Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ : فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه منصوب باذكر مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً أي: إنه مقتطعٌ عما قبله. الثاني: أنه منصوب بيحقُّ أي: يحقُّ الحق وقت استغاثتكم. وهو قول ابن جرير. وهو غلط، لأنَّ «ليحقَّ» مستقبل لأنه منصوب بإضمار «أَنْ» ، و «إذ» ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟ الثالث: أنه بدلٌ من «إذ» الأولى، قاله الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء. وكان قد قَدَّموا أن العامل في «إذا» الأولى «اذكر» مقدراً. الرابع: أنه منصوب ب «يعدكم» قاله الحوفي وقَبْلَه الطبري. الخامس: أنه منصوب بقوله «تَوَدُّون» قاله أبو البقاء. وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصل.
стр. 4097
و «استغاث» يتعدى بنفسه وبالباء. ولم يجئ في القرآن إلا متعدِّياً بنفسه حتى نقم ابن مالك على النحويين قولهم المستغاث له، أو به، والمستغاث من أجله. وقد أنشدوا على تَعَدِّيه بالحرف قول الشاعر:
٢٣٨٣ - حتى استغاثَ بماءٍ لا رِشَاءَ له ... من الأباطحِ في حافَاتِه البُرَكُ
مُكَلَّلٌ بأصول النَّبْت تَنْسُجه ... ريحٌ خَرِيقٌ لضاحي مائِه حُبُكُ
كما استغاث بِسَيْءٍ فَزُّغَيْطَلَةٍ ... خافَ العيونَ ولم يُنْظَرْ به الحَشَكُ
فدلَّ هذا على أنه يتعدى بالحرف كما استعمله سيبويه وغيره.
قوله: ﴿أَنِّي﴾ العامة على فتح الهمزة بتقدير حذف حرف الجر أي: فاستجاب بأني. وقرأ عيسى بن عمر ويُروى عن أبي عمرو أيضاً «إني» بكسرها. وفيها مذهبان: مذهَب البصريين أنه على إضمار القول أي: فقال إني ممدُّكم. ومذهب الكوفيين أنها محكيَّةٌ باستجاب إجراءً له مُجْرى القولِ لأنه بمعناه.
قوله: ﴿بِأَلْفٍ﴾ العامَّة على التوحيد. وقرأ الجحدري: «بآلُفٍ» بزنة أفْلُس. وعنه أيضاً وعن السديّ بزنة أَحْمال. وفي الجمع بين هاتين القراءتين وقراءة الجمهور: أن تُحْمَلَ قراءةُ الجمهور على أن المراد بالأَلْفِ هم الوجوه، وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم يَنُصَّ عليهم في قراءة الجمهور ونصَّ عليهم
стр. 4098
في هاتين القراءتين. أو تُحْمل الألْف على مَنْ قاتَلَ من الملائكة دون مَنْ لم يقاتل فلا تنافِيَ حينئذٍ بين القراءات.
قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قرأ نافع ويُروى عن قنبل أيضاً «مُرْدَفين» بفتح الدال والباقون بكسرها. وهما واضحتان لأنه يُروى في التفسير أنه كان وراء كل مَلِكٍ مَلَكٌ رديفاً له. فقراءة الفتح تُشْعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم خلفهم، وقراءة الكسر تُشْعر بأن الراكبَ خلفَ صاحبهِ قد أَرْدَفَه، فصَحَّ التعبيرُ باسم الفاعل تارةً واسمِ المفعول أخرى. وجَعَلَ أبو البقاء مفعولَ «مُرْدِفين» يعني بالكسر محذوفاً أي: مُرْدِفين أمثالهم. وجَوَّز أن يكون معنى الإِرداف المجيءَ بعد الأوائل أي: جُعِلوا رِدْفاً للأوائل.
ويُطلب جوابٌ عن كيفية الجمع/ بين هذه الآيةِ وآيةِ آل عمران، حيث قال هناك «بخمسة» ، وقال هنا «بأَلْف» والقصة واحدة. والجواب: أن هذه الألف مُرْدِفَةً لتلك الخمسة فيكون المجموعُ ستةَ آلاف، ويظهر هذا ويَقُوى في قراءة «مُرْدِفين» بكسر الدال.
وقد أنكر أبو عبيد أن يكون الملائكة أَرْدَفَت بعضها أي: ركَّبَتْ خلفها غيرها من الملائكة. وقال الفارسي: «مَنْ كسر الدال احتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا مُرْدِفين مثلَهم كما تقول:» أَرْدَفْتُ زيداً دابَّتي «فيكون المفعولُ الثاني محذوفاً، وحَذْفُ المفعولِ كثيرٌ. والوجه الآخر: أن يكونوا
стр. 4099
جاؤوا بعد المسلمين. وقال الأخفش:» بنو فلان يَرْدِفوننا أي: يجيئون بعدنا «، وقال أبو عبيدة:» مُرْدِفين: جاؤوا بعدُ، ورَدِفني وأَرْدَفني واحد «. قال الفارسي:» هذا الوجه كأنه أَبْيَنُ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ، قولُه «مُرْدِفين» أي جائين بعدُ لاستغاثتِكم. ومَنْ فتح الدال فهم مُرْدَفون على: أُرْدِفوا الناسَ أي: أُنْزِلوا بعدهم «.
وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليل» مُرَدِّفين «بفتحِ الراء وكسرِ الدالِ مشدَّدة، والأصل: مُرْتَدِفين فأدغم. وقال أبو البقاء:» إن هذه القراءةَ مأخوذةٌ مِنْ رَدَّفَ بالتشديد الدال على التكثير، وإن التضعيف بدلٌ من الهمزة كأَفْرَحْتُه وفرَّحته «وجَوَّز الخليلُ بن أحمد ضمَّ الراءِ إتباعاً لضمِّ الميم كقولهم: مُخُضِم بضم الخاء، وقد قُرِئ بها شذوذاً.
وقُرئ» مُرِدِّفين «بكسرِ الراء وتشديدِ الدالِ مكسورةً. وكسرُ الراء يَحْتمل وجهين: إمَّا لالتقاء الساكنين وإمَّا للإِتباع. قال ابن عطية:» ويجوز على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للراء، ولا أحفظه قراءة «، قلت: وكذلك الفتحة في» مُرَدِّفين «في القراءةِ التي حكاها الخليل تحتمل وجهين. أحدهما: وهو الظاهر أنها حركةُ نَقْلٍ من التاء حين قصد إدغامَها إلى الراء.
