Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ﴾ : في «إذ» وجهان أحدهما: أنه ظرفٌ منصوبٌ بما تضمَّنَتْه الآلاء من معنى الفعل كأنه قيل: واذكروا نِعَمَ اللهِ عليكم في هذا الوقت. ومفعولُ «اذكروا» محذوفٌ لدلالة قوله بعد ذلك: فاذكروا آلاءَ الله، ولأنَّ قوله «إذ جعلكم خُلَفاء» ، وزادكم كذا هو نفس الآلاء، وهذا ظاهرُ قولِ الحوفي. وقال الزمخشري: «إذ» مفعول اذكروا، أي: / اذكروا هذا الوقتَ المشتمل على النِّعَمِ الجسيمة «.
وقوله ﴿فِي الخلق﴾ : يُحتمل أن يُراد به المصدر، بمعنى في امتداد قاماتكم، في حُسْن صُوَركم وعِظَم أجسامكم، ويحتمل أن يُرادَ به معنى المفعول به أي: في المخلوقين بمعنى زادكم في الناس مثلكم بسطة عليهم، فإنه لم يكن في زمانِهم مثلُهم في عِظَم الأَجْرام. وَرَدَ في التفسير أنَّ أقصرَهم ستون ذراعاً. وتقدَّم الخلاف في» بَسْطة «في البقرة.
قوله: ﴿آلآءَ الله﴾ أي نِعَمه، وهو جمعٌ مفردُه» إلْيٌ «بكسر الهمزة وسكونِ اللام كحِمْل وأحمال، أو» أُلْي «بضم الهمزة وسكون اللام كقُفل وأقفال، أو» إلَى «بكسرِ الهمزة وفتح اللام كضِلَع وأضلاع وعِنب وأعناب، أو» أَلَى «بفتحها كقفا وأقفاء، قال الأعشى:
٢٢٢٨ - ... أبيضُ لا يَرْهَبُ الهُزال ولا
يقطعُ رَحْمي ولا يَخُونُ إلى ... يُنشد بكسر الهمزة وهو المشهور وبفتحها ومثله» الآناء «جمع إنْي أو أُنْي أو إنَى أو أَنَى. وقال الأخفش:» إنْوٌ «. والآناء: الأوقات كقوله: ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ [طه: ١٣٠] وسيأتي.
стр. 3782
قوله تعالى: ﴿لِنَعْبُدَ﴾ : متعلِّقٌ بالمجيء الذي أنكروه عليه. وقوله «إن كنتَ» جوابُه محذوف أو متقدم وهو «فَأْت به» .
стр. 3783
وقوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ : إمَّا متعلق بوَقَع، ومِنْ للابتداء مجازاً، وإمَّا أن يتعلَّق بمحذوف لأنها حال إذ كانت في الأصل صفة لرجس. وقوله «سَمَّيْتُموها» صفةٌ لأسماء، وكذلك الجملة من قوله «ما نَزَّل الله» و «مِنْ سلطان» مفعول «نَزَّل» ومِنْ مزيدة. و «من المنتظرين» خبر «إني» . و «معكم» فيه ما تقدَّم في قوله ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١] . ويجوز وهو ضعيف أن يكون «معكم» هو الخبر و «من المنتظرين» حال، والتقدير: إني مصاحبُكم حالَ كوني من المنتظرين النصرَ والفرجَ من الله تعالى، وليس بذاك لأن المقصود في الكلام هو الانتظارُ لمقابلة قوله «فانتظروا» فلا تُجْعل فَضْلة.
стр. 3784
قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ : ثمود اسم رجل وهو ثمود ابن جاثر بن إرَم بن سام وهو أخو جديس، فثمود وجديس أخوان ثم سُمِّيت به هذه القبيلة، والأكثر مَنْعُه اعتباراً بما ذكرته، ومنهم مَنْ جَعَله اسماً للحيِّ فصرفه وهي قراءةُ الأعمش ويحيى بن وثاب في جميع القرآن، وسيأتي لك خلاف بين القراء السبعة في سورة هود وغيرها. وقيل: سُمُّوا ثمود لقلة مائهم، والثَّمْدُ الماء القليل. قال النابغة:
٢٢٢٩ - واحْكُمْ كحكم فتاة الحي إذ نظرَتْ ... إلى حَمامٍ شِراعٍ واردِ الثَّمَدِ
وصالح اسم عربي وهو صالح بن آسف. وقيل: ابن عبيد بن آسف ابن كاشح بن أروم بن ثمود بن جاثر.
стр. 3785
قوله: ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ قد كثُر إيلاءُ هذه اللفظةِ العواملَ، فهي جاريةٌ مَجْرى الأبطح والأبرق في عدم ذِكْرِ موصوفها. وقوله: «من ربكم» يحتمل أن تتعلَّق بجاءتكم و «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً، وأن تتعلق بمحذوف لأنها صفةُ بَيِّنة. ولا بد مِنْ حَذْف مضاف أي: من بينات ربكم ليتصادَقَ الموصوفُ وصفتُه. وقوله: «آية» نصب على الحال لأنها بمعنى العلامة. والعاملُ فيها: إمَّا معنى التنبيه، وإمَّا معنى الإِشارة كأنه قال: أنبِّهكم عليها أو أُشير إليها في هذه الحال. ويجوز أن يكون العاملُ مضمراً تقديره: انظروا إليها في هذه الحال، والجملةُ لا محلَّ لها لأنها كالجواب لسؤالٍ مقدر كأنهم قالوا: أين آيتك؟ فقال: هذه ناقةُ الله، وأضافها إلى الله تشريفاً كبيت الله وروح الله، وذلك لأنها لم تتوالد بين جَمَلٍ وناقة بل خَرَجَتْ من صَلْد كما هو المشهور.
وقوله ﴿لِكُمْ﴾ أي: أعني لكم، وخُصُّوا بذلك لأنهم هم السائلوها أو المتفعون بها من بين سائر الناس لو أطاعوا. ويحتمل أن تكون «هذه ناقة الله» مفسرةً لقوله «بيِّنة» لأنَّ البينة تستدعي شيئاً يتبيَّن به المُدَّعَى، فتكون الجملةُ في محل رفع على البدل، وجاز إبدال جملةٍ من مفرد لأنها في قوته.
قوله: ﴿في أَرْضِ الله﴾ الظاهرُ تعلُّقه ب «تأكل» وقيل: يجوز تعلُّقه بقوله «فَذَرُوها» ، وعلى هذا فتكونُ المسألة من التنازع وإعمال الثاني، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني فقال: تأكل فيها في أرض الله. / وانجزم «تأكل» جواباً للأمر. وقد تقدم الخلافُ في جازمه: هل هو نفسُ الجملة الطلبية أو أداة مقدرة؟ وقرأ أبو جعفر «تأكلُ» برفع الفعل على أنه حالٌ «، وهو نظير ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] رفعاً وجزماً.
