Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
نائبةً عن التاء فأسقطها؛ وذلك لأنَّ العُدَّ بغير تاء ولا تقديرها هو الشيء الذي يخرج في الوجه «. وقال أبو حاتم:» هو جمع عُدَّة ك بُرّ جمع بُرّة، ودُرّ جمع دُرَّة، والوجهُ فيه عُدَد، ولكن لا يوافق خطَّ المصحف.
وقرأ زر بن حبيش وعاصم في رواية أبان «عِدَّهُ» بكسر العين مضافةً إلى هاءِ الكناية. قال ابن عطية: «وهو عندي اسمٌ لِما يُعَدُّ كالذِّبْح والقِتلْ. وقُرىء أيضاً» عِدَّة «بكسر العين وتاء التأنيث، والمرادُ عدة من الزاد والسلاح مشتقاً من العَدَد.
قوله: ﴿ولكن كَرِهَ الله﴾ الاستدراكُ هنا يحتاجُ إلى تأمل؛ ولذلك قال الزمخشري:» فإن قلت: كيف موقعُ حرفِ الاستدراك؟ قلت: لمَّا كان قولُه ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج﴾ معطياً نفيَ خروجهم واستعدادهم للغزو قيل: ولكنْ كره الله [انبعاثَهم] ، كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تَثَبَّطوا عن الخروج لكراهةِ انبعاثهم، كما [تقول: ما] أحسن زيدٌ إليَّ ولكن أساء إليّ «انتهى. يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنَّ ما بعد» لكن «موافقٌ لما قبلها، وقد تقرَّر فيها أنها لا تقع إلا بين ضدين أو نقيضين أو خلافين على/ خلاف في هذا الأخير فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور.
قال الشيخ:» وليست الآيةُ نظيرَ هذا المثال يعني: ما أحسن زيداً إليّ ولكن أساء، لأن المثالَ واقعٌ فيه «لكن» بين [ضدَّيْن، والآيةُ واقعٌ فيها «لكن» بين] متفقين من جهة المعنى «، قلت: مُرَادُهم بالنقيضين النفيُ والإِثبات لفظاً وإن كانا يتلاقيان في المعنى، ولا يُعَدُّ ذلك اتفاقاً.
стр. 4307
والتَّثْبيطُ: التَّعْويق. يقال: ثَبَّطْتُ زيداً أي: عُقْتُه عَمَّا يريده من قولهم: ناقة ثَبِطَة أي بطيئة السير. والمراد بقوله» اقعدوا «التَّخْلية وهو كنايةٌ عن تباطُئِهم، وأنهم تشبهوا بالنساء أو الصبيان والزمنى وذوي الأعذار، وليس المراد قعوداً كقوله:
٢٤٨٩ - دَعِ المكارِم لا تَقْصِدْ لبُغْيَتها ... واقعُدْ فإنَّك أنت الطاعِمُ الكاسي
стр. 4308
قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم﴾ : أي: في جيشكم وفي جمعكم. وقيل: «في» بمعنى مع، أي: معكم. وتقدَّم تفسير «الخبال» في آل عمران.
وقوله: ﴿إِلاَّ خَبَالاً﴾ جَوَّزوا فيه أن يكون استثناء متصلاً وهو مفرَّغٌ؛ لأنَّ «زاد» يتعدى لاثنين. قال الزمخشري: «المستثنى منه غيرُ مذكور، فالاستثناءُ من أعمِّ العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلاً فإن الخَبال بعضُ أعمِّ العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً» . وجَوَّزوا فيه أن يكونَ منقطعاً والمعنى: ما زادوكم قوة ولا شدةً ولكنْ خبالً، وهذا يجيءُ على قول مَنْ قال إنه لم يكن في عَسْكر رسول الله ﷺ خَبال، كذا قال الشيخ. وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا لم يكن في العَسْكر خبالٌ أصلاً فكيف يستثنى شيءٌ لم يكنْ ولم يُتوهَّم وجوده؟
قوله: ﴿خِلاَلَكُمْ﴾ منصوبٌ على الظرفِ. والخِلال: جمع خَلَل وهو الفُرْجَةُ بين الشيئين ويُستعار في المعاني فيُقال: في هذا الأمر خَلل.
стр. 4309
والإِيُضاع: الإِسْراع يُقال: أَوْضَعَ البعيرُ، أي: أسرع في سَيْره قال امرؤ القيس:
٢٤٩٠ - أرانا مُوضِعينَ لأَِمْرِ غيبٍ ... ونُسْحَرُ بالطعامِ والشراب
وقال آخر:
٢٤٩١ - يا لَيْتَني فيها جَذَعْ ... أَخُبُّ فيها وأَضَعْ
ومفعول «أوضعوا» محذوف، أي: أوضعوا ركائبهم لأنَّ الراكبَ أسرعُ من الماشي. ويُقال: وَضَعَتْ الناقةُ تَضَعُ: إذا أَسْرعت، وأوضعتها أنا. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ما زادَكم إلا خَبالاً﴾ ، أي: ما زادكم خروجهم. وقرأ مجاهد ومحمد بن زيد: «ولأَوْفَضوا» وهو الإِسراع أيضاً من قوله تعالى: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ، وقرأ ابن الزبير «وَلأَرْفَضُوا» بالراء والفاء والضاد المعجمة مِنْ رَفَضَ، أي: أسرع أيضاً، قال حسان:
стр. 4310
٢٤٩٢ - بزجاجةٍ رَقَصَتْ بما في جَوْفِها ... رَقْصِ القَلوصِ براكبٍ مستعجِلِ
وقال:
٢٤٩٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . ... والراقصاتِ إلى مِنَىً فالغَبْغَبِ
يُقال: رَفَضَ في مِشْيته رَفْضاً ورَفَضاناً.
قوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «أَوْضَعوا» ، أي: لأَسْرَعوا فيما بينكم حالَ كونهم باغين، أي: طالبين الفتنةَ لكم.
قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً من مفعول «يَبْغُونكم» أو مِنْ فاعله، وجاز ذلك لأن في الجملة ضميريهما. ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، والمعنى: أنَّ فيكم مَنْ يَسْمع لهم ويُصْغِي لقولِهم. ويجوز أن يكونَ المرادُ: وفيكم جواسيسُ منهم يسمعون لهم الأخبارَ منكم، فاللامُ على الأول للتقوية لكون العاملِ فرعاً، وفي الثاني للتعليل، أي: لأجلهم.
ورُسِم في المصحف ﴿ولا أَوْضَعُوا خلالكم﴾ بألف بعد «لا» ، قال الزمخشري: «كانت الفتحة تُكْتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك أثرٌ في الطباع فكتبوا صورةَ الهمزةِ ألفاً وفتحتَها ألفاً أخرى، ونحوه، ﴿أَوْ لا أَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] يعني في زيادة ألف بعد» لا «، وهذا لا يجوزُ القراءة به، ومَنْ قرأه متعمداً يكفر.
стр. 4311
وقرأ مسلمة بن محارب «وقَلَبوا» مخففاً. وقوله «وهم كارهون» حالٌ والرابطُ الواو.
стр. 4312
قوله تعالى: ﴿مَّن يَقُولُ ائذن﴾ : كقوله ﴿يَاصَالِحُ ائتنا﴾ [الأعراف: ٧٧] من أنه يجوز تحقيقُ الهمزة وإبدالُها واواً لضمة ما قبلها، وإن كانت منفصلةُ من كلمةٍ أخرى. / وهذه الهمزةُ هي فاءُ الكلمة، وقد كان قبلها همزةُ وصل سَقَطت دَرْجاً. قال أبو جعفر. «إذا دخلت الواو والفاء على» ائذن «فهجاؤها ألفٌ وذال ونون بغير ياء، أو» ثم «فالهجاءُ ألفٌ وياءٌ وذالٌ ونون. والفرقُ أنَّ» ثم «يوقف عليها ويُنْفَصَل بخلافهما» . قلت: يعني أنه إذا دخلت واوُ العطف أو فاؤه على هذه اللفظةِ اشتدَّ اتصالُهما بها فلم يُعْتَدَّ بهمزة الوصل المحذوفة دَرْجاً، فلم يُرْسَمْ لها صورةٌ فتكتب «فَأْذَنْ، وَأْذَنْ» ، فهذه الألفُ مِنْ صورةِ الهمزة التي هي فاءُ الكلمة. وإذا دخلت عليها «ثم» كُتِبَتْ كذا: ﴿ثُمَّ ائتوا﴾ ، فاعتدُّوا بهمزة الوصل فرسموا لها صورة. قلت: وكأنَّ هذا الحكمَ الذي ذَكره مع «ثم» يختصُّ بهذه اللفظة، وإلا فغيرُها مما فاؤُه همزةٌ تسقط صورة همزة وصلِه خَطَّاً فيُكتب الأمرُ من الإِتيان مع «ثم» هكذا: «ثم أْتُوا» وكان القياسُ على «ثمَّ ائْذَنْ» : «ثم ائتوا» وفيه نظر.
وقرأ عيسى بن عمر وابن السَّمَيْفع وإسماعيل المكي فيما روى عنه
стр. 4313
ابن مجاهد: «ولا تُفْتِينِّي» بضم حرف المضارعة مِنْ أفتنه رباعياً. قال أبو حاتم: «هي لغة تميم» . وقيل: أفتنه: أدخله فيها. وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال:
٢٤٩٤ - لئن فَتَنَتْني فهي بالأمس أفتنتْ ... سعيداً فأمسى قد قلا كلَّ مسلم
ومتعلق الإِذن القعود، أي: ائذن لي في القعود والخُلْف عن العدو ولا تَفْتِنِّي بخروجي معك.
стр. 4314
قوله تعالى: ﴿لَّن يُصِيبَنَآ﴾ قال عمرو بن شقيق: «سمعت أَعْيُنَ قاضي الري يقرأ» لن يُصيبَنَّا «بتشديد النون» ، قال أبو حاتم: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ النونَ لا تدخل مع «لن» ، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجاز، لأنها مع «هل» قال الله تعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] ، قلت: يعني أبو حاتم أنَّ المضارعَ يجوز توكيده بعد أداةِ الاستفهامِ، وابن مصرف يقرأ «هل» بدل «لن» ، وهي قراءة ابن مسعود.
وقد اعتُذِر عن هذه القراءة: فإنها حملت «لن» على «لم» و «لا» النافيتين، و «لم» و «لا» يجوزُ توكيد الفعل المنفيِّ بعدهما. أمَّا «لا» فقد تقدم تحقيق الكلام عليها في الأنفال، وأمَّا «لم» فقد سُمع ذلك وأنشدوا:
٢٤٩٥ - يَحْسَبُه الجاهل ما لم يَعْلما ... شيخاً على كرسيِّه مُعَمَّمَا
أراد «يَعْلَمَنْ» فأبدل الخفيفةَ ألفاً بعد فتحة كالتنوين.
