← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ : قال ابن عطية: «جاء» ينظر «على لفظ» مَنْ «، وإذا جاء على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخرُ على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها فلا يجوز أن/ يُعْطَفَ آخرُ على اللفظ لأنَّ الكلامَ يُلْبَسُ حينئذ» . قال الشيخ: وليس كما قال، بل يجوز أن تراعيَ المعنى أولاً فتعيدَ الضميرَ على حسبِ ما تريد من المعنى مِنْ تأنيثٍ وتثنية وجمعٍ، ثم تراعي اللفظَ فتعيدُ الضميرَ مفرداً مذكراً، وفي ذلك تفصيلٌ ذُكر في النحو «، قلت: قد تقدَّم تحريره أولَ البقرة.

стр. 4552

قوله تعالى: ﴿لاَ يَظْلِمُ الناس شيئاً﴾ : يجوز أن ينتصب «شيئاً» على المصدر، أي: شيئاً من الظلم قليلاً ولا كثيراً، وأن ينتصبَ مفعولاً ثانياً ل «يَظْلم» بمعنى: لا يُنْقِص الناسَ شيئاً من أعمالهم.

стр. 4553

قوله: ﴿ولكن الناس﴾ قرأ الأخَوان بتخفيف «لكن» ، ومن ضرورة ذلك كسرُ النونِ لالتقاء الساكنين وَصْلاً ورفع «الناس» ، والباقون بالتشديد ونصب «الناس» وتقدم توجيه ذلك في البقرة.

стр. 4554

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ﴾ : منصوب على الظرف. وفي ناصبه أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ بالفعل الذي تضمَّنه قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ الثاني: أنه منصوبٌ ب «يتعارفون» . والثالث: أنه منصوبٌ بمقدر، أي: اذكر يومَ. وقرأ الأعمش «يَحْشُرهم» بياء الغيبة، والضمير لله تعالى لتقدُّم اسمه في قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ﴾ . قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ قد تقدَّم الكلامُ على «كأنْ» هذه. ولكن اختلفوا في محلِّ هذه الجملة على أوجهٍ، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف وهو «يوم» قاله ابن عطية. قال الشيخ: «لا يَصِحُّ لأنَّ» يومَ يحشرُهم «معرفةٌ والجملَ نكرات، ولا تُنْعَتُ المعرفةُ بالنكرة، لا يقال: إن الجملَ التي يُضاف إليها أسماءُ الزمانِ نكرةٌ على الإِطلاق لأنها إن كانَتْ في التقدير تَنْحَلُّ إلى معرفة فإن ما أُضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تَنْحَلُّ إلى نكرة كان ما أُضيف إليها نكرةً، تقول» مررت في يوم قَدِم زيدٌ الماضي «فتصِفُ» يوم «بالمعرفة، و» جئت ليلةَ قَدِم زيدٌ المباركة علينا «وأيضاً فكأنَّ لم يلبثوا لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهةِ المعنى؛ لأنَّ ذلك من وصف المحشورين لا مِنْ وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّفَ بعضُهم تقديرَ رابطٍ يَرْبطه

стр. 4555

فقدَّره» كأن لم يَلْبثوا قبله «فحذف» قبله «، أي: قبل اليوم، وحَذْفُ مثلِ هذا الرباطِ لا يجوز» ، قلت: قوله: «بعضهم» ، هو مكي ابن أبي طالب فإنه قال: «الكافُ وما بعدها مِنْ» كأنْ «صفةٌ لليوم، وفي الكلامِ حَذْفُ ضميرٍ يعودُ على الموصوفِ تقديرُه: كأنْ لم يَلْبثوا قبلَه، فحذف» قبل «فصارت الهاءُ متصلةً ب» يَلْبثوا «فحُذِفَتْ لطولِ الاسم كما تُحْذَفُ من الصِّلات» ونَقَل هذا التقدير أيضاً أبو البقاء ولم يُسَمِّ قائلَه فقال: «وقيل» فذكره. والوجه الثاني: أن تكونَ الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول «يَحْشُرهم» ، أي: يَحْشُرهم مُشْبهين بمَنْ لم يلبث إلا ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري. وممَّنْ جَوَّز الحالية أيضاً ابنُ عطية ومكي وأبو البقاء، وجعله بعضُهم هو الظاهر. الوجه الثالث: أن تكونَ الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: يَحْشُرهم حَشْراتً كأنْ لم يَلْبَثُوا «ذكر ذلك ابن عطية وأبو البقاء ومكي. وقدّر مكي وأبو البقاء العائد محذوفاً كما قَدَّراه حالَ جَعْلِهما الجملةَ صفةً لليوم، وقد تقدَّم ما في ذلك. الرابع: قال ابن عطية:» ويَصِحُّ أن يكونَ قوله ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ كلاماً