стр. 3786
قوله تعالى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض﴾ بوَّأه: أنزله منزلاً. والمَبَاءةُ المنزل، وتقدَّمَتْ هذه المادة في آل عمران وهو يتعدَّى لاثنين، فالثاني محذوف أي: بَوَّأكم منازل. و «في الأرض» متعلقٌ بالفعل وذُكِرَتْ ليبني عليها ما يأتي بعدها من قوله «تَتَّخذون» . قوله: «تَتَّخذون» يجوز أن تكونَ المتعديةَ لواحد، فيكونَ «من سهولها» متعلقاً بالاتخاذ أو بمحذوف على أنه حال من «قصوراً» إذ هو في الأصل صفةٌ لها لو تأخر، بمعنى أنَّ مادة القصور مِنْ سهل الأرض كالجبس واللِّبَن والآجرّ كقوله: ﴿واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] أي: مادته من الحُلِيِّ. وقيل: «مِنْ» بمعنى في. وفي التفسير: أنهم كانوا يسكنون في القصور صيفاً وفي الجبال شتاءً. وأن تكونَ المتعدية لاثنين ثانيهما «من سهولها» .
قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً﴾ : يجوز أن تكون «الجبال» على إسقاط الخافض أي: من الجبال، كقوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فيكون «بيوتاً» مفعولَه. ويجوز أن يُضَمَّن «تَنْحِتون» معنى ما يتعدَّى لاثنين أي: وتتخذون الجبال بيوتاً بالنحت أو تُصَيِّرونها بيوتاً بالنحت. ويجوز أن يكون «الجبال»
стр. 3787
هو المفعول به و «بيوتاً» حالٌ مقدرة كقولك: خِطْ هذا الثوب جُبَّةً، أي: مقدراً له كذلك. و «بيوتاً» وإن لم تكن مشتقةً فإنها في معناه أي: مسكونة.
وقرأ الحسن: «تَنْحَتون» بفتح الفاء. وزاد الزمخشري أنه قرأ: «تنحاتون» بإشباع الفتحة ألفاً، وأنشد:
٢٢٣٠ - يَنْباع من ذِفْرى غضوبٍ جَسْرَةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ يحيى بن مصرف وأبو مالك بالياء من أسفل على الالتفات. إلا أن أبا مالك فَتَح الحاء كقراءة الحسن. والسهلُ من الأرض مالان وسَهُلَ الانتفاع به ضد الحَزَن. والسهولة: التيسير. والقُصور: جمع قَصْر وهو البيت المُنيف، سُمِّي بذلك لقُصور الناس عن الارتقاء إليه، أو لأن عامَّة الناس يُقَصِّرون عن بناء مثله بخلاف خواصِّهم، أو لأنه يُقتصر به على بُقْعَةٍ من الأرض بخلاف بيوت الشعر والعُمُد، فإنها لا يُقتصر بها على بُقْعَةٍ مخصوصة لارتحال أهلها، أو لأنه يَقْصُر مَنْ فيه أي يَحْبِسه، ومنه: ﴿وحُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢] والنَّحْتُ: النَّجْر في شيء صُلْب كالحجر والخشب قال:
٢٢٣١ - أمَّا النهارُ ففي قَيْدٍ وسلسلةٍ ... والليلُ في بَطْنِ منحوت من الساج
وقرأ الأعمش: «ولا تِعْثُوا» بكسر حرف المضارعة. وقد تقدم أن ذلك لغةٌ. و «مفسدين» حال مؤكدة إذ معناها مفهوم من عاملها. و «في الأرض» متعلقٌ بالفعلِ قبله أو بمفسدين.
стр. 3788
قوله تعالى: ﴿قَالَ الملأ﴾ : قرأ ابن عامر وحده: «وقال» بواو عطف نسقاً لهذه الجملة على ما قبلها، وموافقةً لمصاحف الشام، فإنها مرسومة فيها. والباقون بحَذْفِها: إمَّا اكتفاءً بالربط المعنويِّ، وإمَّا لأنه جواب لسؤالٍ مقدر كما تقدَّم نظيره، وموافقةً لمصاحفهم، وهذا كما تقدم في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ [الأعراف: ٤٣] إلا أنه هو الذي حَذَف الواو هناك.
قوله: ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا﴾ اللام للتبليغ. ويَضْعُف أن تكون للعلة. والسين في «استكبروا» و «استضعفوا» يجوز أن تكونَ على بابِها من الطلب أي: طلبوا أولئك الكِبْرَ من أنفسهم ومن المؤمنين الضعف. ويجوز أن يكون استفعل بمعنى فَعَل كعجب واستعجب.
قوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من «الذين اسْتُضْعِفُوا» بإعادة العامل، وفيه وجهان أحدهما: أنه بدلُ كل مِنْ كل إن عاد الضمير في «منهم» على قومه، ويكون المستضعفون مؤمنين فقط. كأنه قيل: قال المستكبرون للمؤمنين من قوم صالح. والثاني: أنه بدلُ بعضٍ من كل إن عادَ الضمير على المستضعفين، ويكون المستضعفون ضربَيْن: مؤمنين وكافرين، كأنه قيل: / قال المستكبرون للمؤمنين من الضعفاء دون الكافرين من الضعفاء.
وقوله: ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾ في محلِّ نصب بالقول. و «من ربه» متعلق بمُرْسَل. و «مِنْ» للابتداء مجازاً، ويجوز أن تكونَ صفةً فتتعلَّق بمحذوف.
قوله: ﴿بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ﴾ متعلِّقٌ ب «مؤمنون» قُدِّم للاختصاص والاهتمام وللفاصلة. و «ما» موصولةٌ. ولا يجوز هنا حَذْفُ العائد وإن اتحد الجارُّ للموصول وعائدِه؛ لاختلاف العامل في الجارَّيْن. وكذلك قوله: ﴿
стр. 3789
بالذي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] .
