Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
إضمارِ قولٍ، والمرادُ التائبون. و [الثالث] : أن يكون على إضمارِ قولٍ أي: قل لهم يا محمد ألم تعلموا.
قوله: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ متعلقٌ ب «يَقْبَل» ، وإنما تعدَّى ب «عن» فقيل: لأنَّ معنى «مِنْ» ومعنى «عن» متقاربان. قال ابن عطية: «وكثيراً ما يُتَوَصَّل في موضع واحد بهذه وبهذه نحو» لا صدقةَ إلا عن غني ومِنْ غني «، و» فعل ذلك فلانٌ مِنْ أَشَره وبَطَره، وعن أَشَره وبَطَره «. وقيل: لفظه» عن «تُشعر ببُعْدٍ ما، تقول:» جلس عن يمين الأمير «أي مع نوعٍ من البعد. والظاهرُ أنَّ» عن «هنا للمجاوزة على بابها، والمعنى: يتجاوز عن عباده بقبول توبتهم، فإذا قلت:» أخذت العلم عن زيد «، فمعناه المجاوزةُ، وإذا قلت: منه فمعناه ابتداء الغاية.
قوله: ﴿هُوَ التواب﴾ يجوز أن يكون فصلاً، وأن يكون مبتدأ بخلافِ ما قبلَه.
стр. 4412
قوله تعالى: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «مُرْجَؤُون» بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. والباقون «مُرْجَوْن» دون تلك الهمزة، وهذا كقراءتهم في الأحزاب: «تُرْجِىء» بالهمزة، والباقون بدونه. وهما لغتان يقال: أَرْجَأْتُه وأَرْجَيْتُه كأَعْطيته. ويحتمل أن يكونا أصلين بنفسِهما، وأن تكونَ الياءُ بدلاً من الهمزة، ولأنه قد عُهِد تحقيقُها كثيراً كقَرَأْت وقَرَيْتُ، وتوضَّأْت وتوضَّيْت.
стр. 4413
قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في محل رفع خبراً، و «مُرْجَوْن» يكون على هذا نعتاً للمبتدأ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكونَ في محل نصبٍ على الحال أي: هم مُؤَخَّرون: إمَّا معذَّبين وإمَّا متوباً عليهم. و «إمَّا» هنا للشك بالنسبة إلى المخاطب، وإمَّا للإِبهام بالنسبة إلى أنه أَبْهَمَ على المخاطبين.
стр. 4414
قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا﴾ : قرأ نافع وابن عامر: «الذين اتخذوا» بغير واو، والباقون بواو العطف. فأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر فلموافقة مصاحفِهم، فإنَّ مصاحف المدينة والشام حُذفت منها الواوُ وهي ثابتةٌ في مصاحف غيرهم. و «الذين» على قراءة مَنْ أسقط الواوَ قبلها فيها أوجه، أحدها: أنها بدلٌ مِنْ «آخرون» قبلها. وفيه نظر لأن هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضِراراً، لا يُقال في حَقِّهم إنهم مُرْجَوْن لأمر الله، لأنه يُروى في التفسير أنهم من كبار المنافقين كأبي عامر الراهب.
الثاني: أنه مبتدأ وفي خبره حينئذٍ أقوالٌ أحدها: أنه «أفَمَنْ أَسَّسَ بنيانَه» والعائد محذوفٌ تقديره: بنيانَه منهم. الثاني: أنه «لا يزال بنيانُهم» قاله النحاس والحوفي، وفيه بُعْدٌ لطول الفصل. الثالث: أنه «لا تقمْ فيه» قاله الكسائي. قال ابن عطية: «ويتجه بإضمارٍ: إمَّا في أول الآية، وإمَّا في آخرها بتقدير: لا تقم في مسجدهم» . الرابع: أن الخبرَ محذوفٌ تقديرُه: معذَّبون ونحوه، قاله المهدوي.
الوجه الثالث أنه منصوبٌ على الاختصاص. وسيأتي هذا الوجهُ أيضاً في قراءة الواو.
стр. 4415
وأمَّا قراءةُ الواو ففيها ما تقدَّم، إلا أنه يمتنع وجهُ البدل مِنْ «آخرون» لأجل العاطف. وقال الزمخشري: «فإن قلت:» والذين اتخذوا «ما محلُّه من الإِعراب؟ قلت: محلُّه النصب على الاختصاص، كقوله تعالى: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ [النساء: ١٦٢] . وقيل: هو مبتدأ وخبرُه محذوفٌ معناه: فيمَنْ وَصَفْنا الذين اتخذوا، كقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] ، قلت: يريد على مذهب سيبويه فإن تقديره: فيما يُتْلى عليكم السارق، فحذف الخبرَ وأبقى المبتدأ كهذه الآية.
قوله: ﴿ضِرَاراً﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: / أنه مفعولٌ من أجله أي: مُضَارَّةً لإِخوانهم. الثاني: أنه مفعولٌ ثان ل» اتَّخذ «قاله أبو البقاء. الثالث: أنه مصدر في موضع الحال من فاعل» اتخذوا «أي: اتخذوه مضارِّين لإِخوانهم، ويجوز أن ينتصبَ على المصدرية أي: يَضُرُّون بذلك غيرهم ضِراراً، ومتعلَّقاتُ هذه المصادرِ محذوفةٌ أي: ضِراراً لإِخوانهم وكفراً بالله.
قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فيه وجهان، أحدهما وهو الذي لم يذكر الزمخشري غيره أنه متعلقٌ بقوله:» اتخذوا «أي: اتخذوا مسجداً مِنْ قبل أن ينافقَ هؤلاء. والثاني: أنه متعلقٌ ب» حارب «أي: حارب مِنْ قبل اتِّخاذ هذا المسجد.
قوله: ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ لَيَحْلِفُنَّ: جوابُ قسم مقدر أي: والله
стр. 4416
ليحلِفُنَّ. وقوله:» إن أَرَدْنا «جوابٌ لقولِه:» ليحلِفُنَّ «فوقع جوابُ القسم المقدر فعلَ قسم مجابٍ بقوله:» إنْ أَرَدْنا «.» إنْ «نافية ولذلك وقع بعدها» إلا «. و» الحسنى «صفةً لموصوفٍ محذوفٍ أي: إلا الخصلة الحسنى أو إلا الإِرادةَ الحسنى. وقال الزمخشري:» ما أَرَدْنا ببناء هذا المسجد إلا الخَصْلة الحسنى، أو إلا لإِردة الحسنى وهي الصلاة «. قال الشيخ:» كأنه في قوله: «إلا الخصلة الحُسْنى» جعله مفعولاً، وفي قوله: «أو لإِرادة الحسنى» جعله علةً فكأنه ضَمَّن «أراد» معنى قَصَد أي: ما قصدوا ببنائه لشيء من الأشياء إلا لإِرادة الحسنى «قال:» وهذا وجهٌ متكلف «.
стр. 4417
قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ﴾ : فيه وجهان أحدهما: أنها لام الابتداء. والثاني: أنها جوابُ قسمٍ محذوف، وعلى التقديرين فيكون «لَمَسْجِدٌ» مبتدأ، و «أُسِّس» في محل رفع نعتاً له، و «أحقُّ» خبره، والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرُ المسجد على حذف مضاف أي: أُسس بنيانه.
«مِنْ أولِ» متعلقٌ به، وبه استدلَّ الكوفيون على أن «مِنْ» تكون لابتداء الغاية في الزمان، واستدلوا أيضاً بقوله:
٢٥٤٣ - مِنَ الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ لا ترى ... من القوم إلا خارجيّاً مُسَوَّما
стр. 4418
وقوله:
٢٥٤٤ - تُخُيِّرْن مِنْ أزمانِ يومِ حَليمةٍ ... إلى اليوم قد جُرِّبْن كلَّ التجاربِ
وتأوَّله البصريون على حذف مضاف أي: من تأسيس أول يوم، ومن طلوع الصبح، ومن مجيء أزمان يوم. وقال أبو البقاء: «وهذا ضعيفٌ، لأن التأسيس المقدر ليس بمكانٍ حتى تكون» مِنْ «لابتداء غايته. ويدلُّ على جواز ذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] ، وهو كثير في القرآن وغيره» ، قلت: البصريون إنما فَرُّوا مِنْ كونِها لابتداء الغاية في الزمان، وليس في هذه العبارة ما يقتضي أنها لا تكون إلا لابتداء الغاية في المكان حتى يُرَدَّ عليهم بما ذُكِر، والخلافُ في هذه المسألة قويٌّ، ولأبي علي فيها كلام طويل. وقال ابن عطية: «ويَحْسُنُ عندي أن يستغنى عن تقدير، وأن تكون» مِنْ «تجرُّ لفظة» أول «لأنها بمعنى البداءة كأنه قال: مِنْ مبتدأ الأيام، وقد حُكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو» .
وقوله: ﴿أَحَقُّ﴾ ليس للتفضيل بل بمعنى حقيق، إذ لا مفاضلةَ بين المسجدَيْن، و «أن تقوم» أي: بأن تقوم، والتاء لخطاب الرسول ﵇، و «فيه» متعلقٌ به.
قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ يجوز أن يكونَ «فيه» صفةً لمسجد، و «رجال» فاعل، وأن يكونَ حالاً من الهاء في «فيه» ، و «رجالٌ» فاعلٌ به أيضاً، وهذان أولى من حيث إن الوصف بالمفرد أصل، والجارُّ قريبٌ من المفرد. ويجوز أن يكون «
стр. 4419
فيه» خبراً مقدماً، و «رجال» مبتدأ مؤخر. وفيه هذه الجملة أيضاً ثلاثة أوجه، أحدها: الوصفُ، والثاني: الحالُ على ما تقدم، والثالث: الاستئنافُ.
وقرأ عبد الله بن زيد «فيهِ» بكسر الهاء، و «فيهُ» الثانية بضمها وهو الأصل، جَمَعَ بذلك بين اللغتين، وفيه أيضاً رفعُ توهُّمِ التوكيد، ورفعُ توهُّمِ أن «رجالاً» مرفوع ب «تقوم» .
وقوله: ﴿يُحِبُّونَ﴾ صفة ل «رجال» وأن [يتطهروا] مفعول به. وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش «يَطَّهَّرُوا» بالإِدغام، وعلي بن أبي طالب «المتطهِّرين» بالإِظهار، عكس قراءات الجمهور في اللفظتين.