стр. 4100
والثاني: أنها فُتِحَتْ تخفيفاً، وإن كان الأصلُ الكسرَ على أصل التقاء الساكنين كما قد قُرئ به. وقُرِئ» مِرْدِفين «بكسر الميم إتباعاً لكسرة الراء.
والوَجَل: الفَزَعُ. وقيل: استشعار الخوف يُقال منه: وَجِل يَوْجَل وياجَل ويَيْجَل ويَيْجِل وَجَلاً، فهو وَجِل. والشَّوْكَة: السلاح كسِنان الرُّمْح والنَّصْل والسيف، وأصلها من النبتِ الحديدِ الطَرْفِ كشَوْك السَّعْدان، يُقال منه: رجلٌ شائكٌ، فالهمزةُ من واو كقائم، ويجوز قلبُه بتأخيرِ عينه بعد لامه، فيقال:» شاكٍ «، فيصير كغازٍ، ووزنُه حينئذ فالٍ قال زهير:
٢٣٨٤ - لدى أسدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ
ويُوصَفُ السِّلاحُ بالشاكي كما يُوصف به الرجل فيُقال: رجلٌ شاكٌ وشاكٍ، وسلاحٌ شاكٌ وشاكٍ. فأمَّا شاكٌ فصحيحٌ غيرُ معتلٍّ، وألفُه منقلبةٌ عن عين الكلمة، ووزنُه في الأصل على فَعِل بكسر العين، ولكن قُلِبَتْ ألفاً كما قالوا كَبْشٌ صافٌ أي صَوِف، وكذلك شاكٌ أي شَوِكٌ.
ويُحتمل أن يكونَ محذوفَ العينِ وأصلُه شائك فحُذِفَت العينُ فبقي شاكاً فألفُه زائدةٌ ووزنُه على هذا فال. وأمَّا شاكٍ فمنقوصٌ وطريقتُه بالقلب كما تقدم. ومِنْ وصف السلاح بالشاك قوله:
٢٣٨٥ - وأُلْبِسُ مَنْ رضاه في طريقي ... سلاحاً يَذْعَر الأبطال شاكا
فهذا يُحْتمل أن يكونَ محذوفَ العين، وأن يكون أصله شَوِكاً كصَوِف.
стр. 4101
ويُقال أيضاً: هو شاكٌّ في السلاح بتشديد الكاف مِنَ الشِكَّة وهي السلاح أجمع، نقله الهروي والراغب.
والاستغاثة: طلبُ الغَوْث وهو النصرُ والعَوْن وقيل: الاستغاثةُ سَدُّ الخَلَّة وقت الحاجة. وقيل: هي الاستجارةُ. ويقال: غَوْثٌ وغُواث وغَواث، والغيث من المطر والغَوْث من النصرة، فعلى هذا يكونُ «استغاث» مشتركاً بينهما، ولكن الفرقَ بينهما في الفعل فيقال: استَغَثْتُه فأغاثني من الغَوْث، وغاثَني مِن الغَيْث. والإِردافُ: الإِتباع والإِركاب وراءك. قال الزجاج: «أَرْدَفْتُ الرجل إذا جئت بعده» . ومنه ﴿تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: ٧] ، ويقال: رَدِف وأَرْدَف. واختلف اللغويون فقيل: هما بمعنى واحد، وهو قولُ ابنِ الأعرابي نقله عنه ثعلب، وقولُ أبي زيد نقله عنه أبو عبيد قال: «يُقال: رَدِفْتُ الرجلَ وأَرْدَفْته إذا ركبْتَ خلفَه» ، وأنشد:
٢٣٨٦ - إذا الجوزاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظنَنْتُ بآل فاطمةَ الظُّنونا
أي جَاءَتْ على رِدْفِها. وقيل: بل بينهما فرقٌ، فقال الزجاج: «يقال: رَدِفْتُ الرجلَ: رَكِبْتُ خلفَه وأَرْدَفْتُه: أركبتُه خلفي» وهذا يناسِبُ قولَ
стр. 4102
مَنْ يُقَدِّر مفعولاً في «مُرْدِفين» بكسرِ الدال، وأَرْدَفْتُه «إذا جِئْتَ بعده أيضاً، فصار أَرْدَفَ على هذا مشتركاً بين معنيين. وقال شمر:» رَدِفْتُ وأَرْدَفْتُ إذا فَعَلْتَ ذلك بنفسك، فأمَّا إذا فَعَلْتَهما/ بغيرك فَأَرْدَفْتُ لا غير «. وقوله: ﴿مُرْدَفِينَ﴾ بفتح الدالِ فيه وجهان، أظهرهما: أنه صفةٌ لأَلْف أي أَرْدَف بعضُهم لبعض. والثاني: أنه حالٌ من ضمير المخاطبين في» يمدُّكم «قال ابن عطية:» ويُحتمل أن يُراد بالمُرْدَفين المؤمنون أي: أُرْدِفوا بالملائكة «وهذا نصٌّ فيما ذكرته من الوجه الثاني. وقال الزمخشري:» وقرئ «مُرْدَِفين» بكسر الدال وفتحها مِنْ قولك: رَدِفه إذا تبعه، ومنه قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] ، أي: رَدِفَكم، وأَرْدَفْتُه إياه إذا تَبِعْتَه، ويقال: أَرْدَفته كقولك: اتَّبَعْته إذا جئت بعده، فلا يخلُو المكسورُ الدالِ مِنْ أن يكون بمعنى مُتْبِعين أو مُتَّبِعين. فإن كان بمعنى مُتْبِعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى مُتْبِعِيْن بعضَهم بعضاً، أو مُتْبِعين بعضهم لبعض، أو بمعنى مُتْبعين إياهم المؤمنين، بمعنى يتقدَّمونهم فيُتْبعونهم أنفسهم أو مُتْبِعين لهم يُشَيِّعونهم ويُقَدِّمونهم بين أيديهم وهم على ساقتهم ليكونوا على أعينهم وحِفْظهم، أو بمعنى مُتْبِعين أنفسهم ملائكةً آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة. ويعضد هذا الوجهَ قولُه تعالى في سورة آل عمران
﴿بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] ، ومن قرأ «مُرْدَفين» بالفتح فهو بمعنى مُتْبَعين أو مُتَّبَعين «.
