← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

قوله تعالى: ﴿إِنْ عُدْنَا﴾ : شرطٌ جوابه محذوف عند الجمهور أي: فقد افترَيْنا، حُذِفَ لدلالةِ ما تقدَّم عليه، وعند أبي زيد والمبرد والكوفيين هو قولُه: «فقد افترَيْنا» ، وهو مردودٌ بأنه لو كان جواباً بنفسه لوَجَبَتْ فيه الفاء. وقال أبو البقاء: «قد افترَيْنا بمعنى المستقبل لأنه لم يقع وإنما سَدَّ مَسَدَّ جواب» إنْ عُدْنا «وساغَ دخولُ» قد «هنا لأنهم نَزَّلوا الافتراءَ عند العَوْد منزلةَ الواقع فَقَرنوه بقد، وكأنَّ المعنى: قد افترَيْنا الآن إن هَمَمْنا بالعَوْد» . وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها استئنافُ إخبارٍ فيه معنى التعجب، قاله الزمخشري كأنه قيل: ما أَكْذَبَنا على الله إن عُدْنا في الكفر. والثاني: أنها جوابُ قسمٍ محذوف حُذِفَت اللامُ منه، والتقديرُ: واللهِ لقد

стр. 3817

افترينا، ذكره الزمخشري أيضاً. وجعله ابن عطية احتمالاً وأنشد: ٢٢٤٧ - بَقَّيْتُ ما لي وانحرَفْتُ عن العُلَى ... ولَقِيْتُ أضيافي بوجهِ عبوس قال: «كما تقول» افتريْتُ على الله إن كلَّمت فلاناً «ولم يُنْشِدْ ابن عطية البيتَ الذي بعد هذا وهو محلًُّ الفائدة لأنه مشتملٌ على الشرط وهو: إنْ لم أَشُنَّ على ابنِ هندٍ غارةً ... لم تَخْلُ يوماً من نهابِ نفوسِ قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا﴾ منصوبٌ ب» نعود «أي: ما يكون ولا يستقيمُ لنا عَوْدٌ بعد أن حصل لنا التنجيةُ منها. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ في هذا الاستثناء وجهان، أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطعٌ. ثم القائلون بالاتصال مختلفون فمنهم مَنْ قال: هو مستثنى من الأوقات العامة والتقدير: وما يكونُ لنا أن نعود فيها في وقتٍ من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله ذلك، وهذا متصورٌ في حَقِّ مَنْ عدا شعيباً، فإن الأنبياءَ لا يشاء الله ذلك لهم لأنه عَصَمهم. ومنهم مَنْ قال: هو مستثنى من الأحوال العامة. والتقدير: ما يكونُ لنا أن نعودَ فيها في كل حال إلا في حال مشيئة الله تعالى. وقال ابن عطية:» ويُحتمل أن يريدَ استثناءَ ما يمكن أن يَتَعَبَّد الله به المؤمنين ممَّا تفعلُه الكفرةُ من القُرُبات فلمَّا قال لهم: إنَّا لا نعودُ في مِلَّتكم، ثم خشي أن يُتَعَبَّد الله بشيءٍ من أفعال الكفرة فيعارض ملحدٌ بذلك ويقول: هذه عودةٌ إلى مِلَّتِنا استثنى مشيئة الله فيما يمكن أن يُتَعَبَّدَ به «.

стр. 3818

قال الشيخ:» وهذا الاحتمالُ لا يَصِحُّ لأن قوله: «بعد إذ نجَّانا اللهُ منها» إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي لا من أعمال البِرِّ «. قلت: قد حكى ابن الأنباري هذا القولَ عن المعتزلة الذين لا يؤمنون بالإِرادة ثم قال:» وهذا القول مُتَنَاوَلُهُ بعيد، لأنَّ فيه تبعيضَ الملة «وقيل: هذا استثناء على سبيل التسليم والتأدُّب. قال ابن عطية: «ويقلق هذا التأويلُ من جهةِ استقبالِ الاستثناء، ولو كان الكلام» إلا إنْ شاء «قوي هذا التأويل» . وهذا الذي قاله سهوٌ لأنَّ الماضيَ يتخلَّص للاستقبال بعد «إنْ» الشرطية، كما يتخلَّص المضارع له بأَنْ المصدرية. وقيل: الضمير في قوله «فيها» ليس عائداً على المِلَّة بل عائدٌ على الفِرْية، والتقدير: وما يكون أن نعودَ في الفِرْية إلا أن يشاءَ ربنا. وهو حَسَنٌ لولا بُعْدُه. وكرَّر هنا قوله «بيننا وبين قومنا» بخلاف/ قوله ﴿حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٧] زيادةً في تأكيد تمييزه ومَنْ تبعه مِنْ قومه. وقد تقدَّم أن الفتح الحُكْم بلغة حِمْير، وقيل بلغة مُراد وأنشد: ٢٢٤٨ - ألا أبلغْ بني عُصْمٍ رَسُولاً ... بأنِّي عن فَتَاحَتِكُمْ غنيُّ قوله: «عِلْماً» نصبٌ على التمييز وهو منقولٌ من الفاعلية، تقديره: وَسِعَ علمُ ربِّنا كلَّ شيء كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] .

стр. 3819

قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ : إذن حرفُ جوابٍ وجزاء، وقد تقدَّم الكلامُ عليها مُشْبعاً وخلافُ الناس فيها. وهي هنا معترضةٌ بين الاسم والخبر. وقد توهَّم بعضُهم فجعل «إذاً» هذه «إذا» الظرفية في الاستقبال نحو قولك: «أُلْزِمُك إذا جئتني» أي وقتَ مجيئك. قال: «ثم حُذِفَتِ الجملةُ المضافةُ هي إليها، والأصل: إنكم إذا اتبعتموه لخاسرون، فإذا ظرفٌ والعاملُ فيه» لخاسرون «، ثم حُذِفَتِ الجملةُ المضافُ إليها وهي اتبعتموه، وعُوِّضَ منها التنوين، فلما جيء بالتنوين وهو ساكنٌ التقى بمجيئه ساكنان هو والألفُ قبلَه، فحُذِفَت الألفُ لالتقاءِ الساكنين فبقي اللفظ» إذاً «كما ترى. وزم هذا القائل أن ذلك جائزٌ بالحَمْل على» إذا «التي للمضيّ في قولهم:» حينئذ «و» يومئذ «فكما أن التنوينَ هناك عوضٌ عن جملة عند الجمهور كذلك هنا. ورَدَّ الشيخ هذا بأنه لم يَثْبُتْ هذا الحكمُ ل» إذا «الاستقبالية في غير هذا الموضع فيحمل هذا عليه» . قلت: وهذا ليس بلازمٍ إذ لذلك القائلِ أنْ يقولَ: قَد وَجَدْتُ موضعاً غير هذا وهو قولُه تعالى: ﴿إِنَّآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] . وقد رأيت كلام الشيخ شهاب الدين القرافي في قوله ﷺ لَمَّا سألوه عن بيع الرُّطَب بالتمر فقال: أينقص الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذن: أن «إذن» هذه هي «إذا» الظرفية، قال: كالتي في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ [الزلزلة: ١] فحُذِفَتِ الجملةُ، وذكره إلى آخره. وكنت لمَّا رأيته تعجَّبْتُ غاية العجب كيف يَصْدُر هذا منه حتى رأيته في كتاب

