← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

يريد: أفعنك برقٌ. وقد خَرَّجه الشيخ على احتمال كونِها عاطفةً وحَذْفِ المعطوف، والتقدير: أفعنك لا عن غيرك. وكونُ» لا «في الآية زائدةً هو مذهب الكسائي والفراء وأبي إسحاق. وما ذكرته من كون» البخل «بدلاً من» لا «و» لا «مفعولٌ بها هو مذهب الزجاج. وحكى بعضهم عن يونس قال:» كان أبو عمرو بن العلاء يجرُّ «البخل» ويجعل «لا» مضافة إليه، أراد أبى جوده لا التي هي للبخل لأن «لا» قد تكون للبخل وللجود، فالتي للبخل معروفة، والتي للجود أنه لو قال له: «امنع الحق» أو «لا تعط المساكين» فقال: «لا» كان جوداً. قلت: يعني فتكون الإِضافة للتبيين، لأن «لا» صارت مشتركةً فميَّزها بالإِضافة وخصَّصها به. / وقد تقدم طرف جيد من زيادة «لا» في أواخر الفاتحة وأقوال الناس في ذلك. وقد زعم جماعةٌ أن «لا» في هذه الآية الكريمة غيرُ زائدة، لكن اختلفت عبارتهم في تصحيح معنى ذلك فقال بعضهم: في الكلام حَذْفٌ يصحُّ به النفي، والتقدير: ما منعك فأحوجك أن لا تسجد؟ وقال بعضهم: المعنى على ما ألجأك أن لا تسجد؟ وبعضهم: مَنْ أمَرَكَ أن لا تسجد؟ ومَنْ قال لك أن لا تسجد، أو ما دَعاك أن لا تسجد؟ وهذا تمحُّل مَنْ يتحرَّج مِنْ نسبة الزيادة إلى القرآن وقد تقدَّم تحقيقه، وأنَّ معنى الزيادة على معنىً يفهمه أهلُ العلم وإلا فكيف يُدَّعى زيادةٌ في القرآن بالعُرْف العام؟ هذا ما لا يقوله أحد من المسلمين. و «ما» استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء، والخبرُ بعدها أي: أيُّ شيء

стр. 3642

منعك. و «أَنْ» في محل نصبٍ أو جر لأنها على حَذْفِ حرف الجر إذ التقدير: ما منعك من السجود؟ و «إذ» منصوب بتسجد أي: ما منعك من السجود في وقت أمري إياك به. وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ لا محلَّ لهذه الجملةِ لأنها كالتفسير والبيان للخبرية.

стр. 3643

وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾ : و «فيها» الضميرُ يعود على الجنة لأنه كان من سكانها. عن ابن عباس: أنهم كانوا في عدن لا في جنة الخلد. وقيل: يعود على السماء، لأنه يُروى في التفسير أنه وَسْوس إليهما وهو في السماء. وقيل: على الأرض أُمِر أن يَخْرج منها إلى جزائر البحار، ولا يدخل في الأرض إلا كالسارق. وقيل: على الرتبة المنيفة والمنزلة الرفيعة. وقيل: على الصورة والهيئة التي كان عليها لأنه كان مُشْرق الوجه فعاد مُظْلِمَه. وقوله: «فاخرجْ» تأكيدٌ ل «اهبط» إذ هو بمعناه. وقوله: «فيها» لا مفهومَ له، يعني أنه لا يُتَوَهَّم أنه يجوز أن يتكبَّر في غيرها. ولمَّا اعتبر بعضهم هذا المفهوم احتاج إلى تقدير حذف معطوف كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] قال: «والتقديرُ فما يكون لك أن تتكبَّر فيها ولا في غيرها» .

стр. 3644

والضمير في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ : يعود على بني آدم لدلالة السياق عليهم، كما دلَّ على ما عاد عليه الضميران في منها وفيها كما تقدَّم.

стр. 3645

قوله تعالى: ﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ : في هذه الباء وجهان أحدهما: أن تكون قسميةً وهو الظاهر. والثاني: أن تكون سببيَّة، وبه بدأ الزمخشري قال: «فبما أغويتني: فبسبب إغوائك إياي لأقعدنَّ لهم» ثم

стр. 3646

قال: «والمعنى: فبسبب وقوعي في الغَيِّ لاجتهدنّ في إغوائهم حتى يَفْسُدوا بسببي كما فَسَدْتُ بسببهم. فإن قلت: بم تَعَلَّقَت الباء فإن تعلُّقها ب» لأقعدن «يصدُّ عنه لام القسم لا تقول: واللهِ بزيدٍ لأمرَّنَّ؟ قلت: تَعَلَّقَتْ بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنَّ أي: فبسبب إغوائك أُقْسم. ويجوز أن تكون الباء للقسم أي: فأقسم بإغوائك لأقعدنَّ» . قلت: وهذان الوجهان سبق إليهما أبو بكر بن الأنباري، وذكر عبارةً قريبة من هذه العبارة. وقال الشيخ: «وما ذكره من أن اللام تصدُّ عن تعلُّق الباء ب» لأقعدَنَّ «ليس حكماً مُجْمَعاً عليه بل في ذلك خلافٌ» . قلت: أمَّا الخلافُ فنعم. لكنه خلافٌ ضعيف لا يُقَيَّد به أبو القاسم، والشيخُ نفسه قد قال عند قوله تعالى ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ﴾ [الأعراف: ١٨] في قراءة مَنْ كسر اللام في «لمن» ، إنَّ ذلك لا يُجيزه الجمهور وسيأتي لك مبيناً إن شاء الله. و «ما» تحتمل ثلاثة أوجه أظهرها: أنها مصدرية أي: فبإغوائك إياي. والثاني: أنها استفهامية يعني أنه استفهم عن السبب الذي أغواه به فقال: فبأي شيء من الأشياء أغويتني؟ ثم استأنف جملةَ أقْسَمَ فيها بقوله «لأقعدنَّ» . وهذا ضعيفٌ عند بعضِهم أو ضرورةٌ عند آخرين من حيث إنَّ «ما» الاستفهامية إذا جُرَّت حُذِفَتْ ألفها، ولا تَثْبت إلا في شذوذ كقولهم: عمَّا تسأل؟ أو ضرورةً كقوله: ٢١٤٧ - على ما قام يَشْتِمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرَّغَ في رمادِ

стр. 3647

والثالث: أنها شرطية، وهو قولُ ابن الأنباري، ولا بد من إيراد نصِّه قال: ﵀ «ويجوز أن تكونَ» ما «بتأويل الشرط، والباءُ من صلة الإِغواء، والفاءُ المضمرة جواب الشّرط، والتقدير: فبأي شيء أغويتني فلأقعدنَّ لهم صراطك» فتُضْمر الفاءَ [في] جواب الشرط كما تضمرها في قولك «إلى ما أومأتَ إني قابلُه، وبما أمرت إني سامعٌ مطيع» . وهذا الذي قاله ضعيف جداً، فإنه على تقدير صحة معناه يمتنع من حيث الصناعة، فإن فاء الجزاء لا تُحذف إلا في ضرورة شعر كقوله: ٢١٤٨ - مَنْ يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها ... والشرُّ بالشر عند الله مِثْلان أي: فالله. وكان المبرد/ لا يُجَوِّز ذلك ضرورة أيضاً، وينشد البيت المذكور: مَنْ يفعل الخير فالرحمن يشكره ... . . . . . . . . . . . . . . فعلى رأي أبي بكر يكون قوله «لأقعدنَّ» جوابَ قسم محذوف، وذلك القسم المقدر وجوابه جواب الشرط، فيقدِّرُ دخول الفاء على نفس جملة القسم مع جوابها تقديره: فبما أغويتني فواللهِ لأقعدنَّ. هذا يُتَمِّمُ مذهبه. وقوله: «صراطَك» في نصبه ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوب على إسقاط الخافض. قال الزجاج: «ولا اختلاف بين النحويين أنَّ» على «