стр. 4420
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ : قرأ نافع وابن عامر: «أُسِّس» مبنياً للمفعول، «بنيانُه» / بالرفع لقيامه مقام الفاعل. والباقون «أَسَّس» مبنياً للفاعل «بنيانه» مفعول به، والفاعل ضمير مَنْ. وقرأه عمارة ابن عائذ الأول مبنياً للمفعول، والثاني مبنياً للفاعل، و «بنيانُه» مرفوع على الأولى ومنصوب على الثانية لِما تقدم. وقرأ نصر بن علي ونصر بن عاصم «أُسُسُ بنيانِه» . وقرأ أبو حيوة والنصران أيضاً «أَساسُ بنيانِه» جمع أُسّ، وروي عن نصر بن عاصم أيضاً «أَسُّ» بهمزة مفتوحة وسين مشددة مضمومة. وقرىء «إساس» بالكسر وهي جموع أضيفت إلى البنيان. وقرىء «أساس» بفتح
стр. 4421
الهمزة، و «أُسّ» بضم الهمزة وتشديد السين، وهما مفردان أضيفا إلى البنيان. ونقل صاحب كتاب «اللوامح» فيه «أَسَسُ» بالتخفيف ورفع السين، «بنيانِه» بالجر، فَأَسَسٌ مصدر أسَّ يؤسُّه أَسَسَاً وأسَّاً فهذه عشر قراءات.
والأُسُّ والأَساس القاعدة التي بُني عليها الشيء، ويقال: «كان ذلك على أُسِّ الدهر» كقولهم: «على وجه الدهر» ، ويقال: أَسَّ مضعَّفاً أي: جَعَلَ له أساساً، وآسَسَ بزنة فاعَل.
والبُنْيان فيه قولان، أحدهما: أنه مصدر كالغفران والشكران، وأُطْلِق على المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق. والثاني: أنه جمعٌ وواحدُه بُنْيانة قال الشاعر:
٢٥٤٥ - كبُنْيانةِ القاريِّ مَوْضِعُ رَحْلِها ... وآثارُ نَسْعَيْها مِنَ الدَّقِّ أَبْلَقُ
يعنون أنه اسم جنس كقمح وقمحة.
قوله: ﴿على تقوى﴾ يجوز فيها وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بنفس «أَسَّس» فهو مفعوله في المعنى. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالُ من الضميرِ المستكنِّ في «أَسَّسَ» أي: قاصداً ببنيانه التقوى، كذا قدَّره أبو البقاء.
стр. 4422
وقرأ عيسى بن عمر «تقوىً» منونة. وحكى هذه القراءة سيبويه، ولم يَرْتَضِها الناسُ لأنَّ ألفَها للتأنيث فلا وَجْهَ لتنوينها، وقد خرَّجها الناسُ على أن تكونَ ألفُها للإِلحاق، قال ابن جني: «قياسُها أن تكونَ ألفُها للإلحاق كأَرْطى» .
قوله: ﴿خَيْرٌ﴾ خبرُ المبتدأ. والتفضيل هنا باعتبار معتقدِهم. و «أم» متصلة، و «من» الثانية عطف على «مِنْ» الأولى، و «أَسَّس بنيانه» كالأول.
قوله: ﴿على شَفَا جُرُفٍ﴾ كقوله: «على تقوى» في وجهيه. والشَّفا تقدم في آل عمران. وقرأ حمزة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «جُرْفٍ» بسكون الراء والباقون بضمها، فقيل: لغتان. وقيل: الساكن فرعٌ على المضموم نحو: عُنْق في عُنُق وطُنْب في طُنُب. وقيل بالعكس كعُسُر ويُسُر. والجُرُف: البِئْر التي لم تُطْوَ.
وقيل: هو الهُوَّةُ وما يَجْرُفُه السًّيْلُ من الأودية قاله أبو عبيدة. وقيل: هو المكان الذي يأكله الماء فيَجْرُفه أي يَذْهب به. ورَجُلّ جِرَاف أي: كثير النكاح كأنه يَجْرُفُ في ذلك العَمَلِ. قاله الراغب.
قوله: ﴿هَارٍ﴾ نعت لجُرُفٍ. وفيه ثلاثة أقوال، أحدها: وهو المشهور أنه مقلوبٌ بتقديمِ لامه على عينه، وذلك أنَّ أصلَه: هاوِرٌ أو هايِرٌ بالواو والياء
стр. 4423
لأنه سُمع فيه الحرفان. قالوا: هار يَهُور فانْهارَ، وهار يَهير. وتَهَوَّر البناء وتَهَيَّر، فقُدِّمت اللام وهي الراء على العين وهي الواو أو الياء فصار كغازٍ ورامٍ، فأُعِلَّ بالنقص كإعلالهما فوزنه بعد القلب فالِع، ثم تَزِنُه بعد الحذف ب فالٍ.
الثاني: أنه حُذِفَتْ عينُه اعتباطاً أي لغير موجَبٍ، وعلى هذا فيجري بوجوه الإِعراب على لامه، فيُقال: هذا هارٌ ورأيت هاراً ومررت بهارٍ، ووزنُه أيضاً فال.
والثالث: أنه لا قلبَ فيه ولا حذف وأنَّ أصله هَوِر أو هَيِر بزنة كَتِف، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقُلِب ألفاً فصار مثل قولهم: كبشٌ صافٌ، أي: صَوِف أو يومٌ راحٌ، أي: رَوِح. وعلى هذا فتحرَّك بوجوه الإِعراب أيضاً كالذي قبله كما تقول: هذا باب ورأيت باباً ومررت ببابٍ. وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادِّعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل، لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف. ومعنى «هار» ، أي: ساقط متداعٍ مُنْهار.
