← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جملةٌ حالية، والضمير في «عنه» يعود على الرسول؛ لأن طاعته من طاعة الله. وقيل: يعود على الله وهذا كقوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقيل: يعود على الأمر بالطاعة.

стр. 4132

وقوله تعالى: ﴿الصم﴾ : إنما جُمِع «الصُمُّ» وهو خبر «شر» لأنه يُراد به الكثرةُ، فجُمع الخبر على المعنى، ولو كان الأصم لكان الإِفرادُ على اللفظ، فالمعنى على الجمع. وقوله: ﴿الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾ يجوز رفعُه أو نصبه على القطع.

стр. 4133

قوله تعالى: ﴿بَيْنَ المرء﴾ : العامَّةُ على فتح الميم، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرِها على إتباعها لحركة الهمزة وذلك أن في «المَرْء» لغتين أفصحُهما على فَتْح الميم مطلقاً. والثانية بإتباع الميم لحركة الإِعراب، فتقول: هذا مُرْءٌ بضم الميم ورأيت مَرْءاً بفتحها، ومررت بمِرْءٍ بكسرها. وقرأ الحسن والزهري بفتح الميم وتشديد الراء. وتوجيهُها أن يكون نَقَلَ حركة الهمزة إلى الراء، ثم ضَعَّف الراء وأجرى الوصل مُجْرى الوقف. قوله: «وأنه» يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعودَ على الله تعالى، وهو الأحسنُ لقوله «الله» .

стр. 4134

قوله تعالى: ﴿لاَّ تُصِيبَنَّ﴾ : في «لا» وجهان، أحدهما أنها ناهيةٌ، وعلى هذا فالجملةُ لا يجوز أن تكون صفةً ل «فتنة» ؛ لأنَّ الجملة الطلبيةَ لا تقعُ صفةً، ويجوز أن تكون معمولة لقول، ذلك القولُ هو الصفةُ أي: فتنةً

стр. 4135

مقولاً فيها: لا تصيبنَّ. والنهيُ في الصورة للمصيبة وفي المعنى للمخاطبين، وهو في المعنى كقولهم: لا أُرَيَنَّك ههنا أي: لا تتعاطوا أسباباً يُصيبكم فيها مصيبةٌ لا تَخُصُّ ظالمَكم. ونونُ التوكيد على هذا في محلِّها. ونظيرُ إضمار القولِ قولُه: ٢٤٠١ - جاؤوا بمَذْقٍ هل رأيتَ الذئبَ قَطْ ... أي: مقول فيه: هل رأيت. والثاني: أن «لا» نافية، والجملةُ صفةٌ ل «فتنة» وهذا واضحٌ من هذه الجهة، إلا أنه يُشْكل عليه توكيد المضارع في غير قسم ولا طلب ولا شرط، وفيه خلافٌ: هل يَجْري النفيُ ب «لا» مَجْرى النهي؟ من الناس من قال نعم، واستشهد بقوله: ٢٤٠٢ - فلا الجارةُ الدنيا لها تَلْحَيَنَّها ... ولا الضيفُ منها إنْ أناخَ مُحَوَّلُ وقال آخر: ٢٤٠٣ - فلا ذا نعيمٍ يُتْرَكَنْ لنعيمه ... وإن قال قَرِّظْني وخُذْ رشوةً أبى ولا ذا بيئسٍ يُتركنَّ لبؤسه ... فينفعَه شكوٌ إليه إن اشْتكى فإذا جاز أن يُؤكَّد المنفيُّ ب «لا» مع انفصاله فلأَنْ يؤكَّد المنفيُّ غيرُ المفصولِ بطريق الأَوْلى. إلا أن الجمهور يَحْملون ذلك على الضرورة. وزعم الفراء أنَّ «لا تصيبَنَّ» جواب للأمر نحو: «انزلْ عن الدابة

стр. 4136

لا تَطْرَحَنَّك» ، أي: إنْ تنزل عنها لا تَطْرحنك، ومنه قوله ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بالنمل: ١٨] ، أي: إنْ تَدْخُلوا لا يَحْطِمنَّكم، فدخلت النونُ لِما فيه من معنى الجزاء. قال الشيخ: «وقوله: لا يَحْطِمَنَّكم وهذا المثالُ ليس نظيرَ» فتنةً لا تصيبنَّ الذين «لأنه ينتظم من الآيةِ والمثالِ شرطٌ وجزاءٌ كما قَدَّر، ولا ينتظم ذلك هنا، ألا ترى أنه لا يَصِحُّ تقدير: إنْ تتقوا فتنة لا تُصِبِ الذين ظلموا، لأنه يترتَّبُ على الشرط غيرُ مقتضاه من جهة المعنى» . قال الزمخشري: «لا تصيبنَّ» : لا يخلو: إمَّا أن يكونَ جواباً للأمر أو نهياً بعد أمرٍ أو صفةً لفتنة. فإذا كانت جواباً فالمعنى: إنْ أصابَتْكم لا تُصِبِ الظالمين منكم خاصة، بل تَعُمُّكم «، قال الشيخ:» وأخذ الزمخشري قولَ الفراء فزاده فساداً وخَبَط فيه «، فذكر ما نقلتُه عنه ثم قال:» فانظر إليه كيف قدَّر أن يكون جواباً للأمر الذي هو «اتقوا» ، ثم قدَّر أداةَ الشرطِ داخلةً على غير مضارع «اتقوا» فقال: المعنى: إن أصابَتْكم، يعني الفتنة. وانظر كيف قدَّر الفراء: انزل عن الدابة لا تَطْرَحَنَّك، وفي قوله: ﴿ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] ، فأدخل أداةَ شرطٍ على مضارع فعل الأمر وهكذا [يُقَدَّر] ما كان جواباً للأمر «. وقيل:» لا تصيبنَّ «جوابُ قسمٍ محذوف، والجملةُ القسميةُ صفةٌ لفتنة أي: فتنة واللهِ لا تصيبنَّ. ودخولُ النونِ أيضاً قليلٌ لأنه منفيٌّ. وقال:

стр. 4137

أبو البقاء:» ودخلت النون على المنفي في غير القسم على الشذوذ «، وظاهرُ هذا أنه إذا كان النفي في جواب القسم يَطَّرد دخولُ النونِ، وليس كذلك. وقيل: إن اللامَ لامُ التوكيد، والفعلُ بعدها مثبتٌ، وإنما مُطِلت اللام، أي: أُشْبِعَتْ فتحتُها فتولَّدَتْ ألفاً، فدخول النون فيها قياسٌ. / وتأثَّر هذا القائلُ بقراءةِ جماعةٍ كثيرة» لتصيبَنَّ «وهي قراءةُ أميرِ المؤمنين وابن مسعود وزيد بن ثابت والباقر والربيع وأنس وأبي العالية وابن جماز. وممن وَجَّه ذلك ابن جني. والعجب أنه وَجَّه هذه القراءةَ الشاذة بتوجيهٍ يَرُدُّها إلى قراءةِ العامَّة، فقال:» ويجوز أن تكون قراءةُ ابن مسعود ومَنْ ذُكر معه مخففةً من «لا» يعني حُذِفَتْ ألفُ «لا» تخفيفاً، واكتُفي بالحركة «، قال:» كما قالوا: أمَ والله يريدون: أما والله «. قال المهدوي:» كما حُذِفت مِنْ «ما» وهي أختُ «لا» في نحو «أما والله لأفعلنَّ» وشبهه. قوله «أخت لا» ليس كذلك لأن «أما» هذه للاستفتاحِ ك «ألا» ، وليست مِنَ النافية في شيءٍ، فقد تحصَّل من هذا أن ابن جني خرَّج كلاً من القراءتين على الأخرى، وهذا لا ينبغي أن يجوز البتة، كيف يُورِدُ لفظَ نفيٍ ويتأوَّل بثبوتٍ وعكسِه؟ هذا إنما يَقْلب الحقائق ويؤدِّي إلى التعمية. وقال المبرد والفراء والزجاج في قراءة العامَّة: «لا تصيبنَّ» : «إنْ الكلامَ قد تَمَّ عند قوله» فتنة «وهو خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمةِ

стр. 4138

خاصةً عن البُعْد من الظلم فتصيبهم الفتنة خاصة. والمرادُ هنا: لا يتعرَّض الظالم للفتنة فتقعَ إصابتُها له خاصة» . قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه: «وإذا كانت نهياً بعد أمرٍ فكأنه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً، ثم قيل: لا تتعرَّضوا للظلم فيصيبَ العقابُ أو أثرُ الذنبِ مَنْ ظَلَم منكم خاصة» . وقال علي بن سليمان «هو نَهْيٌ على معنى الدعاء، وإنما جعله نهياً بمعنى الدعاء لأنَّ دخولَ النونِ في المنفي ب لا عنده لا يجوز، فيصير المعنى: لا أصابَتْ ظالماً ولا غيرَ ظالم، فكأنه قيل: واتقوا فتنةً لا أوقعها الله بأحدٍ» . وقد تَحَصَّلْتُ ممَّا تقدَّم في تخريج هذه الكلمة على أقوال: النهي بتقديرَيْه، والدعاء بتقديريْه، والجواب للأمر بتقديريه، وكونِها صفةً بتقدير القول. قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها للبيان مطلقاً. والثاني: أنها حالٌ فتتعلَّقُ بمحذوف، وجعلها الزمخشري للتبعيض على تقديرٍ، وللبيان على تقدير آخر فقال: «فإن قلت: ما معنى» مِنْ «في قوله» الذين ظلموا منكم «؟ قلت: التبعيضُ على الوجه الأول، والبيان على الثاني؛ لأن المعنى: لا تصيبنَّكم خاصة على ظلمكم، لأنَّ الظلمَ منكم أقبحُ مِنْ سائر الناس» . قلت: يعني بالأولِ كونَه جواباً لأمر، وبالثاني كونَه نهياً بعد أمرٍ. وفي تخصيصه التبعيض بأحد الوجهينِ دون الآخر وكذا الثاني نظرٌ؛ إذ المعنى يَصِحُّ بأحد التقديرين مع التبعيضِ والبيان. قوله: ﴿خَاصَّةً﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: وهو الظاهر أنها حالٌ من الفاعلِ المستكنِّ في قوله: «لا تصيبنَّ» ، وأصلها أن تكون صفةً لمصدرٍ

стр. 4139

محذوفٍ تقديره: إصابةً خاصة. الثاني: أنها حالٌ من المفعول وهو الموصولُ تقديره: لا تصيبنَّ الظالمين خاصة بل تعمُّهم وتعمُّ غيرهم. والثالث: أنه حالٌ من فاعل «ظلموا» قاله ابن عطية. قال الشيخ: «ولا يُعْقَلُ هذا الوجهُ» . قلت: ولا أدري ما عَدَمُ تَعَقُّلِه؟ فإن المعنى: واتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا ولم يَظْلم غيرُهم، بمعنى أنهم اختصوا بالظلم ولم يشاركهم فيه غيرهم، فهذه الفتنةُ لا تختصُّ إصابتها هؤلاء بأنفسهم وتصيبُ مَنْ لم يَظْلم البتة، وهذا معنًى واضح.

стр. 4140

قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجه، أوضحها: أنه ظرف ناصبه محذوف تقديره: واذكروا حالكم الثابتة في وقت قلَّتكم، قاله ابن عطية. والثاني: أنه مفعول به. قال الزمخشري: «نصبٌ على أنه مفعولٌ به مذكورٌ لا ظرفٌ/ أي: اذكروا وقتَ كونِكم أقلةً أذلةً. وفيه نظر لأن» إذ «لا يُتَصَرَّف فيها إلا بما ذكرته فيما تقدم، وليس هذا منه. الثالث: أن يكون ظرفاً ل» اذكروا «قاله الحوفي وهو فاسدٌ، لأن العاملَ مستقبلٌ، والظرفُ ماضٍ، فكيف يتلاقيان؟ قوله: ﴿تَخَافُونَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أظهرُها: أنه خبرٌ ثالثٌ. والثاني: أنه صفةٌ ل» قليل «وقد بُدئ بالوصفِ بالمفرد ثم بالجملة. والثالث: أن يكونَ حالاً من الضمير المستتر في» مُسْتَضْعَفُون «.