стр. 4103
قلت: وهذا الكلامُ على طوله شرحُه أنَّ» أَتْبع «بالتخفيف يتعدَّى إلى مفعولين، و» اتَّبع «بالتشديد يتعدى لواحدٍ، وأَرْدَف قد جاء بمعناهما، ومفعولُه أو مفعولاه محذوفٌ لفهم المعنى، فيقدَّر في كل موضع ما يليق به. إلا أنَّ الشيخ عابَ عليه قوله» مُتْبِعين إياهم المؤمنين وقال: «هذا ليس من مواضعِ فَصْلِ الضمير بل مما يتصل وتُحْذف له النون، لا يقال: هم كاسون إياك ثوباً، بل كاسوك، فتصحيحه أن يقول: متبعيهم المؤمنين أو مُتْبعين أنفسَهم المؤمنين» .
стр. 4104
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ : الهاء تعود على الإِمداد أي: وما جعل اللهُ الإِمدادَ. ثم هذا الإِمدادُ يحتمل أن يكون المنسبكَ من قوله ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] ، إذ المعنى: فاستجاب بإمدادكم. ويحتمل أن يكون مدلولاً عليه بقوله «مُمِدُّكم» كما دلَّ عليه فِعْلُه في قوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] . وهذا الثاني أَوْلى لأنه مُتَأَتٍّ على قراءة الفتح والكسر في «إني» بخلاف الأول فإنه لا يتجه عَوْدُه على الإِمداد على قراءة الكسر إلا بتأويلٍ ذكره الزمخشري وهو أنه مفعولُ القول المضمر فهو في معنى القول. وقيل يعود على المَدَد قاله الزجاج. قال الواحدي: «وهذا أَوْلَى لأنَّ بالإِمداد بالملائكة كانت البشرى» . وقال الفراء: «إنه يعودُ على الإِرداف المدلول عليه بمردفين» . وقيل: يعودُ على الألف. وقيل: على الوعد المدلول عليه ب ﴿يَعِدُكُمُ﴾ [الأنفال: ٧] .
стр. 4105
وقيل: على جبريل أو على الاستجابة، لأنها مؤنث مجازي، أو على الإِخبار بالإِمداد. وهي كلُّها محتملة وأرجحها الأولُ، والجَعْل هنا تصييرٌ.
стр. 4106
قوله تعالى: ﴿إذ يَغْشاكم﴾ : في «إذ» وجوه أحدها: أنه بدل من «إذ» في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ [الأنفال: ٧] . قال الزمخشري: «إذ يغشاكم بدلٌ ثانٍ من» إذ يَعِدكم «. قوله:» ثان «لأنه أبدل منه» إذ «في قوله» إذ تَسْتغيثون «ووافقه على هذا ابن عطية وأبو البقاء. الثاني: أنه منصوبٌ بالنصر. الثالث: ب ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ [الأنفال: ١٠] من معنى الفعل. الرابع: ب ﴿مَا جَعَلَهُ الله﴾ [الأنفال: ١٠] . الخامس: بإضمار» اذكر «. ذكر ذلك الزمخشري. وقد سبقه إلى الرابع الحوفيُّ.
وقد ضَعَّفَ الشيخُ الوجهَ الثاني بثلاثة أوجه أحدها: أنَّ فيه إعمالَ المصدرِ المقرون بأل قال:» وفيه خلاف ذهب الكوفيون إلى أنه لا يَعْمل. الثاني من الأوجه المضعِّفة أنه فيه فصلٌ بين المصدر ومعموله بالخبر وهو قوله: «إلا من عند الله» ، ولو قلت: «ضَرْبُ زيدٍ شديدٌ عمراً» لم يَجُزْ. الثالث: أنه عَمل ما قبل «إلا» فيما بعدها وليس أحدَ الثلاثةِ الجائزِ ذلك فيها،
стр. 4107
لأنه لا يعمل ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكونَ مستثنى أو مستثنى منه أو صفةً له. وقد جوَّز الكسائي والأخفش إعمالَ ما قبل «إلا» فيما بعدها مطلقاً، وليس في هذه الأوجه أحسنُ من أنه أخبر عن الموصول قبل تمامِ صلته.
وضَعَّفَ الثالثَ بأنه يلزم منه أن يكون استقرارُ النصر مقيَّداً/ بهذا الظرفِ، والنصرُ من عند الله لا يتقيَّد بوقت دون وقت. وهذا لا يَضْعُفُ به لأنَّ المرادَ بهذا النصرِ نصرٌ خاص، وهذا النصرُ الخاصُّ كان مقيداً بذلك الظرف. وضعَّف الرابعَ بطولِ الفصل ويكون معمولاً لما قبل «إلا» .
السادس: أنه منصوبٌ بقوله: «ولتطمئنَّ به» قاله الطبري. السابع: أنه منصوبٌ بما دلَّ عليه «عزيز حكيم» قاله أبو البقاء. ونحا إليه ابن عطية قبله.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يَغْشاكم النعاسُ» . نافع: «يُغْشِيكم» بضم الياء وكسر الشينِ خفيفةً. «النعاسَ» نصباً. والباقون «يُغَشِّيكم» كالذي قبله، إلا أنه بتشديد الشين فالقراءة الأولى مِنْ غَشِي يَغْشَى، و «النعاس» فاعل. وفي الثانية مِنْ «أغشى» ، وفاعلُه ضميرُ الباري تعالى، وكذا في الثالثة مِنْ «غَشَّى» بالتشديد. و «النعاس» فيهما مفعول به، وأغشى وغشَّى لغتان.
قوله: «أَمَنَةً» في نصبِها ثلاثةُ [أوجه] أحدُها: أنه مصدرٌ لفعلٍ مقدر أي: فَأَمِنْتُم أَمَنةً. الثاني: أنها منصوبة على أنها واقعةٌ موقعَ الحال: إمَّا من
стр. 4108
الفاعل، فإن كان الفاعلُ «النعاس» فنسبةُ الأمنة إليه مجازٌ، وإن كان الباريَ تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبة حقيقةٌ، وإمَّا من المفعولِ على المبالغة أي: جَعْلهم نفسَ الأمنة، أو على حَذْفِ مضاف أي: ذوي أمنة.
