← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

بل يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ نعتاً أو حالاً بالاعتبارين؛ لأنه إذا أُضيف إلى» مثل «فهو باقٍ على تنكيرِه لأنَّ» مِثْلاً «لا يتعرَّفُ بالإِضافة، وكذا خصَّص مكي الوصفَ بقراءةِ إضافةِ الجزاء إلى» مِثْل «فإنه قال:» ومِن النَّعم في قراءةِ مَنْ أضاف الجزاء إلى «مِثْل» صفةً لجزاء، ويَحْسُنُ أَنْ تتعلَّق [من] بالمصدرِ فلا تكونُ صفةً، وإنما المصدرُ مُعَدَّى إلى «من النعم» ، وإذا جَعَلْتَه صفةً ف «مِنْ» متعلقةٌ بالخبرِ المحذوف وهو «فعلية» وفي هذا الكلامِ نظرٌ مِنْ وجهين، أحدُهما: قد تقدَّم وهو التخصيصُ بقراءةِ الإِضافة. والثاني: أنه حين جَعَلَ «من النَّعم» صفةً عَلَّقها بالخبرِ المحذوفِ لِما تضمَّنه مِن الاستقرار، وليس كذلك؛ لأنَّ الجارَّ إذا وَقَع صفةً تعلَّق بمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الوصفُ في الحقيقةِ، وهذا الذي جَعَلَه متعلِّقاً لهذه الصفةِ ليس صفةً للموصوف في الحقيقةِ بل هو خبرٌ عنه، ألا ترى أنك لو قلت: «عندي رجلٌ من بني تميم» أنَّ «مِنْ بين» متعلِّقٌ بوصفٍ محذوفٍ في الحقيقة لا بقولِك «عندي» ويمكن أَنْ يقال: - وهو بعيدٌ جداً - إنه أراد التعلُّقَ المعنوي، وذلك أنَّ العاملَ في الموصوفِ عاملٌ في صفتِه، و «عليه» عاملٌ في «جزاء» فهو عاملٌ في صفتِه، فالتعلقُ من هذه الحيثيةِ، ولكن إنما يتأتَّى ذلك حيث جَعَلْنا الخبرَ عاملاً في المبتدأ، أو قلنا: إنَّ الجارَّ يرفع الفاعلَ ولو لم يعتمدْ، وإنما أذكرُ هذه التوجيهاتِ لأنَّ القائلين بذلك مِمَّنْ لا يُلْغَى قولُهم بالكلية. والألفُ في «ذوا» علامةٌ الرفعِ مثَّنى، وقد تقدَّم الكلامُ في اشتقاقِ هذه اللفظةِ وتصاريفِها وقرأ الجمهورُ: ﴿ذَوا﴾ بالألف، وقرأ محمد بن جعفرٍ الصادقٍ /: «ذو» بلفظِ الإِفراد قالوا: «ولا يريدُ بذلك الوحدةَ بل يريدُ:

стр. 2942

يحكم به مَنْ هو مِنْ أهلِ العدل. وقال الزمخشري:» وقيل: أرادَ الإِمام «فعلى هذا تكونُ الوِحْدَةُ مقصودةً. و» منكم «في محلِّ رفعٍ صفةً ل» ذوا «أي إنهما يكونان من جنسكم في الدين، ولا يجوزُ أن تكونَ صفةً ل» عَدْل «لأنه مصدرٌ قاله أبو البقاء، يعني أن المصدرَ ليس مِنْ جنسِهم فكيف يُوصف بكونِه منهم؟ قوله: ﴿هَدْياً﴾ فيه ستةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه حالٌ من الضمير في» به «قال الزجاج:» وهو منصوبٌ على الحالِ، المعنى: يحكم به مقدراً أن يُهْدَى «يعني أنه حال مقدرةٌ ولا مقارنةٌ، وكذا قال الفارسي كقولِك:» معه صقرٌ صائداً به غداً «أي مُقَدِّراً الصيدَ. الثاني: أنه حالٌ من «جزاء» سواءً قُرئ مرفوعاً أم منصوباً، منوناً أم مضافاً. وقال الزمخشري «» هَدْياً «حالٌ من» جزاء «فيمَنْ وصَفَه بمثل، لأنَّ الصفةَ خَصَّصَتْه فَقَرُبَ من المعرفة، وكذا خَصَّصه الشيخ، وهذا غير واضح، بل الحاليةُ جائزةٌ مطلقاً كما تقدَّم. الثالث: أنه منصوبٌ على المصدرِ أي: يُهديه هَدْياً، ذكره مكي وأبو البقاء الرابع: أنه منصوبٌ على التمييزِ، قاله أبو البقاء ومكي، إلا أنَّ مكياً قال:» على البيان «، وهو التمييز في المعنى، وكأنهما ظَنَّا أنه تمييزٌ لِما أُبْهِم في المِثْلية، إذ ليس هنا شيءٌ يَصْلُحُ للتمييزِ غيرَها. وفيه نظرٌ من حيث إنَّ التمييزَ إنما يرفع

стр. 2943

الإِبهامَ عن الذوات لا عن الصفاتِ، وهذا كما رايتَ إنما رفع إبهاماً عن صفة، لأن الهدى صفةٌ في المعنى إذ المرادُ به مُهْدَى. الخامس: أنه منصوبٌ على محلِّ» مثل «فيمَنْ خَفَضَه، لأنَّ محلَّه النصبُ بعملِ المصدرِ فيه تقديراً كما تقدَّم تحريرُه. السادس: أنه بدلٌ من» جزاء «فيمَنْ نصبَه. و» بالغ الكعبة «صفةٌ ل» هَدْيا «ولم يتعرَّفْ بالإِضافة لأنه عاملٌ في الكعبة النصبَ تقديراً، ومثلُه، ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] وقولُ الآخرِ: ١٨١ - ٠- يا رُبَّ غابِطِنا لو كان يَطْلُبُكُمْ ... لاقَى مباعَدةً منكم وحِرْمانا في أنَّ الإِضافةَ فيها غيرُ مَحْضَةٍ. وقرأ الأعرج:» هَدِيَّاً «بكسر الدال وتشديد الياء. قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿فَجَزَآءٌ﴾ و» أو «هنا للتخييرِ، ونُقِل عن ابن عباس أنها ليسَتْ للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءةِ مَنْ رفع» فجزاءٌ «وأمَّا مَنْ نَصَبَه فقال الزمخشري» جَعَلَها خبرَ مبتدأ محذوفٍ كأنه قيل: أو الواجبُ عليه كفارةٌ، ويجوزُ أَنْ تُقَدِّر: فعليه ان يَجْزي جزاءً أو كفارةً، فتَعْطِفَ «كفارة» على «أَنْ يَجْزي» يعني أنَّ «عليه» يكونُ خبراً مقدماً، وأَنْ يَجْزي «مبتدأً مؤخراً، فَعَطَفْتَ» الكفارة «على هذا المبتدأ. وقرأ نافع وابن عامر بإضافة ﴿كفارة﴾ لِما بعدها، والباقون بتنوينِها ورفعِ ما بعدها.

стр. 2944

فأمَّا قراءةُ الجماعةِ فواضحةٌ، ورفعُ» طعام «على أحد ثلاثة أوجه، أحدها: أنه بدل من» كفارة «إذ هي من جنسِه. الثاني: أنه بيانٌ لها كما تقدَّم، قاله الفارسي وردَّه الشيخ بأنَّ مذهبَ البصريين أختصاصُ عطفِ البيان بالمعارفِ دونَ النكراتِ. قلت: أبو علي يُخالِفُ في ذلك ويستدل بأدلة، منها: ﴿شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] ، ف» زيتونةٍ «عنده عطف بيان ل» شجرة «، وكذا قولُه تعالى: ﴿مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] ، ف» صديد «عنده بدلٌ من» ماء «والبدلُ فيهما محتملٌ فلا حُجَّةَ له، والبدلُ قد يجيء للبيان. الثالث: أنه خبر مبتداً محذوف. أي: هي طعام أي: تلك الكفارة. وأمَّا قراءة نافع وابن عامر فوجهُها أنّ الكفارة لَمَّا تنوَّعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حَسُن إضافتها لأحدِ أنواعها تبييناً لذلك، والإِضافةُ تكون بأدنى ملابسه كقوله: ١٨١ - ١- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرَةٍ ... سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائبِ أضاف الكوكبَ إليها لقيامِها عند طلوعِه فهذا أَوْلَى. ووجَّهَها الزمخشري فقال: «وهذه الإِضافة مبيِّنة، كأنه قيل: أو كفارةٌ مِنْ طعام مساكين، كقولك:» خاتمُ فضةٍ «بمعنى مِنْ فضة» . قال الشيخ: «

