Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ : «لولا» تحضيضية والمرادُ به الأمر. و «منهم» يجوز أن يكون صفةً ل «فرقة» وأن يكون حالاً من «طائفة» لأنها في الأصل صفة لها، وعلى كلا التقديرين فيتعلقُ
стр. 4447
بمحذوف. والذي ينبغي أن يُقال: إنَّ «من كل فرقة» حالٌ من طائفة، و «منهم» صفة لفرقة، ويجوز أن يكونَ «من كل» متعلقاً ب «نَفَرَ» .
وقوله: ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ﴾ في هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه للطائفة النافرة على أن المرادَ بالنفور: النفور لطلب العلم، وهو ظاهر. وقيل: الضمير في «ليتفَّقهوا» عائد على الطائفة القاعدة، وفي «رَجَعوا» عائدٌ على النافرة، والمراد بالنفور نفورُ الجهاد، والمعنى: أن النافرين للجهاد إذا ذهبوا بقيت إخوانهم يتعلمون من رسول الله ﷺ الفقه، فإذا رَجَع الغازون أنذرهم المُعَلِّمون، أي: علَّموهم الفقه والشَّرْع.
стр. 4448
قوله تعالى: ﴿وَلِيَجِدُواْ﴾ : وهو من باب «لا أُرَيَنَّك ههنا» وتقدَّم شرحه.
قوله: ﴿غِلْظَةً﴾ قرأها الجمهور بالكسر وهي لغة أشد. وقرأ الأعمش، وأبان بن تغلب والمفضل كلاهما عن عاصم «غَلْظة» بفتحها، وهي لغة الحجاز. وقرأ أبو حيوة والسلمي وابن أبي عبلة والمفضل وأبان في رواية عنهما «غُلظة» بالضم وهي لغة تميم. وحكى أبو عمرو اللغات الثلاث. والغِلظة: أصلها في الأَجْرام فاستعيرت هنا للشدة والصبر والتجلُّد.
стр. 4449
قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُ﴾ : الجمهور على رفع «أيُكم» بالابتداء وما بعده الخبر. وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير بالنصب على الاشتغال، ولكن يُقَدَّر الفعل متأخراً عنه من أجلِ أن له صدرَ الكلام والنصبُ عند الأخفش في هذا النحوِ أحسنُ من الرفع؛ لأنه يُجري اسم
стр. 4450
الاستفهام مُجرى الأسماءِ المسبوقةِ بأداة الاستفهام نحو: «أزيداً ضربته» في ترجيح إضمار الفعل.
стр. 4451
قوله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ﴾ : قرأ حمزة «ترون» بتاء الخطاب وهو خطابٌ للذين آمنوا، والباقون بياء الغيبة رجوعاً على ﴿الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ . والرؤية هنا تحتمل أن تكون قلبيةً، وأن تكون بصريةً/.
стр. 4452
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ﴾ : في محل نصب بقول مضمر، أي: يقولون: هل يراكم. وجملةُ القول في محل نصب على الحال، و «مِنْ أحد» فاعلٌ.
стр. 4453
قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ : صفةٌ لرسول، أي: من صميم العرب. وقرأ ابن عباس وأبو العالية والضحاك وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو وعبد الله بن قُسَيْط المكي ويعقوب من بعض طرقه، وهي قراءةُ رسولِ الله وفاطمة وعائشة بفتح الفاء، أي: مِنْ أَشْرَفِكم، من النَّفاسة.
وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ فيه أوجه، أحدها: أن يكون «عزيز» صفةً لرسول، وفيه أنه تَقَدَّم غيرُ الوصف الصريح على الوصفِ الصريح، وقد يُجاب بأنَّ «من أنفسكم» متعلقٌ ب «جاء» ، و «ما» يجوز أن تكون مصدرية أو بمعنى الذي، وعلى كلا التقديرين فهي فاعل بعزيز، أي: يَعِزُّ عليه عَنَتُكم أو الذي عَنِتُّموه، أي: عَنَتُهم يُسيئه، فحذفَ العائدَ على التدريج، وهذا كقوله:
٢٥٥٧ - يَسُرُّ المرءَ ما ذهب الليالي ... وكان ذهابُهنَّ له ذهاباً
стр. 4454
أي: يَسُرُّه ذهاب الليالي. ويجوز أن يكون «عزيز» خبراً مقدماً، و «ما عَنِتُّم» مبتدأ مؤخراً، والجملةُ صفةٌ لرسول. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ «عزيز» مبتدأ، و «ما» عنتُّم خبره، وفيه الابتداءُ بالنكرة لأجل عَمَلِها في الجارِّ بعدها. وتقدَّم معنى العنت. والأرجح أن يكونَ «عزيز» صفةً لرسول؛ لقوله بعد ذلك «حريصٌ» فلم يُجعلْ خبراً لغيره، وادِّعاءُ كونه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو حريصٌ، لا حاجةَ إليه.
و «بالمؤمنين» متعلقٌ برؤوف. ولا يجوز أن تكونَ المسألةُ من التنازع لأنَّ مِنْ شرطه تأخُّرَ المعمول عن العامِلَيْن، وإن كن بعضهم قد خالف ويجيز: «زيداً ضربتُ وشتمته» على التنازع، وإذا فرَّعنا على هذا التضعيف فيكونُ من إعمال الثاني لا الأولِ لما عُرِف: أنه متى أُعمل الأول أُضْمِرَ في الثاني من غير حذف.