стр. 3790
والعَقْر أصله كشف العراقيب في الإِبل وهو: أن تُضْرب قوائمُ البعير أو الناقة فتقع، وكانت هذه سنَتهم في الذَّبْح. قال امرؤ القيس:
٢٢٣٢ - ويومَ عَقَرْتُ للعَذارى مطيَّتي ... فيا عَجَباً مِنْ رَحْلِها المُتَحَمَّلِ
ثم أُطْلِق على كل نحرٍ، وإن لم يكنْ فيه كَشْفُ عراقيب تسميةً للشيء بما يلازمه غالباً إطلاقاً للسبب على مسبَّبه. هذا قول الأزهري. وقال ابن قتيبة: «العَقْر: القتل كيف كان، عَقَرْتُها فهي معقورة» . وقيل: العَقْرُ: الجرح. وعليه قول امرئ القيس:
٢٢٣٣ - تقول وقد مال الغَبيط بنا معاً ... عَقَرْتَ بعيري يا امرأَ القيسِ فانزِلِ
تريد: جَرَحْتَه بثقلك وتمايُلِكَ. والعُقْر والعَقْر بالفتح، والضم الأصل، ومنه عَقَرْتُه أي: أصبت عَقْره يعني أصلَه كقولهم: كَبَدْتُه ورَأَسْتُه أي: أصبت كَبِده ورأسه، وعَقَرْتَ النخل: قطعته من أصله. والكلب العَقُور منه. والمرأة عاقر، وقد عُقِرَت. والعُقْر بالضم آخر الولد وآخر بيضة، يقال: عُقِر البَيْض. والعَقار: بالفتح المِلْك من الأبنية ومنه «ما غُزي قوم في عُقْر دارهم إلا ذلُّوا» وبعضهم يَخُصُّه بالنخل. والعُقار بالضمِّ الخمر لأنها كالعاقِرة للعقل ورَفَعَ عَقِيْرَته أي: صوتَه، وأصلُه أن رجلاً عَقَر رِجْلَه فَرفَع صوته فاستُعير لكل صائح. والعُقْر بالضم أيضاً: المَهْر.
وقوله: ﴿وَعَتَوْاْ﴾ العُتُوّ والعُتِيُّ: النُّبُوُّ أي: الارتفاع عن الطاعة يقال منه: عَتَا يَعْتُو عُتُوًّاً وعُتِيَّاً، بقلب الواوين ياءين، والأحسنُ فيه إذا كان مصدراً
стр. 3791
تصحيحُ الواوين كقوله: ﴿وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ٢١] . وإذا كان جمعاً الإِعلالُ نحو: قوم عُتِيٌّ لأن الجمعَ أثقلُ، قياسُه الإِعلالُ تخفيفاً. وقوله: ﴿أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾ [مريم: ٦٩] . وقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨] أي: حالةً تتعذَّر مداواتي فيها وهو كقوله:
٢٢٣٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... ومن العَناءِ رياضَةُ الهَرِمِ
وقيل: العاتي: الجاسي أي اليابس. ويقال: عَثَا يَعْثُو عُثُوَّاً بالثاء المثلثة من مادة أخرى لأنه يقال: عَثِي يَعْثَى عِثِيَّاً وعثا يَعْثُو عُثُوَّاً، فهو في إحدى لغتيه يشاركه «عتا» بالمثناة وزناً ومعنى، ويقاربه في حروفه. والعَيْثُ أيضاً بتقديم الياء من أسفل على الثاء المثلثة هو الفساد، فيحتمل أن يكونَ أصلاً وأن يكون مقلوباً فيه. وبعضهم يجعل العَيْث الفساد المُدْرَك حسَّاً والعِثِيّ في المُدْرَك حكماً وقد تقدم لك طرف من هذا.
وقوله: ﴿يَا صَالِحُ ائتنا﴾ يجوز لك على رواية مَنْ يُسَهِّل الهمزة وهو ورش والسوسي أن تُبْدِلَ الهمزة واواً، فتلفظ بصورة يا صالحُ وْتِنا في الوصل خاصة، تُبْدِل الهمزة بحركة ما قبلها وإن كانت منفصلة من كلمة أخرى. وقرأ عاصم وعيسى بن عمر: أُوْتنا بهمزٍ وإشباعِ ضم، ولعله عاصم الحجدري لا ابن النجود، وهذه القراءة لا تبعد عن الغلط لأن همزة الوصل في هذا النحوِ مكسورةٌ فمن أين جاءت ضمةُ الهمزة إلا على التوهُّم؟
стр. 3792
وقوله: ﴿بِمَا تَعِدُنَآ﴾ العائدُ محذوفٌ أي: تَعِدُناه، ولا يجوز أن تقدر «تَعِدُنا» متعدياً إليه بالباء، وإن كان الأصلُ تعديتَه إليه بها؛ لئلا يلزمَ حذفُ العائدِ المجرور بحرفٍ من غير اتحادِ متعلَّقهما، لأنَّ «بما» متعلِّقٌ بالإِتيان، و «به» متعلِّقٌ بالوعد.
стр. 3793
والرَّجْفَةُ: الزلزلةُ الشديدة يقال: رَجَفَتِ الأرضُ تَرْجُف رَجْفاً ورَجِيْفاً ورجَفاناً. وقيل: الرَّجْفَةُ: الطامَّةُ التي يتزعزعُ لها الإِنسانُ ويضطرب، ومنه قيل للبحر: رَجَّاف لاضطرابه. وقيل: أصلُه مِنْ رجَفَ به البعيرُ إذا حرَّكه في سَيْره، قال ابن أبي ربيعة:
٢٢٣٥ - ولَمَّا رَأَيْتُ الحجَّ قد حان وقتُه ... وظَلَّتْ جِمال القومِ بالحيِّ تَرْجُفُ
والإِرجاف: إيقاعُ الرَّجْفَةِ، وجمعُه الأراجيف ومنه «الأراجيف ملاقيحُ الفِتَنِ» . وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة﴾ [النازعات: ٤] كقوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] ومنه:
٢٢٣٦ - تُحْيي العظام َالراجفاتِ من البِلى ... وليس لداءِ الرُّكبتين طبيبُ
والجُثُوم: اللُّصوقُ بالأرض مِنْ جُثُوم الطائر والأرنب، فإنه يَلْصِقُ بطنَه/ بالأرض، ومنه رجلٌ جُثَمَة وجَثَّامة، كناية عن النؤوم الكَسْلان، وجُثْمان
стр. 3794
الإِنسان شخصُه قاعداً. وقال أبو عبيد: «الجُثُوم للناس والطيرِ كالبُروك للإِبل. وأنشد لجرير:
٢٢٣٧ - عَرَفْتُ المُنْتَأَى وعَرَفْتُ منها ... مَطايا القِدْر كالحِدَأ الجُثُومِ
قال الكرماني:» حيث ذُكِرت الرَّجْفةُ وُحِّدت الدار، وحيث ذُكرت الصيحةُ جُمِعَتْ، لأنَّ الصيحةَ كانت من السماء فبلوغُها أكبرُ وأبلغُ من الزلزلة، فَذَكَرَ كلَّ واحدٍ بالأليق به. وقيل في دارهم: أي بلدهم. وقيل: المرادُ بها الجنسُ. والفاء في «فَأَخَذَتْهم» للتعقيب. ويمكن أن تكونَ عاطفةً على الجملة من قوله «فَأْتِنا» وذلك على تقديرِ قربِ زمان الهلاك من زمان طلب الإِتيان. ويجوز أن يُقَدَّر ما يَصِحُّ العطفُ عليه بالفاء، والتقدير: فوعدهم العذابَ بعد ثلاث فانقضت فأَخَذَتْهم.
