← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

قوله تعالى: ﴿يَبْطِشُونَ﴾ : العامة على كسر الطاء من بطش يبطِش. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع في رواية عنه: «يَبْطُشون» بضمها وهما لغتان. والبطش: الأخذ بقوة. قوله: ﴿ثم كيدوني﴾ قرأ أبو عمرو: «كيدوني» بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً. وهشام بإثباتها في الحالين. والباقون بحذفها في الحالين، وعن هشام خلافٌ مشهور. وقال الشيخ: «وقرأ أبو عمرو وهشام بخلاف عنه» فكيدوني «بإثبات الياء وصلاً ووقفاً» قلت: أبو عمرو لا يثبتها وقفاً البتة، فإن قاعدَته [في] الياءات الزائدة ما ذكرته لك. وفي القراءة «فكيدوني» ثلاثةُ ألفاظٍ: هذه وقد عُرف حكمُها، وفي هود [الآية: ٥٥] ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ أثبتها القُرَّاء كلهم في الحالين، وفي المرسلات [الآية: ٣٩] : ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ حَذَفَها الجميعُ في الحالين، وهذا نظير ما مرَّ بك من لفظة ﴿واخشوني﴾ [البقرة: ١٥٠] فإنها في البقرة ثابتةٌ للكل وصلاً ووقفاً، ومحذوفةٌ في أول المائدة، ومختلف فيها في ثانيتها.

стр. 4062

قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾ : العامة على تشديد «وليي» مضافاً لياء المتكلم المفتوحة وهي قراءة واضحة. أضاف الوليّ إلى نفسه.

стр. 4063

وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه: «إن وليَّ» بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان أحدهما: قال أبو علي: «إن ياء فعيل مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإن الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس. والثاني: أن يكون» وليَّ «اسمها وهو اسمٌ نكرةٌ غيرُ مضاف لياء المتكلم والأصل: إن ولياً الله، فولياً اسمُها واللهُ خبرها، ثم حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله: ٢٣٦٣ - فالفيته غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا وكقراءة من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدُ الله الصمد﴾ [الصمد: ١-٢] . ولم يبق إلا الإِخبارُ عن نكرةٍ بمعرفة وهو واردٌ، قال الشاعر: ٢٣٦٤ - وإنَّ حراماً أن أَسُبَّ مجاشعاً ... بآبائي الشمِّ الكرام الخضارم وقرأ الجحدري في رواية:» إن وليِّ الله «بكسر الياء مشددة، وأصلُها أنه سَكَّن ياء المتكلم فالتقت مع لام التعريف، فحذفت لالتقاء الساكنين وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلامِ الرجلُ. وقرأه في رواية أخرى:» إن وليَّ الله «بياء مشددة والجلالة بالجر، نقلها عنه أبو عمرو الداني، أضاف الوليّ إلى الجلالة. وذكر الأخفش وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولم يذكرا نصب الياء. وخرَّجها الناس على ثلاثة أوجه، الأول قولُ الأخفش وهو أن

стр. 4064

يكون وليّ الله اسمها، والذي نزَّل الكتاب خبرها، والمراد بالذي نزَّل الكتاب جبريل، يدلُّ عليه قولُه تعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس﴾ [النحل: ١٠٢] إلا أن الأخفش قال في قوله» وهو يتولى الصالحين «هو مِنْ صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تَحَتُّم ذلك نظرٌ. والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النبي ﷺ ويكون ثَمَّ عائدٌ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نَزَّل الله الكتاب عليه، فحذف» عليه «وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف لكنه قد جاء قليلاً كقوله: / ٢٣٦٥ - وإن لساني شُهْدةٌ يُشْتفى بها ... وهُوَّ على مَنْ صَبَّه الله عَلْقَمُ أي: صَبَّه الله عليه. وقال آخر: ٢٣٦٦ - فأصبح من أسماء قيسٍ كقابضٍ ... على الماء لا يدري بما هو قابضُ أي: بما هو قابض عليه. وقال آخر: ٢٣٦٧ - لعلَّ الذي أَصْعَدْتِني أن يَرُدَّني ... إلى الأرض إن لم يَقْدِرِ الخيرَ قادرُهْ أي: أَصْعَدْتني به. وقال آخر: ٢٣٦٨ - ومِنْ حَسَدٍ يجورُ عليَّ قومي ... وأيُّ الدهر ذو لم يحسُدوني

стр. 4065

وقال آخر: ٢٣٦٩ - فقلت لها لا والذي حَجَّ حاتمٌ ... أخونُكِ عهداً إنني غيرُ خَوَّانِ أي: حجَّ إليه. وقال آخر: ٢٣٧٠ - فَأَبْلِغَنَّ خالدَ بنَ عَضْلَةٍ ... والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بلومِ مَنْ يثقْ أي: يثق به، وإذا ثَبَتَ أن الضميرَ يُحْذف في مثل هذه الأماكن وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة في التخريج المذكور أسوة بها. والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إن وليَّ الله الصالحُ أو مَنْ هو صالح، وحُذف لدلالة قوله» وهو يتولَّى الصالحين «وكقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر﴾ [أي: معذَّبون، وكقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج: ٢٥] .

стр. 4066

والنَّزْغُ: أدنى حركة تكون، وأكثر ما يُسْند للشيطان لأنه أسرعُ في ذلك. وقيل: النَّزْغ: الدخول في أمرٍ لإِفساده وقال الزمخشري: «والنزغ والنَّسْغ الفَرْزُ والنَّخْس، وجعل النزغ نازغاً كما قيل:» جَدَّ جَدُّه «يعني قصد بذلك المبالغة.