стр. 2945

أمَّا ما زعمه فليس من هذا البابِ لأنَّ» خاتم فضة «من باب إضافةِ الشيء إلى جنسه والطعامُ ليس جنساً للكفارةِ إلا بتجوُّزٍ بعيداً جداً» انتهى. قلت: كان مِنْ حَقِّه أَنْ يقولَ: والكفارةُ ليست جنساً للطعام لأنَّ الكفارةَ في التركيب نظيرُ «خاتم» في أنَّ كلاً منهما هو المضافُ إلى ما بعده، فكما أن «خاتماً» هو الضافُ إلى جنسه ينبغي أَنْ يُقال: الكفارةُ ليست جنساً للطعام لأجل المقابلةِ، لكن لا يمكنُ أَنْ يُقال ذلك فإنَّ الكفارةَ كما تقدَّم جنسٌ للطعامِ والجزاءِ والصومِ، فالطريقُ في الردِّ على أبي القاسم أن يُقال: شرطُ الإِضافة بمعنى «مِنْ» أن يُضاف جزءٌ إلى كل بشرطٍ صِدْقٍ اسمِ الكلِ على الجزءِ نحو: «خاتمُ فضة» و «كفارة طعامٍ» ليس كذلك، بل هي إضافة «كل» إلى جزء. وقد استشكل جماعةٌ هذه القراءة من حيث إنَّ الكفارةَ ليست للطعام إنما هي لقتلِ الصيد، كذا قاله أبو علي الفارسي وغيره، وجوابُه ما تقدَّم. ولم يخلتفِ السبعةُ في جمع «مساكين» هنا وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرقُ بينهما أنَّ قَتْل الصيد لا يُجْزيء فيه إطعامُ مسكينٍ واحد. على أنه قد قرأ عيسى بن عمر والأعرج بتنوين «كفارة» ورفع «طعام مسكين» بالتوحيد، قالوا: ومرادُهما بيانُ الجنسِ لا التوحيدُ. قوله: ﴿أَو عَدْلُ﴾ نسقٌ على «فجزاء» والجمهورُ على فتحِ العين، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري بكسرِها، وقد بَيَّنْتُ معناهما في أولَ هذا التصينف عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . و «ذلك» إشارةٌ إلى الطعام، وكيفيتُه مذكورةٌ في «التفسيرِ الكبيرِ» . و «صياماً» نصبٌ على التمييزِ لأنَّ المعنى: أو قَدْرُ ذلك صِياماً فهو كقولك: «لي مِلْؤُه عسلاً» وأصلُ «صِياماً» : «صِواماً» فَأُعِلَّ لِما عُرِف غيرَ مرة.

стр. 2946

قوله: ﴿لِّيَذُوقَ﴾ فيه ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلقٌ ب «جزاء» قاله الزمشخري، قال الشيخ: «إما يتأتَّى ذلك حيث يضاف إلى» مثل «أو يُنَوِّن» جزاء «ويُنْصًبُ» مثل «وعَلَّل ذلك بأنه إذا رفع مثلاً كان صفةً للمصدر، وإذا وُصِف المصدرُ لم يعمل إلا أن يتقدم المعمول على وصفِه نحو: يعجبني الضربُ زيداً الشديدُ» فيجوز. قلت: وكذا لو جَعَلَه بدلاً أيضاً أو خبراً لِما تقدم من أنه يلزمُ أن يُتَبع الموصول أو يخبرَ عنه قبل تمامِ صلتِه وهو ممنوعٌ، وقد أَفْهَمَ كلامُ الشيخ بصريحه أنه على قراءةِ إضافة الجزاءِ إلى «مثل» يجوزُ ما قاله أبو القاسم، وأنا أقول: لا يجوزُ ذلك أيضاً لأنَّ «ليذوقَ» من تمامِ صلةِ المصدرِ، وقد عُطِف عليه قولُه «أو كفارةٌ أو عَدْلٌ» فيلزمُ أَنْ يُعْطَفَ على الموصولِ قبل تمام صلتِه، وذلك لا يجوزُ لو قلت: «جاء الذي ضَرَبَ وعمروٌ زيداً» لم يَجُزْ للفصل بين الصلة - أو أبعاضِها - والموصولِ بأجنبي، فتأمَّلْه فإنه موضعٌ حسن. الثاني: أنه متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ يَدُلُّ عليه قوةُ الكلامِ كأنه قيل: جُوزي بذلك ليذوقَ. الثالث: أنه متعلقٌ بالاستقرار المقدَّرِ قبل قولِه: ﴿فجزاء﴾ إذ التقديرُ فعليه جزاءٌ ليذوقَ. الرابع: أنه متعلق ب «صيام» أي: صومُه ليذوقَ الخامس: أنه متعلِّقٌ ب «طعام» أي: طعام ليذوقَ، ذكره هذه الأوجهَ الثلاثةَ أبو البقاء وهي ضعيفةٌ جداً، وأجودُها الأولُ. السادسُ: أنها تتعلَّقُ ب «عَدْل ذلك» نَقَله الشيخ عن بعضِ المُعْرِبين قال: - وهو كما قال - «غلطٌ» .

стр. 2947

والوَبالُ: سوءُ العاقبةِ وما يُخاف ضررُه، قال الراغب: «والوابل» المطرُ الثقيلُ القطر، ولمراعاة الثِّقَلِ قيل للأمر الذي يُخاف ضررُه: وبال، قال تعالى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [الحشر: ١٥] ، ويقال: «طعامٌ وَبيلٌ» و «كلأ وبيل» يُخاف وبالُه، قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٦] . وقال غيره: «والوبالُ في اللغةِ ثِقَلُ الشيءِ في المكروهِ، يقال:» مرعىً وبيل «إذا كان / يُسْتَوْخَمُ، و» ماء وبيلٌ «إذا كان لا يُسْتَمْرأ، واستوَبَلْتُ الأرضَ: كرهتُها خوفاً من وبالِها، والذوقُ هنا استعارةٌ بليغة. قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ﴾ » مَنْ «يجوز أن تكونَ شرطيةً، فالفاءُ جوابُها، و» ينتقمُ «خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي: فهو ينتقمُ، ولا يجوز الجزمُ مع الفاءِ البتة، ويجوز أن تكونَ موصولةً، ودخلت الفاءُ في خبر المتبدأ لَمَّا اشبه الشرطَ، فالفاءُ زائدةٌ، والجملةُ بعدها خبرٌ، ولا حاجة إلى إضمارِ مبتدأ بعد الفاءِ بخلافِ ما تقدَّم. قال أبو البقاء:» حَسَّن دخولَ الفاءِ كونُ فعلِ الشرط ماضياً لفظاً «.

стр. 2948

قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ : نسقٌ على «صيد» أي: أُحِلَّ لكم الصيدُ وطعامهُ، فالصيدُ الاصطيادُ، والطعامُ الإِطعام أي: إنه اسم مصدر، ويُقَّدَّرُ المفعولُ حينئذٍ محذوفاً أي: إطعامُكم إياه أنفسَكم، ويجوز أن يكون الصيدُ بمعنى المَصِيد. والهاءُ في «طعامُه» تعودُ على البحر على هذا أي: أُحِلَّ لكم مصيدُ البحر وطعامُ البحر، فالطعام على هذا غير الصيد، وفيه خلافٌ بين أهل التفسير ذكرْتُه في موضعه، ويجوز أن تعود الهاء على هذا الوجهِ أيضاً على الصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكونَ «طعام» بمعنى

стр. 2949

مَطْعوم، ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ ابن عباس وعبد الله بن الحرث: «وطَعْمُه» بضم الميم وسكون العين. قوله: ﴿مَتَاعاً﴾ في نصبِه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المصدر وإليه ذهب مكي وابن عطيَة وأبو البقاء وغيرهم، والتقدير: مَتَّعكم به متاعاً تنتفعون وتَأْتَدِمون به، وقال مكي: «لأنَّ قولَه» «أُحِلَّ لكم» بمعنى أَمْتَعْتُكم به إمتاعاً، كقوله: ﴿كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . والثاني: أنه مفعول من أجله، قال الزمشخري: «أي: أحلَّ لكم تمتيعاً لكم، وهو في المفعول له بمنزلة قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] في باب الحالِ، لأنَّ قوله ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ﴾ مفعولٌ له مختصٌّ بالطعام كما أنَّ» نافلةً «حالٌ مختص بيعقوب، يعني أُحِلَّ لكم طعامُه تمتيعاً لتنائكم تأكلونَه طريَّا ولسيَّارتكم يتزودونه قَديداً» انتهى. فقد خصَّص الزمخشري كونه مفعولاً له بكون الفعلِ وهو «أُحِلَّ مسنداً لقوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ وليس علة لحِلِّ الصيد، وإنما علةٌ لحِلِّ الطعام فقط، وإنما حَمَلَه على ذلك مذهبُه - وهو مذهبُ أبي حنيفة - من أنَّ صيدَ البحرِ منقسمٌ إٍلى ما يُؤْكل وإلى ما لا يؤكل، وأنَّ طعامَه هو المأكولُ منه، وأنه لا يقع التمثيلُ إلا المأكول منه طريّاً وقديداً، وقوله» نافلةً «يعني أنَّ هذه الحالَ

