Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
قوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي﴾ : راعَى لفظ مَنْ فأفرد، وراعى معناها في قوله «أولئك هم الخاسرون» فجمع. وياء «المهتدي» ثابتةٌ عند جميع القراء لثبوتها في الرسم، وسيأتي لك خلافٌ في التي في الإِسراء وبحثها. وقال الواحدي: «فهو المهتدي: يجوز إثباتُ الياءِ على الأصل، ويجوزُ حَذْفُها استخفافاً كما قيل في بيت الكتاب:
٢٣٤٢ - فَطِرْتُ بمُنْصُلي في يَعْمَلات ... دوامي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريحا
ومنه:
٢٣٤٣ - كنَواحِ ريشِ حَمامةٍ نَجْديةِ ... ومَسَحْتَ باللِّثتين عَصْفَ الإِثْمِدِ
قال ابن جني:» شَبَّه المضاف إليه بالتنوين فحذف له الياء «.
стр. 4027
قوله تعالى: ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ : يجوز في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها لامُ الصيرورة والعاقبة، وإنما احتاج هذا القائلُ إلى كونها لامَ العاقبة لقوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فهذه علةٌ معتبرةٌ محصورة، فكيف تكون هذه العلةُ أيضاً؟ وأوردوا من ذلك قول الشاعر:
стр. 4028
٢٣٤٤ - لِدُوا للموت وابْنُوا للخراب ... . . . . . . . . . . . . . .
وقول الآخر:
٢٣٤٥ - ألا كلُّ مولودٍ فللموتِ يُوْلَدُ ... ولستُ أرى حَيّاً لحيٍّ يُخَلَّدُ
وقول الآخر:
٢٣٤٦ - فللموتِ تَغْذُو الوالداتُ سِخالَها ... كما لخرابِ الدور تُبْنَى المساكنُ
والثاني: أنها للعلةِ وذلك أنهم لمَّا كان مآلُهم إليها جعل ذلك سبباً على طريق المجاز.
وقد ردَّ ابن عطية على مَنْ جعلها لامَ العاقبة فقال: «وليس هذا بصحيح، ولامُ العاقبة إنما تُتَصَوَّر إذا كان فعل الفاعل لم يُقْصد مصيرُ الأمر إليه، وأما هنا فالفعل قُصِد به ما يصير الأمر [إليه] مِنْ سُكْناهم لجهنم» ، واللام على هذا متعلقة ب «ذَرَأْنا» . ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال من «كثيراً» لأنه في الأصل صفة لها لو تأخر. ولا حاجة إلى ادعاء قلب وأن الأصل: ذَرَأْنا جهنم لكثير لأنه ضرورةٌ أو قليلٌ.
و ﴿مِّنَ الجن﴾ صفة ل «كثيراً» . «لهم قلوب» جملة في محل نصب: إمَّا صفة لكثير أيضاً، وإمَّا حالاً من «كثيراً» وإن كان نكرة لتخصُّصِه بالوصف، أو من الضمير المستكن في «من الجن» لأنه يَحْمل/ ضميراً لوقوعِه صفةً. ويجوز أن يكون «لهم» على حِدَته هو الوصف أو الحال، و «قلوب» فاعل به فيكون من باب الوصفِ بالمفرد وهو أولى. وقوله: ﴿لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ وكذلك
стр. 4029
الجملةُ المنفيَّةُ في محلِّ النعت لما قبلها، وهذا الوصفُ يكاد يكونُ لازماً لو ورد في غير القرآن لأنه لا فائدةَ بدونه لو قلت: «لزيد قَلْبٌ وله عينٌ» وسَكَتَّ لم يظهر لذلك كبيرُ فائدةٍ.
стр. 4030
قوله تعالى: ﴿الحسنى﴾ : فيها قولان، أظهرهما: أنها تأنيث «أحسن» ، والجمع المكسَّرُ لغير العاقل يجوز أن يُوْصَفَ بما يوصف به المؤنث نحو: مآرب أخرى، ولو طُوبق به لكان التركيب الحَسَن كقوله: ﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . والثاني: أن الحسنى مصدر على فُعْلَى كالرُّجْعَى والبُقْيَا قال:
٢٣٤٧ - ولا يَجْزون مِنْ حُسْنى بسوءٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الأسماء» هنا: الألفاظُ الدالَّةُ على الباري تعالى كالله والرحمن. وقال ابن عطية: «المرادُ بها التسمياتُ إجماعاً من المتأولين لا يمكن غيره، وفيه نظرٌ لأنَّ التسمية مصدرٌ، والمصدر لا يُدْعى به على كلا القولين في تفسير الدعاء، وذلك أن معنى» فادعوه «نادوه بها، كقولهم: يا الله يا رحمان يا ذا الجلال والإِكرام اغفرْ لنا. وقيل: سمُّوه بها كقولك:» سَمَّيْت ابني بزيد «.
قوله: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ قرأ حمزة هنا وفي النحل وحم السجدة: يَلْحدون بفتح الياء والحاء مِنْ لحد ثلاثياً. والباقون بضم الياء وكسرِ الحاء مِنْ أَلْحد. فقيل: هما بمعنى واحد، وهو المَيْل والانحراف. ومنه لَحْد القبر لأنه يُمال، بحفره إلى جانبه، بخلاف الضريح فإنه يُحْفر في وسطه، ومن كلامهم»
стр. 4031
ما فعل الواجد؟ قالوا لَحَدَه اللاحد «. وإلى كونهما بمعنى واحد ذهب ابن السِّكِّيت وقال:» هما العدول عن الحق «. وأَلْحد أكثر استعمالاً مِنْ لَحَدَ قال:
٢٣٤٨ - ليس الإِمام بالشحيح المُلْحِدِ ... وقال غيره:» لَحَدَ بمعنى رَكَنَ وانضوى، وألحد: مال وانحرف «قاله الكسائي. ونُقل عنه أيضاً: أَلْحَدَ: أعرض، ولحد: مال. قالوا: ولهذا وافق حمزة في النحل إذ معناه: يميلون إليه.