стр. 3820

الشيخ في هذا الموضع عن بعضهم ولم يُسَمِّه، فذهب تعجُّبي منه، فإن لم يكنْ ذلك القائلُ القرافيَّ فقد صار له في المسألة سَلَفٌ، وإلاَّ فقد اتَّحَدَ الأصل، والظاهرُ أنه غيره. وقوله: «إنكم» هو جواب والقسم الموطَّأ له باللام. قال الزمخشري: «فإن قلت: ما جواب القسم الذي وَطَّأَتْه اللامُ في قوله» لئن اتبعتم شعيباً «وجوابُ الشرط؟ قلت: قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ سادُّ مسدَّ الجوابين» قال الشيخ: «والذي قاله النحويون إنَّ جواب الشرط محذوفٌ لدلالةِ جواب القسم عليه، ولذلك وَجَبَ مُضِيُّ فعلِ الشرط. فإن عَنَى بأنه سادٌّ مَسَدَّهما أنه اجْتُزِئ بذكره عن ذِكْرِ جواب الشرط فهو قريبٌ. وإن عَنَى من حيث الصناعة النحوية فليس كما زعم؛ لأن الجملة يمتنع أن لا يكون لها محل من الإِعراب وأن يكون لها محلٌّ من الإِعراب» . قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألة مِراراً واعتراضُ الشيخ عليه، وتقدَّم الجوابُ عنه فلا أُعيده اكتفاءً بما تقدم. ويعني الشيخُ بقوله «لأنَّ الجملة يمتنع أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب إلى آخره أنها من حيث كونُها جواباً للشرط يَسْتدعي أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب وهو الجزم، ومن حيث كونُها جواباً للقسم يستدعي أن لا يكونَ لها محلٌّ؛ إذ الجملةُ التي هي جوابُ القسم لا محلَّ [لها] لأنها من الجمل المستأنفة المبتدَأ بها، وقد تقرَّر أن الجملةَ الابتدائية لا محلَّ [لها] .

стр. 3821

قوله تعالى: ﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً﴾ : فيه خمسة أوجه، أحدُها: أن هذا الموصولَ في محل رفع بالابتداءِ وخبرُه الجملةُ التشبيهية بعده. قال الزمخشري: «وفي هذا الابتداءِ معنى الاختصاص كأنه قيل:

стр. 3822

الذين كَذَّبوا شُعَيْباً هم المخصوصون بأن أُهْلِكوا واسْتُؤْصلوا، كأنْ لم يُقيموا في دارهم، لأنَّ الذين اتَّبعوا شعيباً قد أنجاهم الله تعالى» . قلت: قوله «يفيد الاختصاص» هو معنى قولِ الأصوليين: «يفيد الحصر» على خلاف بينهم في ذلك، إذا قلت: «زيد العالم» ، والخلافُ في قولك «العالم زيد» أشهرُ منه فيما تقدَّم فيه المبتدأ. الثاني: أن الخبرَ هو نفسُ الموصول الثاني وخبره، / فإن الموصول الثاني مبتدأ، والجملةُ من قوله ﴿كَانُواْ هُمُ الخاسرين﴾ في محل رفع خبراً له، وهو وخبرهُ خبر الأول، و ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ﴾ : إمَّا اعتراضٌ وإمَّا حالٌ من فاعل «كذَّبوا» . الثالث: أن يكونَ الموصولُ الثاني خبراً بعد خبرٍ عن الموصول الأول، والخبرُ الأولُ الجملةُ التشبيهية كما تقدَّم. الرابع: أن يكونَ الموصولُ بدلاً مِنْ قولِه قبلُ ﴿الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٩٠] كأنه قال: «وقال الملأُ الذين كفروا منهم الذين كذَّبوا شُعَيْباً» وقوله: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً﴾ معمولٌ للقول فليس بأجنبي. الخامس: أنه صفةٌ له أي: للذين كفروا مِنْ قومه. هذه عبارةُ أبي البقاء، وتابعه الشيخ عليها. والأحسنُ أن يُقال: بدلٌ من الملأ أو نعتٌ له، لأنه هو المحدِّثُ عنه والموصولُ صفةٌ له، والجملةُ التشبيهيةُ على هذين الوجهين حالٌ من فاعل «كذَّبوا» . وأما الموصولُ الثاني فقد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ خبراً باعتبارين: أعني كونَه أولَ أو ثانياً، ويجوز أن يكونَ بدلاً من فاعل «يَغْنَوا» أو منصوباً بإضمار «أعني» أو مبتدأ وما بعده الخبر. وهذا هو الظاهر لتكونَ كلُّ جملة مستقلةً

стр. 3823

بنفسها. وعلى هذا الوجهِ ذكر الزمخشري أيضاً أن الابتداءَ يفيد الاختصاص قال: «أي هم المخصوصون بالخسران العظيم دونَ أتباعه، وقد تقدَّم موضحاً. وقوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ﴾ يَغْنَوْن: بمعنى يُقيمون يقال: غَنِي بالمكان يَغْنى فيه أي: أقام دهراً طويلاً، وقيَّده بعضُهم بالإِقامة في عيشٍ رغد فهو أخصُّ من مُطْلق الإِقامة. قال الأسود بن يعفر: ٢٢٤٩ - ولقد غَنَوا فيها بأنعمِ عيشةٍ ... في ظلِّ مَلْكٍ ثابتِ الأوتادِ وقيل: معنى الآيةِ هنا من الغِنى الذي هو ضد الفقر، قاله الزجاج فقال:» وغَنِي في مكان كذا: إذا طالَ مَقامُه فيه مُسْتَغْنياً به عن غيره «.