стр. 2950

مختصةٌ بيعقوب لأنه وَلَدُ وَلَدٍ بخلاف إسحاق فإنه ولدُه لصلبه، والنافلةُ إنما تُطْلَقُ على ولد الولد دونَ الولد، فكذا» متاعاً «إلاَّ أنَّ هذا يؤدِّي إلى أنَّ الفعل الواحدَ يُسْنَدُ لفاعلين متعاطفين يكونُ في إسناده إلى أحدهما معللاً وإلى الآخر ليس كذلك، فإذا قلت:» قام زيد وعمرو إجلالاً لك «فيجوز أن يكونَ» قيام زيد «هو المختصَّ بالإِجلال أو بالعكس، وهذا فيه إلباسٌ، وأمَّا ما أورده من الحالِ في الاية الكريمة فثَمَّ قرينةٌ أَوجَبَتْ صَرْفَ الحالِ إلى أحدِهما بخلافِ ما نحن فيه من الآية الكريمة، وأمَّا غيرُ مذهبِه فإنه يكونُ مفعولاً له غيرَ مختصٍّ بأحدِ المتعاطفين وهو ظاهرٌ جَلِيٌّ. و» لكم «إنْ قلنا» متاعاً «مصدرٌ فيجوز أن يكونَ صفةً له، ويكونُ مصدراً مبيناً لكونه وُصِف، إن قلنا إنه مفعولٌ له فيتعلَّقُ بفعلٍ محذوفٍ، أي: أعني لكم نحو:» قمتُ إجلالاً لك «، ويجوز أن تكونَ اللامُ مقويةً لتعدية المصدر، إذ التقديرُ: لأنْ أمتِّعَكم، ولأنْ أُجِلَّك، وهكذا ما جاء من نظائره. قوله: ﴿مَا دُمْتُمْ﴾ «ما» مصدريةٌ «، و» دمتم «صلتُها وهي مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: حُرِّم عليكم صيدُ البر مدةَ دوامِكم مُحْرمين. والجمهور على ضمِّ دال» دمتم «من لغة من قال: دام يدوم. وقرأ يحيى: ﴿دِمتم﴾ بكسرها من لغة مَنْ يقول: دام يدام كخاف يخاف، وهما كاللغتين في مات يموتُ ويَمات، وقد تقدَّم والجمهورُ على» وحُرِّم «مبنياً للمفعول،» صيدُ «رفعاً على قيامه مَقامَ الفاعل، وقرئ:» وحَرَّم «مبنياً» للفاعل، «صيدَ» نصباً على المفعول به. والجمهورُ أيضاً على «حُرُماً» بضم الحاء والراء جمعُ «حَرام» بمعنى مُحْرِم «ك» قَذال «و» قُذُل «. وقرأ ابن عباس ﴿حَرَماً﴾ بفتحهما، أي: ذوي حَرَم أي

стр. 2951

إحرام، وقيل: جَعَلهم بمنزلة المكان الممنوع منه، والأحسنُ أن يكون من باب» رجل عدل «جعلهم نفسَ المصدرِ فإنَّ» حَرَما «بمعنى إحرام، وتقدم أن المصدر يقع للواحدِ فما فوقُ بلفظٍ واحد. والبَرُّ معروفٌ، قال الليث:» ويستعمل نكرة يقال: جلست بَرَّا وخرجْتُ براً «قال الأزهري:» وهو من كلام المولِّدين «وفيه نظر لقول سلمان الفارسي:» إنَّ لكلِّ امرئ جَوَّانِيَّا وبَرَّانياً «أي باطنٌ وظاهرٌ، وهو من تغييرِ النسب، وقد تقدم استيفاء هذه المادةِ في البقرة. وقَدَّم» إليه «على» تُحْشرون «للاختصاص أي: تُحشرون إليه لا إلى غيره، أو لتناسُبِ رؤوس الآي.

стр. 2952

قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الله﴾ : فيها وجهان، أحدهما: أنها بمعنى صَيَّر فتتعدَّى لاثنين، أولهما «الكعبة» والثاني «قياماً» والثاني: أن تكون بمعنى خلق فتتعدى لواحد، وهو «الكعبة» و «قياماً» نصبٌ على الحال. وقال بعضهم: إنَّ «جعل» هنا بمعنى «بَيَّن» و «حَكَم» ، وهذا ينبغي أن يُحْمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة؛ إذ لم ينقل أهلُ العربية أنها تكونُ بمعنى بَيَّن ولا حَكَم، ولكن يلزم من الجَعْلِ البيانُ، وأمَّا «البيتَ» فانتصابُه على أحد وجهين: إما البدلِ وإما عطفِ البيان، وفائدةُ ذلك أن بعض الجاهلية - وهم خثعم- سَمَّوْا بيتاً الكعبةَ اليمانية فجيء بهذا البدلِ أو البيانِ تبييناً له من غيره. وقال الزمخشري: «البيتَ الحرامَ» عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفةُ كذلك «واعترض عليه الشيخ بأن شرطَ البيانِ الجمودُ، والجمودُ لا يُشْعر بمدح، وإنما يُشْعر به

стр. 2953

المشتقُّ، ثم قال:» إلا أَنْ يريدَ أنه لَمَّا وُصِف البيت بالحرام اقتضى المجموعُ ذلك فيمكنُ «. والكعبة لغةً: كلُّ بيت مربع، وسُمِّيَتْ الكعبةُ كعبةً لذلك، وأصل اشتقاق ذلك من الكَعْب الذي هو أحد أعضاء الآدمي. قال الراغب:» كَعْبُ الرجل « [العظم] الذي عند مُلْتقى الساق والقدم، والكعبة كلُّ بيتٍ على هيئتِها في التربيع، وبها سُمِّيَتِ الكعبة، وذُو الكَعَبات: بيتٌ كان في الجاهلية لبني ربيعة، وامرأة كاعِب: تكعَّب ثدياها» وقد تقدَّم القولُ في هذه المادةِ أولَ السورة. والجمهور قرؤوا هنا: «قياماً» بألفٍ بعد الياء، وابن عامر: «قِيَماً» دون ألف بزنة «عِنَب» ، والقيام هنا يحتمل أن يكون مصدراً ل «قام - يقوم» والمعنى: أنَّ اللَّهَ جعل الكعبةَ سبباً لقيامِ الناس إليها، أي: لزيارتِها والحجِّ إليها، أو لأنَّها يَصْلُح عندها أمرُ دينهم ودنياهم، فيها يَقُومون، ويجوزُ أَنْ يكونَ القيامُ بمعنى القِوام فَقُلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها، كذا قالَ الواحدي، وفيه نظرٌ إذ لا موجبَ لإِعلاله إذ هو ك «السِّواك» فينبغي أن يقال: إن القِيام والقِوام بمعنى واحد، قال: ١٨١ - ٢- قِوامُ دنيا وقِوامُ دينِ ... فأمَّا إذا دخَلَها تاءُ التأنيث لَزِمَتِ الياءُ نحو: «القيامة» وأمَّا قراءةُ

стр. 2954

ابنِ عامر فاستشكلها بعضُهم بأنه لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يكونَ مصدراً على فِعَل، وإما أن يكونَ على فِعال، فإنْ كان الأول فينبغي أن تصِحُّ الواو ك «حِوَل» و «عَوَر» وإن كان الثاني فالقصر لا يأتي إلا في شعر. وقرأ الجحدري: «قَيِّماً» بتشديد الياء وهو اسمٌ دالٌّ على ثبوت الصفة، وقد تقدَّم تحقيقُه أول النساء. قوله: ﴿والشهر الحرام والهدي والقلائد﴾ عطف على «الكعبة» ، والمفعول الثاني أو الحال محذوفٌ لفهم المعنى أي: جَعَلَ الله أيضاً الشهرَ والهَدْيَ والقلائدَ قياماً. و «ذلك» فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: الحُكْمُ الذي حَكَمْناه ذلك لا غيرُه. والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي: ذلك الحكمُ هو الحقُّ لا غيره. الثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه السِّياقُ أي: شَرَعَ اللَّهُ ذلك، وهذا أقواها لتعلُّقِ لام العلة به. و «تعلموا» منصوبٌ بإضمار «أَنْ» بعد لام كي، لا بها. و «أَنَّ الله» وما في حَيِّزها سادَّةٌ مسدَّ المفعولين أو أحدِهما على حَسَبِ الخلاف المتقدم. و ﴿وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ نسقٌ على «أنَّ» قبلها/.

стр. 2955

وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ البلاغ﴾ : في رفعه وجهان، أحدهما: أنه فاعل بالجارِّ قبله لاعتماده على النفي، أي: ما استقرَّ على الرسول إلا البلاغ. والثاني أنه مبتدأ، وخبرُه الجارُّ قبله وعلى التقديرين فالاستثناء مفرَّغٌ.

