Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
على زيد تريد: بزيدٍ لم يجز «. قلت: ولأنَّ مذهب البصريين عدمُ التجوُّز في الحروف، وعَنَى بالبيت قولَ الشاعر:
٢٢٥٦ - إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوَرْقُ هَيَّجني ... ولو تَسَلَّيْتُ عنها أمَّ عمار
وبالكتاب كتابَ سيبويه فإنه عَلَمٌ بالغلبة عند أهل هذه الصناعة. الخامس: وهو الأَوْجَهُ والأَدْخَلُ في نُكت القرآن أن يُغْرِق موسى ﵇ في وصفِ نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد رُوِيَ أنَّ فرعون لعنه الله لمَّا قال موسى: إني رسولٌ من رب العالمين قال له: كَذَبْت، فيقول: أنا حقيقٌ على قولِ الحق أي: واجبٌ عليَّ قولُ الحق أن أكونَ أنا قائلَه، والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به» . قال الشيخ: «ولا يَصِحُّ هذا الوجهُ إلا إنْ عَنَى أنه يكون» أن لا أقول «صفةٌ له كما تقول: أنا على قول الحق أي: طريقتي وعادتي قول الحق.
السادس: أن تكون «على» متعلقةً ب «رسول» . قال ابن مقسم: / «حقيقٌ من نعت» رسول «أي رسول حقيق من رب العالمين أُرْسِلْتُ على أنْ لا أقول على الله إلا الحق، وهذا معنى صحيح واضح، وقد غَفَل أكثرُ المفسرين من أرباب اللغة عن تعليق» على «برسول، ولم يخطر لهم تعليقُه إلا ب» حقيق «.
قال الشيخ:» وكلامُه فيه تناقضٌ في الظاهر؛ لأنه قَدَّر أولاً العاملَ في «
стр. 3852
على» «أرسلت» وقال أخيراً: «لأنهم غَفَلوا عن تعليق» على «ب» رسول «. فأمَّا هذا الأخيرُ فلا يجوز عند البصريين لأنَّ» رسولاً «قد وُصِف قبل أن يأخَذَ معمولَه، وذلك لا يجوز، وأمَّا تعليقُه بأرسلت مقدَّراً لدلالةِ لفظ» رسول «عليه فهو تقديرٌ سائغ. ويُتَأَوَّل كلامه أنه أراد بقوله تُعَلَّقُ» على «ب» رسول «أنه لمَّا كان دالاًّ عليه صَحَّ نسبةُ التعلُّق له» قلت: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعد ما ذكر هذا الوجهَ عن ابن مقسم: «والأوجهُ الأربعة التي للزمخشري. ولكن هذه وجوه متعسِّفة، وليس المعنى إلا على ما ذكرته أولاً، يعني وجه ابن مقسم، وهذا فيه الإِشكالُ الذي ذكره الشيخ من إعمالِ اسم الفاعلِ أو الجاري مَجْراه وهو موصوف.
وقراءةُ نافعٍ واضحةٌ وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ الكلامُ قد تمَّ عند قولِه» حقيق «، و» عليَّ «خبر مقدم، و» أنْ لا أقول «مبتدأ مؤخَّر كأنه قيل: عليَّ عدمُ قول غير الحق أي: فلا أقول إلا الحق. الثاني: أن يكون» حقيق «خبراً مقدَّماً، و» أن لا أقول «مبتدأٌ على ما تقدَّم بيانه. الثالث:» أَنْ لا أقول «فاعِلٌ ب» حقيق «كأنه قيل: يحقُّ ويجب أن لا أقول، وهذا أَعْرَبُ الوجوهِ لوضوحه لفظاً ومعنى، وعلى الوجهين الأخيرين تتعلَّق» عليَّ «ب» حقيق «لأنك تقول:» حَقَّ عليه كذا «. قال تعالى: ﴿أولئك الذين حَقَّ عليهم القولُ﴾ . وعلى الوجهِ الأولِ يتعلَّقُ بمحذوفٍ على ما عُرِفَ غيرَ مرة.
وأمَّا رفع» حقيق «فقد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكون خبراً مقدماً، ويجوزُ أن يكونَ صفةً ل» رسول «، وعلى هذا فيضعف أن يكون» مِنْ رب «صفةً لئلا يلزمَ تقديمُ الصفةِ غيرِ الصريحة على الصريحة، فينبغي أن يكونَ متعلَّقاً بنفس» رسول «، وتكون» مِنْ «لابتداء الغاية مجازاً.
ويجوز أن يكونَ خبراً ثانياً.
стр. 3853
ويجوز أن يكونَ مبتدأً وما بعدَه الخبرُ على قراءةِ مَنْ شَدَّدَ الياء، وسَوَّغ الابتداءَ بالنكرة حينئذ تَعَلُّقُ الجارِّ بها.
فقد تحصَّل في رفعه أربعة أوجه، وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول؟ الظاهرُ أنه يحتمل الأمرين مطلقاً، أعني على قراءة نافع وعلى قراءة غيره. وقال الواحدي ناقلاً عن غيره: «إنه مع قراءة نافعٍ مُحتمل للأمرين، ومع قراءة العامة بمعنى مفعول فإنه قال:» وحقيق على هذا القراءة يعني قراءة نافع يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، قال شمر: تقولُ العرب: «حَقَّ عليّ أن أفعل كذا» . وقال الليث: حقَّ الشيء معناه وَجَبَ، ويحق عليك أن تفعلَه، وحقيقٌ عليَّ أن أفعله، فهذا بمعنى فاعل «ثم قال:» وقال الليث: وحقيقٌ بمعنى مفعول، وعلى هذا تقول: فلان مَحقوقٌ عليه أن يفعل. قال الأعشى:
٢٢٥٧ - لمَحْقوقَةٌ أن تستجيبي لِصَوْتِه ... وأن تعلمي أنَّ المُعَانَ مَوَفَّقٌ
وقال جرير:
٢٢٥٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... قَصِّرْ فإنك بالتقصيرِ محقوقُ
ثم قال: «وحقيق على هذه القراءة يعني قراءة العامة بمعنى محقوق» انتهى.