стр. 4315
وقرأ القاضي أيضاً وطلحة: «هل يُصَيِّبُنا» بتشديد الياء. قال الزمخشري: «ووجههُ أن يكونَ يُفَيْعِل لا يُفَعِّل لأنه من بنات الواو لقولهم: الصواب، وصاب يصوب، ومصاوب في جمع مصيبة، فَحَقُّ يُفَعِّل منه يُصَوِّب. ألا ترى إلى قولهم: صَوَّب رأيه، إلا أَنْ يكونَ من لغة من يقول: صاب السهمُ يَصيب كقوله:
٢٤٩٦ - أَسْهُمِيَ الصائِبات والصُّيُبْ ... يعني أنه أصله صَوْيِب فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحدهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأدغم فيها، وهذا كما تقدم لك في تحيَّز أن أصله تَحَيْوَز. وأما إذا أخذناه مِنْ لغةِ مَنْ يقول: صاب السهم يَصيب فهو من ذوات الياء فوزنه على هذه اللغة فَعَّل.
стр. 4316
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِحْدَى﴾ : مفعول التربُّص، فهو استثناء مفرغ. وقرأ ابن محيصن «إلا احدى» بوصل ألف «احدى» إجراء لهمزة القطع مُجْرى همزة الوصل فهو كقول الشاعر:
٢٤٩٧ - إنْ لم أُقاتِلْ فالبسوني بُرْقُعا ... وقول الآخر:
٢٤٩٨ - يابا المغيرة رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتُه بالمكر مِنِّي والدَّهَا
وقوله ﴿أَن يُصِيبَكُمُ﴾ مفعول التربُّص.
стр. 4317
قوله تعالى: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ : مصدران في موضع الحال، أي: طائعين أو كارهين. وقرأ الأخوان «كُرْهاً» بالضم وقد تقدم تحقيق ذلك في النساء.
وقال الشيخ هنا: «قرأ الأعمش وابن وثاب» كُرْهاً «بضم الكاف» . وهذا يُوهم أنها لم تُقْرأ في السبعة. قال الزمخشري «هو أمرٌ في معنى الخبر كقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً﴾ [مريم: ٧٥] ومعناه: لن يُتقبَّل منكم: أنفقتم طَوْعاً أو كرهاً، ونحوه قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . وقوله يعني كثيِّر عَزَّة:
٢٤٩٩ - أسِيْئي بنا أو أَحْسِني لا مَلُومَةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: لن يغفر الله لهم استغفرت أو لم تستغفر، ولا نلومك أحسنتِ إلينا أو أَسَأْتِ، وفي معناه قول القائل:
٢٥٠٠ - أخوك الذي إنْ قُمْتَ بالسيفِ عامداً ... لتضربَهُ لم يَسْتَغِشَّك في الودِّ
وقال ابن عطية:» هذا أمرٌ في ضمنه جزاءٌ، وهذا مستمر في كل أمرٍ
стр. 4318
معه جزاء والتقدير: إن تنفقوا لن يُتقبَّل منكم، وأما إذا عَرِي الأمرُ من الجواب فليس يصحبه تضمُّنُ الشرط «قال الشيخ:» ويَقْدح في هذا التخريجِ أنَّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط كان الجواب لجواب الشرط، فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب: «لن يُتقبل» بالفاء لأنَّ «لن» لا تقع جواباً للشرط إلا بالفاء فكذلك ما ضُمِّن معناه، ألا ترى جزمَه الجوابَ في نحو: اقصد زيداً يُحْسِنْ إليك «. قلت: إنما أراد أبو محمد تفسير المعنى، وإلا فلا يَجْهَلُ مثل هذه الواضحات. وأيضاً فلا يلزمُ لأن يُعْطى الأمرُ التقديري حكمَ الشيء الظاهر من كل وجه.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ وما بعد جارٍ مَجْرى التعليل.
стр. 4319
قوله تعالى: ﴿أَن تُقْبَلَ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول ثانٍ ل «منع» : إمَّا على تقدير إسقاطِ حرف الجر، أي: من أن يُقْبل وإمَّا لوصول الفعل إليه بنفسه، لأنك تقول: منعتُ زيداً حَقَّه ومِنْ حقه. والثاني: أنه بدلٌ من «هم» في مَنْعِهم، قاله أبو البقاء كأنه يريد بدلَ الاشتمال. ولا حاجَة إليه.
وفي فاعل «منع» وجهان، أحدهما وهو الظاهر أنه ﴿إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ ، أي: ما منعهم قبولَ نفقتهم إلا كفرُهم. والثاني: إنه ضمير الله تعالى، أي: وما منعهم الله، ويكون «إلا أنهم» منصوباً على إسقاط حرف الجر، أي: لأنهم كفروا.
стр. 4320
وقرأ الأخَوان: «أن يُقْبَلَ» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، وهما واضحتان لأنَّ التأنيثَ مجازي، وقرأ زيد بن علي كالأخوين، إلا أنه أفرد النفقة. وقرأ الأعرج: «تُقْبل» بالتاء من فوق، «نفقتُهم» بالإِفراد. وقرأ السُّلمي: «يَقبل» مبنياً للفاعل وهو الله تعالى. وقرىء: «نَقْبل» بنون العظمة، «نفقتهم» بالإِفراد.
قوله: ﴿إِلاَّ وَهُمْ كسالى﴾ ، ﴿إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ كلتا الجملتين حالٌ من الفاعل قبلها.