стр. 4067

قوله تعالى: ﴿طَائِفٌ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «طَيْفٌ» والباقون «طائف» بزنة فاعل. فأمَّا طَيْف ففيه ثلاثة أوجه،

стр. 4068

أحدُها: أنه مصدرٌ مِنْ طاف يَطيف كباع يبيع، وأنشد أبو عبيدة: ٢٣٧١ - أنَّى ألمَّ بك الخيالُ يَطيفُ ... ومَطافُه لك ذُكْرَةٌ وشُعُوفُ والثاني: أنه مخففٌ من فَيْعِل، والأصل: طَيِّف بتشديد الياء فحذف عين الكلمة كقولهم في ميّت مَيْت وفي ليّن ليْن وفي هيّن هيْن. ثم طَيّف الذي هو الأصل يحتمل أن يكون مِنْ طاف يطيف أو من طاف يطوف، والأصل: طَيْوِف فقلب وأدغم وهذا قول أبي بكر بن الأنباري. والثالث: أن أصله طَوْف من طاف يطوف، فقلبت الواو ياءً. قال أبو البقاء: «قلبت الواو ياءً وإن كانت ساكنة كما قلبت في أَيْد وهو بعيد» قلت: وقد قالوا أيضاً في حَوْل: حَيْل، ولكن هذا من الشذوذ بحيث لا يُقاس عليه. وقوله «وإن كانت ساكنة» ليس هذا مقتضياً لمنع قلبها ياء بل كان ينبغي أن يُقال: وإن كان ما قبلها غيرَ مكسورٍ. وأمَّا طائفٌ فاسمُ فاعل، يُحْتمل أن يكون مِنْ طاف يطوف فيكون كقائم وقائل، وأن يكونَ مِنْ طاف يطيف فيكون كبائع ومائل. وقد زعم بعضُهم أنَّ طَيْفاً وطائفاً بمعنى واحد ويُعزى للفراء، فيحتمل أن يَرُدَّ طائفاً لطَيْف فيجعلهما مصدرين. وقد جاء فاعِل مصدراً كقولهم: «أقائماً وقد قعد الناس» وأن يَرُدَّ طيفاً لطائف، أي: فيجعله وَصْفاً على فَعْل.

стр. 4069

وقال الفارسي: «الطيف كالخَطْرة، والطائف كالخاطر» ففرَّق بينهما. وقال الكسائي: «الطَّيْف: اللَّمَم، والطائف ما طاف حول الإِنسان» . قال ابن عطية: «وكيف هذا وقد قال الأعشى: ٢٣٧٢ - وتُصْبح مِنْ غِبِّ السُّرَى وكأنما ... ألمَّ بها من طائفِ الجنِّ أولقُ ولا أدري ما تَعَجُّبُه؟ وكأنه أخذ قوله» ما طافَ حول الإِنسان «مقيَّداً بالإِنسان، وهذا قد جعله طائفاً بالناقة، وهي سَقْطة لأن الكسائي إنما قاله اتفاقاً لا تقييداً. وقال أبو زيد الأنصاري:» طافَ: أقبل وأدبر يَطُوف طَوْفاً وطَوَافاً، وأطاف: استدار القومُ من نواحيهم. وطاف الخيالُ: أَلَمَّ، يَطيف طَيفاً «فقد فرَّق أبو زيد بين ذي الواو وذي الياء، فخصَّص كلَّ مادة بمعنى. وفرَّق أيضاً بين فعل وأفعل كما رأيت. وزعم السُّهَيْلي أنه لا يُسْتعمل مِنْ» طاف الخيال «اسم فاعل قال:» لأنه تخيُّلٌ لا حقيقة له «. قال:» فأمَّا قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ [القلم: ١٩] فلا يقال فيه طَيْف لأنه اسمُ فاعل حقيقةً. وقال حسان: ٢٣٧٣ - جِنِّيَّةٌ أرَّقَني طيفُها ... تَذْهَبُ صُبْحاً وتُرى في المنامْ وقال السدِّي: «الطَّيْفُ: الجنون، والطائف: الغضب» ، وعن ابن عباس ﵁ هما بمعنى واحد وهو النَّزْغ.

стр. 4070

قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ : في هذه الآيةِ أوجهٌ، أحدها: أن الضميرَ في «إخوانهم» يعود على الشياطين لدلالةِ لفظ الشيطان عليهم، أو على الشيطان نفسه لأنه لا يُراد به الواحدُ بل الجنس. والضمير المنصوب في «يَمُدُّونهم» يعود على الكفار، والمرفوع يعود على الشياطين أو الشيطان كما تقدَّم. والتقدير: وإخوان الشياطين يَمُدُّهم الشياطين، وعلى هذا الوجه فالخبرُ جارٍ على غير مَنْ هو له في المعنى، ألا ترى أن الإِمداد مسند إلى الشياطين في المعنى، وهو في اللفظ خبر عن «إخوانهم» ، ومثله: ٢٣٧٤ - قوم إذا الخيلُ جالُوا في كواثبها ... . . . . . . . . . . . . . . وقد تقدم لك في هذا كلامٌ وبحثٌ مع مكي وغيره من حيث جَرَيانُ الفعلِ على غير مَنْ هوله ولم يَبْرُزْ ضمير، وهذا التأويل الذي ذكرته هو قول الجمهور عليه عامَّة المفسرين. قال الزمخشري «هو أَوْجَهُ لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا» . الثاني: أن المرادَ بالإِخوان الشياطين، وبالضمير المضافِ إليه الجاهلون أو غيرُ المتَّقين؛ لأن الشيء يَدُلُّ على مقابله. والواو تعود على الإِخوان، والضميرُ المنصوب يعود على الجاهلين أو غير المتقين، والمعنى: والشياطين الذين هم إخوانُ الجاهلين أو غير المتقين يَمُدُّون الجاهلين أو غير المتقين في الغَيِّ، والخبرُ في هذا الوجه جارٍ على مَنْ هوله لفظاً ومعنى وهذا تفسير قتادة.