стр. 2956

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ﴾ : جوابُها محذوف أي: ولو أُعجَبك كثرة الخبيثِ لَما استوى مع الطيب، أو: لَما أجدى شيئاً في المساواة. والبلاغُ يُحتمل أن يكون مصدراً ل «بَلَّغ» مشدداً أي: ما عليه إلا التبليغُ، فجاء على حذف الزوائد، ك «نبات» بعد «أنبت» ويحتمل أن يكونَ

стр. 2957

مصدراً ل «بَلَغ» مخففاً بمعنى البلوغ، ويكون المعنى: ما عليه إلا البلوغُ بتبليغه، فالبلوغُ مستلزِمٌ فعبَّر باللازم عن الملزومِ.

стр. 2958

قوله تعالى: ﴿عَنْ أَشْيَآءَ﴾ : متعلق ب «تَسْألوا» واختلف النحويون في «اشياء» على خمسة مذاهب، أحدها - وهو رَأْي الخليل وسيبويه والمازني وجمهور البصريين -: أنها اسمُ جمعٍ من لفظ «شيء» فيه مفردةٌ لفظاً جمعٌ معنى، كطَرْفاء وقَصْباء وأصلُها: شَيْئاء بهمزتين بينهما ألف ووزنها فَعْلاء ك «طَرْفاء» فاستثقلوا اجتماعَ همزتين بينهما ألفٌ، لا سيما وقد سَبَقها حرفُ علة وهي الياءُ، وكَثُر دَوْر هذه اللفظةِ في لسانهم فَقَلبوا الكلمةَ بأَنْ قَدَّموا لامَها، وهي الهمزةُ الأولى على فائها وهي الشين فقالوا أَشْياء فصارَ وزنُها لَفْعاء، ومُنِعت من الصرف لألف التأنيث الممدودة. ورُجِّح هذا المذهبُ بأنه لم يلزْم منه شيءٌ غيرُ القلب، والقلبُ في لسانِهم كثيرٌ كالجاه والحادي والقِسِيّ وناءَ وآدُرٌ وآرام وضِئاء في قراءة قنبل وأَيِس. والأصل: وجه وواحد وقُووس ونَأَى وأَدْوُرُ وأَرْآم وضياء ويَئِس. واعترضَ بعضُهم على هذا بأن القلب على خلافِ الأصل، وأنه لم يَرِدْ إلا

стр. 2959

ضرورةً أو في قليلٍ من الكلام، وهذا مردودٌ بما قَدَّمْتُه من الأمثلةِ، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ القلبَ غير مطَّرد، وأما الشادٌّ القليل فنحو قولِهم: «رَعَمْلي» في «لَعَمْري» و «شَواعي» في «شوايع» قال: ١٨١ - ٣- وكان أَوْلاها كِعابُ مُقامِرٍ ... ضُرِبَتْ على شَزَنٍ فهنَّ شَواعِي يريد شوائع. وأمَّا المذاهبُ الآتية فإنه يَرِدُ عليها إشكالاتٌ، هذا المذهب سالمٌ منها فلذلك اعتبره الجمهورُ دونَ غيره. المذهب الثاني - وبه قال الفراء -: أن أشياء جمع ل «شيء» والأصل في شيء: شَيِّئ على فَيْعِل ك «لَيِّن» ثم خُفِّف إلى «شيء» ما خففوا لَيّناً وهَيّناً ومَيّتاً إلى لَيْن وهَيْن ومَيْت، ثم جَمَعَه بعد تخفيفِه، وأصله أَشْيِئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياءٍ بزنة أَفْعِلاء فاجتمع همزتان: لام الكلمة والتي للتأنيث، والألف تشبه الهمزة والجمع ثقيل: فَخَفَّفُوا الكلمة بأن قلبوا الهمزة الأولى ياءً لانكسار ما قبلها، فيجتمع ياءان أولاهما مكسورة، فحذفوا الياء التي هي عينُ الكلمة تخفيفاً فصارت أَشْياء، ووزنها الآن بعد الخلاف أَفْلاء، فمَنْعُ الصرفِ لأجل ألف التأنيث، وهذه طريقة بعضِهم في تصريف هذا المذهب كمكي بن أبي طالب. وقال بعضهم كأبي البقاء: لَمَّا صارت إلى أَشْيئاء حُذِفت الهمزة الثانية التي هي لام الكلمة لأنَّها بها حَصَلَ الثِّقَلُ،

стр. 2960

وفُتِحَتِ الياءُ المسكورةُ لتسلمَ ألف الجمعِ فصار وزنُها: أَفْعاء. المذهب الثالث - وبه قال الأخفش -: انَّ أَشْياء جمعُ «شَيْء» بزنة فَلْس، أي: ليس مخففاً من شَيِّئ كما يقوله الفراء، بل جمع شيء وقال «إن فَعْلاً يجمع على أَفْعِلاء فصار أَشِْيئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء، ثم عُمِل فيه ما عُمِل في مذهب الفقراء، والطريقان المذكوران عن مكي وأبي البقاء في تصريف/ هذا المذهب جاريان هنا، وأكثر المصنفين يذكرون مذهب الفراء عنه وعن الأخفش قال مكي:» وقال الفراء والأخفش والزيادي: أَشْياء وزنها أَفْعِلاء، وأصلها أَشْيِئاء، كهيِّن وأَهْوِناء، لكنه خُفِّف «ثم ذَكر تصريفَ الكملةِ إلى آخر. وقال ابو البقاء: «وقال الأخفشُ والفراء: أصلُ الكلمةِ شَيِّئ مثل هَيِّن، ثم خُفِّف بالحذف» ، وذكر التصريف إلى آخره فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئاً واحداً، والحق ما ذكرته عنهما، ويدل على ما قلته ما قاله الواحدي فإنه قال: «وذهب الفراء في هذا الحرف مذهب الأخفش» غير أنه خَلَط حين ادَّعى أنها كهيْن ولَيْن حين جمعا على أَهْوناء وأَلْيِناء، وهَيْن تخفيف «هيِّن» فلذلك جاز جمعُه على أَفْعِلاء، وشَيء ليس مخففاً من «شَيِّئ» حتى يُجْمع على أَفْعِلاء، وهذان المذهبان - أعني مذهب الفراء والأخفش - وإن سَلِما من منع الصرف بغيرِ علة فقد رَدَّها الناس، قال الزجاج: «وهذا القولُ غلطٌ لأنَّ» شَيْئاً «فَعْل، وفَعْل لا يجمع على أَفْعِلاء،

стр. 2961

فأما هَيِّن ولَين فأصلُه: هَيين ولَيين، فجُمع [على] أَفْعِلاء، كما يُجمع فعيل على أَفعْلاء مثل: نصيب وأَنْصباء» قلت: وهذا غريبٌ جداً، أعني كونَه جَعَل أنَّ أصلَ هيّن هَيين بزنةَ فَعِيل، وكذا لَيّن ولَيِين، ولذلك صرح بتشبيههما بنصيب، والناس يقولون: إن هَيِّناً أصله هَيْوِن، كميِت أصلُه مَيْوِت ثم أُعِل الإِعلالَ المعروف، وأصلُ لَيّن: لَيْيين بياءين، الأولى ساكنة والثاينة مكسورة، فأُدْغمت الأولى، والاشتقاقُ يساعدهم، فإن الهيِّن من هانَ يهون، ولأنهم حين جمعوه على أَفْعلاء أظهروا الواوَ فقالوا: أَهْوِناء. وقال الزجاج: «إن المازني ناظر الأخفش في هذه المسألة فقال له: كيف تُصَغَّر اشياء؟ قال: أقول فيها أُشَيَّاء. فقال المازني: لو كانت أَفْعالاً لرُدَّت في التصغير إلى واحدها وقيل: شُيَئْات مثل شُعَيْعات، وإجماعُ البصريين أن تصغير أصدقاء إن كان لمؤنث» صُدّيَّقات «، وإن كان لمذكر:» صُدَيِّقون «فانقطع الأخفش» . قلت: وبَسْطُ هذا أنَّ الجمعَ المكسَّرَ إذا صُغِّر: فإمَّا أن يكون من جموعِ القلة وهي أربعٌ على الصحيح: أَفْعِلة وأَفْعُل وأَفْعال وفِعْلة، فيُصَغَّرُ على لفظة، وإن كان من جموع الكثرة فلا يُصغَّر على لفظِه على الصحيح، وإنْ وَرَدَ منه شيءٌ عُدَّ شاذاً ك «أُصَيْلان» تصغير «أُصْلان» جمع «أَصيل» بل يُرَدُّ إلى واحدِه. فإنْ كان من غير العقلاء صُغِّر وجُمِع بالألفِ والتاءِ فتقول في تصغير حُمُر جمع حمار: «حُمَيْرات» ، وإن كان من العقلاء صُغِّر وجُمع بالواو والنون، فتقول في تصغير «رجال» : «رُجَيْلون، وإن كان اسم جمع ك» قوم «و» رهط «اسم جنس ك» قمر «و» شجر «صُغِّر على لفظه كسائر المفردات. رجَعْنا إلى أشياء فتصيغرُهم لها على لفظِها يَدُلُّ على أنها اسم جمع، لأن اسم الجمع يُصِغَّر على لفظه نحو: «رُهَيْط» و «قُوَيْم» وليست بجمع تكسر إذ هي من جموعِ الكثرة ولم ترَدَّ إلى واحدها، وهذا لازمٌ للأخفش لأنه بصري، والبصري لا بدَّ