الثالث: أنه مفعولٌ من أجله وذلك: إمَّا أن يكونَ على القراءتين الأخيرتين أو على الأولى، فعلى القراءتين الأخيرتين أمرُها واضحٌ، وذلك أن التغشيةَ أو الإِغشاءَ من الله تعالى، والأمنةُ منه أيضاً، فقد اتحد الفاعلُ فصحَّ النصب على المفعول له. وأمَّا على القراءة الأولى ففاعل «يغشى» النعاسُ، وفاعل «الأمنة» الباري تعالى. ومع اختلافِ الفاعلِ يمتنع النصبُ على المفعول له على المشهور وفيه خلافٌ، اللهم إلا أن يُتَجَوَّز بتجوز.
وقد أوضح ذلك الزمخشري فقال: «وأَمَنَةً» مفعولٌ له. فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعلُ الفعلِ المُعَلَّلِ والعلةِ واحداً؟ قلت: بلى ولكن لمَّا كان معنى «يَغْشاكم النعاسُ» تَنْعَسون انتصب «أَمَنةً» على معنى: أنَّ النعاسَ والأَمَنَة لهم، والمعنى إذ تَنْعَسُون أمناً «. ثم قال:» فإن قلت: هل يجوزُ أن ينتصبَ على أن الأمنةَ للنعاس الذي هو يغشاكم أي: يَغْشاكم النعاسُ لأمنة، على أنَّ إسنادَ الأَمْن إلى النعاس إسنادٌ مجازي وهو لأصحابِ النُّعاس على الحقيقة، أو على أنه أتاكم في وقت كان مِنْ حق النعاس في ذلك الوقت المَخُوف أن لا يُقَدَّمَ على غشيانكم، وإنما غَشَّاكم أمنةً حاصلةً له من الله لولاها لم يَغْشكم على طريقة التمثيل والتخييل «. قلت: لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله، وله فيه نظائرُ، وقد ألمَّ به من قال:
стр. 4109
٢٣٨٧ - يَهاب النَّوْمُ أن يَغْشى عيوناً ... تهابُكَ فهْوَ نَفَّارٌ شَرودُ
وقوله: ﴿مِنْه﴾ في محلِّ نصبٍ صفةً ل» أَمَنَة «، والضمير في» منه «يجوزُ أن يعودَ على الباري تعالى، وأَنْ يعودَ على النعاس بالمجاز المذكور آنفاً.
وقرأ ابن محيصن والنخعي ويحيى بن يعمر» أَمْنَةً «بسكون الميم. ونظير أَمِنَ أَمَنَةً بالتحريك حَيِي حياة، ونظيرُ أَمِن أَمْنة بالسكون رَحِم رَحْمَةً.
قوله: ﴿مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ﴾ العامَّةُ على» ماءً «بالمد. و» ليطهركم «متعلِّقٌ ب» يُنَزِّل «. وقرأ الشعبي» ما ليطهركم «بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان أظهرهما وهو الذي ذكره ابن جني وغيره أنَّ» ما «بمعنى الذي، و» ليطهِّرَكم «صلتُها، وقال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم، فقدَّر الجارَّ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلة ل» ما «. وقد ردَّ الشيخ هذين التخريجين بأن لامَ» كي «لا تقعُ صلةً. والثاني: أن» ما «هو ماء بالمد، ولكن العرب قد حَذَفَتْ همزتَه فقالوا:» شربت ماً «بميم منونة، حكاه ابن مقسم، وهذا لا نظيرَ له إذ لا يجوز أن يُنْتَهَك اسمٌ مُعْرَبٌ بالحذف حتى يبقى على حرفٍ واحد.
إذا عُرِف هذا فيجوزُ أن يكونَ قَصَرَها، وإنما لم ينوِّنْه إجراءً للوصل مُجْرى الوقف. ثم هذه الألفُ يحتمل أن تكون عين الكلمة وأن الهمزةَ محذوفةٌ/ وهذه الألفُ بدلٌ مِنَ الواو التي في «مَوَهَ» في الأصل، ويجوز أن تكونَ المبدلةَ من التنوين وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقف. والأولُ أَوْلَى لأنهم يُراعون في الوقف أن لا يتركوا الموقوف عليه على حرفٍ واحد نحو «مُرٍ» اسم فاعل مِنْ أرى يُري.
стр. 4110
قوله: «ويُذْهِبَ» نسقٌ على «ليطهِّركم» . وقرأ عيسى بن عمر «ويُذْهِبْ» بسكون الباء، وهو تخفيف سمَّاه الشيخ جزماً. والعامة على «رِجز» بكسرِ الراء والزاي. وقرأ ابن محيصن بضم الراء، وابنُ أبي عبلة بالسين. وقد تقدَّم الكلامُ على كل واحد منها. ومعنى «رجز الشيطان» هنا ما ينشأُ عن وسوسته.
стр. 4111
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ ثالث من قوله ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ [الأنفال: ٧] . والثاني: أن ينتصب بقوله «ويثبِّتَ» ، قالهما الزمخشري، ولم يَبْنِ ذلك على عود الضمير. وأمَّا ابنُ عطية فبناه على عَوْد الضمير في قوله «به» ، فقال: «العاملُ في» إذ «العاملُ الأول على ما تقدَّم فيما قبلها، ولو قدَّرْناه قريباً لكان قوله» ويُثَبِّتَ «على تأويل عَوْده على الرَّبط، وأمَّا على تأويل عَوْده على الماء فَيَقْلَق أن يعمل» ويثبت «في إذ» ، وإنما قَلِق ذلك عنده لاختلاف زمان التثبُّت وزمان الوحي، فإنَّ إنزالَ المطر وما تعلَّق به مِنْ تعليلاتٍ متقدمٌ على تغشية النعاس، وهذا الوحيُ وتغشيةُ النعاس والإِيحاءُ كانا وقتَ القتال.
قوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ مفعول ب «يوحي» ، أي: يوحي كوني معكم بالغلبة والنصر. وقرأ عيسى بن عمر بخلافٍ عنه «إني معكم» بكسرِ الهمزة.