стр. 4071

الثالث: أن يعودَ الضمير المجرور والمنصوب على الشياطين، والمرفوع على الإِخوان وهم الكفار. قال ابن عطية: «ويكون المعنى: وإخوان الشياطين في الغيِّ بخلافِ الإِخوة في الله يَمُدُّون [الشياطين] ، أي: بطاعتهم لهم وقبولهم منهم، ولا يترتَّب هذا التأويل على أن يتعلق في الغيّ بالإِمداد: لأن الإِنس لا يُغْوون الشياطين» . قلت: يعني يكون في «الغيّ» حالاً من المبتدأ أي: وإخوانهم حال كونهم مستقرين في الغيّ، وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف، والأحسن أن يتعلق بما تضمَّنه إخوانهم من معنى المؤاخاة والأخوة، وسيأتي فيه بحث للشيخ. قال الشيخ: «ويمكن أن يتعلَّق» في الغيّ «على هذا التأويل ب» يمدُّونهم «على جهة السببيّة، أي: يمدُّونهم بسبب غوايتهم نحو:» دخلت امرأة النار في هرة «، أي: بسبب هرةٍ» ، ويُحتمل أن يكون «في الغيّ» حالاً فيتعلَّق بمحذوف، أي: كائنين في الغيّ، فيكون «في الغيّ» في موضعه، ولا يتعلَّق بإخوانهم، وقد جَوَّز ذلك ابن عطية. وعندي في ذلك نظرٌ، فلو قلت: «مُطْعِمُك زيدٌ لحماً» تريد: مطعمك لحماً زيدٌ، فتفصل بين المبتدأ ومعموله بالخبر لكان في جوازه نظر؛ لأنك فَصَلْتَ بين العامل والمعمول بأجنبي لهما معاً، وإن كان ليس أجنبياً لأحدهما وهو المبتدأ «. قلت: ولا يظهر منعُ هذا البتةَ لعدم أجنبيَّته. وقرأ نافع: «يُمِدونهم» بضم الياء وكسر الميم مِنْ أمدَّ، والباقون بفتح

стр. 4072

الياء وضم الميم مِنْ مدَّ، وقد تقدَّم الكلام على هذه المادة، وهل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق في أوائل هذا الموضوع. وقرأ الجحدري «يُمادُّونهم» مِنْ مادَّهُ بزنة فاعَلَه. وقرأ العامة «يُقْصِرُون» مِنْ أَقْصَرَ، قال الشاعر: ٢٣٧٥ - لعَمْرك ما قلبي إلى أهله بحُرّْ ... ولا مُقْصِرٍ يوماً فيأتيني بقُرّْ وقال امرؤ القيس: ٢٣٧٦ - سما لك شوقٌ بعدما كان أَقْصَرا ... وحَلَّتْ سُلَيْمى بَطْنَ قَوٍّ فعَرْعرا أي: ولا نازع عمَّا هو فيه، وارتفع شوقك بعدما كان قد نزع وأقلع. وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي عبلة «ثم لا يَقْصُرون» بفتح الياء وضم الصاد مِنْ قصر، أي: ثم لا يَنْقُصون من إمدادهم. وهذه الجملة أعني «وإخوانهم يمدُّونهم» زعم الزجاج أنها متصلة بالجملة من قوله ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ وهو تكلف بعيد. وقوله ﴿فِي الغي﴾ : قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكون متعلقاً بالفعل، أو بإخوانهم، أو بمحذوف على أنه حال: إمَّا من إخوانهم، وإمَّا مِنْ واو «يمدُّونهم» ، وإمَّا مِنْ مفعوله.

стр. 4073

قوله تعالى: ﴿لَهُ﴾ : متعلَّقٌ ب استمعوا، على معنى لأجله، والضمير للقرآن. وقال أبو البقاء: «يجوزُ أن يكون بمعنى لله، أي: لأجله» ، فأعاد الضميرَ على «الله» وفيه بُعْدٌ، وجَوَّز أيضاً أن تكونَ اللامُ زائدةً،

стр. 4074

أي: فاستمعوه، وقد عَرَفْتَ أن هذا لا يجوز عند الجمهور إلا في موضعين: إمّا تقديمِ المعمولِ أو كونِ العامل فرعاً. وجوَّز أيضاً أن تكون بمعنى إلى ولا حاجة إليه. والاجتباء: افتعال مِنْ جَبَاه يَجْبيه، أي: جمعه مختاراً له، ولهذا غلب: اجتبيتُ الشيء، أي: اخترته. وقال الزمخشري: «اجتبى الشيء: بمعنى جَبَاه لنفسه، أي: جمعه/ كقولك: اجتمعه أو جُبِيَ إليه فاجتباه، أي: أخذه كقوله: جَلَيْتُ إليه العروس فاجتلاها، والمعنى: هلا اجتمعتها افتعالاً من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه﴾ [الفرقان: ٤] .

стр. 4075

والإنصاتُ: السُّكون للاستماع، قاله الفراء. ويقال: نَصَتَ وأنصت بمعنى واحد، وقد جاء أنصت متعدياً، قال الكميت: ٢٣٧٧ - أبوك الذي أجْدَى عليك بنصره ... فأنصت عني بعده كلَّ قائل وقوله: ﴿هذا بَصَآئِرُ﴾ جمع بصيرة، وأطلق على القرآن بصائر: إمَّا مبالغةً، وإمَّا لأنه سبُب البصائر، وإمَّا على حَذْف مضاف، أي: ذو بصائر. و «لعل» يجوز أن تكونَ للترجي بحسب المخاطبين، وأن تكون للتعليل.