стр. 4141

قوله تعالى: ﴿وتخونوا﴾ : يجوز فيه أن يكونَ منصوباً بإضمار «أَنْ» على جواب النهي أي: لا تجمعوا بين الجنايتين كقوله:

стр. 4142

٢٤٠٤ - لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه ... عارٌ عليك إذا فَعَلْت عظيمُ والثاني: أن يكونَ مجزوماً نسقاً على الأول، وهذا الثاني أَوْلى؛ لأنه فيه النهيُ عن كلِّ واحدٍ على حِدَته بخلاف ما قبله، فإنه نهيٌ عن الجمع بينهما، ولا يلزمُ من النهي عن الجمع بين الشيئين النهيُ عن كلِّ واحدٍ على حِدَته. وقد تقدَّم تحريرُ هذا في قوله: ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: ٤٢] أولَ البقرة. و «أماناتِكم» على حَذْف مضاف أي: أصحابَ أماناتكم. ويجوز أن يكونوا نُهوا عن جناية الأماناتِ مبالغةً كأنها جُعِلت مخونةً. وقرأ مجاهد ورُوِيت عن أبي عمرو «أمانتكم» بالتوحيد والمرادُ الجمع. «وأنتم تعلمون» جملة حالية، ومتعلَّقُ العلم يجوز أن يكون مراداً أي: تعلمونَ قُبْحَ ذلك أو أنكم مؤاخذون بها. ويجوز ألاَّ يُقَدَّر أي: وأنتم من ذوي العلم. والعلمُ يُحتمل أن يكون على بابه، وأن يكونَ بمعنى العرفان.

стр. 4143

وتقدَّم الكلامُ على «الفرقان» أول البقرة والمراد به هنا المُخْرج من الضلال، أو الشيء الفارق بين الحق والباطل، قال مزرد ابن ضرار: ٢٤٠٥ - بادَرَ الأفقَ أن يغيبَ فلمَّا ... أظلم الليلُ لم يَجِدْ فُرْقانا وقال آخر: ٢٤٠٦ - ما لك مِنْ طولِ الأَسى فُرْقانُ ... بعد قَطينٍ رحلوا وبانُوا

стр. 4144

وقال آخر: ٢٤٠٧ - وكيف أُرَجِّي الخلدَ والموتُ طالبي ... وما ليَ من كأسِ المنية فرقانُ

стр. 4145

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ : هذا الظرفُ معطوفٌ على الظرف قبله، و «ليُثْبتوك» متعلِّقٌ ب «يَمْكُرُ» . والتثبيتُ هنا الضربُ حتى لا يبقى للمضروبِ حركةٌ قال: ٢٤٠٨ - فقلت وَيْحَكَ ماذا في صحيفتكمْ ... قالوا الخليفةُ أمسى مُثْبَتاً وجِعا وقرأ ابن وثاب «لِيُثَبِّتوك» فعدَّاه بالتضعيف. وقرأ النخعي «ليُبَيِّتُوك» من البيات.

стр. 4146

قوله تعالى: ﴿هُوَ الحق﴾ : العامَّةُ على نصب «الحق» وهو خبر الكون و «هو» فصل، وقد تقدَّم الكلامُ عليه مُشْبعاً. وقال الأخفش: «هو» زائد، ومرادُه ما تقدَّم من كونِه فصلاً. وقرأ الأعمش وزيد بن علي برفع «الحق» ، ووجهُها ظاهرٌ برفع «هو» بالابتداء و «الحق» خبره، والجملةُ خبرُ الكون كقوله: ٢٤٠٩ - ... تَحِنُّ إلى ليلى وأنت تركتَها وكنتَ عليها بالمَلا أنت أقدرُ ... وهي لغةُ تميم. وقال ابن عطية: «ويجوز في العربية رفع» الحق «

стр. 4147

على خبر» هو «والجملةُ خبرٌ ل» كان «. وقال الزجاج:» ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائزِ «. قلت: قد ظهر مَن قرأ به وهما رجلان جليلان. وقوله: ﴿مِنْ عِندِكَ﴾ حالٌ من معنى الحق أي: الثابت حالَ كونه مِنْ عندك. وقوله ﴿مِّنَ السمآء﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ بالفعل قبله. والثاني: أنه صفة لحجارة فيتعلقُ بمحذوفٍ. وقولهم» من السماء «مع أن المطر لا يكون إلا منها، قال الزمخشري:» كأنه أراد أن يقال: فأمْطر علينا السِّجِّيلَ، فوضعَ «حجارة من السماء» موضعَه، كما يقال: «صبَّ عليه مسرودةً من حديد» تريد: «درعاً» ، قال الشيخ: «إنه يريد بذلك التأكيد» ، قال: «كما أن قوله» من حديد «معناه التأكيد؛ لأنَّ المسرودَ لا يكون إلا من حديد كما أن الأمطار لا تكون إلا من السماء» . وقال ابن عطية: «قولهم من السماء مبالغة وإغراق» . قال الشيخ: «والذي يظهر أنَّ حكمةَ قولِهم من السماء هي مقابلتُهم مجيءَ الأمطارِ من الجهة التي ذَكَر ﵇ أنه يأتيه الوحي من جهتها أي: إنك تذكر أن الوحيَ يأتيك مِن السماء فَأْتِنا بالعذابِ من الجهة التي يأتيك الوحي منها قالوه استبعاداً له» .

стр. 4148

قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على هذه اللام المسماة لام الجحود. والجمهورُ على كسرها. وقرأ أبو السمال بفتحها قال ابن عطية عن أبي زيد: «سمعت من العرب مَنْ يقول:» لَيعذبهم «بفتح

стр. 4149

اللام، وهي لغةٌ غيرُ معروفةٍ ولا مستعملةٍ في القرآن» ، قلت: يعني في المشهور منه ولم يَعْتَدَّ بقراءة أبي السمال «. وروى ابن مجاهد عن أبي زيد فتحَ كلِّ لامٍ/ عن بعض العرب إلا في» الحمد لله «. وروى عبد الوارث عن أبي عمرو فَتْحَ لامِ الأمرِ من قوله ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] . وأتى بخبر» كان «الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية، فإنه: إمَّأ أن يكونَ محذوفاً وهو الإِرادة كما يقدِّره البصريون أي: ما كان الله مُريداً لتعذيبهم، وانتفاءُ إرادة العذاب أبلغُ من نفي العذاب، وإمَّا أنه أكَّده باللام على رأي الكوفيين لأنَّ كينونَته فيهم أبلغُ من استغفارهم فشتَّان بين وجودِه ﵇ فيهم وبين استغفارِهم. وقوله: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ حال، وكذلك ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ . والظاهر أن الضمائرَ كلَّها عائدةً على الكفار وقيل: الضمير في» يُعَذِّبهم «و» مُعَذِّبهم «للكفار، والضمير من قوله» وهم «للمؤمنين. وقال الزمخشري:» وهم يستغفرون «في موضع الحال، ومعناه نفيُ الاستغفارِ عنهم أي: ولو كانوا ممَّن يؤمن ويَسْتغفر من الكفر لَمَا عذَّبهم كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٤] ولكنهم لا يَسْتغفرون ولا يؤمنون ولا يُتوقَّع ذلك منهم» وهذا المعنى الذي ذكره منقولٌ عن قتادة وأبي زيد واختاره ابنُ جرير.