стр. 4112
وفيه وجهان، أحدهما: أن ذلك على إِضمارِ القول، وهو مذهب البصريين. والثاني: إجراء «يوحي» مُجْرى القول لأنه بمعناه، وهو مذهب الكوفيين. قوله: ﴿فَوْقَ الأعناق﴾ فيه أوجه، أحدها: أن «فوق» باقيةٌ على ظرفيتها، والمفعولُ محذوفٌ أي: فاضربوهم فوق الأعناق، عَلَّمَهم كيف يضربونهم. والثاني: أن «فوق» مفعولٌ به على الاتِّساع لأنه عبارةٌ عن الرأس كأنه قيل: فاضربوا رؤوسَهم. وهذا ليس بجيدٍ لأنه لا يَتَصَرَّف. وقد زعم بعضُهم أنه يتصرَّف وأنك تقول: فوقُك رأسُك برفع «فوقك» ، وهو ظاهرُ قول الزمخشري فإنه قال: «فوق الأعناق: أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح التي هي مفاصل» . الثالث: وهو قول أبي عبيدة أنها بمعنى على أي: على الأعناق، ويكون المفعول محذوفاً تقديره: فاضربوهم على الأعناق، وهو قريبٌ من الأول. الرابع: قال ابن قتيبة: «هي بمعنى دون» . قال ابن عطية: «وهذا خطأ بَيِّنٌ وغلطٌ فاحش، وإنما دخل عليه اللَّبْس من قوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] ، أي: فما دونها، وليست» فوق «هنا بمعنى دون، وإنما المرادُ: فما فوقها في القلة والصغر. الخامس: أنها زائدة أي اضربوا الأعناق وهو قول أبي الحسن، وهذا عند الجمهورِ خطأ، لأنَّ زيادةَ الأسماءِ لا تجوز.
قوله: ﴿مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يجوز أن يتعلَّق» منهم «بالأمر قبله أي: ابْتَدِئوا الضرب من هذه الأماكن والأعضاء من أعاليهم إلى أسافِلهم. ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على
стр. 4113
أنه حال مِنْ» كلِّ بنان «؛ لأنه في الأصل يجوز أن يكون صفةً له لو تأخَّر قال أبو البقاء:» ويَضْعُف أن يكون حالاً من «بنان» إذ فيه تقديمُ حالِ المضاف إليه على المضاف «فكأن المعنى: اضربوهم كيف ما كان.
قال الزمخشري: «يعني ضَرْبَ الهام» قال:
٢٣٨٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأَضْرِبُ هامةَ البطلِ المُشيحِ
وقال:
٢٣٨٩ - غَشَّيْتُه وَهْو في جَأْواءَ باسلةٍ ... عَضْباً أصابَ سَواءَ الرأسِ فانفلقا
وقال ابن عطية: «ويُحتمل أن يريد بقوله:» فوق الأعناق «وَصْفَ أبلغِ ضَرَبات العنقِ، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق، ودون عظم الرأس» ، ثم قال: «منه قوله:
٢٣٩٠ - جَعَلْتُ السيفَ بين الجِيْدِ مِنْه ... وبين أَسِيْلِ خَدَّيْه عِذارا»
وقيل: هذا مِنْ ذِكْر الجزء وإرادةِ الكل كقول عنترة: /
стр. 4114
٢٣٩١ - عَهْدي به شَدَّ النهار كأنما ... خُضِب البَنانُ ورأسُه بالعِظْلم
والبَنان: قيل الأصابع، وهو اسمُ جنسٍ، الواحد بَنانة قال عنترة:
٢٣٩٢ - وإنَّ الموتَ طَوْعُ يدي إذا ما ... وصلْتُ بنانَها بالهُنْدُواني
وقال أبو الهيثم: «البنان: المفاصِلُ، وكلُّ مَفْصِلٍ بنانة» . وقيل: البَنان: الأصابعُ من اليدين والرجلين. وقيل: الأصابع من اليدين والرِّجلين وجميع المَفَاصل من جميع الأعضاء، وأنشد لعنترة:
٢٣٩٣ - وكان فتى الهَيْجاءِ يَحْمي ذِمارَها ... ويَضْرِبُ عند الكَرْب كلَّ بنانِ
وقد تُبْدَلُ نونُه الأخيرة ميماً. قال رؤبة:
٢٣٩٤ - يا هالَ ذاتَ المَنْطِقِ النَّمْنامِ ... وكَفِّك المخضَّبِ البنَامِ
стр. 4115
قوله تعالى: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ﴾ : مبتدأ وخبر؟ والإِشارةُ إلى الأمر بضَرْبهم، والخطابُ يجوز أن يكون للرسول، ويجوز أن يكونَ للكفار، وعلى هذا فيكونُ التفاتاً. كذا قال الشيخ وفيه نظر لوجهين أحدهما: أنه يلزمُ من ذلك خطابُ الجمع بخطاب الواحد وهو ممتنعٌ أو قليل، وقد حُكِيَتْ لُغَيَّة. والثاني: أن بعده «بأنهم شاقُّوا» فيكون التفتَ من الغَيْبة إلى الخطاب في كلمة واحدة، ثم رَجَع إلى الغَيْبة في الحال وهو بعيد.
قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الله﴾ «مَنْ» مبتدأ والجملة الواقعة بعدها خبرها
стр. 4116
أو الجملة الواقعة جزاءً أو مجموعهما. ومَنْ التزم عَوْدَ ضميرٍ مِنْ جملةِ الجزاء على اسم الشرط قدَّره هنا محذوفاً تقديرُه: فإنَّ الله شديدُ العقاب له. واتفق القراءُ على فَكِّ الإِدغام هنا في «يُشاقِق» لأن المصاحفَ كَتَبَتْه بقافين مفكوكَتَيْن، وفكُّ هذا النوعِ لغةُ الحجاز، والإِدغامُ بشروطه لغة تميم.