стр. 4455
والجمهورُ على جَرِّ الميم من «العظيم» صفةً للعرش. وقرأ ابن محيصن برفعها، جَعَلَه نعتاً للرب، ورُويت هذه قراءةً عن ابن كثير. قال أبو بكر الأصمُّ: «وهذه القراءة أعجبُ إليّ لأنَّ جَعْلَ العظيم صفةً لله تعالى أولى مِنْ جعله صفةً للعرش» .
стр. 4456
قد تقدَّم الكلامُ على الحروف المقطعة في أوائل هذا الموضوع، واختلافُ القُرَّاء في إمالة هذه الحروف إذا كان في آخرها ألفٌ وهي: را، وطا، وها، ويا، وحا. فأمال «را» من جميع سورها إمالةً محضة الكوفيون إلا حفصاً، وأبو عمر وأبن عامر. وأمال الأخَوَان وأبو بكر «طا» من جميع سُوَرِها نحو: طس، طسم، طه، و «يا» من يس. وافقهم ابنُ عامر والسوسي على «يا» من كهيعص، بخلاف عن السوسي. وأمال الأخَوان وأبو عمرو وورش وأبو بكر «ها» من طه، وكذلك أمالها من كهيعص أبو عمرو والكسائي وأبو بكر دون حمزةَ وورش. وأمال أبو عمرو وورش
стр. 4457
والأخَوَان وأبو بكر وابن ذكوان حا من جميع سورها السبع. إلا أن أبا عمروٍ ووَرْشاً يُميلان بين بين، [وللقراء في هذا عمل كثير] بيَّنْتُه في «شرح القصيد» .
و «الحكيم» : يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، أي: الحاكم، وأن يكونَ بمعنى مفعول، أي: مُحْكَم، قال الأعشى:
٢٥٥٨ - وغريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةً ... قد قلتُها لِيُقالَ مَنْ ذا قالها
стр. 4458
قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ﴾ : الهمزة للإِنكار و «أن أوحينا» اسمُها. و «عجباً» خبرها. و «للناس» متعلق بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ «عَجَباً» لأنه في الأصل صفة له، أو متعلِّقٌ ب «عَجَباً» ، ولا يَضُرُّ كونُه مصدراً لأنه يُتَّسع في الظرف وعديلهِ ما لا يُتَّسع في غيرهما. وقيل: لأن «عجباً» مصدرٌ واقعٌ موقعَ اسمِ الفاعل أو اسم المفعول، ومتى كان كذلك جاز تقديمُ معمولِه. وقيل: هو متعلق ب «كان» الناقصة، وهذا على رأيِ مَن يُجيز فيها ذلك. وهذا مرتَّبٌ على الخلاف في دلالة «كان» الناقصة على الحدث، فإن قلنا: إنها تدلُّ على ذلك فيجوز وإلا فلا وقيل: هو متعلقٌ بمحذوفٍ على التبين، والتقدير في الآية: أكان إيحاؤنا إلى رجلٍ منهم عجباً لهم. و «منهم» صفة ل «رجل» .
وقرأ رؤبة «رَجْل» بسكون الجيم، وهي لغة تميم، يُسَكِّنون فَعُلاً
стр. 4459
نحو: سَبُع وعَضُد. وقرأ عبد الله بن مسعود «عَجَبٌ» . وفيها تخريجان، أظهرهما: أنها التامة، أي: أَحَدَثَ للناس عجب، و «أنْ أَوْحَيْنا» متعلق ب «عَجَب» على حَذْف لامِ العلة، أي: عَجَبٌ لأَِنْ أوحينا، أو يكون على حَذْف «مِنْ» ، أي: مِنْ أَنْ أوحينا. والثاني: أن تكون الناقصة، ويكون قد جعل اسمَها النكرةَ وخبرَها المعرفةَ، على حَدِّ قوله:
٢٥٥٩ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يكونُ مزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وقال الزمخشري: «والأجودُ أن تكونَ التامةَ، و» أنْ أَوْحَيْنا «بدلٌ من» عجب «. يعني به بدلَ اشتمال أو كل من كل؛ لأنه جُعِل هذا نفسَ العَجَب مبالغةً. والتخريج الثاني لابن عطية.
قوله: ﴿أَنْ أَنذِرِ﴾ يجوز أن تكونَ المصدرية، وأن تكونَ التفسيريةَ. ثم لك في المصدرية اعتباران، أحدهما: أن تجعلَها المخففةَ مِن الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف. كذا قال الشيخ، وفيه نظر من حيث إن أخبارَ هذه الأحرف لا تكون جملةً طلبية، حتى لو ورد ما يُوهم ذلك يُؤوَّل على إضمار القول كقوله:
٢٥٦٠ - ولو أصابَتْ لقالَتْ وَهْي صادقةٌ ... إنَّ الرياضةَ لا تُنْصِبْكَ للشِّيبِ
وقول الآخر:
стр. 4460
٢٥٦١ - إنَّ الذين قتلتُمْ أمسِ سَيِّدَهُمْ ... لا تحسَبوا ليلَهم عن ليلِكم ناما
وأيضاً فإن الخبرَ في هذا البابِ إذا وقع جملةً فعلية فلا بد من الفصلِ بأشياءَ ذكرتُها في المائدة، ولكن ذلك الفاصلَ هنا متعذَّرٌ. والثاني: أنها التي بصدد أن/ تنصِبَ الفعلَ المضارعَ، وهي تُوصل بالفعل المتصرِّف مطلقاً نحو:» كتبت إليه بأَنْ قم «. وقد تقدَّم لنا في ذلك بحث أيضاً ولم يُذْكر المُنْذَرُ به، وقد ذكر المُبَشَّرَ به كما سيأتي لأنَّ المقامَ يقتضي ذلك.
قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ﴾ «أنَّ» وما في حَيِّزها هي المبشَّرُ بها، أي: بَشِّرهم باستقرارِ قَدَمِ صِدْق، فَحُذفت الباء، فجرى في محلِّها المذهبان. والمرادُ بقدَمِ صِدْقٍ السابقةُ والفضلُ والمنزلةُ الرفيعة. وإليه ذهب الزجاج والزمخشري ومنه قولُ ذي الرمة:
٢٥٦٢ - لهمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنها ... مع الحَسَبِ العاديِّ طَمَّتْ على البحر ... لمَّا كان السعي والسَّبْقُ بالقدم سُمِّي السَّعْيُ المحمود قَدَماً، كما سُمِّيت اليدُ نِعْمة لمَّا كانت صادرةً عنها، وأُضيف إلى الصدق دلالةً على فضلِه، وهو من باب رجلُ صدقٍ ورجلُ سوءٍ. وقيل: هو سابقةُ الخير التي قَدَّموها، ومنه قول وضَّاح اليمني:
٢٥٦٣ - مالك وضَّاحُ دائمَ الغَزَلِ ... أَلَسْتَ تخشى تقارُبَ الأَجَلِ
صَلِّ لذي العرشِ واتَّخِذْ قَدَماً ... تُنْجيك يوم العِثارِ والزَّلَلِ
стр. 4461
وقيل: هو التقدُّمُ في الشرف، ومنه قول العجاج:
٢٥٦٤ - ذَلَّ بنو العَوَّامِ مِنْ آل الحَكَمْ ... وتركوا المُلْكَ لمَلْكٍ ذي قَدَمْ
أي: ذي تقدُّمٍ وشرفٍ. و «لهم» خبر مقدم، و «قَدَمَ» اسمُها، و «عند ربهم» صفةٌ ل «قَدَم» . ومن جَوَّز أن يتقدَّمَ معمولُ خبرِ «أنَّ» على اسمها إذا كان حرف جر كقوله:
٢٥٦٥ - فلا تَلْحَني فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاك مصابُ القلب جَمٌّ بَلابلُهْ
قال: ف «بحبها» متعلقٌ ب «مُصاب» ، وقد تقدَّم على الاسم فكذلك «لهم» يجوز أن يكونَ متعلقاً ب «عند ربهم» لِما تَضَمَّنَ من الاستقرار، ويكونُ «عند ربهم» هو الخبر.
وقرأ نافعٌ وأبو عمرو وابن عامر «لَسِحْرٌ» والباقون «لَساحر» ، ف «هذا» يجوزُ أن يكونَ إشارةً للقرآن، وأن يكونَ إشارة للرسول على القراءة الأولى، ولكن لا بد من تأويل على قولنا: إن المشار إليه هو النبي ﵇، أي: ذو سحر أو جعلوه إياه مبالغةً. وأمَّا على القراءةِ الثانيةِ فالإِشارةُ للرسولِ ﵇ فقط.
стр. 4462
قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمر﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً ل «إنَّ» . الثاني: أنه حالٌ. الثالث: أنه مستأنفٌ لا محلَّ له من الإِعراب.
стр. 4463
قوله تعالى: ﴿وَعْدَ الله﴾ : منصوبٌ على المصدر المؤكِّدِ، لأنَّ معنى «إليه مَرْجِعُكُمْ» : وَعَدَكم بذلك.
وقوله: ﴿حَقّاً﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبُه مضمر، أي: أَحُقُّ ذلك حقاً. وقيل: انتصب «حقاً» ب «وَعْدَ» على تقدير «في» ، أي: وَعْدَ الله في حق، يعني على التشبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير: «التقدير: وقتَ حق» وأنشد:
٢٥٦٦ - أحقاً عبادَ الله أنْ لَسْتُ ذاهباً ... ولا والِجاً إلا عليَّ رقيبُ
قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ﴾ الجمهورُ على كسر الهمزة للاستئناف. وقرأ عبد الله وابن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب بفتحها. وفيها تأويلاتٌ، أحدها: أن تكونَ فاعلاً بما نصب «حقاً» ، أي: حَقَّ حَقَّاً بَدْءُ الخلق، ثم إعادتُه، كقوله:
٢٥٦٧ - أحقاً عبادَ الله أَنْ لستُ جائِياً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. وهو مذهبُ الفراء فإنه قال: «والتقدير: يحقُّ أنه يبدأ الخلق. الثاني: أنه منصوبٌ بالفعل الذي نَصَبَ» وعد الله «أي: وَعَدَ الله تعالى بَدْء الخلق ثم إعادتَه، والمعنى إعادة الخلق بعد بَدْئه. الثالث: أنه
стр. 4464
على حَذْف لام الجر أي: لأنه، ذكر هذا الأوجهَ الثلاثة الزمخشري وغيره. الرابع: أنه بدلٌ من» وَعْدَ الله «قاله ابن عطية. الخامس: أنه مرفوعٌ بنفس» حقاً «أي: بالمصدر المنون، وهذا إنما يتأتى على جَعْل» حقاً «غيرَ مؤكدٍ؛ لأنَّ المصدر المؤكدَ لا عملَ له إلا إذا ناب عن فعلِه، وفيه بحثٌ. السادس: أن يكونَ» حقاً «مشبهاً بالظرف خبراً مقدماً و» أنَّه «في محلِّ رفعٍ مبتدأً مؤخراً كقولهم: أحقاً أنك ذاهب قالوا: تقديره: أفي حقٍ ذهابك.
