← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

أراد بالشخوص النساء، الآخر: أن المضاف إلى المؤنث قد يؤنَّث وإن كان مذكراً كقول من قال:» قُطِعَتْ بعض أصابعه « ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة﴾ [يوسف: ١٠] . وقرأ يعقوب والحسن وسعيد بن جبير والأعمش وعيسى بن عمر بالتنوين» أمثالُها «بالرفع صفة لعشر أي: فله عشر حسنات أمثال تلك الحسنة، وهذه القراءة سالمةٌ من تلك التآويل المذكورة في القراءة المشهورة.

стр. 3607

قوله تعالى: ﴿دِيناً﴾ : نصبه من أوجه، أحدها: أنه مصدر على المعنى أي: هداني هداية دين قيم، أو على إضمار «عَرَّفني ديناً» أو الزموا ديناً. وقال أبو البقاء: «إنه مفعول ثان لهداني، وهو غلط؛ لأن المفعول الثاني هنا هو المجرور بإلى فاكتفى به. وقال مكي: إنه منصوب على البدل من محل» إلى صراط «. وقيل: بهداني مقدرةً لدلالة» هداني «الأول عليها، وهو كالذي قبله في المعنى. وقرأ الكوفيون وابن عامر:» قِيَماً «بكسر القاف وفتح الياء خفيفة والباقون بفتحها وكسر الياء شديدة، وتقدَّم توجيه إحدى القراءتين في/ النساء والمائدة. و» مِلَّة «بدل من» ديناً «أو منصوب بإضمار أعني. و» حنيفاً «قد ذكر في البقرة. وقرأ نافع ومَحْيايْ بسكون ياء المتكلم وفيها الجمع بين ساكنين.

стр. 3608

قال الفارسي كقوله» التقت حَلْقتا البطان «» ولفلان ثلثا المال «يعنون الألفين. وقد طعن بعض الناس على هذه القراءة بما ذكرت من الجمع بين الساكنين، وتعجَّبْتُ من كون هذا القارئ يحرِّك ياء» مماتي «ويُسَكِّن ياء» مَحْياي «. وقد نقل بعضهم عن نافع الرجوع عن ذلك. قال أبو شامة:» فينبغي أن لا يَحِلَّ نَقْلُ تسكين ياء «محياي» عنه «. وقرأ نافع في رواية» محيايِ «بكسر الياء وهي تُشْبه قراءة حمزة في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وستأتي إن شاء الله تعالى. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى الجحدري: ومَحْيَيَّ» بإبدال الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة هذيل، وقد أنشدْتُ عليها قول أبي ذؤيب: ٢١٣٨ - سبقوا هَوَيَّ وأعنقوا لهواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ في سورة البقرة. ومن هنا إلى آخر السورة إعرابُه ظاهر لِما تكرر من النظائر. وأكَّد قوله «لغفور» باللام دلالةً على سَعة رحمته، ولم يؤكد سرعة العقاب بذلك هنا وإن كان قد أكد ذلك في سورة الأعراف، لأن هناك المقامَ مقامُ تخويف وتهديد وبعد ذكر قصة المعتدين في السبت وغيره فناسب تأكيدَ العقاب هناك، وأتى بصفتي الغفران والرحمة، ولم يأت في جانب العقاب إلا بصفة واحدة دلالة على حلمه وسَعَة مغفرته ورحمته.

стр. 3609

قوله تعالى: ﴿المص﴾ : قد تقدم الكلام على الأحرف المقطعة في أول هذا الموضوع.

стр. 3610

قوله تعالى: ﴿كتابٌ﴾ : يجوز أن يكون خبراً عن الأحرف قبله، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: هو كتاب، كذا قدَّره الزمخشري. ويجوز أن يكون «كتاب» مبتدأ، و «أُنْزِل» صفته، و «فلا تكن» خبره، والفاء زائدة على رأي الأخفش أي: كتاب موصوف بالإِنزال إليك، لا يكن في صدرك حرج منه. وهو بعيد جداً. والقائمُ مقامَ الفاعل في «أُنْزِل» ضميرٌ عائدٌ على الكتاب. ولا يجوز أن يكون الجارَّ لئلا تخلوَ الصفةُ من عائد. قوله: «منه» متعلقٌ ب «حَرَجٌ» . و «مِنْ» سببيَّة أي: حَرَجٌ بسببه تقول: حَرِجْتُ منه أي: ضِقْتُ بسببه، ويجوز أن يتعلق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ له أي: حرج كائن وصادر منه. والضمير في «منه» يجوز أن يعود على الكتاب

стр. 3611

وهو الظاهر، ويجوز أن يعود على الإِنزال المدلول عليه ب «أُنْزِل» ، أو على الإِنذار أو على التبليغ المدلولِ عليهما بسياقِ الكلام، أو على التكذيب الذي تضمَّنه المعنى. والنهيُ في الصورة للحرج، والمرادُ الصادرُ منه، مبالغة في النهي عن ذلك، كأنه قيل: لا تتعاطَ أسباباً ينشأُ عنها حَرَجٌ، وهو من باب «لا أُرَيَنَّك ههنا» : النهي متوجه على المتكلم والمرادُ به المخاطبُ، كأنه قال: لا تكنْ بحضرتي فأراك. ومثله: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ﴾ [طه: ١٦] . قوله: لتنذرَ به «في متعلَّق هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه أحدها: أنها متعلقة ب» أُنْزِل «أي: أُنْزِلَ إليك للإِنذار، وهذا قول الفراء قال:» اللام في «لتنذرَ» منظوم بقوله «أُنْزِل» على التقديم والتأخير، على تقدير: كتابٌ أُنزل إليك لتنذرَ به فلا يكن «. وتبعه الزمخشري والحوفي وأبو البقاء. وعلى هذا تكونُ جملةُ النهي معترضةً بين العلة ومعلولها، وهو الذي عناه الفراء بقوله» على التقديم والتأخير «. والثاني: أن اللامَ متعلقةٌ بما تعلَّق [به] خبر الكون، إذ التقديرُ: فلا يكنْ حرجٌ مستقراً في صدرك لأجل الإِنذار. كذا قاله الشيخ عن ابن الأنباري، فإنه قال:» وقال ابن الأنباري: التقدير: «فلا يكنْ في صدرك حرجٌ منه كي تنذرَ به فَجَعَلَه متعلقاً بما تعلَّق به» في صدرك «، وكذا علَّقه به صاحب» النظم «، فعلى هذا لا تكونُ الجملةُ معترضةً» . قلت: الذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللامَ متعلقةٌ بالكون، وعن صاحب «النظم» أن اللام بمعنى «أن» وسيأتي بنصَّيْهما إن شاء الله، فيجوز أن يكون لهما كلامان.