стр. 4150

قوله تعالى: ﴿أن لا يُعَذِّبَهُمُ﴾ : في «أن» وجهان، أحدهما:

стр. 4151

وهو الظاهر أنها مصدريةٌ، وموضعها: إمَّا نصبٌ أو جرٌّ لأنها على حذف حرف الجر؛ إذ التقدير: في أن لا يعذبهم. وهذا الجارُّ متعلقٌ بما تعلَّق به «لهم» من الاستقرار. والتقدير: أيُّ شيء استقرَّ لهم في عدم تعذيبِ اللهِ إياهم، بمعنى لا حظَّ لهم في انتفاء العذاب. والثاني: أنها زائدةٌ وهو قول الأخفش. قال النحاس: «لو كانت كما قال لَرَفع» يُعَذِّبهم «. يعني النحاس فكان ينبغي أن يرتفع الفعلُ على أنه واقعٌ موقعَ الحال كقوله: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله﴾ [المائدة: ٨٤] ، ولكن لا يلزم من الزيادة عدمُ العمل، ألا ترى أن» مِنْ «والباء تعملان وهما مزيدتان. وقال أبو البقاء:» وقيل: هو حال وهو بعيد؛ لأنَّ «أَنْ» تُخَلِّص الفعلَ للاستقبال «. والظاهر أن» ما «في قوله» وما لهم «استئنافية، وهو استفهامٌ معناه التقرير أي: كيف لا يُعَذَّبون وهم متصفون بهذه الحال؟ وقيل:» ما «نافية فهي إخبارٌ بذلك أي ليس عدمُ التعذيب، أي: لا ينتفي عنهم التعذيبُ مع تلبُّسِهم بهذه الحال. قوله: ﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ﴾ في هذه الجملةِ وجهان أحدهما: أنها استئنافيةٌ، والهاء تعود على المسجد أي: وما كانوا أولياءَ المسجد. والثاني: أنها نسقٌ على الجملة الحالية قبلها وهي» وهم يَصُدُّون «والمعنى: كيف لا يُعَذِّبُهم الله وهم متصفون بهذبن الوَصْفَيْن: صَدِّهم عن المسجد الحرام وانتفاءِ كونِهم أولياءَه؟ ويجوز أن يعودَ الضميرُ على الله تعالى، أي: لم يكونوا أولياءَ الله.

стр. 4152

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ : أي: ما كان شيءٌ مِمَّا يَعُدُّونه صلاةً وعبادةً إلا هذين الفعلين وهما المُكاء والتَّصْدية، أي: إن كان لهم صلاةٌ فلم تكن إلا هذين كقول الشاعر: ٢٤١٠ - وما كنت أخشى أن يكونَ عطاؤُه ... أداهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا فأقام القيود والسِّياط مُقام العطاء. والمُكاء: مصدر مَكا يمكو، أي صَفَر بين أصابعه أو بين كَفَّيْه، قال الأصمعي: «قلت لمسجع بن نبهان: ما تمكو فريصتُه؟ فَشَبَك بين أصابعه وجَعَلها على فِيه ونفخ فيها. قلت: يريد قول عنترة: ٢٤١١ - وحَليلِ غانيةٍ تركتُ مُجَدَّلاً ... تَمْكُو فريصتُه كشِدْق الأَعْلَمِ يقال: مَكَتِ الفَريصة، أي: صَوَّتَتَ بالدم. ومكت اسْتُ الدابة، أي: نفخت بالريح. وقال مجاهد: المُكَّاء: صفير على لحنِ طائرٍ أبيضَ يكون بالحجاز قال الشاعر: ٢٤١٢ - إذا غرَّد المُكَّاء في غير روضةٍ ... فويلٌ لأهل الشَّاءِ والحُمُرات المُكَّاء فُعَّال بناء مبالغة. قال أبو عبيدة:» يقال مكا يمكو مُكُوَّاً ومُكاءً: صَفَر، والمُكاء بالضم كالبُكاء والصُّراخ. قيل: ولم يشذَّ من أسماء الأصوات بالكسرِ إلا الغِناء والنِّداء.

стр. 4153

والتَّصْدِية فيها قولان أحدهما: أنها من الصَّدى وهو ما يُسْمع مِنْ رَجْع الصوت في الأمكنة الخالية الصُّلبة يقال منه: صَدِي يَصْدَى تَصْدِيَة، والمراد بها هنا ما يُسْمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى. وفي التفسير: أن المشركين كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يُصَلِّي ويتلو القرآن صفَّقوا بأيديهم وصَفَروا بأفواههم ليُشْغِلوا عنه مَنْ يَسْمَعُه ويَخْلطوا عليه قراءته. وهذا مناسبٌ لقوله: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] /. وقيل: هي مأخوذةٌ من التَّصْدِدَة وهي الضجيج والصِّياحُ والتصفيق، فأُبْدِلَت إحدى الدالين ياءً تخفيفاً، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] في قراءة مَنْ كسر الصاد أي: يضجُّون ويَلْغَطون. وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّه عليه أبو جعفر الرُّسْتمي، وقال: «إنما هو مِنْ الصَّدْي فكيف يُجعل من المضعَّف» ؟ وقد ردَّ أبو علي على أبي جعفر رَدَّه وقال: «قد ثبت أنَّ يَصُدُّون مِنَ نحو الصوت فأخْذُه منه، وتَصْدِية تَفْعِلَة» ، ثم ذكر كلاماً كثيراً. والثاني: أنها من الصدِّ وهو المنعُ والأصل: تَصْدِدَة بدالين أيضاً، فأُبْدِلت ثانيتهما ياءً. ويؤيِّد هذا قراءةُ مَنْ قرأ «يَصُدُّون» بالضم أي: يمنعون. وقرأ العامَّةُ «صلاتُهم» رفعاً، «مُكاءً» نصباً، وأبان بن تغلب والأعمش