стр. 4556

مجملاً «ولم يُبَيِّنْ الفعلَ الذي يتضمَّنه ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ . قال الشيخ: «ولعلَّه أرادَ ما قاله الحوفي مِنْ أنَّ الكاف في موضعِ نصبٍ بما تضمَّنَتْه من معنى الكلام وهو السرعة» انتهى. قال: «فيكونُ التقدير: ويوم يحشرهم يُسْرعون كأنْ لم يَلْبثوا» قلت: فيكونُ «يسرعون» حالاً من مفعول «يَحْشرهم» ويكون ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ حالاً من فاعل «يُسْرعون» ، ويجوز أن تكونَ «كأنْ لم» مفسرةً ل «يُسْرعون» المقدرة. قوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أن الجملةَ في محل نصبٍ على الحال من فاعل «يَلْبثوا» . قال الحوفي: «يتعارفون» فعل مستقبلٌ في موضع الحال من الضمير في «يلبثوا» وهو العامل، كأنه قال: متعارفين، والمعنى اجتمعوا متعارفين «. والثاني: أنها حالٌ من مفعول» يَحْشُرهم «أي: يَحْشُرهم متعارفين والعاملُ فعلُ الحشر، وعلى هذا فَمَنْ جوَّز تعدُّدَ الحال جوَّز أن تكونَ» كأَنْ لم «حالاً أولى، وهذه حالٌ ثانية، ومَنْ مَنَعَ ذلك جَعَلَ» كأَنْ لم «على ما تقدم من غيرِ الحالية. قال أبو البقاء:» وهي حالٌ مقدرة لأنَّ التعارفَ لا يكونُ حالَ الحشر «. والثالث: مستأنفةٌ، أخبر تعالى عنهم بذلك قال الزمخشري:» فإن قلت: كأن لم يَلْبثوا ويتعارفون كيف موقعهما؟ قلت: أمَّا الأولى فحالٌ منهم أي: يَحْشُرهم مُشْبهين بمَنْ لم يَلْبث إلا ساعةً، وأمَّا الثانية: فإمَّا أن تتعلق بالظرف يعني فتكون حالاً وإما أن تكونَ مبينةً لقوله: كأن لم يَلْبثوا إلا ساعةً؛ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد وينقلب تناكراً «.

стр. 4557

قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ فيها وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة أخبر تعالى بأن المكذِّبينَ بلقائِه خاسرون لا محالة، ولذلك أتى بحرفِ التحقيق. والثاني: أن يكونَ في محل نصبٍ بإضمارِ قولٍ أي: قائلين قد خسر الذين. ثم لك في هذا القول المقدر/ وجهان، أحدهما: أنه حال مِنْ مفعول» يحشرهم «أي: يحشرهم قائلين ذلك. والثاني: أنه حالٌ من فاعل» يتعارفون «. وقد ذهب إلى الاستئناف والحالية مِنْ فاعل» يتعارفون «الزمخشري فإنه قال:» هو استئنافٌ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحشرهم «ثم قال:» قد خَسِر «على إرادة القولِ أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك» ، وذهبَ إلى أنها حالٌ من مفعول «يحشرهم» ابن عطية. قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ معطوفةً على قولِه «قد خَسِر» فيكونُ حكمُه حكمَه. والثاني: أن تكونَ معطوفةً على صلةِ الذين، وهي كالتوكيد للجملة التي وقعتْ صلةً؛ لأنَّ مَنْ كذَّب بلقاء الله غيرُ مهتدٍ.

