قولُه» لنا «. قوله: ﴿وَنَطْمَعُ﴾ في هذه الجملة ستة اوجه، أحدها: أنها منصوبة المحلِّ نسقاً على المحكيِّ بالقَول قبلَها أي: يقولون كذا ويقولون نطمع وهو معنىً حسن. / الثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال من الضمير المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً وهو» لنا «لأنه تضمَّنَ الاستقرارَ، فرفع الضمير وعَمِلَ في الحال، وإلى هذا ذهبَ أبو القاسم فإنه قال:» والواو في «ونطمعُ» واو الحال، فإنْ قلت: ما العاملُ في الحال الأولى والثانية؟ قلت: العاملُ في الأولى ما في اللام من معنى الفعلِ كأنه قيل: أيُّ شيء حَصَل لنا غيرَ مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل ولكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو أَزَلْتَها وقلت: «ما لنا ونطمعُ» لم يكنْ كلاماً «. وفي هذا الكلامِ نظرٌ وهو قولُه:» لأنَّك لو أَزَلْتَها إلى آخره «لأنَّا إذا أَزَلْناها وأتينا ب» نطمع «لم نأتِ بها مقترنةً بحرفِ العطف، بل مجردةٌ منه لنحُلَّها محلَّ الأولى، ألا ترى أنَّ النحويين إذا وضعوا المعطوفَ موضعَ المعطوف عليه وضعوه مجرداً من حرفِ العطف، ورأيتُ في بعض نسخ الكشاف:» ما لنا نطمعُ «من غير واوٍ مقترنةٍ ب» نطمعُ «ولكن أيضاً لا يَصِحُّ لأنك لو قلت:» ما لنا نطمعُ «كان كلاماً كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ، ف «نطمع» واقعٌ موقعَ مفردٍ هو حال، كما لو قلت: ما لك طامعاً، وما لنا طامعين. وردَّ الشيخ عليه هذا الوجه بشيئين، أحدهما: أن العامل لا يقتضي أكثرَ من حالٍ واحدة إذا كان صاحبُه مفرداً دونَ بدل أو عطف إلا أفعلَ التفضيل على الصحيح.

стр. 2912

والثاني: أنه يلزم دخولُ الواو على مضارع مثبت. وذلك لا يجوزُ إلا بتأويل تقدير مبتدأ أي: ونحن نطمع. الثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من فاعل «نؤمن» فتكون الحالان متداخلتين. قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» ونطمع «حالاً من» لا نؤمن «على معنى: أنهم أَنْكروا على أنفسهم انهم لا يوحِّدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين» وهذا فيه ما تقدم من دخول واو الحال على المضارع المثبت، وأبو البقاء لَمَّا أجاز هذا الوجهَ قَدَّر مبتدأ قبل «نطمع» ، وجعل الجملةَ حالاً من فاعل «نؤمن» ليخلصَ من هذا الإِشكال فقال: «ويجوز أن يكون التقديرُ:» ونحن نطمع «، فتكون الجملةُ حالاً من فاعل لا نؤمن» الرابع: أنها معطوفةٌ على «لا نؤمن» فتكون في محلِّ نصب على الحال من ذلك الضميرِ المستترِ في «لنا» ، والعاملُ فيها هو العاملُ في الحال قبلها. فإنْ قلت: هذا هو الوجه الثاني المتقدم، وذكرتَ عن الشيخِ هناك أنه منع مجيء الحالين لذي حال واحدة، وبأنه يلزمُ دخولُ الواو على المضارع فما الفرق بين هذا وذاك؟ فالجواب أنَّ الممنوعَ تعدُّدُ الحال دون عاطف، وهذه الواوُ عاطفةٌ، وأن المضارعَ إنما يتمنع دُخولُ واوِ الحال عليه وهذه عاطفةٌ لا واوُ حالٍ فحصل الفرقُ بينهما من جهةِ الواو، حيث كانت في الوجه الثاني واوَ الحال وفي هذا الوجه واوُ عطف، وهذا وإن كان واضحاً فقد يَخْفى على كثير من المتدربين في الإِعراب، ولَمَّا حكى أبو القاسم هذا الوجهَ أبدى له معنيين حسنين فقال ﵀: «وأن يكونَ معطوفاً على» لا نؤمن «على معنى: وما لنا نجمعُ بين التثليث وبين الطمعِ في صحبةِ الصالحين، أو على معنى: وما لنا لا نجمعُ بينهما بالدخولِ في الإِسلام، لأنَّ الكافرَ

стр. 2913

ما ينبغي له أن يطمعَ في صحبة الصالحين» . الخامس: أنها جملة استئنافية. قال الشيخ: «الأحسنُ والأسهلُ أن يكونَ استئنافَ إخبارٍ منهم بأنهم طامعون في إنعامِ الله عليهم بإدخالهم مع الصالحين، فالواوُ عاطفةُ هذه الجملةَ على جملة» وما لنا لا نؤمن «قلت: وهذا المعنى هو ومعنى كونها معطوفةً على المَحْكِيِّ بالقول قبلها شيءٌ واحدٌ، فإن فيه الإِخبارَ عنهم بقولهم كيتَ وكيتَ. السادس: أن يكون «ونطمعُ» معطوفاً على «نؤمن» أي: وما لنا لا نطمع. قال الشيخ هنا: «ويظرُ لي وجهُ غيرُ ما ذكروه وهو أن يكونَ معطوفاً على» نؤمن «التقدير: وما لنا لا نؤمنُ ولا نطمعُ، فيكونُ في ذلك إنكارٌ لانتفاء إيمانهم وانتفاءِ طمعهم مع قدرتِهم على تحصيلِ الشيئين: الإِيمانِ والطمعِ في الدخول مع الصالحين» قلت: قوله: «غيرُ ما ذكروه» ليس كما ذكره، بل ذكر أبو البقاء فقال: «ونطمعُ يجوز أن يكونَ معطوفاً على» نؤمن «أي: وما لنا لا نطمع» ، فقد صَرَّح بعطفه على الفعل المنفي ب «لا» غايةُ ما في الباب أن الشيخَ زاده بسطاً. والطمع قال الراغب: «هو نزوعُ النفسِ إلى الشيء شهوة له» ثم قال: ولَمَّا كان أكثرُ الطمعِ من جهة الهوى قيل: الطَمَعُ طَبَعٌ والطَمَعُ يدنِّس الإِهابَ «وقال الشيخ:» الطمعُ قريبٌ من الرجاء / يقال منه: طَمِع يطمَعُ طَمَعاً، قال تعالى: ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة: ١٦] وطَماعَة وطماعِيَة كالكراهية، قال: ١٨٠ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . . . ...

стр. 2914

طَماعيةً أَنْ يغفرَ الذنبَ غافرُهْ فالتشديدُ فيها خطأ، واسمُ الفاعل منه طَمِع ك «فَرِح» و «أَشِر» ولم يَحْكِ الشيخُ غيرَه، وحكى الراغب: طَمِعٌ وطامعٌ، وينبغي أن يكون ذلك باعتبارين كقولِهم «فَرِح» لمن شأنه ذلك، و «فارح» لمن تجدَّد له فرحٌ. قوله: ﴿أَن يُدْخِلَنَا﴾ أي: في أن، فمحلُّها نصب أو جر على ما تقدَّم غيرَ مرة. و «مع» على بابِها من المصاحبة، وقيل: هي بمعنى «في» ولا حاجةَ إليه لاستقلالِ المعنى مع بقاءِ الكلمةِ على موضوعها.

