Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
قوله تعالى: ﴿أبالله﴾ : متعلقٌ بقوله: «تستهزئون» و «تستهزئون» خبرُ كان. وفيه دليلٌ على تقديم خبر كان عليها، لأنَّ تقديمَ المعمول يُؤْذِن بتقديم العامل، وقد تقدم معمول الخبر على «كان» فَلْيَجُزْ تقديمُه بطريق الأولى. وفيه بحث: وذلك أن ابنَ مالك قَدَح في هذا الدليلِ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩-١٠] قال: «فاليتيم والسائل قد تَقَدَّما على» لا «الناهية والعاملُ فيهما ما بعدها، ولا يجوز تقديم ما بعد» لا «الناهية عليها لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ حيث لا يتقدَّم العامل. ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر ليس بقوله: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] .
стр. 4342
والاعتذار: التنصُّل مِنَ الذنب وأصله مِنْ تعذَّرت المنازل أي: دُرِسَت وامحى أثرها، قال ابن أحمر:
٢٥١٢ - قد كنتَ تعرف آياتٍ فقد جعلَتْ ... أطلالُ إلفِك بالوَعْساء تعتذِرُ
فالمعتذر يزاول محو ذنبه. وقيل: أصله من العَذْر وهو القطع، ومنه العُذْرة لأنها تُقْطع بالافتراع. قال ابن الأعرابي:» يقولون: اعتذرت [المياه أي: انقطعت، وكأن المعتذر يحاول] قطع الذمّ عنه.
стр. 4343
قوله تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ﴾ : قرأ عاصم «نَعْفُ» بنون العظمة، «نُعَذِّب» كذلك أيضاً، «طائفةً» نصباً على المفعولية، وهي قراءاتُ أَبي عبد الرحمن السلمي وزيد بن علي. وقرأ الباقون «يُعفَ» في الموضعين بالياء من تحتُ مبنياً للمفعول ورفع «طائفةٌ» على قيامِها مَقام الفاعل. والقائمُ مقامَ الفاعل في الفعل الأولِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدري: «إن يَعْفُ» بالياء من تحت فيهما مبنياً للفاعل وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب «طائفة» على المفعول به، وقرأ مجاهد «تَعْفُ» بالتاء من فوق فيهما مبنياً للفاعل وهو ضمير الله تعالى، ونصبِ «طائفةً» على المفعول به. وقرأ مجاهد: «تُعفَ» بالتاء من فوق فيهما مبنياً للمفعول ورفع «طائفة» لقيامها مَقامَ الفاعل.
وفي القائم مقامَ الفاعل في الفعل الأول وجهان أحدهما: أنه ضمير الذنوب أي: إن تُعْفَ هذه الذنوب. والثاني: أنه الجارُّ، وإنما أُنِّثَ الفعلُ
стр. 4344
حَمْلاً على المعنى. قال الزمخشري: «الوجه التذكير، لأنَّ المسنَد إليه الظرفُ، كما تقول:» سِيْرَ بالدابة «ولا تقول: سِيْرت بالدابة ولكنه ذهب إلى المعنى كأنه قيل: إن تُرحَمْ طائفة، فأنَّث لذلك وهو غريبٌ» .
стр. 4345
قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ﴾ : هذه الجملةُ لا محلَّ لها لأنها مفسرةٌ لقوله ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ وكذلك ما عُطِف على «يَأْمرون» .
стр. 4346
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ﴾ : حالٌ من المفعول الأول للوعد وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّ هذه الحالَ لم تقارِنْ الوعد، وقوله: «هي حَسْبُهم» لا محلَّ لهذه الجملةِ الاستئنافية. وقوله: «هي حسبهم» لا محلَّ لهذه الجملة الاستئنافية.