стр. 4558

قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ : «إمَّا» هذه قد تقدَّم الكلامُ عليها مستوفىً. وقال ابن عطية: «ولأجلها أي: لأجل زيادةِ» ما «جاز دخولُ النونِ الثقيلة ولو كانَتْ» إنْ «وحدَها لم يَجُزْ» يعني أن توكيد الفعل بالنونِ مشروطٌ بزيادة «ما» بعد «إنْ» ، وهو مخَالفٌ لظاهرِ كلامِ سيبويه، وقد جاء التوكيد في الشرط بغير «إنْ» كقوله:

стр. 4559

٢٥٩٨ - مَنْ نثقفَنْ منهم فليس بآيبٍ ... أبداً وقَتْل بني قتيبةَ شافي قال ابن خروف: «أجاز سيبويهِ الإِتيانَ ب» ما «وأن لا يؤتى بها، والإِتيانُ بالنون مع» ما «وأن لا يؤتى بها» والإِراءَةُ هنا من البصر؛ ولذلك تعدَّى الفعلُ إلى اثنين بالهمزة أي: نجعلك رائياً بعضَ الموعودين «. قوله: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وفيه وجهان أظهرهما: أنه جوابٌ للشرط وما عُطف عليه، إذ معناه صالحٌ لذلك. وإلى هذا ذهب الحوفي وابن عطية. والثاني: أنه جوابٌ لقوله» أو نتوفَيَنَّك «، وجواب الأول محذوف قال الزمخشري:» كأنه قيل: وإمَّا نُرِيَنَّك بعضَ الذي نَعِدُهم فذاك، أو نتوفينَّك قبل أن نريك فنحن نُريك في الآخرة «. قال الشيخ:» فجعل الزمخشري في الكلام شرطين لهما جوابان، ولا حاجةَ إلى [تقدير] جواب محذوف لأنَّ قولهَ «فإلينا مَرْجعهم» صالحٌ لأن يكونَ جواباً للشرط والمعطوفِ عليه، وأيضاً فقولُ الزمخشري «فذاك» هو اسمٌ مفردٌ لا يَنْعقد منه جوابُ شرطٍ فكان ينبغي أن يأتي بجملةٍ يَصِحُّ منها جوابُ الشرط إذ لا يُفْهَمُ مِنْ قوله «فذاك» الجزء الذي حُذِف، المتحصَّل به فائدةُ الإِسناد «. قلت: قد تقررَّ أنَّ اسمَ الإِشارة قد يُشار به إلى شيئين فأكثر وهو بلفظِ الإِفراد، فكأنَّ ذاك واقعٌ موقعَ الجملة الواقعة جواباً، ويجوزُ أن يكونَ قد حُذِفَ الخبر لدلالة المعنى عليه إذ التقديرُ: فذاك المراد أو المتمنَّى أو نحوه. وقوله:» إذ لا يُفْهم الجزء الذي حُذِف «إلى آخره ممنوعٌ بل هو مفهومٌ كما رأيت، وهي شيءٌ يَتبارد إليه الذهن.