стр. 3648

محذوفة كقولك:» ضُرِب زيدٌ الظهرَ والبطنَ «أي: على الظهر والبطن» . إلا أن هذا الذي قاله الزجاج وإن كان ظاهرهُ الإِجماع ضعيفٌ من حيث إن حرف الجر لا يَطَّرِدُ حذفه، بل هو مخصوص بالضرورة أو بشذوذ كقوله: ٢١٤٩ - تمُرُّون الديارَ فلم تعوجوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [وقوله] : ٢١٥٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . لولا الأسى لقضاني [وقوله] : ٢١٥١ - فَبِتُّ كأنَّ العائداتِ فَرَشْنني ... . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني: أنه منصوب على الظرف والتقدير: لأقعدنَّ لهم في صراطك. وهذا أيضاً ضعيف لأن «صراطك» ظرفُ مكانٍ مختصٌّ، والظرف المكاني المختص لا يصل إليه الفعل بنفسه بل ب «في» ، تقول: صليت في المسجد ونمت في السوق. ولا تقول: صَلَّيْتَ المسجد، إلا فيما استثني في كتب النحو، وإنْ ورد غير ذلك كان شاذاً كقولهم «رَجَع أدراجَه» و «ذهبت» مع «الشام» خاصة. أو ضرورة كقوله: ٢١٥٢ - جزى الله بالخيراتِ ما فعلا بكم ... رفيقَيْنِ قالا خَيْمَتَيْ أمِّ معبدِ

стр. 3649

أي: قالا في خيمتي. وجعلوا نظيرَ الآية في نصب المكان المختص قولَ الآخر: ٢١٥٣ - لَدْنٌ بهزِّ الكفِّ يَعْسِل مَتْنَه ... كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ وهذا البيت أنشده النحاة على أنه ضرورة. وقد شذَّ ابن الطراوة عن مذهب النحاة فجعل «الصراط» و «الطريق» في هذين الموضعين مكانين مُبْهمين. وهذا قولٌ مردودٌ لأن المختصَّ من الأمكنة ما له أقطارٌ تحويه وحدودٌ تحصره، والصراط والطريق من هذا القبيل. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول به لأنَّ الفعلَ قبله وإن كان قاصراً فقد ضُمِّن معنى فعلٍ متعدٍّ. والتقدير: لألزمَنَّ صِراطك المستقيم بقعودي عليه.

стр. 3650

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ﴾ : جملةٌ معطوفة على جواب القسم أيضاً، وأخبر أنه بعد أن يقعد على الصراط يأتي من هذه الجهات الأربع، ونوَّع حرف الجر فجرَّ الأَوَّلَيْن ب «مِنْ» والثانَيْين ب «عن» لنكتة ذكرها الزمخشري. قال ﵀: «فإن قلت كيف قيل: مِنْ بين أيديهم ومِنْ خلفهم بحرف الابتداء، وعن أيمانهم وعن شمائلهم بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عُدِّي إليه الفعلُ نحو تعديتهِ إلى المفعول به، فكما اختلفَتْ حروفُ التعدية في ذلك اختلفت في هذا وكانت لغةً تُؤْخَذُ ولا تُقاسُ، وإنما يُفَتَّشُ عن صحة موقعها فقط، فلمَّا سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه، وعن شماله وعلى شماله قلنا: معنى» على يمينه «أنه تَمَكَّن من جهة اليمين

стр. 3651

تمكُّنَ المستعلي من المستعلَى عليه. ومعنى» عن يمينه «أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين غيرَ ملاصقٍ له منحرفاً عنه، ثم كَثُر حتى استعمل في المتجافي وغيرِه كما ذكرنا في تعالَ. ونحوُه من المفعول به قولهم:» رميت على القوس وعن القوس ومن القوس «، لأنَّ السهم يُبْعِدُ عنها ويَسْتعليها إذا وُضع على كَبِدِها للرمي، ويبتدئ الرميُ منها فلذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومِنْ بين يديه، ومن خلفه، لأنَّ الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئت من الليل تريد بعض الليل» . قلت: وهذا كلامُ مَنْ رسخت قدمُه في فهم كلام العرب. وقال الشيخ: «وهو كلامٌ لا بأسَ به» فلم يوفِّه حقَّه. ثم قال: «وأقول: وإنما خَصَّ بين الأيدي والخلف بحرف الابتداء الذي هو أمكن في الإِتيان لأنهما أغلبُ ما يجيء العدوُّ منهما فينال فرصته، وقدَّم بين الأيدي على الخلف لأنها الجهة التي تدلُّ على إقدام العدو وبسالته في مواجهة قِرْنِه غيرَ خائفٍ منه، والخلف جهةُ غَدْرٍ ومخاتلة وجهالة القِرْن بمَنْ يغتاله ويتطلب غِرَّته وغَفْلَتَه، وخَصَّ الأيمان والشمائل بالحرف الذي يدلُّ على المجاوزة لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العدو، وإنما يجاوز إتيانَه إلى الجهة التي هي أغلب في ذلك، وقُدِّمت الأيمان على الشمائل لأنها هي الجهةُ القويةُ في ملاقاة العدو، وبالأَيْمان البطشُ والدفعُ، فالقِرْنُ الذي يأتي مِنْ جهتها أبسلُ وأشجع إذ جاء من الجهة التي هي أقوى في الدفع، والشمائل ليست في القوة والدفع كالأَيْمان. والأَيْمان والشمائل جَمْعا يمين وشمال، وهما الجارحتان وتُجْمَعان في القلة على أَفْعُل، قال:

стр. 3652

٢١٥٤ - يأتي لها من أَيْمُنٍ وأَشْمُلِ ... والشمائل يُعَبَّر بها عن الأخلاق والشيم تقول: له شمائلُ حسنة ويُعَبَّر عن الحسنات باليمين، وعن السيئات بالشمال، لأنهما منشأ الفعلين: الحسن والسيِّئ. ويقولون: اجعلني في يمينك لا في شِمالك قال: ٢١٥٥ - أبُثْنى أفي يُمْنَى يديكِ جَعَلْتِني ... فَأَفْرحَ أم صَيَّرْتني في شِمالكِ يَكْنون بذلك عن عِظَم المنزلة عند الشخص وخِسَّتها وقال: ٢١٥٦ - رأيت بني العَلاَّتِ لمَّا تضافروا ... يَحُوزون سَهْمي بينهمْ في الشَّمائل والشمائل: جمع شَمَال بفتح الشين وهي الريح. قال امرؤ القيس: ٢١٥٧ - وهَبَّتْ له ريحٌ بمختلف الصُّوى ... صَباً وشَمالٌ في منازِلِ قُفَّالِ والألف في الشمال زائدةٌ، لذا يُزاد فيها الهمزةُ أيضاً بعد الميم فيقولون شَمْأَل، وقبلها فيقولون شَأْمَل، يدلُّ على ذلك كلِّه سقوطُه في التصريف قالوا: «شَمَلَت الريح» إذا هبَّت شَمالاً. قوله: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ﴾ الوِجْدان هنا يحتمل أن يكون بمعنى اللقاء أو بمعنى العلم أي: لا تُلْفِي أكثرَهم شاكرين، أو لا تعلم أكثرهم شاكرين، فشاكرين حالٌ على الأول، مفعول ثان على الثاني. وهذه الجملة تحتمل وجهين أحدهما: أن تكون استئنافية أخبر اللعين بذلك لتظنِّيه أو لأنه علمه بطريق. ويحتمل أن تكون داخلةً في حَيِّز ما قبلها في جواب القسم، فتكونَ معطوفةً على قوله «لأقعدَنَّ» ، أَقْسَمَ على جملتين مُثْبَتَتَيْن وأخرى منفية.