стр. 4076

قوله تعالى: ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ : في نصبهما وجهان، أظهرهما: أنهما مفعولان من أجلهما لأنه يتسبَّب عنهما الذِّكْر. والثاني: أن ينتصبا على المصدر الواقع موقع الحال، أي: متضرعين خائفين، أو ذوي تضرع وخيفة. وقرئ «وخفية» بتقديم الفاء. وقيل: وهما مصدران للفعل مِنْ معناه لا من لفظه، ذكره أبو البقاء وهو بعيد. قوله: ﴿وَدُونَ الجهر﴾ قال أبو البقاء: «معطوف على» تضرُّع «والتقدير: ومقتصدين» . وهذا ضعيف لأن «دون» ظرف لا يتصرَّف على المشهور، فالذي ينبغي أن يُجْعَل صفةٌ لشيء محذوف، ذلك المحذوف هو الحال كما قدَّره الزمخشري فقال: «ودونَ الجهر: ومتكلماً كلاماً دون الجهر؛ لأن الإِخفاءَ أَدْخَلُ في الإِخلاص وأقربُ إلى حسن التفكر» . قوله: ﴿بالغدو والآصال﴾ متعلق باذكر، أي: اذكره في هذين الوقتين وهما عبارةٌ عن الليل والنهار. قال أبو البقاء: «بالغُدُوِّ» متعلق ب «ادعوا» وهو سَبْقُ لسانٍ وقلم، إذ ليس نظمُ القرآن كذا. والغُدُوّ: إمَّا جمع غُدْوة كقمح وقمحة، وعلى هذا فيكون قد قابل الجمع بالجمع المعنوي. وقيل: هو مصدرٌ فيقدَّرُ زمانٌ مضاف إليه حتى يتقابل زمان مجموع بمثله، تقديره: بأوقات الغدو. والآصال: جمع أُصُل، وأُصُل جمع أصيل فهو جمع الجمع. ولا جائزٌ أن يكونَ جماً لأصيل؛ لأن فعيلاً لا يُجْمع على أفعال. وقيل: بل هو جمعٌ لأصيل، وفعيل يُجمع على أفعال نحو:

стр. 4077

يمين وأيمان. وقيل: آصال جمع ل «أُصُل» وأُصُل مفرد، ثبت ذلك مِنْ لغتهم وهو العشيُّ، وفُعُل يُجمع على أَفْعال قالوا: عُنُق وأعناق، وعلى هذا فلا حاجة إلى دَعْوى أنه جمع الجمع، ويُجْمع على أُصلان كرَغيف ورُغْفان، ويُصَغَّر على لفظه كقوله: ٢٣٧٨ - وَقَفْتُ فيها أُصَيْلالاً أسائلُها ... عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ واستدلُّ الكوفيون بقولهم «أُصَيْلان» على جواز تصغير جمع الكثرة بهذا البيت، وتأوَّله البصريون على أنه مفرد، وتُبدل نونه لاماً، ويُروى أصيلالاً. وقرأ أبو مجلز واسمُه لاحق بن حميد السدوسي البصري «والإِيصال» مصدرُ آصَل، أي: دخل في الأصيل.

стр. 4078

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ : فاعل «يَسْأل» يعود على معلوم، وهم مَنْ حَضَرَ بَدْراً. و «سأل» تارةً تكونُ لاقتضاء معنى في نَفْسِ المسؤول فتتعدَّى ب «عن» كهذه الآية، وكقول الشاعر: ٢٣٧٩ - سَلي إنْ جَهِلْتِ الناسَ عنَّا وعنهمُ ... فليس سواءً عالمٌ وجَهولُ وقد تكون لاقتضاء مالٍ ونحوه فتتعدَّى لاثنين نحو: «سألت زيداً مالاً» . وقد ادَّعى بعضُهم أن السؤالَ هنا بهذا المعنى، وزعم أن «عَنْ» زائدةٌ، والتقدير: يسألونك الأنفالَ، وأيَّد قولَه بقراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وزيدٍ ولدِه ومحمد الباقر ولدِه أيضاً وولده جعفر الصادق وعكرمة وعطاء: «يسألونك الأنفالَ» دون «عن» . والصحيحُ أن هذه القراءةَ على إرادةِ حرفِ الجر. وقال بعضهم: «عن» بمعنى «مِنْ» . وهذا لا ضرورةَ تدعو إليه. وقرأ ابنُ محيصن: «عَلَّنْفَال» . والأصل: أنه نقل حركةَ الهمزة إلى لام

стр. 4079

التعريف، ثم اعتدَّ بالحركة العارضة فأدغم النونَ في اللام كقوله: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾ [العنكبوت: ٣٨] ، وقد تقدَّم ذلك في قوله ﴿عَنِ الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩] . والأنفال: جمع نَفَل وهي الزيادة على الشيء الواجب وسُمِّيَتْ/ الغنيمة نَفَلاً لزيادتِها على حِماية الحَوزة. قال لبيد: ٢٣٨٠ - إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ ... وبإذنِ الله رَيْثي وعَجَلْ وقال آخر: ٢٣٨١ - إنَّا إذا احْمَرَّ الوغَى نَرْوي القَنا ... ونَعِفُّ عند مَقاسِمِ الأنفالِ وقيل: سُمِّيت «الأَنْفال» لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم. وقال الزمخشري: «والنَّفَل: ما يُنْفَلُه الغازي، أي يُعْطاه زيادةً على سهمه من المَغْنم» . قوله: ﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ : قد تقدَّمَ الكلامُ على «ذات» في آل عمران. وهي هنا صفةٌ لمفعولٍ محذوف تقديره: وأَصْلِحوا أحوالاً ذاتَ افتراقِكم وذاتَ وَصْلِكم، أو ذاتَ المكانِ المتصلِ بكم، فإنَّ «بين» قد قيل إنه يُراد به هنا الفراقُ أو الوصل أو الظرف. وقال الزجاج وغيره: «إنَّ» ذات «هنا بمنزلة

стр. 4080

حقيقة الشيء ونفسه» وقد أوضح ذلك ابنُ عطية. والتفسير ببيان هذا أولى. وقال الشيخ: «والبَيْنُ: الفِراق، و» ذات «نعت لمفعول محذوف أي: وأَصْلِحوا أحوالاً ذات افتراقكم، لمَّا كانت الأحوالُ ملابِسةً للبَيْن أُضِيْفَتْ صفتُها إليه، كما تقول: اسْقِني ذا إنائك أي: ماءً صاحبَ إنائك، لَمَّا لابس الماءُ الإِناءَ وُصِفَ ب» ذا «وأُضيف على الإِناء. والمعنى: اسقِني ما في الإِناء من الماء» .