قوله: ﴿فانهار﴾ فاعلُه: إمَّا ضميرُ البنيان والهاء في به على هذا ضمير المؤسس الباني، أي: فسقط بنيان الباني على شفا جُرُفٍ هار وإما ضمير الجُرُف، أي فسقط الشَّفا أو سَقَطَ الجُرُف. والهاء في «به» للبنيان. ويجوز أن / يكون للباني المؤسس، والأَوْلى أن يكون الفاعلُ ضميرَ الجرف، لأنه يلزم مِنْ انهيارِه الشَّفَا والبنيان جميعاً، ولا يلزم من انهيارِهما أو انهيارِ أحدهما انهيارُه. والباء في «به» يجوز أن تكونَ المعدِّيةَ، وأن تكونَ التي للمصاحبة. وقد تقدَّم لك خلافٌ أولَ هذا الموضوع: أن المعدِّيَةَ عند بعضهم تَسْتلزم المصاحبةَ. وإذا قيل إنها للمصاحبة هنا فتتعلقُ بمحذوفٍ لأنها حال، أي: فانهار مصاحباً له.
стр. 4424
وقوله تعالى: ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾ : يحتمل أن يكونَ مصدراً على حاله، أي: لا يزال هذا الفعل الصادر منهم. ويحتمل أن يكونَ مراداً به
стр. 4425
المبني، وحينئذٍ يُضْطَرُّ إلى حذف مضاف، أي: بناء بنيانهم لأن المبنيَّ ليس ريبةً، ويُقَدَّر الحذف من الثاني، أي: لا يزال مبنيُّهم سببَ ريبة. وقوله: «الذي بَنَوا» تأكيدٌ دَفْعاً لوَهْم مَنْ يتوهَّم أنهم لم يَبْنُوا حقيقة وإنما دَبَّروا أموراً، مِنْ قولهم: «كم أبني وتهدمُ» ، وعليه قوله:
٢٥٤٦ - متى يبلغُ البُنيانُ يوماً تمامَه ... إذا كنت تَبْنِيه وغيرك يَهْدِم
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ﴾ المستثنى منه محذوفٌ والتقدير: لا يزال بنيانُهم ريبةً في كل وقت إلا وقتَ تقطيعِ قلوبهم، أو في كل حال إلا حالَ تقطيعها. وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص «تَقَطَّع» بفتح التاء، والأصل: تتقطع بتاءَيْن فحُذفت إحداهما. وقرأ الباقون «تُقَطَّع» بضمِّها، وهو مبني للمفعول مضارع قَطَّع بالتشديد. وقرأ أُبَيّ «تَقْطَع» مخففاً مِنْ قطع. وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب «إلى أن» بإلى الجارة وأبو حَيْوة كذلك. وهي قراءةٌ واضحةٌ في المعنى، إلا أن أبا حيوة قرأ «تُقَطِّع» بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددةً، والفاعلُ ضميرُ الرسول. «قلوبَهم» نصباً على المفعول، والمعنى بذلك أن يقتلهم ويتمكَّن منهم كلَّ تمكُّن. وقيل: الفاعلُ ضمير الرِّيبة، أي: إلى أن تَقْطَع الرِّيبةُ قلوبَهم. وفي مصحف عبد الله «ولو قُطِّعَتْ» وبها قرأ أصحابُه، وهي مخالفةٌ لسوادِ مصاحف الناس.
стр. 4426
قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ﴾ : متعلقٌ ب «اشترى» ، ودخلت الباءُ هنا على المتروك على بابها، وسَمَّاها أبو البقاء باء المقابلة كقولهم باء العوض. وقرأ عمر بن الخطاب «بالجنة» .
стр. 4427
قوله: «يُقاتِلُون» يجوز أن يكونَ مستأنفاً، ويجوز أن يكونَ حالاً. وقال الزمخشري: «يقاتلون» فيه معنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] . قلت: وعلى هذا فيتعيَّنُ الاستئناف، لأن الطلب لا يقع حالاً. وقد تقدَّم الخلاف في «فيَقتلون ويُقتلون» في آل عمران.
قوله: ﴿وَعْداً﴾ منصوبٌ على المصدر المؤكد لمضمون الجملة لأنَّ معنى «اشترى» معنى وعدهم بذلك فهو نظير «هذا ابني حقاً» . ويجوز أن يكونَ مصدراً في موضع الحال، وفيه ضعف. و «حقاً» نعت له، و «عليه» حالٌ مِنْ «حقاً» لأنه في الأصل صفةٌ لو تأخَّرَ.
قوله: ﴿فِي التوراة﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب «اشترى» وعلى هذا فتكونُ كل أمة قد أُمِرت بالجهاد ووُعِدت عليه الجنة. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه صفةٌ للوعد، أي: وعداً مذكوراً وكائناً في التوراة، وعلى هذا فيكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكوراً في كتب الله المُنَزَّلَة. وقال الزمخشري في أثناءِ كلامه: «لا يجوز عليه قبيحٌ قط» ، قال الشيخ: «استعمل» قط «في غير موضوعه؛ لأنه أتى به مع قوله:» لا يجوز عليه «و» قط «ظرفٌ ماضٍ؛ فلا يعمل فيه إلا الماضي» ، قلت: ليس المراد هنا زمناً بعينه.