стр. 3653

قوله تعالى: ﴿مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾ : حالان من فاعل «اخرج» عند مَنْ يجيز تَعدُّدَ الحال لذي حال واحدة. ومَنْ لا يُجِزْ ذلك فَمَدْحُوراً صفةٌ لمذؤوماً أو هي حالٌ من الضمير في الحال قبلها فيكون الحالان متداخلين. ومَذْؤوماً مدحوراً اسما مفعول مِنْ ذَأَمه ودَحَره. فأمَّا ذَأَمَه فيقال بالهمز: ذَأَمه يَذْأَمه كَرأَمه يَرْأَمُهُ، وذامه يَذيمه كباعه يبيعه من غير همز، وعليه قولهم: «لن يَعْدَمَ الحسناء ذاماً» يُروى بهمزةٍ ساكنة أو ألف، وعلى اللغة الثانية قول الشاعر: ٢١٥٨ - تَبِعْتُك إذْ عَيْني عليها غِشاوةٌ ... فلما انجلَتْ قَطَّعْتُ نفسي أَذِيْمُها فمصدرُ المهموز ذَأْم كرَأْس، وأما مصدر غير المهموز فَسُمِعَ فيه ذامٌ بألف، وحكى ابن الأنباري فيه ذَيْماً كيَنْعٍ قال: «يقال ذَأَمْتُ الرجل أَذْأَمُه وذِمْتُه أَذِيْمُه ذَيْماً وذَمَمْتُه أَذُمُّه ذَمَّاً بمعنىً. وأنشد: ٢١٥٩ - وأقاموا حتى انبرَوا جميعاً ... في مَقامٍ وكلُّهم مَذْؤُوْمُ والذَّامُ: العَيْبُ ومنه المثل المتقدم:» لن يَعْدَمِ الحسناءُ ذاما «أي كلُّ امرأة حسنة لا بد أن يكون فيها عيبٌ ما. وقالوا: أردتَ أن تَذيمه فمدحتَه أي: تَعيبه فمدحته، فأبدل الحاء هاءً. وقيل: الذام الاحتقارُ، ذَأَمْتُ الرجل: أي احتقرته قاله الليث. وقيل: الذام الذَّمُّ، قاله ابن قتيبة وابن الأنباري.

стр. 3654

والجمهور على» مَذْؤوماً «بالهمز. وقرأ أبو جعفر والأعمش والزهري» مَذُوْمَاً «بواو واحدة من دون همز. وهي تحتمل وجهين أحدهما: ولا ينبغي أن يُعْدَلَ عنه أنه تخفيف» مذؤوماً «في القراءة الشهيرة بأَنْ أُلْقِيَتْ حركةُ الهمزة على الذال الساكنة، وحُذِفَت الهمزةُ على القاعدة المستقرة في تخفيف مثله، فوزن الكلمة آل إلى مَفُول لحذف العين. والثاني: أن هذه القراءةَ مأخوذةٌ مِنْ لغة مَنْ يقول: ذِمْتُه أَذيمه كبِعْتُه أَبيعه، وكان مِنْ حق اسم المفعول على هذه اللغةِ مَذيم كمبيع قالوا: إلا أنه أُبْدلت/ الواو من الياء على حَدِّ قولهم» مكول «في» مكيل «مع أنه من الكيل. ومثل هذه القراءة في احتمال الوجهين قولُ أمية بن أبي الصلت: ٢١٦٠ - وقالَ لإِبليسَ ربُّ العبادِ ... [أن] اخرُجْ لعيناً دحيراً مَذُوْمَا أنشد على ذلك الواحدي على لغة ذامه بالألف يَذيمه بالياء، وليته جعله محتملاً للتخفيف مِنْ لغة الهمز. والدَّحْر: الطَّرْدُ والإِبعاد يقال: دَحَره يَدْحَرُه دَحْراً ودُحوراً، ومنه: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً﴾ [الصافات: ٩] وقول أمية في البيت المتقدم» لَعيناً دحيراً «وقوله أيضاً: ٢١٦١ - وبإذنه سجدوا لآدمَ كلهمْ ... إلا لعيناً خاطِئاً مَدْحورا وقال الآخر: ٢١٦٢ - دَحَرْتُ بني الحصيب إلى قَدِيدٍ ... وقد كانوا ذوي أَشَرٍ وفَخْرِ

стр. 3655

قوله: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ﴾ في هذه اللامِ وفي» مَنْ «وجهان أظهرهما: أن اللام لامُ التوطئة لقسم محذوف و» مَنْ «شرطية في محل رفع بالابتداء و» لأملأنَّ «جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسدِّ جوابِ القسم مسدَّه. وقد تقدم إيضاح ذلك غير مرة. والثاني: أن اللامَ لامُ ابتداء، «مَنْ» موصولة و «تبعك» صلتها، وهي في محل رفع بالابتداء أيضاً، و «لأملأنَّ» جواب قسم محذوف، وذلك القسمُ المحذوفُ وجوابُه في محلِّ رفع خبراً لهذا المبتدأ، والتقدير: للذي تبعك منهم والله لأملأنَّ جهنم منكم. فإن قلت: أين العائد من الجملة القسمية الواقعة خبراً عن المبتدأ؟ قلت: هو متضمِّنٌ في قوله «منكم» لأنه لمَّا اجتمع ضميرا غيبة وخطاب غَلَّب الخطاب على ما عُرِف غير مرة. وفَتْحُ اللام هو قراءةُ العامَّة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر من بعض طرقهِ والجحدري: «لِمَنْ» بكسرها، وخُرِّجتْ على ثلاثة أوجه أحدها: - وبه قال ابن عطية - أنها تتعلق بقوله «لأَملأنَّ» فإنه قال: «لأجل مَنْ تبعك منهم لأملأنَّ» ، وظاهر هذا أنها متعلقةٌ بالفعل بعد لام القسم. قال الشيخ: «ويمتنع ذلك على قول الجمهور أن ما بعد لام القسم لا يعمل فيما قبلها» . والثاني: أن اللام متعلقةٌ بالذَّأْمِ والدَّحْر، والمعنى: اخرج بهاتين الصفتين لأجل تُباعك. ذكره أبو الفضل الرازي في كتاب «اللوائح على شاذ القراءة» . قلت: ويمكن أن تجيء المسألةُ من باب الإِعمال لأن كلاً من