стр. 3612

الثالث: أنها متعلقةٌ بنفس الكون، وهو مذهب ابن الأنباري والزمخشري، وصاحب/ «النظم» على ما نقله الشيخ. قال أبو بكر ابن الأنباري: «ويجوز أن تكونَ اللامُ صلةً للكون على معنى: فلا يكن في صدرك شيءٌ لتنذر، كما يقول الرجل للرجل: لا تكن ظالماً ليقضي صاحبك دَيْنَه، فَتَحْمِل لامَ كي على الكون» . وقال الزمخشري: «فإن قلت: بمَ تَعَلَّق به» لتنذر «؟ قلت ب» أُنْزِل «أي: أُنْزل لإِنذارك به، أو بالنهي، لأنه إذا لم يُخِفْهم أنذرهم، وكذا إذا علم أنه من عند الله شَجَّعه اليقين على الإِنذار» . قال الشيخ: «فقوله بالنهي ظاهره أنه يتعلَّق بفعل النهي، فيكون متعلقاً بقوله» فلا يكن «، وكان [عندهم] في تعليق المجرور والعمل في الظرف فيه خلافٌ، ومبناه على أنَّ» كان «الناقصة هل تدلُّ على حَدَثٍ أم لا؟ فمن قال إنها تدلُّ على الحدث جوَّز ذلك، ومَنْ قال لا تدلُّ عليه مَنَعَه» . قلت: فالزمخشري مسبوقٌ إلى هذا الوجهِ، بل ليس في عبارته ما يدل على أنه تعلُّق ب «يكون» بل قال «بالنهي» فقد يريد بما تضمَّنه من المعنى، وعلى تقدير ذلك فالصحيحُ أن الأفعالَ الناقصة كلَّها لها دلالةٌ على الحدث إلا «ليس» ، وقد أقمت على ذلك أدلةً وأَثْبَتُّ من أقوال الناس بما يشهدُ لصحة ذلك كقول سيبويه وأضرابه، في غير هذا الموضوع. وقال صاحب «النظم» : «وفيه وجهٌ آخرُ وهو أن تكونَ اللامُ بمعنى أَنْ

стр. 3613

والمعنى: لا يَضِقْ صدرُك ولا يضعُفْ عن أن تنذرَ به، والعرب تضعُ هذه اللامَ في موضع» أَنْ «كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [التوبة: ٣٢] وفي موضع آخر: ﴿لِيُطْفِئُواْ﴾ [الصف: ٨] فهما بمعنى واحد» قلت: هذا قول ساقط جداً، كيف يكون حرفٌ يختصُّ بالأفعال يقع موقع آخرَ مختصٍ بالأسماء؟ قوله: ﴿وذكرى﴾ يجوز أن يكونَ في محلِّ رفعٍ أو نصبٍ أو جَرّ. فالرفعُ من وجهين، أحدهما: أنها عطفٌ على «كتابٌ» أي: كتاب وذكرى أي تذكير، فهي اسمُ مصدرٍ وهذا قول الفراء. والثاني من وجهي الرفع: أنها خبرُ مبتدأ مضمر أي: هو ذكرى، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج. والنصبُ من ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ من لفظه تقديره: وتَذَكَّرْ ذكرى أي: تذكيراً. والثاني: أنَّها في محلِّ نصب نسقاً على موضع «لتنذرَ» فإنَّ موضعَه نصبٌ، فيكون إذ ذاك معطوفاً على المعنى، وهذا كما تُعْطَف الحال الصريحة على الحال المؤولة كقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً﴾ [يونس: ١٢] ويكونُ حينئذ مفعولاً من أجله كما تقول: «جئتك لتكرمَني وإحساناً إليّ» . والثالث: قال أبو البقاء: وبه بدأ «إنها حالٌ من الضمير في» أُنْزِل «وما بينهما معترض» . وهذا سهوٌ فإن الواو مانعة من ذلك، وكيف تدخل الواوُ على حال صريحة؟ والجرُّ من وجهين أيضاً، أحدهما: العطف على المصدر المُنْسَبِكِ من «أَنْ» المقدرة بعد لام كي والفعل، والتقدير: للإِنذار والتذكير. والثاني:

стр. 3614

العطفُ على الضمير في «به» ، وهذا قول الكوفيين. والذي حَسَّنه كونُ «ذكرى» في تقدير حرفٍ مصدري وهو «أَنْ» وفِعْلٍ ولو صَرَّح ب «أَنْ» لحَسُنَ معها حذفُ حرف الجر، فهو أحسنُ مِنْ «مررت بك وزيدٍ» إذ التقديرُ: لأَنْ تُنْذِرَ به وبأن تُذَكِّر. و «للمؤمنين» يجوز أن تكونَ اللامُ مزيدةً في المفعول به تقويةً له، لأنَّ العاملَ فرعٌ، والتقدير: وتُذَكر المؤمنين. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ لأنه صفة لذكرى.

стр. 3615

قوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّق بأُنْزِل، وتكون «مِنْ» لابتداء الغاية المجازية. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ: إمَّا مِن الموصول، وإمَّا مِنْ عائده القائمِ مقامَ الفاعل. قوله: ﴿مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ : «من دونه» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان. والثاني: أن يتعلق بمحذوف، لأنه كان في الأصل صفةً لأولياء، فلما تقدَّم نُصِبَ حالاً، وإليه يميل تفسيرُ الزمخشري فإنه قال: «أي لا تتولَّوا مِنْ دونِه مِنْ شياطين الإِنس والجن فيحملوكم على الأهواء والبِدَع» . والضمير في «دونِه» يُحْتمل وهو الظاهر أن يعودَ على «ربكم» ؛ ولذلك قال الزمخشري: «مِنْ دون الله» ، وأن يعودَ على «ما» الموصولة، وأن يعودَ على الكتاب المنزل،