وروى أبو عبيدة عن الأصمعي:» ألحد: مارى وجادل، ولحد: حاد ومال. ورُجِّحت قراءةُ العامة بالإِجماع على قوله «بإلحاد» . وقال الواحدي: «ولا يكاد يُسْمع من العرب لاحد» . قلت: فامتناعُهم من مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلَّته وقد قَدَّمْتُ من كلامهم «لحده اللاحِد» . ومعنى الإِلحاد فيها أن اشتقوا منها أسماءً لآلهتهم فيقولون: اللات من لفظ الله، والعزَّى من لفظ العزيز، ومناة مِنْ لفظ المَنَّان، ويجوز أن يُراد سَمَّوه بما لا يليق بجلاله.
стр. 4032
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ﴾ : «مَنْ» يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة، و «يَهْدون» صفة ل «أمة» . وقال بعضهم: «في
стр. 4033
الكلام حَذْفٌ تقديره: ومِمَّن خلقنا للجنة، يدل على ذلك ما ثبت لمُقابِلهِمْ، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [العراف: ١٧٩] .
стр. 4034
قوله تعالى: ﴿والذين كَذَّبُواْ﴾ : يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ وخبره الجملة الاستقبالية بعده. والوجه الثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعلٍ مقدَّرٍ تقديرُه: سنستدرج الذين كذَّبوا والاستدراج: التقريبُ منزلةً منزلةً والأخذ قليلاً قليلاً، من الدَّرَج لأن الصاعد يرقى درجةً درجة وكذلك النازل. وقيل: هو مأخوذ من الدَّرْج وهو الطيّ ومنه: «دَرَجَ الثوبَ» : طواه، و «دَرَجَ الميتَ» مثله. والمعنى: تُطوى آجالهم.
وقرأ النخعي وابن وثاب: «سَيَسْتَدْرِجُهم» بالياء، فيحتمل أن يكون الفاعلُ الباريَ تعالى، وهو التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة، وأن يكون الفاعلُ ضميرَ التكذيب المفهوم مِنْ قوله «كذَّبوا» . وقال الأعشى في الاستدراج:
٢٣٤٩ - فلو كنتَ في جُبٍّ ثمانين قامةً ... ورُقِّيْتَ أسبابَ السماءِ بسُلَّمِ
لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّهُ ... وتَعْلَمَ أنِّي عنكمُ غيرُ مُلْجَمِ
ويقال: «دَرَجَ الصبيُّ» : إذا قارب بين خطاه، ودرج القوم: مات بعضهم إثرَ بعض.
стр. 4035
قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي﴾ : جَوَّز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: وأنا أُملي، وأن يكون َمستأنفاً، وأن يكونَ معطوفاً على «
стр. 4036
سنستدرج» . وفيه نظر إذ كان من الفصاحة لو كان كذا [لكان] «ونُمْلي» بنون العظمة. ويجوز أن يكون هذا قريباً من الالتفات. والإِملاء: الإِمهالُ والتطويل. والمتين: القوي. ومنه المَتْنُ وهو الوسط لأنه أقوى ما في الحيوان. وقد مَتُنَ يَمْتُنُ مَتانةً، أي: قَوِيَ. وقرأ العامَّة: «إنَّ كيدي» بالكسر على الاستئناف المُشْعر بالغلبة. وقرأ ابن عامر في روايةِ عبد الحميد «أنَّ كيدي» بفتحِ الهمزة على العلة.
стр. 4037
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ : يجوز في «ما» أوجه، أحدُها: أن تكونَ استفهاميةً في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر «بصاحبهم» أي: أيُّ شيء استقر بصاحبهم من الجنون؟ فالجِنَّة مصدرٌ يُراد بها الهيئة كالرِّكبة والجِّلسة. وقيل: المراد بالجِنَّة الجنُّ كقوله: ﴿مِنَ الجنة والناس﴾ ولا بد حينئذ مِنْ حذف مضاف أي: مَسِّ جنة أو تخبيط جنة.
والثاني: أن «ما» نافية، أي: ليس بصاحبهم جنون ولا مسُّ جِنّ. وفي هاتين الجملتين: أعني الاستفهاميةَ أو المنفية فيهما وجهان، أظهرهما: أنها في محل نصب بعد إسقاطِ الخافض لأنهما عَلَّقا التفكُّر لأنه من أفعال القلوب. والثاني: أن الكلامَ تمَّ عند قوله: «أو لم يتفكروا» ثم ابتدأ كلاماً آخر: إمَّا استفهامَ إنكار وإمَّا نفياً. وقال الحوفي: «إنَّ» ما بصاحبهم «معلقةٌ لفعلٍ محذوف دلَّ عليه الكلامُ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم» . قال: «وتفكَّر» لا يُعَلَّقُ لأنه لم يدخل على جملة «. وهذا ضعيفٌ، لأنهم نَصُّوا
стр. 4038
على أن فعلَ القلب المتعدِّي بحرفِ جر أو إلى واحد إذا عُلِّق هل يبقى على حاله أو يُضَمَّن ما يتعدَّى لاثنين؟
الثالث: أن تكون» ما «موصولة بمعنى الذي تقديره: أو لم يتفكروا في الذي بصاحبهم، وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم. وعلى قولنا إنها نافية يكون» من جنة «مبتدأ و» مِنْ «مزيدةٌ فيه و» بصاحبهم «خبره أي: ما جِنَّةٌ بصاحبهم.