ولا يُلتفت إلى ما ذكره بعضُ الملاحدةِ في قوله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي موضعٍ آخرَ: ﴿الصيحة﴾ [هود: ٦٧] ، وفي موضع آخر ﴿بالطاغية﴾ [الحاقة: ٥] واعتقد ما لا يجوز، إذ لا منافاةَ بين ذلك، فإن الرَّجْفَةَ مترتبةٌ على الصيحة، لأنه لمَّا صِيح بهم رَجَفَتْ قلوبُهم فماتوا، فجاز أن يُسْنَدَ الإِهلاكُ إلى كلٍ منهما. وأمَّا «بالطاغية» فالباء للسببية. والطاغية: الطُّغيان مصدر كالعاقبة، ويقال للمَلِكِ الجبار طاغية، فمعنى «أُهْلِكوا بالطاغية» أي بطغيانهم كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] أي: بسبب طُغْيانهم.
стр. 3795
وقوله «فأصبحوا» يجوز أن تكونَ الناقصةَ، فجاثمين خبرُها، و ﴿في ديارهم﴾ متعلِّقٌ به، ولا يجوزُ أن يكونَ الجارُّ خبراً و «جاثمين» حال لعدمِ الفائدة بقولك «فأصبحوا في دارهم» وإن جاز الوجهان في قولك: «أصبح زيد في الدار جالساً» ، ويجوز أن تكونَ التامَّةَ أي: دخلوا في الصباح، و «جاثمين» حال، والأولُ أظهرُ.
стр. 3796
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ﴾ : قيل: «كان» محذوفة هنا لأنه حكايةُ حالٍ ماضية أي: ولكن كنتم لا تحبون.
стр. 3797
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً﴾ : فيه وجهان أحدهما: أنه منصوب بأَرْسَلْنا الأول، و «إذا» ظرفٌ للإِرسال. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار «اذكر» . وفي العامل في الظرفِ حينئذٍ وجهان، أحدهما: وهو قول الزمخشري أنه بدلٌ من «لوطاً» قال: «بمعنى: واذكر وقتَ إذ قال لقومه» وهذا على تسليمِ تصرُّفِ «إذ» . والثاني: أن العاملَ فيها مقدَّرٌ تقديرُه: واذكر رسالةَ لوطٍ إذ قال. فإذ منصوب برسالة. قاله أبو البقاء، والبدلُ حينئذٍ بدلُ اشتمال.
قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب. وعلى الاستئنافِ يُحتمل أن تكونَ جواباً لسؤال وأَنْ لا تكونَ. قال الزمخشري: «فإن قلت: ما موضعُ هذه الجملة؟ قلت: لا مَحَلَّ لها لأنها مستأنفة، أنكر عليهم أولاً بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ ثم
стр. 3798
وبَّخهم عليها فقال: أنتم أولُ مَنْ عَمِلَها. أو تكونُ جواباً لسؤال مقدَّر، كأنهم قالوا: لِمَ لا تأتيها؟ فقال: ما سبقكم بها أحدٌ فلا تفعلوا ما لم تُسْبَقوا به» .
والباء في «بها» فيها وجهان، أظهرهُما: أنها حاليةٌ أي: ما سَبَقكمْ أحدٌ مصاحِباً لها أي: ملتبساً بها. والثاني: أنها للتعديةِ. قال الزمخشري: «الباءُ للتعدية مِنْ قولك:» سَبَقْته بالكُرة «إذا ضربْتَها قبله. ومنه قوله ﵇:» سبقك بها عُكاشة «قال الشيخ:» والتعديةُ هنا قلقةٌ جداً؛ لأنَّ الباءَ المعدِّية في الفعل المتعدي لواحد [هي] بجَعْل المفعولِ الأولِ يَفْعل ذلك الفعلَ بما دَخَلَتْ عليه الباءُ فهي كالهمزة، وبيان ذلك أنك إذا قلت: «صَكَكْتُ الحجرَ بالحجر» كان معناه: أَصْكَكْت الحجرَ أي: جَعَلْت الحجر يَصُكُّ الحجر، فكذلك: دَفَعْتُ زيداً بعمرو عن خالد، معناه: أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي: جَعَلْتُ زيداً يدفع عمراً عن خالد، فللمفعول الأول تأثيرٌ في الثاني، ولا يصحُّ هذا المعنى هنا إذ لا يَصِحُّ أن يقدَّر: أَسْبَقْتُ زيداً الكرة أي: جَعَلْتُ زيداً يَسْبِق الكرة إلا بمجازٍ متكلِّف، وهو أن تجعلَ ضربَك للكرة أولَ جَعْلٍ ضربةً قد سبقها أي تقدَّمها في الزمان فلم يجتمعا «. و» مِنْ «الأولى لتأكيد الاستغراق والثانية للتبعيض.
الوجه الثاني من وجهَيْ الجملة: أنها حال، وفي صاحبها وجهان أحدهما: هو الفاعل أي: أتأتون مبتدئين بها. والثاني: هو المفعول أي: / أتأتونها مُبْتَدَأً بها غيرَ مسبوقةٍ من غيركم.
стр. 3799
قوله تعالى: ﴿أإنكم﴾ : قرأ نافع وحفص عن عاصم: «إنكم» على الخبر المستأنف وهو بيانٌ لتلك الفاحشةِ. وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي للتوبيخ.
قوله: ﴿شَهْوَةً﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ من أجله أي: لأجلِ الاشتهاء، لا حاملَ لكم عليه إلا مجردُ الشهوة لا غير. والثاني: أنها مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحال أي: مشتهين أو باقٍ على مصدريته، ناصبه «أتَأْتُون» لأنه بمعنى أتشتهون. ويقال: شَهِيَ يَشْهى شَهْوة، وشَها يَشْهو شهوة قال:
٢٢٣٨ - وأَشْعَثَ يَشْهى النومَ قلت له ارتحِلْ ... إذا ما النجومُ أعرضَتْ واسْبَكَرَّتِ
وقد تقدَّم ذلك في آل عمران.
قوله: ﴿مِّن دُونِ النسآء﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «الرجال» أي: أتأتونهم منفردين عن النساء. والثاني: أنه متعلِّقٌ بشهوة قاله الحوفي. وليس بظاهرٍ أن تقولَ: «اشتهيت من كذا» ، إلا بمعنىً غيرِ لائق هنا. والثالث: أن يكونَ صفةً لشهوة أي: شهوةً كائنة من دونهن.
قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ﴾ «بل» للإِضرابِ، والمشهور أنه إضراب انتقالٍ من قصة إلى قصة إلى قصة، فقيل: عن مذكور، وهو الإِخبارُ بتجاوزهم عن الحدِّ في هذه الفاحشةِ أو عن توبيخهم وتقريرِهم والإِنكارِ عليهم. وقيل: بل للإِضراب عن شيء، محذوف. واختُلِفَ فيه: فقال أبو البقاء: «تقديره ما عَدَلْتُم بل أنتم» . وقال الكرماني: «بل» رَدٌّ لجوابٍ زعموا أن يكونَ لهم عُذْراً أي: لا عذرَ لكم بل «.