стр. 2915

وقرأ الحسن: ﴿فآتاهم﴾ : مِنْ آتاه كذا أي: أعطاه، والقراءةُ الشهيرةُ أَوْلى؛ لأنَّ الإِثابةَ فيها مَنْبَهَةٌ على أنَّ ذلك لأجلِ عملٍ، بخلاف الإِيتاء، فإنه يكونُ على عملٍ وعلى غيره. وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول ثان ل «أثابَهم» أو ل «آتاهم» عل حَسَبِ القراءتين. و «تجري من تحتها الأنهار» في محلِّ نصبٍ صفةً ل «جنات» . و «خالدين» حالٌ مقدرةٌ، وقوله: ﴿وذلك جَزَآءُ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، وأُشير ب «ذلك» إلى الثوابِ أو الإِيتاء. و «المحسنين» يُحتمل أن يكونَ من بابِ إقامةِ الظاهرِ مُقامَ المضمر، والأصل: «وذلك جزاؤُهم» وإنما ذُكِر وصفُهم الشريف مَنْبَهَةً على أن هذه الخَصْلَة محصِّلة جزائهم بالخير، ويُحتمل أن يرادَ كلُّ محسنٍ، فيندرجون اندراجاً أولياً.

стр. 2916

قوله تعالى: ﴿حَلاَلاً﴾ : فيه ثلاثة أوجه، أظهرُها: أنه مفعولٌ به أي: كُلوا شيئاً حلالاً، وعلى هذا الوجهِ ففي الجارِّ وهو قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من «حلالا» لأنه في الأصل صفةٌ لنكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها انتصبَ حالاً. والثاني: أنَّ «مِنْ» لابتداء الغاية في الأكل أي: ابتدئوا أكلكم الحلالَ من الذي رزقه الله لكم. الوجه الثاني من

стр. 2917

الأوجه المتقدمة أنه حالٌ من الموصول أو من عائده المحذوف أي: «رَزَقكموه» فالعاملُ فيه «رزقكم» الثالث: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف أي: أَكْلاً حلالاً وفيه تجوُّزٌ.

стр. 2918

قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ﴾ : إلى آخره، تقدم إعرابُ ذلك في سورة البقرة واشتقاقُ المفردات. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «عَقَدْتُمْ» بتخفيف القاف دون ألف بعد العين، وابن ذكوان عن ابن عامر: «عاقدتم» بزنة فاعلتم، والباقون: «عَقَّدتم» بتشديد القاف. فأمَّا التخفيفُ فهو الأصل، وأمَّالتشديدُ فيحتمل أوجهاً، أحدها: أنه للتكثيرِ لأنَّ المخاطبَ به جماعةٌ. والثاني: أنه بمعنى المجردِ فيوافِقُ القراءةَ الأولى، ونحوه: قَدَّر وقَدَر. والثالث: أنه يَدُلُّ على توكيد اليمين نحو: «واللهِ الذي لا إله إلا هو» . والرابع: أنه يدل على تأكيد العزم بالالتزام. الخامس: أنه عوضٌ من الألف في القراءة الأخرى، ولا أدري ما معناه، ولا يجوز أن يكونَ لتكرير اليمين فإنَّ الكفارةَ تَجِبُ ولو بمرةٍ واحدةٍ. وقد تَجَرَّأ أبو عبيد على هذه القراءةِ وزيَّفَها فقال: «التشديد للتكرير [مرةً] من بعد مرة، ولست آمنُ أن توجِبَ هذه القراءةُ سقوطَ الكفارةِ في اليمين الواحدة لأنها لم تكرَّرْ» وقد وَهَّموه الناسُ في ذلك، وذكروا تلك المعاني المتقدمة، فَسَلِمَتِ القراءةُ تلاوةً ومعنى ولله الحمدُ. وأمَّا «عاقدت» فيُحتملُ أن يكونَ بمعنى المجردِ نحو: «جاوزت الشيء وجُزْتُه» وقال الفارسي: «عاقَدْتم» يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكونَ بمعنى

стр. 2919

فَعَل، كطارقت النَّعْل وعاقبتُ اللص، والآخر: أن يُراد به فاعَلْتُ التي تقتضي فاعلين، كأن المعنى: بما عاقدتم عليه الأيمانَ، عَدَّاه ب «على» لَمَّا كان بمعنى عاهد، قال: ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله﴾ [الفتح: ١٠] كما عَدَّى: ﴿نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ [المائدة: ٥٨] ب «إلى» وبابُها أن تقول: ناديت زيداً [نحو:] ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور﴾ [مريم: ٥٢] لَمَّا كانت بمعنى دَعَوْتُ إلى كذا، قال: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾ [فصلت: ٣٣] ثم اتُّسِع فحُذِف الجارُّ ونُقِل الفعل إلى المفعول، ثم حُذِف الضمير العائد من الصلة إلى الموصول إذ صار: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾ كما حُذِف من قوله: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] قلت: يريد ﵀ أن يبيِّن معنى المفاعلة فأتى بهذه النظائر للتضمين ولحذفِ العائدِ على التدريج، والمعنى: بما عاقَدْتُم عليه الأيمان وعاقَدَتُم الأيمان عليه، فَنَسَب المعاقدةَ إلى الأيمان مجازاً. ولقائل أن يقول: قد لانحتاجُ إلى عائد حتى نحتاج إلى هذا التكلُّفِ الكثير، وذلك بأن نجعلَ «ما» مصدريةً والمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: بما عاقدتم غيرَكم الأيمانَ، أي: بمعاقدتكم غيرَكم الأيمانَ، ونخلص من مجازٍ آخر وهو نسبةُ المعاقدةِ إلى الأيمان، فإنَّ في هذا الوجه نسبةَ المعاقدة للغير وهي نسبةٌ حقيقة، وقد نَصَّ على ذلك - أعني هذا الوجه - جماعةٌ. وقد تعقَّب الشيخُ على أبي علي كلامَه / فقال: «قوله: إنه مثل» طارَقْتُ النعل «و» عاقبت اللص «ليس مثلَه، لأنك لا تقول: طَرَقْتُ

стр. 2920

ولا عَقَبْتُ، وتقول: عاقَدْت اليمين وعَقَدْتُها» وهذا غيرُ لازم لأبي علي لأنَّ مرادَه أنه مثلُه من حيث إنَّ المفاعلةَ بمعنى أن المشاركة من اثنين منتفيةٌ عنه كانتفائها من عاقَبْتُ وطارَقْتُ، أمَّا كونُه يقال فيه أيضاً كذا فلا يَضُرُّه ذلك في التشبيه. وقال أيضاً: «تقديرُه حَذْفَ حرفِ الجر ثم الضمير على التدرج بعيدٌ، وليس بنظير:» فاصدَعْ بما تؤمر «لأن» أمر «يتعدَّى بنفسِه تارةً وبحرف الجر أخرى، وإن كان الأصلُ الحرفَ، وأيضاً ف» ما «في» فاصدَعْ بما «لا يتعيَّن أن تكونَ معنى الذي، بل الظاهر أنها مصدريةٌ، وكذلك ههنا الأحسنُ أن تكونَ مصدريةً لمقابلتِها بالمصدرِ وهو اللَّغْوُ» . وقد تقدَّم في سورة النساء قولُه تعالى: ﴿والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [الآية: ٣٣] و «عَاقَدْت» وذكرت لك ما فيهما فصارَ في ثلاثُ قراءاتٍ في المشهور، وفي تِيْكَ قراءاتان، وكنت قد ذَكَرْتُ أنه رُوي عن حمزة في سورة النساء: «عَقَّدت» بالتشديد، فيكون فيها أيضاً ثلاث قراءات، إلا أنه اتفاقٌ غريبٌ فإنَّ حمزة من أصحاب التخفيف في هذه السورة، وقد رُوي عنه التثقيلُ في النساء. قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ مبتدأ وخبر، والضميرُ في «فكفارته» فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه يعودُ على الحِنْثِ الدالِّ عليه سياقُ الكلام، وإنْ لم يَجْرِ له ذكرٌ، أي: فكفَّارةُ الحِنْثِ. الثاني: أنه يعود على «ما» إنْ جَعَلْناها موصولةً اسميةً، وهو على حذفِ مضافٍ، أي: فكفارة نُكْثه، كذا قدَّره الزمخشري والثالث: أنه يعودُ على العَقْدِ لتقدُّمِ الفعلِ الدالِّ عليه. الرابع: أن يعودَ على اليمين، وإن كانت مؤنثة لأنها بمعنى الحَلْف، قالهما أبو البقاء، وليسا بظارهرين. و «إطعامُ» مصدرٌ مضافٌ لمفعوله وهو مقدَّرٌ