стр. 2962

وأن يفعل ذلك، وأُصَيْلان عنده شاذ فلا يقاس عليه، وفي عبارة مكي قال: «وأيضاً فإنه يَلْزمهم أن يصغِّروا أشياء على شُوَيَّات أو على شُيَيْئات وذلك لم يَقُلْه أحد» قلت: قوله «شُوَيَّات» ليس بجيد، فإنه هذا ليس موضعَ قلبِ الياء واواً/، ألا ترى أنك إذا صَغَّرت بيتاً قلت: بُيَيْتاً لا بُوَيْتاً، إلا أن الكوفيين يُجيزون ذلك فيمكن أن يرى رأيهم وقد ردَّ مكي أيضاً مذهبَ الفراء والأخفش بشيئين، أحدهما: أنه يلزم منه عدمُ النظير إذ لم يقع أَفْعِلاء جمعاً ل فَيْعِل فيكون هذا نظيرَه، وهَيّن وأهْوناء شاذٌّ لا يقاس عليه. والثاني: أن حذفَه واعتلالَه مُجْرى على غير قياس، فهذا القولُ خارجٌ في جمعه اعتلالِه عن القياس والسماع «. المذهب الرابع - وهو قول الكسائي وأبي خاتم - أنها جمع شيء على أَفْعال ك» بَيْت «و» أبيات «و» ضيف «و» أضياف «واعترض الناس هذا القول بأنه يَلْزَم منه منعُ الصرف بغير علته إذ لو كان على» أَفْعال «لا نصرفَ كأبيات. قال الزجاج:» أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قولَ الكسائي خطأ، وألزموه ألاَّ يَصْرف أنباء وأسماء «قلت: والكسائي قد استشعر بهذا الردِّ فاعتذر عنه ولكن بما لا يُقبل، قال الكسائي ﵀:» هي - أي أَشْياء - على وزن أَفْعال ولكنها كَثُرت في الكلام فَأَشْبهت فَعْلاء فلم تُصْرَفْ كما لم يُصْرَفْ حَمْراء «قال:» وجَمَعوها أَشاوَى كما جمعوا عَذْراء وعذارى، وصَحْراء وصحارى، وأَشْياوات كما قيل حَمْراوات «، يعني أنهم عامَلوا» أَشْياء «وإن كانت على أفعال معاملةَ حَمْراء وعَذْراء في جمعي التكسير والتصحيح. إلا أن

стр. 2963

الفراء والزجاج اعترضا على هذا الاعتذار، فقال الفراء:» لو كان كما قال لكان أملكَ الوجهين أَنْ تُجْرَى، لأن الحرف إذا كَثُر في الكلام خَفَّ وجاز أن يُجْرَى كما كَثُرت التسمية ب «يزيد» ، وأَجْروه في النكرة وفيه ياءٌ زائدة تَمْنَعُ من الإِجراء «قلت: يعني بالإِجراء الصرف. وقال الزجاج:» أجمع البصريون وأكثر الكوفيين «وقد تقدم آنفاً. وقال مكي:» وقال الكسائي وأبو عبيد: لم تَنْصَرف - أي أشياء- لأنها أشبهت «حمراء» لأن العرب تقول: أَشْياوات «كما تقول: حَمْراوات، قال:» ويلزمهما ألاَّ يَصْرِفا في الجمع أسماء وأبناء، لقول العرب فيهما: أسماوات وأبناوات «قلت: قد تقدم شرح هذا، ثم إنَّ مكّيّاً بعد أن ذكر عن الكسائي ما قَدَّمْتُه ونقل مذهب الأخفش والفراء قال:» قال أبو حاتم: أَشْياء أَفْعال جمع شيء كأبيات «فهذا يُوهم أن مذهب الكسائي المتقدم غيرُ هذا المذهب، وليس كذلك بل هو هو قلت: وقد أجاب بعضهم عن الكسائي بأن النحويين قد اعتبروا في بابِ ما لا ينصرف الشبهَ اللفظيَّ دون المعنوي، يَدُلُّ على ذلك مسألة سراويل في لغةِ مَنْ يمنعُه فإنَّ فيه تأويلين، أحدهما: أنه مفردٌ أعجمي حُمِل على مُوازِنه في العربية، أي صيغة مصابيح مثلاً، ويَدُلُّ له أيضاً أنهم أَجْروا ألفَ الإِلحاق المقصورة مُجرى ألف التأنيث المقصورة، ولكن مع العلمية، فاعتبروا مجردَ الصورة، ولولا خوفُ الإِطالة لذكرت له نظائر كثيرة. المذهب الخامس: أنَّ وزنها أَفْعِلاء ايضاً جمعاً ل «شَيِيْءٌ بزنة ظريف، وفَعيل يجمع على أَفعلاء ك نَصيب وأنْصِباء، وصَدِيق وأًصْدقاء، ثم حُذِفت الهمزة الأولى التي هي لامُ الكلمة، وفُتحت الياءُ لتسلمَ ألفُ الجمع فصارت أَشْياء ووزنُها بعد الحذف أَفْعاء، وجعله مكياً في التصريف

стр. 2964

كتصريف مذهب الأخفش من حيث إنه تُبدل الهمزة ياءً ثم تُحْذف إحدى الياءين. قال: ﵀:» وحَسَّن الحذفَ في الجمع حَذْفُها في الواحد، وإنما حُذفت من الواحد تخفيفاً لكثرة الاستعمال إذ «شيء» يقع على كل مسمَّى من عَرَضٍ أو جوهرٍ أو جسمٍ فلم ينصرف همزةِ التأينث في الجمع. قال: «وهذا قولٌ حسنٌ جارٍ في الجمع وتُرِكَ الصرفُ على القياس، لولا أنَّ التصغير يعترضه كما اعترض الأخفش» قلت: قوله «هذا قول حسن» فيه نظر لكثرة ما يَرِد عليه وهو ظاهر ممَّا تقدم، ولمَّا ذكر الشيخ هذا المذهب قال في تصريفه: «ثم حذفت الهمزة الأولى/ وفتحت ياء المد لكون ما بعدها ألفاً» قال: «وزنُها في هذا القول ألى أفياء، وفي القول قبله إلا أَفْلاء» كذا رأيته «أفياء» بالياء، وهذا غلط فاحش، ثم إني جَوَّزتُ أن يكون هذا غلطاً عليه من الكاتب، وإنما كانت أَفْعاء بالعين فصحَّفها الكاتب إلى أَفْياء. وقد ردَّ الناس هذا القول: بأنَّ أصل شيء: شَيِيْء بزنة صديق دعوى من غير دليل، وبأنه كان ينبغي ألاَّ يُصَغَّر على لفظه، بل يُرَدُّ إلى مفرده كما تقدم تحريره. وقد تلخص القول في أشياء: أنها هل هي اسم جمع وأصلها شَيْئاء كطَرْفاء، ثم قُلِبت لامُها قبل فائِها فصارَ وزنُها لَفْعاء أو جمعٌ صريح؟ وإذا قيل بأنها جمع صريح فهل أصلها أَفْعِلاء، ثم تحذف، فتصير إلى أَفْعاء أو أَفلاء، أو أنَّ وزنَها أفعال كأبيات. ولولا خلف الخروج عن المقصود لذكرت المسألة بأطرافِها متسوفاةً، ولكنَّ في هذا كفايةً لائقةً بهذا الموضوع. قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدَ﴾ شرط، وجوابه «تَسُؤكم» ، وهذه الجملة الشرطية في محل جر صفة ل «أشياء» ، وكذا الشرطية المعطوفة ايضاً. وقرأ ابن عباس: «إن تَبءدُ لكم تَسُؤْكم» ببناء الفعلين للفاعل مع كون حرف