وقرأ أُبَيٌّ «بَأَنْ لا أقول» وهذه تُقَوِّي أنَّ «على» بمعنى الباء. وقرأ عبد الله والأعمش «أنْ لا أقول» دون حرف جر، فاحتمل أن يكونَ ذلك الجارُّ «على» كما هو قراءة العامة، وأن يكون الجارُّ الباءَ كما هو قراءة أبيّ.
стр. 3854
و «الحقَّ» يجوز أن يكون مفعولاً به لأنه يتضمَّن معنى حَمَّله، وأن يكونَ منصوباً على المصدر أي: القول الحقَّ، والاستثناءُ مفرغ.
стр. 3855
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ : «إذا» فجائية. وقد تقدَّم أن فيها ثلاثةَ مذاهب: ظرفُ مكان/ أو زمان أو حرف. قال ابن عطية: «وإذا ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد من حيث كانت خبراً عن جثة، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرفٌ زمان في كل موضع» . قلت: المشهورُ عند الناس قولُ المبرد وهو مذهبُ سيبويه. وأمَّا كونُها زماناً فهو مذهب الرياشي، وعُزِيَ لسيبويه أيضاً. وقوله «من حيث كانت خبراً عن جثة» ليست هي هنا خبراً عن جثة، بل الخبرُ عن «هي» لفظُ «ثعبان» لا لفظ «إذا» .
والثُّعْبان هو ذَكَر الحَيَّاتِ العظيم. واشتقاقهُ مِنْ ثَعَبْتُ المكان أي: فجَّرتُه بالماء، شُبِّه في انسيابه بانسياب الماء، يقال: ثَعَبْتُ الماء فجَّرْتُه فانثعب. ومنه مَثْعَبُ المطر. وفي الحديث: «جاء يومَ القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دماً» وهنا سؤالٌ وجوابُه، وَصَفَها تارة بكونها ثعباناً وهو العظيم الهائل الخَلْق، وفي موضع آخر بقوله ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجانُّ من الحيَّات الخفيفُ الضئيلُ الخَلْقِ «فكيف يُجْمَعُ بين هاتين الصفتين؟ وقد أجاب الزمخشري في غيرِ هذا المكان بجوابين، أحدهُما: أنه جَمْعٌ لها بين الشيئين: أي كِبَرِ الجثة كالثعبان وبين خفةِ الحركة وسرعةِ المشي كالجانّ. والثاني: أنها في
стр. 3856
ابتداء أمرها تكون كالجانِّ ثم تتعاظم وتتزايد خَلْقُها إلى أن تصيرَ ثعباناً.
стр. 3857
قوله تعالى: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ : متعلِّقٌ بمحذوف لأنه صفةٌ لبيضاء. وقال الزمخشري: «فإن قلت: بم تُعَلِّق للناظرين؟ قلت: يتعلَّقُ ب» بيضاء «والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظَّارة، ولا تكون بيضاءَ للنَّظارة إلا إذا كان بياضُها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادةِ، يجتمعُ الناسُ للنظر إليه كما تجتمع النَّظارة للعجائب» . وهذا الذي ذكره أبو القاسم تفسيرُ معنى لا تفسيرُ إعراب، وكيف يريدُ تفسيرَ الإِعراب؟ وإنما أراد التعلُّقَ المعنويَّ لا الصناعي، كقولهم: هذا الكلامُ يتعلَّق بهذا الكلام. أي إنه من تتمَّةِ المعنى له. وقال في هذه السورة:
﴿قَالَ الملأ﴾
стр. 3858
﴿قَالَ الملأ﴾ : فأسند القولَ إليهم. وفي الشعراء: «قال للملأ» فأسند القولَ إلى فرعون. وأجاب الزمخشري عن ذلك بثلاثة أوجه، أحدُها: أن يكونَ هذا الكلامُ صادراً منه ومنهم، فحكى هنا عنهم وفي الشعراء عنه. والثاني: أنه قاله ابتداءً وتلقَّنه عنه خاصَّته فقالوه لأعقابهم. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس على طريق التبليغ كما يفعل الملوكُ، يَرَى الواحدُ منهم الرأيَ فيبلِّغه الخاصة ثم يبلغوه لعامتهم. وهذا الثالث قريبٌ من الثاني في المعنى.
وقرأ الأخوان هنا وفي يونس: «بكل سَحَّارٍ» والباقون: «بكل
стр. 3859
ساحر» . ولا خلافَ أن الذي في الشعراء «بكل سَحَّارٍ» . وساحر وسَحَّار مثل عالم وعَلاَّم، وقد عُرِف أن فعَّالاً مثال مبالغة. ويُرَجِّح «سَحَّار» أنه مجاوزٌ لعليم، وكلاهما مثال مبالغة. ويرجح «ساحر» أنه تقدَّم مثلُه في قوله «إنَّ هذا لساحر» وهذا مناسب له.
стр. 3860
وفي الشعراء: «بسحره» وهنا بدون «ذلك» . قالوا: لأنَّ أولَ هذه الآيةِ مبنيٌّ على الاختصار.
قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ قد تقدَّم الكلامُ على «ماذا» مُسْبَقاً في أول هذا التصنيف. والجمهور على «تأمرون» بفتح النون. وروى كردم عن نافع كسرَها. وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكونَ «ماذا» كلُّه اسماً واحداً في محل نصب على أنه مفعول ثان ل «تأمرون» بعد حَذْفِ الياء، ويكون المفعول الأول ل «تأمرون» محذوفاً وهو ياءُ المتكلم، والتقديرُ: بأيِّ شيء تأمرونني؟ وعلى قراءة نافع لا تقول: إن المفعولَ الأولَ محذوفٌ بل هو في قوة المنطوق به؛ لأن الكسرةَ دالةٌ عليه، فهذا الحذفُ غيرُ الحذفِ في قراءة الجماعة. ويجوز أن تكونَ «ما» استفهاماً في محلِّ رفعٍ بالابتداء و «ذا» موصول، وصلتُه «تأمرون» ، والعائدُ محذوفٌ، والمفعولُ الأولُ أيضاً محذوف على قراءة الجماعة، وتقدير العائد منصوبُ المحل غيرُ مُعَدَّى إليه بالباء فتقديره: فما الذي تأمرونيه؟
стр. 3861
وقدَّره ابن عطية: «تأمروني به» ، وردَّ عليه/ الشيخ بأنه يلزم من ذلك حَذْفُ العائد المجرور بحرفٍ لم يُجَرَّ الموصولُ بمثله، ثم اعتَذَر منه، بأنه أراد التقدير الأصلي، ثم اتُّسِعَ فيه بأنْ حُذِف الحرف فاتصل الضميرُ بالفعل. وهذه الجملةُ هل هي من كلام الملأ، ويكونون قد خاطبوا فرعون بذلك وحده تعظيماً له كما يُخاطَبُ الملوك بصيغة الجمع، أو يكونون قالوه له ولأصحابه، أو يكون من كلام فرعون على إضمار قولٍ أي: فقال لهم فرعونُ فماذا تأمرون، ويؤيِّد كونَها من كلام فرعون قولُه تعالى: «قالوا: أرْجِهْ» .
وهل «تأمرون» من الأمر المعهود أو من الأمر الذي بمعنى المشاورة؟ والثاني منقولٌ عن ابن عباس. وقال الزمخشري: «هو مِنْ أمَرْتُه فأمرني بكذا أي: شاورته فأشار عليَّ برأي» .
стр. 3862
قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ﴾ : في هذه الكلمة هنا والشعراء ست قراءات في المشهور المتواتر، ولا التفاتَ إلى مَنْ أنكر بعضها ولا لمَنْ أنكر على راويها. وضبطُ ذلك أن يقال: ثلاث مع الهمز وثلاث مع عدمه، فأمَّا الثلاث التي مع الهمز فأوّلُها قراءة ابن كثير، وهشام عن ابن عامر: أَرْجِئْهو بهمزةٍ ساكنة وهاء متصلة بواو. الثانية قراءة أبي عمرو: أَرْجِئْهُ كما تقدَّم إلا أنها لم يَصِلْها بواو. الثانية قراءة أبي عمرو: أَرْجِئْهُ كما تقدَّم إلا أنها لم يَصِلْها بواو. الثالثة: قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر: أَرْجِئْهِ بهمزة ساكنة وهاء مكسورة مِنْ غير صلة. وأمَّا الثلاثُ التي مع غير الهمز فأوَّلها قراءة عاصم وحمزة: أَرْجِهْ بكسرِ الجيم وسكون الهاء وصلاً ووقفاً. الثانية
стр. 3863
قراءة الكسائي: أَرْجِهي بهاء متصلة بياء. الثالثة: قراءة قالون بهاء مكسورة دون ياء.
فأمَّا ضمُّ الهاء وكسرُها فقد عُرِف مما تقدَّم. وأمَّا الهمزُ وعدمُه فلغتان مشهورتان يقال: أَرْجَأْته وأَرْجَيْتُه أي: أخَّرته، وقد قُرِئ قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] بالهمز وعدمِه. وهذا كقولهم: توضَّأْتُ وتوضَّيْتُ. وهل هما مادتان أصليتان أم المبدلُ فرع الهمز؟ احتمالان.
وقد طَعَنَ قومٌ على قراءة ابن ذكوان فقال الفارسيُّ: «ضمُّ الهاءِ مع الهمز لا يجوزُ غيرُه، وروايةُ ابن ذكوان عن ابن عامر غلطٌ» . وقال ابن مجاهد: «وهذا لا يجوز، لأن الهاءَ لا تُكسَرُ إلا بعد كسرةٍ أو ياءٍ ساكنة» . وقال الحوفي: «ومن القرَّاء مَنْ يكسر مع الهمز وليس بجيد» . وقال أبو البقاء: «ويُقْرأ بكسر الهاء مع الهمزِ وهو ضعيفٌ، لأنَّ الهمزةَ حرفٌ صحيحٌ ساكنٌ فليس قبلَ الهاءِ ما يقتضي الكسر» .
قلت: وقد اعتذر الناسُ عن هذه القراءة على سبيل التنازل بوجهين: أحدُهما: أن الهمزةَ ساكنةٌ والساكنُ حاجزٌ غيرُ حصينٍ، وله شواهدُ مذكورةٌ في موضعها، فكأنَّ الهاءَ وَلِيَت الجيمَ المكسورةَ فلذلك كُسِرت. الثاني: أن الهمزةَ كثيراً ما يَطْرأ عليها التغييرُ، وهي هنا في مَعْرِض أن تُبْدلَ ياءً ساكنة لسكونِها بعد كسرةٍ فكأنها وَلِيَتْ ياءً ساكنة فلذلك كُسِرَتْ.