стр. 3656

مذؤوماً ومدحوراً يطلب هذا الجارَّ عند هذا القائل من حيث المعنى ويكون الإِعمال للثاني كما هو مختار البصريين للحذف من الأول. والثالث: أن يكون هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوف تقديره: لمن تبعك منهم هذا الوعيدُ، ودلَّ على قوله «هذا الوعيد» قولُه «لأملأن جهنم» ، لأن هذا القسمَ وجوابَه وعيدٌ، وهذا أراده الزمخشري بقوله: «بمعنى لمن تبعك منهم الوعيد وهو قوله» لأملأن جهنم «على أنَّ» لأملأنَّ «في محل الابتداء و» لمن تبعك «خبره. قال الشيخ:» فإن أراد ظاهر كلامه فهو خطأ على مذهب البصريين لأنَّ قولَه «لأملأنَّ» جملةٌ هي جوابُ قسم محذوف، من حيث كونُها جملةً فقط لا يجوز أن تكون مبتدأة، ومن حيث كونها جواباً للقسم المحذوف يمتنع أيضاً؛ لأنها إذ ذاك من هذه الحيثيَّة لا موضع لها من الإِعراب، ومن حيث كونُها مبتدأ لها موضع من الإِعراب، ولا يجوز أن تكون الجملة لها موضع من الإِعراب لا موضع لها من الإِعراب، وهو محال لأنه يلزم أن تكون في موضع رفع لا في موضع رفع، داخلٌ عليها عاملٌ غيرُ داخل عليها عاملٌ، وذلك لا يُتَصَوَّر «. قلت: بعد أن قال الزمخشري:» بمعنى لِمَنْ تبعك الوعيد وهو لأملأنَّ «كيف يحسن أن يُتردد بعد ذلك فيُقال: إن أراد ظاهر كلامه، كيف يريده مع التصريح بتأويله هو بنفسه؟ وأمَّا قوله» على أن لأملأنَّ في محل الابتداء «فإنما قاله لأنه دالٌ على الوعيد الذي هو في محل الابتداء، فنسب إلى الدالِّ ما يُنْسب إلى المدلول من جهة المعنى. وقول الشيخ أيضاً «ومن حيث كونُها جواباً/

стр. 3657

للقسم المحذوف أيضاً إلى آخره كلامُ متحمِّلٍ عليه، لأنه يريد جملة الجواب فقط البتة، إنما يريد الجملة القسمية برُمَّتها، وإنما استغنى بذكرها عن ذكر قسيمها لأنها ملفوظ بها، وقد تقدَّم لك ما يشبه هذا الاعتراضَ الأخير عليه وجوابه. وأمَّا قولُ الشيخ:» ولا يجوز أن تكون الجملةُ لها موضعٌ من الإِعراب لا موضعَ لها من الإِعراب «إلى آخر كلامه كله شيءٌ واحدٌ ليس فيه معنى زائد. وقوله تعالى: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد. واعلم أن الأكثر في أجمع وأخواته المستعملة في التأكيد إنما يؤتى بها بعد» كل «نحو: ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وفي غير الأكثر قد تجيء بدون» كل «كهذه الآية الكريمة، فإنَّ» أجمعين «تأكيد ل» منكم «، ونظيرها فيما ذكرتُ لك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] .

стр. 3658

وفي البقرة: ﴿رَغَداً﴾ : وهو محذوفٌ لدلالة الكلام عليه.

стр. 3659

قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ ، أي: فَعَلَ الوسوسة لأجلهما. والفرق بين وسوس له ووسوس إليه أنَّ وسوس له بمعنى لأجله كما تقدم، ووسوس إليه ألقى إليه الوسوسة. والوَسْوَسَةُ: الكلام الخفيُّ المكرر، ومثله الوَسْواس وهو صوت الحَلْيِ، والوَسْوَسة أيضاً الخَطْرة الرديئة، ووسوس لا يتعدى إلى مفعول بل هو لازم ويقال: رجل مُوَسْوِس بكسر الواو ولا يقال بفتحها، قاله ابن

стр. 3660

الأعرابيّ. وقال غيره: يقال: مُوَسْوَس له ومُوَسْوَس إليه. وقال الليث: «الوسوسة حديثُ النفس والصوت الخفي من ريحٍ تهزُّ قصباً ونحوه كالهمس» . قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] وقال رؤبة بن العجاج يصف صياداً: ٢١٦ - ٣- وَسْوَسَ يدعو مُخلِصاً ربِّ الفَلَق ... لمَّا دَنا الصيد دنا مِنَ الوَهَقْ أي: لَمَّا اراد الصيدَ وَسْوس في نفسه: أيخطئ أم يصيب؟ وقال الأزهري: «وسوس ووَزْوَزَ بمعنى واحد» . قوله: ﴿لِيُبْدِيَ﴾ في هذه اللام قولان أظهرهما: أنها لامُ العلة على أصلها، لأنَّ قَصْدَ الشيطان ذلك. وقال بعضهم: اللام للصيرورة والعاقبة، وذلك أن الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة، فالمعنى: أن أمرهما آيل إلى ذلك. والجواب: أنه يجوزُ أن يُعْلم ذلك بطريق من الطرق المتقدمة في قوله ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الاعراف: ١٧] . قوله: ﴿مَا وُورِيَ﴾ «ما» موصولة بمعنى الذي وهي مفعولٌ ل «يُبدي» أي ليُظْهِر الذي سُتِر. وقرأ الجمهور «وُوْري» بواوين صريحتين وهو ماضٍ مبني للمفعول، أصله وارَى كضارب فلمَّا بُني للمفعول أُبدلت الألفُ واواً كضُوْرِبَ، فالواو الأولى فاء والثانية زائدة. وقرأ عبد الله: أُوْرِيَ بإبدال الأولى همزةً وهو بدلٌ جائزٌ لا واجب. وهذه قاعدة كلية وهي: أنه إذا اجتمع في أول

стр. 3661

الكلمة واوان، وتحركت الثانية أو كان لها نظيرٌ متحرك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً، فمثال النوع الأول «أُوَيصل» و «أواصل» تصغير واصل وتكسيره، فإن الأصل: وُوَيْصِل، وواصل فاجتمع واوان في المثالين ثانيتهما متحركة فوجب إبدال الأولى همزة. ومثال النوع الثاني أُوْلى فإن أصلها وُوْلَى، فالثانية ساكنة لكنها قد تتحرك في الجمع في قولك أُوَل كفُضْلى وفُضَل. فإن لم تتحرك ولم تُحْمَلْ على متحرك جاز الإِبدال كهذه الآية الكريمة. ومثله وُوْطِئ وأُوْطِئ. وقرأ يحيى بن وثاب «وُرِيَ» بواو واحدة مضمومة وراء مكسورة، وكأنه من الثلاثي المتعدي، وتحتاج إلى نَقْلِ أنَّ وَرَيْتُ كذا بمعنى وارَيْتُه. والمُواراة: السَّتْرُ، ومنه قوله ﵇ لمَّا بلغه موت أبي طالب: «لعلِّي أذهب مُوارٍ» ومنه قول الآخر: ٢١٦٤ - على صَدىً أسودَ المُواري ... في التُّرْب أمسى وفي الصفيح وقد تقدم تحقيق هذه المادة. والجمهور على قراءة «سَوْءاتهما» بالجمع من غير نقلٍ ولا إدغام. وقرأ مجاهد والحسن «سَوَّتِهما» بالإِفراد وإبدال الهمزة واواً وإدغام الواو فيها. وقرأ الحسن أيضاً وأبو جعفر وشَيْبَة بن نصاح «سَوَّاتِهما» بالجمع وتشديد الواو بالعمل المتقدم. وقرأ أيضاً سَواتِهما/ بالجمع أيضاً إلا أنه نَقَل حركةَ الهمزة إلى الواو من غير عملٍ آخر، وكلُّ ذلك ظاهر: فَمََنْ قرأ بالجمع