стр. 4039
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عسى﴾ : «أنْ» فيها وجهان أحدهما: وهو الصحيح أنها المخففةُ من الثقيلة، واسمُها ضمير الأمر والشأن. و «عسى» وما في حيِّزها في محل الرفع خبراً لها، ولم يُفْصل هنا بين أنْ والخبر وإن كان فعلاً؛ لأن الفعل الجامد الذي لا يتصرَّف يشبه الأسماء، ومثله ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَآ﴾ [النور: ٩] في قراءة نافع لأنه دعاء. وقد وقع خبرُ «أَنْ» جملةً طلبية في هاتين الآيتين الأخيرتين فإنَّ «عسى» للإِنشاء، و «غضب الله» دعاء.
والثاني: أنها المصدرية، قاله أبو البقاء يعني التي تنصب المضارع الثنائية الوضع، وهذا ليس بجيد؛ لأن النحاةَ نَصُّوا على أنَّ «أَنْ» المصدرية لا تُوصل إلا بالفعل المتصرِف مطلقاً أي ماضٍ ومضارع وأمر و «عسى» لا يتصرف فكيف يقع صلة لها؟ و «أنْ» على كلا الوجهين في محل جرٍّ نَسَقاً على «ملكوت» ، أي: وألم ينظروا في أن الأمر والشأن عسى أن يكون. و «أن يكون» فاعل عسى، وهي حينئذٍ تامَّةٌ لأنها متى رفعت أَنْ وما في حيزها كانت تامةً، ومثلها في ذلك أوشك واخلولق. وفي اسم «
стр. 4040
يكون» قولان، أحدُهما: هو ضمير الشأن، ويكون «قد اقترب أجلهم» خبراً لها. والثاني: أنه «أجلُهم» و «قد اقترب» جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ هو ضمير «أجلهم» ولكن قَدَّم الخبر وهو جملة فعلية على اسمها، وقد تقدَّم ذلك والخلاف فيه: وهو أن ابن مالك يجيزه، وابن عصفور يمنعه، عند قوله: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
قوله: ﴿فَبِأَيِّ﴾ متعلِّقٌ ب «يُؤْمنون» وهي جملةٌ استفهامية سِيقَتْ للتعجب، أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فكيف يُؤْمنون بغيره؟ والهاء في «بعده» تحتمل العَوْدَ على القرآن وأن تعودَ على الرسول، ويكون الكلامُ على حَذْف مضافٍ، أي: بعد خبره وقصته، وأن تعود على «أجلهم» ، أي: إنهم إذا ماتوا وانقضى أجلُهم فكيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم؟ قال الزمخشري: «فإن قلت: بم تُعَلِّق قوله:» فبأي حديث بعده يؤمنون «؟ قلت: بقوله» عسى أن يكونَ قد اقترب أجلهم «. كأنه قيل: لعل أجلَهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون [إلى] الإِيمان بالقرآن قبل الموت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق، وبأي حديثٍ أحقَّ منه يريدون أن يؤمنوا» ؟ يعني التعلُّق المعنويَّ المرتبطَ بما قبله لا الصناعي وهو واضح.
قوله: «ويَذَرهم» قرأ الأخَوان بالياء وجزم الفعل، وعاصم وأبو عمرو بالياء أيضاً ورفع الفعل، ونافع وابن كثير وابن عامر بالنون ورفع الفعل أيضاً.
وقد رُوي الجزمُ أيضاً عن نافع وأبي عمرو في الشواذ. فالرفعُ من وجهٍ واحدٍ
стр. 4041
وهو الاستئناف أي: وهو يَذَرُهم، أو: ونحن نذرهم على حسب القراءتين. / وأمَّا السُّكون فيحتمل وجهين أحدهما: أنه جزم نسَقاً على محلِّ قوله «فلا هادي له» لأن الجملَة المنفيَّة جوابٌ للشرط فهي في محلِّ جزمٍ فَعَطَف على مَحَلِّها وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ [البقرة: ٢٧١] بجزم «يكفر» ، وكقول الشاعر:
٢٣٥٠ - أنَّى سلكتَ فإنني لك كاشحٌ ... وعلى انتقاصِك في الحياة وأزْدَدِ
وأنشد الواحدي أيضاً قول الآخر:
٢٣٥١ - فَأَبْلوني بَلِيَّتَكمْ لعلِّي ... أُصالِحُكم وأسْتدرِجْ نَوَيَّا
قال: «حمل» أستدرج «على موضع الفاء المحذوفة من قوله» فلعلي أصالحكم «. والثاني: أنه سكونُ تخفيف كقراءة أبي عمرو: ﴿يَنصُرْكُمُ﴾ [آل عمران: ١٦٠] و ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ونحوه. وأما الغيبة فَجَرْياً على اسم الله تعالى، والتكلم على الالتفات من الغيبة إلى التكلم تعظيماً.
стр. 4042
قوله تعالى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ : فيه وجهان أحدهما: أن «أيان» خبر مقدم، و «مُرْساها» مبتدأ مؤخر. والثاني: أن «أيان» منصوب
стр. 4043
على الظرف بفعل مضمر، ذلك الفعل رافع ل «مرساها» بالفاعلية، وهو مذهب أبي العباس. وهذه الجملةُ في محل نصب لأنها بدل من «الساعة» بدلُ اشتمال، وحينئذ كان ينبغي ألاَّ تكون في محل جر لأنها بدل من مجرور. وقد صرَّح بذلك أبو البقاء فقال: «والجملةُ في موضع جر بدلاً من» الساعة «تقديره: يسألونك عن زمان حلول الساعة» ، إلا أنه مَنَع مِنْ كونها مجرورةَ المحل أن البدل في نيَّة تكرار العامل، والعامل هو «يَسْألونك» والسؤال يعلق بالاستفهام وهو متعدٍّ، يعني فتكون الجملة الاستفهاميةُ في محلِّ نصب بعد إسقاط الخافض كأنه قيل: يسألونك أيان مُرْسى الساعة، فهو في الحقيقة بدلٌ من موضع «عن الساعة» لأن موضع المجرور نصب، ونظيره في البدل على أحسن الوجوه فيه: عَرَفْتُ زيداً أبو مَنْ هو.