وقرأ ابن أبي عبلة:» حَقٌّ أنه «برفع [حق] وفتح» أنَّ «على الابتداء والخبر. قال الشيخ:» وكونُ «حق» خبرَ مبتدأ، و «أنه» هو المبتدأ هو الوجه في الإِعراب، كما تقول: «صحيحٌ أنك تخرج» لأن [اسم] «أنَّ» / معرفة، والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة «. قلت: فظاهرُ هذه العبارةِ يُشعر بجواز العكس، وهذا قد ورد في باب» إنَّ «كقوله:
٢٥٦٨ - وإن حراماً أن أَسُبَّ مُجاشعاً ... بآبائيَ الشُّمِّ الكرامِ الخَضَارمِ
وقوله:
٢٥٦٩ - وإن شفاءً عَبْرَةٌ أَنْ سَفَحْتُها وهل عند رسمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّل ...
стр. 4465
على جَعْل» أنْ سفحتُها «بدلاً من» عبرة «. وقد أخبر في» كان «عن نكرةٍ بمعرفةٍ كقوله:
٢٥٧٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَدَاعا
وقوله:
٢٥٧١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يكون مزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وقال مكي:» وأجاز الفراء رفع «وعد» ، يجعله خبراً ل «مرجعكم» .
وأجاز رفعَ «وعد» و «حق» على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد «. قلت: نعم لم يرفع وعد وحق معاً أحد، وأمَّا رفعُ» حق «وحده فقد تقدم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهُه. ولا يجوز أن يكون» وعدَ الله «عاملاً في» أنه «لأنه قد وُصِف بقوله» حقاً «قاله أبو الفتح.
وقرىء» وَعَدَ اللَّهُ «بلفظ الفعل الماضي ورفعِ الجلالة فاعلةً، وعلى هذه يكون» أنه يَبْدَأ «معمولاً له إنْ كان هذا القارىءُ يفتح» أنه «.
والجمهور على» يَبْدأُ «بفتح الياء مِنْ بدأ، وابن أبي طلحة» يُبْدِىء «مِنْ أَبْدأ، وبَدَأ وأبدأ بمعنى.
стр. 4466
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق بقوله» ثم يُعيده «، و» بالقسطِ «متعلقٌ ب» يَجْزي «. ويجوز أن يكونَ حالاً: إمَّا من الفاعلِ أو المفعول أي: يَجْزيهم ملتبساً بالقسط أو ملتبسين به. والقِسْط: العدل.
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ بعده [خبره] . الثاني: أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبلَه، وتكونُ الجملةُ بعده مبيِّنَةً لجزائهم. و» شراب « [يجوز أَنْ] يكونَ فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، [والأولُ أولى] .
قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ﴾ الظاهرُ تعلُّقُه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع خبراً، والتقدير: استقر لهم شراب من جهنم وعذاب أليم بما كانوا. وجَوَّز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما الأول: أن يكونَ صفةً أخرى ل» عذاب «. والثاني: أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له ولا حاجةَ إلى العُدول عن الأول.
стр. 4467
قوله تعالى: ﴿ضِيَآءً﴾ : إمَّا مفعولٌ ثانٍ على أَنَّ الجَعْلَ للتصيير، وإمَّا حالٌ على أنه بمعنى الإِنشاء. والجمهور على «ضياء» بصريح الياء قبل الألف، وأصلُها واو لأنه من الضوء. وقرأ قنبل عن ابن كثير هنا وفي الأنبياء والقصص «ضِئاءً» بقلب الياء همزة، فتصير ألف بين همزتين. وأُوِّلت على أنه مقلوبٌ قُدِّمت لامُه وأُخِّرت عينه فوقعت الياء طرفاً بعد ألف
стр. 4468
زائدة فقلبت همزة على حَدِّ «رداء» . وإن شئت قلتَ: لمَّا قُلِبت الكلمة صار «ضياواً» بالواو، عادت العين إلى أصلها مِن الواو لعدم موجِبِ قَلْبِها ياءً وهو الكسرُ السابقُها، ثم أُبْدلت الواوُ همزةً على حَدِّ كساء. وقال أبو البقاء: «إنها قُلبت ألفاً ثم قُلِبت الألفُ همزةً لئلا تجتمعَ ألفان» .
واستُبْعِدت هذه القراءة من حيث إن اللغةَ مبنيَّة على تسهيلِ الهمزِ فكيف يَتَخَيَّلون في قَلْب الحرفِ الخفيف إلى أثقلَ منه؟ قلت: لا غَرْو في ذلك، فقد قلبوا حرف العلةِ الألف والواو والياء همزة في مواضع لا تُحصرُ إلا بعُسْرٍ، إلا أنه هنا ثقيلٌ لاجتماع همزتين. قال أبو شامة: «وهذه قراءة ضعيفةٌ، فإن قياسَ اللغة الفِرارُ من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما، فكيف يُتَخَيَّل بتقديم وتأخيرٍ يؤدي إلى اجتماع همزتين لم يكونا في الأصل؟ هذا خلافُ حكم اللغة.» .
وقال أبو بكر ابن مجاهد وهو ممَّن على قنبل: «ابنُ كثير وحدَه» ضِئاء «بهمزتين في كل القرآن: الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية بعدها، كذلك قَرَأْتُ على قنبل وهو غلط، وكان أصحاب البزي وابن فليح يُنْكرون هذا ويَقْرؤون» ضياء «مثلَ الناس» . قلت: كثيراً ما يتجرأ أبو بكر على شيخه ويُغَلِّطه، وسيمُّر بك مواضعُ من ذلك، وهذا لا ينبغي أن يكون، فإنَّ قُنْبُلاً بالمكان الذي يَمنع أن يتكلَّمَ فيه أحد.