стр. 4117
قوله تعالى: ﴿ذلكم فَذُوقُوهُ﴾ : يجوز في «ذلكم» أربعةُ أوجه أحدها: أن يكونَ مرفوعاً على خبر ابتداء مضمر أي: العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم. الثاني: أن يرتفعَ بالابتداء والخبرُ محذوفٌ أي: ذلكُ العقابُ. وعلى هذين الوجهين فيكون قولُه «فذوقوه» لا تَعَلُّق لها بما قبلها مِنْ جهة الإِعراب. والثالث: أن يرتفع بالابتداء، والخبرُ قوله: «فذوقوه» ، وهذا على رأي الأخفش فإنه يرى زيادة الفاء مطلقاً أعني سواءً تضمَّن المبتدأ معنى الشرط أم لا، وأما غيرُه فلا يُجيز زيادتها إلا بشرط أن يكون المبتدأ مشبهاً لاسم الشرط، وقد قَدَّمْتُ تقريرَه غير مرة. واستدلَّ الأخفش على جواز ذلك بقول الشاعر:
٢٣٩٥ - وقائلةٍ خولانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ ... وأُكْرومَةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هيا
وخرَّجه الآخرون على إضمار مبتدأ تقديره: هذه خولان. الرابع: أن يكون منصوباً بإضمار فعل يُفَسِّره ما بعده، ويكون من باب الاشتغال. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون نصباً على «عليكم ذلكم» كقوله: زيداً فاضربه «. قال الشيخ:» ولا يَصِحُّ هذا التقدير لأنَّ «عليكم» من أسماء
стр. 4118
الأفعال، وأسماءُ الأفعالِ لا تُضْمَر، فتشبيهُه بقولك: «زيداً فاضرِبْه» ليس بجيد، لأنهم لم يُقَدِّروه ب «عليك زيداً فاضربه» وإنما هذا منصوبٌ على الاشتغال «، قلت: يجوز أن يكون نحا الزمخشري نَحْوَ الكوفيين، فإنهم يُجرونه مُجْرى الفعل مطلقاً، وكذلك يُعْملونه متأخراً نحو: ﴿كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
وقال أبو البقاء:» ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي: ذوقوا ذلكم، ويُجْعَلَ الفعلُ الذي بعده مفسِّراً له، والأحسن أن يكون التقدير: باشروا ذلكم فذوقوه لتكون الفاءُ عاطفةً «. قلت: ظاهرُ هذه العبارةِ الثانية أن المسألةَ لا تكون مِن الاشتغال لأنه قَدَّر الفعلَ غيرَ موافقٍ لما بعده لفظاً مع إمكانه، وأيضاً فقد جَعَلَ الفاءَ عاطفةً لا زائدةً، وقد تقدَّمَ تحقيقُ الكلام في هذه الفاء عند قوله: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] .
قوله: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار﴾ الجمهور على فتح» أنَّ «وفيها تخريجات، أحدها: أنها وما في حَيِّزها في محل رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: حَتْمٌ استقرارُ عذابِ النار للكافرين. والثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف أي: الحتم/ أو الواجب أن للكافرين، أو الواجب أن للكافرين عذاب النار. الثالث: أن تكون عطفاً على» ذلكم «في وجهَيْه، قاله الزمخشري، ويعني بقوله» في وجهيه «، أي: وجهي الرفع وقد تقدَّما. الرابع: أن تكون في محلِّ نصب على المعيَّة، قال الزمخشري:» أو نصب
стр. 4119
على أن الواو بمعنى مع، والمعنى: ذوقوا هذا العذابَ العاجلَ مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضَع الظاهرَ موضعَ المضمر «يعني بقوله» وَضَع الظاهرَ موضعَ المضمر «أن أصلَ الكلام: فذوقوه وأن لكم، فوضع» للكافرين «موضعَ» لكم «، شهادةً عليهم بالكفر ومَنْبَهَةً على العلة. الخامس: أن يكون في محل نصب بإضمار اعلموا، قال الشاعر:
٢٣٩٦ - تسمع للأَحْشاء منه لَغَطَاً ... ولليدين جُسْأَةً وبَدَدا
أي: وترى لليدين بَدَداً، فأضمر» ترى «، كذلك فذوقوه: واعلموا أنَّ للكافرين. وأنكره الزجاج أشدَّ إنكارٍ وقال:» لو جاز هذا لجاز: «زيد قائم وعمراً منطلقاً» ، أي: وترى عمراً منطلقاً، ولا يُجيزه أحد «.
وقرأ زيد بن علي والحسن بكسرها على الاستئناف.
стр. 4120
قوله تعالى: ﴿زَحْفاً﴾ : فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدر، وذلك الناصب له في محل نصب على الحال، والتقدير: إذا لقيتم الذين كفروا زاحفين زحفاً، أو يزحفون زحفاً. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال بنفسه ثم اختلفوا في صاحبِ الحال فقيل: الفاعل، أي: وأنتم زَحْف من الزحوف، أي: جماعة، أو وأنتم تمشون إليهم قليلاً قليلاً على حَسَب ما يُفَسَّر به الزَّحْف وسيأتي. وقيل: هو المفعول أي: وهم جمٌّ كثير أو يمشون إليكم. وقيل: هي حالٌ منهما أي: لقيتموهم متزاحِفين بعضَكم إلى بعض.
стр. 4121
والزَّحْفُ: الدنوُّ قليلاً قليلاً يقال: زَحَف يَزْحَف إليه بالفتح فيهما فهو زاحفٌ زَحْفاً، وكذلك تَزَحَّفَ وتَزَاحف وأَزْحَفَ لنا عدوُّنا أي: دَنَوا لقتالنا. وقال الليث: «الزَّحْفُ: الجماعة يمشون إلى عدوِّهم، قال الأعشى:
٢٣٩٧ - لِمَنِ الظعائنُ سَيَّرُهُنَّ تَزَحُّفُ ... مثلَ السَّفِينِ إذا تقاذَفُ تَجْدِفُ
وهذا من باب إطلاق المصدر على العين. والزَّحْفُ: الدبيب أيضاً مِنْ» زَحَفَ الصبيُّ «، قال امرؤ القيس:
٢٣٩٨ - فَزَحْفاً أَتَيْتُ على الرُّكْبَتَيْنِ ... فثوباً لَبِسْتُ وثوباً أَجُرّْ
ويجوز جمعُه على زُحوف ومَزاحِف، لاختلاف النوع، قال الهذلي:
٢٣٩٩ - كأنَّ مَزاحِفَ الحَيَّاتِ فيه ... قبيل الصُّبْحِ آثارُ السِّياطِ
ومَزاحِف جمع مَزْحَف اسمَ المصدر.