و «أيان» ظرف زمان مبني لتضمُّنه معنى الاستفهام ولا يتصرف، ويليه المبتدأ والفعل المضارع دون الماضي، بخلاف «متى» فإنها يليها النوعان. وأكثرُ ما تكون «أيَّان» استفهاماً كقول الشاعر:
٢٣٥٢ - أيَّان تَقْضي حاجتي أيَّانا ... أما تَرى لفِعْلها إبَّانا
وقد تأتي شرطيةً جازمة لفعلين. قال الشاعر:
٢٣٥٣ - أيَّان نُؤْمِنْكَ تُؤْمَنْ غيرَنا وإذا ... لم تُدْرِكِ الأمنَ منَّا لم تزلْ حَذِرا
وقال آخر:
٢٣٥٤ - إذا النَّعْجَةُ العَجْفاءُ باتت بقَفْرةٍ ... فأيَّان ما تَعْدِلْ بها الريحُ تَنْزِلِ
стр. 4044
والفصيحُ فتحُ همزتها وهي قراءةُ العامة. وقرأ السُّلمي بكسرها وهي لغة سُلَيْم. واختلف النحويون في «أيَّان» : هل هي بسيطةٌ أم مركبة؟ فذهب بعضُهم إلى أن أصلَها: أيّ أوانٍ فحُذِفَت الهمزةُ على غيرِ قياس ولم يُعَوَّضْ منها شيء، وقُلبت الواوُ ياء على غير قياس، فاجتمع ثلاثُ ياءات فاسْتُثْقِل ذلك فَحُذِفت إحداهن، وبُنيت الكلمةُ على الفتح فصارت أيان. واختلفوا فيها أيضاً: هل هي مشتقةٌ أم لا؟ فذهب أبو الفتح إلى أنها مشتقة مِنْ أَوَيْتُ إليه، لأن البعض آوٍ إلى الكل، والمعنى: أيّ وقت وأي فعلٍ، ووزنه فَعْلان أو فِعْلان بحسب اللغتين، ومنع أن يكون وزنه فَعَّالاً مشتقةً مِنْ «أين» ، لأنَّ أين ظرف مكان وأيان ظرف زمان.
ومُرْساها يجوز أن يكون اسمَ مصدر وأن يكون اسم زمان، قال الزمخشري: «مُرْساها» إرساؤُها أو وقت إرسائها، أي: إثباتها وإقرارها «. قال الشيخ» وتقديره: وقت إرسائها ليس بجيدٍ، لأن «أيَّان» استفهام عن الزمان فلا يَصِحُّ أن يكونَ خبراً عن الوقت إلا بمجاز لأنه يكون التقدير: في أي وقتٍ وقتُ إرسائها «وهو كلام حسن، ويقال: رسا يرسو: ثَبَتَ، ولا يقال إلا في الشيء الثقيل نحو: رَسَت السفينةُ تَرْسُو، وأَرْسَيْتها.
قوله: ﴿عِلْمُهَا﴾ مصدرٌ مضاف للمفعول والظرف خبره. وقوله: «في السماوات» يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكون «في» بمعنى على، أي: على أهل السماوات أو هي ثقيلة على نفس السماوات والأرض لانشقاق هذه وزلزال ذي. والثاني: أنها على بابها من الظرفية، والمعنى: حَصَل ثِقَلُها وهو شِدَّتها أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين.
стр. 4045
قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ هذه الجملة التشبيهية في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ مفعولِ «يسألونك» . وفي «عنها» وجهان، أحدهما: أنها متعلقةٌ بيسألونك وكأنك حَفِيٌّ معترض، وصلتها محذوفة تقديره: حَفِيٌّ بها.
وقال أبو البقاء: «في الكلام تقديمٌ وتأخير، ولا حاجةَ إلى ذلك لأن هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل فإنَّ قولَه: /» كأنك حفيٌّ «حال كما تقدم. والثاني أنَّ» عن «بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى عن كقوله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] لأن حَفِي لا يتعدَّى ب» عن «بل بالباءِ كقوله: ﴿كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم: ٤٧] ويُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى ب» عن «، أي: كأنك كاشف بحفاوتك عنها.
والحَفِيُّ: المستقصي عن الشيء، المهتبل به، المعتني بأمره قال:
٢٣٥٥ - سؤال حفيٍّ عن أخيه كأنه ... بذُكْرَتِهِ وَسْنانُ أو مُتَواسِنُ
وقال آخر:
٢٣٥٦ - فلمَّا التقينا بَيَّن السيفُ بيننا ... لسائلةٍ عنا حَفِيٍّ سؤالُها
стр. 4046
وقال الأعشى:
٢٣٥٧ - فإنْ تَسْأَلي عني فيا رُبُّ سائلٍ ... حَفِيٍّ عن الأعشى به حيث أَصْعَدا
والإِحْفاءُ: الاستقصاء ومنه» إحفاء الشوارب «والحافي، لأنه حَفِيَتْ قدمُه في استقصاء السَّير. والحفاوة: البرُّ واللطف.