стр. 4347
قوله تعالى: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ : فيه أوجه أحدها: هذه الكافَ/ في محلِّ رفعٍ تقديرُه: إنهم كالذين فهي خبر مبتدأ محذوف. الثاني: أنها في محل نصب. قال الزجاج: «المعنى: وعدكما وَعْدَ الذين مِنْ قبلكم، فهو متعلقٌ ب» وَعَدَ «. قال ابن عطية:» وهذا قَلِقٌ «. وقال أبو البقاء:» ويجوز أن يكونَ متعلِّقاً ب «يَسْتهزئون» . وفي هذا بُعْدٌ كبير.
وقوله: ﴿كَانُواْ أَشَدَّ﴾ تفسيرٌ لشبههم بهم وتمثيل لفعلهم. وجعل الفراءُ محلَّها نصباً بإضمارِ فعلٍ قال: «التشبيهُ من جهة الفعل أي: فعلتم كما فعل الذين من قبلكم» فتكون الكافُ في موضع نصب. وقال أبو البقاء: «الكاف
стр. 4348
في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، وفي الكلام حذفُ مضافٍ تقديرُه» وعداً كوعد الذين «. وذكر الزمخشري وجهَ الرفع المتقدمَ والوجهَ الذي قدَّمْتُه عن الفراء، وشبَّهه بقول النمر بن تولب:
٢٥١٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كاليوم مَطْلوباً ولا طَلَبا
بإضمار: لم أر.
قوله: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ الكافُ في محل نصب نعتاً لمصدرٍ محذوف أي: استمتاعاً كاستمتاع الذين.
قوله: كالذي خاضوا﴾ الكافُ كالتي قبله. وفي» الذي «وجوهٌ أحدُها: أن المعنى: وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النونُ تخفيفاً، أو وقع المفردُ موقعَ الجمع. وقد تقدم تحقيق هذا في أوائل البقرة، فحُذِفَ المصدرُ الموصوفُ والمضافُ إلى الموصول، وعائدُ الموصول تقديرُه: خاضوه، والأصلُ: خاضوا فيه؛ لأنه يتعدى ب» في «فاتُّسع فيه، فَحُذِفَ الجارُّ فاتصل الضميرُ بالفعل فساغ حَذْفُه، ولولا هذا التدريجُ لَمَا ساغ الحذف؛ لِما عرفت ممَّا مرَّ أنه متى جُرَّ العائد بحرف اشتُرِط في جواز حَذْفِه جَرُّ الموصولِ بمثل ذلك الحرف، وأن يتحدَ المتعلَّق، مع شروط أُخَرَ ذكرتُها فيما تقدَّم.
الثاني: أنَّ» الذي «صفةٌ لمفردٍ مُفْهِمٍ للجمع أي: وخضتم خوضاً
стр. 4349
كخوضِ الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا. والكلامُ في العائد كما سَبَق قبلُ.
الثالث: أنَّ» الذي «من صفةِ المصدرِ والتقدير: وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه. وعلى هذا فالعائدُ منصوب من غير وساطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكونَ هو الراجح إذ لا محذورَ فيه.
الرابع: أن» الذي «تقعُ مصدريةً، والتقدير: وخضتم خوضاً كخوضهم ومثله:
٢٥١٤ - فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاك مِنْ حسنٍ ... في المُرْسلين ونَصْراً كالذي نُصِروا
أي: كنَصْرهم. وقول الآخر:
٢٥١٥ - يا أمَّ عمروٍ جزاكِ اللَّهُ مغفرةً ... رُدِّي عليَّ فؤادي كالذي كانا
أي: ككونِه. وقد تقدَّم أن هذا مذهب الفراء ويونس، وتقدَّمَ تأويلُ البصريين لذلك. قال الزمخشري:» فإن قلتَ: أيُّ فائدة في قوله: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ كَمَا﴾ ، وقوله: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُغْنٍ عنه كما أغنى «كالذي خاضوا» [عن أن يقال: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالذي خاضُوا] ؟ قلت: فائدتُه أَنْ يَذُمَّ الأوَّلين بالاستمتاع بما أُوتوا ورِضاهم بها عن النظر في العاقبة وطلبِ الفلاحِ في الآخرة وأن يُخَسِّسَ أمر الاستمتاع، ويُهَجِّن أمرَ الراضي به، ثم يشبه حال المخاطبين بحالهم.