стр. 4321
قوله تعالى: ﴿الحياة الدنيا﴾ : فيه وجهان أحدهما: أنه متعلق ب «تعجبك» ويكون قول ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ جملةَ اعتراض والتقدير: فلا تعجبك في الحياة. ويجوز أن يكونَ الجارُّ حالاً من أموالهم. وإلى هذا نحا ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة قالوا: في الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد ليعذبهم بها في الآخرة. قال الشيخ: «إلا أنَّ تقييدَ الإِعجابِ المنهيَّ عنه الذي يكون ناشئاً عن أموالهم وأولادهم من المعلوم أنه لا يكون إلا في الحياة الدنيا، فيبقى ذلك كأنه زيادة تأكيد، بخلاف التعذيب فإنه قد يكون في الدنيا كما يكون في الآخرة، ومع أن التقديمَ والتأخيرَ يخصُّه أصحابنا بالضرورة» . قلت: كيف يُقال مع نَصِّ مَنْ قَدَّمْتُ ذكرَهم: «أصحابنا يخصُّون ذلك بالضرورة» على أنه ليس من التقديم والتأخير الذي يكون في الضرورة في شيءٍ إنما هو اعتراض، والاعتراض لا يقال فيه
стр. 4322
تقديم وتأخير بالاصطلاح الذي يُخَصُّ بالضرورة، وتسميتهم أعني ابن عباس ومن معه ﵃ إنما يريدون فيه الاعتراضَ المشارَ إليه لا ما يخصه أهل الصناعة بالضرورة.
والثاني: أن «في الحياة» متعلقٌ بالتعذيب، والمراد بالتعذيب الدنيويِّ مصائبُ الدنيا ورزاياها، أو ما لزمهم من التكاليف الشاقة، فإنهم لا يرجون عليها ثواباً. قاله ابن زيد، أو ما فُرِض عليهم من الزكوات قاله الحسن، وعلى هذا فالضمير في «بها» يعود على الأموال فقط، وعلى الأول يعود على الأولاد والأموال.
стр. 4323
قوله تعالى: ﴿مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ : المَلْجَأُ: الحِصْن. وقيل: المَهْرب. وقيل: الحِرْز وهو مَفْعَل مِنْ لجأ إليه يلجأ، أي: انحاز يقال: ألجأته إلى كذا، أي: اضطررته إليه فالتجأ. والملجأ يَصْلُح للمصدر والزمان والمكان، والظاهر منها هنا المكان. والمَغارات جمع مغارة وهي مَفْعَلة مِنْ غار يغور فهي كالغار في المعنى. وقيل: المغارة: السِّرْب في الأرض كنفق اليربوع. والغار النَّقْبُ في الجبل.
والجمهور على فتح ميم «مغارات» وقرأ عبد الرحمن بن عوف مُغارات بالضم وهو مِنْ أغار/ وأغار يكون لازماً، تقول العرب: أغار بمعنى غار، أي: دخل، ويكون متعدياً تقول: أَغَرْتُ زيداً، أي: أدخلته في الغار، فعلى هذا يكون مِنْ أغار المتعدي، والمفعول محذوف، أي: أماكنُ يُغيرون فيها أنفسهم، أي: يُغَيِّبونها.
والمُدَّخل: مُفْتَعَلِ مِنَ الدخول وهو بناء مبالغة في هذا المعنى، والأصل
стр. 4324
مُدْتَخل فأدغمت الدال في تاء الافتعال كادَّان من الدَّين. وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش مُدَّخَّلاً بتشديد الدال والخاء معاً. وتوجيهُها أن الأصل: مُتَدَخَّلاً مِنْ تَدخَّل بالتضعيف، فلما أدغمت التاء في الدال صار اللفظ مُدَّخَّلاً نحو مُدَّيَّن مِنْ تَدَيَّن. وقرأ الحسن أيضاً ومسلمة بن محارب وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير في رواية «مَدْخَلاً» بفتح الميم وسكون الدال وفتح الخاء خفيفة مِنْ دخل. وقرأ الحسن في رواية محبوب كذلك إلا أنه ضَمَّ الميم جعله مِنْ أدخل.
وهذا من أبرع العلم: ذكر أولاً الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان، ثم ذكر الغَيْران التي يختفى فيها في أعلى الأماكن وفي الجبال، ثم الأماكن التي يُختفى فيها في الأماكن السافلة وهي السُّروب وهي التي عبَّر عنها بالمُدَّخل.
وقال الزجاج: «يصح أن تكون المَغَارات مِنْ قولهم: حَبْل مُغار، أي: مُحْكم الفتل، ثم يُستعار ذلك في الأمر المحكم المبرَم فيجيء التأويل على هذا: لو يَجدون نصرة أو أموراً مسددة مرتبطة تعصِمهم منكم. وجعل المُدَّخَل أيضاً قوماً يدخلون في جملتهم.