وقرأ عبد الله» حَفِيٌّ بها «وهي تَدُلُّ لمن ادَّعى أن» عَنْ «بمعنى الباء. وحَفِيٌّ فعيل بمعنى مفعول أي: محفوٌّ. وقيل: بمعنى فاعل أي: كأنك مبالِغٌ في السؤال عنها ومتطلع إلى عِلْمِ مجيئها.
стр. 4047
قوله تعالى: ﴿لِنَفْسِي﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بأملك. والثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوف على أنها حال من «نفعاً» لأنه في الأصل صفةٌ له لو تأخر. ويجوز أن يكون «لنفسي» معمولاً ب «نفعاً» ، واللامُ زائدةٌ في المفعول به تقويةً للعامل لأنه فرع، إذ التقدير: لا أملك أن أنفع نفسي ولا أن أضرَّها. وهو وجهٌ حسن.
قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ في هذا الاستثناء وجهان، أظهرهما: أنه متصل، أي: إلا ما شاء الله تمكيني منه فإني أملكه. والثاني وبه قال ابن عطية، وسبقه إليه مكيّ: أنه منقطعٌ، ولا حاجةَ تدعو إليه أنه منقطع.
قوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السواء﴾ عطف على جواب «لو» وجاء هنا على أحسنِ الاستعمال من حيث أثبت اللام في جواب «لو» المثبت وإن كان يجوزُ
стр. 4048
غيرُه، وقد تقدَّم، وحَذَف اللامَ من المنفيّ لأنه يمتنع ذلك فيه. وقال الشيخ: «ولم تصحب» ما «النافيةَ أي اللام، وإن كان الفصيحُ أن لا تصحبَها كقوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . وفيه نظرٌ لأنهم نصُّوا على أن جوابَها المنفيَّ لا يجوز دخولُ اللام عليه.
قوله: ﴿لِّقَوْمٍ﴾ هذه من باب التنازع فيُختار عند البصريين تعلُّقُه ب» بشير «لأنه الثاني، وعند الكوفيين بالأول لسبقه، ويجوز أن يكونَ المتعلَّق بالنذارة محذوفاً، أي: نذير للكافرين، ودَلَّ عليه ذِكْرُ مقابله، وهو قريب من حذف المعطوف كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] .
стр. 4049
قوله تعالى: ﴿حَمْلاً﴾ : المشهور أن الحَمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس [غير] شجرة. وحكى أبو سعيد في حمل المرأة: حِمْل وحَمْل. وحكى يعقوب في حمل النخلة الكسرة. والحمل في الآية يجوز أن يرادَ به المصدرُ فينتصبَ انتصابَه، وأن يُراد به نفسُ الجنين، وهو الظاهر، فينتصبَ انتصابَ المفعول به كقولك: حَمَلْت زيداً.
قوله: ﴿فَمَرَّتْ﴾ الجمهورُ على تشديد الراء ومعناه: استمرت به، أي: قامَتْ وقعدت. وقيل: هو على القلب، أي: فمرَّ بها، أي استمر ودام.
وقرأ ابن عباس وأبو العالية ويحيى بن يعمر وأيوب «فَمَرَتْ» خفيفةَ
стр. 4050
الراء، وفيها تخريجان، أحدهما: أن أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مكرر فتركوه، وهذا كقراءة «وقَرْن» بفتح القاف إذا جَعَلْناه من القرار. والثاني: أنه من المِرْية وهو الشك، أي: فشكَّتْ بسببه أهو حَمْل أم مرض؟
وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري: «فمارَتْ» بألف وتخفيف الراء. وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنها مِنْ مار يمور، أي جاء وذهب، ومارَتِ الريح، أي: جاءت وذهبَتْ وتصرَّفَتْ في كل وجه، ووزنه حينئذ فَعَلَتْ والأصل مَوَرَتْ، ثم قُلبت الواو ألفاً فهو كطافَتْ تطوف. والثاني: أنها من المِرْية أيضاً قاله الزمخشري وعلى هذا فوزنه فاعَلَت والأصل: مارَيَتْ كضارَبَتْ، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فَقُلِبَ ألفاً، ثم حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين فهو كبارَتْ ورامت.
وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضاً والضحاك «فاسْتَمَرَّتْ به» وهي واضحة. وقرأ أُبَيّ «فاستمارَتْ» وفيها الوجهان المتقدمان في «فمارَتْ» ، أي: أنه يجوز/ أن يكون من المِرْية، والأصل «اسْتَمْرَيَتْ» ، وأن يكون من المَوْر والأصل: استَمْوَرَتْ.
قوله: ﴿أَثْقَلَتْ﴾ ، أي: صارت ذا ثِقل كقولهم: أَلْبَنَ الرجل وأَتْمَرَ، أي:
стр. 4051
صار ذا لبنٍ وتمرٍ. وقيل: دخلت في الثقل، كقولهم: أصبح وأمسى، أي: دخلَتْ في الصباح والمساء. وقرئ «أُثْقِلَتْ» مبنياً للمفعول.
قوله: ﴿دَّعَوَا الله﴾ متعلَّقٌ الدعاء محذوفٌ لدلالة الجملة القسمية عليه، أي: دَعَواه في أن يُؤتيَهما ولداً صالحاً.
وقوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا﴾ هذا القسمُ وجوابُه فيه وجهان، أظهرهما: أنه مفسِّرٌ لجملة الدعاء كأنه قيل: فما كان دعاؤهما؟ كان دعاؤهما كيت وكيت، ولذلك قلت: إن هذه الجملةَ دالَّةٌ على متعلق الدعاء. والثاني: أنه معمول لقول مضمر تقديره: فقالا: لئن آتيتنا. و «لنكونَنَّ» جوابُ القسم، وجواب الشرط محذوفٌ على ما تقرَّر. و «صالحاً» فيه قولان أظهرهما: أنه مفعولٌ ثان، أي: ولداً صالحاً. والثاني وبه قال مكي: أنه نعتُ مصدرٍ محذوف، أي: إيتاءً صالحاً. وهذا لا حاجةَ إليه لأنه لا بد مِنْ تقدير الموتى لهما.