стр. 3864
وقد اعترض أبو شامةَ على هذين الجوابين بثلاثة أوجه. الأول: أن الهمزَ معتدٌّ به حاجزاً بإجماع في ﴿أَنبِئْهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] و ﴿نَبِّئْهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] ، والحكمُ واحدٌ في ضمير الجمع والمفرد فيما يرجع إلى الكسر والضم. الثاني: أنه كان يلزمُهُ صلةُ الهاء إذ هي في حكمٍ كأنها قد وَلِيت الجيم. الثالث: أن الهمزَ لو قُلِبَ ياءً لكان الوجهُ المختارُ ضمُّ الهاء مع صريح الياء نظراً إلى أنَّ أصلَها همزة، فما الظنُّ بمَنْ يكسر الهاءَ مع صريح الهمزة. وسيأتي تحقيق ذلك في باب وقفِ حمزةَ وهشام، فضمُّ الهاء مع الهمزة هو الوجه.
واستضعف أبو البقاء قراءةَ ابن كثير وهشام فإنه قال: «وأَرْجِئْه» يُقرأ بالهمز وضم الهاء من غير إشباع وهو الجيد، وبالإِشباع وهو ضعيف؛ لأن الهاء خفيَّة، فكأن الواوَ التي بعدها تتلو الهمزةَ، وَهو قريبٌ من الجمع بين الساكنين، ومن ههنا ضَعُف قولُهم: «عليهي مال» بالإِشباع «. قلت: وهذا التضعيفُ ليس بشيء لأنها لغةٌ ثابتةٌ عن العرب أعني إشباعَ حركةِ الهاء بعد ساكن مطلقاً، وقد تقدَّم أن هذا أصلٌ لابن كثير ليس مختصاً بهذه اللفظة، بل قاعدتُه: كلُّ هاءِ كنايةٍ بعد ساكن أن يُشْبع حركتَها حتى يتولَّد منها حرفُ مَدٍّ نحو:» مِنْهو وعَنْهو وأرجِئْهو «إلا قبلَ ساكن فإن المدَّ يُحْذَفُ لالتقاءِ الساكنين إلا في موضع واحد رواه عنه البزي وهو ﴿عَنْهُ تلهى﴾ [عبس: ١٠] بتشديد التاء، وكذلك
стр. 3865
استضعف الزجاج قراءة حمزة وعاصم. قال بعدما أنشد قول الشاعر/:
٢٢٥٩ - لمَّا رأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مالَ إلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فالْطَجَعْ
» هذا شعرٌ لا يُعرف قائلُه ولا هو بشيءٍ، ولو قاله شاعرٌ مذكور لقيل له: أخطأت، لأن الشاعر يجوز أن يخطئ، وهذا مذهبٌ لا يُعَرَّج عليه «. قلت: قد تقدَّم أن تسكينَ هاء الكناية لغة ثابتة، وتقدَّم شواهدها فلا حاجةَ إلى إعادة ذلك.
وقوله» وأخاه «الأحسنُ أن يَكون نسقاً على الهاء في» أَرْجِهْ «، ويَضْعُفُ نصبُه على المعيَّة لإِمكان النسق من غير ضعف لفظي ولا معنوي.
قوله: ﴿فِي المدآئن﴾ متعلقٌ بأَرْسِلْ، و» حاشرين «مفعول به، ومفعولُ» حاشرين «محذوفٌ أي: حاشرين السحرة بدليل ما بعده. والمدائن جمع مدينة وفيها ثلاثة أقوال: أحدها وهو الصحيح أن وزنها فَعيلة فميمها أصلية وياؤها زائدة، مشتقة مِنْ مدَن يمدُن مُدوناً أي: أقام. واستُدِلَّ لهذا القول بإطباق القراء على همز مدائن كصحيفة وصحائف وسفينة وسفائن، ولو كانت مَفْعِلة لم تُهْمَزْ نحو: معيشة ومعايش، ولأنهم جمعوها أيضاً على مُدُن كقولهم: سفينة وسُفُن وصحيفة وصُحُف. قال الشيخ:» ويَقْطع بأنها فَعيلة جَمْعُهم لها على فُعُل قالوا: مُدُن، كما قالوا: صحف في صحيفة «.
стр. 3866
قلت: قد قال الزجاجي:» المدن في الحقيقة جمع المَدِين، لأن المدينة لا تُجمع على مُدُن، ولكن تجمع على المدائن ومثل هذا: سُفُن كأنهم جمعوا سفينة على سفين ثم جمعوه على سُفُن «. ولا أدري ما حَمَله على جَعْل مُدُن جمع مدين، ومدين جمع مدينة مع اطِّراد فُعُل في فعيلة لا بمعنى مَفْعولة، اللهم إلا أن يكونَ قد لَحَظَ في مدينة أنها فعيلة بمعنى مفعولة لأنَّ معنى مدينة أن يُمْدَن فيها أي: يُقام، ويؤيد هذا ما سيأتي من أن مدينة وزنُها في الأصل مَدْيُوْنة عند بعضهم.
القول الثاني: أن وزنها مَفْعِلة مِنْ دانه يَدينه أي: ساسه يَسُوسه فمعنى مدينة أي: مملوكة ومَسُوسة أي: مسوسٌ أهلُها، مِنْ دانهم مَلِكُهم إذا ساسهم، وكان ينبغي أن يُجمع على مداين بصريح الياء كمعايش في مشهور لغة العرب.