وأمَّا «وخُضْتُمْ كالذي خاضوا» فمعطوفٌ على ما قبله، ومسندٌ إليه مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن
стр. 4350
تلك المقدمة «يعني أنه استغنى عن أَنْ يكونَ التركيبُ: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا.
وفي قوله: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ إيقاعٌ للظاهر موقع المضمرِ لنُكْتةٍ: وهو أن كانَ الأصلُ: فاستمتعتم فخَلاقكم كما استمتعوا بخلاقِهم، فأبرزهم بصورةِ الظاهر تحقيراً لهم كقوله تعالى: ﴿لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ [مريم: ٤٤] وكقوله قبل ذلك: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] . وهذا كما يدل بإيقاع الظاهر موقعَ المضمرِ على التفخيم والتعظيم يدلُّ به على عكسِه وهو التحقير.
стр. 4351
قوله تعالى: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ : بدلٌ من الموصول قبلَه وهو ويَحْتمل أن يكونَ بدلَ كل من كل إن كان المرادُ بالذين ما ذُكِر بعده خاصة، وأن يكونَ بدلٌ بعضً مِنْ كل إنْ أريد به أعمَّ من ذلك.
والمُؤْتَفكات أي: المُنْقَلبات يُقال: أَفَكْتُه فانتفك أي: قَلَبْته فانقلب، والمادةُ تدل على التحوُّل والتصرف ومنه ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ / أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أي: يُصْرَف. والضمير في «أَتَتْهم» يجوز أن يعودَ على مَنْ تقدَّم، وخَصَّه بعضُهم بالمؤتفكات.
стр. 4352
وقوله تعالى: ﴿ [بَعْضُهُمْ] أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ : وقال في المنافقين ﴿مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] إذ لا ولايةَ بين المنافقين. وقوله «يَأْمُرون» كما تقدم في نظيره. والسينُ في «سيرحمهم الله» للاستقبال، إذ المراد رحمةٌ خاصةٌ
стр. 4353
وهي ما خبَّأه لهم في الآخرة. وادعى الزمخشري أنها تفيد وجوبَ الرحمةِ وتوكيدَ الوعيد والوعيد نحو: سأنتقم منك.
стр. 4354
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ﴾ : حالٌ مقدرة كما تقدم. والعَدْن: الإِقامة يُقال: عَدَنَ بالمكان يَعْدِن عَدْناً أي ثَبَتَ واستقرَّ، ومنه المَعْدِن لمُسْتَقَرِّ الجواهر ويُقال: عَدَن عُدُوناً فله مصدران، هذا أصلُ هذه اللفظة لغةً، وفي التفسير ذكروا لها معانيَ كثيرةً. وقال الأعشى في معنى الإِقامة:
٢٥١٦ - وإن يَسْتضيفوا إلى حِلْمِهِ ... يُضافُوا إلى راجِحٍ قد عَدَنْ
أي: ثَبَتَ واستقرَّ، ومنه «عَدَن» لمدينة باليمن لكثرة المقيمين بها.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ ، التكثير يفيد التعليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم مِنَ الجنَّات ومساكنها.
стр. 4355
قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ : قال أبو البقاء: «إن قيل: كيف حَسُنَتِ الواوُ هنا، والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أجوبة. أحدُها: أن الوَاوَ واو الحال والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقِهم جهنم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم. والثاني: أن الواوَ جيْءَ بها تنبيهاً على إرادة فعلٍ محذوف تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم. الثالث: أنَّ الكلامَ قد حُمل على المعنى، والمعنى: أنه قد اجتمع لهم عذاب الدنيا بالجهاد والغلطة وعذابُ الآخرةَ بجَعْلِ جهنم مأواهم» ، ولا حاجةَ إلى هذا كلِّه، بل هذه جملةٌ استئنافية.