وقرأ أُبَيّ مُنْدَخَلاً بالنون بعد الميم مِنْ اندخل قال:
٢٥٠١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
стр. 4325
ولا يدي في حَمِيتِ السَّمْنِ تَنْدَخِلُ
وأنكر أبو حاتم هذه القراءة عنه، وقال:» إنما هي بالتاء «. قلت وهو معذورٌ لأن انفعل قاصر لا يتعدى فكيف بُني منه اسمُ مفعول؟
وقرأ الأشهب العقيلي:» لَوَاْلَوا «، أي: بايعوا وأسرعوا، وكذلك رواها ابن أبي عبيدة بن معاوية بن نوفل عن أبيه عن جده وكانت له صحبة من الموالاة. وهذا ممَّا جاء فيه فَعَّل وفاعَل بمعنى نحو: ضَعَّفْتُه وضاعَفْتُه. قال سعيد بن مسلم أظنها» لَوَأَلُوا «بهمزة مفتوحة بعد الواو مِنْ وَأَلَ، أي: التجأ، وهذه القراءةُ نقلها الزمخشري وفسَّرها بما تقدم من الالتجاء:
والجُّموح: النُّفور بإسراع ومنه فرس جَموح إذا لم يَرُدَّه لِجام قال:
٢٥٠٢ - جَمُوحاً مَرُوحاً وإحضارُها ... كمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُؤْقَدِ
وقال آخر:
٢٥٠٣ - إذا جَمَحَتْ نساؤكُمُ إليه ... أَشَظَّ كأنه مَسَدٌ مُغَارُ
وقال آخر:
٢٥٠٤ - وقد جَمَحْتُ جِماحاً في دمائِهمُ ... حتى رأيتُ ذوي أحسابِهم جَهَزوا
стр. 4326
وقرأ أنس بن مالك والأعمش «يَجْمِزُون» ، قال ابن عطية: «يُهَرْوِلُون في مَشْيهِم» . قيل: يَجْمِزُون ويَجْمَحون ويشتدُّون بمعنى «. وفي الحديث:» فلما أَذْلَقَتْه الحجارة جَمَزَ «، وقال رؤبة:
٢٥٠٥ - إمَّا تَرَيْني اليومَ أمَّ حَمْزِ ... قارَبْتُ بين عَنَقي وجَمْزي
وهذا أصلُه في اللغة.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ ، عاد الضميرُ إلى الملجأ أو على المُدَّخل؛ لأن العطف ب أو» ، ويجوز أن يعودَ على «المَغَارات» لتأويلها بمذكر.
قوله: ﴿مَّن يَلْمِزُكَ﴾ قرأ العامة «يلمزك» بكسر الميم مِنْ لَمَزه يَلْمِزه، أي: عابه، وأصله الإِشارة بالعين ونحوها. قال الأزهري: «أصلُه الدفع، لَمَزْته: دفعته» ، وقال الليث: «هو الغَمْز في الوجه ومنه هُمَزَةٌ لُمَزَة، أي: كثيرُ هذين الفعلين.
وقرأ يعقوب وحماد بن سلمة عن ابن كثير والحسن وأبو رجاء ورُويت عن أبي عمرو بضمها وهما لغتان في المضارع. وقرأ الأعمش يُلْمِزُك مِنْ أَلْمز رباعياً. وروى حماد بن سلمة:» يُلامِزُك «على المفاعلة من واحدٍ كسافرَ وعاقَب.
وقد تقدَّم الكلام على» إذا «الفجائيةِ مراراً والعامل فيها: قال أبو البقاء:» يَسْخَطون «لأنه قال: إنها ظرفُ مكان، وفيه نظر تقدَّم في نظيره.
стр. 4327
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ﴾ : الظاهر أن جواب «لو» محذوفٌ تقديره: لكان خيراً لهم. وقيل: جوابُها «وقالوا» ، والواوُ مزيدةٌ، وهذا مذهبُ الكوفيين. وقوله «سيُؤْتينا» إنَّا إلى الله راغبون «هاتان الجملتان كالشرح لقولهم: حسبُنا الله، فلذلك يم يتعاطَفا لأنهما كالشيءِ الواحد، فشدَّة الاتصال منعت العطف.
стр. 4328
قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً﴾ : في نصبها وجهان أحدهما: أنها مصدر على المعنى، لأن معنى إنما الصدقات للفقراء في قوة: فرض الله ذلك. والثاني: أنها حالٌ من الفقراء، قاله الكرماني وأبو البقاء، يَعنْيان/ من الضمير المستكنّ في الجار لوقوعه خبراً، أي: إنما الصدقاتُ كانت لهم حال كونها فريضةً، أي: مفروضة. ويجوز أن تكون «فريضة» حينئذ بمعنى مفعولة، وإنما دخلت التاء لجريانها مجرى الأسماء كالنَّطيحة. ويجوز أن يكون مصدراً واقعاً موقع الحال. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ عدل عن اللام إلى» في «في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإِيذان بأنهم أرسخُ في استحقاق التصدُّق عليهم مِمَّن سَبَق ذكرُه؛ لأن» في «للوعاء، فنبَّه على أنهم أحقاءُ بأن توضع فيهم الصدقات ويُجعلوا مَظِنَّةً لها ومَصَبَّاً» ، ثم قال: «وتكرير» في «في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل﴾ فيه فضلُ ترجيحٍ لهذين على الرقاب والغارمين» .
ونُقِل عن سيبويه أن «فريضة» منصوبٌ بفعلها مقدراً، أي: فرض الله ذلك فريضة. ونُقل عن الفراء أنها منصوبة على القطع.
وقرىء «فريضةٌ» بالرفع على: تلك فريضة.
стр. 4329
والغُرْم أصله لُزوم شيءٍ شاق ومنه قيل للعشق غرام، ويُعَبَّر به عن الهلاك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان: ٦٥] ، وغَرامَةُ المال فيها مشقة عظيمة.
стр. 4330
قوله تعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ : «أُذُن» خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أُذُنُ خيرٍ. والجمهور على جرِّ «خيرٍ» بالإِضافة. وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم «أُذنٌ» بالتنوين، «خيرٌ» بالرفع وفيها وجهان، أحدهما: أنها وصف ل «أُذُن» . والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر. و «خير» يجوز أن تكون وصفاً من غير تفضيل، أي: أُذُنُ ذو خيرٍ لكم، ويجوز أن تكونَ للتفضيل على بابها، أي: أكثر خير لكم. وجوَّز صاحب «اللوامح» أن يكونَ «أذن» مبتدأ و «خير» خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة لأنها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذنٌ لا يؤاخذكم خير لكم مِنْ أُذُنٍ يؤاخذكم.