وقوله: ﴿فاستبشروا﴾ فيه التفاتٌ من الغَيْبَة إلى الخطاب لأنَّ في
стр. 4428
خطابهم بذلك تشريفاً لهم، واستفعل هنا ليس للطلب، بل بمعنى أفعل كاستوقد وأوقد. وقوله: ﴿الذي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ توكيدٌ كقوله: ﴿الذي بَنَوْاْ﴾ [التوبة: ١١٠] لينصَّ لهم على هذا البيعِ بعينه.
стр. 4429
قوله تعالى: ﴿التائبون﴾ : فيه خمسةُ أوجه، أحدها: أنهم مبتدأٌ، وخبره «العابدون» ، وما بعده أوصاف أو أخبار متعددة عند مَنْ يرى ذلك. الثاني: أنَّ الخبر قوله: «الآمرون» . الثالث: أنَّ الخبر محذوف، أي: التائبون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة، ويؤيده قولُه: «وبَشِّر المؤمنين» ، وهذا عند مَنْ يرى أن هذه الآية منقطعةٌ مما قبلها، وليست شرطاً في المجاهدة، وأمَّا مَنْ زعم أنها شرط في المجاهدة كالضحاك وغيره فيكون إعراب التائبين خبر مبتدأ محذوف، أي: هم التائبون، وهذا من باب قطع النعوت، وذلك أن هذه الأوصافَ عند هؤلاء القائلين من صفات المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ «اشترى] مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] / ويؤيد ذلك قراءة أُبَيّ وابن مسعود والأعمش» التائبين «بالياء. ويجوز أن تكونَ هذه القراءةُ على القطع أيضاً، فيكونَ منصوباً بفعل مقدر. وقد صَرَّح الزمخشري وابن عطية بأن التائبين في هذه القراءةِ نعتٌ. الخامس: أن» التائبون «بدل من الضمير المتصل في» يقاتلون «.
ولم يذكر لهذه الأوصافِ متعلَّقاً، فلم يَقُلْ: التائبون مِنْ كذا، ولا العابدون
стр. 4430
لله لفَهْمِ ذلك إلا صيغتي الأمر والنهي مبالغةً في ذلك، ولم يأتِ بعاطفٍ بين هذه الأوصاف لمناسبتها لبعضِها إلا في صيغتي الأمر والنهي لتبايُن ما بينهما، فإن الأمرَ طلبُ فعل والنهيَ طلبُ تَرْكٍ أو كفٍّ، وكذا» الحافظون «عَطفَه وذَكَر متعلَّقه. وأتى بترتيب هذه الصفاتِ في الذِّكْر على أحسنِ نَظْمٍ وهو ظاهر بالتأمُّل، فإنه قَدَّم التوبةَ أولاً ثم ثَنَّى بالعبادة إلى آخره. وقيل: إنما دخلت الواوُ لأنها واوُ الثمانية، كقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] لَمَّا كان للجنة ثمانية أبواب أتى معها بالواو. وقال أبو البقاء:» إنما دخلت الواو في الصفة الثامنة إيذاناً بأن السبعة عندهم عددٌ تام، ولذلك قالوا: «سبع في ثمانية» ، أي: سبع أذرع في ثمانية أشبار، وإنما دَلّت الواوُ على ذلك لأن الواو تُؤْذن بأنَّ ما بعدها غير ما قبلها، ولذلك دَخَلَت في باب عطفِ النَّسق «، قلت: وهذا قولٌ ضعيفٌ جداً لا تحقيقَ له.
стр. 4431
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى﴾ : كقوله: «أَعْطوا السائلَ ولو على فرس» ، وقد تقدَّم ما في ذلك، وأنها حالٌ معطوفةٌ على حال مقدرة.
стр. 4432
قوله تعالى: ﴿وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ : اختُلِف في الضمير المرفوع والمنصوبِ المنفصل فقيل: وهو الظاهر إن المرفوع يعود على إبراهيم، والمنصوبَ على أبيه، يعني أن إبراهيم كان وعد أباه أن يستغفرَ له. ويؤيد هذا قراءةُ الحسن وحماد الرواية وابن السَّميفع وأبي نهيك ومعاذ القارىء «
стр. 4433
وعدها أباه» ، بالباء الموحدة. وقيل: المرفوع لأبي إبراهيم والمنصوب لإِبراهيم، وفي التفسير أنه كان وَعَدَ إبراهيمَ أنه يؤمن، فبذلك طَمِع في إيمانه.
والأَوَّاه. الكثير التأَوُّه، وهو مَنْ يقول: أَوَّاه، وقيل: مَنْ يقول أوَّه، وهو أَنْسَبُ لأن أَوَّهَ بمعنى أتوجع، فالأَوَّاه فعَّال، مثالُ مبالغة من ذلك، وقياسُ فعلِه أن يكون ثلاثياً لأن أمثلة المبالغة إنما تَطَّرد في الثلاثي. وقد حكى قطرب فعله ثلاثياً فقال: يقال آهَ يَؤُوه كقام يقوم، أَوْهاً. وأنكر النحويون هذا القول على قطرب، وقالوا: لا يُقال مِنْ أَوَّه بمعنى الوَجَع فعلٌ ثلاثي، إنما يقال: أوَّه تأَوْيهاً، وتَأَوَّه تَأَوُّهاً. قال الراجز:
٢٥٤٧ - فأَوَّه الراعي وضوضى أَكْلبُه ... وقال المثقب العبدي:
٢٥٤٨ - إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بليلٍ ... تأوَّهُ آهَةَ الرجلِ الحزينِ
وقال الزمخشري: «أَوَّاه فَعَّال مِنْ أَوَّه ك لأَل من اللؤلؤ، وهو الذي يُكثر التأوُّه» ، قال الشيخ: «وتشبيهه أوَّاه مِنْ أوَّه ك لأَّل من اللؤلؤ ليس بجيدٍ، لأنَّ مادةَ أوَّه موجودة في صورة أواه، ومادة» لؤلؤ «مفقودةٌ في لأل لاختلاف التركيب إذ» لأل «ثلاثي، و» لؤلؤ «راعي، وشرط الاشتقاق التوافق في الحروف الأصلية» . قلت: لاَّل ولؤلؤ كلاهما من الرباعي المكرر، أي: إن
стр. 4434
الأصل لام وهمزة، ثم كرَّرْنا، غاية ما في الباب أنه اجتمع الهمزتان في لآَّل فأُدْغمت أولاها في الأخرى، وفُرِّق بينهما في: «لؤلؤ» .