стр. 4560

قوله: ﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌ﴾ ليست هنا للترتيب الزماني بل هي لترتيبِ الأخبارِ لا لترتيبِ القصصِ في أنفسها. قال أبو البقاء:» كقولك زيدٌ عالم ثم هو كريم «. وقال الزمخشري:» فإن قلت: اللَّهُ شهيدٌ على ما يفعلون في الدارَيْن فما معنى ثم؟ قلت: ذُكِرَت الشهادة، والمراد مقتضاها ونتيجتها، وهو العقاب، كأنه قيل: ثم الله معاقِبٌ على ما يفعلونه «. وقرأ إبرهيم ابن أبي عبلة» ثَمَّ «بفتح الثاء جعله ظرفاً لشهادة الله، فيكون» ثَمَّ «منصوباً ب» شهيد «أي: اللَّهُ شهيدٌ عليهم في ذلك المكان، وهو مكانُ حَشْرِهم. ويجوز أن يكونَ ظرفاً لمَرْجِعهم أي: فإلينا مَرْجِعُهم يعني رجوعهم في ذلك المكانِ الذي يُثاب فيه المُحْسِن ويُعاقَبُ فيه المسيءُ.

стр. 4561

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ : فيه وجهان أحدهما: أنه استثناءٌ متصل تقديرُه: إلا ما شاء الله أن أَمْلكه وأٌقْدِر عليه. والثاني: أنه منقطعٌ. قال الزمخشري: «هو استثناءٌ منقطع أي: ولكنْ ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أَمْلك لكم الضررَ وجَلْبَ العذاب؟» .

стр. 4562

قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ : قد تقدَّم الكلام على/ «أَرَأَيْتَ» هذه، وأنها تتضمَّن معنى أخبرني فتتعدى إلى اثنين، ثانيهما غالباً جملة استفهامية فينعقد منها مع ما قبلها مبتدأٌ وخبرٌ كقولِهم: «أرأيتَك زيداً ما صنع» وتقدَّم مذاهبُ الناسِ فيها في سورة الأنعام فعليك باعتباره ثَمَّة. ومفعولُها الأول في هذه الآية الكريمة محذوفٌ، والمسألةُ من بابِ الإِعمال لأنه تنازع

стр. 4563

أرأيت وأتاكم في «عذاب» ، والمسألةُ من إعمال الثاني، إذ هو المختار عند البصريين، ولمَّا أعمله أضمر في الأول وحَذَفَه، لأنَّ إبقاءَه مخصوصٌ بالضرورة، أو جائزُ الذكرِ على قلةٍ عند آخرين، ولو أعمل الأول لأضمرَ في الثاني؛ إذ الحذف منه لا يكون إلا في ضرورة أو في قليلٍ من الكلام، ومعنى الكلام: قل لهم يا محمد أخبروني عن عذاب الله إن أتاكم، أيُّ شيءٍ تستعجلون منه، وليس شيءٌ من العذاب يُسْتعجل به لمرارته وشدة إصابته فهو مُقْتَضٍ لنفورِ الطَّبَع منه. قال الزمخشري «فإن قلت: بم يتعلَّق الاستفهامُ وأين جوابُ الشرط؟ قلت: تعلَّق ب» أرأيتم «لأن المعنى: أخبروني ماذا يَسْتعجل منه المجرمون، وجوابُ الشرط محذوف وهو» تَنْدموا على الاستعجال «أو» تعرفوا الخطأ فيه «. قال الشيخ:» وما قَدَّره غيرُ سائغ لأنه لا يُقَدَّر الجوابُ إلا ممَّا تقدَّمَه لفظاً أو تقديراً تقول: «أنت ظالمٌ إن فعلت» التقدير: إن فعلت فأنت ظالم، وكذلك: ﴿وَإِنَّآ إِن شَآءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] التقدير: إن شاءَ الله نَهْتَدِ، فالذي يُسَوِّغ أن يُقَدَّر: إن أتاكم عذابه فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون «. وقال الزمخشري أيضاً:» ويجوزُ أن يكونَ «ماذا يَسْتعجل منه المجرمون» جواباً للشرط كقولك: إنْ أَتَيْتك ما تُطْعمني؟ ثم تتعلَّق الجملةُ ب «أرأيتم» ، وأن يكونَ «أثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به» . جواباً للشرط، و «ماذا يَسْتعجل منه المجرمون» اعتراضاً، والمعنى: إنْ أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعِه حينَ لا ينفعكم الإِيمان «. قال الشيخ:» أمَّا تجويزُه أن يكون «ماذا»