стр. 3662

فيحتمل وجهين، أظهرهما: أنه من باب وَضْعِ الجمع مَوْضعَ التثنية كراهيةَ اجتماع تثنيتَيْن والجمع أخو التثنية فلذلك ناب منابها كقوله ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وقد تقدَّم تحقيق هذه القاعدة. ويحتمل أن يكون الجمعُ هنا على حقيقته؛ لأنَّ لكل واحد منهما قُبُلاً ودبراً، والسَّوْءات كناية عن ذلك فهي أربعٌ؛ فلذلك جيء بالجمع، ويؤيد الأولَ قراءةُ الإِفراد فإنه لا تكون كذلك إلا والموضع موضع تثنية نحو: «مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطنهما» . قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَا﴾ استثناءٌ مفرغ وهو مفعول من أجله، فيقدّره البصريون إلا كراهةَ أن تكونا، وقدَّره الكوفيون إلا أن لا تكونا، وقد تقدَّم غيرَ مرة أن قول البصريين أَوْلى لأن إضمارَ الاسم أحسنُ من إضمار الحرف. والجمهور على «مَلَكَيْن» بفتح اللام. وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك ويحيى بن أبي كثير والزهري وابن حكيم عن ابن كثير «مَلِكين» بكسرها. قالوا: ويؤيِّد هذه القراءة قولُه في موضع آخر: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [طه: ١٢٠] والمُلك يناسِبُ المَلِك بالكسر. وأتى بقوله «من الخالدين» ولم يقل «أو تكونا خالدَيْن» مبالغةً في ذلك؛ لأن الوصف بالخلود أهم من المِلْكية أو المُلْك، فإن قولك: «فلان من الصالحين» أبلغُ من قولك صالح، وعليه ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ [التحريم: ١٢] .

стр. 3663

قوله تعالى: ﴿وقَاسَمَهُمَا﴾ : المفاعلةُ هنا تحتمل أن تكون على بابها، فقال الزمخشري: «كأنه قال لهما: أُقسم لكما إني لمن الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله أنت إنك لمن الناصحين لنا، فَجعَل ذلك مقاسمةً بينهم، أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أَخْرج قسمَ إبليس على وزن المفاعلة؛ لأنه اجتهد فيها اجتهادَ المُقاسِم» . وقال ابن عطية: «وقاسمهما: أي حلف لهما، وهي مفاعلة إذ قبول المحلوف له وإقباله على معنى اليمين كالقسم وتقريره، وإن كان بادئَ الرأي يعطي أنها من واحد» ، ويحتمل أن يكون فاعَل بمعنى أفعل كباعَدْته وأبعدته، وذلك أن الحَلْفَ إنما كان من إبليس دونهما وعليه قول خالد بن زهير: ٢١ ٦٥ - وقاسَمَها بالله جَهْداً لأنتمُ ... ألذَّ مِنَ السَّلوى إذا ما نشورها قوله: ﴿لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِين﴾ يجوز في «لكما» أن يتعلق بما بعده على أن أل معرفةٌ لا موصولة، وهذا مذهبُ أبي عثمان، أو على أنها الموصولة ولكن تُسُومح في الظرف وعديله ما لا يتسامح في غيرهما اتساعاً فيهما لدوَرانهما في الكلام، وهو رأي بعض البصريين وأنشد: ٢١٦٦ - رَبَّيْتُهُ حتى إذا تَمَعْدَدا ... كان جزائي بالعصا أن أُجْلدا ف «بالعصا» متعلق بأُجْلَد وهو صلة أَنْ، أو أن ذلك جائز مطلقاً ولو في المفعول به الصريح، وهو رأي الكوفيين وأنشدوا: ٢١٦٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وشفاءُ غَيِّك خابِراً أن تسألي

стр. 3664

أي: أن تسألي خابراً، أو أنه متعلقٌ بمحذوف على البيان أي: أعني لكما كقولهم: سقياً لك ورَعياً، أو تعلَّق بمحذوف مدلول عليه بصلة أل أي: إني ناصحٌ لكما. ومثلُ هذه الآية الكريمة: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: ٢٠] : وجعل ابن مالك ذلك مطَّرداً في مسألة أل الموصولة إذا كانت مجرورة ب مِنْ. ونَصَح يتعدى لواحد تارةً بنفسه وتارة بحرف الجر، ومثله شكر، وقد تقدم، وكال ووزن. وهل الأصلُ التعدِّي بحرف الجر أو التعدي بنفسه أو كلٌّ منهما أصل؟ الراجح الثالث. وزعم بعضُهم أن المفعول في هذه الأفعال محذوفٌ وأن المجرور باللام هو الثاني، فإذا قلت: نصحتُ لزيدٍ فالتقدير: نصحت لزيد الرأيَ. وكذلك شَكَر له صنيعه وكِلْتُ له طعامه ووَزَنْتُ له متاعه فهذا مذهب رابع. وقال الفراء: «العربُ لا تكاد تقول: نصحتك، إنما يقولون نصحتُ لك وأنصح لك» ، وقد يجوز نصحتك. قال النابغة: ٢١٦٨ - نصحتُ بني عوفٍ فلم يتقبَّلوا ... رسولي ولم تنجحْ لديهم وسائلي وهذا يقوِّي أن اللام أصل. والنُّصْحُ: بَذْلُ الجهد في طلب الخير خاصة، وضده الغش. وأمَّا «نصحت لزيد ثوبه» فمتعدٍ لاثنين لأحدهما بنفسه، وللثاني بحرف الجر باتفاق، وكأن النصح الذي هو بذل الجهد في الخير مأخوذ مِنْ أحد معنيين: إمَّا

стр. 3665

مِنْ نَصَح أي أخلص، ومنه: ناصح العسل أي خالصه، فمعنى نصحه أخلصَ له الوُدَّ، وإمَّا من نَصَحْتُ الجِلْد والثوب إذا أحكمتَ خياطتهما، ومنه الناصح للخيَّاط والنِّصاح للخيط، فمعنى نَصَحه أي: أحكم رأيه منه. ويقال: نَصَحه نُصوحاً ونَصاحة قال تعالى: ﴿توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ [التحريم: ٨] بضم النون في قراءة أبي بكر، وقال الشاعر في «نَصاحة» : ٢١٦٩ - أَحْبَبْتُ حُبَّاً خالَطَتْه نَصاحةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذلك كذُهوب وذَهاب.