стр. 3616

والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى الكتبِ المنسوخةِ. وقرأ الجحدري: «ابتَغُوا» بالغين المعجمة من الابتغاء. ومالك بن دينار ومجاهد: «ولا تبتغوا» من الاتغاء أيضاً. قوله: ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ قد تقدَّم نظيرُ هذا في قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] وهو أنَّ «قليلاً» نعتُ مصدرٍ محذوف أي: تذكُّراً قليلاً تَذَكَّرون، أو نعتُ ظرفِ زمانٍ محذوفٍ أيضاً أي: زماناً قليلاً تَذَكَّرون، فالمصدرُ أو الظرفُ منصوبٌ بالفعل بعده، و «ما» مزيدةٌ للتوكيد، وهذا إعراب جليٌّ واضح. وقد أجاز الحوفي أن يكونَ/ نعتَ مصدرٍ محذوف لقوله «ولا تَتَّبعوا» أي: ولا تتبعوا مِنْ دونِه أولياءَ اتِّباعاً قليلاً، وهو ضعيف، لأنه يَصير مفهومُه أنهم غيرُ مَنْهِيِّين عن اتباع الكثير، ولكنه معلومٌ من جهة المعنى فلا مفهوم له. وحكى ابن عطية عن أبي عليّ أن «ما» مصدريةٌ موصولةٌ بالفعل بعدها، واقتصر على هذا القَدْر، ولا بد من تتمةٍ له، فقال بعض الناس: «ويكون» قليلاً «نعت زمانٍ محذوف، وذلك الزمانُ المحذوف في محل رفع خبراً مقدماً، و» ما «المصدرية وما بعدها بتأويل مصدر مبتدأ مؤخراً، والتقدير: زمناً قليلاً تذكُّرُكم أي: أنهم لا يقع تذكُّرهم إلا في بعض الأحيان، ونظيرُه: زمناً قليلاً قيامُك» . وقد قيل: إن «ما» هذه نافيةٌ، وهو بعيد؛ لأن «ما» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عند البصريين، وعلى تقدير تسليم ذلك فيصير المعنى: ما تذكَّرون قليلاً، وليس بطائل، وهذا كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] عند مَنْ جَعَلَها نافيةً.

стр. 3617

وهناك وجهٌ لا يمكنُ أن يأتيَ ههنا وهو: أن تكون «ما» مصدريةً، وهي وما بعدها في محل رفع بالفاعلية ب «قليلاً» الذي هو خبر «كان» ، والتقدير: كانوا قليلاً هجوعُهم، وأمَّا هنا فلا يمكن ذلك لعدمِ صحة نصب «قليلاً» بقوله: «ولا تتَّبعوا» حتى تجعل «ما تذكَّرون» مرفوعاً به. ولا يجوز أن يكونَ «قليلاً» حالاً من فاعل «تَتَّبعوا» و «ما تذكَّرون» مرفوعٌ به، إذ يصير المعنى: أنهم نُهوا عن الاتِّباع في حالِ قلةِ تذكُّرهم، وليس ذلك بمراد. وقرأ الأخَوان وحفص: تَذَكَّرون «بتاء واحدة وتخفيف الذال، وابن عامر بتاءين وتخفيف الذال، والباقون بتاء وتشديد الذال، وهنَّ واضحات، تقدم معناها في الأنعام.

стр. 3618

قوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ : في «كم» وجهان، أحدهما: أنها في موضعِ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ الجملةُ بعدها، و «من قرية» تمييز، والضمير في «أهلكناها» عائدٌ على معنى كم. وهي هنا خبرية للتكثير، والتقدير: وكثير من القرى أهلكناها. ونقل أبو البقاء عن بعضهم أنه جعل «أهلكناها» صفةً لقرية، والخبرُ قوله: «فجاءها بأسنا» قال: «وهو سهوٌ لأنَّ الفاء تمنعُ من ذلك» . قلت: ولو ادَّعى مُدَّعٍ زيادتَها على مذهب الأخفش لم تُقْبَلْ دعواه؛ لأن الأخفش إنما يزيدها عند الاحتياج إلى زيادتها.

стр. 3619

والثاني: أنها في موضع نصبٍ على الاشتغال بإضمار فعل يفسِّره ما بعده، ويُقَدَّر الفعلُ متأخراً عن «كم» ؛ لأن لها صدر الكلام، والتقدير: وكم من قريةٍ أهلكناها أهلكناها، وإنما كان لها صدرُ الكلام لوجهين أحدهما: مضارعتُها ل «كم» الاستفهامية. والثاني: أنها نقيضةُ «رُبَّ» لأنها للتكثير و «رُبَّ» للتقليل، فحُمِل النقيضُ على نقيضه كما يحملون النظير على نظيره. ولا بد من حَذْفِ مضافٍ في الكلام لقوله تعالى: «أو هم قائلون» فاضْطُرِرْنَا إلى تقدير محذوف، ثم منهم مَنْ قَدَّره قبل «قرية» أي: كم من أهل قرية، ومنهم مَنْ قدَّره قبل «ها» في «أهلكناها» أي: أهلكنا أهلَها، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن التقادير إنما تكون لأجل الحاجة، والحاجةُ لا تدعو إلى تقديرِ هذا المضاف في هذين الموضعين المذكورين، لأن إهلاكَ القرية يمكن أن يقع عليها نفسِها، فإن القرى تُهْلَكُ بالخَسْف والهدمِ والحريق والغَرَق ونحوه، وإنما يُحتاج إلى ذلك عند قوله «فجاءها» لأجل عَوْدِ الضمير من قوله: «هم قائلون» عليه، فيُقَدَّر: وكم من قرية أهلكناها فجاء أهلَها بأسُنا. قال الزمخشري: «فإن قلت: هل تُقَدِّرُ المضافَ الذي هو الأهل قبل» قرية «أو قبل الضمير في» أهلكناها «؟ قلت: إنما يُقَدَّر المضافُ للحاجة ولا حاجة، فإن القرية تَهْلَكُ كما يَهْلَك أهلُها، وإنما قدَّرناه قبل الضمير في» فجاءها «لقوله» أو هم قائلون «. وظاهرُ الآيةِ أن مجيء البأس بعد الإِهلاك وعقيبِه؛ لأن الفاء تعطي ذلك، لكن الواقعَ إنما هو مجيءُ البأس، وبعده يقع الإِهلاك. فمن النحاة من قال: الفاء تأتي بمعنى الواو فلا تُرَتِّبُ، وجَعَلَ من ذلك هذه الآيةَ، وهو ضعيفٌ. والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين، أحدهما: أنه على حَذْف