стр. 4081

قوله تعالى: ﴿وَجِلَتْ﴾ : يُقال: وَجِلَ بالكسر في الماضي يَوْجَلُ بالفتح، وفيه لُغَيَّةٌ أخرى، قرئ بها في الشاذ: وَجَلَتْ بفتح الجيم في الماضي وكَسْرِها في المضارع فَتَنْحَذِف الواو كوَعَد يَعِدُ. ويُقال في المشهورة: وَجِل يَوْجَل. ومنهم مَنْ يقول: ياجَلُ بقلب الواو ألفاً، وهو شاذٌّ لأنه قَلْبُ حرفِ العلة بأحد السببين: وهو انفتاحُ ما قبلَ حرفِ العلة دون تحركه وهو نظير «طائي» في النسب إلى طيِّئ. ومنهم من يقول: يِيْجَلُ بكسر حرف المضارعة فتنقلبُ الواوُ ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. وقد تقدَّم في أول هذا الموضوع أنَّ من العرب مَنْ يكسِرُ حرف المضارعة بشروطٍ منها: أن لا يكونَ حرفُ المضارعة ياءً إلا في هذه اللفظة وفي أَبَى يِئْبَى.

стр. 4082

ومنهم مَنْ ركَّب من هاتين اللغتين لغةً أخرى وهي فتحُ الياء وقلبُ الواو ياءً فقال: يَيْجَلُ، فأخذ قلبَ الواو ممَّن كسرَ حرفَ المضارعة، وأخذ فتحَ الياءِ مِنْ لغة الجمهور. وقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عطية: «وجوابُ الشرط المتقدم في قوله:» وأطيعوا «، هذا مذهب سيبويه، ومذهب المبرد أن الجواب محذوف متأخر، ومذهبه في هذا ألاَّ يتقدَّمَ الجوابُ على الشرط» . قلت: وهذا الذي ذكره أبو [محمد] نقل الناسُ خلافَه، نقلوا ذلك أعني جوازَ تقديمِ جوابِ الشرط عليه عن الكوفيين وأبي زيد وأبي العباس، فالله أعلم أيُّهما أثبت. ويجوز أن يكون للمبرد قولان وكذا لسيبويه، فنقل كلُّ فريق عن كلٍ منهما أحد القولين.

стр. 4083

وقوله تعالى: ﴿الذين يُقِيمُونَ﴾ : يجوز في هذا الموصول أن يكون مرفوعاً على النعت للموصول، وعلى البدل، أو على البيان له، وأن يكون منصوباً على القطع المُشْعِر بالمدح. وقوله: ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ : التقديمُ يفيدُ الاختصاصَ أي: عليه لا على غيره. وهذه الجملةُ يُحتمل أن يكون لها محلٌّ من الإِعراب وهو النصبُ على الحال مِنْ مفعول «زادَتْهم» ويُحتمل أن تكونَ مستأنفةً، ويحتمل أن تكون معطوفةً على الصلة قبلها فتدخلَ في حَيِّزِ الصلاتِ المتقدمةِ، وعلى هذين الوجهين فلا محلَّ لها من الإِعراب.

стр. 4084

قوله تعالى: ﴿حَقّاً﴾ : يجوز أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوف

стр. 4085

أي: هم المؤمنون إيماناً حقاً. ويجوز أن يكونَ مؤكِّداً لمضمون الجملة كقولك: هو عبد الله حقاً، والعاملُ فيه على كلا القولين مقدَّرٌ أي: أحقُّه حقاً. ويجوز وهو ضعيف جداً أن يكونَ مؤكِّداً لمضمون الجملة الواقعة بعده وهي «لهم درجات» ويكون الكلامُ قد تمَّ عند قوله «هم المؤمنون» ثم ابتدئ ب «حقاً» لهم درجات «. وهذا إنما يجوز على رأيٍ ضعيف، أعني تقديمَ المصدرِ المؤكِّد/ لمضمون جملة عليها. قوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يجوز أن يكونَ متعلقاً ب» درجات «لأنها بمعنى» أُجُورٌ «، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنها صفةٌ ل» درجات «أي: استقرَّت عند ربهم، وأن يتعلَّق بما تعلَّق به» لهم «من الاستقرار.

стр. 4086

قوله تعالى: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾ : فيه عشرون وجهاً: أحدها: أن الكافَ نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: الأنفالُ ثابتةٌ لله ثبوتاً كما أخرجك أي: ثبوتاً بالحق كإخراجك من بيتك بالحق، يعني أنه لا مِرْيَةَ في ذلك. الثاني: أن تقديره: وأصلحوا ذاتَ بينكم إصلاحاً كما أخرجك. وقد التفت من خطابِ الجماعةِ إلى خطاب الواحد. الثالث: تقديرُه: وأطيعوا اللهَ ورسولَه طاعةً محققةً ثابتةً كما أخرجك أي: كما أن إخراج الله إياك لا مِرْيَةَ فيه ولا شبهة. الرابع: تقديرُه: يتوكلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك ربك. الخامس: تقديره: هم: المؤمنون حقاً كما أخرجك فهو صفة ل «حقاً» . السادس: تقديره: استقرَّ لهم درجاتٌ وكذا استقراراً ثابتاً كاستقرار إخراجك. السابع: أنه متعلقٌ بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلةً كما أخرجك ربك. الثامن: تقديرُه: لكارهون كراهيةً ثابتة كما أخرجك ربك أي: إن هذين الشيئين: الجدالَ والكراهيةَ ثابتان لا محالة، كما أن إخراجك ثابت