стр. 2965

المضارعة تاءً مثناة من فوق، والفاعل ضمير «أشياء» . وقرأ الشعبي - فيما نقله عنه أبو محمد ابن عطية: ﴿إنْ يَبْدُ﴾ بفتح الياء مت تحت وضم الدال، «يَسُؤْكم» بفتح الياء من تحت، والفاعل ضمير عائد على ما يليق تقديره بالمعنى، أي: إن يَبْدُ لكم سؤالكم أو سؤلكم يسؤكم، ولا جائز أن تعود على «أشياء» لأنه جارٍ مجرى المؤنث المجازي، ومتى أسند فعلٌ إلى ضمير مؤنث مطلقاً وَجَبَ لَحاقُ العلامة على الصحيح، ولا يُلتفت لضرورة الشعر، ونقل غيره من الشعبي أنه قرأ: ﴿يُبْدَ لكم يَسُؤْكم﴾ بالياء من تحت فيهما إلا أنه ضمَّ الياء الأولى وفتح الثانية، والمعنى إنْ يُبْدَ - أي يظْهَر - السؤال عنها يَسُؤكم ذلك السؤالُ أي جوابه، أو هو، لأنه سببٌ في لك والمُبْدِية هو اللَّهُ تعالى. والضميرُ في «عنها» يحتمل أن يعودَ على نوعِ الأشياءِ المَنْهِيَّ عنها لا عليها أنفسِها، قاله ابن عطية، ونقله الواحدي عن صاحبِ «النظم» ونظَّره بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] يعني آدم، «ثم جَعَلْناه» قال «يعني ابن آدم» فعاد الضميرُ على ما دل عليه الأول، ويحتمل أن يعود عليها أنفسها، قال الزمخشري بمعناه. قوله: ﴿حِينَ يُنَزَّلُ القرآن﴾ في هذا الظرف احتمالان، احدهما: - وهو الذي يَظْهَرُ، ولم يَقُل الزمخشري - غيرَه-: أنه منصوبٌ ب «تسألوا» ، قال الزمخشري: «وإنْ تَسْألوا عنها: عن هذه التكاليفِ الصعبةِ، حين يُنَزَّلُ القرآن: في زمانِ الوَحْي، وهو ما دام الرسولُ بين أَظْهُرِكم يُوحى إليه تَبْدُ لكم تلك التكاليفُ التي تَسُؤكم وتُؤْمروا بتحمُّلها. فَتُعَرِّضوا أنفسَكم لغضبِ اللَّهِ

стр. 2966

لتفريطِكم فيها» ومن هنا قلت لك: إنَّ الضمير في «عنها» عائدٌ على الأشياءِ الأوَلِ لا على نوعِها. والثاني: أنَّ الظرفَ منصوبٌ ب «تُبْدَ لكم» أي: تَظْهَرْ لكم لتك الأشياءُ حين نزولِ القرآن. قال بعضهم: «في الكلام تقديمُ وتأخيرٌ، لأنَّ التقديرَ: عن أشياْاء إنْ تُسْأَلوا عنها تُبْدَ لكم حين نزولِ القرآن، وإن تُبْدَ لكم تَسُؤْكم» ولا شك أن المعنى على هذا الترتيب، إلا أنه لا يُقال في ذلك تقديمُ وتأخيرٌ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً فلا فرقَ، ولكن إنما قُدِّم هذا أولاً على قوله: ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ﴾ لفائدةٍ وهي الزجرُ عن السؤالِ فإنه قدَّم لهم أنّ سؤالهم عن أشياءَ متى ظهرت أساءَتْهم قبل أن يُخْبرَهم بأنهم إنْ سألوا عنها بَدَتْ لهم لينزجروا، وهو معنىً لائقٌ. قوله: ﴿عَفَا الله عَنْهَا﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محلِّ جر لأنه صفةٌ أخرى ل «أشياء» والضميرُ على هذا في «عنها» يعود على «أشياء» ولا حاجةَ إلى ادِّعاء التقديمِ والتأخير في هذا كما قال بعضهم، قال: «تقديرُه: لا تَسْأَلوا عن اشياءَ عفا الله عنها إنْ تُبْدَ لكم إلى آخر الآية/، لأنَّ كلاً من الجملتين الشرطيتين وهذه الجملة صفةٌ ل» أشياء «فمن أين أنَّ هذه الجملة مستحقةٌ للتقديم على ما قبلَها؟ وكأنَّ هذا القائل إنَّما قَدَّرها متقدمةً ليتضحَ أنها صفةٌ لا مستأنفةٌ. والثاني: أنها لا محل لها لاسئنافِها، والضميرُ في» عنها «على هذا يعودُ على المسألةِ المدلولِ عليها ب» لا تَسْألوا «ويجوزُ أَنْ تعودَ على» أشياء «وإنْ كان في الوجه الأولِ يتعيَّن هذا لضرورة الربطِ بين الصفةِ والموصوفِ.

стр. 2967

قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ : الضميرُ في «سألها» ظاهرُه يعود على «أشياء» لكن قال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف قال: لا تَسْالوا عن أشياء، ثم قال:» قد سَألَها «ولم يقل سَألَ عنها؟ قلت: [الضميرُ في

стр. 2968

سألها] ليس يعودُ على أشياءَ حتى يَتَعدَّى إليها ب» عن «، وإنما يعودُ على المسألةِ المدلولِ عليها بقوله:» لا تَسْألوا «أي: قد سأل المسألةَ قومٌ، ثم أصبحوا بها - أي بمرجوعِها - كافرين» ونحا ابن عطية مَنْحاه. قال الشيخ: «ولا يتجه قولُهما إلى حذف مضاف، وقد صَرَّح به بعضُ المفسرين، أي: قال سأل أمثالَها أي: أمثالَ هذه المسألة أو أمثالَ هذه السؤالات» . وقال الحوفي في «سألها» : «الظاهرُ عَوْدُ الضميرِ على» أشياء «ولا يتجه حَمْلُه على ظاهرِه لا مِنْ جهة اللفظ العربي ولا من جهةِ المعنى، أمَّا من جهة اللفظ فلأنه كان ينبغي أن يُعْدَّى ب» عن «كما عُدِّي في الأول، وأمَّا من جهةِ المعنى فلأن المسؤولَ عنه مختلِفٌ قطعاً، فإنَّ سؤالهم غيرُ سؤالِ مَنْ قبلهم، فإنَّ سؤالَ هؤلاء مثلُ مَنْ سأل: أين ناقتي وما بطن ناقتي، وأين أبي وأين مَدْخَلي؟ وسؤالُ أولئك غيرُ هذا نحو: ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً﴾ [المائدة: ١١٤] ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ﴿اجعل لَّنَآ إلها﴾ [الأعراف: ١٣٨] ونحوه. وقال الواحدي: - ناقلاً عن الجرجاني -» وهذا السؤالُ في الايات يخالِفُ معنى السؤال في قوله: ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا﴾ ألا ترى أنَّ السؤال في الآية الأولى قد عُدِّي بالجار، وها هنا لم يُعَدَّ بالجار، لأن السؤالَ ها هنا طَلَبٌ لعينِ الشيء نحو: «سَأَلْتُك درهماً» أي طلبته منك، والسؤالُ في الآية الأولى سؤالٌ عن حالِ الشيء وكيفيتِه، وإنما عَطَفَ بقوله ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ على ما قبلَها وليست بمثلِها في التأويل، لأنه إنما نَهاهم عن تكليف ما لم يُكَلَّفوا، وهو مرفوعٌ

стр. 2969

عنهم «قلت: ويجوز أن يعودَ على» أشياء «لفظاً لا معنىً كما قال النحويون في مسألة:» عندي درهمٌ ونصفُه «أي: ونصفُ درهمٍ آخرَ، ومنه: ١٨١ - ٤- وكلُّ أُناسٍ قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... ونحنُ خَلَعْنا قيدَه فَهْوَ سارِبُ قوله: ﴿مِّن قَبْلِكُم﴾ متعلق بقوله: ﴿سَأَلَهَا﴾ فإنْ قيل: هل يجوزُ أن يكونَ صفةً لقوم؟ قلت: منعَ من ذلك جماعةٌ معتلِّين بأنَّ ظرف الزمان لا يقعُ خبراً ولا صفةً ولا حالاً عن الجثة، وقد تقدَّم لك نحوٌ من هذا في أولِ البقرة عند قوله: ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ [الآية: ٢١] ، فإنَّ الصلةَ كالصفة، و» بها «متعلق ب» كافرين «وإنما قُدِّم لأجلِ الفواصلِ. والنخعي قرأ:» سالها «بالامالة من غير همزٍ وهما لغتان، ومنه يَتَساولان فإمالتُه ل» سأل «كإمالة حمزة» خاف «وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البقرةِ عند ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [الآية: ٦١] و ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ﴾ [الآية: ٢١١] .

стр. 2970

قوله تعالى: ﴿مِن بَحِيرَةٍ﴾ : «مِنْ» زائدةٌ لوجودِ الشرطين المعروفين «وجَعَلَ» يجوز أن يكونَ بمعنى «سَمَّى» ويتعدى لمفعولين، أحدهما محذوف، والتقدير: ما جعَلَ - أي ما سَمِّى - اللهُ حيواناً بَحِيرةً.