стр. 3800
وجاء هنا بصفة القوم اسمَ الفاعل وهو» مُسْرفون «؛ لأنه أدلُّ على الثبوت ولموافقة رؤوسِ الآيِ فإنها أسماء. وجاء في النمل» تَجْهَلُون «دلالةً على أنَّ جهلَهم يتجدَّد كلَّ وقتٍ ولموافقةِ رؤوس الآي فإنها أفعال.
стр. 3801
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ : العامَّةُ على نصب «جواب» خبراً للكون، والاسمُ «أنْ» وما في حَيِّزها وهو الأفصحُ، إذ فيه جَعْلُ الأعرفِ اسماً. وقرأ الحسن «جوابُ» بالرفع، وهو اسمُها، والخبر «إلا أَنْ قالوا» وقد تقدَّمَ ذلك. وأتى هنا بقوله «وما» ، وفي النمل والعنكبوت «فما» ، والفاء هي الأصلُ في هذا الباب لأنَّ المرادَ أنهم لم يتأخر جوابُهم عن نصيحته. وأمَّا الواوُ فالتعقيبُ أحدُ محاملها، فتعيَّن هنا أنها للتعقيب لأمرٍ خارجي وهي العربية في السورتين المذكورتين لأنها اقتضَتْ ذلك بوضعها.
стр. 3802
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ امرأته﴾ : استثناء من أهله المُنْجَيْن. وقوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾ جوابُ سؤالٍ مقدر. وهذا كما تقدم في البقرة وفي أول هذه السورة في قصة إبليس.
والغابر: المُقيم. هذا هو مشهورُ اللغة، وأنشدوا قول أبي ذؤيب الهذلي:
٢٢٣٩ - فَغَبَرْتُ بعدهمُ بعيشٍ ناصِبٍ ... وإخالُ أني لاحقٌ مُسْتَتْبَعُ
стр. 3803
ومنه غُبَّرُ اللبن لبقيَّته في الضَّرْع، وغُبَّرُ الحَيْض أيضاً، قال أبو كبير الهذلي، ويُروى لتأبَّط شراً:
٢٢٤٠ - ومُبَرَّأً من كل غُبَّرِ حَيْضَةٍ ... وفَسادِ مُرْضِعَةً وداءٍ مُعْضِلِ
ومعنى «من الغابرين» في الآية أي: مِن المقيمين في الهلاك. وقال بعضهم: «غَبَر بمعنى مَضَى وذهب» ومعنى الآية يساعده، وأنشد للأعشى:
٢٢٤١ - عَضَّ بما أَبْقى المَواسِيْ له ... مِنْ أُمِّه في الزمن الغابر
أي: الزمن الماضي. وقال بعضهم: غَبَر أي غاب، ومنه قولهم: «غبر عنا زماناً» وقال أبو عبيدة: «غَبَرَ: عُمِّر دهراً طويلاً حتى هَرِم، ويدل له: ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي الغابرين﴾ [الصافات: ١٣٥] . والحاصلُ أن الغُبور مشتركٌ كعسعس أو حقيقةٌ ومجازٌ وهو المرجح. والغبار: لما يَبْقى من التراب المُثار. ومنه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] تخييلاً لتغيرها واسودادها. والغَبْراء الأرض. قال طرفة:
٢٢٤٢ - رأيتُ بني غَبْراءَ لا يُنْكِرونني ... ولا أهلَ هذاكَ الطرافِ المُمَدَّدِ
стр. 3804
قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ : قال أبو عبيد: «يقال: مُطِر في الرحمة، وأُمْطِر في العذاب» وقال أبو القاسم الراغب: «ويقال: مُطِر في
стр. 3805
الخير، وأُمْطِر في العذاب، قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الحجر: ٧٤] وهذا مردودٌ بقوله تعالى: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فإنهم إنما عَنَوا بذلك الرحمة، وهو مِنْ أَمْطَر رباعياً. ومَطَر وأمْطَر بمعنى واحد يتعديان لواحد يقال: مَطَرتهم السماء وأَمْطرتهم، وقوله تعالى هنا» وأَمْطَرْنا «ضُمِّن معنى» أرسلنا «ولذلك عُدِّي ب» على «، وعلى هذا ف» مَطَراً «مفعول به لأنه يُراد به الحجارة، ولا يُراد به المصدرُ أصلاً، إذ لو كان كذلك/ لقيل: أمطار. ويوم مطير. أي: مَمْطور. ويوم ماطِر ومُمْطِر على المجاز كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] ووادٍ مطير فقط فلم يُتَجَوَّزْ فيه. ومطير بمعنى مُمْطِر قال:
٢٢٤٣ - حَمامةَ بطنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي ... سقاكِ مِن الغُرِّ الغَوادي مطيرها
فعيل هنا بمعنى فاعل؛ لأنَّ السحاب يُمْطِرُ غيرها. ونكَّر» مطراً «تعظيماً.
стр. 3806
قوله تعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ : اختُلِف في مَدْين فقيل: أعجمي فمنعُه للعجمة والعَلَميَّة، وهو مَدْين بن خليل الرحمن، فسُمِّيت به القبيلة. وقيل: هو عربيٌّ اسمُ بلد قاله الفراء وأنشد:
٢٢٤٤ - رهبانُ مَدْيَنَ والذين عَهِدْتُهُمْ ... يبكون مِنْ حَذَرِ العذابِ قُعودا
لو يَسْمعون كما سمعتُ كلامَها ... خَرُّوا لعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجودا
فمنعُه للعَلَمِيَّة والتأنيث، ولا بد حينئذ من حذف مضاف أي: وإلى أهل مَدْيَن، ولذلك أعاد الضمير في قوله «أخاهم» على الأهل، ويجوز أن يُراد
стр. 3807
بالمكان ساكنوه، فروعي ذلك بالنسبة إلى عود الضمير عليه. وعلى تقدير كونه عربياً قالوا: فهو شاذ، إذ كان من حقِه الإِعلالُ كمتاع ومقام، ولكنهم شَذُّوا فيه كما شَذُّوا في مَرْيَم ومَكْوَزَة، وليس بشاذ عند المبرد لعدم جريانه على الفعل، وهو حقٌّ وإن كان الجمهور على خلافه.
شُعَيْب: يجوز أن يكون تَصْغير شِعْب أو شَعب هكذا قالوا، والأدب ألاَّ يُقالَ ذلك، بل هذا موضوعٌ على هذه الزِّنَة وأمَّا أسماءُ الأنبياء فلا يَدْخل فيها تصغيرٌ البتةَ إلا ما نَطَق به القرآن على صيغةٍ تشبهه كشعيب ﵇ وهو عربيٌّ لا أعجمي.