стр. 4087

لا محالة. التاسع: أن الكافَ بمعنى إذ، و «ما» مزيدة. التقدير: اذكر إذ أخرجك. وهذا فاسدٌ جداً إذ لم يَثْبُتْ في موضعٍ أن الكاف تكون بمعنى إذ، وأيضاً فإنَّ «ما» لا تُزادُ إلا في مواضعَ ليس هذا منها. العاشر: أن الكاف بمعنى واو القسم و «ما» بمعنى الذي، واقعةٌ على ذي العلم مُقْسَماً به، وقد وقعت على ذي العلم في قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله «يجادلونك» جوابَ القسم. وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّ الناس عليه قاطبةً. وقالوا: كان ضعيفاً في النحو، ومتى ثبت كونُ الكافِ حرفَ قسمٍ بمعنى الواو؟ وأيضاً فإن «يجادلونك» لا يَصِحُّ كونُه جواباً؛ لأنه على مذهب البصريين متى كان مضارعاً مثبتاً وَجَب فيه شيئان: اللام وإحدى النونين، نحو ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً﴾ [يوسف: ٣٢] ، وعند الكوفيين: إمَّا اللامُ وإمَّا إحدى النونين، و «يجادلونك» عارٍ عنهما. الحادي عشر: أن الكاف بمعنى على، و «ما» بمعنى الذي والتقدير: امْضِ على الذي أخرجَك. وهو ضعيفٌ لأنه لم يثبتْ كونُ الكاف بمعنى «على» البتةَ إلا في موضعٍ يحتمل النزاع كقوله: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي على هدايته إياكم. الثاني عشر: أن الكافَ في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله، كأنه ابتداءٌ وخبر. قال ابن عطية: «وهذا المعنى وَضَعه هذا المفسِّر، وليس من ألفاظ الآية في وِرْدٍ ولا صَدَر» .

стр. 4088

الثالث عشر: أنها في موضعِ رفعٍ أيضاً والتقدير: لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرة ورزق كريم، هذا وعدٌ حقٌّ كما أخرجك. وهذا فيه حذفُ مبتدأ وخبر، ولو صَرَّح بذلك لم يلتئم التشبيهُ ولم يَحْسُنْ. الرابع عشر: أنها في موضع رفعٍ أيضاً. والتقدير: وأصلِحوا ذاتَ بينكم ذلكم خيرٌ لكم كما أخرجك، فالكاف في الحقيقة نعتٌ لخبر مبتدأ محذوف. وهو ضعيف لطول الفصل بين قوله: «وأَصْلِحوا» وبين قوله «كما أَخْرَجَك» . الخامس عشر: أنها في محل رفع أيضاً على خبر ابتداء مضمر والمعنى: أنه شبَّه كراهية أصحاب رسول الله ﵇ لخروجه من المدينة حين تحققوا خروجَ قريشٍ للدفع عن أبي سفيان وحِفْظِ عِيره بكراهيتهم لنزع الغنائم مِنْ أيديهم وجَعْلِها لله ورسوله يَحْكم فيها ما يشاء. واختار الزمخشري هذا الوجهَ وحَسَّنه، فقال: «يرتفع محلُّ الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه الحالُ كحالِ إخراجك. يعني أن حالَهم في كراهة ما رأيت من تَنْفيل الغزاة مثلُ حالهم في كراهة خروجهم للحرب» وهذا الذي حَسَّنه الزمخشري هو قول الفراء وقد شرحه ابن عطية بنحو ما تقدَّم مِن الألفاظ فإن الفراء قال: «هذه الكاف شَبَّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال» . السادس عشر: أنها صفةٌ لخبر مبتدأ أيضاً/ وقد حُذف ذلك المبتدأ وخبره. والتقدير: قِسْمتك الغنائمَ حقٌّ كما كان إخراجُك حقاً. السابع عشر: أنَّ التشبيه وقع بين إخراجين أي: إخراج ربك إياك من بيتك وهو مكة وأنت

стр. 4089

كارهٌ لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإِخراج النصرَ والظفرَ كإخراجه إياك من المدينة وبعضُ المؤمنين كارهٌ، يكون عقيبَ ذلك الخروجِ الظفرُ والنصر والخير كما كانت عقيبَ ذلك الخروجِ الأول. الثامن عشر: أن تتعلق الكاف بقوله «فاضربوا» . وبَسْطُ هذا على ما قاله صاحب هذا الوجه: الكاف للتشبيه على سبيل المجاز، كقول القائل لعبده: «كما رَجَعْتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألتَ مدداً فَأَمْدَدْتُك وأَزَحْتُ عِلَلك فَخُذْهم الآن وعاقِبْهم كما أَحْسَنْتُ إليك وأَجْرَيْتُ عليك الرزق فاعملْ كذا واشكرْني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغَشَّاكم النعاسَ أمَنَةً منه، وأنزل عليكم من السماء ماءً ليطَهِّرَكم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مُرْدفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلَّ بنان، كأنه يقول: قد أَزَحْتُ عِلَلكم وأَمْدَدْتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع وهو القتلُ لتبلغوا مرادَ الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. وهذا الوجه بَعْدَ طولِه لا طائل تحته لبُعْده من المعنى وكثرة الفواصل. التاسع عشر: أن التقدير: كا أخرجك ربك مِنْ بيتك بالحق أي: بسبب إظهار دين الله وإعْزازِ شريعته وقد كرهوا خروجك تهيُّباً للقتال وخوفاً من الموت؛ إذ كانَ أُمِرَ ﵇ بخروجهم بغتةً ولم يكونوا مستعدِّين للخروج وجادلوك في الحق بعد وضوحه نَصَرَكَ الله وأَمَدَّك بملائكته، ودلَّ على هذا المحذوفِ الكلامُ الذي بعده وهو قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآيات. وهذا الوجهُ استحسنه الشيخ، وزعم أنه لم يُسْبق به، ثم قال: «ويظهر أن الكافَ

стр. 4090

ليست لمحضِ التشبيه بل فيها معنى التعليل. وقد نصَّ النحويون على أنها للتعليل، وخرَّجوا عليه قولَه تعالى: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] ، وأنشدوا: ٢٣٨٢ - لا تَشْتُمِ الناس كما لا تُشْتَمُ ... أي: لانتفاء شتم الناس لك لا تشتمهم. ومن الكلام الشائع:» كما تطيع الله يدخلك الجنة «أي: لأجل طاعتك الله يدخلك، فكذا الآية، والمعنى: لأَنْ خرجت لإِعزاز دين الله وقَتْل أعدائه نَصَرك وأَمَدَّك بالملائكة» . العشرون: تقديرُه: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخراجُك في الطاعة خيرٌ لكم، كما كان إخراجُك خيراً لهم. وهذه الأقوال مع كثرتها غالبُها ضعيف، وقد بَيَّنْت ذلك. قوله: ﴿بالحق﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بالفعل أي بسبب الحق أي: إنه إخراجٌ بسبب حقٍ يظهر وهو علوُّ كلمة الإِسلام والنصرُ على أعداء الله. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول «أَخْرَجَكَ» أي: ملتبساً بالحق. قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً﴾ الواو للحال، والجملة في محل نصب، ولذلك كُسِرت «إنَّ» . ومفعول «كارهون» محذوف أي: لكارهون الخروج، وسببُ الكراهة: إمَّا نفرة الطبع ممَّا يُتَوقَّع من القتال، وإمَّا لعدم الاستعداد.