стр. 4052
قوله تعالى: ﴿جَعَلاَ لَهُ﴾ : قيل: ثَمَّ مضاف، أي: جعل له أولادُهما شركاءَ، وإلا فحاشا آدم وحواء من ذلك، وإن جُعِل الضمير ليس لآدم وحواء فلا حاجة إلى تقديره. وقيل في الآية أقوال تقتضي أن يكون الضميرُ لآدم وحواء من غيرِ حَذْفِ مضاف بتأويل ذُكر في التفسير.
وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم «شِرْكاً» بكسر الشين وتسكين الراء وتنوين الكاف. والباقون بضمَّ الشين وفتح الراء ومدِّ الكافِ مهموزةً من غير تنوين، جمع شريك، فالشِرْك مصدرٌ ولا بد من حَذْف مضاف، أي: ذوي شِرْك بمعنى إشراك، فهو في الحقيقة اسمُ مصدر. وقيل: المرادُ بالشرك
стр. 4053
النصيبُ، وهو ما جعلاه مِنْ رزقهما له يأكله معهما، وكانا يأكلان ويشربان وحدَهما. فالضمير في «له» يعود على الولد الصالح. وقيل: الضمير في «له» لإِبليس ولم يَجْرِ له ذِكْر. وهذان الوجهان لا معنى لهما. وقال مكي وأبو البقاء وغيرهما: إن التقدير يجوز أن يكون: جَعَلا لغيره شِرْكاً. قلت: هذا الذي قدَّروه هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن: «كان ينبغي لمَنْ قرأ» شِرْكاً «أن يقول: المعنى: جعلا لغيره شِرْكاً [فيما أتاهما] لأنهما لا يُنْكِران أن الأصل لله، فالشرك إنما لجعله لغيره» .
قوله: ﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قيل: هذه جملةٌ استئنافية، والضميرُ في «يشركون» يعود على الكفار، والكلامُ قد تَمَّ قبله. وقيل: يعودُ على آدم وحواء وإبليس، والمرادُ بالإِشراك تسميتهُما لولدٍ ثالث بعبد الحرث، وكان أشار بذلك إبليس، فالإِشراك في التسمية فقط. وقيل: لم يكن آدمُ عَلِم، ويؤيد الوجهَ الأولَ قراءةُ السلمي «عَمَّا تشركون» بتاء الخطاب، وكذلك «أَتُشرِكون» بالخطاب أيضاً وهو التفات.
стр. 4054
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ : يجوز أن تعود على «ما» من حيث المعنى، والمراد بها الأصنام، وعَبَّر عنهم ب «هم» لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدون في العقلاء، أو لأنهم مختلطون بمَنْ عُبِد من العقلاء كالمسيح وعُزَير، أو يعود على الكفار، أي: والكافرون مخلوقون فلو تفكَّروا في ذلك لآمنوا.
стр. 4055
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ﴾ : الظاهرُ أن الخطاب للكفار وضميرَ النصب للأصنام، والمعنى: وإن تدعوا آلهتكم إلى طَلَب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعوكم على مُرادكم. ويجوز أن يكونَ الضميرُ للرسول والمؤمنين والمنصوب للكفار: وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإِيمان. ولا يجوز أن يكونَ «تَدْعوا» مسنداً إلى ضمير الرسول فقط، والمنصوبُ للكفار أيضاً، لأنه كان ينبغي أن تُحْذف الواو لأجل الجازم، ولا يجوز أن يُقال قَدَّر حَذْفَ الحركة وثبت حرف العلة كقوله:
٢٣٥٨ - هَجَوْت زَبَّان ثم جِئْتَ مُعْتذراً ... مِنْ هَجْو زبَّانَ لم تهجو ولم تَدَعِ
ويكون مثلَ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقي وَيِصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] ﴿فَلاَ تنسى﴾ ﴿لا تَخَفْ دَرَكاً ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧] لأنه ضرورةٌ، وأمَّا الآيات فمؤولة وسيأتي ذلك، وقد مضى منه جملة.
قوله: «لا يَتَّبِعكم» قرأ نافع بالتخفيف وكذا في الشعراء «يَتْبَعُهم» ، والباقون بالتشديد، فقيل: هما لغتان، ولهذا جاء في قصة آدم: ﴿فَمَن تَبِعَ﴾ [البقرة: ٣٨] ، في موضع آخر ﴿اتبع﴾ [طه: ١٢٣] . وقيل: تبع: اقتفى أثره، واتَّبعه بالتشديد اقتدَى به. والأول أظهر.
стр. 4056
قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ هذه جملةٌ اسميةٌ عُطِفت على أخرى فعلية لأنها في معنى الفعلية، والتقدير: أم صَمَتُّم. وقال أبو البقاء: «جملةٌ اسمية في موضعِ الفعلية والتقدير: أدعوتموهم أم صَمَتُّم» . وقال ابن عطية: «عَطَفَ الاسمَ على الفعل إذ التقدير: أم صَمَتُّم، ومثله قول الشاعر:
٢٣٥٩ - سواءٌ عليك الفقرُ أم بِتَّ ليلةً ... بأهل القباب مِنْ نميرِ بن عامرِ
قال الشيخ:» وليس من عَطْفِ الفعلِ على الاسم، إنما هو من عَطْفِ الاسمية على الفعلية، وأمَّا البيتُ فليس فيه عطفُ فعلٍ على اسم، بل مِنْ عطفِ الفعليةِ على اسمٍ مقدَّرٍ بالفعلية إذ الأصل: سواء عليك أفتقرْتَ أم بِتَّ، وإنما أَتَى في الآية بالجملة الثانية اسمية لأن الفعلَ يُشعِر بالحدوث ولأنها رأسُ فاصلة «.