стр. 4154

وعاصم بخلافٍ عنهما «وما كان صلاتَهم» نصباً، «مكاءٌ» رفعاً. وخطَّأ الفارسي هذه القراءةَ وقال: «لا يجوز أن يُخْبر عن النكرةِ بالمعرفةِ إلا في ضرورة كقول حسان: ٢٤١٣ - كأنَّ سَبيئةً مِنْ بيت رَأْسٍ ... يكونُ مزاجَها عَسَلٌ وماءُ وخرَّجها أبو الفتح على أن المُكاء والتصدية اسما جنس، يعني أنهما مصدران قال:» واسم الجنس تعريفُه وتنكيره متقاربان فلِمَ يُقال ثانيهما جُعل اسماً والآخر خبراً؟ وهذا يَقْرُب من المعرَّف بأل الجنسية حيث وُصِف بالجملة، كما يُوصف به النكرة كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] ، وقولِ الآخر: ٢٤١٤ - ولقد مَرَرْتُ على اللئيم يَسُبُّني ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنيني وقال بعضهم: «وقد قرأ أبو عمرو» إلا مُكاً «بالقصر والتنوين، وهذا كما قالوا: بكاء وبُكى بالمد والقصر. وقال الشاعر فجمع بين اللغتين: ٢٤١٥ - بَكَتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها ... وما يُغْني البكاءُ ولا العويلُ

стр. 4155

قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث﴾ : قد تقدَّم الخلافُ فيه في

стр. 4156

آل عمران. وقوله: «ويَجْعل» : يحتمل أن تكون تصييريةً فتنصبَ مفعولين، وأن تكونَ بمعنى الإِلقاء فتتعدَّى لواحد، وعلى كلا التقديرين ف «بعضه» بدلُ بعضٍ من كل، وعلى القول الأول يكون «على بعض» في موضع المفعول الثاني، وعلى الثاني يكون متعلقاً بنفس الجَعْل نحو قولك: «ألقيْتَ متاعك بعضَه على بعض» . وقال أبو البقاء بعد أن حكم عليها بأنها تتعدَّى لواحد: «وقيل: الجار والمجرور حالٌ تقديرُه: ويجعل الخبيث بعضه عالياً على بعض» . واللام في «ليميز» متعلقة بيُحْشَرون. ويقال: مَيَّزته فتميَّزَ، ومِزْتُه فانماز. وقرئ شاذاً ﴿وانمازوا اليوم﴾ [يس: ٥٩] ، وأنشد أبو زيد: ٢٤١٦ - لمَّا نبا اللهُ عني شرَّ غَدْرتِه ... وانْمِزْتُ لا مُنْسِئاً غَدْراً ولا وَجِلا وقد تقدَّم الفرق بين هذه الألفاظ في آل عمران. قوله: ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ نسقٌ على المنصوب قبله. والرَّكْمُ: جَمْعُك الشيءَ فوق الشيء حتى يَصير رُكاماً ومَرْكوماً، كما يُركم الرمل والسحاب، ومنه ﴿يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] . والمُرْتَكم: جادَّة الطريق للرَّكْم الذي فيه، أي: ازدحام السَّابلة وآثارهم. و «جميعاً» حال. ويجوز أن يكونَ توكيداً عند بعضهم.

стр. 4157

قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ كفروا﴾ : في هذه اللام الوجهان المشهوران: إمَّا التبليغُ، أَمَرَ أن يبلِّغهم معنى هذه الجملةِ المحكيةِ بالقول، وسواءً أوردها بهذا اللفظ أم بلفظٍ آخرَ مؤدٍ لمعناها. والثاني: أنها للتعليل وبه قال الزمخشري ومنع أن تكون للتبليغ فقال: «أي: قل لأجلهم هذا القولَ إن ينتهوا، ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تَنْتَهوا يغفر لكم وهي قراءةُ ابن مسعود، ونحوه: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ﴾ [الأحقاف: ١١] خاطبوا به غيرَهم [لأجلهم] ليسمعوه» . وقرئ «يَغْفر» مبنياً للفاعل، وهو ضمير يعود على الله تعالى.

стр. 4158

قوله تعالى: / « ﴿وَيَكُونَ﴾ : العامةُ على نصبِه نسقاً على المنصوب قبله. وقرأه الأعمشُ مرفوعاً على الاستئناف. وقرأ الحسن ويعقوب وسليمان بن سلام» بما تَعْملون «بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة.

стр. 4159

قوله تعالى: ﴿أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى﴾ : يجوز في «مولاكم» وجهان، أظهرُهما: أنَّ «مولاكم» هو الخبر و «نِعْم المولى» جملةٌ مستقلة سِيْقَتْ للمدح. والثاني: أن تكون بدلاً من «الله» والجملةُ المَدْحِيَّةُ خبر ل «أن» والمخصوصُ بالمدح محذوف أي: نِعْم المولَى اللهُ أو ربكم.

стр. 4160

قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ : الظاهرُ أن «ما» هذه موصولةٌ بمعنى الذي، وكان مِنْ حقها أن تُكتب منفصلةً من «أنَّ» كما كُتِبَتْ ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] منفصلةً ولكن كذا رُسِمت. و «غَنِمْتم» صلتُها، وعائدها محذوف لاستكمال الشروط أي: غَنِمْتموه. وقوله: ﴿فأنَّ الله﴾ الفاءُ مزيدةٌ في الخبر، لأن المبتدأ ضُمِّن معنى الشرط، ولا يَضُرُّ دخولُ الناسخ عليه لأنه لم يغيِّرْ معناه وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ﴾ [البروج: ١٠] ثم قال: «فلهم» . والأخفش مع تجويزه زيادةَ الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً يمنع زيادتها في الموصول المشبه بالشرط إذا دخلَتْ عليه «إنَّ» المكسورة، وآيةُ البروج حجَّةٌ عليه. وإذا تقرَّر هذا ف «أنَّ» وما عَمِلَتْ فيه في محلِّ رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: فواجبٌ أن لله خُمُسَه، والجملة من هذا المبتدأ والخبر خبر ل «أنَّ» . وظاهر كلام الشيخ أنه جَعَلَ الفاءَ داخلةً على «أن لله خُمُسَه» من غير تقديرِ أن تكونَ مبتدأ وخبرها محذوف، بل جَعَلَها بنفسها خبراً، وليس مرادُه ذلك، إذ لا تدخل هذه الفاءُ على مفردٍ بل على جملةٍ، والذي يُقَوِّي إرادَته ما ذكرتُه أنه حكى قولَ الزمخشري أعني كونَه قَدَّره أنَّ «أنَّ» وما في حَيِّزها مبتدأٌ محذوفُ الخبر، فَجَعَله قولاً زائداً على ما قدَّمه. ويجوز في «ما» أن تكونَ شرطيةً، وعاملُها «غَنِمْتُم» بعدها، واسمُ «أنَّ» حينئذٍ ضميرُ الأمرِ والشأن وهو مذهبُ الفراء. إلا أن هذا لا يجوز عند البصريين إلا ضرورةً بشرط أَنْ لا يليها فعل كقوله:

стр. 4161

٢٤١٧ - إنَّ مَن يدخلِ الكنيسةِ يوماً ... يَلْقَ فيها جآذِراً وظِباءَ وقول الآخر: ٢٤١ - ٨- إنَّ مَنْ لام في بني بنتِ حَسَّا ... نَ أَلُمْهُ وأَعْصِهِ في الخُطوبِ وقيل: الفاءُ زائدةٌ و «أن» الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وقال مكي: «وقد قيل: إن الثانيةَ مؤكدةٌ للأولى، وهذا لا يجوز لأن» أنَّ «الأولى تبقى بغير خبرٍ، ولأنَّ الفاء تحول بين المؤكَّد والمؤكِّد، وزيادتُها لا تَحْسُن في مثل هذا» . وقيل: «ما» مصدريةٌ والمصدر بمعنى المفعول أي: أنَّ مَغْنومكم [هو] المفعول به، أي: واعلموا أنَّ غُنْمكم، أي مغنومكم. قوله: ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ عائد الموصول المقدَّر، والمعنى: ما غنمتموه كائناً من شيء أي: قليلاً أو كثيراً. وحكى ابن عطية عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، وحكى غيرُه عن الجعفي عن هارون عن أبي عمرو: «فإن لله» بكسر الهمزة. ويؤيد هذه القراءة قراءة النخعي «فللَّه خمسُه» فإنها استئناف. وخرَّجها أبو البقاء على أنها وما في حَيِّزها في محل رفع خبراً ل «أنَّ» الأولى.

стр. 4162

وقرأ الحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو «خُمْسَه» وهو تخفيفٌ حسن. وقرأ الجعفي «خِمْسَه» ، قالوا: وتخريجها أنه أتبعَ الخاءَ لحركة ما قبلها، وهي هاء الجلالة مِنْ كلمة أخرى مستقلة قالوا: وهي كقراءة مَنْ قرأ ﴿والسمآء ذَاتِ الحبك﴾ [الذاريات: ٧] بكسر الحاء إتباعاً لكسرةِ التاء من «ذات» ولم يَعْتَدُّوا بالساكن وهو لامُ التعريف لأنه حاجزٌ غيرُ حصين. ليت شعري وكيف يَقْرأ الجعفي والحالةُ هذه؟ فإنَّه إنْ قرأ كذلك مع ضم الميم فيكون في غاية الثقلِ لخروجه مِنْ كسرٍ إلى ضم، وإن قرأ بسكونها وهو الظاهر فإنه نقلها قراءةً عن أبي عمرو أو عن عاصم، ولكن الذي قرأ «ذاتِ الحِبك» يُبْقي ضمَّة الباء فيؤدي إلى فِعُل بكسر الفاء وضمِّ العين وهو بناءٌ مرفوض، وإنما قلت إنه يقرأ كذلك؛ لأنه لو قرأ بكسر الباء لَما احتاجوا إلى تأويل قراءته على الإِتباع لأنَّ في «الحبك» لغتين: ضمَّ الحاء والباء أو كسرَهما، حتى زعم/ بعضُهم أن قراءة الخروج مِنْ كسرٍ إلى ضمٍ من التداخل. والغنيمة أصلُها مِن الغُنْم وهو الفوز، وأصل ذلك مِن الغَنَم هذا الحيوان المعروف فإن الظفرَ به يُسَمَّى غُنْماً ثم اتُّسِع في ذلك فسُمِّي كلُّ شيء مظفورٍ به غُنْماً ومَغْنَماً وغنيمةً. قال علقمة بن عبدة: ٢٤١٩ - ومُطْعَمُ الغُنْم يومَ الغُنْمِ مَطْعَمُه ... أنَّى توجَّه والمحرومُ محرومُ وقال آخر:

стр. 4163

٢٤٢٠ - لقد طَوَّفْتُ في الآفاق حتى ... رَضِيتُ من الغنيمة بالإِياب قوله: ﴿إِن كُنتُمْ﴾ شرطٌ جوابه مقدرٌ عند الجمهور لا متقدمٌ، أي: إن كنتم آمنتم فاعلموا أن حكمَ الخُمْس ما تقدَّم، أو فاقبلوا ما أُمِرتم به. قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا﴾ «ما» عطفٌ على الجلالة فهي مجرورةُ المحلِّ، وعائدُها محذوف. وزعم بعضهم أن جوابَ الشرط متقدم عليه، وهو قوله «فنِعْم المَولى» وهذا لا يجوزُ على قواعد البصريين. قوله ﴿يَوْمَ الفرقان﴾ يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون منصوباً ب «أَنْزلنا» أي: أَنْزَلْناه في يوم بدر الذي فُرِق فيه بين الحق والباطل. الثاني: أن ينتصبَ بقوله «آمنتم» ، أي: إن كنتم آمنتمْ في يومِ الفرقان. ذكره أبو البقاء. والثالث: أنه يجوزُ أن يكون منصوباً بغَنِمْتُمْ. قال الزجاج: «أي ما غنمتم في يوم الفرقان حكمُه كذا وكذا» . قال ابن عطية: «وهذا تأويلٌ حسنٌ في المعنى، ويعترضه أنَّ فيه الفصلَ بين الظرف وما يَعْمل فيه بهذه الجملةِ الكثيرةِ الألفاظِ» . قلت: وهو ممنوعٌ أيضاً من جهةٍ أخرى أخصَّ من هذه، وذلك أن «ما» : إمَّا شرطية كما هو رأي الفراء، وإمَّا موصولة، فعلى الأول يؤدِّي إلى الفصل بين فعلِ الشرط ومعموله بجملة الجزاء ومتعلَّقاتها، وعلى الثاني يؤدِّي إلى الفصلِ بين فعل الصلة ومعموله بخبر «أنَّ» . قوله: ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه بدلٌ من الظرفِ قبله. والثاني: أنه منصوب بالفرقان لأنه مصدرٌ فكأنه قيل: يومَ فرق فيه في

стр. 4164

يوم التقى الجمعان أي: الفرق في يوم التقاءِ الجمعين. وقرأ زيد بن علي «عُبُدنا» بضمتين وهو جمع عَبْد، وهذا كما قرئ ﴿وَعُبُدَ الطاغوت﴾ [المائدة: ٦٠] والمراد بالعُبُدِ في هذه القراءة هنا رسول الله ﷺ ومَنْ تبعه من المؤمنين.