стр. 3620

الإِرادة أي: أردنا إهلاكها كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] ، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن﴾ [النحل: ٩٨] ،» إذا دخل أحدكم الخَلاءَ فَلْيُسَمِّ الله « الثاني: أن المعنى أهلكناها أي خذلناهم ولم نوفِّقْهم فنشأ عن ذلك هلاكُهم، فعبَّر بالمُسَبَّب عن سببه وهو باب واسع. وثَمَّ أجوبةٌ ضعيفة منها: أن الفاءَ هنا تفسيرية نحو: «توضأ فغسل وجهَه ثم يديه» فليست للتعقيب، ومنها: أنها للترتيب في القول فقط كأنه أخبر عن قرىً كثيرة أنها أهلكها ثم قال: فكان من أمرها مجيء البأس. / ومنها ما قاله الفراء وهو أن الإِهلاك هو مجيء البأس، ومجيء البأس هو الإِهلاك، فلمَّا كانا متلازمَيْن لم تُبالِ بأيهما قدَّمْتَ في الرتبة كقولك: «شتمني فَأَساء» و «أساء فشتمني» فالإِساءةُ والشتمُ شيء واحد فهذه ستة أقوال. واعلم أنه إذا حُذِف مضافٌ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه جاز لك اعتباران، أحدهما: الالتفاتُ إلى ذلك المحذوف، والثاني وهو الأكثر عدم الالتفات إليه، وقد جُمِعَ الأمران ههنا فإنه لم يُراعِ المحذوفَ في قوله «أهلكناها فجاءها» وراعاه في قوله «أو هم قائلون» ، هذا إذا قدَّرْنا الحذفَ قبل «قرية» ، أمَّا إذا قدَّرنا الحذفَ قبل ضمير «فجاءها» فإنه لم يُراعِ إلا المحذوفَ فقط، وهو غيرُ الأكثر. قوله: «بَيَاتاً» فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوبٌ على الحال، وهو في الأصل مصدر، بات يبيتُ بَيْتاً وبَيْتَةً وبَيَاتاً وبَيْتُوتة. قال الليث: «البَيْتوتَةُ دخولُك في الليل» فقوله «بياتاً» أي بائتين. وجَوَّزوا أن يكون مفعولاً له، وأن

стр. 3621

يكون في حكم الظرف. وقال الواحدي: «قوله بياتاً: أي ليلاً» ، وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفاً، لولا أن يُقال: اراد تفسير المعنى. قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ نسقاً على الحال. و «أو» هنا للتنويع لا لشيء آخر كأنه قيل: أتاهم بأسنا تارةً ليلاً كقوم لوط، وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب. وهل يحتاج إلى تقديرِ واوِ حال قبل هذه الجملة أم لا؟ خلاف بين النحويين. قال الزمخشري: «فإن قلت: لا يقال:» جاء زيد هو فارس «بغير واو فما بالُ قوله تعالى» أو هم قائلون «؟ قلت: قَدَّر بعض النحويين الواوَ محذوفةً، وردَّه الزجاج وقال:» لو قلت: جاءني زيد راجلاً أو هو فارس، أو: جاءني زيد هو فارس لم تحتج إلى واو؛ لأن الذكر قد عاد على الأول «. والصحيح أنها إذا عُطِفَتْ على حال قبلها حُذِفت الواو استثقالاً لاجتماع حرفَيْ عطفٍ؛ لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، فقولك:» جاء زيد راجلاً أو هو فارس «كلام فصيح واردٌ على حَدِّه، وأمَّا» جاءني زيد هو فارس «فخبيث» . قال الشيخ: «أما بعض النحويين الذي اتهمه الزمخشري فهو الفراء. وأمَّا قول الزجاج [في] التمثيلين: لم تحتج فيه إلى الواو لأن الذِّكْرَ قد عاد على الأول ففيه إبهامٌ، فتعيينه أنه يمتنع دخولها في المثال الأول، ويجوز في المثال الثاني، فليس

стр. 3622

انتفاءُ الاحتياج على حدٍّ سواء، لأنه في الأول لامتناع الدخول، وفي الثاني لكثرته لا لامتناعه «. قلت: أمَّا امتناعها في المثال الأول فلأن النحويين نصُّوا على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال عليها، والعلةُ فيه المشابهة اللفظية، ولأن واو الحال في الأصل عاطفة. ثم قال الشيخ:» وأمَّا قولُ الزمخشري فالصحيحُ إلى آخره فتعليلُه ليس بصحيح، لأنَّ واوَ الحال ليست بحرف عطف فيلزم مِنْ ذكرها اجتماعُ حرفَيْ عطفٍ؛ لأنها لو كانَتْ حرفَ عطف لَلَزِم أن يكون ما قبلها حالاً حتى تعطفَ حالاً على حال، فمجيئُها فيما لا يمكن أن يكونَ حالاً دليلٌ على أنها ليست واوَ عطفٍ ولا لُحِظ فيها معنى واو عطف تقول: «جاء زيد والشمسُ طالعةٌ» فجاء زيد ليس بحالٍ فتعطف عليها جملة حال، وإنما هذه الواوُ مغايرةٌ لواو العطف بكل حال، وهي قِسْمٌ من أقسام الواو، كما تأتي للقَسَمِ وليست فيه للعطف كما إذا قلت: «والله ليخرجَنَّ» . قلت: أبو القاسم لم يدَّعِ في واوِ الحال أنها عاطفةٌ، بل يدَّعي أن أصلَها العطف، ويدل على ذلك قولُه: استعيرت للوصل، فلو كانت عاطفةً على حالها لما قال: استعيرت، فدلَّ قولُه ذلك على أنها خرجَتْ عن العطف واسْتُعْمِلت لمعنى آخر، لكنها أُعْطيت حكم أصلها في امتناع مُجامعها لعاطف آخر. وأمَّا تسميتُها حرفَ عطفٍ فباعتبار أصلها، ونظير ذلك واو «مع» فإنهم نَصُّوا على أن أصلَها واوُ العطف، ثم اسْتُعْمِلَتْ في المعيَّة، فكذلك واوُ الحال، لا امتناعَ أن يكونَ أصلُها واوَ العطف/.