стр. 4356
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به، أي: وما كَرِهوا وعابُوا إلا إغناءَ الله إياهم، وهو من بابِ قولِهم: ما لي عندك ذنبٌ إلا أَنْ أَحْسَنْت إليك، أي: إن كان ثَمَّ ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم، كقوله:
٢٥١٧ - ولا عيبَ فينا غيرُ عِرْقٍ لمعشرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النمل
وقول الآخر:
٢٥١٨ - ما نقِموا من بني أميةَ إلا ... أنهمْ يَحْلُمون إنْ غَضِبوا
وأنهم سادةُ الملوكِ ولا ... يَصْلحُ إلا عليهم العَرَبُ
والثاني: أنه مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعول به محذوف تقديره: وما نقموا منهم الإِيمان إلا لأجلِ إغناء الله إياهم. وقد تقدَّم الكلامُ على نَقِم.
стр. 4357
قوله تعالى: ﴿مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ : فيه معنى القسم فلذلك أُجيب بقوله: «لنصَّدَّقَنَّ» ، وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لدلالة هذا الجوابِ عليه، وقد عَرَفْتَ قاعدة ذلك. واللام للتوطئة. ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللام الموطئة له. وقال أبو البقاء؛ «فيه وجهان أحدهما: تقديره فقال: لئن آتانا.
стр. 4358
والثاني: أنْ يكونَ» عاهد «بمعنى» قال «فإنَّ العهد قول» . ولا حاجة إلى هذا الذي ذكره.
قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ قرأهما الجمهور بالنون الثقيلة، والأعمش بالخفيفة.
стр. 4359
والجمهور قرؤوا «يَكذبون» مخففاً. وأبو رجاء مثقلاً.
стр. 4360
والجمهورُ على «يَعْلموا» بالياء من تحت. وقرأ علي بن أبي طالب والحسن والسُّلَمي بالخطاب التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين.
стр. 4361
قوله تعالى: ﴿الذين يَلْمِزُونَ﴾ : فيه أوجه، أحدهما: أنه مرفوعٌ على إضمارِ مبتدأ، أي: هم الذين. الثاني: أنه في محل رفع بالابتداء و «من المؤمنين» حالٌ مِن «المطَّوِّعين» ، و «في الصدقات» متعلق ب «يَلْمِزون» . و ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ﴾ نسقٌ على «المطَّوِّعين» أي: يَعيبون المياسير والفقراء.
وقال مكي: «والذين» خفضٌ عطفاً على «المؤمنين» ، ولا يَحْسُن عَطْفُه على «المطَّوِّعين» ، لأنه لم يتمَّ اسماً بعد، لأن «فيسخرون» عطف على «يَلْمِزُون» هكذا ذكره النحاس في «الإِعراب» له، وهو عندي وهمٌ منه «. قلت: الأمر فيه كما ذكر فإن» المطَّوِّعين «قد تَمَّ من غيرِ احتياجٍ لغيره.
стр. 4362
وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ نسقٌ على الصلة، وخبر المبتدأ الجملةُ من قوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ ، هذا أظهرُ إعرابٍ قيل هنا. وقيل: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ﴾ نسقٌ على» الذين يَلْمزون «، ذكره أبو البقاء. وهذا لا يجوزُ؛ لأنه يلزمُ الإِخبارُ عنهم، بقوله: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ وهذا لا يكون إلا بأَنْ كان الذين لا يَجِدون منافقين، وأمَّا إذا كانوا مؤمنين كيف يَسْخر الله منهم؟ وقيل: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ﴾ نسقٌ على المؤمنين، قاله أبو البقاء. وقال الشيخ:» وهو بعيدٌ جداً «، قلت: وَجْهُ بُعْدِ أنه يُفْهِمُ أن الذين لا يجدون ليسوا مؤمنين؛ لأنَّ أصلَ العطفِ الدلالةُ على المغايرة فكأنه قيل: يَلْمِزون المطَّوِّعين من هذين الصنفين: المؤمنين والذين لا يجدون، فيكون الذين لا يجدون مطَّوِّعين غيرَ مؤمنين.