قوله: ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ﴾ قد تقدَّم معنى هذه اللفظة في قوله: ﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وهو يتعدَّى لاثنين وهما: الناسَ وأشياءَهم أي: لا تُنْقصوهم أشياءهم.
стр. 3808
قوله تعالى: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ : يجوز أن تكونَ الباءُ على حالها من الإِلصاقِ أو المصاحبةِ، أو تكونَ بمعنى في. و «تُوْعِدون» و «تَصُدُّون» و «تبغون» هذه الجملُ أحوالٌ أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغين. ولم يذكر المُوْعَد به لتذهب النفسُ كلَّ مذهب. ومفعول «تصدُّون» «مَنْ آمن» ، قال أبو البقاء: «مَنْ آمن» مفعول «تصدُّون» لا مفعول «توعدون» إذ لو كان مفعولاً للأول لقال «تَصُدُّونهم» . يعني أنه لو كان كذلك لكانت المسألة من التنازع، وإذا كانت من التنازع وأَعْمَلْتَ الأول لأضمرْتَ في الثاني فكنت تقول: تَصُدُّونهم، لكنه ليس القرآن كذا، فدلَّ على أن «توعدون» ليس
стр. 3809
عاملاً فيه، وكلامُه يحتمل أن تكون المسألةُ من التنازع ويكون ذلك على إعمال الثاني، وهو مختار البصريين وحَذَف من الأول وألاَّ تكونَ وهو الظاهر.
وظاهرُ كلام ِالزمخشري أنها من التنازع، وأنه من إعمال الأول، فإنه قال: «فإن قلت: إلام يَرْجِعُ الضمير في» مَنْ آمن به «؟ قلت: إلى كل صراط، تقديره: تُوْعِدون مَنْ آمن به وتَصُدُّون عنه، فوضعَ الظاهر الذي هو» سبيل الله «موضعَ المضمر زيادةً في تقبيح أمرهم» .
قال الشيخ: «وهذا تعسُّف وتكلُّف مع عدم الاحتياج إلى تقديمٍ وتأخيرٍ ووضْعِ ظاهرٍ موضعَ مضمر، إذ الأصلُ خلافُ ذلك كلِّه، ولا ضرورةَ تدعو إليه، وأيضاً فإنَّه من إعمال الأول وهو مذهبٌ مرجوح، ولو كان من إعمالِ الأول لأضمر في الثاني وجوباً، ولا يجوز حذفهُ إلا في ضرورةِ شعرٍ عند بعضِهم كقوله:
٢٢٤٥ - بعكاظَ يُعْشي الناظِرِيْ ... نَ إذا هُمُ لَمَحُوا شعاعُه
فأعمل» يُعْشي «ورفع به» شعاعُه «وحَذَفَ الضمير مِنْ» لمحوا «تقديره: لمحوه. وأجازه بعضُهم بقلةٍ في غير الشعر. والضمير في» به «: إمَّا لكل صراط كما تقدَّم عن أبي القاسم، وإمَّا على الله للعلم به، وإمَّا على سبيل الله، وجاز ذلك لأنه يذكَّر ويؤنَّثُ، وعلى هذا فقد جمع بين الاستعمالين هنا حيث قال» به «فذكَّر، وقال:» وتَبْغُونها عِوَجاً «فأنَّثَ، ومثلُه: ﴿قُلْ هذه
стр. 3810
سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨] . وقد تقدم نحو قوله:» تَبْغونها عِوَجاً «في آل عمران فأغنى عن إعادته.
قوله: ﴿واذكروا﴾ : إمَّا أن يكون مفعولُه محذوفاً، فيكونَ هذا الظرفُ معمولاً لذلك المفعولِ أي: اذكروا نعمتَه عليكم في ذلك الوقت، وإمَّا أن تجعلَ نفسَ الظرفِ مفعولاً به. قاله الزمخشري. وقال ابنُ عطية:» إن الهاء في «به» يجوز أن تعود على/ شعيب عند مَنْ رأى أن القعودَ على الطرقِ للردِّ عن شعيب «وهو بعيدٌ لأنَّ القائل» ولا تَقْعدوا «هو شعيب، وحينئذ كان التركيب» مَنْ آمن بي «والادِّعاءُ بأنه من بابِ الالتفات بعيدٌ جداً؛ إذ لا يَحْسُن أن يُقال:» يا هذا أنا أقول لك: لا تُهِنْ مَنْ أَكْرَمَه «أي: مَنْ أكرمني.
قوله:» كيف «وما في َحيِّزها معلِّقَةٌ للنظر عن العمل، فهي وما بعدها في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ. والنظرُ هنا التفكُّرُ، و» كيف «خبر كان، واجبُ التقديم.
стр. 3811
قوله تعالى: ﴿وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ﴾ : عطف على «طائفة» الأولى، فهي اسم كان و «لم يؤمنوا» معطوفٌ على «آمَنوا» الذي هو خبر كان عَطَفَتْ اسماً على اسم وخبراً على خبر، ومثله لو قلت: «كان عبدُ الله ذاهباً وبكر خارجاً» عَطَفْتَ المرفوعَ على مثله وكذلك المنصوب. وقد حذف وَصْفَ «طائفة» الثانية لدلالة وَصْفِ الأولى عليه، إذ التقدير: وطائفةٌ منكم لم يؤمنوا،
стр. 3812
وحَذَفَ أيضاً متعلَّق الإِيمان في الثانية لدلالة الأول عليه، إذ التقديرُ: لم يؤمنوا بالذي أُرْسِلْتَ به، والوصفُ بقوله «منكم» الظاهر أو المقدر هو الذي سَوَّغ وقوعَ «طائفة» اسماً ل «كان» من حيث إن الاسم في هذا الباب كالمبتدأ، والمبتدأ لا يكون نكرةً إلا بمسوغٍ تقدَّم التنبيه عليه.
قوله: ﴿فاصبروا﴾ يجوز أن يكونَ الضميرُ للمؤمنين من قومه، وأن يكونَ للكافرين منهم، وأن يكونَ للفريقين، وهذا هو الظاهرُ، أُمِر المؤمنون بالصبر ليحصُل لهم الظفرُ والغَلَبَةُ، والكافرون مأمورون به ليَنْصُرَ الله عليهم المؤمنين لقولِه تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ﴾ [الطور: ٣١] أو على سبيلِ التنازع معهم أي: اصبروا فستعلمون مَنْ ينتصر ومن يَغْلب، مع علمه بأن الغلبةَ له. و «حتى» بمعنى «إلى» فقط، وقوله: «بيننا» غَلَّب ضميرَ المتكلمِ على المخاطب، إذ المرادُ: بيننا جميعاً مِنْ مؤمنٍ وكافرٍ، ولا حاجةَ إلى ادِّعاءِ حَذْفِ معطوفٍ تقديره: بيننا وبينكم.