стр. 3623

ثم قال الشيخ: «وأما قولُه فخبيث فليس بخبيث؛ وذلك أنه بناه على أن الجملةَ الحالية إذا كانَتْ اسميةً وفيها ضمير ذي الحال فحذفُ الواوِ منها شاذٌّ وتبع في ذلك الفراءَ، وليس بشاذ بل هو كثيرٌ في النظم والنثر» . قلت: قد سبق أبا القاسم في تسمية هذه الواوِ حرفَ عطفٍ الفراءُ وأبو بكر ابن الأنباري. قال الفراء: «أوهم قائلون فيه واو مضمرة، المعنى: أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقاً على إثرِ نسقٍ، ولو قيل لكان صواباً» . قلت: قد تقدم أن الشيخ نقل أن الواو ممتنعة في هذا المثال ولم يَحْكِ خلافاً، وهذا قول الفراء: «ولو قيل لكان صواباً» مُصَرِّحٌ بالخلاف له. وقال أبو بكر: «أُضمرت واوُ الحال لوضوح معناها كما تقول العرب:» لقيت عبد الله مسرعاً أو هو يركض «فيحذفون الواوَ لأَمْنِهم اللَّبْسَ، لأن الذِّكْرَ قد عاد على صاحب الحال، ومن أجل أنَّ» أو «حرفُ عطف والواو كذلك، فاستثقلوا جمعاً بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني» . قلت: فهذا تصريحٌ من هذين الإِمامين بما ذكره أبو القاسم، وإنما ذكرتُ نصَّ هذين الإِمامين لأُعْلِمَ اطِّلاعَه على أقوال الناس، وأنه لا يأتي بغير مصطلح أهل العلم كما يرميه به غيرَ مرة. و «قائلون» من القَيْلُولة. يقال: قال يَقيل قَيْلولة فهو قائل كبائع. والقيلولة: الراحةُ والدَّعَةُ في الحر وسط النهار وإن لم يكن معها نوم. وقال الليث: هي نَوْمَةُ نصف النهار. قال الأزهري: «القيلولة: الراحة وإن لم يكن فيها نوم، بدليل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجنة

стр. 3624

يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] والجنةُ لا نومَ فيها» قلت: ولا دليلَ فيما ذكر لأنَّ المقيل هنا خرج عن موضوعه الأصلي إلى مجرد الإِقامة بدليل أنه لا يُراد أيضاً الاستراحة في نصف النهار في الحر، فقد خَرَجَ عن موضوعه عندنا وعندكم إلى ما ذكرته لك. والقيلولة مصدرٌ ومثلها: الثائلة والقَيْل والمَقيل.

стр. 3625

قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ جَوَّزوا في «دعواهم» وجهين، أحدهما: أن يكون اسماً ل «كان» و «إلا أَنْ قالوا» خبرها، وفيه خدشٌ من حيث إنَّ غير الأعرف جُعِل اسماً، والأعرفَ جُعِل خبراً، وقد فهمت ذلك في أول الأنعام عند ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الآية: ٢٣] والثاني: أن يكون «دعواهم» خبراً مقدماً و «إلا أن قالوا» اسماً مؤخراً، ذكر ذلك الزمخشري، ومكي ابن أبي طالب، وسبقهما إلى ذلك الفراء والزجاج، واختاره الزجاج. ولكن ذلك يُشْكل مِنْ قاعدةً أخرى ذكرها النحاة وهو أن الاسمَ والخبر في هذا الباب متى خفي إعرابُهما وَجَبَ تقديمُ الاسم وتأخيرُ الخبر نحو: كان موسى صاحبي، وما كان دعائي إلا أن استغفرتُ، قالوا: لأنهما كالمفعول والفاعل، فمتى خفي الإِعرابُ التَزَمَ كلٌ في مرتبته، وهذه الآيةُ مما نحن فيه فكيف يُدَّعى فيها ذلك، بل كيف يختاره الزجاج؟ وقد رأيتُ كلامَ الزجاج هنا فيمكن أن يؤخذَ منه جوابٌ عن هذا المكان وذلك أنه قال: «إلا أن الاختيارَ إذا كانت» الدعوى «في موضع رفع أن يقول: فما كانت دعواهم، فلمَّا قال:» كان

стр. 3626

دعواهم «دَلَّ على أن الدعوى في موضعِ نصبٍ، غيرَ أنه يجوز تذكير الدعوى وإن كانَتْ رفعاً» قلت: فمِنْ هنا يقال: تذكيرُ الفعل فيه قرينةٌ مرجِّحة لإِسناد الفعل إلى «أن قالوا» ، ولو كان مسنداً للدعوى لكان الأرجح «كانت» كما قال، وهو قريب من قولك: «ضربت موسى سلمى» فقدَّمْتَ المفعولَ بقرينة تأنيث الفعل، وأيضاً فإن ثَمَّ قرينةً أخرى وهي كونُ الأعرفِ أحقَّ أن يكون اسماً من غير الأعرف. والدَّعْوى تكون بمعنى الدعاء وبمعنى الادِّعاء، والمقصود بها ههنا يحتمل الأمرين جميعاً، ويحتمل أيضاً أن يكون بمعنى الاعتراف. فمِنْ مجيئها بمعنى الدعاء ما حكاه الخليل: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين» تريد في صالح دعائهم، وأنشدوا: ٢١٣٩ - وإنْ مَذِلَتْ رِجْلي دعوتُك أشتفي ... بدَعْواكَ مِنْ مَذْلٍ بها فتهونُ / ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] وقال الزمخشري: «ويجوز: فما كان استغاثتُهم إلا قولَهم هذا لأنه لا يُستغاث من الله تعالى بغيره، مِنْ قولهم دعواهم يالكعب» . وقال ابن عطية: «وتحتمل الآية أن يكون المعنى: فما آلت دعاويهم التي كانت في حال كفرهم إلا إلى الاعتراف كقول الشاعر: ٢١٤٠ - وقد شهدَتْ قيسٌ فما كان نصرُها ... قتيبةَ إلا عضَّها بالأباهم

стр. 3627

و» إذ «منصوب ب» دعواهم «. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ » كنَّا «وخبرُها في محلِّ رفع خبراً لإِنَّا، وإنَّ وما في حيِّزها في محلِّ نصب محكياً ب» قالوا «، و» قالوا «وما في حيزه لا محلَّ له لوقوعه صلةً لأَنْ. وأَنْ وما في حيِّزها في محل رفع أو نصبٍ على حسب ما تقدَّم مِنْ كونها اسماً أو خبراً.