стр. 2921

بحرفٍ وفعل مبني للفاعل أي: فكفارته أن يُطْعِمَ الحانثُ عشرةً، وفاعلُ المصدر يُحذف كثيراً، ولا ضرورة تَدْعوا إلى تقديرِه بفعلٍ مبني للمفعولِ أي: أن يُطْعَمَ عشرةٌ، لأنَّ في ذلك خلافاً تقدَّم التنبيه عليه، فعلى الأول يكونُ محلُّ «عشرة» نصباً، وعلى الثاني يكون محلُّها رفعاً على ما لم يُسَمِّ فاعله، ولذلك فائدةٌ تَظْهر في التابع، فإذا قلت: «يعجبني أكلُ الخبزِ» فإن قدرته مبنياً للفاعل فتتبع «الخبز» بالجرِّ على اللفظِ والنصبِ على المحلِّ، وإنْ قَدًّرْتَه مبنياً للمفعول أَتْبعته جراً ورفعاً، فتقول، يعجبني أكلُ الخبزِ والسمنِ والسمنَ والسمنُ، وفي الحديث: «نَهَى عن قتلِ الأبتر وذو الطُّفْيَتَيْنِ» برفع «ذو» على معنى: أن يُقْتل الأبتر. قال أبو البقاء «والجيد أن يُقَدِّر- أي المصدر - بفعلٍ قد سُمِّي فاعلُه، لأنَّ ما قبله وما بعده خطابٌ» قلت: فهذه قرينةٌ تُقَوِّي ذلك، لأنَّ المعنى: فكفَّارته أَنْ تُطْعِموا أنتم أيها الحالفون، وقد قَدَّمْتُ لك أَنَّ تقديرَه بالمبني للفاعل هو الراجحُ، ولو لم تُوجَدْ قرينةٌٌ لأنه الأصلُ. قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محلِّ رفع خبراً لمبتدأ محذوفٍ يبيِِّنه ما قبلَه تقديرُه: طعامُهم في أوسطِ، ويكون الكلامُ قد تَمَّ عند قوله: ﴿مساكين﴾ وسيأتي إيضاحُ هذا بزيادةٍ قريباً إن شاء الله تعالى. والثاني: أنه في موضعِ نصبٍ لأنه صفةٌ للمفعول الثاني، والتقديرُ: قوتاً أو طعاماً كائناً من أوسط، وأما المفعول الأول فهو «عشرة» المضافُ إليه المصدرُ، و «ما» موصولة اسميةٌ والعائد محذوفٌ أي: من أوسطِ الذي تطعمونه، وقَدَّره

стр. 2922

أبو البقاء مجروراً ب «مِنْ» فقال: «الذي تطعمون منه» وفيه نظرٌ لأنَّ من شرط العائد المجرور في الحذف أَنْ يتَّحِدَ الحرفان والمتعلَّقان، والحرفان هنا وإن اتفقا وهما «مِنْ» و «مِنْ» إلا أنَّ العامل اختلف، فإنَّ «مِنْ» الثانية متعلقةٌ ب «تُطْعِمُون» والأولى متعلقةٌ بمحذوفٍ وهو الكون المطلق لأنها وقعت صفة للمفعول المحذوف، وقد يُقال: إنَّ الفعل لَمَّا كان مُنْصَبّاً على قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ فكأنه عاملٌ فيه، وإنما قدِّرْنا مفعولاً لضرورة الصناعة، فإن قلت: الموصولُ لم ينجرَّ «مِنْ» إنما انجرَّ بالإِضافةِ فالجواب أنَّ المضافَ إلى الموصول كالموصولِ في ذلك نحو: «مُرَّ بغلام الذي مررت» . و «أهليكم» مفعولٌ أول ل «تُطْعِمُون» والثاني محذوف كما تقدم أي: تُطْعمونه أهليكم. «وأهليكم» جمعُ سلامةٍ ونقصه من الشروط كونُه ليس علماً ولا صفةً، والذي حَسَّن ذلك أنه كثيراً ما يُستعمل استعمال «مستحق لكذا» في قولِهم: «هو أهلُ لكذا» أي: مستحق له فأشبه الصفاتِ فجُمع جمعَها. وقال تعالى: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١] ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: ٦] ، وفي الحديث: «إنَّ لله أهلين» قيل: يا رسول الله: مَنْ هم؟ قال: قُرَّاء القرآن هم أهل الله وخاصَّتُه «فقوله:» أهلُوا الله «جمعٌ حُذِفَتْ نونُه للإِضافة، ويُحتمل أن يكونَ مفرداً فيكتب:» أهلُ الله «فهو في اللفظِ واحدٌ. وقرأ جعفر الصادق:» أهالِيكم «بسكونِ الياءِ، وفيه تخريجان / أحدُهما: أنَّ» أهالي «جمعُ تكسيرٍ ل» أَهْلَة «فهو شاذٌّ في القياس

стр. 2923

ك» لَيْلة ولَيال «. قال ابن جني:» أَهال «بمنزلةِ» ليَال «واحدها أَهْلاة ولَيْلاة، والعربُ تقول: أهلٌ وأَهْلَة، قال الشاعر: ١٨٠ - ٦- وأَهْلَةُ وُدٍّ قد سُرِرْتُ بوُدِّهم ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقياسُ قولِ أبي زيد أن تجعلَه جمعاً لواحدٍ مقدرٍ نحو: أحاديث وأعاريض وإليه يشير قولُ ابن جني:» اهل بمنزلة ليال «واحدُها أَهْلاة ولَيْلاة، فهذا يحتمل أن يكون بطريقِ السماع، ويحتملُ أن يكونَ بطريقِ القياس كما يقول أبو زيد. والثاني: أنَّ هذا اسمُ جمعٍ لأَهْل. قال الزمخشري: «كاليالي في جمع ليلة والأراضي في جمع أرض» قوله «في جمع ليلة وجمع أرض» أرادَ بالجمعِ اللغويَّ لأنَّ اسمَ الجمع جمعٌ في المعنى، ولا يريد أنه جمعُ «ليلة» و «أرض» صناعةً، لأنه قد فَرَضَه أنه اسمُ جمعٍ فكيف يجلعُه جمعاً اصطلاحاً؟ وكان قياسُ قراءةِ جعفر تحريكَ الياءِ بالفتحة لخفتها، ولكنه شَبَّه الياء بالألف، فقدَّر فيها الحركةَ، وهو كثيرٌ في النظم كقول النابغة: ١٨٠ - ٧- رَدَّتْ عليه أقاصِيه ولَبَّده ... ضَرْبُ الوليدةِ بالمِسْحاةِ في الثَّأَدِ

стр. 2924

وقول الآخر: ١٨٠ - ٨- كأنَّ أيدِيهنَّ بالقاعِ القَرِقْ ... أيدي جوارٍ يتعاطَيْنَ الوَرِقْ وقد مضى ذلك بأشبعَ من هذا. قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه نسقٌ على «إطعام» أي: فكفارتُه إطعامُ عشرةٍ أو كسوة تلك العشرة. والثاني: أنه عطفٌ على محل «من أوسط» كذا قاله الزمخشري، وهذا الذي قاله إنما يتمشَّى على وجهٍ سَبَقَ لك في قوله «من أوسط» وهو أن يكونَ «من أوسط» خبراً لمبتدأ محذوفٍ يَدُلُّ عليه ما قبلَه، تقديرُه: طعامُهم من أوسط، فالكلامُ عنده تامٌّ على قولِه: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ثم ابتدأَ إخباراً آخرَ بأن الطعامَ يكونُ من أوسطِ كذا، وأمَّا إذا قلنا: إنَّ «مِنْ أوسط» هو المفعولُ الثاني فيستحيل عطف «كسوتهم» عليه لتخلفهما إعراباً. وقرأ الجمهور: «كِسوتهم» بكسر الكاف. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب بضمها، وقد تقدم في البقرة أنهما لغتان في المصدر وفي الشيء المكسوِّ، قال الزمخشري: «كالقِدوة في القُدوة، والإِسوةُ في الأُسوة، إلا أن قرأ في البقرة بضمِّها هو طلحة فلم يذكروه هنا، ولا ذكروا هؤلاء هناك.