стр. 3666

قوله تعالى: ﴿فدلاهما بغرور﴾ : الباء للحال أي: مصاحبين للغرور أو مصاحباً للغرور فهي حال: إمَّا من الفاعلِ أو من المفعول. ويجوز أن تكون الباءُ سببيةً أي: دَلاَّهما بسبب أن غرَّهما. والغُرور مصدر حُذف فاعله ومفعوله، والتقدير: بغُروره إياهما. وقوله: «فدلاَّهما» يحتمل أن يكون من التَدْلية من معنى دلا دَلْوَه في البئر والمعنى أطمعهما. قال أبو جندب الهذلي: ٢١٧٠ - أَحُصُّ فلا أُجير ومَنْ أُجِرْه ... فليس كمَنْ تَدَلَّى بالغرورِ وأن تكون من الدالِّ والدالَّة وهي الجُرْأة أي: فجرَّأهما قال: ٢١٧١ - أظن الحِلْمَ دَلَّ عليَّ قومي ... وقد يُسْتَجْهَلُ الرجلُ الحليم

стр. 3667

وعلى الثاني يكون الأصل دَلَّلهما، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال فأبدل الثالثَ حرفَ لين، كقولهم: تظنَّيْتُ في تظنَّنْت وقَصَّيْت أظفاري في قَصَصْت وقال: ٢١٧٢ - تَقَضِّيَ البازيْ إذا البازي كسرْ ... والذَّوْق: وجود الطعم بالفم ويعبر به عن الأكل. وقيل: الذوق مَسُّ الشيء باللسان أو بالفم يقال فيه: ذاق يذوق ذَوْقاً مثل: صام يصوم صوماً، ونام ينام نوماً. قوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ طَفِقَ من أفعالِ الشُّروع كأخذ وجعل وأنشأ وعَلِق وهَبَّ وانبرى، فهذه تدلُّ على التلبُّس بأول الفعل، وحكمُها حكمُ أفعالِ المقاربة من كونِ خبرها لا يكون إلا مضارعاً، ولا يجوزُ أن يقترنَ بأَنْ البتة لمنافاتها لها لأنها للشروع وهو حالٌ و «أَنْ» للاستقبال، وقد يقع الخبر جملةً اسمية كقوله: ٣١٧٣ - وقد جَعَلَتْ قَلوصُ بني سهيلٍ ... من الأَكْوارِ مَرْتَعُها قريبُ وشرطية كإذا كقول عمر: «فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يَخْرج أَرْسَلَ رسولاً» ويقال: طَفِقَ بفتح الفاء وكسرها، وطَبِق بالباء الموحدة أيضاً. والألف اسمها و «يخصفان» خبرها. والخَصْف الخَرْز في النِّعال، وهو وَضْعُ طريقة على أخرى وخَرْزُهما، والمِخْصَف: ما يُخْصَفُ به وهو الإِشْفى قال: ٢١٧٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3668

أَنْفِها كالمِخْصَف والخَصَفَةُ أيضاً الجُلَّة للتمر، والخَصَفُ: الثياب الغليظة، وخَصَفْتُ الخَصْفة نَسَجْتُها، والأَخْصَف والخصيف طعام يبرق، وأصله أن يُوضع لبنٌ ونحوه في الخَصْفة فيتلوَّن بلونها، وقال العباس يمدح النبي ﷺ : ٢١٧٥ -. . . . . . طِبْتَ في الظلال وفي ... مستودَعٍ حيث يُخْصَفُ الورقُ يشير إلى الجنة أي حيث يخرز ويطابق بعضها فوق بعض. قوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ يجوز أن تكون هذه الجملةُ التقريرية مفسرةً للنداء ولا محلَّ لها، ويُحتمل أن يكون ثَمَّ قولٌ محذوف وهي معمولةٌ له أي: فقال: ألم أنْهَكما، وذلك القولُ مفسِّر للنداء أيضاً. وقال الشيخ: «الأَوْلى أن يعود الضمير في» عليهما «على عورتيهما كأنه قيل: يَخْصِفان على سَوْءاتيهما، وعاد بضمير الاثنين لأن الجمعَ يُراد به اثنان، ولا يجوز أن يعود الضمير على آدم وحواء لأنه تقرَّر في علم العربية أنه لا يتعدَّى فعل الظاهر والمضمر المتصل إلى الضميرِ المتصلِ المنصوب لفظاً أو محلاً في غير باب ظن وفقد وعدم ووجد، لا يجوز: زيد ضربه ولا ضربه زيد، ولا زيد مرَّ به ولا مرَّ به زيد، فلو جَعَلْنا الضميرَ في» عليهما «عائداً على آدم وحواء لَلَزِمَ من ذلك تعدِّي» يَخْصِفُ «إلى الضمير المنصوب محلاً وقد رفع الضمير المتصل وهو الألف في» يَخْصِفان «، فإنْ أُخِذَ ذلك على حَذْف مضاف مرادٍ جاز ذلك وتقديره:» يَخْصِفان على بَدَنَيْهما «، قلت: ومثلُ ذلك فيما ذكر ﴿وهزى إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضمم

стр. 3669

إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] وقول الشاعر: ٢١٧٦ - هَوِّنْ عليك فإن الأمور ... بِكَفِّ الإِله مقاديرُها وقوله أيضاً: ٢١٧٧ - دَعْ عنك نَهْباً صِيْح في حَجَراته ... ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرواحلِ و ﴿مِن وَرَقِ﴾ يحتمل أن تكون «مِنْ» لابتداء الغاية وأن تكون للتبعيض. وقرأ أبو السَّمَّال «وطَفِقا» بفتح الفاء وهي لغة كما تقدم. وقرأ الزهري «يُخْصِفان» مِنْ أخصف وهي تحتمل وجهين أحدهما: أن يكون أَفْعَلَ بمعنى فَعَل. والثاني: أن تكون الهمزةُ للتعدية، والمفعولُ على هذا محذوفٌ أي: يَخْصِفان أنفسهما أي: يجعلان أنفسَهما خاصِفين. وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وابن وثاب/ «يَخِصِّفان» بفتح الياء وكسر الخاء والصادُ مشددةٌ، والأصل: يختصفان، فأُدْغمت التاء في الصاد ثم أُتْبعت الخاءُ للصاد في حركتها، وسيأتي لهذه القراءة نظيرٌ في يونس ويس نحو ﴿يهدي﴾ [يونس: ٦] و ﴿يَخِصِّمُون﴾ [يس: ٤٩] إن شاء الله تعالى. وروى محبوب عن الحسن كذلك إلا أنه فتح الخاء فلم يُتْبِعْها للصاد، وهي قراءة يعقوب أيضاً وابن بريدة. وقرأ عبد الله «يُخُصِّفان» بضم الياء والخاء وكسر الصاد مشددة وهي مِنْ خصَّف بالتشديد، إلا أنه أتبع الخاء للياء قبلها في الحركة وهي قراءة عَسِرةُ النطق، ويدل على

стр. 3670

أن أصلها مِنْ خَصَّف بالتشديد قراءةُ بعضهم «يُخَصِّفَان» كذلك إلا أنه بفتح الخاء على أصلها. قوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ هذه الجملةُ في محل نصب بقول مقدر ذلك القولُ حالٌ تقديره: وناداهما قائلاً ذلك. ولم يُصَرِّحْ هنا باسم المنادي للعلم به. و «لكما» متعلق ب «عدو» لِما فيه من معنى الفعل. ويجوزُ أن تكونَ متعلقةً بمحذوف على أنها حال من «عدوّ» لأنها لو تأخّرت لجاز أن تكون وصفاً له.

стр. 3671

قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ﴾ : هذا شرطٌ حُذِفَ جوابه لدلالة جواب القسم المقدر عليه، فإنَّ قَبْلَ حرف الشرط لامَ التوطئة للقسم مقدرةً كقوله: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣] ويدلُّ على ذلك كثرةُ ورودِ لامِ التوطئة قبل أداة الشرط في كلامهم. وما بعد ذلك قد تقدَّم إعرابُه في البقرة.