стр. 2971

قاله أبو البقاء وقال ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء: «إنها تكونُ معنى شَرَعَ ووضع. أي: ما شَرَع اللهُ ولا أمره» وقال الواحدي - بعد كلامٍ طويل - «فمعنى ما جعل اللهُ مِنْ بَحيرةٍ: ما أوجبَها ولا أمر بها» وقال ابن عطية: «وجَعَلَ في هذه الآيةِ لا تكون بمعنى» خلق «لأنَّ الله خَلَق هذه الأشياء كلها، ولا بمعنى» صَيَّر «لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان، فمعناه: ما سَنَّ الله ولا شَرَع. ومنع الشيخ هذه النقولاتِ كلِّها بأنَّ» جَعَل «لم يَعُدَّ اللغويون من معانيها شرع، وخَرَّج الآية على التصيير، ويكونُ المفعولُ الثاني محذوفاً أي: ما صَيَّر الله بحيرةً مشروعةً. والبَحيرة: فَعِلية بمعنى مَفْعولة، فدخولُ تاءِ التأنيث عليها/ لا ينقاس، ولكن لَمَّا جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ الجوامدِ أُنِّثت، وهذا قد أوضَحْتُه في قولِه ﴿والنطيحة﴾ [المائدة: ٣] . واشتقاقُها من البَحْر، والبَحْر: السَّعَةُ، ومنه» بَحْرُ الماءِ «لسَعَتِه. واختلف أهلُ اللغة في البَحِيرة عند العرب ما هي؟ اختلافاً كثيراً. فقال أبو عبيد:» هي الناقةُ التي تُنْتِج خمسةَ أبطنٍ في آخرها ذَكَرٌ فتُشَقُّ أذنُها وتُتْرَكُ فلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ ولا تُطْرَدُ عن مَرْعَى ولا ماءٍ، وإذا لَقِيها المُعْيي لم يركبها. وروي ذلك عن ابن عباس، إلا أنه لم يذكر في آخرها ذكَرا وقال بعضهم: «إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن نُظر في الخامس: فإن كان ذكرا ذبحوه وأكلوه، وإن كان أنثى شَقُّوا أذنها وتركوها تَرْعى وتَرِدُ ولا تُرِكَبُ

стр. 2972

ولا تُحلب فهذه هي البحيرة» ورُوِي هذا عن قتادة. وقال بعضهم: «البحيرة: الأنثى التي تكون خامسَ بطنٍ كما تقدَّم بيانُه، إلا أنها لا يَحِلُّ للنساء لحمها ولا لبنها، فإنْ ماتت حَلَّت لهن» وقال بعضهم: «البحيرة: بنت السائبة» وسأتي تفسير السائبة، فإذا وَلدت السائبة أنثى شقوا أذنها وتركوها مع امها ترعى وتَرِدُ ولا تكرب حتى للمُعْيّي، وهذا قولُ مجاهد بن جبر. وقال بعضُهم: «هي التي مُنِع دَرُّها - أي لَبَنُها - لأجل الطواغيت، فلا يَحْلِبُها أحدٌ. وقال بهذا سعيد بن المسيب. وقيل: هي التي تُتْرَكُ في المَرْعى بلا راعٍ، قاله أبنُ سيده وقيل: إذا وَلَدَتْ خمسَ إناث شَقُّوا أذنَها وتركوها. وقال بعضُهم - ويُعْزَى لمسروق -:» إنها إذا وُلِدت خمساً أو سبعاً شَقُّوا أذنَها «وقيل: هي الناقةُ تَلِدُ عشرةَ أبطن فَتُشَقُّ أذنُها طولاً بنصفين، وتُتْرَكُ فلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ ولا تُطْرَدُ عن مرعى ولا ماء، وإذا ماتَتْ حَلَّ لحمُها للرجال دون النساء» ، نقله ابن عطية، وكذا قاله أبو القاسم الراغب. وقيل: البحيرة السِّقْبُ إذا وُلِد نحروا أذنه، وقالوا: اللهم إن عاش فَقَنِيّ وإن مات فَذَكيّ، فإذا مات أكلوه. ووجه الجمع بين هذه الأقوالِ الكثيرةَ أنَّ العربَ كانت تختلف أفعالُها في البحيرة. والسائبة قيل: كان الرجلُ إذا قَدِم من سفر أو شكر نعمة سَيِّبَ بعيراً فلم يُرْكَبْ ويفعل به ما تقدم في البحيرة، وهذا قول أبي عبيد. وقيل: هي

стр. 2973

الناقة تُنْتِجُ عشر إناث فلا تُرْكب ولا يَشْرب لبنها إلا ضيفٌ أو ولدٌ، قاله الفراء وقيل: ما تُرِك لآلهتهم، فكان الرجل يجيء بماشيته إلى السدنة فيتركه عندهم ويسيل لبنه. وقيل: هي النقة تُتْرك ليُحَجَّ عليها حَجَّة، ونُقِل ذلك عن الشافعي. وقيل: هوالعبدُ يُعْتَقُ ألاَّ يكونَ عليه ولاءٌ ولا عقلٌ ولا ميراثٌ. والسائِبَةُ هنا: فيها قولان، أحدُهما: أنها اسم فاعل على بابه من ساب يَسِيب أي يَسْرَح، كسَيِّب الماء، وهو مطاوعُ سِبْتُه، يقال: سَيَّبْتُه فساب وانساب. والثاني: أنه بمعنى مَفْعول نحو: «عيشةٌ راضية» ومجيءُ فاعِل بمعنى مَفْعول قليلٌ جداً نحو: «ماء دافق» والذي ينبغي أَنْ يُقال: إنه فاعل بمعنى ذي كذا أي: بمعنى النسب، نحو قولهم: لابن أي: صاحبُ لبن، ومنه في أحدِ القولين: «عيشةٌ راضية وماء دافق» أي: ذات رضى وذا دفق، وكذا هذا، أي: ذات سَيْبٍ. والوصيلةُ هنا فَعِيلة بمعنى فاعِله على ما سيأتي تفسيره، فدخول التاءِ قياسٌ. واختلف أهلُ اللغةِ فيها هل هي من جنسِ الغنم أو من جنس الإِبل؟ ثم اختلفوا بعد ذلك أيضاً، فقال الفراء: «هي الشاةُ تُنْتِجُ سبعةَ أبطن عَنَاقَيْن عَناقَيْن، فإذا وَلَدَت في آخرها عَناقاً وجَدْياً قيل: وصلت أخاها فَجَرّتْ مَجْرى السائبة» وقال الزجاج: «هي الشاة إذا وَلَدتْ ذكراً كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم» وقال ابن عباس: ﵁ هي الشاةُ تُنْتِجُ سبعة أبطن، فإذا كان السابع أنثى لم تنتفع النساءُ منها بشيء، إلا أَنْ تموتَ فيأكلَها الرجال والنساء، وإنْ كانت ذكراً ذبحوه وأكلوه جميعاً، وإنْ كان

стр. 2974

ذكراً وأنثى قالوا: وَصَلت أخاها فيتركونها معه لا تُذْبَحُ ولا ينتفع بها إلا الرجالُ دونَ النساء، فإنْ ماتَتْ اشتركنْ مع الرجال فيها «. وقال ابن قتيبة:» إن كان السابع ذكراً ذُبح وأكله الرجال دونَ النساء، وقالوا: «خالصةٌ لذكورِنا ومُحَرَّمٌ على أزواجِنا» وإنْ كان أنثى تُرِكَتْ في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى فكقول ابن عباس: وقيل: «هي الشاة تنتج عشر إناثٍ متواليِاتٍ في خمسة أبطن ثم ما وَلَدت بعد ذلك فاللذكور دون الإِناث، وبهذا قال أبو اسحاق وأبو عبيدة، إلا ان أبا عبيدة قال:» وإذا ولدت ذكراً وأنثى معاً قالوا: وَصَلت أخاها فلم يذبحوه لمكانها «. وقيل: هي الشاة تنتج خمسةَ أبطن أو ثلاثةً، فإن كان جَدْياً ذبحوه، وإن كان أنثى أَبْقَوْها، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها هذا كلُّه عند مَنْ يَخُصُّها بجنس الغنم. وأما من قال إنها من الإِبل فقال: «هي الناقة تبتكر فتلد أنهى ثم تُثَنَّي بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم، ويقولون: قد وَصَلَت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر» . والحامي: اسمُ فاعل من حَمَى يَحْمي أي: منع، واختلف فيه تفسير أهل اللغة، فعن الفراء: «هو الفحل يُولد لولدِ ولدِه» فيقولون: قد حَمَى ظهرَه، فلا يُرْكب ولا يُستعمل ولا يُطْرَدُ عن ماء ولا شجر «وقال بعضهم:» هوالفحل يُنْتِجُ من يبن أولاده ذكورها وإناثها عشرَ إناث «روى ذلك ابن عطية وقال بعضُهم:» هوالفحل يولَدُ من صلبِه عشرةُ أبطن، فيقولون قد حمى ظهره، فيتركونه كالسائبة فيما تقدم، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود

стр. 2975

وإليه مال أبو عبيدة والزجاج ورُوِي عن الشافعي أنه الفحل يَضْرِب في مال صاحبه عشرَ سنين. وقال ابن زيد: «هو الفحل يُنتج له سبع إناث متواليات فيحمي ظهرَه فيُفْعل به ما تقدم. وقد عرفت منشأ خلاف أهل اللغة في هذه الأشياء أنه باعتبار اختلاف مذاهب العرب وآرائهم الفاسدة فيها. وقد أنشدوا في البَحِيرة قوله: ١٨٤ - ٥- مُحَرَّمَةٌ لا يَطْعَمُ الناسُ لحمَها ... ولا نحن في شيءٍ كذاك البحائرُ وأنشد في السائبة قوله: ١٨١ - ٦- وسائبةٍ لله مالي تشكُّرا ... إنِ اللهُ عافَى عامراً أو مجاشعا وأنشدوا في الوصيلة لتأبط شراً: ١٨١ - ٧- أجِدَّك أمَّا كنت في الناسِ ناعقاً ... تراعي بأَعْلى ذي المجازِ الوَصايلا وأنشدوا في الحامي قوله: ١٨١ - ٨- حَماها أبو قابوسَ في عِزِّ ملكِه ... كما قد حَمَى أولادَ أولادهِ الفحلُ

стр. 2976

قوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ : «حسبنا» مبتدأ وقد تقدم أنه في الأصل مصدرٌ والمرادُ به اسم الفاعل أي: كافينا، وتفسيرُ ابن عطية له ب «كفانا» تفسيرُ معنىً لا إعراب. و «ما وَجَدْنا» هو الخبر، و «ما» ظاهرُها أنها موصولة اسمية، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة أي: كافينا الذي وجدنا، و «وجد» يجوز أن يكون بمعنى المصادفة، ف «عليه» يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب «وجدنا» وأنه متعدٍ لواحد. والثاني: أنه حال من «آباءنا» أي وجدناهم مستقرين عليه، ويجوز أن يكونَ بمعنى العلم فيتعدى لاثنين ثانيهما «عليه» . وقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ قد تقدم إعراب هذا في البقرة وما قالوا فيه: وأنَّ «لو» هنا معناها الشرط وأنَّ الواوَ للحال، وتقدم تفسيرُ ذلك كله فأغنى عن إعادته، إلا أنَّ ابنَ عطية قال هنا. «ألف التوقيف دخلت على واو العطف» قلت: «تسميةُ هذه الهمزةِ للتوقيف فيه غرابةٌ في الاصطلاح. وجَعَل الزمخشري هذه الواوَ للحال، وابنُ عطية جعلها عاطفةً، وتقدَّم الجمعُ بين كلامهما في البقرة فعليك بالالتفات إليه، واختلاف الألفاظ في هاتين الآيتين - أعني أية البقرة وآية المائدة - من نحو قولِه هناك:» اتبعوا «وهنا» تعالَوْا «وهناك» أَلْفَيْنا «وهنا» وجدنا «من باب التفنّن في البلاغة، فلا تُطْلَبُ له مناسبةٌ، وإن كنتُ قد تكلَّفْتُ ذلك ونقلته عن الناس في كتاب» التفسير الكبير «.

стр. 2977

قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ : الجمهورُ على نصب «أنفسكم» وهو منصوب على الإِغراء ب «عليكم» ؛ لأنَّ «عليكم» هنا اسمُ فعل

стр. 2978

إذ التقدير: الزموا أنفسَكم أي: هدايتَها وحِفْظَها مِمَّا يؤذيها، ف «عليكم» هنا يرفع فاعلاً تقديره: عليكم أنتم، ولذلك يجوز أن يُعْطَفَ عليه مرفوع نحو: «عليكم أنتم وزيدٌ الخيرَ» كأنك قلت: الزموا أنتم زيدٌ الخيرَ. واختلف النحاة في الضميرِ المتصلِ بها وبأخواتِها نحو: إليك ولديك ومكانك، فالصحيح أنه في موضعِ جر كما كان قبلَ تُنْقَلَ الكلمة إلا الإِغراء، وهذا مذهب سيبويه واستدل له الأخفش بما حكى عن العرب «على عبدِ الله» بجرِّ «عبد الله» وهو نص في المسألة. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل وفيه بُعْدٌ لنصب ما بعدهما، أعني «على» وما بعدها كهذه الآية. وذهب الفراء إلى انه مرفوعُه، وقد حَقَّقْتُ هذه المذاهبَ بدلائلها مبسوطة في «شرح التسهيل» . وقال أبو البقاء: - بعد أن جعل «كم» في موضع جر ب «على» بخلافِ رُوَيدَكم فإن الكاف هناك للخطاب ولا موضعَ لها، فإن «رويد» قد استُعْمَلِتْ للأمر المواجَهِ من غير كاف الخطاب، وكذا قولُه تعالى: ﴿مَكَانَكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] «كم» في محل جر «. قلت: في هذه المسألة كلامٌ طويل، صحيحُه أنَّ» رويد «تارةً يكون ما بعدها مجرورَ المحلِّ وتارةً منصوبَه، وليس هذا موضعه، وقد قَدَّمْتُ في سورةِ النساءِ الخلافَ في جواز تقديم معمول هذا الباب عليه. وقرأ نافع بن أبي نعيم:» أنفسُكم «رفعاً فيما حكاه عنه صاحب» الكشاف «وهي مُشْكَلِةٌ وتخريجُها على أحد وجهين: إما الابتداء، و» عليكم «خبره مقدم عليه، والمعنى على الإِغراء أيضاً، فإن الإِغراء قد جاء بالجملة الابتدائية، ومنه قراءةُ بعضِهم ﴿ناقةُ الله وسُقْياها﴾ [الشمس: ١٣] وهذا تحذيرٌ

стр. 2979

وهو نظيرُ الإِغراء، والثاني من الوجهين: أن تكون توكيداً للضمير المستترِ في» عليكم «لأنه كما تقدم قائمةٌ مقامَ الفعل، إلا أنه شَذَّ توكيدُه بالنفس من غير تأكيد بضمير منفصل، والمفعول على هذا محذوفٌ، تقديرُه: عليكم أنتم أنفسُكم صلاح حالكم وهدايتكم. قوله: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ﴾ قرأ الجمهور بضم الراء مشددة. وقرأ الحسن البصري: ﴿لا يَضُرْكم﴾ بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم النخعي: ﴿لا يَضِرْكم﴾ بكسر الضاد وسكون الراء، وقرأ أبو حيوة: ﴿لا يَضْرُرُكم﴾ بسكون الضاد وضم الراء الأولى والثانية. فأمَّا قراءة الجمهور فتحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونَ الفعلُ فيها مجزوماً على جواب الأمر في» عليكم «وإنما ضُمَّت الراءُ إتباعاً لضمةِ الضاد، وضمةُ الضادِ هي حركةُ الراء الأولى نُقِلَتْ للضادِ لأجلِ إدغامها في الراء بعدها، والأصل: ﴿لا يَضْرُرْكم﴾ ، ويجوز أن يكونَ الجزمُ لا على وجه الجواب للأمرِ، بل على وجهِ أنه نهيٌ مستأنف، والعملُ فيه ما تقدَّم، وينصُر جوازَ الجزم هنا على المعنيين المذكورَيْن من الجواب والنهي قراءةُ الحسن والنخعي فإنهما نَصٌّ في الجزم ولكنهما محتملتان للجزمِ على الجوابِ أو النهي. والوجه الثاني: أن يكونَ الفعلُ مرفوعاً وليس جواباً ولا نهياً، بل هو مستأنفٌ سِيقَ للإِخبار بذلك، وينصرُه قراءةُ أبي حيوة المتقدمة. وأمَّا قراءةُ الحسنِ فَمِنْ ﴿ضارَه يَضُوره﴾ كصانَه يصونه. وأما قراءة النخعي فمِنْ ﴿ضاره يضيره﴾ كباعة يَبيعه، والجزم فيهما على ما تقدم في قراءة العامة من الوجهين. وحَكَى أبو البقاء: «لا يَضُرَّكم» بفتح الراء، ووجهها على الجزم، وأن الفتح للتخفيف وهو واضح، والجزم على ما تقدم أيضاً من

стр. 2980

الوجهين. وهذه كلُّها لغاتٌ قد تقدَّم التنبيهُ عليها في آل عمران. و ﴿مَّن ضَلَّ﴾ فاعل، و «إذا» ظرفٌ ناصبُه «يَضُرُّكم» أي: لا يَضُرَّكم الذي ضلَّ وقتَ اهتدائِكم، ويجوز أَنْ تكونَ شرطيةً وجوابُها محذوفٌ لدلالةِ الكلام عليه. وقال أبو البقاء: «ويبعد أن تكون ظرفاً ل» ضَلَّ «لأنَّ المعنى لا يَصِحُّ معه» . قلت: لأنه يصير المعنى على نفي الضرر الحاصل مِمَّن يضل وقت اهتدائهم، فقد يُتَوَهَّم أنه لا ينفي عنهم ضرر مَنْ ضَلَّ في غيرِ وقتِ اهتدائهم، ولكنَّ هذا لا ينفي صِحَّة المعنى بالكليةِ كما ذَكَرَه.
следующие страницы →