стр. 3628

قوله تعالى: ﴿الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ : القائمُ مقامَ الفاعل الجارُّ والمجرور.

стр. 3629

وقوله تعالى: ﴿بِعِلْمٍ﴾ : في موضع الحال من الفاعل، والباء للمصاحبة أي: لنقصَّنَّ على الرسل والمرسلِ إليهم حالَ كوننا ملتبسين بالعلم. ثم أكَّد هذا المعنى بقوله ﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ .

стр. 3630

قوله تعالى: ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ : «الوزنُ» مبتدأ، وفي الخبر وجهان، أحدهما: هو الظرفُ أي: الوزن كائنٌ أو مستقر يومئذ أي: يوم إذ نسأل الرسل والمرسل إليهم. فحذف الجملةَ المضافَ إليها «إذ» وعَوَّض منها التنوين. هذا مذهب الجمهور خلافاً للأخفش. وفي «الحق» على هذا الوجهِ ثلاثةُ أوجه أحدها: أنه نعتٌ للوزن أي: الوزن الحق في ذلك اليوم. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوف كأنه جوابُ سؤال مقدر مِنْ قائل يقول: ما ذلك الوزنُ؟ فقيل: هو الحق لا الباطل. والثالث: أنه بدلٌ من الضمير المستكنِّ في الظرف. وهو غريب ذكره مكي. والثاني من وجهي الخبر: أن يكون الخبرُ «الحق» ، و «يومئذ» على هذا فيه وجهان أحدهما: أنه منصوبٌ على الظرف ناصبُه «الوزن» أي: يقع الوزنُ ذلك

стр. 3631

اليوم. والثاني: أنه مفعول به على السَّعة. وهذا الثاني ضعيف جداً لا حاجة إليه. ولمَّا ذكر أبو البقاء كونَ «الحق» خبراً، وجَعَل «يومئذ» ظرفاً للوزن قال: «ولا يجوز على هذا أن يكونَ صفةً، لئلا يلزمَ الفصلُ بين الموصول وصلتِه» . قلت: وأين الفصل؟ فإن التركيب القرآني إنما جاء فيه «الحق» بعد تمام الموصول بصلته، وإذا تمَّ الموصول بصلته جاز أن يوصفَ. تقول: «ضَرْبُك زيداً يوم الجمعة الشديدُ حسنٌ» فالشديدُ صفة لضربك. فإن توهَّم كونَ الصفة محلُّها أن تقع بعد الموصوف وتليه، فكأنها مقدمة في التقدير فحصل الفصلُ تقديراً، فإن هذا لا يُلتفت إليه، لأن تلك المعمولاتِ من تتمة الموصول فلم يكُ إلا الموصول. وعلى تقدير اعتقاد ذلك له، فالمانعُ من ذلك أيضاً صيرورةُ المبتدأ بلا خبر، لأنك إذا جعلت «يومئذ» ظرفاً للوزن و «الحق» صفته فأين خبره؟ فهذا لو سَلِمَ من المانع الذي ذكره كان فيه هذا المانع الآخر. وقد طوَّل مكي بذكر تقدير تقديم «الحق» على «يومئذ» وتأخيره عنه باعتبار الإِعرابات المتقدمة، وهذا لا حاجة إليه لأنَّا مقيَّدون في القرآن بالإِتيان بنظمه. وذكر أيضاً أنه يجوز نصبه، يعني أنه لو قرئ به لكان جائزاً، وهذا أيضاً لا حاجة إليه. وموازين فيها قولان: أحدهما: أنها جمع ميزان: الآلة التي يُوْزَنُ بها، وإنما جُمِع لأنَّ كلَّ إنسانٍ له ميزانٌ يخصُّه على ما جاء في التفسير، أو جُمع باعتبار الأعمال المُكْثِرة، وعبَّر عن الحالِّ بالمحلِّ. والثاني: أنها جمع موزون وهي الأعمال، والجمع حينئذ ظاهر.

стр. 3632

قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُواْ﴾ : متعلِّقٌ ب «خسروا» و «ما» مصدرية و «بآياتنا» متعلق ب «يظلمون» قُدِّم عليه للفاصلة. وتعدَّى «يظلمون» بالباء: إمَّا لتضمُّنه معنى التكذيب نحو ﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١١] ، وإمَّا لتضمُّنه معنى الجحد نحو ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا﴾ [النمل: ١٤] .

стр. 3633

قوله تعالى: ﴿وجَعَلْنا لكم﴾ : يجوز أن تكون بمعنى «خلق» فتتعدَّى لواحد فيتعلَّق الجارَّان بالجَعْل، أو بمحذوفٍ على أنهما حالان مِنْ «معايش» لأنهما لو تأخرا لجاز أن يكونا وصفين. ويجوز أن تكونَ التصييرية فتتعدَّى لاثنين أولهما «معايش» ، والثاني أحد الجارَّين، والآخر: إمَّا حال فيتعلق بمحذوف، وإمَّا متعلق بنفس الجعل/ وهو الظاهر. ومعايش جمع معيشة وفيها ثلاثة مذاهب، مذهب سيبويه والخليل: أن وزنها مَفْعُلة بضم العين أو مَفْعِلة بكسرها، فعلى الأول جُعِلت الضمةُ كسرةً ونُقِلَتْ إلى فاء الكلمة. وقياس قول الأخفش في هذا النحو أن يُغَيَّر الحرفُ لا الحركةُ، فمعيشة عنده شاذة إذ كان ينبغي أن يُقال فيها مَعُوشة. وأما على قولنا إن أصلها مَعْيِشة بكسر العين فلا شذوذَ فيها. ومذهب الفراء أنَّ وزنها مَفْعَلة بفتح العين وليس بشيء. والمعيشة اسمٌ لما يُعاشُ به أي يُحْيا، وهي في الأصل مصدرٌ لعاش يعيش عَيْشاً وعِيْشة قال تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]