الثالث: أن وزنها مَفْعولة وهو مذهب أبي العباس. قال: «هي مِنْ دانه يَدينه إذا ملكه وقَهَره، وإذا كان أصلُها مَدْيونة فأُعِلَّت كما يُعَلُّ مَبِيع اسمَ مفعول من البيع، ثم يجري الخلافُ في المحذوف: هل هو الياءُ الأصلية أو الواو الزائدة؟ الأول قول الأخفش، والثاني قولُ المازني وهو مذهب جماهير النحاة. والمدينة معروفةٌ وهي البقعة المُسَوَّرة المستولي عليها مَلِكٌ.
стр. 3867
قوله تعالى: ﴿قالوا إِنَّ لَنَا﴾ : في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها لامحلَّ لها من الإِعراب لأنها استئنافُ جوابٍ لسؤال مقدر، ولذلك لم تُعْطَفْ بالفاء على ما قبلها. قال الزمخشري: «فإن قلت: هلاقيل: وجاء السحرة فرعون فقالوا. قلت: هو على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤوه؟ فأُجيب بقوله: قالوا أإن لنا لأجراً» ، وهذا قد سبقه إليه
стр. 3868
الواحدي، إلا أنه قال: «ولم يقل فقالوا، لأن المعنى لما جاؤوا قالوا، فلم يَصِحَّ دخولُ الفاءِ على هذا الوجه» . والوجه الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «جاؤوا» قاله الحوفي.
وقرأ الحَرَمِيَّان وحفص عن عاصم «إنَّ» بهمزة واحدة، والباقون بهمزتين على الاستفهام. وهم على أصولهم في التحقيق والتسهيل وإدخال ألفٍ بينهما وعدمِه. فقراءةُ الحَرَمِيَّيْن على الإِخبار، وجوَّز الفارسي أن تكونَ على نية الاستفهام يدل عليه قراءة الباقين، وجَعَلوا ذلك مثلَ قولِه تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] وقولِ الشاعر:
٢٢٦٠ - أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرام وأنْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقول الآخر:
٢٢٦١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . وذو الشيب يلعبُ
وقد تقدم تحقيق هذا وأنه مذهب أبي الحسن. ونكَّر «أجراً» للتعظيم. قال الزمخشري: «كقولهم: إنَّ له لإِبلاً وإن له لغنماً» .
قوله: ﴿إِن كُنَّا﴾ شرطٌ جوابُه محذوفٌ للدلالة عليه عند الجمهور، أو ما تقدَّم عند/ مَنْ يُجيز تقديمَ جوابِ الشرط عليه. و «نحن» يجوز فيه أن
стр. 3869
يكونَ تأكيداً للضمير المرفوع، وأن يكون فَصْلاً فلا محلَّ له عند البصريين، ومحلُّه الرفعُ عند الكسائي، والنصب عند الفراء.
стр. 3870
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين﴾ : هذه الجملةُ نَسَقٌ على الجملة المحذوفةِ التي نابَتْ «نعم» عنها في الجواب، إذ التقدير: قال: نعم إن لكم لأجراً وإنَّكم لمن المقربين.
стр. 3871
قوله تعالى: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾ : «إمَّا» هنا للتخيير، ويُطْلق عليها حرفُ عطف مجازاً. وفي محل «أَنْ تلقي وإما أَنْ نكون» ثلاثة أوجه، أحدها النصبُ بفعلٍ مقدر أي: افعل إمَّا إلقائك وإمَّا إلقاءنا، كذا قدَّره الشيخ. وفيه نظر لأنه لا يَفْعَلُ إلقاءهم فينبغي أن يُقَدِّر فعلاً لائقاً بذلك وهو اختر أي: اختر إمَّا إلقاءك وإمَّا إلقاءنا. وقدَّره مكي وأبو البقاء، فقالا: «إمَّا أن تفعل الإِلقاء» قال مكي: «كقوله:
٢٢٦٢ - قالوا الركوبَ فقلنا تلك عادتنا ... . . . . . . . . . . . . . . .
إلا أنه جَعَلَ النصبَ مذهبَ الكوفيين. الثاني: الرفع على خبرِ ابتداءٍ مضمر تقديرُه: أَمْرُك إمَّا إلقاؤك وإمَّا إلقاؤُنا. الثالث: أن يكون مبتدأً خبرُه محذوفٌ تقديرُه: إمَّا إلقاؤك مبدوءٌ به، وإمَّا إلقاؤنا مبدوءٌ به، وإنما أتى هنا ب» أَنْ «المصدرية قبل الفعل بخلاف قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ﴾ [التوبة: ١٠٦] لأنَّ» أَنْ «وما بعدها هنا: إمَّا مفعولٌ وإمَّا مبتدأٌ، والمفعولُ به والمبتدأ لا يكونان فعلاً صريحاً، بل لا بد أن ينضمَّ إليه حرفٌ
стр. 3872
مصدري يجعله في تأويل اسم، وأمَّا آيةُ التوبة فالفعلُ بعد» إمَّا «: إمَّا خبرٌ ثان ل آخرون، وإمَّا صفةٌ له، والخبرُ والصفةُ يقعان جملةً فعليةً مِنْ غير حرف مصدري.
وحُذِف مفعولُ الإِلقاء للعلم بهِ والتقدير: إمَّا أَن تُلْقيَ حبالَكَ وعِصِيَّك، لأنهم كانوا يعتقدون أن يفعل كفِعْلهم أو نلقي حبالَنا وعِصِيَّنا.