стр. 3824

قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ : «كيف» هنا مثل «كيف» في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] ، وتقدَّم الكلامُ على «أَسي» وبابه. وقرأ ابن وثاب وابن مصرف والأعمش «إيسَى» بكسر الهمزة التي هي حرف مضارعةٍ وقد تقدَّم أنها لغةُ بني أَخْيَل وحكاية ليلى الأخيلية في الفاتحة. ولزم من ذلك قَلْبُ الفاءِ بعدها ياءً؛ لأن الأصل: أَأْسى بهمزتين.

стр. 3825

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَخَذْنَا﴾ : هذا استثناءٌ مفرَّغٌ، وأَخَذْنا في محلِّ نصب على الحال. والتقدير: وما أَرْسَلْنا إلا آخذين أهلها، والفعل

стр. 3826

الماضي لا يقع بعد «إلا» إلا بأحد شرطين: إمَّا تقدُّمِ فعلٍ كهذه الآية، وإمَّا أن يصحب «قد» نحو: ما زيد إلا قد قام، فلو فُقِد الشرطان امتنع فلا يجوز: ما زيد إلا قام.

стр. 3827

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة﴾ : في «مكان» وجهان، أظهرهما: أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ، والمعنى: بدَّلنا مكان الحال السيئة الحالَ الحسنة، فالحسنةُ هي المأخوذةُ الحاصلة، ومكان السيئة هو المتروكُ الذاهب، وهو الذي تَصْحبه الباءُ في مثل هذا التركيب لو قيل في نظيره: بدَّلْتُ زيداً بعمرو، فزيد هو المأخوذ وعمرو المتروك، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في البقرة في موضعَيْن أوَّلهما: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: ٥٩] والثاني: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ [الأعراف: ٢١١] فمكان والحسنة مفعولان، إلا أنَّ أحدهما وَصَلَ إليه الفعلُ بنفسه وهو الحسنة، والآخر بحذف حرف الجر وهو «مكان» . والثاني: أنه منصوبٌ على الظرف، والتقدير: ثمَّ بَدَّلْنا في مكان السيئة الحسنة، إلا أن هذا ينبغي أن يُرَدَّ لأن «بَدَّلَ» لا بُدَّ له من مفعولين أحدهما على إسقاط الباء. قوله: ﴿حتى عَفَوْاْ﴾ «حتى» هنا غاية، وتقدير مَنْ قَدَّرها ب إلى فإنما يريد تفسير المعنى لا الإِعراب، لأن «حتى» الجارة لا تباشرُ إلا المضارعَ المنصوبَ بإضمار «أن» لأنها في التقدير داخلةٌ على المصدرِ المنسبكِ منها ومن الفعل، وأمَّا الماضي فلا يطَّرد حَذْفُ «أنْ» معه، فلا يُقَدَّر معه أنها حرفُ جر داخلةٌ على «أن» المصدرية أي: حتى أَنْ عَفَوا، وهذا الذي يَنْبغي أن يُحْمَلَ عليه قولُ/ أبي البقاء: «حتى عَفَوا: إلى أنْ عفوا» .

стр. 3828

ومعنى «عَفَوا» هنا كَثُروا، مِنْ عفا السِّعْر: إذا كَثُرَ، ومنه «وأعْفُوا اللِّحى» يقال: عَفَاه وأَعْفاه ثلاثياً ورباعياً. قال زهير: ٢٢٥٠ - أذلك أم أَقَبُّ البطنِ جَأْبٌ ... عليه مِنْ عَقِيقته عِفاءُ وفي الحديث: «إذا عَفا الوَبَر وبَرأ الدبر فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر» وأنشد الزمخشري على ذلك قول الحطيئة: ٢٢٥١ - بمستأسِدِ القُرْيان عافٍ نباتُه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقول لبيد: ٢٢٥٢ - ولكنَّا نُعِضُّ السيفَ منها ... بأسْوُقِ عافياتِ الشحم كُومِ وهذا المادة قد تقدَّم تحقيقُها في البقرة. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ قال أبو البقاء: «هو عطفٌ على» عَفَوا «. يريد:

стр. 3829

وما عطف عليه أيضاً، أعني أن الآخذ ليس متسَبِّباً عن العَفاء فقط، بل عليه وعلى قولهم تلك المقالةَ الجاهلية؛ لأنَّ المعنى ليس أنه لمجردِ كثرتِهم ونموّ أموالهم أَخَذهم بغتةً بل بمجموعِ الأمرين، بل الظاهرُ أنه بقولهم ذلك فقط. وقوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ حال أيضاً، وهي في قوة المؤكدة لأن» بغتة «تفيدُ إفادتَها، سواءً أَعْرَبْنا» بغتة «حالاً أم مصدراً.

стр. 3830

وقد تقدَّم أن ابن عامر يقرأ «لفتَّحنا» بالتشديد، ووافقه هنا عيسى بن عمر الثقفي وأبو عبد الرحمن السلمي.

стр. 3831

قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ : قال الزمخشري: «فإنْ قلت: ما المعطوف عليه، ولِمَ عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلت: المعطوفُ عليه قوله:» فَأَخَذْناهم بعتةً «، وقوله» ولو أنَّ أهل القرى إلى «يكسبون» وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عَطَفَتْ بالفاء لأن المَعْنى: فَعَلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة، أَبَعْدَ ذلك أَمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأَمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضُحى «. قال الشيخ:» وهذا الذي ذكره رجوعٌ عن مذهبه في مثل ذلك إلى مذهب الجماعة، وذلك أن مذهبَه في الهمزة المصدرةِ على حرف العطف تقديرُ معطوف عليه بين الهمزة وحرفِ العطف، ومذهبُ الجماعة أن حرفَ العطف في نية التقدم، وإنما تأخَّر وتقدَّمَتْ عليه همزة الاستفهام لقوة تصدُّرها في أول الكلام «، وقد تقدَّم تحقيق هذا غيرَ مرة، والزمخشري هنا لم يقدِّر بينهما معطوفاً عليه بل جعل ما بعد الفاء معطوفاً على ما قبلها من الجمل وهو قوله» فأخذناهم بغتة «.