وقال أبو البقاء:» في الصدقات «متعلق ب» يَلْمِزون «، ولا يتعلق بالمطَّوِّعين لئلا يُفْصَل بينهما بأجنبي» ، وهذا الردُّ فيه نظر، إذ قولُه: «من المؤمنين» حال، والحال ليست/ بأجنبي، وإنما يظهر في رَدِّ ذلك أن «يطَّوَّع» إنما يتعدى بالباء لا ب «في» ، وكونُ «في» بمعنى الباء خلافُ الأصل.
وقيل: ﴿فَيَسْحَرُونَ﴾ خبرُ المبتدأ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما تضمَّنه المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجهِ بُعْدٌ من حيث إنه يَقْرُب من كونِ الخبر في معنى المبتدأ، فإنَّ مَنْ عاب إنساناً وغَمَزَه علم أنه يسخر منه فيكون كقولهم: «سيد الجارية مالكها» .
стр. 4363
الثالث: أن يكونَ محلُّه نصباً على الاشتغال بإضمار فعل يُفَسِّره ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ مِنْ طريقِ المعنى نحو: عاب الذين يَلْمِزون سخر الله منهم. الرابع: أَنْ ينتصبَ على الشتم. الخامس: أن يكونَ مجروراً بدلاً من الضمير في «سِرَّهم ونجواهم» .
وقرىء «يُلْمزون» بضم الميم، وقد تقدَّم أنها لغة.
وقوله: ﴿سَخِرَ الله﴾ يُحْتمل أن يكونَ خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً. وقرأ الجمهور «جُهدهم» بضم الجيم. وقرأ ابن هرمز وجماعة «جَهْدهم» بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل: المفتوحُ المشقَّة، والمضمومُ الطاقةُ قاله القتبي. وقيل: المضمومُ شيءٌ قليلٌ يُعاشُ به، والمفتوحُ العملُ.
стр. 4364
قوله تعالى: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ : منصوبٌ على المصدر كقولك: «ضربتُه عشرين ضربةً» فهو لعددِ مراته. وقوله: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ، قد تقدَّم الكلامُ على هذا بُعَيْدَ قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] وأنه نظيرُ قوله:
٢٥١٩ - أَسِيْئي بنا أو أَحْسِني لا مَلومةٌ ... لدينا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
стр. 4365
قوله تعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ : متعلقٌ ب «فرح» ، وهو يصلح لمصدر قعد وزمانِه ومكانِه، والمرادُ به ههنا المصدرُ، أي: بقعودهم وإقامتها بالمدينة.
стр. 4366
قوله: ﴿خِلاَفَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدرٍ مدلولٍ عليه بقوله: «مَقْعدهم» ، لأنه في معنى تخلَّفوا، أي: تخلفوا خلاف رسول الله. الثاني: أنَّ «خلاف» مفعولٌ من أجله، والعامل فيه: إمَّا فرح، وإما مَقْعد، أي: فَرِحوا لأجل مخالفتهم رسول الله حيث مضى هو للجهاد وتَخَلَّفوا هم عنه، أو بقعودِهم لمخالفَتهم له، وإليه ذهب الطبري والزجاج ومؤرِّج، ويؤيد ذلك قراءةُ منْ قرأ «خُلْف» بضم الخاءِ وسكون اللام، والثالث: أنْ ينتصب على الظرف، أي: بعد رسول الله. يُقال: «أقام زيد خلاف القوم» ، أي: تخلف بعد ذهابهم، و «خلافَ» يكون ظرفاً قال:
٢٥٢٠ - عَقَبَ الربيعُ خِلافَهُمْ فكأنما ... بَسَطَ الشَّواطِبُ بينهن حصيرا
وقال الآخر:
٢٥٢١ - فقلْ للذي يَبْقى خِلاَفَ الذي مضى ... تَهَيَّأْ لأخرى مِثلها وكأنْ قَدِ
وإليه ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمر والأخفش، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس وأبي حيوة وعمرو بن ميمون «خَلْفَ» بفتح الخاء وسكون اللام.