قوله:» الأَدْبار «مفعول ل» تُوَلُّوهم «.
стр. 4122
وكذا ﴿دُبُرَه﴾ مفعول ثان ل ﴿يُوَلِّهم﴾ : وقرأ الحسن بالسكون كقولهم «عُنْق» في عُنُق، وهذا من باب التعريض حيث ذكر لهم حالةً تُسْتَهْجَنُ مِنْ فاعلها فأتى بلفظ الدُّبُر دون الظَّهر لذلك. وبعضهم من أهل علم البيان سَمَّى هذا النوع كنايةً وليس بشيء.
стр. 4123
قوله: ﴿إلا مُتَحرِّفاً﴾ في نصبه وجهان، أحدهما: أنه حال. والثاني: أنه استثناء. وقد أوضح ذلك الزمخشري فقال: «فإن قلت: بمَ انتصبَ» إلا متحرِّفاً «؟ قلت: على الحال، و» إلا «لغوٌ، أو على الاستثناء من المُوَلِّين، أي: ومَنْ يُوَلِّهم إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً» . قال الشيخ: «لا يريد بقوله» إلا لغوٌ «أنها زائدة، بل يريد أن العامل وهو» يُوَلِّهم «وَصَلَ لِما بعدها كقولهم في نحو» جئت بلا زاد «إنها لغو، وفي الحقيقة هي استثناءٌ من حال محذوفة والتقدير: ومَنْ يُوَلِّهم مُلْتبساً بأية حال إلا في حال كذا، وإن لم تُقَدَّر حالٌ عامةٌ محذوفة لم يَصِحَّ دخولُ» إلا «لأنَّ الشرطَ عندهم واجبٌ، والواجبُ حكمُه أن لا تدخلَ» إلا «فيه لا في المفعول ولا في غيره من الفَضَلات، لأنه استثناءٌ مفرغ، والمفرَّغ لا يكون في الواجب إنما يكون مع النفي أو النهي، أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهرُه خلافُ ذلك يُؤَوَّل» ، قلت: قوله: «لا في المفعول ولا في غيره من الفَضَلات» لا حاجةَ إليه؛ لأن الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإِيجابِ مطلقاً سواءً كان ما بعد «إلا» فَضْلَةً أم عمدةً، فَذِكْرُ الفَضْلةِ والمفعول/ يوهم جوازَه في غيرهما.
وقال ابن عطية: «وأمَّا الاستثناءُ فهو مِنَ المُوَلِّين الذين تتضمَّنهم» مَنْ «. فَجَعَلَ نَصْبَه على الاستثناء. وقال جماعة: إن الاستثناء من أنواع التولِّي. وقد رُدَّ هذا بأن لو كان كذلك لوَجَبَ أن يكونَ التركيبُ: إلا تحيُّزاً أو تحرُّفاً.
والتحيُّزُ والتَّجَوُّزُ: الانضمام. وتحوَّزَت الحَيَّة: انطوَتْ، وحُزْتُ الشيء: ضَمَنْتُه. والحَوْزَةُ ما يَضُمُّ الأشياءَ. ووزنُ متحيِّز: مُتَفَيْعِل، والأصل:
стр. 4124
مُتَحَيْوِز. فاجتمعت الياء والواو وسبقَتْ إحداهما بالسكون فقُلِبت الواو ياءً وأُدْغِمت في الياء بعدها كمَيِّت. ولا يجوز أن يكون مُتَفَعِّلاً لأنه لو كان كذا لكان متحوُّزاً، فأمَّا متحوِّز فمتفعِّل.
стр. 4125
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ : في هذه الفاء وجهان أحدهما وبه قال الزمخشري: أنها جوابُ شرطٍ مقدر أي: إن افتخرتم بقَتْلهم فَلَمْ تقتلوهم «، قال الشيخ:» وليست جواباً بل لرَبْطِ الكلام بعضِه ببعض «.
قوله: ﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ قرأ الأخَوان وابن عامر» ولكن الله قَتَلهم «» ولكن الله رمى «بتخفيف» لكن «ورفع الجلالة، والباقون بالتشديد ونصب الجلالة. وقد تقدَّم توجيهُ القراءتين مُشْبعاً في قوله ﴿ولكن الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٤] . وجاءت هنا» لكن «أحسن مجيْءٍ لوقوعها بين نفي وإثبات، وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ نفى عنه الرَّميَ وأثبته له، وذلك باعتبارين: أي: ما رَمَيْتَ على الحقيقة إذ رَمَيْتَ في ظاهر الحال، أو ما رَمَيْتَ الرُّعْبَ في قلوبهم إذ رَمَيْت الحَصَيَات والتراب. وقوله:» وما رَمَيْتَ «هذه الجملة عطفٌ على قوله» فلم تقتلوهم «لأنَّ المضارع المنفي ب لم في قوة الماضي المنفي ب» ما «، فإنك إذا قلت:» لم يَقُم «كان معناه ما قام. ولم يقل هنا: فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم، كما قال:» إذ رَمَيْت «مبالغةً في الجملة الثانية.
قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين﴾ ، متعلِّقٌ بمحذوف أي: وليبليَ فَعَلَ ذلك.
стр. 4126
أو يكون معطوفاً على علةٍ محذوفة أي: ولكن الله رَمَى ليمحق الكفار وليُبْلي المؤمنين. والبلاء في الخير والشر. قال زهير:
٢٤٠٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . ... وأبلاهما خيرَ البلاء الذي يبلو
والهاءُ في» منه «تعود على الظفر بالمشركين. وقيل: على الرمي قالهما مكي. والظاهر أنها تعود على الله تعالى.
стр. 4127
قوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ : يجوز فيه الرفعُ على الابتداء أي: ذلكم الأمر، والخبرُ محذوف قاله الحوفي، والأحسنُ أن يُقَدَّر الخبر: ذلكم البلاءُ حقٌّ وَحَتْمٌ. وقيل: هو خبر مبتدأ، أي: الأمر ذلكم وهو تقدير سيبويه. وقيل: محلُّه نصب بإضمار فِعْلٍ أي: فَعَل ذلك. والإِشارةُ ب «ذلكم» إلى القتل والرمي والإشبلاء. وقوله «بلاءً» يجوز أن يكونَ اسمَ مصدر أي إبلاء، ويجوز أن يكون أريد بالبلاء نفسُ الشيء المبلوِّ به.