стр. 3832

قوله ﴿بَيَاتاً﴾ تقدَّم أولَ السورة أنه يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون ظرفاً. قوله: ﴿وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ جملةٌ حالية، والظاهرُ أنها حال من الضمير المستتر في» بَيَاتاً «لأنه يتحمَّلُ ضميراً لوقوعه حالاً فتكون الحالان متداخلتين.

стр. 3833

قوله تعالى: ﴿ضُحَىً﴾ : منصوبٌ على الظرف الزماني، ويكون متصرفاً وغير متصرف، فالمتصرِّفُ ما لم يُرَدْ به وقتُه من يومٍ بعينه نحو: «ضُحاك ضحىً مبارك» . فإن قلت: «أتيتك يوم الجمعة ضحىً» فهذا لا يَتَصرف بل يلزم النصبَ على الظرفية، وهذه العبارةُ أحسنُ من عبارة الشيخ حيث قال: «ظرفٌ متصرف إذا كان نكرةً، وغيرَ متصرف إذا كان من يوم بعينه لأنَّه تَوَهَّم متى كان معرفةً بأي نوع كان من أنواع التعريف فإنه لا يتصرَّفُ، وليس الأمر كذلك، قال تعالى: ﴿والضحى﴾ [الضحى: ١] فاستعمله مجروراً بالقسم مع أنه معرفة بأل، وقال تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] جرَّه بحرف القسم أيضاً مع أنه معرَّفٌ بالإِضافة، وهو امتداد الشمس وامتداد النهار. ويقال: ضُحى وضَحاء، إذا ضَمَمْتَ قَصَرْتَ وإذا فتحت مَدَدْتَ. وقال بعضهم: الضُّحى بالضم والقصرِ لأولِ ارتفاع الشمس، والضَّحاء بالفتح والمدّ لقوة ارتفاعها قبل الزوال. والضُّحى مؤنث، وشذُّوا في تصغيره على ضُحَيٌّ بدون تاء كعُرَيْب وأخواتها، والضَّحاء أيضاً طعامُ الضحى كالغَداء طعام وقت الغُدْوَة يقال منهما: يُضَحِّي ضَحاءً وتَغَدَّى غَداءً. وضَحِيَ يَضْحَى إذا برز للشمسِ وقت الضحى، ثم عُبِّر به عن إصابة الشمس مطلقاً ومنه قولُه ﴿

стр. 3834

وَلاَ تضحى﴾ [طه: ١١٩] أي لا تبرز للشمس. ويقال: ليلة أُضْحِيانَةٌ بضم الهمزة. وضَحْياء بالمد أي: مضيئة إضاءة الضحى، والأُضْحِيَة/ وجمعها أَضاحٍ، والضَّحيَّة وجمعها ضحايا، والأَضْحاة وجمعها أضْحَىً هي المذبوحُ يوم النحر، سُمِّيَتْ بذلك لذَبْحها ذلك الوقتَ لقوله ﵇:» مَنْ ذبح قبل صلاتِنا هذه فَلْيُعِدْ «وضواحي البلد نواحيه البارزة. وقوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ، وهذا يقوِّي أن» بياتاً «ظرف لا حال، لتتطابق الجملتان، فيصير في كل منهما وقتٌ وحال، وأتى بالحال الأولى متضمنةً لاسم فاعل لأنه يدلُّ على ثبات واستقرار وهو مناسب للنوم، وبالثانية متضمنةً لفعل؛ لأنه يدل على التجدد والحدوث وهو مناسب لِلَّعب والهزل. وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير» أو «بسكون الواو والباقون بفتحها. ففي القراءة الأولى تكون» أو «بجملتها حرفَ عطف ومعناها حينئذ التقسيم. وزعم بعضهم أنها للإِباحة والتخيير. وليس بظاهر، وفي الثانية هي واو العطف دخلَتْ عليها همزةُ الاستفهام مقدمةً عليها لفظاً، وإن كانت بعدها تقديراً عند الجمهور. وقد عُرِف مذهب الزمخشري في ذلك، ومعنى الاستفهام هنا التوبيخ والتقريع. وقال بعضهم:» إنه بمعنى النفي «كأبي شامة وغيره.

стр. 3835

وكررت الجملة في قوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ﴾ : «أفأمِنُوا»

стр. 3836

توكيداً لذلك، وأتى في الجملة الثانية بالاسم ظاهراً، وحَقُّه أن يضمر مبالغةً في التوكيد. ومعنى «مكر الله» أي إضافة المخلوق إلى الخالق كقولهم: ناقة الله وبيت الله، والمراد به فعلٌ يُعاقَبُ به الكفرة، وأُضيف إلى الله لَمَّا كان عقوبةَ الذنب، فإن العرب تسمِّي العقوبة على أي جهة كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، وهذا نصٌّ في قوله ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] قاله ابن عطية. قلت: وهو تأويل حسن، وقد تقدم لك في قوله ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] أنه من باب المقابلة أيضاً. والفاءُ في قوله «فلا يأمَنُ» للتنبيه على أن العذاب يَعْقُب أَمْنَ مكرِ الله.

стр. 3837

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ : قرأ الجمهور «يَهْدِ» بالياء من تحت. وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه المصدر المؤول من «أنْ» وما في حَيِّزها، والمفعولُ محذوفٌ والتقدير: أو لم يَهْدِ أي: يبيِّن ويوضِّح للوارثين مآلهم وعاقبةَ أمرهم وإصابتنا إياهم بذنوبهم لو شِئْنا ذلك، فقد سَبَكْنا المصدر من «أنْ» ومن جواب لو. الثاني. أنَّ الفاعلَ هو ضميرُ اللهِ تعالى أي: أو لم يبيِّن الله، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ «نَهْدِ» بالنون. الثالث: أنه ضميرٌ عائد على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلام أي: أو لم يَهْدِ ما جَرَى للأممِ السابقة كقولهم: «إذا كان غداً فَأْتني» أي: إذا كان ما بيني وبينك مما دلَّ عليه السياق. وعلى هذين الوجهين ف «أنْ» وما في حيِّزها بتأويل مصدر كما تقدَّم في محلِّ المفعول والتقدير: أو لم يُبَيِّن ويوضح الله أو ما جَرَى للأمم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك.