стр. 4367
قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ﴾ : «رجع» يتعدى، كهذه الآية الكريمة، ومصدرُه الرَّجْع، كقوله: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ [الطارق: ١١] ، ولا يتعدى نحو: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] ، في قراءة مَنْ بناه للفاعل، والمصدر الرجوع كالدخول.
стр. 4368
قوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، قد تقدَّم ذلك. وقال أبو البقاء: «هي ظرفٌ» ، قال الشيخ: «ويعني ظرفَ زمان وهو بعيد» . / لأن الظاهرَ أنها منصوبةٌ على المصدر، وفي التفسير: أولَ خَرْجَةٍ خَرَجَها رسول الله، فالمعنى: أولَ مرة من الخروج. قال الزمخشري: «فإن قلت» مرة «نكرة وُضِعَتْ موضع المرات من التفضيل، فلِمَ ذُكِرَ اسمُ التفضيلِ المضافُ إليها وهو دالٌّ على واحدةٍ من المرات؟ قلت: أكثر اللغتين:» هند أكبرُ النساء وهي أكبرُهن «، ثم إنَّ قولَك:» هي كبرى امرأة «، لا تكاد تعثر عليه، ولكن» هي أكبر امرأة وأول مرة وآخر مرة «.
قوله: ﴿مَعَ الخالفين﴾ هذا الظرفُ يجوز أن يكونَ متعلقاً ب» اقعدوا «، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ لأنه حال من فاعل» اقعدوا «. والخالِفُ: المتخلِّفُ بعد القوم. وقيل: الخالف: الفاسد.» مَنْ خَلَفَ «، أي: فَسَد، ومنه» خُلوف فم الصائم «، والمراد بهم النساءُ والصبيانُ والرجالُ العاجزون، فلذلك جاز جمعُه للتغليب. وقال قتادة:» الخالِفُون: النساء «، وهو مردودٌ لأجل الجمع. وقرأ عكرمة ومالكُ بن دينار» مع الخَلِفين «مقصوراً مِنَ الخالِفين كقوله:
٢٥٢٣ - مثل النَّقَا لَبَّده بَرْدُ الظِّلَلْ ... وقوله:
٢٥٢٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4369
عَرِدا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . بَرِدا
يريد: الظلال وعارِداً بارداً.
стр. 4370
قوله تعالى: ﴿مِّنْهُم﴾ : صفةٌ ل «أحد» ، وكذلك الجملة من قوله: «مات» . ويجوز أن يكون «منهم» حالاً من الضمير في «مات» ، أي: مات حال كونِه منهم، مُتَّصفاً بصفةِ النفاق كقولهم: «أنت مني» ، يَعْني على طريقتي. و «أبداً» ظرف منصوب بالنهي.