والصَّمْتُ: السكون، يقال منه: صمَت يصمُت: بالفتح في الماضي والضم في المضارع. ويقال: صَمِت بالكسر يصمَت بالفتح، والمصدر: الصَّمْت والصُّمات. و» إصْمِت «بكسر الهمزة والميم اسمُ فلاة معروفة، وهو منقولٌ من فعل الأمر من هذه المادة. وقد رَدَّ بعضهم هذا بأنه لو كان منقولاً من الأمر لكان ينبغي أن تكون همزتُه همزةَ وصل، ولكان ينبغي أن تكون ميمُه مضمومةً إن كان مِنْ يَصْمُت، أو مفتوحةً إن كان من يَصْمَت، ولأنه كان ينبغي ألاَّ يؤنث بالتاء وقد قالوا إصْمِتة. والجواب أن فعلَ الأمر يجبُ قَطْعُ همزتِهِ إذا
стр. 4057
سُمِّي به نحو» إشرب «لأنه ليس لنا من الأسماء ما همزته للوصل إلا أسماءٌ عشرة [ونوع الانطلاق من كل مصدر زاد على الخمسة] وهو قليلٌ فالإِلحاق بالكثير أولى، وأما كسر الميم فلأنَّ التغييرَ يُؤْنِسُ بالتغيير، وكذلك الجوابُ عن تأنيثِه بالتاء.
стр. 4058
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين﴾ : العامَّة على تشديد إنَّ فالموصولُ اسمُها وعبادٌ خبرها. وقرأ سعيد بن جبير بتخفيف «إنْ» ونصب «عباد» و «أمثالكم» . وقد خَرَّجها أبو الفتح ابن جني وغيره أنها «إنْ» النافيةُ، وهي عاملةٌ عملَ «ما» الحجازية، وهذا مذهب الكسائي وأكثرُ الكوفيين غيرَ الفراء، وقال به من البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد. والصحيح أن إعمالَها لغةٌ ثابتة نظماً ونثراً وأنشدوا:
٢٣٦٠ - إنْ هو مستولياً على أحد ... إلا على أَضْعف المجانين
ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءة الشهيرة تُثْبت ذلك، ولا يجوز التناقض في كلام الله تعالى. وقد أجابوا عن ذلك بأن هذه القراءة تُفْهم تحقيرَ أمرِ المعبود من دون الله وغباوةَ عابدِه، وذلك أن العابدين أتمُّ حالاً وأقدرُ على الضرِّ والنفع من آلهتهم
стр. 4059
فإنها جمادٌ لا تفعل شيئاً من ذلك فكيف يَعْبُد الكاملُ مَنْ هو دونَه؟ فهي موافقةٌ للقراءة المتواترة بطريق الأَوْلى.
وقد ردَّ أبو جعفر هذه القراءة بثلاثة أوجه، أحدها: مخالفتُها لسواد المصحف. الثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر «إنْ» المخففة فيقول: «إنْ زيد منطلق» لأن عَمَلَ «ما» ضعيف و «إنْ» بمعناها فهي أضعف منها. الثالث: أن الكسائي لا يرى أنها تكون بمعنى «ما» إلا أن يكون بعدها إيجاب. وما ردَّ به النحاس ليس بشيء لأنها مخالَفَةٌ يسيرة. قال الشيخ: «ويجوز أن يكون كتب المنصوب على لغة ربيعة في الوقف على المنون المنصوب بغير ألف فلا تكون فيه مخالِفَةً للسواد» . وأما سيبويه فاختلف الناس في الفهم عنه في ذلك. وأما الكسائي فهذا القيد غير معروف له. وخرَّج الشيخ القراءة على أنها «إنْ» المخففة قال: «وإنْ المخففة تعمل في القراءة المتواترة كقراءة» وإنْ كلاً «، ثم إنها قد ثبت لها نصب الجُزْأَين، وأنشد:
٢٣٦١ -. . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . إنَّ حُرَّاسنا أُسْدا
стр. 4060
قال:» وهي لغة ثابتة «ثم قال:» فإن تأوَّلنا ما ورد من ذلك نحو:
٢٣٦٢ - يا ليت أيامَ الصِّبا رواجعا ... أي: تُرى رواجعا/ فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون الله خلقناهم عباداً أمثالكم «. قلت: فيكون هذا التخريج مبنياً على مذهبين أحدهما: إعمال المخففة وقد نصَّ جماعة من النحويين على أنه أقل من الإِهمال، وعبارة بعضهم» إنه قليل «ولا أرتضيه لوروده في المتواتر. والثاني: أن» إنَّ «وإخواتها تنصب الجزأين وهو مذهب مرجوح. وقد تحصَّل في تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه: كون» إنْ «نافيةً عاملةً، أو المخففة الناصبة للجزأين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى.
وقرأ بعضهم «إنْ» مخففة، «عباداً» نصباً، «أمثالُكم» رفعاً، وتخريجها على أن تكونَ المخففة وقد أُهملت، و «الذين» مبتدأ، و «تدعون» صلتها، والعائد محذوف، و «عبادٌ» حال من ذلك العائد المحذوف، و «أمثالكم» خبره. والتقدير: إن الذين تدعونهم حال كونهم عباداً أمثالكم في كونهم مخلوقين مملوكين فكيف يُعبدون؟ ويَضْعُف أن يكون الموصول اسماً منصوبَ المحل لأن إعمالَ المخففة كما تقدَّم قليلٌ.