стр. 3838

وقرأ مجاهد «نَهْدِ» بنون العظمة و «أنْ» مفعول فقط، و «أنْ» هي المخففةُ من الثقيلة، «ولو» فاصلةٌ بينها وبين الفعل، وقد تقدَّم أن الفصلَ بها قليلٌ. و «نشاء» وإن كان مضارِعاً لفظاً فهو ماضٍ معنىً؛ لأنَّ «لو» الامتناعيةَ تخلِّصُ المضارع للمضيّ. وفي كلامِ ابنِ الأنباري خلافُه فإنه قال في «ونطبعُ» : «هذا فعلٌ مستأنف ومنقطع مما قبله، لأنَّ قولَه» أَصَبْنا «ماضٍ و» نَطْبع «مستقبل ثم قال:» ويجوز أن يكونَ معطوفاً على «أَصَبْنا» إذ كان بمعنى نُصيب، والمعنى: لو يشاء يصيبهم ويطبع، فَوَضَع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كقوله تعالى: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان: ١٠] أي: يجعل، بدليل قوله «ويجعل لك» . قلت: فهذا ظاهرٌ قويٌّ في أنَّ «لو» هذه لا تخلِّصُ المضارع للمضيّ، وتنظيرُه بالآيةِ الأخرى مُقَوٍّ له أيضاً، وسيأتي تحقيق ذلك عند قوله «ونطبع» . وقال الفراء: «وجاز أن تَرُدَّ» يَفْعل «على فَعَلَ في جواب» لو «كقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ﴾ [يونس: ١١] قوله:» فَنَذَرُ «مردودٌ على» لقُضِي «. قلت: وهذا هو قول الجمهور، ومفعولُ» يشاء «محذوفٌ لدلالة جواب» لو «عليه، والتقدير: لو يشاء تعذيبَهم أو الانتقامَ منهم. وأتى/ جوابُها بغير لام وإن كان مبنيَّاً على أحد الجائزين، وإن كان الأكثرُ خلافَه، كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ [الواقعة: ٧٠] .

стр. 3839

قوله: ﴿وَنَطْبَعُ﴾ في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها نسقٌ على «أَصَبْناهم» وجاز عطفُ المضارع على الماضي لأنه بمعناه وقد تقدم أنَّ «لو» تُخَلِّصُ المضارع للمضيِّ، ولما حكى الشيخ كلامَ ابن الأنباري المتقدِّم قال: «فجعل» لو «شرطيةً بمعنى» إنْ «ولم يجعلها التي هي» لِما «كان سيقعُ لوقوع غيره، ولذلك جعل» أَصَبْنا «بمعنى نُصيب. ومثال وقوعِ» لو «بمعنى» إنْ «قوله: ٢٢٥٣ - لا يُلْفِكَ الرَّاجيك إلا مُظْهِرا ... خُلُقَ الكرامِ ولو تكون عَدِيما وهذا الذي قاله ابن الأنباري رَدَّه الزمخشري من حيث المعنى، لكن بتقديرِ أنْ يكونَ» ونطبعُ «بمعنى طَبَعْنا، فيكون قد عَطَفَ المضارع على الماضي لكونه بمعنى الماضي، وابنُ الأنباري جَعَلَ التأويل في» أَصَبْنا «الذي هو جوابُ» لو نشاء «، فجعله بمعنى نُصيب، فتأوَّل المعطوفَ عليه وهو جوابُ» لو نشاء «، فجعله بمعنى نُصيب، فتأوَّل المعطوفَ ورَدَّه إلى المُضِيِّ، وأنتج ردُّ الزمخشري أنَّ كلا التقديرين لا يَصِحُّ» . قال الزمخشري: «فإن قلت: هل يجوز أن يكون» ونطبع «بمعنى طبَعْنا، كما كان» لو نشاء «بمعنى لو شِئْنا، ويعطف على» أَصَبْناهم «؟ قلت: لا يساعد على المعنى، لأنَّ القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم، مَوْصوفين بصفة مَنْ قبلهم مِن اقتراف الذنوب والإِصابة بها، وهذا التفسير يؤدِّي إلى خلوِّهم من هذه الصفةِ، وأن الله لو شاء لاتَّصفوا بها» . قال الشيخ: «وهذا الردُّ

стр. 3840

ظاهرهُ الصحةُ، وملخصه أن المعطوفَ على الجوابِ جوابٌ سواء تأوَّلنا المعطوفَ عليه أم المعطوفَ، وجوابُ» لو «لم يقع بعدُ، سواءً كانت حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره أم بمعنى» إنْ «الشرطية، والإِصابةُ لم تقع، والطَّبْعُ على القلوب واقع فلا يَصحُّ أن تَعْطِفَ على الجواب. فإنْ تُؤَوِّل» ونطبع «على معنى: ونستمر على الطبع على قلوبهم أمكن التعاطف لأن الاستمرار لم يقع بعدُ وإن كان الطبع قد وقع» . قلت: فهذا الوجه الأول ممتنع لِما ذكره الزمخشري. الوجه الثاني: أنْ يكون «نطبع» مستأنفاً ومنقطعاً عَمَّا قبلَه فهو في نية خبرِ مبتدأ محذوف أي: ونحن نطبع. وهذا اختيارُ أبي إسحاق والزمخشري وجماعة. الوجه الثالث: أن يكونَ معطوفاً على «يرثون الأرض» قاله الزمخشري. قال الشيخ: «وهو خطأٌ لأنَّ المعطوف على الصلة صلة و» يرثون «صلةٌ للذين، فيلزم الفصلُ بين أبعاض الصلة بأجنبي، فإن قوله» أنْ لو نشاء «: إمَّا فاعلٌ ليَهْد أو مفعولُه كما تقدَّم، وعلى كلا التقديرين فلا تَعَلُّقَ له بشيء من الصلة، وهو أجنبيٌّ منها فلا يُفْصل به بين أبعاضها، وهذا الوجهُ مُؤَدٍّ على ذلك فهو خطأ» . الرابع: أن يكونَ معطوفاً على ما دَلَّ عليه معنى «أو لم يهد لهم» كأنه قيل: يغفُلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم. قاله الزمخشري أيضاً. قال

стр. 3841

الشيخ: «وهو ضعيفٌ؛ لأنه إضمار لا يُحتاج إليه، إذ قد صَحَّ عطفُه على الاستئناف من باب العطف على الجمل فهو معطوفٌ على مجموع الجملة المصدَّرة بأداة الاستفهام، وقد قاله الزمخشري وغيره» . قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أتى بالفاء هنا إيذاناً بتعقيب عدم سماعهم على أثر الطبع على قلوبهم.