стр. 4371
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ : قيل: هذه تأكيد للآية السابقة. وقال الفارسي: «ليست للتأكيد لأن تِيْكَ في قوم، وهذه في آخرين، وقد تغاير لفظاً الاثنتين فههنا» ولا «بالواو لمناسبة عطفِ نهيٍ على نهيٍ قبلَه في قوله:» ولا تُصَلِّ، ولا تَقُمْ، ولا تُعْجبك «، فناسب ذلك الواو، وهناك بالفاءِ لمناسبةِ تعقيبِ قولِه: ولا يُنْفِقون إلا وهم كارهون» ، أي: للإِنفاقِ فهم مُعْجَبون بكثرة الأموالِ والأولادِ فنهاه عن الإِعجاب بفاء التعقيبِ. وهنا «وأولادهم» دون «لا» لأنه نهيٌ عن الإِعجاب بهما مجتمعين، وهناك بزيادةِ «لا» لأنه نهيٌ عن كل واحد واحد فَدَلَّ مجموعُ الاثنين على النهي بهما مجتمعَيْن ومنفردين. وهنا «أنْ يُعَذِّبهم» وهناك «ليُعَذِّبهم» ، فأتى باللام مُشْعرةً بالغلبة، ومفعولُ الإِرادةِ محذوفٌ، أي: إنما يريد الله اختبارَهم بالأموال والأولاد، وأتى ب «أن» لأنَّ مَصَبَّ الإِرادة التعذيبُ، أي: إنما يريد الله تعذيبَهم. فقد اختلف متعلَّقُ الإِرادة في الآيتين. هذا هو الظاهر وإن كان يُحتمل أن تكونَ اللامُ زائدة، وأن تكونَ «أَنْ» على حذف لام علة. وهناك «في الحياة الدنيا» وهنا سقطت «الحياة» ، تنبيهاً على خِسِّيَّة الدنيا، وأنها لا تستحق
стр. 4372
أن تُسَمَّى حياة، لا سيما وقد ذُكِرَت بعد ذِكر موتِ المنافقين فناسَبَ ألاَّ تُسَمَّى حياة.
стр. 4373
قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ : «إذا» لا تقتضي تكراراً بوضعها، وإن كان بعضُ الناس فَهِمَ ذلك منها ههنا، وقد تقدَّم ذلك أولَ البقرة وأنشدْت عليه:
٢٥٢٥ - إذا وجدْتُ أوارَ الحُبِّ في كَبِدي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنَّ هذا إنما يُفْهَمُ من القرائِن لا مِنْ وَضْع «إذا» له.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُواْ﴾ ، فيه وجهان، أحدهما: أنها تفسيريةٌ لأنه قد تقدَّمها ما هو بمعنى القول لا حروفه. والثاني: أنها مصدريةٌ على حذف حرف الجر، أي: بأنْ آمنوا. وفي قوله: «اسْتَأْذَنَكَ» ؛ التفاتٌ من غَيْبة إلى خطاب، وذلك أنه قد تقدَّم لفظُ «رسوله» فلو جاء على الأصل لقيل: استأذنه.
стр. 4374
قوله تعالى: ﴿مَعَ الخوالف﴾ : الخَوَالِفُ: جمع خالفة من صفة النساء، وهذه صفةُ ذَمّ كقول زهير:
٢٥٢٦ - وما أَدْري وسوف إخالُ أَدْري ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ
فإنْ تكنِ النساءُ مُخَبَّآتٍ ... فَحُقَّ لكل مُحْصَنَةٍ هِداءُ
وقال آخر:
٢٥٢٧ - كُتِبَ القَتْلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانيات جَرُّ الذيولِ
стр. 4375
وقال النحاس: «يجوز أن تكونَ» الخوالِف «من صفة الرجال، بمعنى أنها جمع خالفة. يقال:» رجل خالِفَة «، أي: لا خير فيه، فعلى هذا تكونُ جمعاً للذكور باعتبار لفظهِ» . وقال بعضهم: إنه جمع خالف، يقال: رجلٌ خالفٌ، أي: لا خير فيه، / وهذا مردودٌ؛ فإن فواعل لا يكونُ جمعاً ل فاعل وَصْفاً لعاقل إلا ما شذَّ من نحو: فوارس ونواكس وهوالك.
стр. 4376
والخَيْرات: جمع خَيْرة على فَعْلة بسكون العين وهو المستحسَنْ من كل شيء، وغَلَبَ استعمالُه في النساء، ومنه قوله تعالى: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ وقول الشاعر:
٢٥٢٨ - ولقد طَعَنْتُ مَجامِع الرَّبَلاتِ ... رَبَلاتِ هندٍ خَيْرةٍ الملَكاتِ
стр. 4377
قوله تعالى: ﴿المعذرون﴾ : قُرىء بوجوهٍ كثيرة، فمنها قراءة الجمهور: فَتْحُ العين وتشديدُ الذال. وهذه القراءة تحتمل وجهين: أن يكون وزنه فَعَّل مضعّفاً، ومعنى التضعيف فيه التكلف، والمعنى: أنه تَوَهَّم أن له عُذْراً، ولا عُذْرَ له. والثاني: أن يكون وزنه افتعل والأصل: اعتذرَ فأُدْغمت التاءُ في الذال بأنْ قُلبت تاءُ الافتعال ذالاً، ونُقِلت حركتها إلى الساكن قبلها وهو العين، ويدلُّ على هذا قراءةُ سعيد بن جبير «المعتذرون» على الأصل. وإليه ذهب الأخفش والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم والزجاج.