стр. 3813
قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ : عطفٌ على الكاف، و «يا شعيبُ» اعتراضٌ بين المتعاطفَيْن.
قوله: «أو لَتَعُودُنَّ» عَطَفَ على جواب القسم الأول، إذ التقدير: واللهِ لنخرجنَّكَ والمؤمنين أو لتعودُنَّ. فالعَوْدُ مسندٌ إلى ضمير النبي ومَنْ آمن معه. و «عاد» لها في لسانهم استعمالان: أحدهما وهو الأصلُ أنه الرجوعُ إلى ما كان عليه من الحال الأول. والثاني استعمالُها بمعنى صار، وحينئذ ترفعُ الاسمَ وتنصِبُ الخبر، فلا تكتفي بمرفوعٍ وتفتقر إلى منصوب، وهذا عند
стр. 3814
بعضهم. ومنهم مَنْ منع أن تكون بمعنى صار، فمِنْ مجيئها بمعنى صار عند بعضهم قولُ الشاعر:
٢٢٤٦ - وَرَبَّيْتُه حتى إذا ما تركتُه ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربُهْ
وبالمَحْضِ حتى عاد جَعْداً عَنَطْنَطا ... إذا قام ساوى غاربَ الفحل غاربُهْ
فرفع ب «عاد» ضميرَ الأول ونَصَبَ بها «جَعْداً» ، ومَنْ مَنَع ذلك يَجْعل المنصوب حالاً، ولكن استشكلوا على كونِها بمعناها الأصلي أنَّ شعيباً ﷺ لم يكنْ قطُّ على دينهم ولا في مِلَّتِهِمْ. فكيف يَحْسُن أن يُقال «أو لتعودُنَّ» أي: لَتَرْجِعُنَّ إلى حالتكم الأولى، والخطابُ له ولأتباعه؟ وقد أجيب عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا القولَ مِنْ رؤسائهم قصدوا به التلبيسَ على العوام والإِبهام لهم أنه كان على دينهم وفي مِلَّتِهِمْ. الثاني: أن يُراد بعَوْده رجوعُه إلى حالةِ سكوتِه قبل بعثته؛ لأنه قبل أن يبعث إليهم كان يُخْفي إيمانه وهو ساكتٌ عنهم، يَرَى مِنْ معبودهم غيرَ الله. الثالث: تغليبُ الجماعةِ على الواحدِ لأنهم لمَّا صحبوه في الإِخراج سحبوا عليه وعليهم حكمَ العَوْد في الملَّة تغليباً لهم عليه. وأما إذا جَعَلْناها بمعنى صيَّر فلا إشكال في ذلك، إذ المعنى: لَتَصِيرُنَّ في ملَّتنا بعد أن لم تكونوا، / ففي مِلَّتنا حالٌ على الأول، خبر على الثاني، وعدَّى «عاد» ب «في» الظرفيةِ كأن المِلَّةَ لهم بمنزلةِ الوعاءِ المحيط بهم.
قوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الاستفهامُ للإِنكار تقديره: أيوجدُ منكم أحدُ هذين الشيئين: أعني الإِخراج من القرية والعَوْد في الملَّة على كل حال حتى في حال كراهيتنا لذلك؟ وقال الزمخشري: «الهمزةُ للاستفهام، والواوُ واو
стр. 3815
الحال تقديره: أتُعيدوننا في ملَّتكم في حالِ كراهتنا» . قال الشيخ: «وليست هذه واوَ الحال بل واوُ العطف عَطَفَتْ هذه الحالَ على حالٍ محذوفة كقوله ﵇:» رُدُّوا السائل ولو بظِلْفٍ مُحْرَق «ليس المعنى: رُدُّوه حالَ الصدقة عليه بظِلْف مُحْرَق، بل معناه: رُدُّوه مصحوباً بالصدقة ولو مصحوباً بظلف محرق. قلت: وقد تقدَّمتْ هذه المسألةُ وأنه يَصِحُّ أن تُسَمَّى واوَ الحال وواوَ العطف وتحريرُ ذلك، ولولا تكريرُه لما كرَّرْته. وقال أبو البقاء:» ولو هنا بمعنى «إنْ» لأنها للمستقبل، ويجوزُ أن تكونَ على أصلها، ويكون المعنى: لو كنَّا كارهين في هذه الحال. قوله «لأنها للمستقبل» ممنوع.
стр. 3816
قوله تعالى: ﴿إِنْ عُدْنَا﴾ : شرطٌ جوابه محذوف عند الجمهور أي: فقد افترَيْنا، حُذِفَ لدلالةِ ما تقدَّم عليه، وعند أبي زيد والمبرد والكوفيين هو قولُه: «فقد افترَيْنا» ، وهو مردودٌ بأنه لو كان جواباً بنفسه لوَجَبَتْ فيه الفاء. وقال أبو البقاء: «قد افترَيْنا بمعنى المستقبل لأنه لم يقع وإنما سَدَّ مَسَدَّ جواب» إنْ عُدْنا «وساغَ دخولُ» قد «هنا لأنهم نَزَّلوا الافتراءَ عند العَوْد منزلةَ الواقع فَقَرنوه بقد، وكأنَّ المعنى: قد افترَيْنا الآن إن هَمَمْنا بالعَوْد» .
وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها استئنافُ إخبارٍ فيه معنى التعجب، قاله الزمخشري كأنه قيل: ما أَكْذَبَنا على الله إن عُدْنا في الكفر. والثاني: أنها جوابُ قسمٍ محذوف حُذِفَت اللامُ منه، والتقديرُ: واللهِ لقد
стр. 3817
افترينا، ذكره الزمخشري أيضاً. وجعله ابن عطية احتمالاً وأنشد:
٢٢٤٧ - بَقَّيْتُ ما لي وانحرَفْتُ عن العُلَى ... ولَقِيْتُ أضيافي بوجهِ عبوس
قال: «كما تقول» افتريْتُ على الله إن كلَّمت فلاناً «ولم يُنْشِدْ ابن عطية البيتَ الذي بعد هذا وهو محلًُّ الفائدة لأنه مشتملٌ على الشرط وهو:
إنْ لم أَشُنَّ على ابنِ هندٍ غارةً ... لم تَخْلُ يوماً من نهابِ نفوسِ
قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا﴾ منصوبٌ ب» نعود «أي: ما يكون ولا يستقيمُ لنا عَوْدٌ بعد أن حصل لنا التنجيةُ منها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ في هذا الاستثناء وجهان، أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطعٌ. ثم القائلون بالاتصال مختلفون فمنهم مَنْ قال: هو مستثنى من الأوقات العامة والتقدير: وما يكونُ لنا أن نعود فيها في وقتٍ من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله ذلك، وهذا متصورٌ في حَقِّ مَنْ عدا شعيباً، فإن الأنبياءَ لا يشاء الله ذلك لهم لأنه عَصَمهم. ومنهم مَنْ قال: هو مستثنى من الأحوال العامة. والتقدير: ما يكونُ لنا أن نعودَ فيها في كل حال إلا في حال مشيئة الله تعالى. وقال ابن عطية:» ويُحتمل أن يريدَ استثناءَ ما يمكن أن يَتَعَبَّد الله به المؤمنين ممَّا تفعلُه الكفرةُ من القُرُبات فلمَّا قال لهم: إنَّا لا نعودُ في مِلَّتكم، ثم خشي أن يُتَعَبَّد الله بشيءٍ من أفعال الكفرة فيعارض ملحدٌ بذلك ويقول: هذه عودةٌ إلى مِلَّتِنا استثنى مشيئة الله فيما يمكن أن يُتَعَبَّدَ به «.