стр. 2925

وقرأ سعيد بن جبير وابن السَّمَيْفَع:» أو كأُسْوَتِهم «بكاف الجر الداخلة على» أُسْوة «قال الزمخشري:» بمعنى: أو مثلُ ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً، لا تُنْقصونهم عن مقدارِ نفقتِهم، ولكن تواسُون بينهم. فإنْ قلت: ما محلُّ الكاف؟ قلت: الرفعُ: تقديرُه: أو طعامُهم كأسوتِهم، بمعنى: كمثل طعامِهم إن لم يُطْعموهم الأوسطَ «انتهى. وكان قد تقدم أنه يَجْعل» من أوسط «مرفوعَ المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوف، فتكونُ الكاف عنده مرفوعةً عطفاً على» مِنْ أوسطِ «وقال أبو البقاء قريباً من هذا فإنه قال:» فالكافُ في موضعِ رفعٍ أي: أو مثلُ أسوةِ أهليكم «وقال الشيخ:» إنه في موضعِ نصبٍ عطفاً على محلِّ «مِنْ أوسط» ، لأنه عنده مفعولٌ ثان. إلاَّ أنَّ هذه القراءة تنفي الكسوةَ من الكَفَّارة، وقد اجمع الناس على أنها إحدى الخصالِ الثلاث، لكن لصاحبِ هذه القراءةِ أن يقول: «استُفيدت الكسوةُ من السنَّة» أمَّا لو قام الإِجماع على أن مستندَ الكسوة في الكفارة من الآية فإنه يَصِحُ الردُّ على هذا القارئ. قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ عطف على «إطعامُ» وهو مصدر مضاف لمفعوله، والكلامُ عليه كالكلامِ على «إطعامُ عشرة» من جوازِ تقديره بفعلٍ مبني للفاعل أو للمفعول وما قيل في ذلك. وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ كقوله في النساء: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [الآية: ٩٢] وقد تقدَّم ذلك مُحَرَّراً. قوله: ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ قال أبو البقاء: «منصوبٌ على الظرف وناصبُه» كفارة «أي: ذلك الإِطعامُ، / أو ما عُطِف عليه يُكَفِّر عنكم حِنْثَ اليمينِ وقتَ

стр. 2926

حَلْفِكم» وقال الزمخشري: «وذلك المذكورُ كفارة، ولو قيل:» تلك كفارةُ «لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء، أو التأنيث للكفارة، والمعنى:» إذا حلفتم حَنِثْتُم فترك ذِكْرَ الحِنْثِ لوقوع العلم بأن الكفارة إنما تَجِبُ بالحِنْثِ بالحَلِف لا بنفس الحَلِف «. ولا بد من هذا الذي ذكره الزمخشري وهو تقديرُ الحِنْث، ولذلك عيب على أبي البقاء قوله:» العامل في «إذا» كفارةُ أَيْمانكم، لأن المعنى: ذلك يُكَفِّر أَيْمانكم وقتَ حَلْفكم «فقيل له: الكفارةُ ليست واقعةً في وقت الحَلْف فكيف يَعْمل في الظرف ما لا يقع فيه؟ وظاهرُ الآية أنَّ» إذا «ممتحِّضَةُ الظرفية، وليس فيها معنى الشرط، وهو غيرُ الغالبِ فيها، وقد يجوزُ أن تكونَ شرطاً، ويكونُ جوابُها محذوفاً على قاعدةِ البصريين يَدُلُّ عليه ما تقدَّم، أو هو نفسُ المتقدم عند أبي زيد والكوفيين، والتقدير: إذا حَلَفْتُم وحَنِثُتم فذلك كفارةُ إثمِ أيْمانكم، كقولهم:» أنتَ ظالمٌ إنْ فَعَلْتَ «والكافُ في قوله: ﴿كذلك يُبَيِّنُ﴾ نعت لمصدر محذوفٍ عند جماهيرِ المُعْربين، أي: يبيِّن الله آياتِه تبييناً مثلَ ذلك التبيين، وعند سيبويه أنه حالٌ من ضميرِ ذلك المصدرِ على ما عُرِفَ غيرَ مرةٍ.

стр. 2927

قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ : خبرٌ عن هذه الأشياء المتقدمة فيقال: «كيف أخبر عن جمع بمفرد؟ فأجاب الزمخشري بأنه على حَذْف مضاف اي: إنما شأنُ الخمرِ، وكذا وكذا، ذكر ذلك عند تعرُّضِه للضميرِ في» فاجتنبوه «كما سيأتي، وكذا قَدَّره أبو البقاء فقال:» لأنَّ التقديرَ: إنما عَمَلُ هذه الأشياءِ «قال الشيخ بعد حكايتِه كلامَ الزمخشري:» ولا حاجة إلى

стр. 2928

هذا، بل الحكمُ على هذه الأربعةِ أنفسِها أنَّها رِجْسٌ أبلغُ من تقدير هذا المضاف كقوله: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] . وهو كلامٌ حسن، وأجاب أبو البقاء أيضاً بأنه يجوزُ أَنْ يكونَ «رجس» خبراً عن «الخمر» وحُذِفَ خبرُ المعطوفاتِ لدلالةِ خبرِ الأولِ عليها «. قلت: وعلى هذا فيجوزُ أن يكونَ خبراً عن الآخِر وحُذِفَ خبرُ ما قبلَه لدلالةِ خبرِ ما بعده عليه؛ لأنَّ لنا في نحو قولِه تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] هذين التقديرين، وقد تقدَّم تحقيقُهما غيرَ مرةٍ. والأنصابُ جمع» نَصَب «، وقد تقدم ذلك أول السورة والأزلام تقدمت أيضاً، والرِّجْسُ قال الراغب:» هو الشيء القَذِرُ، رجل رِجْس، ورجالٌ أَرْجاس «ثم قال:» وقيل: رِجْس ورِجْز للصوت الشديد، يقال: بعير رَجَّاس: شديد الهدير، وغمام راجِس ورجَّاس: شديد الرعد «وقال الزجاج:» وهو اسمُ لك ما استُقذر من عمل قبيح، يقال: رَجِس ورَجَس بكسر الجيم وفتحها يَرْجُسُ رِجْساُ إذا عمل عملاً قبيحاً، وأصلح من الرِّجْس بفتح الراء وهو شدة صوت الرعد، قال: ١٨٠ - ٩- وكلُّ رَجَّاسٍ يسوقُ الرَّجْسا ...

стр. 2929

وفَرَّق ابن دريد بين الرِّجْس والرِّجْز والرِّكْس، فجعل الرِّجْسَ: الشر، والرِّجْز: العذاب، والرِّكْس: العَذِرة والنَّتْن، ثم قال: «والرِّجْسُ يقال للاثنين» ، فتحصَّل من هذا أنه اسمٌ للشيءِ القَذِرِ المنتن أو أنه في الأصل مصدرٌ. وقوله: ﴿مِّنْ عَمَلِ الشيطان﴾ في محلِّ رفعٍ لأنه صفةٌ ل «رجس» والهاء في «فاجتَنُبِوه» تعودُ على الرجس أي: فاجتنبوا الرجسَ الذي أخبر به عَمَّا تقدَّم من الخمر وما بعدها. وقال أبو البقاء: «إنها تعود على الفعل» يعني الذي قَدَّره مضافاً إلى الخمر وما بعدها، وإلى ذلك نحا الزمخشري أيضاً، قال: «فإنْ قلت: إلامَ يَرْجِعُ الضمير في قوله:» فاجتنبوه؟ قلت: إلى المضافِ المحذوف، أو تعاطِيهما أو ما أشبه ذلك، ولذلك قال: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان﴾ وقد تقدَّم أن الأحسن أن هذه الأشياء جُعِلَتْ نفسَ الرجس مبالغة.

