Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
وُجُوهُهُمْ﴾ ، و «كأنما» حرف مكفوف، و «ما» هذه زائدة تسمَّى كافَّةً ومهيِّئة، وتقدَّم ذلك. وعلى هذا الوجه فيكون قد فَصَلَ بين المبتدأ وخبره بثلاثِ جملِ اعتراض.
السابع: أن الخبر هو الجملة من قوله: ﴿أولئك أَصْحَابُ النار﴾ ، وعلى هذا القولِ فيكونُ قد فصل بأربعِ جمل معترضة وهي: ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ، والثانية: «وتَرْهَقُهم ذلة» ، والثالث: ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، الرابع: «كأنما أُغْشيت» . وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاثِ جملٍ فضلاً عن أربع.
وقوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ فيها وجهان أحدهما: أنها في محل نصب على الحال. ولم يُبَيِّنْ أبو البقاء صاحبَها، وصاحبُها هو الموصولُ أو ضميرُه. وفيه ضعفٌ لمباشرته الواو، إلا أن يُجْعَلَ خبرَ مبتدأ محذوف. الثاني: أنها معطوفة على «كسبوا» . قال أبو البقاء: «وهو ضعيف لأن المستقبلَ لا يُعْطَفُ على الماضي. فإن قيل: هو بمعنى الماضي فضعيفٌ جداً» . وقرىء: «ويَرْهقهم» بالياء من تحت، لأنَّ تأنيثَها مجازي.
قوله: ﴿قِطَعاً﴾ قرأ ابن كثير والكسائي «قِطْعاً» بسكون الطاء، والباقون بفتحها. فأما القراءة الأولى فاختلفت عبارات الناس فيها، فقال أهل اللغة: «القِطْع» ظلمة آخر الليل. وقال الأخفش في قوله: «بقِطْع من الليل» بسواد من الليل. وقال بعضهم: «طائف من الليل» ، وأنشد الأخفش:
стр. 4517
٢٥٨٩ - افتحي الباب فانظري في النجومِ ... كم علينا من قِطْعِ ليلٍ بَهيم
وأمَّا قراءةُ الباقين فجمعُ «قِطْعة» نحو: دِمْنة وَدِمَن، وكِسْرة وكِسَر وعلى القراءتين يختلف إعراب «مظلماً» ، فإنه على قراءةِ الكسائي وابن كثير يجوز أن يكونَ نعتاً ل «قِطْعاً» ، ووُصِف بذلك مبالغةً في وَصْف وجوهِهم بالسواد، ويجوز أن يكونَ حالاً فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه حالٌ من «قِطْعاً» ، وجاز ذلك لتخصُّصه بالوصف بالجارِّ بعده وهو «من الليل» ، والثاني: أنه حالٌ من «الليل» ، والثالث: أنه حالٌ من الضميرِ المستتر في الجارِّ لوقوعه صفة.
قال الزمخشري: «فإن قلت: إذا جعلت» مظلماً «حالاً من» الليل «فما العاملُ فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكونَ» أُغْشِيَتْ «من قِبل أنَّ» من الليل «صفةٌ لقوله:» قِطْعاً «، وكان إفضاؤه إلى الموصوفِ كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكونَ معنى الفعل في» من الليل «.
قال الشيخ: «أمَّا الوجه الأول فهو بعيدٌ لأنَّ الأصلَ أن يكون العاملُ في الحال هو العاملَ في ذي الحال، والعاملُ في» من الليل «هو الاستقرار، و» أُغْشِيَتْ «عاملٌ في قوله:» قطعاً «الموصوف بقوله:» من الليل «فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أَوْلى، أي: قطعاً مستقرةً من الليل، أو كائنةً من الليل في حال إظلامه» . قلت: ولا يَعْني الزمخشري بقوله: «إنَّ العامل أُغْشِيَتْ» إلا أنَّ الموصوفَ وهو «قِطْعاً» معمول لأُِغْشِيَتْ والعامل في الموصوف هو عاملٌ في الصفة، والصفة هي «من الليل» فهي معمولةٌ ل «أُغْشِيَتْ» ، وهي صاحبةُ الحال، والعاملُ في الحال هو العاملُ في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العاملَ في الحال هو العاملُ في صاحبها بهذه الطريقةِ. ويجوز أن يكونَ «قِطْعاً» جمع قطعة، أي: اسم جنس، فيجوز حينئذٍ وصفُه بالتذكير نحو: «نَخْلٌ مُنْقَعِر» والتأنيث نحو: «نخل خاوية» .
стр. 4518
وأمَّا قراءة الباقين فقال مكي وغيره: «إنَّ» مظلماً «حال من» الليل «فقط. ولا يجوز أن يكون صفةً ل» قِطَعاً «، ولا حالاً منه، ولا من الضمير في» من الليل «، لأنه كان يجب أن يقال فيه: مظلمة» . قلت: يَعْنُون أنَّ الموصوف حينئذ جمعٌ، وكذا صاحب الحال فتجب المطابقةُ. وأجاز بعضهم ما منعه هؤلاء وقالوا: جاز ذلك لأنَّه في معنى الكثير، وهذا فيه تعسُّفٌ.
وقرأ أُبَي/ ﴿تغشى وجوهَهم قِطْعٌ﴾ بالرفع، «مظلمٌ» . وقرأ ابن أبي عبلة كذلك، إلا أنه فتح الطاء. وإذا جَعَلْتَ «مُظْلماً نعتاً ل» قطعاً «، فتكون قد قَدَّمْتَ النعتَ غير الصريح على الصريح. قال ابن عطية:» فإذا كان نعتاً يعني مظلماً نعتاً لقطع فكان حقه أن يكون قبلَ الجملة، ولكن قد يجيءُ بعد هذا، وتقدير الجملة: قطعاً استقرَّ من الليل مظلماً على نحو قوله: ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] . قال الشيخ: «ولا يتعيَّنُ تقديرُ العاملِ في المجرور بالفعل فيكونُ جملة، بل الظاهرُ تقديره باسم الفاعل فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: قطعاً كائناً من الليل مظلماً» . قلت: المحذورُ تقديمُ غيرِ الصريحِ على الصريح ولو كان مقدَّراً بمفرد.