стр. 3842

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ القرى نَقُصُّ﴾ : قال الزمخشري: كقوله ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: ٧٢] في كونه مبتدأً وخبراً وحالاً «يعني أن» تلك «مبتدأٌ مشارٌ بها إلى ما بعدها، و» القرى «خبرها، و» نقصُّ «حال أي قاصّين كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قال الزمخشري:» فإن قلت: ما معنى «تلك القرى» حتى يكون كلاماً مفيداً؟ قلت: هو مفيد ولكن بالصفة في قولك: «هو الرجلُ الكريم» . قلت: يعني أن الحالَ هنا لازمةٌ ليفيدَ التركيب، كما تلزم الصفة في قولك: «هو الرجل الكريم» ألا ترى أنك لو اقتصرت على «هو الرجل» لم يكن مفيداً، ويجوز أن تكون «القرى» صفةً/ لتلك، و «نقصُّ» الخبر، ويجوز أن يكون «نَقُصُّ» خبراً بعد خبر. و «نقصُّ» يجوز أن يكون على حاله من الاستقبال أي: قد قَصَصْنا عليك من أنبائها ونحن نقصُّ عليك أيضاً بعضَ أنبائها، وأُشير بالبعد تنبيهاً على بُعد هَلاكِها وتقادُمِه عن زمن الإِخبار فهو من الغيب. وفي قوله «القرى» بأل تعظيمٌ كقوله تعالى: «ذلك

стр. 3843

الكتابُ» ، وقول الرسول ﵇: «أولئك الملأُ من قريش» وقول أمية: ٢٢٥٤ - تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لبنٍ ... شِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا و «مِنْ» للتبعيض كما تقدَّم، لأنه إنما قَصَّ عليه ﵇ ما فيه عِظَةٌ وانزجارٌ دونَ غيرهما. قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ﴾ الظاهر أن الضمائرَ كلَّها عائدةٌ على أهل القرى، وقال يمان بن رئاب: «إن الضميرين الأوَّلَيْن لأهل القرى، والضمير في» كذَّبوا «لأسلافهم» . وكذا حَرَّر ابن عطية أيضاً أي: فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذَّب به الآباء وقد تقدَّم الكلامُ على لام الجحود وأنَّ نَفْيَ الفعل معها أبلغ. و «ما» موصولةٌ اسميةٌ، وعائدُها محذوفٌ لأنه منصوب متصل أي: بما كذَّبوه. ولا يجوز أن يُقَدَّر «به» وإن كان الموصولُ مجروراً بالباء أيضاً لاختلاف المتعلَّق. وقال هنا ﴿بِمَا كَذَّبُواْ﴾ فلم يذكر متعلق التكذيب، وفي يونس ذكره فقال: ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ [يونس: ٧٤] ، والفرق أنه لمَّا حذفه في قوله ﴿ولكن كَذَّبُواْ﴾ [الأعراف: ٩٦] استمرَّ

стр. 3844

حَذْفُه بعد ذلك، وأمَّا في يونس فقد أبرزه في قوله ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ﴾ [يونس: ٧٤] ﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: ٧٣] فناسب ذكرَه موافقةٌ. قال معناه الكرماني. قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ أي: مثلَ ذلك الطبعِ على قلوب أهل القرى المنتفي عنهم الإِيمانُ يطبعُ الله على قلوب الكفرة الجائين بعدهم.

стр. 3845

قوله تعالى: ﴿لأَكْثَرِهِم﴾ : الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بالوِجْدان كقولك: ما وَجَدْت له مالاً أي: ما صادَفْتُ له مالاً ولا لَقِيْتُه. الثاني: أن يكون حالاً من «عهد» لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها نُصِب على الحال، والأصل: وما وَجَدْنا عهداً لأكثرهم، وهذا ما لم يذكر أبو البقاء غيره. وعلى هذين الوجهين ف «وجد» متعدية لواحد وهو «مِنْ عهد» ، و «مِنْ» مزيدة فيه لوجودِ الشرطين. الثالث: أنه في محل نصب مفعولاً ثانياً لوجد إذ هي بمعنى عِلْمية، والمفعول هو «من عهد» . وقد يترجَّح هذا بأن «وَجَد» الثانيةَ عِلْمية لا وِجْدانية بمعنى الإِصابة، وسيأتي دليل ذلك. فإذا تقرَّر هذا فينبغي أن تكونَ الأولى كذلك مطابقةً للكلام ومناسبة له. ومَنْ يرجِّح الأولَ يقول: إنَّ الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر. قوله: ﴿وَإِن وَجَدْنَآ﴾ «إنْ» هذه هي المخففة، وليست هنا عاملةٌ لمباشرتها الفعلَ فزال اختصاصُها المقتضي لإِعمالها. وقال الزمخشري: «وإنَّ الشأنَ والحديثَ وَجَدْنا» فظاهرُ هذه العبارة أنها مُعْمَلة، وأنَّ اسمَها ضميرُ الأمر

стр. 3846

والشأن. وقد صَرَّح أبو البقاء هنا بأنها معملةٌ وأن اسمَها محذوفٌ، إلا أنه لم يقدِّره ضميرَ الحديث بل غيرَه. فقال: «واسمُها محذوفٌ أي: إنَّا وجدنا» وهذا مذهب النحويين أعني اعتقادَ إعمالِ المخففِ من هذه الحروفِ في «أنْ» المفتوحة على الصحيح وفي «كأنْ» التشبيهية، وأما «إنْ» المخففةُ المكسورةُ فلا. وقد تقدَّم ذلك بأوضح من هذا. ووجد هنا متعديةٌ لاثنين أولهما «أكثرهم» ، والثاني «لَفاسقين» . قال الزمخشري: «والوجودُ بمعنى العلم من قولك:» وَجَدْتُ زيداً ذا الحفاظ «بدليل دخول» إنْ «المخففة، واللامُ الفارقة، ولا يَسُوغ ذلك إلا في المبتدأ والخبر والأفعالِ الداخلةِ عليهما» يعني أنها مختصةٌ بالابتداء أو بالأفعالِ الناسخة له، وهذا مذهب الجمهور، وقد تقدَّم لك خلافٌ عن الأخفش: أنه يُجَوِّز على غيرها وقَدَّمْتُ دليله على ذلك. واللام فارقةٌ. وقيل: هي عوضٌ من التشديد. قال مكي: «ولَزِمَتِ اللامُ في خبرها عوضاً من التشديد» . والمحذوفُ الأول. وتقدَّم/ الكلامُ أيضاً أن بعض الكوفيين يجعلون «إنْ» نافيةً، واللامَ بمعنى «إلا» في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] .