стр. 4091

قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ : يُحتمل أن يكونَ مستأنفاً إخباراً عن حالهم بالمجادلة. ويُحتمل أن يكونَ حالاً ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إياك. ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في «لكارهون» أي:

стр. 4092

لكارهون في حال جدال. والظاهر أن الضمير المرفوع يعودُ على الفريق المتقدِّم، ومعنى المجادلة قولهم: كيف نقاتل ولم نعتَدَّ للقتال؟ ويجوز أن يعود على الكفار وجدالُهم ظاهر. قوله: «بعدما تبيَّن» منصوب بالجدال و «ما» مصدرية أي: بعد تبيُّنِه ووضوحِه، وهو أقبحُ من الجدال في الشيء قبل اتِّضاحه. وقرأ عبد الله «بُيِّن» مبنياً للمفعول مِنْ بَيَّنْتُه أي أظهرته. قوله: ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ حالٌ من مفعول «يُساقُون» .

стр. 4093

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ : «إذ» منصوب بفعل مقدر أي: اذكر إذ. والجمهور على رفع الدال لأنه مضارع مرفوع. وقرأ/ مسلم ابن محارب بسكونها على التخفيف لتوالي الحركات. وقرأ ابن محيصن «يعدكم الله احدى» بوصل همزة «إحدى» تخفيفاً على غير قياس، وهي نظير قراءة مَنْ قرأ: «إنها لاحدى» بإسقاط الهمزة، أجرى همزة القطع مُجْرى همزة الوصل. وقرأ أيضاً «أحد» بالتذكير، لأن الطائفة مؤنث مجازي. وقرأ مسلم بن محارب «بكلمته» على التوحيد، والمراد به اسم الجنس، فيؤدي مؤدَّى الجمع.

стр. 4094

قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بما قبله أي: ويقطع ليحق الحق. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: ليحقَّ الحق فَعَل ذلك أي: ما فعله إلا لهما وهو إثباتُ الإِسلام وإظهارُه وزوالُ الكفر ونحوه.

стр. 4095

قال الزمخشري: «ويجب أن يُقَدَّر المحذوفُ مؤخراً ليفيدَ الاختصاص وينطبقَ عليه المعنى» . قلت: وهذا على رأيه، وهو الصحيح. قوله: ﴿أَنَّها لكم﴾ منصوبُ المحل على البدل من «إحدى» أي: يَعِدُكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم أي: تَتَسلَّطون عليها تَسَلُّطَ المُلاَّكِ فهي بدلُ اشتمال.

стр. 4096

قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ : فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه منصوب باذكر مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً أي: إنه مقتطعٌ عما قبله. الثاني: أنه منصوب بيحقُّ أي: يحقُّ الحق وقت استغاثتكم. وهو قول ابن جرير. وهو غلط، لأنَّ «ليحقَّ» مستقبل لأنه منصوب بإضمار «أَنْ» ، و «إذ» ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟ الثالث: أنه بدلٌ من «إذ» الأولى، قاله الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء. وكان قد قَدَّموا أن العامل في «إذا» الأولى «اذكر» مقدراً. الرابع: أنه منصوب ب «يعدكم» قاله الحوفي وقَبْلَه الطبري. الخامس: أنه منصوب بقوله «تَوَدُّون» قاله أبو البقاء. وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصل.

стр. 4097

و «استغاث» يتعدى بنفسه وبالباء. ولم يجئ في القرآن إلا متعدِّياً بنفسه حتى نقم ابن مالك على النحويين قولهم المستغاث له، أو به، والمستغاث من أجله. وقد أنشدوا على تَعَدِّيه بالحرف قول الشاعر: ٢٣٨٣ - حتى استغاثَ بماءٍ لا رِشَاءَ له ... من الأباطحِ في حافَاتِه البُرَكُ مُكَلَّلٌ بأصول النَّبْت تَنْسُجه ... ريحٌ خَرِيقٌ لضاحي مائِه حُبُكُ كما استغاث بِسَيْءٍ فَزُّغَيْطَلَةٍ ... خافَ العيونَ ولم يُنْظَرْ به الحَشَكُ فدلَّ هذا على أنه يتعدى بالحرف كما استعمله سيبويه وغيره. قوله: ﴿أَنِّي﴾ العامة على فتح الهمزة بتقدير حذف حرف الجر أي: فاستجاب بأني. وقرأ عيسى بن عمر ويُروى عن أبي عمرو أيضاً «إني» بكسرها. وفيها مذهبان: مذهَب البصريين أنه على إضمار القول أي: فقال إني ممدُّكم. ومذهب الكوفيين أنها محكيَّةٌ باستجاب إجراءً له مُجْرى القولِ لأنه بمعناه. قوله: ﴿بِأَلْفٍ﴾ العامَّة على التوحيد. وقرأ الجحدري: «بآلُفٍ» بزنة أفْلُس. وعنه أيضاً وعن السديّ بزنة أَحْمال. وفي الجمع بين هاتين القراءتين وقراءة الجمهور: أن تُحْمَلَ قراءةُ الجمهور على أن المراد بالأَلْفِ هم الوجوه، وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم يَنُصَّ عليهم في قراءة الجمهور ونصَّ عليهم