وقوله في جانب الشمس «ضياء» لأن الضوء أقوى من النور، وقد تقدَّم
стр. 4469
ذلك في أول البقرة. و «ضياء ونوراً» يُحْتمل أن يكونا مصدرين، وجُعِلا نفسَ الكوكبين مبالغةً، أو على حَذْف مضاف أي: ذات ضياء وذا نور. وضياء يحتمل أن يكونَ جمع «ضوء» كسَوْط وسِياط، وحَوْض حياض.
و «منازل» نُصِب على ظرف المكان، وجعله الزمخشري على حذف مضاف: إمَّا من الأول أي: قَدَّره مَسيره، وإمَّا من الثاني أي: قدَّره ذا منازل، فعلى التقدير الأول يكون «منازل» ظرفاً كما مر، وعلى الثانى يكون مفعولاً ثانياً على تضمين «قَدَّر» معنى: صَيَّره ذا منازل بالتقدير. وقال الشيخ بعد أن ذكرَ التقديرين، ولم يَعْزُهما للزمخشري: «أو قدَّر له منازل، فحذفَ، وأوصل الفعل إليه فانتصب بحسب هذه التقاديرِ عل الظرف أو الحال أو المفعول كقوله: ﴿والقمر / قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وقد سبقَه إلى ذلك أبو البقاء أيضاً.
والضمير في» قَدَّرناه «يعود على القمر وحده؛ لأنه هو عمدةُ العربِ في تواريخهم. وقال ابن عطية:» ويُحتمل أن يريدهما معاً بحسب أنهما يتصرَّفان في معرفة عدد السنين والحساب، لكنه اجتُزِىءَ بذِكْر أحدهما كقوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وكما قال الشاعر:
٢٥٧٢ - رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي ... بريئاً ومِنْ أجل الطَّوِيِّ رماني
стр. 4470
قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُواْ﴾ : متعلق ب «قَدَّره» . وسُئل أبو عمرو
стр. 4471
عن الحساب: «أتنصِبُه أم تجرُّه؟ فقال:» ومَنْ يدري ما عدد الحساب؟ يعني أنه سُئل: هل تعطفه على «عَددَ» فتنصبَه أم على «السنين» فتجرَّه؟ فكأنه قال: لا يمكنُ جَرُّه؛ إذ يقتضي ذلك أن يُعلم عدد الحساب، ولا يقدر أحد أَنْ يعلمَ عددَه. و «ذلك» إشارةٌ إلى ما تقدم أي: ما خلق الله ذلك المذكور إلا ملتبساً بالحق فيكون حالاً: إمَّا من الفاعل وإما من المفعول. وقيل: الباء بمعنى اللام أي: للحق، ولا حاجة إليه.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو «يُفَصِّل» بياء الغيبة جَرْياً على اسم الله تعالى، والباقون بنون العظمة التفاتاً من الغَيْبة إلى التكلُّم للتعظيم.
стр. 4472
قوله تعالى: ﴿واطمأنوا﴾ : يجوز أن يكون عطفاً على الصلة، وهو الظاهرُ، وأن تكونَ الواوُ للحال، والتقدير: وقد اطمأنُّوا. وقوله: «والذين هم» يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات، بمعنى أنَّهم جامعون بين عدم رجال لقاءِ الله وبين الغَفْلة عن الآيات، وأن يكون هذا الموصولُ غيرَ الأول، فيكونَ عطفاً على اسم «إن» أي: إن الذين لا يَرْجُون، وإن الذين هم.
стр. 4473
و: ﴿أولئك﴾ : مبتدأ و «مَأْواهم» مبتدأ ثانٍ، و «النار» خبرُ هذا الثاني، والثاني وخبره خبر «أولئك» و «أولئك» وخبره خبر «إن الذين» . و «بما كانوا» متعلقٌ بما تضمَّنته الجملة من قوله: «مَأْواهم النار» والباءُ سببيةٌ، و «ما» مصدريةٌ، وجيء بالفعل بعدها مضارعاً دلالةً على استمرارِ ذلك في كل زمان. وقال أبو البقاء: «إن الباء تتعلَّق بمحذوف أي: جُوزوا بما كانوا» .
стр. 4474
قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ : يجوز أن يكونَ
стр. 4475
حالاً من مفعول «يَهْديهم» ، وأن يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ معطوفاً على ما قبله، حُذِف منه حرفُ العطف. قوله «في جنات» يجوز أن يتعلَّق ب «تَجْري» وأن يكون حالاً من «الأنهار» ، وأن يكونَ خبراً بعد خبر ل «إنَّ» ، وأن يكون متعلِّقاً ب «يَهْدي» .
стр. 4476
قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ : مبتدأٌ و «سبحانَك» معمول لفعلٍ مقدر لا يجوز إظهارُه هو الخبر، والخبرُ هنا هو نفس المبتدأ، والمعنى: أن دعاءَهم هذا اللفظُ، ف «دعوى» يجوز أن يكون بمعنى الدعاء، ويدلُّ عليه «اللهم» لأنه نداء في معنى يا الله، ويجوز أن يكون هذا الدعاءً هنا بمعنى العبادة، ف «دَعْوى» مصدرٌ مضاف للفاعل، ثم إنْ شِئْتَ أن تجعلَ هذا من باب الإِسناد اللفظي أي: دعاؤهم في الجنة هذا اللفظُ، فيكون نفسُ «سبحانك» هو الخبرَ، وجاء به مَحْكياً على نصبه بذلك الفعل، وإن شِئْتَ جَعَلْتَه من باب الإِسناد المعنوي فلا يلزمُ أن يقولوا هذا اللفظَ فقط، بل يقولونه وما يؤدِّي معناه من جميع صفات التنزيهِ والتقديس، وقد تقدم لك نظيرُ هذا عند قولِه تعالى: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] ، فعليك بالالتفات إليه.