стр. 4165

قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنتُمْ﴾ : في هذا الظرفِ أربعةُ أوجهٍ أحدها: أنه منصوبٌ ب «اذكروا» مقدراً وهو قول الزجاج. الثاني: أنه بدل من «يوم الفرقان» أيضاً. الثالث: أنه منصوبٌ ب «قدير» ، وهذا ليس بواضحٍ، إذ لا يتقيَّد اتصافُه بالقدرة بظرفٍ من الظروف. الرابع: أنه منصوبٌ بالفرقان أي: فَرَقَ بين الحق والباطل إذ أنتم بالعُدْوة. قوله: ﴿بالعدوة﴾ متعلق بمحذوف لأنه خبر المبتدأ، والباء بمعنى «في» كقولك «: زيد بمكة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالعِدوة بكسر العين فيهما. والباقون بالضم فيهما وهما لغتان في شطِّ الوادي وشفيره وضِفَّته، سُمِّيَتْ بذلك لأنها عَدَتْ ما في الوادي من ماءٍ ونحوه أن يتجاوزَها أي منعته. قال الشاعر: ٢ ٤٢ ١ - عَدَتْني عن زيارتها العَوادي ... وحالَتْ دونَها حربٌ زَبُونُ وقرأ الحسن وزيد بن علي وقتادة وعمرو بن عبيد بالفتح، وهي كلُّها لغاتٌ بمعنى واحد. هذا هو قولُ جمهورِ اللغويين. على أن أبا عمرو بن العلاء أنكر

стр. 4166

الضمَّ ووافقه الأخفش فقال:» لم يُسْمَعْ من العرب إلا الكسرُ «. ونقل أبو عبيد اللغتين إلا أنه قال:» الضمُّ أكثرهما «. وقال اليزيدي:» الكسر لغة الحجاز «وأنشد قولَ أوس بن حجر: ٢٤٢٢ - وفارسٍ لم يَحُلَّ القوم عِدْوَتَه ... وَلَّوا سِراعاً وما هَمُّوا بإقبال بالكسر والضم، وهذا هو الذي ينبغي أن يُقال فلا وجهَ لإِنكار الضمِّ ولا الكسر لتواتر كلٍ منهما. ويُحْمل قول أبي عمرو على أنه لم يَبْلُغْه. ويُحتمل أن يُقال في قراءةِ مَنْ قرأ بفتح/ العين أن يكون مصدراً سُمِّي به المكان. وقُرئ شاذّاً» بالعِدْية «بقلب الواو ياءً لانكسار ما تقدَّمها، ولا يُعْتبر الفاصلُ لأنه ساكن فهو حاجز غير حصين وهذا كما قالوا:» هو ابن عمي دِنيا «بكسر الدال وهو من الدنو، وكذلك قِنْية وصِبْية، وأصله السَّلامة كالذِّرْوَة والصِّفْوة والرِّبوة. وقوله:» الدنيا «قد تقدَّم الكلام على هذه اللفظة مسبقاً. قوله: ﴿القصوى﴾ تأنيث الأقصى. والأقصى: الأبعد. والقَصْوُ: البعد. وللتصريفيين عبارتان أغلبهما أن فُعْلى من ذوات الواو: إن كانت اسماً أُبْدِلَتْ لامُها ياءً، ثم يُمَثِّلون بنحو الدُّنْيا والعُلْيا والقُصْيا، وهذه صفاتٌ لأنها من باب أفعل التفضيل وكأنَّ العذرَ لهم أن هذه وإن كانت في الأصلِ صفاتٍ إلا أنها جَرَتْ مجرى الجوامد. قالوا: وإن كانت فُعْلى صفةً أُقِرَّتْ لامُها على حالها نحو: الحُلْوى تأنيث الأحلى، ونَصُّوا على أن القُصْوى شاذة وإن كانت

стр. 4167

لغة الحجاز، وأن القُصْيا قياسٌ، وهي لغة تميم. وممَّن نصَّ على شذوذ القصوى يعقوب بن السكيت. وقال الزمخشري:» وأما القصوى فكالقَوَد في مجيئه على الأصل، وقد جاء القُصْيا إلا أنَّ استعمالَ القُصْوى أكثر، كما كثر استعمال «استصوب» مع مجيء «استصاب» وأَغْيلت مع أغالَتْ «انتهى. وقد قرأ زيد بن علي «بالعُدْوَة والقُصْيا» فجاء بها على لغة تميم، وهي القياسُ عند هؤلاء. والعبارة الثانية وهي المغلوبَةُ القليلةُ العكس، أي: إن كانَتْ صفةً أُبْدِلت نحو: العُليا والدنيا والقُصْيا، وإن كانت اسماً أُقِرَّت نحو: حُزْوَى كقوله: ٢٤٢٣ - أداراً بحُزْوَى هِجْتِ للعين عَبْرةً ... فماءُ الهوى يَرْفَضُّ أو يَتَرَقْرَقُ وعلى هذا فالحُلْوى شاذة لإِقرار لامها مع كونها صفةً، وكذا القُصوى أيضاً عند هؤلاء لأنها صفة. وقد ترتَّب على هاتين العبارتين أن «قُصْوى» على خلافِ القياس فيهما، وأن «قُصْيا» هي القياس لأنها عند الأوَّلين من قبيل الأسماء، وهم يقلبونها ياء، وعند الآخرين من قبيل الصفات وهم يقلبونها أيضاً ياءً، وإنما يَظْهر الفرقُ في الحُلْوى وحُزْوى: فالحُلْوى عند الأوَّلين تصحيحُها قياسٌ لكونِها صفةً وشاذة عند الآخرين لأنَّ الصفةَ عندهم تُقْلَبُ واوُها ياءً، والحُزْوَى عكسُها: فإن الأوَّلين يُعِلُّون في الأسماء دون الصفات، والآخرون عكسُهم. وهذا موضعٌ