стр. 3873
قوله تعالى: ﴿واسترهبوهم﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ استفعل فيه بمعنى أفعل، أي: أرهبوهم، وهو قريبٌ مِنْ قولهم: قرَّ واستقرَّ وعَظَّم واستعظم وهذا رأي المبرد. ويجوز أن تكون السينُ على بابها أي: استدعوا رهبةَ الناس منهم، وهو رأي الزجاج.
стр. 3874
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَلْقِ﴾ : يجوزُ أن تكونَ المفسِّرة لمعنى الإِيحاء، ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً، فتكون هي وما بعدها مفعولَ الإِيحاء.
قوله: ﴿تَلْقَفُ﴾ قرأ العامة «تَلَقَّفُ» بتشديدٍ، مِنْ تلقَّفَ يتلقَّفُ، والأصل: «تَتَلَقَّفُ» بتاءين فحذفت إحداهما: إمَّا الأولى وإما الثانية، وقد تقدَّم ذلك في نحو ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠] . والبزِّي على أصلِه في إدغامها فيما بعدها، فيقرأ ﴿فإذا هي تَّلقَّفُ﴾ بتشديد التاء أيضاً، وقد تقدَّم تحقيقُه عند قوله: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وقرأ حفص «تَلْقَف» بتخفيف القاف مِنْ لَقِفَ ك عَلِم يعلم ورَكِب يركب، يقال: لَقِفْتُ الشيء أَلْقَفُه لَقْفاً ولَقَفاناً، وتَلَقَّفْتُه أَتَلَقَّفُه تَلَقُّفاً إذا
стр. 3875
أخذتَه بسرعة فأكلته أو ابتلعته، وفي التفسير: أنها ابتلعَتْ جميعَ ما صنَعُوه، وأنشدوا على لَقِف يلقَف ك عَلِم يَعْلَم قول الشاعر:
٢٢٦٣ - أنت عصا موسى التي لم تَزَلْ ... تَلْقَفُ ما يَصْنَعُه السَّاحر
ويقال: رجلٌ ثَقْفٌ لَقْفٌ وثقيف لقيف بَيِّنُ الثقافة واللَّقافة. ويقال: لَقِفَ ولَقِم بمعنى واحد قاله أبو عبيد. ويقال: لَقِف ولَقِم ولَهِم بمعنى واحد.
والفاء في «فإذا هي» يجوزُ أَنْ تكونَ العاطفةَ، ولا بد من حذف جملةٍ قبلها ليترتَّب ما بعد الفاء عليها، والتقدير: فألقاها فإذا هي، ومَنْ جَوَّز أن تكون الفاءُ زائدةً في نحو «خرجت فإذا الأسدُ حاضر» جَوَّز زيادتَها هنا، وعلى هذا فتكونُ هذه الجملةُ قد أُوْحِيَتْ إلى موسى كالتي قبلها، وأمَّا على الأول أعني كون الفاءِ عاطفةً - فالجملةُ غير موحى بها إليه.
و «ما يأفِكون» يجوزُ في «ما» أن تكونَ بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ أي: الذي يأْفِكونه، ويجوز أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً، والمصدرُ حينئذٍ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، وهذا لا حاجةَ إليه.
стр. 3876
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ : يجوزُ أنْ تكونَ بمعنى الذي، وأن تكونَ مصدريةً أي: وبَطَل الذي/ كانوا يعملونه أو عَمَلُهم، وهذا المصدرُ يجوز أَنْ يكونَ على بابه وأن يكونَ واقِعاً موقعَ المفعولِ به بخلاف «ما يَأفِكون» فإنه يَتَعَيَّن أن يكونَ واقِعاً موقعَ المفعول به
стр. 3877
ليصِحَّ المعنى إذ اللَّقْفُ يستدعي عَيْناً يَصِحُّ تسلُّطُه عليها. وقال الفراء في هذه الآيات: «كيف صَحَّ أن يأمرَهم موسى بقوله: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] مع أن إلقاءَهم سحر وكفر؟ وأجاب بأن المعنى: أَلْقوا إن كنتم مُحِقِّين، وأَلْقوا على ما يَصِحُّ ويجوز» . انتهى. والظاهر إنما أَمَرَهم بذلك تعجيزاً لهم وقطعاً لشَغَبهم واستطالتهم، ولئلا يقولوا: لو تُرِكنا نفعل لَفَعَلْنا، ولأنَّ الأمرَ لا يستلزم الإِرادة.
стр. 3878
قوله تعالى: ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ﴾ : «هنالك يجوز أن يكونَ مكاناً، أي: غُلبوا في المكان الذي وَقَع فيه سحرهم، وهذا هو الظاهر. قيل: ويجوز أن يكونَ زماناً، وهذا ليس أصلَه، وقد أثبت له بعضهم هذا المعنى بقولِه تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: ١١] وبقول الآخر:
٢٢٦٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فهناك يَعْترفون أين المَفْزَعُ
ولا حُجَّةَ فيهما؛ لأن المكان فيهما واضح.
قوله: ﴿صَاغِرِينَ﴾ حالٌ من فاعل» انْقَلبوا «، والضمير في» انقلبوا «يجوز أن يعودَ على قومِ فرعون، وعلى السَّحَرة إذا جعلنا الانقلابَ قبل إيمان السحرة، أو جعلنا انقلبوا بمعنى صاروا، كما فسَّره الزمخشري، أي:» صاروا أَذِلاَّء مَبْهوتين متحيِّرين «ويجوز أَنْ يعودَ عليهم دون السَّحَرة إذا كان ذلك بعد إيمانهم، ولم يُجعل» انقلبوا «بمعنى صاروا، لأنَّ الله لا يَصِفُهم بالصَّغار بعد إيمانهم.