стр. 3672

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ : قرأ الأَخَوان وابن ذكوان «تَخْرُجون» هنا، وفي الجاثية: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ﴾ [الجاثية: ٣٥] وفي الزخرف: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: ١١] وفي أول الروم: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم: ١٩] قرؤوا الجميعَ مبنياً للفاعلَ، والباقون قرؤوه مبنياً للمفعول، وفي أول الروم خلافٌ عن ابن ذكوان. وتحرَّزْتُ بأول الروم من قوله: ﴿إِذَآ أَنتُمْ

стр. 3673

تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] فإنه قُرئ مبنياً للفاعل من غير خلاف، ولم يذكر بعضهم موافقةَ ابنِ ذكوان للأخَوَيْن في الجاثية. والقراءتان واضحتان. و [في] قوله: ﴿قَالاَ رَبَّنَا﴾ [الروم: ٢٣] : فائدةُ حَذْفِ حرف النداء هنا تعظيم المنادى وتنزيهه. قال مكي: «ونداء الربِّ قد كَثُر حَذْفُ» يا «منه في القرآن، وعلةُ ذلك أن في حذف» يا «من نداء الرب معنى التعظيم والتنزيه، وذلك أنَّ النداءَ فيه طَرَفٌ من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد فمعناه: تعالَ يا زيد، أدعوك يا زيد، فحُذِفت» يا «من نداء الرب ليزولَ معنى الأمر وينقص لأنَّ» يا «تُؤَكِّده وتُظهر معناه فكان في حذف» يا «الإِجلالُ والتعظيم والتنزيه» .

стр. 3674

قوله تعالى: ﴿يُوَارِي﴾ : في محلِّ نصبٍ صفةً للباساً. وقوله «وريشاً» يُحْتمل أن يكونَ من باب عطف الصفات، والمعنى: أنه وصف اللباس بشيئين: مواراةِ السَّوْءة والزينة، وعبَّر عنها بالريش، لأنَّ الريش زينةٌ للطائر، كما أن اللباس زينة للآدميين ولذلك قال الزمخشري: «والريش لباسُ الزينة» ، استعير مِنْ ريش الطير لأنه لباسُه وزينتُه «. ويُحْتَمل أن يكون من باب عطف الشيء على غيره أي: أَنْزَلْنا عليكم لباسَيْن لباساً موصوفاً بالمواراة ولباساً موصوفاً بالزينة، وهذا اختيار الزمخشري فإنه قال بعدما حَكَيْتُه عنه آنفاً:» أي: أنزلنا عليكم لباسَيْن لباساً يواري سَوْءاتكم ولباساً يُزَيِّنُكم، لأن الزينةَ غرضٌ صحيح كما قال تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿وَلَكُمْ

стр. 3675

فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦] وعلى هذا فالكلام في قوة حذف موصوف وإقامة صفته مُقامه والتقدير: ولباساً ريشاً أي: ذا ريش «. والرِّيْشُ فيه قولان، أحدهما: أنه اسم لهذا الشيءِ المعروف. والثاني: أنه مصدرٌ يُقال» راشَه يَريشه رِيْشاً إذا جعل فيه الرِّيش، فينبغي أن يكون الريشُ مشتركاً بين المصدر والعين وهذا هو التحقيق. وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسُّلمي وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء وزر بن حبيش، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما: «ورِياشاً» ، وفيها تأويلان أحدهما وبه قال الزمخشري أنه جمع رِيْش فيكون كشِعْب وشِعاب. والثاني: أنه مصدرٌ أيضاً فيكون ريش ورياش مصدَريْن ل راشه الله رَيشاً ورياشاً أي: أنعم عليه. وقال الزجاج: «اللباس، فعلى هذا هما اسمان للشيء الملبوس قالوا: لِبْس ولِباس» . قلت: وقد جَوَّز الفراء أن يكون مصدراً فأخذ الزمخشري بأحد القولين، وغيرُه بالآخر، وأنشدوا: ٢١٧٨ - ورِيْشي منكمُ وهَوايَ مَعْكمْ ... وإن كانت زيارتُكم لِماما قوله: ﴿وَلِبَاسُ التقوى﴾ قرأ نافع وابن عامر والكسائي «لباسَ» بالنصب والباقون «لباسُ» بالرفع. فالنصب نسقاً على «لباساً» أي: أنزلنا لباساً موارياً وزينة، وأنزلنا أيضاً لباس التقوى، وهذا يُقَوِّي كون «ريشاً» صفةً ثانية للباساً

стр. 3676

الأول إذ لو أراد أنه صفة لباسٍ ثانٍ لأبرز موصوفه كما أبرز هذا اللباسَ المضاف للتقوى. وأمَّا الرفعُ فمِنْ خمسة أوجه، أحدها: أن يكون «لباس» مبتدأ، و «ذلك» مبتدأ ثان و «خير» خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابطُ هنا اسمُ الإِشارةِ وهو أحدُ الروابط الخمسة المتفق عليها، ولنا سادسٌ فيه خلافٌ تقدَّم التنبيه عليه. وهذا الوجهُ هو أَوْجَهُ الأعاريب في هذه الآية الكريمة. الثاني: أن يكون «لباس» خبرَ مبتدأ محذوف أي: وهو لباس التقوى، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج، وكأن المعنى/ بهذه الجملة التفسيرُ للّباس المتقدم، وعلى هذا فيكون قوله «ذلك» جملةً أخرى من مبتدأ وخبر. وقَدَّره مكي بأحسنَ مِنْ تقدير الزجاج فقال: «وسَتْر العورة لباس التقوى» . الثالث: أن يكون «ذلك» فَصْلاً بين المبتدأ وخبره، وهذا قول الحوفي ولا أعلم أحداً من النحاة أجاز ذلك، إلا أن الواحديَّ قال: «ومَنْ قال إن» ذلك «لغوٌ لم يَلْقَ على قوله دلالة؛ لأنه يجوز أن يكون على أحد ما ذكرنا» . قلت: فقوله «لغو» هو قريب من القول بالفصل؛ لأنَّ الفصلَ لا محلَّ له من الإِعراب على قول جمهور النحويين من البصريين والكوفيين. الرابع: أن يكون «لباس» مبتدأً و «ذلك» بدلٌ منه أو عطفُ بيان له أو نعت و «خير» خبره، وهو معنى قول الزجاج وأبي علي وأبي بكر ابن الأنباري، إلا أنَّ