و «قطعاً» منصوبٌ ب «أُغْشِيَتْ» مفعولاً ثانياً.
стр. 4519
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ : «يوم» منصوب بفعلٍ مقدر، أي: خَوِّفْهم، أو ذكِّرْهم يوم. والضميرُ عائد على الفريقين، أي:
стр. 4520
الذين أحسنوا والذين كسبوا. و «جميعاً» حال. ويجوز أن تكون تأكيداً عند مَنْ عَدَّها مِنْ ألفاظ التأكيد.
قوله: ﴿مَكَانَكُمْ﴾ ، «مكانكم» اسمُ فعل، ففسَّره النحويون ب «اثبتوا» فيحمل ضميراً، ولذلك أُكِّد بقوله: «أنتم» وعُطِف عليه «شركاؤكم» ، ومثله قول الشاعر:
٢٥٩٠ - وقَوْلِي كلما جَشَأَتْ وجاشَتْ ... مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتريحي
أي: اثبتي، ويدلُّ على جزمُ جوابِه وهو «تُحْمَدي» . وفسَّره الزمخشري ب «الزموا» قال: «مكانكم» أي: الزموا مكانكم، ولا تَبْرحوا حتى تنظروا ما يُفْعل بكم «. قال الشيخ:» وتقديره له ب «الزموا» ليس بجيد، إذ لو كان كذلك لتعدَّى كما يتعدَّى ما ناب هذا عنه، فإنَّ اسمَ الفعلِ يُعامل معاملةَ مسمَّاه، ولذلك لمَّا قدَّروا «عليك» بمعنى «الزم» عدَّوْه تعديتَه نحو: عليك زيداً. و [عند] الحوفي «مكانكم» نُصب بإضمار فعل، أي: الزموا مكانكم أو اثبتوا «. قلت: فالزمخشري قد سُبِق بهذا التفسير. والعذرُ لمَنْ فسَّره بذلك أنه قصد تفسير المعنى، وكذلك فَسَّره أبو البقاء فقال:» مكانكم «ظرفٌ مبنيٌّ لوقوعِه موقعَ الأمر، أي: الزموا» .
وهذا الذي ذكره مِنْ كونه مبنياً فيه خلاف للنحويين: منهم مَنْ ذهب إلى ما ذَكَر، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنها حركةُ إعراب، وهذان الوجهان مبنيَّان على خلافٍ في أسماء الأفعال: هل لها محلٌّ من الإِعراب أو لا؟ ، فإن قلنا
стр. 4521
لها محلٌّ كانت حركاتُ الظرفِ حركاتِ إعراب، وإن قلنا: لا موضع لها كانت حركاتِ بناء. وأمَّا تقديرُه ب «الزموا» فقد تقدَّم جوابه.
وقوله: ﴿أَنتُمْ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه تأكيدٌ للضمير المستتر في الظرفِ لقيامِه مقامَ الفاعلِ كما تقدَّم التنبيه عليه. والثاني: أجازه ابن عطية، وهو أن يكونَ مبتدأً، و «شركاؤكم» معطوف عليه، وخبرُه محذوفٌ قال: «تقديرُه: أنتم وشركاؤكم مُهاون أو مُعَذَّبون» ، وعلى هذا فيُوقَفُ على قوله: «مكانكم» ثم يُبتدأ بقوله: «أنتم» ، وهذا لا يَنْبغي أن يقال، لأن فيه تفكيكاً لأفصحِ كلام وتبتيراً لنظمه من غير داعيةٍ إلى ذلك، ولأن قراءةَ مَنْ قرأ «وشركاءَكم» نصباً تدل على ضعفه، إذ لا تكونُ إلا من الوجه الأول، ولقولِه: «فزيَّلْنا بينهم» ، فهذا يدلُّ على أنهم أُمِروا هم وشركاؤهم بالثبات في مكانٍ واحدٍ حتى يحصلَ التَّزْيِِيْلُ بينهم.
وقال ابن عطية أيضاً: «ويجوزُ أن يكون» أنتم «تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو» قفوا «ونحوه» .
قال الشيخ «وهذا ليس بجيدٍ، إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل لجاز تقديمُه على الظرف، إذ الظرفُ لم يتحمَّلْ ضميراً على هذا القول فيلزمُ تأخيرُه [عنه] وهو غير جائز، لا تقول:» أنت مكانَك «ولا يُحْفظ من كلامهم. والأصحُّ أنه لا يجوز حَذْفُ المؤكَّد في التأكيد المعنوي، فكذلك هذا لأن التأكيدَ ينافي الحذف، وليس من كلامهم:» أنت زيداً «لمَنْ رأيته قد شَهَرَ سَيْفاً، وأنت تريد:» اضرب
стр. 4522
أنت زيداً «إنما كلامُ العرب:» زيداً «تريد: اضرب زيداً» . قلت: لم يَعْنِ ابنُ عطية أن «أنت» تأكيد لذلك الضمير في «قفوا» من/ حيث إنَّ الفعلَ مرادٌ غير منوبٍ عنه، بل لأنه نابَ عنه هذا الظرفُ، فهو تأكيدٌ له في الأصلِ قبل النيابة عنه بالظرف، وإنما قال: الذي هو «قفوا» تفسيراً للمعنى المقدر.
وقرأ فرقةُ «وشكركاءَكم» نصباً على المعية. والناصبُ له اسم الفعل.