ويقال: رَجُلٌ أُذُنٌ، أي: يسمع كل ما يقال. وفيه تأويلان أحدهما: أنه سُمِّي بالجارحة لأنها آلة السماع، وهي معظم ما يُقْصد منه كقولهم للربيئة: عين. وقيل: المرادُ بالأذن هنا الجارحة، وحينئذٍ تكونُ على حَذْف مضاف، أي: ذو أذن. والثاني: أن الأذن وصفٌ على فُعُل كأُنُف وشُلل، يقال: أَذِن يَأْذَن فهو أُذُن، قال:
стр. 4331
٢٥٠٦ - وقد صِرْتَ أُذْناً للوُشاة سَميعةً ... ينالُون مِنْ عِرْضي ولو شئتَ ما نالوا
قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ ، قرأ الجمهور: «ورحمة» ، رفعاً نسقاً على «أذن ورحمة» ، فيمن رفع «رحمة» . وقال بعضهم: هو عطف على «يؤمن» ؛ لأن يؤمن «في محل رفع صفة ل» أذن «تقديره: أذن مؤمنٌ ورحمةٌ. وقرأ حمزةُ والأعمش:» ورحمة «بالجر نسقاً على» خير «المخفوض بإضافة» أذن «إليه. والجملة على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين تقديره: أذن خير ورحمة. وقرأ ابن أبي عبلة:» ورحمةً نصباً على أنه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يَأْذَنُ لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ .
والباءُ واللام في «يؤمن بالله» «ويؤمن للمؤمنين» مُعَدِّيتان قد تقدَّم الكلامُ عليهما في أول هذه الموضوع. وقال الزمخشري: «قصد التصديقَ بالله الذي هو نقيض الكفر فعدى بالباء، وقصد الاستماعَ للمؤمنين، وأن يُسَلِّم لهم ما يقولون فعدى باللام، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] . ما أنباه عن الباء، ونحوه: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى﴾ [يونس: ٨٣] ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [الشعراء: ٤٩] . وقال ابن قتيبة:» هما زائدتان، والمعنى: يصدِّق الله ويصدِّق المؤمنين «وهذا قولٌ مردودٌ، ويدلُّ على عدم الزيادة تغايرُ الحرف الزائد، فلو لم يُقْصَدْ معنىً مستقلٌ لَمَا غاير بين الحرفين وقال المبرد:» هي متعلقةٌ بمصدرٍ مقدر من الفعل كأنه قال: وإيمانه
стр. 4332
للمؤمنين «. وقيل: يقال: آمنتُ لك بمعنى صَدَّقْتُكَ، ومنه ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ وعندي أن هذه اللامَ في ضمنها» ما «فالمعنى: ويصدِّق للمؤمنين بما يُخبرونه به. وقال أبو البقاء:» واللام في للمؤمنين زائدةٌ دَخَلَتْ لتفرِّقَ بين «يؤمن» بمعنى يُصَدِّق، وبين يؤمن بمعنى يثبت الإِيمان «.
стр. 4333
قوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ : إنما أفرد الضمير في «يُرْضوه» ، وإن كان الأصل في العطف بالواو المطابقةَ لوجوهٍ أحدُها: أنَّ رضا الله ورسولِه شيء واحد: مَنْ أطاع الرسول فقد أطاع [الله] ، ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠] ، فلذلك جَعل الضميرين ضميراً واحداً مَنْبَهة على ذلك. والثاني: أن الضميرَ عائد على المثنى بلفظ الواحد بتأويل «المذكور» كقول رؤبة:
٢٥٠٧ - فيها خطوطٌ مِنْ سوادٍ وبَلَقْ ... كأنه في الجلد تَوْلِيْعُ البَهَقْ
أي: كأن ذاك المذكور. وقد تقدَّم لك بيان هذا في أوائل البقرة. الثالث: قال المبرد: في الكلام تقديمٌ وتأخير تقديره: والله أحقُّ أن يُرْضوه ورسولُه. قلت: وهذا على رأي مَنْ يدَّعي/ الحَذْفَ من الثاني. الرابع: وهو مذهب سيبويه أنه حَذَفَ خبر الأول وأبقى خبر الثاني. وهو أحسن من عكسه وهو قولُ المبردِ، لأن فيه عدمَ الفصل بين المبتدأ أو خبره، ولأن فيه أيضاً الإِخبار بالشيء عن الأقرب إليه، وأيضاً فهو متعيَّنٌ في قول الشاعر:
٢٥٠٨ -
стр. 4334
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ
أي: نحن راضُون، حَذَفَ «راضون» لدلالةِ خبر الثاني عليه. قال ابن عطية: «مذهبُ سيبويهِ أنهما جملتان حُذِفَت الأولى لدلالةِ الثانيةِ عليها» . قال الشيخ: «إن كان الضمير في» أنهما «عائداً على كلِّ واحدةٍ من الجملتين فكيف يقول» حُذفت الأولى «والأُوْلى لم تُحْذَفْ، إنما حُذِفَ خبرُها، وإن كان عائداً على الخبر وهو ﴿أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فلا يكونُ جملةُ إلا باعتقاد أن يكون» أن يُرْضُوه «مبتدأً وخبره» أحقُّ «مقدَّماً عليه، ولا يتعيَّنُ هذا القولُ إذ يجوزُ أن يكونَ الخبرُ مفرداً بأن يكونَ التقدير: أحقُّ بأَنْ تُرْضوه» . قلت: إنما أراد أبو محمد التقديرَ الأول وهو المشهورُ عند المُعْربين، يجعلون «أحق» خبراً مقدماً، و «أن يرضوه» مبتدأ مؤخراً [أي] : واللَّهُ ورسولُه إرضاؤُه أحقُّ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا قريباً في قوله: ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣] .
و ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ جوابُه محذوفٌ أو متقدم.
стр. 4335
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يعلموا﴾ : الجمهورُ: على «يَعْلموا» بياء الغيبة رَدَّاً على المنافقين. وقرأ الحسن والأعرج: «تَعْلموا» بتاء الخطاب. فقيل: هو التفاتٌ من الغَيْبة إلى الخطاب إن كان المرادُ المنافقين. وقيل الخطابُ للنبي ﵇، وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً كقوله:
٢٥٠٩ - وإن شِئْتِ حرَّمْتُ النساءَ سواكم ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4336
وقيل: الخطابُ للمؤمنين، وبهذه التقادير الثلاثةِ يختلف معنى الاستفهام: فعلى الأول يكونُ الاستفهامُ للتقريع والتوبيخ، وعلى الثاني يكون للتعجبِ مِنْ حالِهم، وعلى الثالث يكون للتقرير.
والعِلْم هنا يُحْتمل أن يكون على بابِه فتسدَّ «أَنْ» مسدَّ مفعولَيْن عند سيبويه، ومسدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش، وأن يكونَ بمعنى العرفان فتسدَّ «أنَّ» مسدَّ مفعول. و «مَنْ» شرطية و ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ﴾ جوابُها، وفتحت «أنَّ» بعد الفاء لِما عُرِف في الأنعام والجملة الشرطيةُ في محلِّ رفعٍ خبرِ «أنَّ» الأولى.
وهذا تخريجٌ واضحٌ وقد عدل عن هذا الواضحِ جماعةٌ إلى وجوهٍ أُخرَ فقال الزمخشري: «ويجوز أن يكونَ» فأنَّ له «معطوفاً على» أنه «على أنَّ جوابَ» مَنْ «محذوفٌ تقديره: ألم يعلموا أنَّه مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ ورسولَه يُهْلَكْ فأنَّ له» . وقال الجرمي والمبرد: «أنَّ» الثانيةُ مكررةٌ للتوكيد كأن التقدير: فله نارُ جهنم، وكُرِّرت «أنَّ» توكيداً. وشبَّهه أبو البقاء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السواء﴾ [النحل: ١١٩] ، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ قال: «والفاءُ على هذا جوابُ الشرط» .
وقد رَدَّ الشيخ على الزمخشري قولَه بأنهم نصُّوا على أنه إذا حُذِف جوابُ الشرط لَزِم أن يكونَ فعلُ الشرط ماضياً أو مضارعاً مقروناً ب «لم» ،
стр. 4337
والجوابُ على قولِه محذوفٌ، وفعلُ الشرطِ مضارع غيرُ مقترنٍ ب لم «، وأيضاً فإنَّا نجدُ الكلامَ تاماً بدون هذا الذي قدَّره» .
وقد نُقِل عن سيبويه أنه قال: «الثانيةُ بدلٌ من الأولى» ، وهذا لا يَصِحُّ عن سيبويه فإنه ضعيف أو ممتنع. وقد ضعَّفه أبو البقاء بوجهين، أحدهما: أنَّ الفاءَ تمنعُ من ذلك، والحكمُ بزيادتِها ضعيفٌ. والثاني: أنَّ جَعْلَها بدلاً يوجب سقوط جواب «مَنْ» مِن الكلام «. وقال ابن عطية:» وهذا يُعْتَرَضُ بأنَّ الشيءَ لا يُبدل منه حتى يُسْتوفى، والأُْولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرُها بعدُ، إذ لم يأتِ جوابُ الشرط، وتلك الجملةُ هي الخبر. وأيضاً فإنَّ الفاءَ تمانعُ البدلَ، [وأيضاً] فهي في معنى آخرَ غيرِ البدل فيقلقُ البدل «.
وقال بعضهم:» فيجب على تقدير اللام أي: فلأنَّ له نار جهنم وعلى هذا فلا بد من إضمار شيءٍ يتمُّ به جواب الشرط تقديره: فمُحادَّتُه لأنَّ له نارَ جهنم «.
وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ لا يُحتاج إليها، فالأولى ما تقدم ما ذكره: وهو أن يكونَ ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في محلِّ رفعٍ بالابتداء والخبرُ محذوفٌ، وينبغي أن تقدِّرَه متقدماً عليها كما فعل الزمخشري وغيرُه أي: فحقٌّ أنَّ له نارَ جهنم. وقدَّره غيرُه متأخراً أي: فأنَّ له نارَ جهنم واجبٌ. كذا قدَّره الأخفش. ورَدُّوه عليه بأنها لا يُبتدأ بها، وهذا لا يُلْزِمُه فإنه يُجيز الابتداء ب «أنَّ» المفتوحةِ من
стр. 4338
غير تقديمِ خبر، وغيرُه لا يُجيز الابتداءَ بها إلا بشرطِ تقدُّمِ «أمَّا» نحو: «أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي» أو بشرطِ تقدُّمِ الخبر نحو: «عندي/ أنَّك مُنْطَلق» . وقيل: فأنَّ له «خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ أنَّ له. وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاء في محلِّ جزم جواباً للشرط.
وقرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة والحسن وابن لأبي عبلة» فإنَّ «بالكسر وهي قراءةٌ حسنةٌ قوية، تقدَّم أنه قرأ [بها] بعضُ السبعة في الأنعام، وتقدَّم هناك توجيهُها.