стр. 2930

قوله تعالى: ﴿فِي الخمر﴾ : فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه متعلق ب «يوقع» اي: يُوقع بينكم هذين الشيئين في الخَمْر أي: بسبب شربها، و «في» تفيد السببية كقوله ﵇ «إنَّ امرأةً دخلت النار في هِرَّةٍ» الثاني: أنها متعلقة بالبغضاء لأنه مصدر معرف بأل /. الثالث: أنه متعلقٌ ب «العَداوة» وقال أبو البقاء: «ويجوز أن تتعلَّق» في «بالعداوة

стр. 2931

أو ب» البغضاء «أي: أَنْ تتعادَوْا وأَنْ تتباغضوا بسبب شربِ الخمر» وعلى هذا الذي ذكره تكونُ المسألةُ من باب التازع وهو الوجهُ الرابع، إلاَّ أنَّ في ذلك إشكالاً وهو أَنَّ من حق المتنازعين أن يصلُحَ كلٌّ منهما للعمل، وهذا العاملُ الأولُ وهو العداوة لو سُلِّط على المتنازع فيه لزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو المعطوف، وقد يقال: إنه في بعضِ صورِ التنازع يُلْتَزَمُ إعمالُ الثاني، وذلك في فِعْلَي التعجب إذا تنازعا معمولاً فيه، وقد تقدَّ هذا مشبعاً في البقرة. قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ هذا الاستفهامُ فيه معنى الأمر أي: انتهوا، ولذلك لَمَّا فهم عمر بن الخطاب الأمرية، قال: «انتهَيْنا يا رب انتهينا يا رب» ويدلُّ على ذلك أيضاً عطفُ الأمرِ الصريح عليه في قوله «وأطيعوا» كأنه قيل: انتهو عن شرب الخمر وعن كذا وأطيعوا، فمجيءُ هذه الجملةِ الاستفهاميةِ المصدَّرِة باسمٍ مُخْبَرٍ عنه باسمِ فاعل دالٍّ على ثبوتِ النهي واستقراره أبلغُ من صريحِ الأمر. قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ جُمع الخمرُ والميسرُ مع الأنصابِ والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً؟ قلت: لأنَّ الخطابَ مع المؤمنين، وإنما نهاهم عَمَّا كانوا يتعاطَوْنه من شرب الخمرِ واللعبِ بالميسرِ وذِكْرِ الأنصابِ والأزلام لتأكيدِ تحريمِ الخمر والميسر وإظهارِ أنَّ ذلك جميعاً من أعمال أهل الجاهلية وأهل الشرك» انتهى. ويظهرُ شيءٌ آخرُ وهو أنه لم يُفْرِدِ الخمرَ والميسرَ بالذكر آخراً، بل ذَكَر معهما شيئاً يلزُم منه عدمُ الأنصاب والأزلام فكأنه ذكر الجميع آخراً، بيانه أنه قال: «في الخمر والميسر ويَصُدُّكم عن ذكر الله» بعبادة الأنصاب أو بالذبح عليها للأصنام على حَسَبِ ما تقدم تفسيره أول السورة، و «عن الصلاة» باشتغالِكم بالأزلام، وقد تقدَّم تفسيرها أيضاً، فَذِكْرُ الله والصلاة مُنَبِّهان على الأنصاب والأزلام، وهذا وجه حسن.

стр. 2932

قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتقوا﴾ : ظرفٌ منصوبٌ بما يُفْهَم من الجملة السابقة وهي: «ليس» وما في حَيِّزها، والتقدير: لا يَأْثمون ولا يُؤاخَذُون وقت اتِّقائهم، ويجوزُ أن يكونَ ظرفاً محضاً، وأن يكونَ فيه معنى الشرط، وجوابه محذوف أو متقدِّمٌ على ما مَرَّ.

стр. 2933

قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ : جوابُ قسم محذوف أي: واللَّهِ ليبلونكم، وقد تقدَّم أنه تَجِبُ اللامُ وإحدى النونين في مثلِ هذا الجواب. قوله: ﴿بِشَيْءٍ﴾ متعلِّقٌ ب «ليبلونَّكم» أي: ليختبرنَّكم بشيءٍ. وقوله: ﴿مِّنَ الصيد﴾ : في محلِّ جرٍّ صفةً ل «شيء» فيتعلَّقُ بمحذوف، و «من» الظاهرُ أنها تبعيضيةٌ لأنه لم يُحَرِّم صيدَ الحلال ولا صيد الحِلّ ولا صيد البحر. وقل: إنها لبيان الجنس. وقال مكي: «وقيل» من «لبيان الجنس، فلما قال» بشيء «لم يُعْلَم من أيِّ جنسٍ هو فبيَّن فقال:» من الصيدِ «كما تقولُ: و» لأَعطينَّك شيئاً من الذهبِ «وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء ثم قال:» وقيل: إنها للتبعيضِ «. وكونُها للبيان فيه نظرٌ، لأنَّ الصحيحَ أنها لا تكونُ للبيان، والقائلُ بأنها للبيانِ يُشْترط أن يكونَ المُبَيَّنُ بها معرفاً بأل الجنسية كقولِه: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] ، وبه قال ابنُ عطية أيضاً، والزجاج هو الأصل في ذلك فإنه قال:» وهذا كما تقولُ: «لامتحِنَتَّك بشيءٍ من الرِّزْقِ» وكما قال تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] . قوله: ﴿تَنَالُهُ﴾ في محلِّ جر لأنه صفةٌ ثانيةٌ ل «شيء» ، وأجاز أبوالبقاء

стр. 2934

أن يكونَ حالاً: إمَّا من الصيد، وإمَّا من «شيء» وإن كان نكرة لأنه قد وُصِفَ فتخصَّص، واستبعدَ الشيخُ جَعْلَه حالاً من الصيد، ووجهُ الاستبعادِ أنه ليس المقصودَ بالحديث عنه. وقرأ الجمهور: ﴿تناله﴾ بالمنقوطةِ فوقُ لتأنيثِ الجمعِ، وابن وثاب والنخعي / بالمنقوطةِ من تحتُ لأنَّ تأنيثَه غيرُ حقيقي. وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ [المائدة: ٩٣] للناس فيه قولان، أحدُهما: أنَّ هذا من بابِ التوكيد، ولا يَضُرُّ حرفُ العطف في ذلك، وهذا كقولِه تعالى: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣٤] ، حتى إنَّ الشيخَ جمالَ الدين بن مالك يَجْعَلُ هذا من التوكيدِ اللفظي المبوبِ له في النحو: والثاني: أنه ليس للتأكيد بل للتأسيس، إلا أنَّه جَعَل التغايرَ حاصلاً بتقديرِ المتعلقاتِ، فمنها أنَّ التقدير: اتَّقَوا الشرك وآمَنوا إيماناً كاملاً ثم اقتوا وآمَنوا أي: ثم ثَبَتُوا على التقوى والإِيمان المتقدمين، واستمروا على هذه الحال ثم اتقوا ثم تناهَوْا في التقوى وتوغلوا فيها، وأحسنوا للناسِ وواسَوْهم بأموالِهم، وإليه نحا أبو القاسم الزمخشري بعبارةٍ قريبةٍ من هذا المعنى. قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ الله﴾ اللامُ متعلقةٌ ب «لَيبلونَّكم» والمعنى: ليتميَّزَ أو ليظهرَ لكم، وقد مضى تحقيقُه في البقرة، وأنَّ هذه تسمَّى لام كي، وقرأ بعضُهم: «لِيُعْلِم» بضم الياء وكسر اللام من أعلم، والمفعول الأول على هذه القراءة محذوفٌ أي: لِيُعْلِم اللَّهُ عبادَه، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿مَن يَخَافُهُ﴾ ف «أَعْلَمَ» منقولةٌ بهمزة التعدية من «علم» المتعدية لواحد بمعنى «

стр. 2935

عَرَف» قوله: ﴿بالغيب﴾ في محل نصب على الحال من فاعلِ «يَخافُه» أي: يخافُه ملتبساً بالغيبِ، وقد تقدم معناه في البقرة. وجَوَّز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه، أحدها: ما ذكرته، والثاني: أنه حالٌ من «مَنْ» في «من يخافه» ، والثالث: أنَّ الباءَ بمعنى «في» والغيب مصدرٌ واقعٌ موقعَ غائبٍ أي: يخافه في المكانِ الغائبِ عن الخَلْقِ، فعلى هذا يكونُ متعلقاً بنفس الفعل قبله، وعلى الأَوَّلَيْن يكونُ متعلقاً بمحذوفٍ على ما عُرِف.