стр. 4168

حَسَنٌ يختلط على كثير من الناس فلذلك نَقَّحْته. ونعني بالشذوذِ شذوذَ القياسِ لا شذوذَ الاستعمال، ألا ترى إلى استعمال المتواتر بالقصوى. قوله: ﴿والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ الأحسنُ في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على «هم» أن تكونَ عاطفةً ما بعدها على «أنتم» لأنها مَبْدأُ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم. ويجوز أن تكونا واوَيْ حال. و «أسفل» منصوبٌ على الظرف النائب عن الخبر، وهو في الحقيقة صفةٌ لظرف مكان محذوف أي: والركب مكاناً أسفلَ من مكانكم. وقرأ زيد بن علي «أسفلُ» بالرفع وذلك على سبيل الاتِّساع، جعل الظرف نفسَ الركب مبالغة واتساعاً. وقال مكي: «وأجاز الفراء والأخفش والكسائي» أسفلُ «بالرفع على تقديرِ محذوفٍ أي: موضعُ الركب أسفلُ» . والتخريجُ الأولُ أبلغُ في المعنى. والرَّكْبُ اسمُ جمعٍ لراكب لا جمعُ تكسيرٍ له خلافاً للأخفش لقوله: ٢٤٢٤ - بَنَيْتُه مِنْ عُصْبَةٍ مِنْ مالِيا ... أخشى رُكَيْباً أو رُجَيْلاً غاديا فصَغَّره على لفظه، ولو كان جمعاً لَما صُغِّر على لفظه. قوله: ﴿ولكن لِّيَقْضِيَ﴾ «ليَقْضي» متعلِّقٌ بمحذوف، أي: ولكن تلاقَيْتُم ليقضيَ. وقدَّر الزمخشري ذلك المحذوفَ فقال: «أي: ليقضيَ الله أمراً كان واجباً أن يُفْعل وهو نصرُ أوليائه وقَهْرُ أعدائه دَبَّر ذلك» .

стр. 4169

و «كان» يُحتمل أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، وأن تكونَ بمعنى صار، فتدلَّ على التحوُّل أي: صار مفعولاً بعد أن لم يكن كذلك. / قوله: ﴿لِّيَهْلِكَ﴾ فيه أوجه، أحدها: أنه بدلٌ من قوله «ليقضيَ» بإعادة العامل فيتعلَّق بما تعلَّق به الأول. الثاني: أنه متعلقٌ بقوله «مفعولاً» ، أي: فعل هذا الأمر لِكَيْتَ وكيتَ. الثالث: أنه متعلِّقٌ بما تعلَّق به «ليقضيَ» على سبيل العطف عليه بحرفِ عطفٍ محذوف تقديره: وليهلك، فحذف العاطفَ وهو قليلٌ جداً. وقد قدَّمْتُ التنبيهَ عليه. الرابع: أنه متعلِّقٌ ب «يَقْضي» ذكره أبو البقاء. وقرأ الأعمش وعصمة عن أبي بكر عن عاصم «ليهلَكَ» بفتح اللام، وقياسُ ماضي هذا «هَلِك» بالكسر. والمشهور إنما هو الفتح قال تعالى: ﴿إِن امرؤ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿حتى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر: ٣٤] . قوله: ﴿مَنْ حَيَّ﴾ قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، والبزي عن ابن كثير بالإِظهار، والباقون بالإِدغام. والإِظهارُ والإِدغام في هذا النوع لغتان مشهورتان: وهو كلُّ ما آخرُه ياءان من الماضي أولاهما مكسورة نحو: حَيِي وعَيِيَ. ومن الإِدغام قولُ المتلمس:

стр. 4170

٢٤٢٥ - فهذا أَوانُ العِرْضِ حَيَّ ذُبابُه ... . . . . . . . . . . . . . . . وقال آخر: ٢٤٢٦ - عَيُّوا بأمرِهِمُ كما ... عَيَّتْ ببيضَتِها الحمامَهْ فأدغم «عيُّوا» ، ويُنْشَدُ: عَيَّتْ وعَيِيَتْ بالإِظهار والإِدغام. فَمَنْ أظهر فلأنه الأصلُ، ولأن الإِدغامَ يؤدِّي إلى تضعيفِ حرفِ العلةِ وهو ثقيلٌ في ذاته، ولأن الياءَ الأولى يتعيَّن فيها الإظهارُ في بعضِ الصور، وذلك في مضارع هذا الفعلِ لانقلاب الثانية ألفاً في يَحْيَا ويَعْيَا، فَحُمِل الماضي عليه طَرْداً للبابِ، ولأن الحركة في الثاني عارضةٌ لزوالها في نحو: حَييت وبابه، ولأنَّ الحركتين مختلفتان، واختلافُ الحركتين كاختلاف الحرفين قالوا: ولذلك قالوا: لَحِحَت عينه وضَبِبَ المكان وأَلِلَ السِّقاء ومَشِشَتْ الدابة. قال سيبويه: «أخبرَنا بهذه اللغة يونس» يعني بلغة الإِظهار. قال: «وسمعت بعض العرب يقول: أَحْيِياء وأَحْيِيَة فيُظْهر» وإذا لم يُدْغم مع لزومِ الحركةِ فمع عُروضها أَوْلى. ومَنْ أدغم فلاستثقالِ ظهرِ الكسرة في حرفٍ يُجانسه؛ ولأنَّ حركةَ الثانية لازمةٌ لأنها حركةُ بناء، ولا يَضُرُّ زوالُها في نحو حَيِيْتُ، كما لا يضرُّ ذلك فيما يجب إدغامُه من الصحيح نحو: حَلَلْتُ وظَلَلْتُ؛ وهذا كلُّه فيما كانت حركتُه حركةَ بناءٍ، ولذلك قُيِّد به بالماضي، أمَّا إذا كانت حركةَ إعراب فالإِظهارُ فقط له: يُحْيِيَ ولن يُعْيِيَ.
следующие страницы →