стр. 4435
قوله تعالى: ﴿اتبعوه﴾ : يجوز فيه وجهان أحدهما: أنه اتِّباعٌ حقيقي، ويكون ﵇ خَرَج أولاً وتبعه أصحابه، وأن يكون مجازاً، أي: اتبعوا أمرَه ونَهْيَه، وساعةُ العُسْرة عبارةٌ عن وقتِ الخروج إلى الغزو، وليس المرادُ حقيقةَ الساعة بل كقولهم: يوم الكُلاب، وعشيةَ قارعْنَا جُذام، فاستعيرت السَّاعة لذلك كما استعير الغداة والعشية في قوله:
٢٥٤٩ - غَدَاةَ طَفَتْ عَلْماءِ بكرُ بنُ وائلٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وقوله] :
٢٥٥٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... عشية قارَعْنا جُذَام وحميرا
[وقوله] :
٢٥٥١ - إذا جاء يوماً وارثي يبتغي الغنى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4436
قوله: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾ ، قرأ حمزة وحفص عن عاصم «يزيغ» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق. فالقراءةُ الأولى تحتمل أن يكونَ اسمُ «كاد» ضميرَ الشأن، و «قلوب» مرفوعٌ بيزيغ، والجملةُ في محلِّ نصبٍ خبراً لها، وأن يكونَ اسمُها ضميرَ القوم، أو الجمع الذي دلَّ عليه ذِكْرُ المهاجرين والأنصار، ولذلك قَدَّره أبو البقاء وابنُ عطية: «من بعد كاد القوم» ، وقال الشيخ في هذه القراءةِ: «فيتعيَّن أن يكون في» كاد «ضميرُ الشأن وارتفاعُ» قلوب «بيزيغ لامتناعِ أن يكون» قلوب «اسمَ كاد، و» يزيغ «في موضع الخبر، لأنَّ النيةَ به التأخير، / ولا يجوز: مِنْ بعد كاد قلوب يزيغ بالياء» . قلت: لا يتعين ما ذكر في هذه القراءة لِما تقدَّم لك من أنه يجوز أن يكونَ اسمُ كاد ضميراً عائداً على الجمع أو القوم، والجملةُ الفعلية خبرها، ولا محذور يمنع من ذلك. وقوله: «لامتناع أن يكون» قلوب «اسم كاد» ، يعني أنَّا لو جَعَلْنا «قلوب» اسمَ «كاد» لَزِم أن يكون «يزيغ» خبراً مقدماً فيلزم أن يرفعَ ضميراً عائداً على «قلوب» ، ولو كان كذلك لَلَزِم تأنيثُ الفعل لأنه حينئذٍ مسندٌ إلى ضمير مؤنث مجازي؛ لأن جمعَ التكسير يجري مجرى المؤنثة مجازاً.
وأمَّا قراءة التاء من فوق فتحتمل أن يكون في «كاد» ، ضميرُ الشأن، كما تقدم، و «قلوب» مرفوعٌ بتزيغ، وأُنِّث لتأنيث الجمع، وأن يكون «قلوب» اسمَها، و «تزيغ» خبر مقدم ولا محذورَ في ذلك، لأن الفعلَ قد أُنِّث. قال
стр. 4437
الشيخ: «وعلى كلِّ واحدٍ من هذه الأعاريب الثلاثة إشكال على ما تقرر في علمِ النحو مِنْ أنَّ خبرَ أفعالِ المقاربة لا يكون إلا مضارعاً رافعاً ضمير اسمها، فبعضهم أطلق وبعضهم قيَّد بغير» عسى «من أفعال المقاربة، ولا يكون سببَّاً، وذلك بخلاف» كان «فإن خبرها يرفع الضمير والسببي لاسم كان، فإذا قدَّرْنا فيها ضميَر الشأن كانت الجملةُ في موضع نصب على الخبر، والمرفوعُ ليس ضميراً يعود على اسم» كاد «بل ولا سببّاً له.
وهذا يلزم في قراء التاء أيضاً. وأمَّا توسيط الخبرِ فهو مبنيٌّ على جواز مثل هذا التركيب في مثل «كان يقوم زيد» وفيه خلافٌ والصحيحُ المنع. وأمَّا الوجهُ الأخير فضعيف جداً من حيث أضمر في «كاد» ضميراً ليس له على مَنْ يعود إلا بتوهم، ومن حيث يكون خبر «كاد» رافعاً سبباً «.