стр. 4098

في هاتين القراءتين. أو تُحْمل الألْف على مَنْ قاتَلَ من الملائكة دون مَنْ لم يقاتل فلا تنافِيَ حينئذٍ بين القراءات. قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قرأ نافع ويُروى عن قنبل أيضاً «مُرْدَفين» بفتح الدال والباقون بكسرها. وهما واضحتان لأنه يُروى في التفسير أنه كان وراء كل مَلِكٍ مَلَكٌ رديفاً له. فقراءة الفتح تُشْعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم خلفهم، وقراءة الكسر تُشْعر بأن الراكبَ خلفَ صاحبهِ قد أَرْدَفَه، فصَحَّ التعبيرُ باسم الفاعل تارةً واسمِ المفعول أخرى. وجَعَلَ أبو البقاء مفعولَ «مُرْدِفين» يعني بالكسر محذوفاً أي: مُرْدِفين أمثالهم. وجَوَّز أن يكون معنى الإِرداف المجيءَ بعد الأوائل أي: جُعِلوا رِدْفاً للأوائل. ويُطلب جوابٌ عن كيفية الجمع/ بين هذه الآيةِ وآيةِ آل عمران، حيث قال هناك «بخمسة» ، وقال هنا «بأَلْف» والقصة واحدة. والجواب: أن هذه الألف مُرْدِفَةً لتلك الخمسة فيكون المجموعُ ستةَ آلاف، ويظهر هذا ويَقُوى في قراءة «مُرْدِفين» بكسر الدال. وقد أنكر أبو عبيد أن يكون الملائكة أَرْدَفَت بعضها أي: ركَّبَتْ خلفها غيرها من الملائكة. وقال الفارسي: «مَنْ كسر الدال احتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا مُرْدِفين مثلَهم كما تقول:» أَرْدَفْتُ زيداً دابَّتي «فيكون المفعولُ الثاني محذوفاً، وحَذْفُ المفعولِ كثيرٌ. والوجه الآخر: أن يكونوا

стр. 4099

جاؤوا بعد المسلمين. وقال الأخفش:» بنو فلان يَرْدِفوننا أي: يجيئون بعدنا «، وقال أبو عبيدة:» مُرْدِفين: جاؤوا بعدُ، ورَدِفني وأَرْدَفني واحد «. قال الفارسي:» هذا الوجه كأنه أَبْيَنُ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ، قولُه «مُرْدِفين» أي جائين بعدُ لاستغاثتِكم. ومَنْ فتح الدال فهم مُرْدَفون على: أُرْدِفوا الناسَ أي: أُنْزِلوا بعدهم «. وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليل» مُرَدِّفين «بفتحِ الراء وكسرِ الدالِ مشدَّدة، والأصل: مُرْتَدِفين فأدغم. وقال أبو البقاء:» إن هذه القراءةَ مأخوذةٌ مِنْ رَدَّفَ بالتشديد الدال على التكثير، وإن التضعيف بدلٌ من الهمزة كأَفْرَحْتُه وفرَّحته «وجَوَّز الخليلُ بن أحمد ضمَّ الراءِ إتباعاً لضمِّ الميم كقولهم: مُخُضِم بضم الخاء، وقد قُرِئ بها شذوذاً. وقُرئ» مُرِدِّفين «بكسرِ الراء وتشديدِ الدالِ مكسورةً. وكسرُ الراء يَحْتمل وجهين: إمَّا لالتقاء الساكنين وإمَّا للإِتباع. قال ابن عطية:» ويجوز على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للراء، ولا أحفظه قراءة «، قلت: وكذلك الفتحة في» مُرَدِّفين «في القراءةِ التي حكاها الخليل تحتمل وجهين. أحدهما: وهو الظاهر أنها حركةُ نَقْلٍ من التاء حين قصد إدغامَها إلى الراء.

стр. 4100

والثاني: أنها فُتِحَتْ تخفيفاً، وإن كان الأصلُ الكسرَ على أصل التقاء الساكنين كما قد قُرئ به. وقُرِئ» مِرْدِفين «بكسر الميم إتباعاً لكسرة الراء. والوَجَل: الفَزَعُ. وقيل: استشعار الخوف يُقال منه: وَجِل يَوْجَل وياجَل ويَيْجَل ويَيْجِل وَجَلاً، فهو وَجِل. والشَّوْكَة: السلاح كسِنان الرُّمْح والنَّصْل والسيف، وأصلها من النبتِ الحديدِ الطَرْفِ كشَوْك السَّعْدان، يُقال منه: رجلٌ شائكٌ، فالهمزةُ من واو كقائم، ويجوز قلبُه بتأخيرِ عينه بعد لامه، فيقال:» شاكٍ «، فيصير كغازٍ، ووزنُه حينئذ فالٍ قال زهير: ٢٣٨٤ - لدى أسدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ ويُوصَفُ السِّلاحُ بالشاكي كما يُوصف به الرجل فيُقال: رجلٌ شاكٌ وشاكٍ، وسلاحٌ شاكٌ وشاكٍ. فأمَّا شاكٌ فصحيحٌ غيرُ معتلٍّ، وألفُه منقلبةٌ عن عين الكلمة، ووزنُه في الأصل على فَعِل بكسر العين، ولكن قُلِبَتْ ألفاً كما قالوا كَبْشٌ صافٌ أي صَوِف، وكذلك شاكٌ أي شَوِكٌ. ويُحتمل أن يكونَ محذوفَ العينِ وأصلُه شائك فحُذِفَت العينُ فبقي شاكاً فألفُه زائدةٌ ووزنُه على هذا فال. وأمَّا شاكٍ فمنقوصٌ وطريقتُه بالقلب كما تقدم. ومِنْ وصف السلاح بالشاك قوله: ٢٣٨٥ - وأُلْبِسُ مَنْ رضاه في طريقي ... سلاحاً يَذْعَر الأبطال شاكا فهذا يُحْتمل أن يكونَ محذوفَ العين، وأن يكون أصله شَوِكاً كصَوِف.
следующие страницы →