стр. 3847

قوله تعالى: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ : يجوز أن يُضَمَّن «ظلموا» معنى كفروا فيتعدَّى بالباء كتعديته. ويؤيِّده ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . ويجوز أن تكون الباءُ سببيةٌ، والمفعولُ محذوفٌ تقديره: فظلموا أنفسَهم، أو ظلموا الناس بمعنى صَدُّوهم عن الإِيمان بسبب الآيات. وقوله «لأكثرهم»

стр. 3848

و «أكثرهم» و «مِنْ بعدهم» : إن جعلنا هذه الضمائرَ كلَّها للأممِ السالفة فلا اعتراض، وإن جَعَلْنا الضميرَ في «لأكثرهم» و «أكثرهم» لعمومِ الناس والضميرَ في «من بعدهم» للأمم السالفة كانت هذه الجملةُ أعني «وما وجدنا» اعتراضاً. كذا قاله الزمخشري، وفيه نظر: لأنه إذا كان الأولُ عاماً ثم ذُكِر شيء يندرج فيه ما بعده وما قبله كيف يُجْعل ذلك العامُّ معترضاً بين الخاصَّين. وأيضاً فالنحويون إنما يُعَرِّفون الاعتراض فيما اعتُرض به بين متلازِمَيْن، إلا أنَّ أهلَ البيان عندهم الاعتراضُ أعمُّ من ذلك، حتى إذا أُتي بشيء بين شيئين مذكورَيْن في قصة واحدة سَمَّوْه اعتراضاً. قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ «كيف» خبرٌ لكان مقدَّمٌ عليها واجبُ التقديمِ، لأنَّ له صدرَ الكلامِ، و «عاقبة» اسمها، وهذه الجملةُ الاستفهاميةُ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ حرف الجر إذ التقديرُ: فانظر إلى كذا.

стр. 3849

قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ﴾ : قرأ العامة «على أَنْ» ب «على» التي هي حرف جر داخلة على أَنْ وما في حيزها. ونافع قرأ «عليَّ» ب «على» التي هي حرف جر داخلة على أَنْ وما في حيزها. ونافع قرأ «عليَّ» ب «على» التي هي حرف جر داخلة على ياء المتكلم. فأمَّا قراءةُ العامة ففيها ستة أوجه، ذكر الزمخشري منها أربعة، قال ﵀: «وفي المشورةِ إشكالٌ، ولا يخلو من وجوه، أحدها: أن تكون مِمَّا قُلب من الكلام كقوله: ٢٢٥٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...

стр. 3850

وتَشْقى الرماحُ بالضَّياطرة الحُمْرِ معناه: وتشقى الضياطرةُ بالرماح. قال الشيخ:» وأصحابُنا يَخُصُّون القلبَ بالضرورةِ، فينبغي أَنْ يُنَزَّهَ القرآنُ عنه «. قلت: وللناس فيه ثلاثةُ مذاهبَ: الجوازُ مطلقاً، المنعُ مطلقاً، التفصيلُ: بين أن يفيد معنًى بديعاً فيجوزَ، أو لا فيمتنعَ، وقد تقدَّم إيضاحهُ، وسيأتي منه أمثلةٌ أُخَرُ في القرآن العزيز. وعلى هذا الوجهِ تصيرُ هذه القراءةُ كقراءةِ نافعٍ في المعنى إذ الأصل: قولُ الحق حقيقٌ عليَّ، فقلبَ اللفظَ فصار: أنا حقيقٌ على قَوْل الحق» . قال: «والثاني: أنَّ ما لَزِمك فقد لزمته، فلمَّا كان قولُ الحق حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قولِ الحق أي لازماً له، والثالث: أن يُضَمَّن حقيق معنى حريص كما ضمن» هَيَّجني «معنى ذكَّرني في بيت الكتاب، الرابع: أن تكون» على «بمعنى الباء» . قلت: وبهذا الوجه قال أبو الحسن والفراء والفارسي. قالوا: إنَّ «على» بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى على في قوله: ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] أي: على كل. وقال الفراء: «العربُ تقول: رَمَيْتُ على القوس وبالقوس، وجِئْتُ على حالٍ حسنة وبحال حسنة. إلا أن الأخفشَ قال:» وليس ذلك بالمطَّرِدِ لو قلت: ذهبت

стр. 3851

على زيد تريد: بزيدٍ لم يجز «. قلت: ولأنَّ مذهب البصريين عدمُ التجوُّز في الحروف، وعَنَى بالبيت قولَ الشاعر: ٢٢٥٦ - إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوَرْقُ هَيَّجني ... ولو تَسَلَّيْتُ عنها أمَّ عمار وبالكتاب كتابَ سيبويه فإنه عَلَمٌ بالغلبة عند أهل هذه الصناعة. الخامس: وهو الأَوْجَهُ والأَدْخَلُ في نُكت القرآن أن يُغْرِق موسى ﵇ في وصفِ نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد رُوِيَ أنَّ فرعون لعنه الله لمَّا قال موسى: إني رسولٌ من رب العالمين قال له: كَذَبْت، فيقول: أنا حقيقٌ على قولِ الحق أي: واجبٌ عليَّ قولُ الحق أن أكونَ أنا قائلَه، والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به» . قال الشيخ: «ولا يَصِحُّ هذا الوجهُ إلا إنْ عَنَى أنه يكون» أن لا أقول «صفةٌ له كما تقول: أنا على قول الحق أي: طريقتي وعادتي قول الحق. السادس: أن تكون «على» متعلقةً ب «رسول» . قال ابن مقسم: / «حقيقٌ من نعت» رسول «أي رسول حقيق من رب العالمين أُرْسِلْتُ على أنْ لا أقول على الله إلا الحق، وهذا معنى صحيح واضح، وقد غَفَل أكثرُ المفسرين من أرباب اللغة عن تعليق» على «برسول، ولم يخطر لهم تعليقُه إلا ب» حقيق «. قال الشيخ:» وكلامُه فيه تناقضٌ في الظاهر؛ لأنه قَدَّر أولاً العاملَ في «