قلت: كيف يقول:» والصحيح المنعُ «وهذا التركيب موجود في القرآن
стр. 4438
كقولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ، و ﴿كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ [الجن: ٤] ، وفي قول امرىء القيس:
٢٥٥٢ - وإن تَكُ قد ساءَتْكِ مني خَليقةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا التركيبُ واقعٌ لا محالةَ، وإنما اختلفوا في تقديره: هل من باب تقديم الخبر أم لا؟ فَمَنْ مَنَعَ لأنه كباب المبتدأ والخبر، والخبرُ الصريح متى كان كذلك امتنع تقديمُه على المبتدأ لئلا يلتبسَ بباب الفاعل، فكذلك بعد نَسْخِه. ومن أجاز فلأَمْنِ اللبس.
ثم قال الشيخ:» ويُخَلِّصُ من هذه الإِشكالات اعتقادُ كونِ «كاد» زائدة، ومعناها مرادٌ، ولا عملَ لها إذ ذاك في اسمٍ ولا خبر، فتكون مثل «كان» إذا زِيْدَتْ، يُراد معناها ولا عملَ لها، ويؤيد هذا التأويلَ قراءةُ ابن مسعود «من بعد ما زاغَتْ» ، بإسقاط كاد، وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] ، مع تأثُّرِها بالعاملِ وعملِها في ما بعدها، فأحرى أن يدعى زيادتُها وهي ليسَتْ عاملةً ولا معمولة «. قلت: زيادتُها أباه الجمهور، وقال به من البصريين الأخفش، وجَعَلَ منه ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] . وتقدم الكلامُ على ذلك في أوائلِ هذا الكتاب.
стр. 4439
وقرأ الأعمش والجحدري» تُزيغ «بضم التاء وكأنه جَعَلَ» أزاغ «و» زاغ «بمعنى. وقرأ أُبَيّ» كادَتْ «بتاء التأنيث.
стр. 4440
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثلاثة﴾ : يجوز أن يُنْسِق على «النبيّ» ، أي: تاب على النبي وعلى الثلاثة، وأن يُنسقَ على الضمير في «عليهم» ، أي: ثم تاب عليهم وعلى الثلاثة، ولذلك كُرِّر حرفُ الجر.
وقرأ جمهور الناس: «خُلِّفوا» ، مبنياً للمفعول مشدداً مِنْ خلَّفه يُخَلِّفه. وقرأ أبو مالك كذلك إلا أنه خفف اللام. وقرأ عكرمة وزر بن حبيش وعمر بن عبيد وعكرمة بن هارون المخزومي ومعاذ القارىء: «خَلَفوا» ، مبنياً للفاعل مخففاً مِنْ خَلَفَه، والمعنى: الذين خلفوا، أي: فَسَدوا، مِنْ خُلوف فم الصائم. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم خلفوا الغازين في المدينة. وقرأ أبو العالية وأبو الجوزاء كذلك إلا أنهم شدَّدا اللام. وقرأ أبو رزين وعلي ابن الحسين وابناه زيد ومحمد الباقر وابنه جعفر الصادق: «خالفوا» ، بألف، أي: لم يوافقوا الغازين في الخروج. قال الباقر: «ولو خُلِّفوا لم يكن لهم» . والظن هنا بمعنى العلم كقوله:
٢٥٥٣ - فقلتُ لهم ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهمُ كالفارِسي المُسَرَّدِ
وقيل: هو على بابه.
стр. 4441
قوله: ﴿أَن لاَّ مَلْجَأَ﴾ أنْ هي المخففة سادَّة مسدَّ المفعولين، و «لا» وما في حيِّزها الخبرُ، و «من الله» خبرها. ولا يجوز أن تكونَ تتعلقُ ب «مَلْجَأ» ، ويكون «إلا إليه» الخبر لأنه كان يلزم إعرابه، لأنه يكون مطولاً. وقد قال بعضهم: إنه يجوزُ تشبيهُ الاسمِ المُطَوَّل بالمضاف فيُنْتَزَعُ ما فيه مِنْ تنوينٍ ونون كقوله:
٢٥٥٤ - أراني ولا كفرانَ لله أيَّةً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «لا صَمْتَ يومٌ إلى الليل» برفع «يوم» وقد تقدَّم القولَ في ذلك. وقوله: «إلا إليه» استثناءٌ من ذلك العامِّ المحذوفِ، أي: لا مَلْجَأَ إلى أحدٍ إلا إليه كقوله: لا إله إلا الله.
стр. 4442
والظَّمأُ: العطش، يُقال: ظَمِىء يَظْمَأُ ظَمَأً، فهو ظمآنُ وهي/ ظمأى، وفيه لغتان: القصر والمدُّ، وبالمدّ قرأ عمرو بن عبيد، نحو: سَفِه سَفاهاً، والظِّمْءُ ما بين الشَّرْبَتَيْن.
و «مَوْطِئاً» مَفْعِل مِنْ وَطِىءَ، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الوَطْء، وأن يكون مكاناً، والأول أظهر، لأن فاعل «يغيظ» يعود عليه من غير تأويل بخلاف كونه مكاناً فإنه يعود على المصدر وهو الوَطْءُ الدال عليه المَوْطِىءُ.
وقرأ زيد بن علي: «يُغيظ» بضم الياء وهما لغتان: غاظَه وأغاظه.
стр. 4443
والنَّيْلُ مصدرٌ فيحتمل أن يكون على بابه، وأن يكون واقعاً موقعَ المفعول به، وليست ياؤه مبدلةً من واو كما زعم بعضهم، بل ناله ينولُه مادةٌ أخرى ومعنى آخر وهو المناولة، يقال: نِلْتُه أَنُوْله، أي: تناولته ونِلْتُه أنيله، أي: أَدْرَكْته.