قوله: ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ ، أي: فرَّقْنا وميَّزْنا كقوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا﴾ [الفتح: ٢٥] . واختلفوا في «زيَّل» هل وزنُه فَعَّل أو فَيْعَل؟ والظاهرُ الأول، والتضعيفُ فيه للتكثيرِ لا للتعديةِ لأنَّ ثلاثيَّه متعدٍّ بنفسِه. حكى الفراء «زِلْتُ الضَّأن من المَعِز فلم تَزِل» ، ويقال: زِلْت الشيء مِنْ مكانه أَزيله، وهو على هذا من ذواتِ الياء. والثاني: أنه فَيْعَل كبَيْطَر وبَيْقَر وهو مِنْ زال يَزُول، والأصل: زَيْوَلْنا فاجتمعت الياء والواو وسَبَقَت إحداهما بالسكون فأُعِلَّت الإِعلالَ المشهورَ وهو قَلْبُ الواوِ ياءً وإدغامُ الياء فيها كميِّت وسَيّد في مَيْوِت وسَيْودِ، وعلى هذا فهو من مادة الواو. وإلى هذا ذهبَ ابن قتيبة، وتبعه أبو البقاء.
وقال مكي: «ولا يجوز أن يكون فَعَّلْنا مِنْ زال يزول لأنه [يلزم] فيه الواوُ فيكون زَوَّلنا» ، قلت: هذا صحيحٌ، وقد تقدم تحريرُ ذلك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] . وقد ردَّ الشيخ كونَه فيْعَل بأنَّ فعَّل أكثر من فَيْعَل،
стр. 4523
ولأن مصدره التزييل، ولو كان فَيْعَل لكان مصدرُه فَيْعَلة كبَيْطَرة؛ لأن فَيْعَل ملحقٌ بفَعْلَل، ولقولهم في معناه زايَل، ولم يقولوا: زاول بمعنى فارق، إنما قالوه بمعنى حاول وخالط «. وحكى الفراء» «فزايَلْنا» وبها قرأت فرقة. قال الزمخشري: «مثل صاعَرَ خَدَّه وصَعَّره، وكالمتُه وكلَّمْته» ، قلت: يعني أن فاعَل بمعنى فَعَّل. وزايَلَ بمعنى فارَقَ. قال:
٢٥٩١ - وقال العذارى إنَّما أنت عَمُّنا ... وكان الشبابُ كالخليطِ نُزايِلُهْ
وقال آخر:
٢٥٩٢ - لعَمْري لَمَوْتٌ لا عقوبةَ بعده ... لِذي البَثِّ أَشْفَى مِنْ هوىً لا يُزايلُهْ
وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ و «قال» هذان الفعلان ماضيان لفظاً مستقبلان معنىً لعطفِهما على مستقبل وهو «ويوم نحشرهم» وهما نظيرُ قولِه تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ﴾ [هود: ٩٨] . و «إيَّانا» مفعولٌ مقدمٌ قُدِّم للاهتمام به والاختصاص، وهو واجبُ التقديمِ على ناصبِه لأنه ضميرٌ منفصل لو تأخر عنه لَزِمَ اتصالُه.
стр. 4524
وقد تقدَّم الكلامُ على ما بعد هذا مِنْ ﴿وكفى﴾ [النساء: ٦] و «إنْ» المخففة، واللام التي بعدها بما يُغْني عن إعادته.
стр. 4525
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ : في «هنالك» وجهان، الظاهرُ بقاؤه على أصلِه مِنْ دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك
стр. 4526
الموقفِ الدَّحْض والمكان الدَّهِش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: ١١] ، أي: في ذلك الوقت وكقوله:
٢٥٩٣ - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشاكَلَتْ ... فهناك يَعْترفون أينَ المَفْزَعُ
وإذا أمكنَ بقاءُ الشيءِ على موضوعِه فهو أولى.
وقرأ الأخَوان «تَتْلو» بتاءَيْن منقوطتين من فوق، أي: تطلُب وتتبَع ما أسلفَتْه مِنْ أعمالها، ومن هذا قوله:
٢٥٩٤ - إنَّ المُريبَ يَتْبَع المُريبا ... كما رأيت الذِّيبَ يتلو الذِّيبا
أي: يَتْبَعه ويَتَطَلَّبه. ويجوز أن يكونَ من التلاوة المتعارفة، أي: تقرأ كلُّ نفسٍ ما عَمِلَتْه مُسَطَّراً في صحف الحفظة لقوله تعالى: ﴿ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ، وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقرأ كتابك﴾ [الإسراء: ١٣] .
وقرأ الباقون: «تَبْلو» مِن البَلاء وهو الاختبار، أي: يَعْرف عملَها: أخيرٌ هو أم شر. وقرأ عاصم في روايةٍ «نبلو» بالنون والباءِ الموحدة، أي: نختبر نحن. و «كل» منصوب على المفعول به. وقوله: «وما أَسْلَفَتْ» على هذه القراءةِ
стр. 4527
يحتمل أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافض، أي: بما أسْلَفَتْ، فلمَّا سقط الخافض انتصبَ مجرورُه كقوله:
٢٥٩٥ - تمرُّون الديار ولم تعوجوا ... كلامُكمُ عليَّ إذنْ حَرامُ
ويحتمل أن يكونَ منصوباً على البدل من «كل نفس» ويكون من بدلِ الاشتمال. ويجوز أن يكون «نَبْلو» من البلاء وهو العذاب، أي: نُعَذِّبها بسبب ما أَسْلَفَتْ.
و «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةً موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير/ الأول والآخِر دون الثاني على المشهور.
وقرأ ابن وثاب «ورِدُّوا» بكسر الراء تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو: «قيل» و «بيع» ، ومثله:
٢٥٩٦ - وما حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبا حُلَمائِنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك بأوضحَ من هذا.
وقوله: ﴿إِلَى الله﴾ لا بدَّ من مضاف، أي: إلى جزاء الله، أو موقفِ جزائه. والجمهور على «الحق» جَرَّاً. وقرىء منصوباً على أحد وجهين: إمَّا القطعِ، وأصلُه أنه تابعٌ فقُطع بإضمارِ «أمدح» كقولهم: الحمدُ للَّهِ أهلِ الحمد «، وإمَّا أنه مصدر مؤكد لمضمونِ الجملةِ المتقدمةِ وهو ﴿وردوا إِلَى الله﴾ وإليه نحا الزمخشري، قال:» كقولك: «هذا عبد الله الحق لا الباطل» على
стр. 4528
التأكيد لقوله ﴿وردوا إِلَى الله﴾ . وقال مكي: «ويجوز نصبه على المصدر ولم يُقْرأ به» ، قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على هذه القراءة.