والمُحَادَّة: المخالفةُ والمعاندةُ ومجاوزةُ الحدِّ والمعاداة. قيل: مشتقةٌ مِن الحدّ وهو حَدُّ السلاح الذي يحارَبُ به من الحديد. وقيل: من الحدّ الذي هو الجهةُ كأنه في حدٍّ غيرِ حدِّ صاحبهِ كقولهم: شاقَّه أي: كان في شقٍ غيرِ شقِّ صاحبه. وعاداه: أي كان في عُدْوَة غيرِ عُدْوَته.
واختار بعضُهم قراءةَ الكسرِ بأنها لا تُحْوِج إلى إضمار، ولم يُروَ قولُه:
٢٥١٠ - فَمَنْ يكُ سائلاً عني فإني ... وجِرْوَةَ لا تُعارُ ولا تُباعُ
إلا بالكسرِ، وهذا غيرُ لازمٍ فإنه جاء على أحد الجائزين. و» خالداً «نصبٌ على الحال.
стр. 4339
قوله تعالى: ﴿أَن تُنَزَّلَ﴾ : مفعولٌ به ناصبُه يحذر، فإن «
стр. 4340
يَحْذَر» متعدٍّ بنفسِه لقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] لولا أنه متعدٍّ في الأصل لواحدٍ لَما اكتسب التضعيف مفعولاً ثانياً، ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه:
٢٥١١ - حَذِرٌ أُموراً لا تَضيرُ وآمِنٌ ... ما ليسَ مُنْجيَه من الأَقْدارِ
وفي البيت كلامٌ، قيل: إنه مصنوع، وهو فاسد أتقنت حكايته في «شرح التسهيل» وقال المبرد: «إنَّ» حَذِر لا يتعدى «قال: لأنه من هَيْئات النفسِ كفَزِع، وهذا غير لازم فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍ كخاف وخشِي فإنَّ» تُنَزَّل «عند المبرد على إسقاط الخافض أي: مِنْ أَنْ تُنَزَّل. وقوله» تُنَبِّئهم «في موضع الرفع صفةً ل» سورة «.
стр. 4341
قوله تعالى: ﴿أبالله﴾ : متعلقٌ بقوله: «تستهزئون» و «تستهزئون» خبرُ كان. وفيه دليلٌ على تقديم خبر كان عليها، لأنَّ تقديمَ المعمول يُؤْذِن بتقديم العامل، وقد تقدم معمول الخبر على «كان» فَلْيَجُزْ تقديمُه بطريق الأولى. وفيه بحث: وذلك أن ابنَ مالك قَدَح في هذا الدليلِ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩-١٠] قال: «فاليتيم والسائل قد تَقَدَّما على» لا «الناهية والعاملُ فيهما ما بعدها، ولا يجوز تقديم ما بعد» لا «الناهية عليها لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ حيث لا يتقدَّم العامل. ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر ليس بقوله: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] .
стр. 4342
والاعتذار: التنصُّل مِنَ الذنب وأصله مِنْ تعذَّرت المنازل أي: دُرِسَت وامحى أثرها، قال ابن أحمر:
٢٥١٢ - قد كنتَ تعرف آياتٍ فقد جعلَتْ ... أطلالُ إلفِك بالوَعْساء تعتذِرُ
فالمعتذر يزاول محو ذنبه. وقيل: أصله من العَذْر وهو القطع، ومنه العُذْرة لأنها تُقْطع بالافتراع. قال ابن الأعرابي:» يقولون: اعتذرت [المياه أي: انقطعت، وكأن المعتذر يحاول] قطع الذمّ عنه.
стр. 4343
قوله تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ﴾ : قرأ عاصم «نَعْفُ» بنون العظمة، «نُعَذِّب» كذلك أيضاً، «طائفةً» نصباً على المفعولية، وهي قراءاتُ أَبي عبد الرحمن السلمي وزيد بن علي. وقرأ الباقون «يُعفَ» في الموضعين بالياء من تحتُ مبنياً للمفعول ورفع «طائفةٌ» على قيامِها مَقام الفاعل. والقائمُ مقامَ الفاعل في الفعل الأولِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدري: «إن يَعْفُ» بالياء من تحت فيهما مبنياً للفاعل وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب «طائفة» على المفعول به، وقرأ مجاهد «تَعْفُ» بالتاء من فوق فيهما مبنياً للفاعل وهو ضمير الله تعالى، ونصبِ «طائفةً» على المفعول به. وقرأ مجاهد: «تُعفَ» بالتاء من فوق فيهما مبنياً للمفعول ورفع «طائفة» لقيامها مَقامَ الفاعل.
وفي القائم مقامَ الفاعل في الفعل الأول وجهان أحدهما: أنه ضمير الذنوب أي: إن تُعْفَ هذه الذنوب. والثاني: أنه الجارُّ، وإنما أُنِّثَ الفعلُ
стр. 4344
حَمْلاً على المعنى. قال الزمخشري: «الوجه التذكير، لأنَّ المسنَد إليه الظرفُ، كما تقول:» سِيْرَ بالدابة «ولا تقول: سِيْرت بالدابة ولكنه ذهب إلى المعنى كأنه قيل: إن تُرحَمْ طائفة، فأنَّث لذلك وهو غريبٌ» .
стр. 4345
قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ﴾ : هذه الجملةُ لا محلَّ لها لأنها مفسرةٌ لقوله ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ وكذلك ما عُطِف على «يَأْمرون» .
следующие страницы →