стр. 2936

قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ : في محل نصب على الحال من فاعل «تقتلوا» ، و «حُرُمٌ» جمع حَرام، وحَرام يكون للمُحْرِم وإنْ كان في الحِلِّ ولِمَنْ في الحَرَم وإنْ كان حلالاً، وهما سيَّان في النهي عن قتل الصيد، وقد تقدم الكلامُ على هذه اللفظة. قوله: ﴿منكم﴾ في محلِّ نصب على الحال من فاعل «قَتَله» أي: كائناً منكم. وقيل: «مِنْ» للبيان وليس بشيء، لأنَّ كلَّ مَنْ قَتَل صيداً حكمُه كذلك. فإن قلت: هذا واردٌ أيضاً على جَعْلِه حالاً. قلتُ: لم يُقْصَدْ لذلك مفهومُ حتى إنه لو قتَله غيرُكم لم يكن عليه جزاءٌ، لأنه قصد بالخطابِ معنىً آخرَ وهو المبالغةُ في النهي عن قَتْلِ الصيد. قوله: ﴿مُّتَعَمِّداً﴾ حالٌ أيضاً من فاعل «قَتَلَه» فعلى رَأْي مَنْ يجوِّزُ تعدُّدَ الحال يُجيز ذلك هنا، ومَنْ مَنَعَ يقول: إنَّ «منكم» للبيانِ حتى لا تتعدَّد الحالُ، و «مَنْ» يُجَوِّزُ أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، وموصولةً، والفاءُ لشبهِها بالشرطيةِ، ولا حاجةَ إليه وإنْ كانوا فعلوه في مواضع. قوله: «فجزاء» الفاءُ جوابُ الشرطِ أو زائدةٌ لشبه المبتدأ بالشرط، فعلى الأول الجملةُ بعدها في محلِّ جزمٍ، وعلى الثاني في محلِّ رفعٍ، وما بعد «مَنْ» على الأولِ في محلِّ

стр. 2937

جزمٍ لكونِه شرطاً، وعلى الثاني لا محلَّ له لكونه صلةً. وقرأ أهلُ الكوفة: «فجزاءٌ مثلُ» بتنوين جزاء ورفعه ورفع «مثل» ، وباقي السبعة برفعه مضافاً إلى «مثل» ، ومحمد بن مقاتل بتنوين «جزاءً» ونصبِه ونصب «مثلَ» والسُلمي برفع «جزاء» منوناً ونصبِ «مثل» ، وقرأ عبد الله: ﴿فجزاؤُه﴾ برفع «جزاء» مضافاً لضمير «مثل» رفعاً. فأمَّا قراءةُ الكوفيين فلأنَّ «مثل» صفةٌ ل «جزاء» أي: فعليه جزاءٌ موصوفٌ بكونه «مثلَ ما قتله» أي مماثِلَه. وجَوَّز مكي وأبو البقاء وغيرُهما أَنْ يرتفعَ «مثل» على البدلِ، وذكر الزجاج وجهاً غريباً وهو أن يرتفعَ «مثل» على أنه خبرٌ ل «جزاء» ويكونُ «جزاء» مبتدأً قال: «والتقديرُ: فجزاءُ ذلك الفعلِ مثلُ ما قتل» قلت: ويؤيد هذا الوجهَ / قراءةُ عبد الله: «فجزاؤُه مثلُ» إلا أن الأحسنَ أن يقدِّر ذلك المحذوفُ ضميراً يعودُ على المقتول لا أَنْ يُقَدِّره: «فجزاءُ ذلك الفعل» و «مثل» بمعنى مماثل قاله جماعةٌ: الزمخشري وغيره، وهو معنى اللفظِ، فإنِّها في قوةِ اسمِ فاعل، إلاَّ أنَّ مكّياً تَوَهَّم أنَّ «مِثْلاً» قد يكون بمعنى غير مماثل فإنه قال: «ومثل» في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مُماثِل، والتقديرُ: فجزاءٌ مماثلٌ لِما قَتَل يعني في القيمةِ أو في الخِلْقة على اختلافِ العلماء، ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه لصار

стр. 2938

المعنى: فعليه جزاءٌ مثلُ المقتولِ من الصيد، وإنما يلزمه جزاء المقتول بعينِه لا جزاءٌ مثلُه، لأنه إذا وَدَى جزاءً مثلَ المقتول صار إنما وَدَى جزاءَ ما لم يُقْتَل؛ لأنَّ مثلَ المقتول لم يَقْتُلْه، فصَحَّ أن المعنى: فعليه جزاءٌ مماثِلٌ للمقتول، ولذلك بَعُدَتِ القراءةُ بالإِضافة عند جماعة. قلت: «مثل» بمعنى مُماثِل أبداً فكيف يقول «ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه» ؟ وأيضاً فقوله: «لصار المعنى إلى آخره» هذا الإِشكالُ الذي ذكره لا يُتَصَوَّرُ مجيئُه في هذه القراءةِ أصلاً، وإنما ذَكَره الناسُ في قراءةِ الإِضافة كما سيأتي، وكأنه نَقَل هذا الإِشكالَ من قراءةِ الإِضافة إلى قراءةِ التنوين. وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فاستبعَدها جماعةٌ، قال الواحدي: «ولا ينبغي إضافةُ الجزاءِ إلى المِثْلِ لأنَّ عليه جزاءَ المنقولِ لا جزاءَ مثله فإنه لا جزاءَ عليه لَمَّا لم يقتلْه» وقال مكي بعد ما قَدَّمْتُه عنه: «ولذلك بَعُدَت القراءةُ بالإِضافة عند جماعةٍ لأنها تُوجِبُ جزاءً مثلَ الصيدِ المقتول» قلت: ولا التفاتَ إلى هذا الاستبعادِ فإنَّ أكثرَ القراء عليها. وقد أجاب الناسُ عن ذلك بأجوبةٍ سديدةٍ، لَمَّا خفيت على أولئك طَعَنوا في المتواتر، منها: أنَّ «جزاء» مصدرٌ مضافٌ لمفعوله تخفيفاً، والأصل: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتل، أي: أن يَجزي مثلَ ما قتل، ثم أُضيف، كما تقول: «عجبت من ضربٍ زيداً» ثم «من ضرب زيدٍ» ذَكَر الزمخشري وغيره، وبَسْطُ ذلك أنَّ الجزاءَ هنا بمعنى القضاء والأصل: فعليه أن يُجْزَى المقتولُ من الصيد مثلَه من النعم، ثم حُذِف المفعولُ الأول لدلالة الكلامِ عليه وأُضيف المصدرُ إلى ثانيهما، كقولك: «زيدٌ فقيرٌ ويعجبني إعطاؤك الدرهمَ» أي: إعطاؤك إياه. ومنها: أنَّ «مثل» مقحمةٌ كقولهم: «مِثْلُك لا يفعل ذلك» أي: أنت لا تفعل ذلك، ونحو