وقوله: ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ «ما» تحتمل الأوجه الثلاثة.
стр. 4529
قوله تعالى: ﴿مِّنَ السمآء﴾ : «مِنْ» يجوز أَنْ تكونَ لابتداء الغاية، وأن تكونَ للتبعيضِ، وأن تكونَ لبيان الجنس، ولا بد على هذين الوجهين من تقديرِ مضافٍ محذوف، أي: من أهل السماء.
قوله: ﴿أَمْ﴾ هذه «أم» المنقطعة لأنه لم تتقدَّمْها همزةُ استفهام ولا تسوية، ولكن إنما تُقَدَّر هنا ب «بل» وحدها دونَ الهمزة. وقد تقرَّر أن المنقطعةَ عند الجمهور تُقَدَّر بهما، وإنما لم تتقدَّرْ هنا ب «بل» والهمزةِ، لأنَّها وقع بعدها اسم استفهام صريح وهو «مَنْ» ، فهو كقوله تعالى: ﴿أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] . والإِضرابُ هنا على القاعدةِ المقررة في القرآن أنه إضرابُ انتقالٍ لا إضرابُ إبطالٍ
стр. 4530
قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ﴾ : يجوز أن يكونَ «ماذا» كلُّه اسماً واحداً لتركُّبهما، وغُلِّب الاستفهامُ على اسم الإِشارة، وصار معنى الاستفهامِ هنا النفيَ ولذلك أوجب بعده ب «إلا» ، ويجوز أن يكون «ذا» موصولاً بمعنى الذي، والاستفهام أيضاً بمعنى النفي، والتقدير: ما الذي بعد الحق إلا الضلال؟
стр. 4531
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ : الكافُ في محلِّ نصب نعتاً لمصدر محذوف، والإِشارةُ ب «ذلك» إلى المصدرِ المفهوم مِنْ «تُصْرفون» ،
стр. 4532
أي: مثلَ صَرْفِهم عن الحق بعد الإِقرار به في قوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١] . وقيل إشارةٌ إلى الحق. قال الزمخشري: «كذلك: مثلَ ذلك الحقِّ حَقَّتْ كلمةُ ربك» .
قوله: ﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ، فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّها في محلِّ رفعِ بدلاً من «كلمةُ» ، أي: حَقَّ عليهم انتفاء الإِيمان. الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوف، أي: الأمر عدمُ إيمانِهم. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ بعد إسقاط الحرف الجارّ. الرابع: أنها في محلِّ جرٍّ على إعمالِه محذوفاً إذا الأصل: لأنهم لا يُؤْمنون. قال الزمخشري: «أو أراد بالكلمة العِدَة بالعذاب، و ﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ تعليل، أي: لأنهم» .
وقرأ أبو عمرو وابنُ كثير والكوفيون «كلمة» بالإِفراد، وكذا في آخر السورة. وقد تقدَّم ذلك في الأنعام. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿أَنهم لا يُؤْمنون﴾ بكسر «إنَّ» على الاستئناف وفيها معنى التعليل، وهذه مقويِّةُ للوجه الصائر إلى التعليل.
стр. 4533
قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق﴾ : هذه الجملةُ جواب لقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ﴾ وإنما أتى بالجواب جملةً اسميةً مُصَرَّحاً
стр. 4534
بجزأيها مُعَاداً فيها الخبر مطابقاً لخبر اسم الاستفهام للتأكيدِ والتثيبتِ، ولمَّا كان الاستفهام قبل هذا لا مَنْدوحةَ لهم عن الاعتراف به جاءَت الجملةُ محذوفاً منها أحدُ جُزْأَيْها في قوله ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١] ، ولم يَحْتَجْ إلى التأكيد بتصريح جزأيها.
стр. 4535
قوله تعالى: ﴿يهدي إِلَى الحق﴾ : قد تقدم في أول هذا الموضوع أنَّ «هدى» يتعدى إلى اثنين ثانيهما: إمَّا باللام أو بإلى، وقد يُحْذَفُ الحرفُ تخفيفاً. وقد جُمع بين التعديتين هنا بحرف الجر فَعَدَّى الأول والثالث ب «إلى» والثاني باللام، وحُذِف المفعولُ الأول من الأفعال الثلاثة، والتقدير: هل مِنْ شركائكم مَنْ يَهْدي غيره إلى الحق قل اللَّهُ يَهْدي مَنْ يشاء للحق، أفَمَنْ يهدي غيرَه إلى الحق. وزعم الكسائي والفراء وتبعهما الزمخشري أنَّ «يهدي» الأولَ قاصرٌ، وأنه بمعنى اهتدى. وفيه نظر، لأن مُقابلَه وهو ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ متعدٍّ. وقد أنكر المبرد أيضاً مقالة الكسائي والفراء وقال: «لا نَعْرِفُ هَدَى بمعنى اهتدى» قلت: الكسائي والفراء أَثْبتاه بما نقلاه، ولكن إنما ضَعُف ذلك هنا لِما ذَكَرْت لك من مقابلته بالمتعدي، وقد تقدَّم أن التعديةَ ب «إلى» أو اللام من باب التفنُّن في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري: «يقال: هَدَاه للحق وإلى الحق،
стр. 4536
فجمع بين اللغتين» . وقال غيره: «إنما عدى المسندَ إلى الله باللام/ لأنها أَدَلُّ في بابها على المعنى المرادِ من» إلى «؛ إذ أصلُها لإِفادةِ المُلْك، فكأن الهداية مملوكة لله تعالى» وفيه نظر، لأن المراد بقوله: ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الحق﴾ هو الله تعالى مع تَعدِّي الفعلِ المسند إليه ب «إلى» .