стр. 4378
وقرأ زيدٌ بن علي والضحاك والأعرج وأبو صالح وعيسى بن هلال وهي قراءةُ ابنِ عباس أيضاً ويعقوب والكسائي «المُعْذِرون» بسكون العين وكسرِ الذال مخففةً مِنْ أَعْذَر يُعْذِر كأكرم يكرم.
وقرأ مسلمة «المُعَّذَّرون» بتشديد العين والذال مِنْ تعذَّر بمعنى اعتذر. قال أبو حاتم: «أراد المتعذرون، والتاء لا تدغم في العين لبُعْد المخارج، وهي غلطٌ منه أو عليه» .
قوله: ﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ متعلقٌ ب «جاء» وحُذِفَ الفاعلُ وأُقيم الجارُّ مُقَامه للعلمِ به، أي: ليأذن لهم الرسول. وقرأ الجمهور «كَذَبوا» بالتخفيف، أي: كذبوا في إيمانهم. وقرأ الحسن في المشهور عنه وأُبَيٌّ وإسماعيل «كذَّبوا» بالتشديد، أي: لم يُصَدِّقُوا ما جاء به الرسول عن ربه ولا امتثلوا أمره.
стр. 4379
وقرأ أبو حيوة: «نصحوا اللَّهَ» بدون لام، وقد تقدم أن «نَصَح» يتعدَّى بنفسِه وباللام.
وقوله: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ فاعل بالجارِّ لاعتماده على النفي، ويجوز أن يكونَ مبتدأً والجارُّ قبلَه خبرُه، وعلى كلا القولين ف «مِنْ» مزيدةٌ فيه، أي: ما على المحسنين سبيل.
قال بعضُهم: وفي هذه الآيةِ نوعٌ من البديع يسمى التمليح وهو: أن يُشارَ إلى قصةٍ مشهورة أو مثلٍ سائرٍ أو شعر نادر في فحوى كلامك من غير ذِكْره، ومنه قوله:
стр. 4380
٢٥٢٩ - اليومَ خمرٌ ويبدو بعده خَبَرٌ ... والدهرُ مِنْ بين إنعامٍ وإبْآسِ
يشير لقول امرىء القيس لَمَّا بلغه قَتْلُ أبيه: «اليومَ خمرٌ وغداً أمره» ، وقول الآخر:
٢٥٣٠ - فواللَّهِ ما أدري أأحلامُ نائمٍ ... أَلَمَّت بنا أم كان في الركب يوشَعُ
يُشير إلى قصة يوشع ﵇ واستيقافه الشمس. وقول الآخر:
٢٥٣١ - لعَمْروٌ مع الرَّمْضاءِ والنارُ تَلْتَظِي ... أرقُّ وأحفى منكَ في ساعة الكَرْبِ
أشار إلى البيت المشهور:
٢٥٣٢ - المستجيرُ بعمروٍ عند كُرْبته ... كالمستجير مِنَ الرَّمْضاءِ بالنار
وكأن هذا الكلامَ وهو «ما على المحسنين من سبيل» اشتهُر ما هو بمعناه بين الناس، فأشار إليه مِنْ غير ذكر لفظه. ولمَّا ذكر الشيخ التمليح لم يُقَيِّده بقوله «من غير ذكره» ولا بد منه، لأنه إذا ذكره بلفظه كان اقتباساً وتضميناً.
следующие страницы →