стр. 3879
قوله تعالى: ﴿سَاجِدِينَ﴾ : حالٌ أيضاً من «السحرة» . وكذلك:
﴿قالوا﴾
стр. 3880
قوله تعالى: ﴿قالوا﴾ : أي: أُلْقُوا ساجدين قائلين ذلك. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر في «ساجدين» . وعلى كلا القولين هم متلبِّسُون بالسجود لله تعالى. ويجوز أن يكونَ مستأنفاً لا محلَّ له. وجعله أبو البقاء حالاً من فاعل «انقلبوا» فإنه قال: «يجوز أن يكون حالاً، أي: فانقلبوا صاغرين قد قالوا» . وهذا ليس بجيد للفصل بقوله: ﴿وَأُلْقِيَ السحرة﴾ .
стр. 3881
قوله تعالى: ﴿رَبِّ موسى﴾ : يجوز أن يكون نعتاً لرب العالمين، وأن يكونَ بدلاً، وأن يكونَ عطفَ بيان. وفائدةُ ذلك نَفْيُ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أنَّ ربَّ العالمين قد يُطلق على غير الله تعالى، لقول فرعون ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] . وقدَّموا موسى في الذِّكْر على هرون وإن كان هرون أسنَّ منه لكبره في الرتبة، أو لأنه وقع فاصلةً هنا، ولذلك قال في سورة طه ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] لوقوع موسى فاصلةً، أو تكون كلُّ طائفةٍ منهم قالت إحدى المقالتين فَنَسَبَ فِعْلَ بعضٍ إلى المجموع في سورةٍ وفِعْلَ بعضٍ آخرَ إلى المجموع في أخرى.
стр. 3882
قوله تعالى: ﴿آمَنتُمْ﴾ : اختلفَ القراء في هذا الحرف هنا وفي طه وفي الشعراء. فبعضهم جَرَى على قولٍ واحد، وبعضهم
стр. 3883
قَرَأَ في موضع بشيءٍ لم يَقْرأ به في غيره. فأقول: إن القرَّاء في ذلك على أربع مراتب:
الأولى: قراءةُ الأخوين وأبي بكر عن عاصم وهي: بتحقيق الهمزتين في السور الثلاثِ من غيرِ إدخالِ ألفٍ بينهما وهو استفهامُ إنكار، وأمَّا الألفُ الثالثةُ فالكلُّ يَقْرؤونها كذلك؛ لأنها هي فاء الكلمة أُبْدِلَتْ لسكونها بعد همزة مفتوحة، وذلك أن أصل هذه الكلمة أَأَأْمَنْتم بثلاث همزات، الأولى للاستفهام والثانية همزة أفعل والثالثة فاء الكلمة، فالثالثة يجب قَلْبُها ألفاً لِما عرفته أول هذا الموضوع، وأمَّا الأولى فمُحَقَّقة ليس إلا، وأمَّا الثانية فهي التي فيها الخلاف بالنسبة إلى التحقيق والتسهيل.
الثانية: قراءة حفص وهي «آمنتم» بهمزة واحدة بعدها الألف المشارُ إليها في جميع القرآن. وهذه القراءةُ تحتمل الخبرَ المَحْضَ المتضمنَ للتوبيخ، وتحتمل الاستفهامَ المشارَ إليه، ولكنه حُذِف لفهم المعنى ولقراءة الباقين.
الثالثة: قراءةُ نافع وأبي عمرو وابن عامر والبزي عن ابن كثير، وهي تحقيقُ الأولى، وتسهيلُ الثانية بين بين، والألف المذكورة. وهو استفهامُ إنكارٍ كما تقدَّم.
الرابعة: قراءةُ قنبل عن ابن كثير وهي التفرقةُ بين السور الثلاث: وذلك أنه قرأ في هذه/ السورة حالَ الابتداء بآمنتم بهمزتين، أولاهما مخفَّفة، والثانية مُسَهَّلة بين بين وألف بعدها كقراءة رفيقه البزي، وحالَ الوصل يقرأ: «قال فرعون وامنتم» بإبدال الأولى واواً وتسهيل الثانية بين بين وألف بعدها: وذلك أن الهمزة إذا كانت مفتوحةَ بعد ضمة جاز إبدالُها واواً سواء كانت
стр. 3884
الضمةُ والهمزةُ في كلمةٍ واحدة نحو: جُوَن ويُؤاخذكم ومُوَجَّلاً أم في كلمتين كهذه الآية، وقد فعل مثل ذلك أيضاً في سورة الملك في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ النشور وأَمِنتُمْ﴾ [الملك: ١٥-١٦] فأبدل الهمزةَ الأولى واواً لانضمام ما قبلها حال الوصل، وأما في الابتداء فيخففها لزوالِ الموجب لقلبها، إلا أنه ليس في سورة الملك ثلاثُ همزات. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذلك في موضعه.
وقرأ في سورة طه كقراءة حفص: أعني بهمزةٍ واحدةٍ بعدها ألفٌ، وفي سورة الشعراء كقراءة رفيقِه البزي فإنه ليس قبلها ضمةٌ فيبدلها واواً في حال الوصل. وقد قرأتُ لقنبل أيضاً بثلاثة أوجه في هذه السورةِ وصلاً: وهي تسكينُ الهمزةِ بعد الواو المبدلةِ أو تحريكها أو إبدالُها ألفاً، وحينئذ ينطق بقَدْر ألفَيْن ولم يُدخل أحدٌ من القراء مدّاً بين الهمزتين هنا سواءً في ذلك مَنْ حقق أو سَهَّل؛ لئلا تجتمع أربعةُ متشابهات.