قوله: ﴿أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ خبرٌ لقوله: «أَفَمَنْ يَهْدي» و «أَنْ» في موضعِ نصبٍ أو جرٍّ بعد حذف الخافض، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وتقديرُ هذا كله: «أَفَمَنْ يهْدي إلى الحقّ أَحَقُّ بأن يُتَّبَع ممَّن لا يَهْدي» . ذكر ذلك مكي ابن أبي طالب، فجعل «أحقّ» هنا على بابها من كونها للتفضيل. وقد منع الشيخ كونَها هنا للتفضيل فقال: «وأحق» ليست للتفضيل، بل المعنى: حقيقٌ بأن يُتَّبع «. وجوَّز مكي أيضاً في المسألة وجهين آخرين أحدهما: أن تكون» مَنْ «مبتدأ أيضاً، و» أنْ «في محلِّ رفع بدلاً منها بدلَ اشتمال، و» أحقُّ «خبرٌ على ما كان. والثاني: أن يكون» أن يُتَّبع «في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و» أحقُّ «خبرُه مقدَّم عليه. وهذه الجملةُ خبر ل» مَنْ يَهْدي «، فَتَحَصَّل في المسألة ثلاثة أوجه.
قوله: ﴿أَمَّن لاَّ يهدي﴾ نسقٌ على» أفمن «، وجاء هنا على الأفصحِ مِنْ حيث إنَّه قد فُصِل بين» أم «وما عُطِفَتْ عليه بالخبر كقولك:» زيدٌ قائم أم عمرو «ومثله:
﴿أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾ [الفرقان: ١٥] . وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وسيأتي هذا في موضعه.
стр. 4537
وقرأ أبو بكر عن عاصم بكسر ياء «يهدي» وهائه. وحفص بكسر الهاء دون الياء. فأمَّا كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، وذلك أن أصلَه يَهْتدي، فلما قُصِد إدغامُه سكنَتْ التاء، والهاءُ قبلَها ساكنة فكُسِرَتْ الهاءُ لالتقاء الساكنين. وأبو بكر أتبع الياء للهاء في الكسر. وقال أبو حاتم في قراءة حفص «هي لغة سُفْلَى مُضَر» ، ونَقَل عن سيبويه أنه لا يُجيز «يِهْدي» ويجيز «تِهْدي ونِهْدي وإهدي» ، قال: «لأن الكسرةَ تَثْقُل في الياء» ، قلت: يعني أنه يُجيز كَسْرَ حرفِ المضارعة من هذا النحو نحو: تِهْدي ونِهدي وإهدي إذ لا ثِقَلَ في ذلك، ولم يُجِزْهُ في الياء لثقل الحركةِ المجانسةِ لها عليها. وهذا فيه غَضٌّ من قراءة أبي بكر، ولكنه قد تواتَرَ قراءةً فهو مقبول.
وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع بفتح الياء واختلاس فتحة الهاء وتَشْديد الدال، وذلك أنهما لَمَّا ثقَّلا الفتحة لإِدغام اختلسا الفتحة تنبيهاً على أن الهاءَ ليس أصلُها الحركةَ بل السكون. وقرأ ابن كثير وابن عامر وورش بإكمال فتحة الهاء على أصل النقل. وقد رُوي عن أبي عمرو وقالون اختلاسُ كسرةِ الهاءِ على أصل التقاء الساكين، والاختلاس للتنبيه على أنَّ أصلَ الهاءِ السكون كما تقدم.
وقرأ أهلُ المدينة خلاورشاً بفتح الياء وسكون الهاء وتشديدِ الدال. وهذه القراءةُ استشكلها جماعةٌ من حيث الجمعُ بين الساكنين. قال المبرد: «مَنْ رام هذا لا بد أن يُحَرِّكَ حركةً خفيَّة» . وقال أبو جعفر النحاس: «
стр. 4538
لا يقدر أحدٌ أن يَنْطِقَ به» ، قلت: وقد قال في «التيسير» : «والنصُّ عن قالون بالإِسكان» ، قلت: ولا بُعْدَ في ذلك فقد تقدَّم أن بعضَ القُرَّاء يَقْرأ ﴿نِعِمَّا﴾ [النساء: ٥٨] و ﴿لاَ تَعْدُواْ﴾ [النساء: ١٥٤] بالجمع بين الساكنين، وتقدَّمت لك قراءاتٌ كثيرة في قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] ، وسيأتي لك مثلُ هذا في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] .
وقرأ الأخَوان «يَهْدي» بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيفِ الدال مِنْ هدى يَهْدي وفيه قولان، أحدهما: أنَّ «هدى» بمعنى اهتدى. والثاني: أنه متعدٍّ، ومفعولُه محذوف كما تقدَّم تحريره. وقد تقدم قول الكسائي والفراء في ذلك ورَدَّ المبرد عليهما. وقال ابن عطية: «والذي أقوال: قراءةُ حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى: أَمْ مَنْ لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحدُ بهداية الله، وأمَّا على غيرِها مِنَ القراءات التي مقتضاها» أم لا يَهْتدي إلا أن يهدى «فيتجه المعنى على ما تقدَّم» ثم قال: «وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله:» أم مَنْ لا يَهِدِّي، أي: لا يَهِدِّي غيره «.
ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن يهدى﴾ استثناءٌ منقطع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يهدى كما تقول: فلان لا يسمع غيره إلا أَنْ يُسْمع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يَسمع «. انتهى. ويجوز
стр. 4539
أن يكونَ استثناءً متصلاً، لأنه إذ ذاك يكون فيهم قابليةُ الهدايةِ بخلافِ الأصنام. ويجوز أن يكونَ استثناء من تمامِ المفعول له، أي: لا يهدي لشيءٍ من الأشياءِ إلا لأَجْل أن يهدى بغيره.
وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبر. ومعنى الاستفهام هنا الإِنكارُ والتعجبُ، أي: أيُّ شيءٍ لكم في اتخاذ هؤلاء إذ كانوا عاجزين عن هدايةِ أنفسهم فكيف يمكن أن يَهْدُوا غيرَهم؟ وقد تقدَّم أن بعضَ النحويين نصَّ على أن مثل هذا التركيبِ لا يتمُّ إلا بحالٍ بعده، نحو: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ﴾ [المائدة: ٨٤] إلى غير ذلك، وهنا لا يمكن أن تُقَدَّر الجملةُ بعد هذا التركيب حالاً لأنها استفهامية، والاستفهامية لا تقع حالاً. وقوله:» كيف تحكمون «استفهامٌ آخرُ، أي: كيف تحكمون بالباطل وتجعلون لله أنداداً وشركاء؟ .
стр. 4540
قوله تعالى: ﴿لاَ يُغْنِي﴾ : خبرُ «إن» ، و «شيئاً» / منصوبٌ على المصدر، أي: شيئاً من الإِغناء. و «من الحق» نصبٌ على الحال من «شيئاً» لأنه في الأصلِ صفةٌ له. ويجوز أن تكونَ «مِنْ» بمعنى «بدل» ، أي: لا يُغنْي بدلَ الحق. وقرأ الجمهور «يَفْعلون» على الغيبة. وقرأ عبد الله «تَفْعلون» خطاباً وهو التفاتٌ بليغ.
стр. 4541
قوله تعالى: ﴿أَن يفترى﴾ : فيه وجهان أحدهما: أنه خبرٌ «كان» تقديرُه: وما كان هذا القرآن افتراء، أي: ذا افتراء، إذ جُعِل نفسُ المصدر مبالغةً، أو يكونُ بمعنى مفترى. والثاني: زعم بعضهم أنَّ «أنْ» هذه هي المضمرة بعد لامِ الجحود، والأصل: وما كان هذا القرآنُ ليفترى،
стр. 4542
فلمَّا حُذِفَتْ لامُ الجحود ظهرت «أن» . وزعم أن اللامَ و «أنْ» يتعاقبان، فتُحْذف هذه تارة، وتَثْبُت الأخرى. وهذا قولٌ مرغوبٌ عنه، وعلى هذا القولِ يكون خبر «كان» محذوفاً، وأنْ وما في حَيِّزها متعلقةٌ بذلك الخبر، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك محرراً. و «مِنْ دون» متعلقٌ ب «يفترى» والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرٌ عائد على القرآن.
قوله ﴿ولكن تَصْدِيقَ﴾ «تَصْديق» عطف على خبر كان، ووقعت «لكن» أحسنَ موقع إذ هي بين نقيضين: وهما التكذيبُ والتصديقُ المتضمِّن للصدق. وقرأ الجمهور «تصديق» و «تفصيلَ» بالنصب وفيه أوجهٌ، أحدُها: العطف على خبر «كان» وقد تقدَّم ذلك، ومثله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله﴾ [الأحزاب: ٤٠] . والثاني: أنه خبر «كان» مضمرة تقديره: ولكن كان تصديقَ، وإليه ذهب الكسائي والفراء وابن سعدان والزجاج. وهذا كالذي قبله في المعنى. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله لفعل مقدر، أي: وما كان هذا القرآنُ أن يفترى، ولكن أُنزل للتصديق. والرابع: أنه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر أيضاً. والتقدير: ولكن يُصَدِّق تصديقَ الذي بين يديه من الكتب.
وقرأ عيسى بن عمر: «تَصْديقُ» بالرفع، وكذلك التي في يوسف. ووجهُه الرفعُ على خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن هو تصديق، ومثله قوله الشاعر:
стр. 4543
٢٥٩٧ - ولستُ الشاعرَ السَّفْسَافَ فيهمْ ... ولكن مِدْرَهُ الحربِ العَوانِ
برفع «مِدْرَه» على تقدير: أنا مِدْره. وقال مكي: «ويجوز عندهما أي عند الكسائي والفراء الرفع على تقدير: ولكن هو تصديق» ، قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة.
وزعم الفراء وجماعةٌ أن العرب إذا قالت: «ولكن» بالواو آثَرَتْ تشديد النون، وإذا لم تكن الواو آثرت التخفيفَ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيفُ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيف والتشديد نحو ﴿ولكن الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] .
قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فيه أوجه أحدها: أن يكون حالاً من «الكتاب» وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنه مفعولٌ في المعنى. والمعنى: وتفصيل الكتاب منتفياً عنه الرَّيْب. والثاني: أنه مستأنفٌ فلا محلَّ له من الإِعراب. والثالث: أنه معترضٌ بين «تصديق» وبين ﴿مِن رَّبِّ العالمين﴾ إذ التقديرُ: ولكن تصديق الذين بين يديه مِنْ رب العالمين.
قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتَّصَلَ قولُه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ ؟ قلت: هو داخلٌ في حَيِّز الاستدراك كأنه قيل: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريبُ كائناً من رب العالمين. ويجوز أن يراد به «ولكن كان تصديقاً من رب العالمين [وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون من رب العالمين] متعلقاً
стр. 4544
ب» تصديق «و» تفصيل «ويكون ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراضاً كما تقول: زيدٌ لا شكَّ فيه كريم» انتهى.
قوله: ﴿مِن رَّبِّ﴾ يجوز فيه أوجهٌ أحدُها: أن يكونَ متعلقاً ب «تصديق» أو ب «تفصيل» ، وتكون المسألة من باب التنازع؛ إذ يَصِحُّ أَنْ يتعلَّقَ بكلٍ من العاملين من جهة المعنى. وهذا هو الذي أراد الزمخشري بقوله: «فيكون» مِنْ رب «متعلِّقاً ب» تصديق «و» تفصيل «يعني أنه متعلقٌ بكلٍ منهما من حيث المعنى. وأمَّا من حيث الإِعرابُ فلا يتعلَّق إلا بأحدهما، وأمَّا الآخرُ فيعمل في ضميره كما تقدَّم تحريره غيرَ مرة، والإِعمالُ هنا حينئذ إنما هو للثاني بدليلِ الحَذْفِ من الأول. والوجه الثاني: أنَّ» مِنْ رب «حال ثانية. والثالث: إنه متعلقٌ بذلك الفعلِ المقدرِ، أي: أُنْزِل للتصديق من ربَّ العالمين.