و «تحيَّتُهم» مبتدأٌ، و «سَلامٌ» خبرُها، وهو كالذي قبله، والمصدرُ هنا يحتمل أن يكونَ مضافاً لفاعله أي: تحيتهم التي يُحَيُّون بها بعضَهم سلامٌ، ويُحتمل أن يكونَ مضافاً لمفعوله أي: تحيتهم التي تُحَيِّيهم بها الملائكةُ سلام، ويدلُّ له ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣] . و «فيها» في الموضعين متعلقٌ بالمصدرِ قبله، و «قبل» يجوز أن يكون حالاً ممَّا بعده فيتعلَّقَ بمحذوف، وليس بذاك. وقال بعضُهم: «يجوز أن يكون» تحيتهم «مِمَّا أضيف فيه المصدرُ لفاعله ومفعوله معاً؛ لأنَّ المعنى: يُحَيِّي
стр. 4477
بعضُهم بعضاً، ويكون كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] حيث أضافَه لداود وسليمان وهما الحاكمان، وإلى المحكوم عليه، وهذا مبنيٌّ على مسألةٍ أخرى وهو أنه: هل يجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ أم لا؟ فإن قلنا: نعم، جاز ذلك لأن إضافةَ المصدرِ لفاعله حقيقةٌ ولمفعوله مجاز، ومَنْ منع ذلك أجاب بأن أَقَلَّ الجمعِ اثنان فلذلك قال: /» لحكمهم «.
قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ مبتدأ، و» أَنْ «هي المخففة من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الأمر والشأن حُذِف، والجملةُ الاسميةُ بعدَها في محلِّ الرفع خبراً لها كقول الشاعر:
٢٥٧٣ - في فتية كسيوفِ الهند قد علموا ... أَنْ هالِكٌ كلُّ مَنْ يحفى ويَنْتَعِلُ
و» أنْ «واسمُها وخبرها في محلَّ رفعٍ خبراً للمبتدأ الأول. وزعم الجرجانيُّ أن» أَنْ «هنا زائدة والتقدير: وآخر دعواهم الحمد لله، وهي دعوى لا دليلَ عليها مخالفةٌ لنص سيبويه والنحويين. وزعم المبرد أيضاً أن» أَنْ «المخففة يجوز إعمالُها مخففةً كهي مشددةً، وقد تقدم ذلك.
وتخفيفُ» أَنْ «ورفعُ» الحمد «هو قراءةُ العامة. وقرأ عكرمة وأبو مجلز وأبو حيوة وقتادة ومجاهد وابنُ يعمر وبلال بن أبي بردة وابن محيصن
стр. 4478
ويعقوب بتشديدها ونصبِ دال» الحمد «على أنه اسمُها. وهذه تؤيدُ أنها المخففةُ في قراءة العامةِ، وتردُّ على الجرجاني.
стр. 4479
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ﴾ : هذا الامتناعُ نفي في المعنى تقديره: لا يُعَجِّلُ لهم الشرَّ. قال الزمخشري: «فإن قلت: كيفَ اتَّصل به قولُه:» فَنَذَرُ الذين لا يَرْجُون لقاءَنا وما معناه؟ قلت: قولُه: «ولو يُعَجِّل» متضمِّنٌ معنى نفي التعجيل كأنه قيل: ولا نُعَجِّل لهم بالشرِّ ولا نَقْضي إليهم أجلَهم «.
قوله: ﴿استعجالهم﴾ فيه أوجهٌ، أحدها: أنه منصوبٌ على المصدرِ التشبيهيِّ تقديرُه: استعجالاً مثلَ استعجالِهم، ثم حَذَفَ الموصوفَ وهو» استعجال «وأقامَ صفتَه مُقامه وهي» مثل «فبقي: ولو يعجل اللَّهُ مثل استعجالِهم، ثم حَذَفَ المضافَ وأقام المُضاف إليه مُقامه. قال مكي:» وهذا مذهبُ سيبويه «قلت: وقد تقدَّم غيرَ مرةٍ أن مذهبَ سيبويه في مثل هذا أنه منصوبٌ على الحالِ من ذلك المصدرِ المقدَّرِ، وإن كان مشهورُ أقوالِ المُعْرِبين غيرَه، ففي نسبةِ ما ذكرته أولاً لسيبويه نظرٌ.
الثاني: أن تقديرَه: تعجيلاً مثلَ استعجالهم، ثم فُعِل به ما تقدَّم قبلَه. وهذا تقديرُ أبي البقاء، فقدَّر المحذوف مطابقاً للفعل الذي قبلَه، فإنَّ» تعجيلاً «مصدر ل» عَجَّل «وما ذكره مكي موافقٌ للمصدر الذي بعده، والذي يظهر ما قدَّره أو البقاء لأن موافقةَ الفعلِ أولى، ويكون قد شبَّه تعجيلَه
стр. 4480
تعالى باستعجالهم، بخلاف ما قدَّره مكي فإنه لا يظهر، إذ ليس» استعجال «مصدراً ل» عجَّل «.