стр. 2939

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] أي: بما آمنتم [به] وكقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ف «مثل» زائدةٌ، وهذا خلاف الأصلِ، فالجوابُ ما قَدَّمْتُه. و «ما» يجوزُ أْن تكونَ موصولةً اسمية أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ محذوفٌ على كِلا التقديرين أي: مثلُ ما قتله من النعم. فَمَنْ رفع «جزاء» فيه أربعة أوجه، أحدُها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: فعليه جزاء. والثاني: أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديرُه: فالواجبُ جزاءُ: والثالث: أنه فاعلٌ بفعل محذوف أي: فيلزَمُه أو يَجِبُ عليه جزاءٌ. الرابع: أنه مبتدأ وخبره «مثل» ، وقد تقدَّم أن ذلك مذهبُ أبي إسحاق الزجاج، وتقدم أيضاً رفع «مثل» في قراءة الكوفيين على أحدِ ثلاثةِ أوجه: النعتِ والبدلِ والخبرِ حيث قلنا: «جزاء» مبتدأٌ عند الزجاج. وأمَّا قراءةُ ﴿فجزاؤه مثلُ﴾ فظاهرةٌ أيضاً. وأمَّا قراءة «فجزاءٌ مثلَ» برفع «جزاء» وتنوينه ونصب «مثل» فعلى إعمال المصدر المنونِ في مفعولِه، وقد تقدَّم أنَّ قراءةَ الإِضافةِ منه، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤١٥] وفاعلُه محذوف أي: فجزاءُ أحدِكم أو القاتلِ، أي: أن يُجْزى القاتلُ للصيد. وأما قراءة: «فجزاءً مثلَ» بنصبهما فجزاءً منصوب على المصدر أو على المفعول به، «ومثلَ» صفتُه بالاعتبارين، والتقدير: فليَجْزِ جزاءً مثلَ، أو: فليُخْرِجْ جزاءً، أو فليُغَرَّم جزاءً مثلَ. قوله: ﴿مِنَ النعم﴾ فيه ثلاثةُ وجه، أحدُها: أنه صفةٌ ل «جزاء» مطلقاً، أي: سواءً رُفِع أم نُصِبَ، نُوِّن أم لم يُنَوَّنْ، أي: إنَّ ذلك الجزاء يكونُ من

стр. 2940

جنسِ النَّعم، فهذا الوجهُ لا يمتنع بحالٍ. الثاني: أنه متعلق بنفسِ «جزاء» لأنه مصدرٌ، إلا أنَّ ذلك لا يجوزُ إلا في قراءة مَنْ أضاف «جزاء» إلى «مثل» فإنه لا يلزَمُ منه محذورٌ، بخلافِ ما إذا نَوَّنْتَه وجعلتَ «مثلَ» صفتَه أو بدلاً منه أو خبراً له فإنَّ ذلك يمتنع حينئذ، لأنَّك إنْ جَعَلْتَه موصوفاً ب «مثل» كان ذلك ممنوعاً من وجهين، أحدُهما: أنَّ المصدرَ الموصوفَ لا يعملُ وهذا قد وُصِفَ. الثاني: أنه مصدر فهو بمنزلةِ الموصولِ والمعمولُ من تمامِ صلتِه، وقد تقرَّر أنه لا يُتْبَعُ الموصولُ إلا بعد تمام صلته لئلا يلزمَ الفصلُ بأجنبي. وإنْ جَعَلْتَه بدلاً لَزِم أن يُتْبَعَ الموصولُ قبل تمام صلته، وإنْ جَعَلْتَه خبراً لزم الإِخبار عن الموصولِ قبلَ تمامِ صلتِه، وذلك كلُّه لا يجوزُ. الثالث: ذكره أبو البقاء وهو أَنْ يكونَ حالاً من عائدِ الموصولِ المحذوفِ فإنَّ التقدير: فجزاءً مثلَ الذي قتله حالَ كونه من النَّعم، وهذا وهمٌ لأنه الموصوف بكونِه من النَّعم إنما هو جزاءُ الصيد المقتولِ، وأمَّا الصيدُ نفسُه فلا يكونُ من النعم، والجمهورُ على فتحِ عين «النَّعَم» ، وقرأ الحسن بسكونها، فقال ابنُ عطية: ﴿هي لغة﴾ وقال الزمخشري: «استثقلَ الحركةَ على حرفِ الحلق كما قالوا:» الشَّعْر «في» الشَّعَر «. قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا﴾ في موضعِ رفعٍ صفةً ل» جزاء «أو في موضع نصبٍ على الحال منه أو على النعتِ ل» جزاء «فيمَنْ نَصَبه، وخَصَّصَ أبو البقاء كونَه صفةً بقراءةِ تنوين» جزاء «والحالَ بقراءةِ إضافته، ولا فرقَ،

стр. 2941

بل يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ نعتاً أو حالاً بالاعتبارين؛ لأنه إذا أُضيف إلى» مثل «فهو باقٍ على تنكيرِه لأنَّ» مِثْلاً «لا يتعرَّفُ بالإِضافة، وكذا خصَّص مكي الوصفَ بقراءةِ إضافةِ الجزاء إلى» مِثْل «فإنه قال:» ومِن النَّعم في قراءةِ مَنْ أضاف الجزاء إلى «مِثْل» صفةً لجزاء، ويَحْسُنُ أَنْ تتعلَّق [من] بالمصدرِ فلا تكونُ صفةً، وإنما المصدرُ مُعَدَّى إلى «من النعم» ، وإذا جَعَلْتَه صفةً ف «مِنْ» متعلقةٌ بالخبرِ المحذوف وهو «فعلية» وفي هذا الكلامِ نظرٌ مِنْ وجهين، أحدُهما: قد تقدَّم وهو التخصيصُ بقراءةِ الإِضافة. والثاني: أنه حين جَعَلَ «من النَّعم» صفةً عَلَّقها بالخبرِ المحذوفِ لِما تضمَّنه مِن الاستقرار، وليس كذلك؛ لأنَّ الجارَّ إذا وَقَع صفةً تعلَّق بمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الوصفُ في الحقيقةِ، وهذا الذي جَعَلَه متعلِّقاً لهذه الصفةِ ليس صفةً للموصوف في الحقيقةِ بل هو خبرٌ عنه، ألا ترى أنك لو قلت: «عندي رجلٌ من بني تميم» أنَّ «مِنْ بين» متعلِّقٌ بوصفٍ محذوفٍ في الحقيقة لا بقولِك «عندي» ويمكن أَنْ يقال: - وهو بعيدٌ جداً - إنه أراد التعلُّقَ المعنوي، وذلك أنَّ العاملَ في الموصوفِ عاملٌ في صفتِه، و «عليه» عاملٌ في «جزاء» فهو عاملٌ في صفتِه، فالتعلقُ من هذه الحيثيةِ، ولكن إنما يتأتَّى ذلك حيث جَعَلْنا الخبرَ عاملاً في المبتدأ، أو قلنا: إنَّ الجارَّ يرفع الفاعلَ ولو لم يعتمدْ، وإنما أذكرُ هذه التوجيهاتِ لأنَّ القائلين بذلك مِمَّنْ لا يُلْغَى قولُهم بالكلية. والألفُ في «ذوا» علامةٌ الرفعِ مثَّنى، وقد تقدَّم الكلامُ في اشتقاقِ هذه اللفظةِ وتصاريفِها وقرأ الجمهورُ: ﴿ذَوا﴾ بالألف، وقرأ محمد بن جعفرٍ الصادقٍ /: «ذو» بلفظِ الإِفراد قالوا: «ولا يريدُ بذلك الوحدةَ بل يريدُ:

стр. 2942

يحكم به مَنْ هو مِنْ أهلِ العدل. وقال الزمخشري:» وقيل: أرادَ الإِمام «فعلى هذا تكونُ الوِحْدَةُ مقصودةً. و» منكم «في محلِّ رفعٍ صفةً ل» ذوا «أي إنهما يكونان من جنسكم في الدين، ولا يجوزُ أن تكونَ صفةً ل» عَدْل «لأنه مصدرٌ قاله أبو البقاء، يعني أن المصدرَ ليس مِنْ جنسِهم فكيف يُوصف بكونِه منهم؟ قوله: ﴿هَدْياً﴾ فيه ستةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه حالٌ من الضمير في» به «قال الزجاج:» وهو منصوبٌ على الحالِ، المعنى: يحكم به مقدراً أن يُهْدَى «يعني أنه حال مقدرةٌ ولا مقارنةٌ، وكذا قال الفارسي كقولِك:» معه صقرٌ صائداً به غداً «أي مُقَدِّراً الصيدَ. الثاني: أنه حالٌ من «جزاء» سواءً قُرئ مرفوعاً أم منصوباً، منوناً أم مضافاً. وقال الزمخشري «» هَدْياً «حالٌ من» جزاء «فيمَنْ وصَفَه بمثل، لأنَّ الصفةَ خَصَّصَتْه فَقَرُبَ من المعرفة، وكذا خَصَّصه الشيخ، وهذا غير واضح، بل الحاليةُ جائزةٌ مطلقاً كما تقدَّم. الثالث: أنه منصوبٌ على المصدرِ أي: يُهديه هَدْياً، ذكره مكي وأبو البقاء الرابع: أنه منصوبٌ على التمييزِ، قاله أبو البقاء ومكي، إلا أنَّ مكياً قال:» على البيان «، وهو التمييز في المعنى، وكأنهما ظَنَّا أنه تمييزٌ لِما أُبْهِم في المِثْلية، إذ ليس هنا شيءٌ يَصْلُحُ للتمييزِ غيرَها. وفيه نظرٌ من حيث إنَّ التمييزَ إنما يرفع

стр. 2943

الإِبهامَ عن الذوات لا عن الصفاتِ، وهذا كما رايتَ إنما رفع إبهاماً عن صفة، لأن الهدى صفةٌ في المعنى إذ المرادُ به مُهْدَى. الخامس: أنه منصوبٌ على محلِّ» مثل «فيمَنْ خَفَضَه، لأنَّ محلَّه النصبُ بعملِ المصدرِ فيه تقديراً كما تقدَّم تحريرُه. السادس: أنه بدلٌ من» جزاء «فيمَنْ نصبَه. و» بالغ الكعبة «صفةٌ ل» هَدْيا «ولم يتعرَّفْ بالإِضافة لأنه عاملٌ في الكعبة النصبَ تقديراً، ومثلُه، ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] وقولُ الآخرِ: ١٨١ - ٠- يا رُبَّ غابِطِنا لو كان يَطْلُبُكُمْ ... لاقَى مباعَدةً منكم وحِرْمانا في أنَّ الإِضافةَ فيها غيرُ مَحْضَةٍ. وقرأ الأعرج:» هَدِيَّاً «بكسر الدال وتشديد الياء. قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿فَجَزَآءٌ﴾ و» أو «هنا للتخييرِ، ونُقِل عن ابن عباس أنها ليسَتْ للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءةِ مَنْ رفع» فجزاءٌ «وأمَّا مَنْ نَصَبَه فقال الزمخشري» جَعَلَها خبرَ مبتدأ محذوفٍ كأنه قيل: أو الواجبُ عليه كفارةٌ، ويجوزُ أَنْ تُقَدِّر: فعليه ان يَجْزي جزاءً أو كفارةً، فتَعْطِفَ «كفارة» على «أَنْ يَجْزي» يعني أنَّ «عليه» يكونُ خبراً مقدماً، وأَنْ يَجْزي «مبتدأً مؤخراً، فَعَطَفْتَ» الكفارة «على هذا المبتدأ. وقرأ نافع وابن عامر بإضافة ﴿كفارة﴾ لِما بعدها، والباقون بتنوينِها ورفعِ ما بعدها.

стр. 2944

فأمَّا قراءةُ الجماعةِ فواضحةٌ، ورفعُ» طعام «على أحد ثلاثة أوجه، أحدها: أنه بدل من» كفارة «إذ هي من جنسِه. الثاني: أنه بيانٌ لها كما تقدَّم، قاله الفارسي وردَّه الشيخ بأنَّ مذهبَ البصريين أختصاصُ عطفِ البيان بالمعارفِ دونَ النكراتِ. قلت: أبو علي يُخالِفُ في ذلك ويستدل بأدلة، منها: ﴿شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] ، ف» زيتونةٍ «عنده عطف بيان ل» شجرة «، وكذا قولُه تعالى: ﴿مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] ، ف» صديد «عنده بدلٌ من» ماء «والبدلُ فيهما محتملٌ فلا حُجَّةَ له، والبدلُ قد يجيء للبيان. الثالث: أنه خبر مبتداً محذوف. أي: هي طعام أي: تلك الكفارة. وأمَّا قراءة نافع وابن عامر فوجهُها أنّ الكفارة لَمَّا تنوَّعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حَسُن إضافتها لأحدِ أنواعها تبييناً لذلك، والإِضافةُ تكون بأدنى ملابسه كقوله: ١٨١ - ١- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرَةٍ ... سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائبِ أضاف الكوكبَ إليها لقيامِها عند طلوعِه فهذا أَوْلَى. ووجَّهَها الزمخشري فقال: «وهذه الإِضافة مبيِّنة، كأنه قيل: أو كفارةٌ مِنْ طعام مساكين، كقولك:» خاتمُ فضةٍ «بمعنى مِنْ فضة» . قال الشيخ: «

стр. 2945

أمَّا ما زعمه فليس من هذا البابِ لأنَّ» خاتم فضة «من باب إضافةِ الشيء إلى جنسه والطعامُ ليس جنساً للكفارةِ إلا بتجوُّزٍ بعيداً جداً» انتهى. قلت: كان مِنْ حَقِّه أَنْ يقولَ: والكفارةُ ليست جنساً للطعام لأنَّ الكفارةَ في التركيب نظيرُ «خاتم» في أنَّ كلاً منهما هو المضافُ إلى ما بعده، فكما أن «خاتماً» هو الضافُ إلى جنسه ينبغي أَنْ يُقال: الكفارةُ ليست جنساً للطعام لأجل المقابلةِ، لكن لا يمكنُ أَنْ يُقال ذلك فإنَّ الكفارةَ كما تقدَّم جنسٌ للطعامِ والجزاءِ والصومِ، فالطريقُ في الردِّ على أبي القاسم أن يُقال: شرطُ الإِضافة بمعنى «مِنْ» أن يُضاف جزءٌ إلى كل بشرطٍ صِدْقٍ اسمِ الكلِ على الجزءِ نحو: «خاتمُ فضة» و «كفارة طعامٍ» ليس كذلك، بل هي إضافة «كل» إلى جزء. وقد استشكل جماعةٌ هذه القراءة من حيث إنَّ الكفارةَ ليست للطعام إنما هي لقتلِ الصيد، كذا قاله أبو علي الفارسي وغيره، وجوابُه ما تقدَّم. ولم يخلتفِ السبعةُ في جمع «مساكين» هنا وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرقُ بينهما أنَّ قَتْل الصيد لا يُجْزيء فيه إطعامُ مسكينٍ واحد. على أنه قد قرأ عيسى بن عمر والأعرج بتنوين «كفارة» ورفع «طعام مسكين» بالتوحيد، قالوا: ومرادُهما بيانُ الجنسِ لا التوحيدُ. قوله: ﴿أَو عَدْلُ﴾ نسقٌ على «فجزاء» والجمهورُ على فتحِ العين، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري بكسرِها، وقد بَيَّنْتُ معناهما في أولَ هذا التصينف عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . و «ذلك» إشارةٌ إلى الطعام، وكيفيتُه مذكورةٌ في «التفسيرِ الكبيرِ» . و «صياماً» نصبٌ على التمييزِ لأنَّ المعنى: أو قَدْرُ ذلك صِياماً فهو كقولك: «لي مِلْؤُه عسلاً» وأصلُ «صِياماً» : «صِواماً» فَأُعِلَّ لِما عُرِف غيرَ مرة.
следующие страницы →