стр. 3852

على» «أرسلت» وقال أخيراً: «لأنهم غَفَلوا عن تعليق» على «ب» رسول «. فأمَّا هذا الأخيرُ فلا يجوز عند البصريين لأنَّ» رسولاً «قد وُصِف قبل أن يأخَذَ معمولَه، وذلك لا يجوز، وأمَّا تعليقُه بأرسلت مقدَّراً لدلالةِ لفظ» رسول «عليه فهو تقديرٌ سائغ. ويُتَأَوَّل كلامه أنه أراد بقوله تُعَلَّقُ» على «ب» رسول «أنه لمَّا كان دالاًّ عليه صَحَّ نسبةُ التعلُّق له» قلت: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعد ما ذكر هذا الوجهَ عن ابن مقسم: «والأوجهُ الأربعة التي للزمخشري. ولكن هذه وجوه متعسِّفة، وليس المعنى إلا على ما ذكرته أولاً، يعني وجه ابن مقسم، وهذا فيه الإِشكالُ الذي ذكره الشيخ من إعمالِ اسم الفاعلِ أو الجاري مَجْراه وهو موصوف. وقراءةُ نافعٍ واضحةٌ وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ الكلامُ قد تمَّ عند قولِه» حقيق «، و» عليَّ «خبر مقدم، و» أنْ لا أقول «مبتدأ مؤخَّر كأنه قيل: عليَّ عدمُ قول غير الحق أي: فلا أقول إلا الحق. الثاني: أن يكون» حقيق «خبراً مقدَّماً، و» أن لا أقول «مبتدأٌ على ما تقدَّم بيانه. الثالث:» أَنْ لا أقول «فاعِلٌ ب» حقيق «كأنه قيل: يحقُّ ويجب أن لا أقول، وهذا أَعْرَبُ الوجوهِ لوضوحه لفظاً ومعنى، وعلى الوجهين الأخيرين تتعلَّق» عليَّ «ب» حقيق «لأنك تقول:» حَقَّ عليه كذا «. قال تعالى: ﴿أولئك الذين حَقَّ عليهم القولُ﴾ . وعلى الوجهِ الأولِ يتعلَّقُ بمحذوفٍ على ما عُرِفَ غيرَ مرة. وأمَّا رفع» حقيق «فقد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكون خبراً مقدماً، ويجوزُ أن يكونَ صفةً ل» رسول «، وعلى هذا فيضعف أن يكون» مِنْ رب «صفةً لئلا يلزمَ تقديمُ الصفةِ غيرِ الصريحة على الصريحة، فينبغي أن يكونَ متعلَّقاً بنفس» رسول «، وتكون» مِنْ «لابتداء الغاية مجازاً. ويجوز أن يكونَ خبراً ثانياً.

стр. 3853

ويجوز أن يكونَ مبتدأً وما بعدَه الخبرُ على قراءةِ مَنْ شَدَّدَ الياء، وسَوَّغ الابتداءَ بالنكرة حينئذ تَعَلُّقُ الجارِّ بها. فقد تحصَّل في رفعه أربعة أوجه، وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول؟ الظاهرُ أنه يحتمل الأمرين مطلقاً، أعني على قراءة نافع وعلى قراءة غيره. وقال الواحدي ناقلاً عن غيره: «إنه مع قراءة نافعٍ مُحتمل للأمرين، ومع قراءة العامة بمعنى مفعول فإنه قال:» وحقيق على هذا القراءة يعني قراءة نافع يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، قال شمر: تقولُ العرب: «حَقَّ عليّ أن أفعل كذا» . وقال الليث: حقَّ الشيء معناه وَجَبَ، ويحق عليك أن تفعلَه، وحقيقٌ عليَّ أن أفعله، فهذا بمعنى فاعل «ثم قال:» وقال الليث: وحقيقٌ بمعنى مفعول، وعلى هذا تقول: فلان مَحقوقٌ عليه أن يفعل. قال الأعشى: ٢٢٥٧ - لمَحْقوقَةٌ أن تستجيبي لِصَوْتِه ... وأن تعلمي أنَّ المُعَانَ مَوَفَّقٌ وقال جرير: ٢٢٥٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... قَصِّرْ فإنك بالتقصيرِ محقوقُ ثم قال: «وحقيق على هذه القراءة يعني قراءة العامة بمعنى محقوق» انتهى. وقرأ أُبَيٌّ «بَأَنْ لا أقول» وهذه تُقَوِّي أنَّ «على» بمعنى الباء. وقرأ عبد الله والأعمش «أنْ لا أقول» دون حرف جر، فاحتمل أن يكونَ ذلك الجارُّ «على» كما هو قراءة العامة، وأن يكون الجارُّ الباءَ كما هو قراءة أبيّ.

стр. 3854

و «الحقَّ» يجوز أن يكون مفعولاً به لأنه يتضمَّن معنى حَمَّله، وأن يكونَ منصوباً على المصدر أي: القول الحقَّ، والاستثناءُ مفرغ.

стр. 3855

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ : «إذا» فجائية. وقد تقدَّم أن فيها ثلاثةَ مذاهب: ظرفُ مكان/ أو زمان أو حرف. قال ابن عطية: «وإذا ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد من حيث كانت خبراً عن جثة، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرفٌ زمان في كل موضع» . قلت: المشهورُ عند الناس قولُ المبرد وهو مذهبُ سيبويه. وأمَّا كونُها زماناً فهو مذهب الرياشي، وعُزِيَ لسيبويه أيضاً. وقوله «من حيث كانت خبراً عن جثة» ليست هي هنا خبراً عن جثة، بل الخبرُ عن «هي» لفظُ «ثعبان» لا لفظ «إذا» . والثُّعْبان هو ذَكَر الحَيَّاتِ العظيم. واشتقاقهُ مِنْ ثَعَبْتُ المكان أي: فجَّرتُه بالماء، شُبِّه في انسيابه بانسياب الماء، يقال: ثَعَبْتُ الماء فجَّرْتُه فانثعب. ومنه مَثْعَبُ المطر. وفي الحديث: «جاء يومَ القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دماً» وهنا سؤالٌ وجوابُه، وَصَفَها تارة بكونها ثعباناً وهو العظيم الهائل الخَلْق، وفي موضع آخر بقوله ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجانُّ من الحيَّات الخفيفُ الضئيلُ الخَلْقِ «فكيف يُجْمَعُ بين هاتين الصفتين؟ وقد أجاب الزمخشري في غيرِ هذا المكان بجوابين، أحدهُما: أنه جَمْعٌ لها بين الشيئين: أي كِبَرِ الجثة كالثعبان وبين خفةِ الحركة وسرعةِ المشي كالجانّ. والثاني: أنها في
следующие страницы →