стр. 3634

ومعاشاً: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾ ومَعِيشاً قال رؤبة: ٢١٤١ - إليك أشكو شِدَّةَ المعيشِ ... وجُهْدَ أعوامٍ نَتَفْنَ ريشي والعامَّةُ على «معايش» بصريح الياء. وقد خرج خارجة فروى عن نافع «معائش» بالهمز. وقال النحويون: هذه غلطٌ؛ لأنه لا يُهمز عندهم إلا ما كان فيه حرفُ المد زائداً نحو: صحائف ومدائن، وأما «معايش» فالياءُ أصلٌ لأنها من العَيْش. قال الفارسي عن أبي عثمان: «أصلُ أَخْذِ هذه القراءةِ عن نافع» . قال: «ولم يكن يدري ما العربية؟» . قلت: قد فَعَلَتْ العربُ مثل هذا، فهمزوا منائر ومصائب جمع منارة ومصيبة، والأصل: مناوِر ومصاوب. وقد غلَّط سيبويه مَنْ قال مصائب، ويعني بذلك أنه غلط بالنسبة إلى مخالفة الجادَّة، وهذا كما تقدَّم عنه أنه قال: «واعلم أنَّ بعضَهم يغلطُ فيقول:» إنهم أجمعون ذاهبون «قال:» ومنهم مَنْ يأتي بها على الأصل فيقول: مصاوب ومناور، وهذا كما قالوا في جمع مقال ومقام: مَقَاوِم ومَقاوِل في رجوعهم بالعين إلى أصلها قال: وأنشد النحويون على ذلك:

стр. 3635

٢١٤٢ - وإنِّي لَقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لم يكن ... جريرٌ ولا مَوْلَى جريرٍ يقومُها ووجهُ همزِها أنهم شبَّهوا الأصليَّ فتوهَّموا أن معيشة بزنة صحيفة فهمزوها كما همزوا تِيْك. قالوا: ونظير ذلك في تشبيههم الأصلي بالزائد قولهم في جمع مَسِيل: مِسْلان توهَّموه على أنه على زنة قضيب وقِضبان وقالوا في جمعه أَمْسِلة كأنهم توهَّموا أنه بزنة رغيف وأرغفة، وإنما مسيل وزنه مَفْعِل لأنه من سَيَلان الماء. وأنشدوا على مَسيل وأَمْسِلة قولَ أبي ذؤيب الهذلي: ٢١٤٣ - بِوادٍ لا أنيسَ به يَبابٍ ... وأَمْسِلةٍ مَذانِبُها خَلِيفُ وقال الزجاج: «جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ، ولا أعلم لها وجهاً إلا التشبيهَ بصحيفة وصحائف، ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة» . قلت: وهذه القراءة لم ينفرد بها نافع بل قرأها جماعة جِلَّةٌ معه، فإنها منقولةٌ عن ابن عامر الذي قرأ على جماعة من الصحابة كعثمان وأبي الدرداء ومعاوية، وقد سبق ذلك في الأنعام، وقد قرأ بها قبل ظهور اللحن وهو عربي صريح. وقرأ بها أيضاً زيد بن علي وهو على جانب من الفصاحةِ والعلمِ الذي لا يدانيه إلا القليلُ. وقرأ بها أيضاً الأعمشُ والأعرجُ وكفى بهما في الإِتقان والضبط. وقد نقل الفراء أن قَلْبَ هذه الياء تشبيهاً لها بياء صحيفة قد جاء وإنْ كان قليلاً.

стр. 3636

وقوله: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ كقوله: ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .

стр. 3637

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا﴾ : اختلف الناس في «ثم» في هذين الموضعين: فمنهم مَنْ لم يلتزم فيها ترتيباً وجعلها بمنزلة الواو فإنَّ خَلْقَنا وتصويرَنا بعد قوله تعالى للملائكة «اسجدوا» . ومنهم مَنْ قال: هي للترتيب لا في الزمان بل للترتيب في الإِخبار، ولا طائل في هذا. ومنهم من قال: هي للترتيب الزماني وهذا هو موضوعُها الأصلي. ومنهم مَنْ قال: الأولى للترتيب الزماني والثانية للترتيب الإِخباري. واختلفت عبارة القائلين بأنها للترتيب في الموضعين فقال بعضهم: إنَّ ذلك على حذف مضافين، والتقدير: ولقد خلقنا آباءكم ثم صَوَّرْنا آباءكم ثم قلنا، ويعني بأبينا آدم ﵇. والترتيب الزماني هنا ظاهر بهذا التقدير. وقال بعضهم: الخطاب في «خلقناكم وصوَّرناكم» لآدم ﵇ وإنما خاطبه/ بصيغة الجمع وهو واحد تعظيماً له ولأنه أصلُ الجميع، والترتيب أيضاً واضح. وقال بعضهم: المخاطبُ بنو آدم والمراد به أبوهم، وهذا من باب الخطاب لشخصٍ والمرادُ به غيره كقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ إلى آخره، وإنما المُنَجَّى والذي كان يُسامُ سُوءَ العذاب أسلافُهم. وهذا مستفيضٌ في لسانهم. وأنشدوا على ذلك قوله: ٢١٤٤ - إذا افتخرَتْ يوماً تميمٌ بقوسها ... وزادَتْ على ما وطَّدَتْ مِنْ مناقب فأنتم بذي قارٍ أمالَتْ سيوفُكمْ ... عروشَ الذين استرهنوا قوسَ حاجبِ وهذه الوقعةُ إنما كانت في أسلافهم.

стр. 3638

والترتيبُ أيضاً واضحٌ على هذا. ومن قال: إن الأولى للترتيب الزماني والثانية للترتيب الإِخباري اختلفت عباراتهم أيضاً. فقال بعضهم: المراد بالخطاب الأول آدمُ وبالثاني ذريتُه، والترتيبُ الزماني واضح، و «ثم» الثانية للترتيب الإِخباري. وقال بعضهم: ولقد خلقناكم في ظهر آدم ثم صوَّرناكم في بطونِ أمَّهاتكم. وقال بعضهم: ولقد خلقنا أزواجكم ثم صوَّرنا أجسامكم. وهذا غريبٌ نقله القاضي أبو يعلى في «المعتمد» . وقال بعضهم: خلقناكم نُطَفاً في أصلاب الرجال ثم صوَّرْناكم في أرحام النساء. وقال بعضهم: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم وصوَّرْناكم فيها بعد الخلق بشَقِّ السمع والبصر، ف «ثم» الأولى لترتيب الزمان، والثانية لترتيب الإِخبار. وقوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ تقدَّم الكلام عليه في البقرة. وقوله «لم يكن» هذه الجملةُ استئنافيةٌ لأنها جواب سؤال مقدر، وهذا كما تقدَّم في قوله في البقرة «أبى» . وتقدم أن الوقف على إبليس. وقيل: فائدة هذه الجملة التوكيدُ لِما أخرجه الاستثناء من نفي سجود إبليس. وقال أبو البقاء: «إنها في محل نصب على الحال أي: إلا إبليس حال كونه ممتنعاً من السجود» . وهذا كما تقدم له في البقرة من أن «أبى» في موضع نصب على الحال.