стр. 3677

الحوفي قال: «وأنا أرى أن لا يكون» ذلك «نعتاً للباس التقوى؛ لأن الأسماءَ المبهمة أعرف ممَّا فيه الألفُ واللام وما أضيف إلى الألف واللام، وسبيل النعت أن يكون مساوياً للمنعوت أو أقلَّ منه تعريفاً، فإن كان قد تقدَّمَ قولُ أحدٍ به فهو سهوٌ» . قلت: أمَّا القول به فقد قيل كما ذَكَرْتُه عن الزجاج والفارسي وابن الأنباري، ونصَّ عليه أبو علي في «الحجة» أيضاً وذكره الواحدي. وقال ابن عطية: «هو أنبل الأقوال» ، وذكر مكي الاحتمالات الثلاثة: أعني كونه بدلاً أو بياناً أو نعتاً، ولكن ما بحثه الحوفي صحيح من حيث الصناعةُ، ومن حيث إن الصحيح في ترتيب المعارف ما ذَكَر من كونِ الإِشارات أعرفَ من ذي الأداة، ولكن قد يقال: القائلُ بكونه نعتاً لا يجعله أعرفَ مِنْ ذي الألف واللام. الخامس: جوَّز أبو البقاء أن يكون «لباسُ» مبتدأً، وخبره محذوف أي: ولباسُ التقوى ساتر عوراتكم «وهذا تقديرٌ لا حاجةَ إليه. وإسنادُ الإِنزال إلى اللباس: إمَّا لأن أنزل بمعنى خلق كقوله: ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وإمَّا على ما يسمِّيه أهلُ العلم التدريجَ وذلك أنه ينزل أسبابه، وهي الماء الذي هو سببٌ في نبات القطن والكتَّان والمرعى الذي تأكله البهائم ذواتُ الصوفِ والشعر والوبر التي يُتَّخَذُ منها الملابسُ، ونحو قولِ الشاعر يصف مطراً:

стр. 3678

٢١٧٩ - أقبل في المُسْتَنِّ من سَحابَهْ ... أسنِمة الآبال في ربابَهْ فجعله جائياً لأسنمة. . . الإِبل مجازاً لمَّا كان سبباً في تربيتها، وقريب منه قول الآخر: ٢١٨٠ - إذا نَزَلَ السَّماءُ بأرض قومٍ ... رَعَيْناه وإن كانوا غضابا وقال الزمخشري:» جَعَلَ ما في الأرض منزَّلاً من السماء لأنه قضى ثَمَّ وكتب، ومنه «وأنزل لكم من الأنعامِ ثمانيةَ» . وقال ابن عطية: «وأيضاً فَخَلْقُ الله وأفعالُه إنما هي من علوٍّ في القَدْر والمنزلة» . وفي قراءة عبد الله وأُبَيّ «ولباس التقوى خير» بإسقاط «ذلك» ، وهي مقوِّيةٌ للقول بالفصل والبدل وعطف البيان. وقرأ النحوي: «ولبُوسُ» بالواو ورفع السين. فأمَّا الرفعُ فعلى ما تقدَّم في «لباس» ، وأمَّا «لبوس» فلم يُبَيِّنوها: هل هي بفتح اللام فيكون مثلَ قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أو بضم اللام على أنه جمعٌ وهو مُشْكل، وأكثر ما يُتَخَيَّل له أن يكون جمع لِبْس بكسر اللام بمعنى ملبوس. وقوله: «ذلك مِنْ آيات الله» مبتدأٌ وخبر، والإِشارة به إلى جميع ما تقدَّم من إنزال اللباسِ والريش ولباس التقوى. وقيل: بل هو إشارة لأقرب مذكور وهو لباسُ التقوى فقط.

стр. 3679

قوله تعالى: ﴿لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ : هو نهيٌ للشيطان في الصورة، والمراد نَهْيُ المخاطبين عن متابعته والإِصغاءِ إليه، وقد تقدم معنى ذلك في قوله ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢] . وقرأ ابن وثاب وإبراهيم: «لا يُفْتِنَنَّكم» بضمِّ حرفِ المضارعة مِنْ أفتنه بمعنى حَمَلَه على الفتنة. وقرأ زيد بن علي «لا يَفْتِنْكم» بغير نون توكيد. قوله: ﴿كَمَآ أَخْرَجَ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوف أي: لا يَفْتنكم فتنةً مثلَ فتنة إخراج أبوَيْكم. ويجوز أن يكون التقدير: لا يُخْرِجَنَّكم بفتنته إخراجاً مثل إخراجه أبويكم. وقوله: «يَنْزِع» جملة في محل نصب على الحال. وفي صاحبها احتمالان، أحدهما: أنه الضمير في «أخرج» العائدُ على الشيطان، والثاني: أنه الأبوين، وجاز الوجهان لأنَّ المعنى يَصِحُّ على كلٍ من التقديرين، والصناعةُ مساعدةٌ لذلك؛ فإن الجملة مشتملة على ضمير الأبوين وعلى ضمير الشيطان. قال الشيخ: «فلو كان بدل» ينزع «نازعاً تعيَّن الأولُ، لأنه إذ ذاك لو جُوِّز الثاني لكان وصفاً جرى على غير مَنْ هو له فكان يجب إبراز الضمير، وذلك على مذهب البصريين» . قلت: يعني أنه يفرَّق/ بين الاسم والفعل إذا جريا على غير ما هما له في المعنى: فإن كان اسماً كان مذهبُ البصريين ما ذكر، وإن كان فعلاً لم يَحْتَجْ إلى ذلك. وقد تقدَّم لك الكلامُ على هذه المسألة، وأن الشيخ جمال الدين بن مالك سَوَّى بينهما، وأن مكيَّاً له فيها كلام مُشْكل. و ﴿يَنْزِعُ﴾ جيء بلفظ المضارع على أنه حكاية حال كأنها قد وقَعَتْ

стр. 3680

وانقضَتْ. والنَّزْعُ: الجَذْبُ بقوة للشيء عن مقرِّه، ومنه ﴿تَنزِعُ الناس كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ومنه نَزْع القوس، وتستعمل في الأَعْراض، ومنه نَزْعُ العداوة والمحبة من القلب، ونُزِع فلانٌ كذا سُلِبَه، ومنه ﴿والنازعات غَرْقاً﴾ [النازعات: ١] لأنها تَقْلع أرواح الكفرة بشدة، ومنه المنازعةُ وهي المخاصمة، والنَّزْع عن الشيء كفٌّ عنه، والنزوع: الاشتياق الشديد، ومنه نَزَع إلى وطنه ونَزَع إلى مذهب كذا نَزْعَةً، وأنزع القومُ: نَزَعَتْ إبلهم إلى مواطنها، ورجل أَنْزَعُ أي زال شعرُه، والنَّزْعتان بياض يكتنف الناصية، والنَّزْعة أيضاً الموضع مِنْ رأس الأنزع، ولا يقال امرأة نَزْعاء إذا كان بها ذلك، بل يقال لها: زَعْراء، وبئر نَزُوع أي قريبة القَعْر لأنها يُنزع منها باليد. قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ : «هو» تأكيد للضمير المتصل ليسوغَ العطفُ عليه، كذا عبارة بعضهم. قال الواحدي: «أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله: ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥] قلت: ولا حاجةَ إلى التأكيد في مثل هذه الصورةِ لصحة العطف، إذ الفاصلُ هنا موجودٌ وهو كافٍ في صحة العطف، فليس نظيرَ ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ . وقد تقدَّم لك بحثٌ في ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ وهو أنه ليسَ من باب العطف على الضمير لمانعٍ ذُكر ثَمَّةَ. و ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ المشهورُ قراءته بالرفع نسقاً على الضمير المستتر، ويجوز أن يكونَ نسقاً على اسم «إنَّ» على الموضع عند مَنْ يجيز ذلك، ولا سيما عند مَنْ يقول: يجوز ذلك بعد الخبر بإجماع. ويجوز أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر فتحصَّل في رفعه ثلاثة أوجه. وقرأ اليزيدي «وقبيلَه» نصباً وفيها تخريجان،
следующие страницы →