стр. 4564

جواباً للشرط فلا يَصِح، لأن جوابَ الشرط إذا كان استفهاماً فلا بد فيه من الفاء تقول: إنْ زارنا فلان فأيُّ رجل هو، وإن زارَنا فلانٌ فأيُّ يدٍ له بذلك، ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورةٍ، والمثالُ الذي ذكره وهو «إن أتيتك ما تُطْعمني؟» هو مِنْ تمثيلهِ لا من كلام العرب. وأمَّا قوله: «ثمَّ تتعلَّق الجملةُ ب» أرأيتم «إن عنى بالجملة» ماذا يَسْتعجل «فلا يصحُّ ذلك، لأنه قد جعلها جواباً للشرط، وإن عَنَى بالجملة جملةَ الشرط فقد فسَّر هو» أرأيتم «بمعنى أخبروني، و» أخبرني «يطلب متعلقاً مفعولاً، ولا تقع جملةُ الشرط موقعَ مفعول أخبرني. وأمَّا تجويزُه أن يكون «أثم إذا ما وقع آمنتم به» جواباً للشرط و «ماذا يستعجل منه المجرمون» اعتراضاً فلا يَصِحُّ أيضاً لِما ذكرناه مِنْ أنَّ جملةَ الاستفهام لا تقع جواباً للشرط إلا ومعها فاءُ الجواب، وأيضاً ف «ثم» هنا هي حرف عطفٍ تَعْطِفُ الجملةَ التي بعدها على التي قبلها، فالجملةُ الاستفهامية معطوفةٌ، وإذا كانت معطوفة لم يَصِحَّ أن تقعَ جوابَ الشرط، وأيضاً ف «أرأيتم» بمعنى «أخبروني» تحتاج إلى مفعول، ولا تقعُ جملةُ شرط موقعَه «. وكونُ» أرأيتم «بمعنى» أخبروني «هو الظاهر المشهور. وقال الحوفي:» الرؤيةُ مِنْ رؤية القلب التي بمعنى العلم لأنها داخلةٌ على الجملة من الاستفهام التي معناها التقرير، وجوابُ الشرط محذوفٌ، وتقديرُ الكلام: أرأيتم ما يستعجل من العذاب المجرمون إنْ أتاكم عذابه «. انتهى، فهذا ظاهرٌ في أنَّ» أرأيتم «غيرُ مضمنةٍ معنى الإِخبار، وأن الجملةَ الاستفهامية سَدَّت مَسَدَّ المفعولين، ولكن المشهور الأول. / قوله: ﴿مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذه الكلمة ومذاهبِ الناس فيها. وجَوَّز بعضُهم هنا أن تكون» ما «مبتدأً و» ذا «خبره، وهو موصولٌ