وقال الزمخشري: أصلُه: ولو يُعَجِّل الله للناسِ الشرَّ تعجيلَه لهم الخير، فوضع» استعجالهم بالخير «موضعَ» تعجيله لهم الخيرَ «إشعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافِه بطلبهم، كأنَّ استعجالَهم بالخير تعجيلٌ لهم» . قال الشيخ: «ومدلولُ» عَجَّل «غيرُ مدلولِ» استعجل «لأنَّ» عَجَّل «يدلُّ على الوقوع، و» استعجل «يدلُّ على طلب التعجيل، وذلك واقعٌ من الله، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون التقدير: تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التعجيلَ بالاستعجال؛ لأن طلبَهم [للخير] ووقوعَ تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كل شيء. والثاني: أن يكون ثَمَّ محذوفٌ يدلُّ عليه المصدرُ تقديرُه: ولو يعجِّل اللَّهُ للناسِ الشرَّ إذا استعجلوا به استعجالَهم بالخير، لأنهم كانوا يستعجلون بالشرِّ ووقوعِه على سبيل التهكم كما كانوا يستعجلون بالخير» . الثالث: أنه منصوبٌ على إسقاط كافِ التشبيهِ، والتقدير: كاستعجالهم. قال أبو البقاء. «وهو بعيدٌ، إذ لو جاز ذلك لجاز» زيد غلامَ عمرو «أي: كغلام عمرو» وبهذا ضَعَّفه جماعةٌ وليس بتضعيفٍ صحيحٍ، إذ ليس في المثال الذي ذكر فعلٌ يتعدى بنفسه عند حذف الجار، وفي الآيةِ فعلٌ يَصِحُّ فيه ذلك وهو قوله «يُعَجِّل» .
وقال مكي: «وَيَلْزَمُ مَنْ يُجَوِّز حَذْفَ حرفِ الجر منه أن يجيز» زيدُ الأسدُ «أي: كالأسدِ» قلت: قوله «ويلزم إلى آخره» لا ردَّ فيه على هذا القائل
стр. 4481
إذ يلتزمه، وهو التزام صحيح سائغ، إذ لا ينكر أحد «زيد الأسدُ» على معنى «كالأسد» ، وعلى تقدير التسليمِ فالفرقُ ما ذكره أبو البقاء أي: إن الفعل يطلب مصدراً مشبَّهاً فصار مدلولاً عليه. وقال بعضهم: تقديره: في استعجالهم، نقله مكي، فلمَّا حُذِفت «في» انتصبَ، وهذا لا معنى له.
قوله: ﴿لَقُضِي﴾ / قرأ ابن عامر «لقضى» بفتح الفاء والعين مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، «أجلهم» نصباً. والباقون «لقُضِيَ» بالضم والكسر مبنياً للمفعول، «أَجَلُهم» رفعاً لقيامِه مقامَ الفاعل. وقرأ الأعمش «لقَضَيْنا» مسنداً لضمير المعظِّم نفسَه، وهي مؤيدةٌ لقراءةِ ابن عامر.
قوله: ﴿فَنَذَرُ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على قوله ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله﴾ على معنى أنه في قوة النفي، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سؤال الزمخشري وجوابِه فيه. إلا أن أبا البقاء ردَّ عطفه على «يُعَجِّل» فقال: «ولا يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على» يُعَجِّل «إذ لو كان كذلك لدَخَلَ في الامتناع الذي تقتضيه» لو «وليس كذلك، لأنَّ التعجيلَ لم يقع، وتَرْكَهم في طغيانهم وقع» . قلت: إنما يَتمُّ هذا الردُّ لو كان معطوفاً على «يُعَجِّل» فقط باقياً على معناه، وقد تقدَّم أن الكلامَ صار في قوةِ ﴿لا نعجِّل لهم الشرَّ فَنَذَرُهم﴾ فيكون «فَنَذَرُهم» معطوفاً على جملة النفي لا على الفعلِ الممتنع وحدَه حتى يلزمَ ما قال. والثاني: أنه معطوفٌ على جملةٍ مقدرة: «ولكن نُمْهِلُهم فَنَذَرُ» قاله أبو البقاء. والثالث: أن تكون جملةً مستأنفةً، أي: فنحن نَذَرُ الذين. قاله الحوفي.
стр. 4482
قوله تعالى: ﴿لِجَنبِهِ﴾ : في محلِّ نصبٍ على الحال، ولذلك عَطَفَ الحالَ الصريحة، والتقدير: دعانا مضطجعاً لجنبه، أو مُلْقِياً لجَنْبه. واللامُ على بابها عند البصريين، وزعم بعضهم أنها بمعنى «على» ، ولا حاجةَ إليه. واختُلف في ذي الحال، فقيل: الإِنسان، والعامل فيها «مَسَّ» قاله ابن عطية. ونَقَله أبو البقاء عن غيره، واستضعفه من جهين، أحدهما: أن الحالَ على هذا واقعةٌ بعد جواب «إذا» وليس بالوجهِ. قلت: كأنه يعني أنه ينبغي ألاَّ يجابَ الشرطُ إلا إذا استوفى معمولاتِه، وهذه الحالُ معمولة للشرط وهو «مَسَّ» ، وقد أُجيب قبل أن يَسْتوفي معموله. ثم قال: «والثاني: أن المعنى: كثرةُ دعائِه في كل أحواله لا على أن الضرَّ يصيبه في كل أحوالِه، وعليه جاءَتْ آياتٌ كثيرةٌ في القرآن» .