وحكى أبو البقاء أيضاً قراءةً رابعةً وهي بتشديد «إنَّ» ، ونصب «عباد» ، ورفع «أمثالكم» ، وتخريجها على ما تقدم قبلها.
стр. 4061
قوله تعالى: ﴿يَبْطِشُونَ﴾ : العامة على كسر الطاء من بطش يبطِش. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع في رواية عنه: «يَبْطُشون» بضمها وهما لغتان. والبطش: الأخذ بقوة.
قوله: ﴿ثم كيدوني﴾ قرأ أبو عمرو: «كيدوني» بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً. وهشام بإثباتها في الحالين. والباقون بحذفها في الحالين، وعن هشام خلافٌ مشهور. وقال الشيخ: «وقرأ أبو عمرو وهشام بخلاف عنه» فكيدوني «بإثبات الياء وصلاً ووقفاً» قلت: أبو عمرو لا يثبتها وقفاً البتة، فإن قاعدَته [في] الياءات الزائدة ما ذكرته لك. وفي القراءة «فكيدوني» ثلاثةُ ألفاظٍ: هذه وقد عُرف حكمُها، وفي هود [الآية: ٥٥] ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ أثبتها القُرَّاء كلهم في الحالين، وفي المرسلات [الآية: ٣٩] : ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ حَذَفَها الجميعُ في الحالين، وهذا نظير ما مرَّ بك من لفظة ﴿واخشوني﴾ [البقرة: ١٥٠] فإنها في البقرة ثابتةٌ للكل وصلاً ووقفاً، ومحذوفةٌ في أول المائدة، ومختلف فيها في ثانيتها.
стр. 4062
قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾ : العامة على تشديد «وليي» مضافاً لياء المتكلم المفتوحة وهي قراءة واضحة. أضاف الوليّ إلى نفسه.
стр. 4063
وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه: «إن وليَّ» بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان أحدهما: قال أبو علي: «إن ياء فعيل مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإن الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس. والثاني: أن يكون» وليَّ «اسمها وهو اسمٌ نكرةٌ غيرُ مضاف لياء المتكلم والأصل: إن ولياً الله، فولياً اسمُها واللهُ خبرها، ثم حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله:
٢٣٦٣ - فالفيته غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا
وكقراءة من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدُ الله الصمد﴾ [الصمد: ١-٢] . ولم يبق إلا الإِخبارُ عن نكرةٍ بمعرفة وهو واردٌ، قال الشاعر:
٢٣٦٤ - وإنَّ حراماً أن أَسُبَّ مجاشعاً ... بآبائي الشمِّ الكرام الخضارم
وقرأ الجحدري في رواية:» إن وليِّ الله «بكسر الياء مشددة، وأصلُها أنه سَكَّن ياء المتكلم فالتقت مع لام التعريف، فحذفت لالتقاء الساكنين وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلامِ الرجلُ. وقرأه في رواية أخرى:» إن وليَّ الله «بياء مشددة والجلالة بالجر، نقلها عنه أبو عمرو الداني، أضاف الوليّ إلى الجلالة. وذكر الأخفش وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولم يذكرا نصب الياء. وخرَّجها الناس على ثلاثة أوجه، الأول قولُ الأخفش وهو أن
стр. 4064
يكون وليّ الله اسمها، والذي نزَّل الكتاب خبرها، والمراد بالذي نزَّل الكتاب جبريل، يدلُّ عليه قولُه تعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس﴾ [النحل: ١٠٢] إلا أن الأخفش قال في قوله» وهو يتولى الصالحين «هو مِنْ صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تَحَتُّم ذلك نظرٌ. والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النبي ﷺ ويكون ثَمَّ عائدٌ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نَزَّل الله الكتاب عليه، فحذف» عليه «وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف لكنه قد جاء قليلاً كقوله: /
٢٣٦٥ - وإن لساني شُهْدةٌ يُشْتفى بها ... وهُوَّ على مَنْ صَبَّه الله عَلْقَمُ
أي: صَبَّه الله عليه. وقال آخر:
٢٣٦٦ - فأصبح من أسماء قيسٍ كقابضٍ ... على الماء لا يدري بما هو قابضُ
أي: بما هو قابض عليه. وقال آخر:
٢٣٦٧ - لعلَّ الذي أَصْعَدْتِني أن يَرُدَّني ... إلى الأرض إن لم يَقْدِرِ الخيرَ قادرُهْ
أي: أَصْعَدْتني به. وقال آخر:
٢٣٦٨ - ومِنْ حَسَدٍ يجورُ عليَّ قومي ... وأيُّ الدهر ذو لم يحسُدوني
стр. 4065
وقال آخر:
٢٣٦٩ - فقلت لها لا والذي حَجَّ حاتمٌ ... أخونُكِ عهداً إنني غيرُ خَوَّانِ
أي: حجَّ إليه. وقال آخر:
٢٣٧٠ - فَأَبْلِغَنَّ خالدَ بنَ عَضْلَةٍ ... والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بلومِ مَنْ يثقْ
أي: يثق به، وإذا ثَبَتَ أن الضميرَ يُحْذف في مثل هذه الأماكن وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة في التخريج المذكور أسوة بها. والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إن وليَّ الله الصالحُ أو مَنْ هو صالح، وحُذف لدلالة قوله» وهو يتولَّى الصالحين «وكقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر﴾ [أي: معذَّبون، وكقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج: ٢٥] .
следующие страницы →