قوله: ﴿وَأَنَّ الله﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على «ذلكم» فيُحكم على محلِّه بما يُحْكَمُ على محلِّ «ذلكم» وقد تقدَّم، وأن يكون في محلِّ نصبٍ بفعل مقدَّر أي: واعلموا أن الله، وقد تقدَّم ما في ذلك. وقال الزمخشري: «إنه معطوفٌ على» وليُبْلي «، يعني أن الغرضَ إبلاء المؤمنين وتوهينُ كيد الكافرين» .
стр. 4128
وقرأ ابن عامر والكوفيون «مُوْهِن» بسكون الواو وتخفيف الهاء مِنْ أوهن كأكرم. ونَوَّن «موهن» غيرُ حفص. وقرأ الباقون «مُوَهِّن» بفتح الواو وتشديد الهاء والتنوين. ف «كيد» منصوبٌ على المفعول به في قراءة غير حفص، ومخفوضٌ في قراءةِ حَفْص، وأصلُه النصب. وقراءة الكوفيين جاءت على الأكثر لأن ما عينُه حرفُ حلقٍ غيرَ الهمزة تعديتُه بالهمزة، ولا يُعَدَّى بالتضعيف إلا كَلِمٌ محفوظة نحو: وهَّنْتُه وضَعَّفْتُه.
стр. 4129
قوله تعالى: ﴿وَلَن تُغْنِيَ﴾ : قرأ الجمهور بالتاء من فوق لتأنيث الفئة. وقرئ «ولن يُغْني» بالتاء من تحت لأن تأنيثه مجازي وللفصلِ أيضاً. «ولو كَثُرَت» هذه الجملةُ الامتناعية حالية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك.
قوله: ﴿وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفصٌ عن عاصم بالفتح والباقون بالكسر. فالفتح من أوجه أحدها: أنه على لام العلة تقديره: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثاني: أنَّ التقدير: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: والأمر أن الله مع المؤمنين. وهذا الوجهُ الأخيرُ يَقْرُب في المعنى مِنْ قراءة الكسر لأنه استئناف.
стр. 4130
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا﴾ : الأصل: تَتَوَلَّوا/ فحذف إحدى التاءين. وقد تقدَّم الخلاف في أيهما المحذوفة.
стр. 4131
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جملةٌ حالية، والضمير في «عنه» يعود على الرسول؛ لأن طاعته من طاعة الله. وقيل: يعود على الله وهذا كقوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقيل: يعود على الأمر بالطاعة.
стр. 4132
وقوله تعالى: ﴿الصم﴾ : إنما جُمِع «الصُمُّ» وهو خبر «شر» لأنه يُراد به الكثرةُ، فجُمع الخبر على المعنى، ولو كان الأصم لكان الإِفرادُ على اللفظ، فالمعنى على الجمع.
وقوله: ﴿الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾ يجوز رفعُه أو نصبه على القطع.
стр. 4133
قوله تعالى: ﴿بَيْنَ المرء﴾ : العامَّةُ على فتح الميم، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرِها على إتباعها لحركة الهمزة وذلك أن في «المَرْء» لغتين أفصحُهما على فَتْح الميم مطلقاً. والثانية بإتباع الميم لحركة الإِعراب، فتقول: هذا مُرْءٌ بضم الميم ورأيت مَرْءاً بفتحها، ومررت بمِرْءٍ بكسرها. وقرأ الحسن والزهري بفتح الميم وتشديد الراء. وتوجيهُها أن يكون نَقَلَ حركة الهمزة إلى الراء، ثم ضَعَّف الراء وأجرى الوصل مُجْرى الوقف.
قوله: «وأنه» يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعودَ على الله تعالى، وهو الأحسنُ لقوله «الله» .
стр. 4134
قوله تعالى: ﴿لاَّ تُصِيبَنَّ﴾ : في «لا» وجهان، أحدهما أنها ناهيةٌ، وعلى هذا فالجملةُ لا يجوز أن تكون صفةً ل «فتنة» ؛ لأنَّ الجملة الطلبيةَ لا تقعُ صفةً، ويجوز أن تكون معمولة لقول، ذلك القولُ هو الصفةُ أي: فتنةً
стр. 4135
مقولاً فيها: لا تصيبنَّ. والنهيُ في الصورة للمصيبة وفي المعنى للمخاطبين، وهو في المعنى كقولهم: لا أُرَيَنَّك ههنا أي: لا تتعاطوا أسباباً يُصيبكم فيها مصيبةٌ لا تَخُصُّ ظالمَكم. ونونُ التوكيد على هذا في محلِّها. ونظيرُ إضمار القولِ قولُه:
٢٤٠١ - جاؤوا بمَذْقٍ هل رأيتَ الذئبَ قَطْ ... أي: مقول فيه: هل رأيت. والثاني: أن «لا» نافية، والجملةُ صفةٌ ل «فتنة» وهذا واضحٌ من هذه الجهة، إلا أنه يُشْكل عليه توكيد المضارع في غير قسم ولا طلب ولا شرط، وفيه خلافٌ: هل يَجْري النفيُ ب «لا» مَجْرى النهي؟ من الناس من قال نعم، واستشهد بقوله:
٢٤٠٢ - فلا الجارةُ الدنيا لها تَلْحَيَنَّها ... ولا الضيفُ منها إنْ أناخَ مُحَوَّلُ
وقال آخر:
٢٤٠٣ - فلا ذا نعيمٍ يُتْرَكَنْ لنعيمه ... وإن قال قَرِّظْني وخُذْ رشوةً أبى
ولا ذا بيئسٍ يُتركنَّ لبؤسه ... فينفعَه شكوٌ إليه إن اشْتكى
فإذا جاز أن يُؤكَّد المنفيُّ ب «لا» مع انفصاله فلأَنْ يؤكَّد المنفيُّ غيرُ المفصولِ بطريق الأَوْلى. إلا أن الجمهور يَحْملون ذلك على الضرورة.
وزعم الفراء أنَّ «لا تصيبَنَّ» جواب للأمر نحو: «انزلْ عن الدابة
следующие страницы →