والضمير في «به» عائدٌ على الله تعالى لقوله: ﴿قالوا آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾ ويجوزُ أن يعودَ على موسى وأمَّا الذي في سورة طه والشعراء في قوله: ﴿آمنتم له﴾ فالضمير لموسى لقوله: ﴿إنَّه لكبيرُكم﴾ .
قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حُذِفَ مفعولُ العلم للعلم به، أي: تعلمون ما يحلُّ بكم، ثم فَسَّر هذا الإِبهامَ بقوله:
﴿لأُقَطِّعَنَّ﴾
стр. 3885
﴿لأُقَطِّعَنَّ﴾ جاء به في جملةٍ قَسَمية تأكيداً لما يفعله. وقرأ مجاهد بن جبر وحميد المكي وابن محيصن: «لأقْطَعَنَّ» مخففاً مِنْ قَطَعَ الثلاثي، وكذا: «ولأَصْلُبَنَّكُمْ» من صلب الثلاثي، ورُوي ضمُّ اللام وكسرُها، وهما لغتان في المضارع يقال: صَلَبه يَصْلُبه ويَصْلِبه.
стр. 3886
قوله: ﴿مِّنْ خِلاَفٍ﴾ يحتمل أن يكونَ المعنى: على أنه يقطع من كل شق طرفاً فيقطع اليدَ اليمنى والرِّجْل اليسرى وكذا هو في التفسير، فيكونُ الجارُّ والمجرور في محلِّ نصبٍ على الحال كأنه قال: مختلفةً. ويُحتمل أن يكونَ المعنى: لأقطِّعَنَّ لأجل مخالفتكم إيَّاي فتكون «مِنْ» تعليليةً، وتتعلَّق على هذا بنفس الفعلِ وهو بعيدٌ. وأجمعين تأكيد، أي به دون «كل» وإن كان الأكثرُ سَبْقَه ب كل. وجيء هنا ب «ثم» وفي السورتين «ولأصلبنَّكم» بالواو، لأن الواوَ صالحةٌ للمهلة فلا تَنافِيَ بين الآيات.
стр. 3887
وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ : جَوَّزوا في هذا الضميرِ وجهين، أحدهما: أنه يَخُصُّ السَّحَرة، ويؤيِّده قولُه بعد ذلك: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ﴾ فإن الضميرَ في «مِنَّا» يَخُصُّهم، وجَوَّزوا أن يعودَ عليهم وعلى فرعون، أي: إنَّا نحن وأنت ننقلب إلى الله، فيجازي كلاً بعمله، وهذا وإن كان هو الواقعَ إلا أنه ليس من هذا اللفظ.
стр. 3888
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنقِمُ﴾ : قد تقدَّم أنَّ فيه لغتين وكيفيةُ تعدِّيه ب «من» ، وأنه على التضمين، في سورة المائدة. وقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ آمَنَّا﴾ يجوز أن يكونَ في محلِّ نصب مفعولاً به، أي: ما تَعيب علينا إلا إيمانَنا. ويجوز أن يكونَ مفعولاً مِنْ أجله، أي: ما تنال منَّا وتعذِّبنا لشيءٍ من الأشياء إلا لإِيماننا. وعلى كلا القولَيْن فهو استثناءٌ مفرغ.
قوله: ﴿لَمَّا جَآءَتْنَا﴾ يجوز أن تكونَ ظرفيةً كما هو رأي الفارسي وأحد قولي سيبويه. والعاملُ فيها على هذا «آمنَّا» أي: آمنَّا حين مجيء الآيات،
стр. 3889
وأن تكونَ حرفٍ وجوب لوجوب، وعلى هذا فلا بد لها من جوابٍ وهو محذوفٌ تقديرُه: لمَّا جاءَتْنا آمنَّا بها من غير توقُّفٍ.
стр. 3890
قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُكَ﴾ : قرأ العامَّةُ: «ويَذَرَك» بياء الغيبة ونصبِ الراء. وفي النصبِ وجهان: أظهرهما: أنه على العطف على «ليُفْسدوا» . والثاني: أنه منصوبٌ على جواب الاستفهام، كما يُنصب في جوابه بعد الفاء كقول الحطيئة:
٢٢٦٥ - ألم أكُ جارَكُم ويكونَ بيني ... وبينكمُ المودةُ والإِخاءُ
والمعنى: كيف يكون الجمعُ بين تَرْكِكَ موسى وقومه مفسدين وبين تركِهم إيَّاك وعبادةِ آلهتك، أي لا يمكنُ وقوعُ ذلك.
وقرأ الحسن في روايةٍ عنه ونعيم بن ميسرة «ويذرُك» برفع الراء. وفيها ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه نسقٌ على «أتذر» أي: أتطلق له ذلك. الثاني: أنه استئنافُ إخبار بذلك. الثالث: أنه حالٌ. ولا بدَّ من/ إضمارِ مبتدأ، أي: وهو يَذَرُك.
وقرأ الحسن أيضاً والأشهب العقيلي: «ويذرْك» بالجزم وفيها وجهان، أحدهما: أنه جزم ذلك عطفاً على التوهم، كأنه توهَّم جَزْمَ «يُفْسدوا» في جواب الاستفهام فعطف عليه بالجزم كقوله: ﴿فأصَّدَّق وأكنْ﴾ [المنافقين: ١٠] بجزم «وأكن» . الثاني: أنها تخفيفٌ كقراءةِ أبي عمرو «يَنْصُرْكم» وبابه.
следующие страницы →