стр. 4545
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ : في «أم» وجهان أحدهما: أنها منقطعةٌ فتتقدر ب «بل» والهمزة عند الجمهور: سيبويه وأتباعهِ، والتقديرُ: بل أتقولون، انتقل عن الكلام الأول وأَخَذَ في إنكارِ قولٍ آخر. والثاني: أنها متصلةٌ ولا بدَّ حينئذٍ مِنْ حَذْفِ جملةٍ ليصِحَّ التعادلُ والتقدير: أيقرُّون به أم يقولون افتراه. وقال بعضُهم: / هذه بمنزلة الهمزةِ فقط. وعَبَّر بعضهم عن ذلك فقال: «الميمُ زائدة على الهمزة» وهذا قولٌ ساقط، إذ زيادة الميم قليلة جداً لا سيما هنا. وزعم أبو عبيدة أنها بمعنى الواو والتقدير: ويقولون افتراه.
قوله: ﴿قُلْ فَأْتُواْ﴾ جوابُ شرطٍ مقدر قال الزمخشري: «قل: إن كان الأمرُ كما تَزْعمون فَأْتوا أنتم على وجه الافتراءِ بسورةِ مثلِه في العربية
стр. 4546
والفصاحة والأَبْلغيَّة» . وقرأ عمرو بن فائد «بسورة مثلِه» بإضافة «سورة» إلى «مثله» على حَذْف الموصول وإقامة الصفة مُقامَه، والتقدير: بسورةِ كتابٍ مثلِه أبو بسورةِ كلام مثله. ويجوز أن يكون التقديرُ: فَأْتوا بسورةِ بشرٍ مثلِه فالضمير يجوز أن يعودَ في هذه القراءةِ على القرآن، وأن يعودَ على النبي ﷺ . وأمَّا في قراءة العامة فالضمير للقرآن فقط.
стр. 4547
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ﴾ : جملةٌ حالية من الموصول أي: سارعوا إلى تكذيبهِ حالَ عدم إتيان التأويل. قال الزمخشري: «فإن قلت: ما معنى التوقُّع في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ؟ قلت: معناه أنهم كذَّبوا به على البديهة قبل التدبُّر ومعرفةِ التأويل» ، ثم قال أيضاً: «ويجوز أن يكونَ المعنى: ولم تأتِهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإِخبار بالغيوب، أي: عاقبته حتى يتبيَّنَ لهم أَكَذِبٌ هو أم صدقٌ» انتهى. وفي وَضْعه «لم» موضعَ «لَمَّا» نظرٌ لِمَا عَرَفْت ما بينهما من الفرق. ونُفِيَتْ جملةُ الإِحاطة ب «لم» وجملةُ إتيانِ التأويل ب «لمَّا» لأن «لم» للنفي المطلق على الصحيح، و «لَمَّا» لنفي الفعل المتصل بزمن الحال، فالمعنى: أنَّ عَدَمَ التأويل متصل بزمن الإِخبار.
و «كذلك» نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: مثل ذلك التكذيب كَذَّب الذين من قبلهم، أي: قبل النظر والتدبُّر.
وقوله: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ﴾ «كيف» خبر ل «كان» ، والاستفهامُ معلِّقٌ للنظر. قال ابن عطية: «قال الزجاج:» كيف «في موضع نصب على خبر كان، ولا يجوز أن يعمل فيها» انظر «لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يَعْمل فيه، هذا
стр. 4548
قانونُ النحويين لأنهم عاملوا» كيف «في كل مكان معاملةَ الاستفهامِ المَحْض في قولك» كيف زيد «ول» كيف «تصرُّفاتٌ غيرُ هذا فتحلُّ محلَّ المصدرِ الذي هو» كيفية «وتخلعُ معنى الاستفهام، ويحتمل هذا الموضعُ أن يكونَ منها. ومن تصرُّفاتها قولُهم:» كن كيف شئت «وانظر قول البخاري:» كيف كان بدء الوحي «فإنه لم يستفهم» . انتهى. فقول الزجاج «لا يجوز أن تعمل» انظر «في» كيف «يعني لا تتسلَّط عليها ولكن هو متسلِّطٌ على الجملة المنسحبِ عليها حكمُ الاستفهام وهكذا سبيلُ كلِّ تعليقٍ.
قال [الشيخ] :» وقولُ ابن عطية: هذا قانون النحويين إلى آخره ليس كما ذكر بل ل «كيف» معنيان، أحدُهما: الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة إلا أن يُعَلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يُستفهم بها إذا عُلِّق عنها العاملُ. والثاني: الشرط كقول العرب: «كيف تكونُ أكونُ» . وقوله: «ول» كيف «تصرفات إلى آخره ليس» كيف «تحلُّ محلَّ المصدر، ولا لفظ» كيفية «هو مصدرٌ، إنما ذلك نسبةٌ إلى» كيف «، وقوله:» ويحتمل أن يكونَ هذا الموضعُ منها، ومِنْ تصرفاتها قولهم: «كن كيف شئت» لا يَحْتمل أن يكون منها؛ لأنه لم يثبتْ لها المعنى الذي ذكر مِنْ كونِ «كيف» بمعنى كيفية وادِّعاءُ مصدرية «كيفية» .