قال الشيخ: «وهذا الثاني يلزم فيه مِنْ مَسِّه الضرُّ في هذه الأحوالِ دعاؤه في هذه الأحوال، لأنه جوابُ ما ذُكِرت فيه هذه الأحوال [فالقيد في الشرط قيدٌ في الجواب كما تقول:» إذا جاءنا زيدٌ فقيراً فقد أَحْسَنَّا إليه «فالمعنى:] أَحْسَنَّا إليه في حال فقرِه» .
وقيل: صاحبُ الحال هو الضمير الفاعل في «دعانا» وهو واضحٌ، أي: دعانا في جميع أحواله لأن هذه الأحوال الثلاثة لا يخلو الإِنسان عن واحدة منها. ثم قيل: المراد بالإِنسان الجنسُ، وهذه الأحوالُ بالنسبة إلى المجموع،
стр. 4483
أي: منهم مَنْ يدعو مُسْتلقياً، ومنهم مَنْ يدعو قائماً، أو يُراد به شخصٌ واحد جَمَع بين هذه الأحوال الثلاثة بحسبِ الأوقاتِ، فيدعو في وقتٍ على هذه الحال، وفي وقت على أخرى.
قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ﴾ قد تقدَّم الكلامُ على مثل هذا عند قوله: ﴿كَأَنْ لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ﴾ قال الزمخشري: «فَحَذفَ ضميرَ الشأن كقوله:
٢٥٧٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كأنْ ثَدْياه حُقَّانِ»
يعني على روايةِ مَنْ رواه «ثَدْيان» بالألف، ويُروى «كأنْ ثَدْيَيْه» بالياءِ على أنها أُعملت في الظاهر وهو شاذٌّ، وصدر هذا البيت:
وصَدْرٍ مُشْرقِ النَّحْرِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذه الجملةُ التشبيهيةُ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل «مرَّ» ، أي: مضى على طريقته مشبهاً مَنْ لم يَدْعُ إلى كشف ضر. و «مَسَّه» صفةٌ ل «ضُرّ» ، قال صاحب النظم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان﴾ وَصْفُه للمستقبل، و «فلمَّا كشفنا» للماضي، فهذا النَّظْم يدلُّ على معنى الآية أنه كان هكذا فيما مضى، وهكذا يكون مما يُستقبل، فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل «.
والكافُ مِنْ» كذلك زُيِّن «في موضع نصب على المصدر، أي: مثلَ ذلك التزيين والإِعراض عن الابتهال. وفاعل» زُيِّن «المحذوف: إمَّا الله تعالى وإمَّا الشيطان. و ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في محل رفع لقيامه مقام الفاعل. و» ما «يجوزُ أن تكون مصدريةً، وأن تكونَ بمعنى الذي.
стр. 4484
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ : متعلقٌ ب «أَهْلكنا» ، ولا يجوز أن يكونَ حالاً من «القرون» لأنه ظرف زمان فلا يقع حالاً عن الجثة كما لا يقع خبراً عنها. وقد تقدَّم تحقيق هذا في أول البقرة، وقد تقدَّم الكلامُ على «لمَّا» أيضاً.
قوله: ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على «ظلموا» فلا محلَّ له عند سيبويه، ومحله الجر عند غيره، لأنه عطف على ما هو في محلِّ جرٍ بإضافة الظرف إليه، ويجوز أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلُهم بالحُجَجِ والشواهد على صدقهم و «بالبينات» يجوزُ أن يتعلَّق ب «جاءتهم» ، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «رسلهم» [أي:] جاؤوا ملتبسين بالبينات مصاحبين لها.
قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ﴾ الظاهرُ عَطْفه على «ظلموا» . وجَوَّز الزمخشري أن يكونَ/ اعتراضاً قال: «واللامُ لتأكيد فني إيمانهم، ويعني بالاعتراض كونَه وقع بين الفعل ومصدرهِ التشبيهي في قوله» كذلك نَجزي «. والضميرُ في» كانوا «عائد على» القرون «. وجَوَّز مقاتل أن يكونَ ضميرَ أهل مكة، وعلى هذا يكونُ التفاتاً إذ فيه خروجٌ من ضمير الخطاب في قوله» قبلكم «إلى الغَيْبة، والمعنى: وما كنتم لتؤمنوا، و» كذلك «نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي مثلَ ذلك الجزاء نجزي. وقُرِىء» يَجْزي «بياء الغيبة، وهو التفاتٌ من التكلم في قوله» أَهْلكنا «إلى الغَيْبة.
стр. 4485
قوله تعالى: ﴿لِنَنظُرَ﴾ : متعلق بالجَعْل. وقرأ يحيى الذماري بنون واحدة وتشديد الظاء. وقال يحيى: «هكذا رأيته في مصحف عثمان» يعني أنه رآها بنون واحدة، ولا يعني أنه رآها مشددة؛ لأنَّ هذا الشكل الخاص إنما حَدَث بعد عثمان. وخرَّجوها على إدغامِ النون الثانية في الظاء وهو رديءٌ جداً، وأحسنُ ما يقال فيه: إنه بالغ في إخفاءِ غُنَّة النون الساكنة فظنَّه السامع إدغاماً، ورؤيتُه له بنونٍ واحدة لا يدلُّ على قراءته إياه مشددَ الظاء ولا مخفَّفَها. قال الشيخ: «ولا يدلُّ» على حَذْفَ النون من اللفظ «. وفيه نظرٌ لأنه كيف يقرأ ما لم يكن مكتوباً في المصحف الذي رآه؟
وقوله: ﴿كَيْفَ﴾ منصوبٌ ب» تعملون «على المصدر، أي: أيَّ عملٍ تعملون، وهي معلِّقة للنظر.
следующие страницы →