стр. 3639

قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ : في «لا» هذه وجهان، أظهرهما: أنها زائدة للتوكيد. قال الزمخشري: «لا» في «أن لا تسجد»

стр. 3640

صلةٌ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ومثلُها: ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] بمعنى ليعلم. ثم قال: «فإن قلت: ما فائدةُ زيادتها؟ قلت: توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه، كأنه قيل: ليتحقَّق علمُ أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتُلْزمَه نفسك إذ أمرتك؟ وأنشدوا على زيادة» لا «قولَ الشاعر: ٢١٤٥ - أبى جودُه لا البخلَِ واستعجلَتْ نَعَمْ ... به مِنْ فتى لا يمنع الجودَ نائلُه يروى» البخل «بالنصب والجر، والنصبُ ظاهرُ الدلالة في زيادتها، تقديرُه: أبى جودُه البخلَ. وأمَّا في روايةِ الجر فالظاهرُ منها عدمُ الدلالة على زيادتها. ولا حجةَ في هذا البيتِ على زيادة» لا «في رواية النصب، ويتخرَّجُ على وجهين أحدهما: أن تكون» لا «مفعولاً بها و» البخل «بدل منها لأنَّ» لا «تُقال في المنع فهي مؤدِّية للبخل. والثاني: أنها مفعول بها أيضاً، والبخل مفعول من أجله والمعنى: أبى جودُه لفظ» لا «لأجل البخل أي كراهة البخل، ويؤيد عدمَ الزيادة روايةُ الجر. قال أبو عمرو بن العلاء:» الرواية فيه بخفض «البخل» لأن «لا» تُسْتعمل في البخل «، وأنشدوا أيضاً على زيادتها قول الآخر: ٢١٤٦ - أَفَعَنْكَ لا برقٌ كأنَّ وميضَه ... غابٌ تَسَنَّمَه ضِرامٌ مُثْقَبُ

стр. 3641

يريد: أفعنك برقٌ. وقد خَرَّجه الشيخ على احتمال كونِها عاطفةً وحَذْفِ المعطوف، والتقدير: أفعنك لا عن غيرك. وكونُ» لا «في الآية زائدةً هو مذهب الكسائي والفراء وأبي إسحاق. وما ذكرته من كون» البخل «بدلاً من» لا «و» لا «مفعولٌ بها هو مذهب الزجاج. وحكى بعضهم عن يونس قال:» كان أبو عمرو بن العلاء يجرُّ «البخل» ويجعل «لا» مضافة إليه، أراد أبى جوده لا التي هي للبخل لأن «لا» قد تكون للبخل وللجود، فالتي للبخل معروفة، والتي للجود أنه لو قال له: «امنع الحق» أو «لا تعط المساكين» فقال: «لا» كان جوداً. قلت: يعني فتكون الإِضافة للتبيين، لأن «لا» صارت مشتركةً فميَّزها بالإِضافة وخصَّصها به. / وقد تقدم طرف جيد من زيادة «لا» في أواخر الفاتحة وأقوال الناس في ذلك. وقد زعم جماعةٌ أن «لا» في هذه الآية الكريمة غيرُ زائدة، لكن اختلفت عبارتهم في تصحيح معنى ذلك فقال بعضهم: في الكلام حَذْفٌ يصحُّ به النفي، والتقدير: ما منعك فأحوجك أن لا تسجد؟ وقال بعضهم: المعنى على ما ألجأك أن لا تسجد؟ وبعضهم: مَنْ أمَرَكَ أن لا تسجد؟ ومَنْ قال لك أن لا تسجد، أو ما دَعاك أن لا تسجد؟ وهذا تمحُّل مَنْ يتحرَّج مِنْ نسبة الزيادة إلى القرآن وقد تقدَّم تحقيقه، وأنَّ معنى الزيادة على معنىً يفهمه أهلُ العلم وإلا فكيف يُدَّعى زيادةٌ في القرآن بالعُرْف العام؟ هذا ما لا يقوله أحد من المسلمين. و «ما» استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء، والخبرُ بعدها أي: أيُّ شيء

стр. 3642

منعك. و «أَنْ» في محل نصبٍ أو جر لأنها على حَذْفِ حرف الجر إذ التقدير: ما منعك من السجود؟ و «إذ» منصوب بتسجد أي: ما منعك من السجود في وقت أمري إياك به. وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ لا محلَّ لهذه الجملةِ لأنها كالتفسير والبيان للخبرية.

стр. 3643

وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾ : و «فيها» الضميرُ يعود على الجنة لأنه كان من سكانها. عن ابن عباس: أنهم كانوا في عدن لا في جنة الخلد. وقيل: يعود على السماء، لأنه يُروى في التفسير أنه وَسْوس إليهما وهو في السماء. وقيل: على الأرض أُمِر أن يَخْرج منها إلى جزائر البحار، ولا يدخل في الأرض إلا كالسارق. وقيل: على الرتبة المنيفة والمنزلة الرفيعة. وقيل: على الصورة والهيئة التي كان عليها لأنه كان مُشْرق الوجه فعاد مُظْلِمَه. وقوله: «فاخرجْ» تأكيدٌ ل «اهبط» إذ هو بمعناه. وقوله: «فيها» لا مفهومَ له، يعني أنه لا يُتَوَهَّم أنه يجوز أن يتكبَّر في غيرها. ولمَّا اعتبر بعضهم هذا المفهوم احتاج إلى تقدير حذف معطوف كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] قال: «والتقديرُ فما يكون لك أن تتكبَّر فيها ولا في غيرها» .

стр. 3644

والضمير في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ : يعود على بني آدم لدلالة السياق عليهم، كما دلَّ على ما عاد عليه الضميران في منها وفيها كما تقدَّم.

стр. 3645

قوله تعالى: ﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ : في هذه الباء وجهان أحدهما: أن تكون قسميةً وهو الظاهر. والثاني: أن تكون سببيَّة، وبه بدأ الزمخشري قال: «فبما أغويتني: فبسبب إغوائك إياي لأقعدنَّ لهم» ثم
следующие страницы →