وأمَّا «كن كيف شئت» ف «كيف» ليست بمعنى كيفية، وإنما هي شرطيةٌ وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف، التقدير: كيف شئت فكن، كما تقول: «قم متى شئت» ف «متى» اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه «قم» والجواب محذوف تقديره: متى شئت فقم، وحُذِفَ الجوابُ لدلالة ما قبله عليه كقولِهم: «اضربْ زيداً إن أساء إليك» ، التقدير: إن أساءَ إليك فاضرِبْه، وحُذِف «فاضربه» لدلالة «اضرِبْ» المتقدِّم عليه. وأمَّا قولُ
стр. 4549
البخاري: «كيف كان بدء الوحي» فهو استفهامٌ مَحْضٌ: إمَّا على سبيل الحكاية كأن سائلاً سأله فقال: كيف كان بَدْءُ الوحي، [وإما أن يكونَ من قوله هو، كأنه سأل نفسه: كيف كان بدء الوحي؟] فأجاب بالحديثِ الذي فيه كيفيةُ ذلك «.
وقوله: ﴿الظالمين﴾ مِنْ وَضْعِ الظاهر موضعَ المضمر، ويجوز أن يرادَ به ضميرُ مَنْ عاد عليه ضمير» بل كَذَّبوا «، وأن يُرادَ به ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
стр. 4550
قوله تعالى: ﴿مَّن يَسْتَمِعُونَ﴾ : مبتدأ وخبرهُ الجار قبله وأعاد الضميرَ جمعاً مراعاة لمعنى «مَنْ» ، والأكثرُ مراعاةُ لفظه كقوله:
﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾
стр. 4551
﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ : قال ابن عطية: «جاء» ينظر «على لفظ» مَنْ «، وإذا جاء على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخرُ على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها فلا يجوز أن/ يُعْطَفَ آخرُ على اللفظ لأنَّ الكلامَ يُلْبَسُ حينئذ» . قال الشيخ: وليس كما قال، بل يجوز أن تراعيَ المعنى أولاً فتعيدَ الضميرَ على حسبِ ما تريد من المعنى مِنْ تأنيثٍ وتثنية وجمعٍ، ثم تراعي اللفظَ فتعيدُ الضميرَ مفرداً مذكراً، وفي ذلك تفصيلٌ ذُكر في النحو «، قلت: قد تقدَّم تحريره أولَ البقرة.
стр. 4552
قوله تعالى: ﴿لاَ يَظْلِمُ الناس شيئاً﴾ : يجوز أن ينتصب «شيئاً» على المصدر، أي: شيئاً من الظلم قليلاً ولا كثيراً، وأن ينتصبَ مفعولاً ثانياً ل «يَظْلم» بمعنى: لا يُنْقِص الناسَ شيئاً من أعمالهم.
стр. 4553
قوله: ﴿ولكن الناس﴾ قرأ الأخَوان بتخفيف «لكن» ، ومن ضرورة ذلك كسرُ النونِ لالتقاء الساكنين وَصْلاً ورفع «الناس» ، والباقون بالتشديد ونصب «الناس» وتقدم توجيه ذلك في البقرة.
стр. 4554
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ﴾ : منصوب على الظرف. وفي ناصبه أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ بالفعل الذي تضمَّنه قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ الثاني: أنه منصوبٌ ب «يتعارفون» . والثالث: أنه منصوبٌ بمقدر، أي: اذكر يومَ. وقرأ الأعمش «يَحْشُرهم» بياء الغيبة، والضمير لله تعالى لتقدُّم اسمه في قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ﴾ .
قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ قد تقدَّم الكلامُ على «كأنْ» هذه. ولكن اختلفوا في محلِّ هذه الجملة على أوجهٍ، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف وهو «يوم» قاله ابن عطية. قال الشيخ: «لا يَصِحُّ لأنَّ» يومَ يحشرُهم «معرفةٌ والجملَ نكرات، ولا تُنْعَتُ المعرفةُ بالنكرة، لا يقال: إن الجملَ التي يُضاف إليها أسماءُ الزمانِ نكرةٌ على الإِطلاق لأنها إن كانَتْ في التقدير تَنْحَلُّ إلى معرفة فإن ما أُضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تَنْحَلُّ إلى نكرة كان ما أُضيف إليها نكرةً، تقول» مررت في يوم قَدِم زيدٌ الماضي «فتصِفُ» يوم «بالمعرفة، و» جئت ليلةَ قَدِم زيدٌ المباركة علينا «وأيضاً فكأنَّ لم يلبثوا لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهةِ المعنى؛ لأنَّ ذلك من وصف المحشورين لا مِنْ وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّفَ بعضُهم تقديرَ رابطٍ يَرْبطه
стр. 4555
فقدَّره» كأن لم يَلْبثوا قبله «فحذف» قبله «، أي: قبل اليوم، وحَذْفُ مثلِ هذا الرباطِ لا يجوز» ، قلت: قوله: «بعضهم» ، هو مكي ابن أبي طالب فإنه قال: «الكافُ وما بعدها مِنْ» كأنْ «صفةٌ لليوم، وفي الكلامِ حَذْفُ ضميرٍ يعودُ على الموصوفِ تقديرُه: كأنْ لم يَلْبثوا قبلَه، فحذف» قبل «فصارت الهاءُ متصلةً ب» يَلْبثوا «فحُذِفَتْ لطولِ الاسم كما تُحْذَفُ من الصِّلات» ونَقَل هذا التقدير أيضاً أبو البقاء ولم يُسَمِّ قائلَه فقال: «وقيل» فذكره.
والوجه الثاني: أن تكونَ الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول «يَحْشُرهم» ، أي: يَحْشُرهم مُشْبهين بمَنْ لم يلبث إلا ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري. وممَّنْ جَوَّز الحالية أيضاً ابنُ عطية ومكي وأبو البقاء، وجعله بعضُهم هو الظاهر.
الوجه الثالث: أن تكونَ الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: يَحْشُرهم حَشْراتً كأنْ لم يَلْبَثُوا «ذكر ذلك ابن عطية وأبو البقاء ومكي. وقدّر مكي وأبو البقاء العائد محذوفاً كما قَدَّراه حالَ جَعْلِهما الجملةَ صفةً لليوم، وقد تقدَّم ما في ذلك.
الرابع: قال ابن عطية:» ويَصِحُّ أن يكونَ قوله ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ كلاماً
следующие страницы →