стр. 4444
والوادي: قال الزمخشري: «الوادي: كل منفرَجٍ من جبال وآكام يكون مَنْفذاً للسيل، وهو في الأصل فاعِل مِنْ ودى إذا سال، ومنه الوَدِيّ، وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض» . وجُمع على أودية وليس بقياس، كان قياسُه الأَوادي كأَواصل جمع واصل، والأصل: وَوَاصِل، قُلبت الواو الأولى همزة. قال النحاس: «ولا أعرف فاعلاً وأفْعلِة سواه» ، وقد استُدْرِك هذا عليه فزادوا: نادٍ وأندية وأنشدوا:
٢٥٥٥ - وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهمْ ... وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ
والنادي: المجلس. وقال الفراء: إنه يُجمع على أَوْداء كصاحب وأصحاب وأنشد لجرير:
٢٥٥٦ - عَرَفْتُ ببُرْقَةِ الأَوْداءِ رَسْماً ... مُحيلاً طال عهدُكَ مِنْ رسومِ
стр. 4445
قلت: وقد زاد الراغب في فاعل وأَفْعِلة: ناجٍ وأنْجِيَة، فقد كَمُلَتْ ثلاثةُ ألفاظ في فاعل وأَفْعِلة، ويقال: وَدَاه، أي: أهلكه كأنهم تصوَّروا منه إسالة الدم، وسُمِّيت الدِّيَةُ دِيَةً لأنها في مقابلة إسالة الدم، ومنه الوَدْيُ وهو ماءُ الفحل عند المداعبة وماءٌ يخرج عند البول، والوَدِيُّ بكسر الدال والتشديد في الياء: صغار النحل.
وقوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠] ، مبتدأ وخبر، والإِشارة به إلى ما تضمَّنه انتفاءُ التخلُّف مِنْ وجوب الخروج معه.
وقوله: ﴿إِلاَّ كُتِبَ﴾ ، هذه الجملةُ في محل نصب على الحال مِنْ «ظَمَأ» وما عُطِف عليه، أي: لا يصيبهم ظمأٌ إلا مكتوباً. وأَفْرد الضمير في «به» وإن تقدَّمه أشياء إجراء له مُجْرى اسمِ الإِشارة، أي: كُتب لهم بذلك عَمَلٌ صالح. والمضمرُ يُحتمل أن يعودَ على العمل الصالح المتقدم، وأن يعودَ على أحد المصدرين المفهومين في «ينفقون» و «يقطعون» ، أي: إلا كُتِب لهم بالإِنفاقِ أو القَطْعِ.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ متعلقٌ ب «كُتِب» . وفي هذه الجملة من البلاغةِ والفصاحةِ ما لا يخفى على متأمَّله لا سيما لمن تدرَّب بما تقدَّم في هذا الموضوع.
стр. 4446
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ : «لولا» تحضيضية والمرادُ به الأمر. و «منهم» يجوز أن يكون صفةً ل «فرقة» وأن يكون حالاً من «طائفة» لأنها في الأصل صفة لها، وعلى كلا التقديرين فيتعلقُ
стр. 4447
بمحذوف. والذي ينبغي أن يُقال: إنَّ «من كل فرقة» حالٌ من طائفة، و «منهم» صفة لفرقة، ويجوز أن يكونَ «من كل» متعلقاً ب «نَفَرَ» .
وقوله: ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ﴾ في هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه للطائفة النافرة على أن المرادَ بالنفور: النفور لطلب العلم، وهو ظاهر. وقيل: الضمير في «ليتفَّقهوا» عائد على الطائفة القاعدة، وفي «رَجَعوا» عائدٌ على النافرة، والمراد بالنفور نفورُ الجهاد، والمعنى: أن النافرين للجهاد إذا ذهبوا بقيت إخوانهم يتعلمون من رسول الله ﷺ الفقه، فإذا رَجَع الغازون أنذرهم المُعَلِّمون، أي: علَّموهم الفقه والشَّرْع.
стр. 4448
قوله تعالى: ﴿وَلِيَجِدُواْ﴾ : وهو من باب «لا أُرَيَنَّك ههنا» وتقدَّم شرحه.
قوله: ﴿غِلْظَةً﴾ قرأها الجمهور بالكسر وهي لغة أشد. وقرأ الأعمش، وأبان بن تغلب والمفضل كلاهما عن عاصم «غَلْظة» بفتحها، وهي لغة الحجاز. وقرأ أبو حيوة والسلمي وابن أبي عبلة والمفضل وأبان في رواية عنهما «غُلظة» بالضم وهي لغة تميم. وحكى أبو عمرو اللغات الثلاث. والغِلظة: أصلها في الأَجْرام فاستعيرت هنا للشدة والصبر والتجلُّد.
стр. 4449
قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُ﴾ : الجمهور على رفع «أيُكم» بالابتداء وما بعده الخبر. وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير بالنصب على الاشتغال، ولكن يُقَدَّر الفعل متأخراً عنه من أجلِ أن له صدرَ الكلام والنصبُ عند الأخفش في هذا النحوِ أحسنُ من الرفع؛ لأنه يُجري اسم
стр. 4450
الاستفهام مُجرى الأسماءِ المسبوقةِ بأداة الاستفهام نحو: «أزيداً ضربته» في ترجيح إضمار الفعل.
следующие страницы →