стр. 3818
قال الشيخ:» وهذا الاحتمالُ لا يَصِحُّ لأن قوله: «بعد إذ نجَّانا اللهُ منها» إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي لا من أعمال البِرِّ «. قلت: قد حكى ابن الأنباري هذا القولَ عن المعتزلة الذين لا يؤمنون بالإِرادة ثم قال:» وهذا القول مُتَنَاوَلُهُ بعيد، لأنَّ فيه تبعيضَ الملة «وقيل: هذا استثناء على سبيل التسليم والتأدُّب.
قال ابن عطية: «ويقلق هذا التأويلُ من جهةِ استقبالِ الاستثناء، ولو كان الكلام» إلا إنْ شاء «قوي هذا التأويل» . وهذا الذي قاله سهوٌ لأنَّ الماضيَ يتخلَّص للاستقبال بعد «إنْ» الشرطية، كما يتخلَّص المضارع له بأَنْ المصدرية.
وقيل: الضمير في قوله «فيها» ليس عائداً على المِلَّة بل عائدٌ على الفِرْية، والتقدير: وما يكون أن نعودَ في الفِرْية إلا أن يشاءَ ربنا. وهو حَسَنٌ لولا بُعْدُه. وكرَّر هنا قوله «بيننا وبين قومنا» بخلاف/ قوله ﴿حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٧] زيادةً في تأكيد تمييزه ومَنْ تبعه مِنْ قومه. وقد تقدَّم أن الفتح الحُكْم بلغة حِمْير، وقيل بلغة مُراد وأنشد:
٢٢٤٨ - ألا أبلغْ بني عُصْمٍ رَسُولاً ... بأنِّي عن فَتَاحَتِكُمْ غنيُّ
قوله: «عِلْماً» نصبٌ على التمييز وهو منقولٌ من الفاعلية، تقديره: وَسِعَ علمُ ربِّنا كلَّ شيء كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] .
стр. 3819
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ : إذن حرفُ جوابٍ وجزاء، وقد تقدَّم الكلامُ عليها مُشْبعاً وخلافُ الناس فيها. وهي هنا معترضةٌ بين الاسم والخبر. وقد توهَّم بعضُهم فجعل «إذاً» هذه «إذا» الظرفية في الاستقبال نحو قولك: «أُلْزِمُك إذا جئتني» أي وقتَ مجيئك. قال: «ثم حُذِفَتِ الجملةُ المضافةُ هي إليها، والأصل: إنكم إذا اتبعتموه لخاسرون، فإذا ظرفٌ والعاملُ فيه» لخاسرون «، ثم حُذِفَتِ الجملةُ المضافُ إليها وهي اتبعتموه، وعُوِّضَ منها التنوين، فلما جيء بالتنوين وهو ساكنٌ التقى بمجيئه ساكنان هو والألفُ قبلَه، فحُذِفَت الألفُ لالتقاءِ الساكنين فبقي اللفظ» إذاً «كما ترى. وزم هذا القائل أن ذلك جائزٌ بالحَمْل على» إذا «التي للمضيّ في قولهم:» حينئذ «و» يومئذ «فكما أن التنوينَ هناك عوضٌ عن جملة عند الجمهور كذلك هنا. ورَدَّ الشيخ هذا بأنه لم يَثْبُتْ هذا الحكمُ ل» إذا «الاستقبالية في غير هذا الموضع فيحمل هذا عليه» . قلت: وهذا ليس بلازمٍ إذ لذلك القائلِ أنْ يقولَ: قَد وَجَدْتُ موضعاً غير هذا وهو قولُه تعالى: ﴿إِنَّآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] .
وقد رأيت كلام الشيخ شهاب الدين القرافي في قوله ﷺ لَمَّا سألوه عن بيع الرُّطَب بالتمر فقال: أينقص الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذن: أن «إذن» هذه هي «إذا» الظرفية، قال: كالتي في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ [الزلزلة: ١] فحُذِفَتِ الجملةُ، وذكره إلى آخره. وكنت لمَّا رأيته تعجَّبْتُ غاية العجب كيف يَصْدُر هذا منه حتى رأيته في كتاب
стр. 3820
الشيخ في هذا الموضع عن بعضهم ولم يُسَمِّه، فذهب تعجُّبي منه، فإن لم يكنْ ذلك القائلُ القرافيَّ فقد صار له في المسألة سَلَفٌ، وإلاَّ فقد اتَّحَدَ الأصل، والظاهرُ أنه غيره.
وقوله: «إنكم» هو جواب والقسم الموطَّأ له باللام. قال الزمخشري: «فإن قلت: ما جواب القسم الذي وَطَّأَتْه اللامُ في قوله» لئن اتبعتم شعيباً «وجوابُ الشرط؟ قلت: قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ سادُّ مسدَّ الجوابين» قال الشيخ: «والذي قاله النحويون إنَّ جواب الشرط محذوفٌ لدلالةِ جواب القسم عليه، ولذلك وَجَبَ مُضِيُّ فعلِ الشرط. فإن عَنَى بأنه سادٌّ مَسَدَّهما أنه اجْتُزِئ بذكره عن ذِكْرِ جواب الشرط فهو قريبٌ. وإن عَنَى من حيث الصناعة النحوية فليس كما زعم؛ لأن الجملة يمتنع أن لا يكون لها محل من الإِعراب وأن يكون لها محلٌّ من الإِعراب» . قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألة مِراراً واعتراضُ الشيخ عليه، وتقدَّم الجوابُ عنه فلا أُعيده اكتفاءً بما تقدم. ويعني الشيخُ بقوله «لأنَّ الجملة يمتنع أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب إلى آخره أنها من حيث كونُها جواباً للشرط يَسْتدعي أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب وهو الجزم، ومن حيث كونُها جواباً للقسم يستدعي أن لا يكونَ لها محلٌّ؛ إذ الجملةُ التي هي جوابُ القسم لا محلَّ [لها] لأنها من الجمل المستأنفة المبتدَأ بها، وقد تقرَّر أن الجملةَ الابتدائية لا محلَّ [لها] .
следующие страницы →