стр. 4565

بعني الذي، و» يستعجل «صلتُه وعائدُه محذوفٌ تقديره: أيُّ شيء الذي يستعجله منه أي من العذاب، أو من الله تعالى. وجوَّز آخرون كمكي وأنظارِه أن يكونَ» ماذا «كلُّه مبتدأً أي: يُجعل الاسمان بمنزلةِ اسمٍ واحد، والجملةُ بعده خبره. وقال أبو علي:» وهو ضعيفٌ لخلوِّ الجملةِ من ضمير يعود على المبتدأ «. وقد أجاب أبو البقاء عن هذا فقال:» ورُدَّ هذا القول بأنَّ الهاء في «منه» تعودُ على المبتدأ كقولك: «زيدٌ أَخَذْتُ منه درهماً» . قلت: ومِثْلُ أبي علي لا يخفى عليه مثل ذلك، إلا أنه لا يَرَى عَوْدَ الهاءِ على الموصولِ لأن الظاهرِ عَوْدُها على العذاب. قال الشيخ: «والظاهرُ عَوْدُ الضمير في» منه «على العذاب، وبه يَحْصُل الربطُ لجملةِ الاستفهامِ بمفعول» أرأيتم «المحذوف الذي هو مبتدأٌ في الأصل» . وقال مكي: «وإن شئت جعلت» ما «و» ذا «بمنزلة اسمٍ واحدٍ في موضع رفع بالابتداء، والجملةُ التي بعده الخبر، والهاءُ في» منه «تعود أيضاً على العذاب» . قلت: فقد تُرك المبتدأُ بلا رابطٍ لفظي حيث جَعَل الهاءَ عائدةً على غير المبتدأ فيكون العائدُ عند محذوفاً. لكنه قال بعد ذلك: «فإنْ جعلت الهاء في» منه «تعود على الله جلَّ ذكره و» ما «و» ذا «اسماً واحداً كانت» ما «في موضع نصب ب» يستعجل «والمعنى: أيَّ شيء يستعجل المجرمون من الله» فقوله هذا يؤذنَ بأن الضميرَ لمَّا عاد على غير المبتدأ جعله مفعولاً مقدماً، وهذا الوجهُ بعينه جائزٌ فيما إذا جُعل الضمير عائداً على العذاب. ووجهُ الرفعِ على الابتداء جائزٌ فيما إذا جُعِل الضمير عائداً على الله تعالى إذ العائدُ الرابطُ مقدرٌ كما تقدم التنبيهُ عليه.

стр. 4566

قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ﴾ : قد تقدَّم خلافُ الزمخشري للجمهور في ذلك، حيث يقدِّر جملةً بين همزة الاستفهام وحرف العطف. و «ثمَّ» حرفُ عطف، وقد قال الطبري ما لا يوافَق عليه فقال: «وأثُمَّ هذه بضمِّ الثاء ليست التي بمعنى العطف، وإنما هي بمعنى هنالك» فإن كان قَصَدَ تفسير المعنى وهو بعيدٌ فقد أبهم في قوله، لأن هذا المعنى لا يُعْرَفُ في «ثُمَّ» بضم الثاء، إلا أنه قد قرأ طلحة بن مصرف «أثَمَّ» بفتح الثاء، وحينئذ يَصِحُّ تفسيرها بمعنى هنالك. قوله: ﴿الآنَ﴾ قد تقدَّم الكلام في «الآن» . وقرأ الجمهور «ألآن» بهمزة استفهام داخلة على «الآن» وقد تقدم مذاهب القراء في ذلك. و «الآن» نصبٌ بمضمر تقديره: الآن آمنتم. ودلَّ على هذا الفعلِ المقدرِ الفعلُ الذي تقدَّمه وهو قولُه: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ . ولا يجوز أن يعملَ فيه «آمنتم» الظاهرُ؛ لأنَّ ما قبلَ الاستفهام لا يَعْمل فيما بعده، كما أنَّ ما بعدَه لا يعملُ فيما قبله لأنَّ له صدرَ الكلام، وهذا الفعلُ المقدرُ ومعمولُه على إضمار قول أي: قِيل لهم إذ آمنوا بعد وقوعِ العذابِ: آمنتم الآن به. والقراءةُ بالاستفهامِ هي قراءةُ العامة، وقد عَرَفْتَ تخريجَها. وقرأ عيسى وطلحة «آمنتم به الآن» بوصل الهمزة من غيرِ استفهامٍ، وعلى هذه القراءةِ ف «الآن» منصوبٌ ب «آمنتم» هذا الظاهر. قولُه: ﴿وَقَدْ كُنتُم﴾ جملةٌ حاليةٌ. قال الزمخشري: ﴿وَقَدْ كُنتُم بِهِ

стр. 4567

تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يعني تُكَذِّبون، لأنَّ استعجالَهم كان على جهةِ التكذيبِ والإِنكارِ «. قلت: فَجَعَله من باب الكناية لأنه دلالةٌ على الشيءِ بلازِمِه نحو» هو طويلُ النِّجاد «كَنَيْتَ به عن طولِ قامتِه؛ لأنَّ طولَ نِجادِه لازمٌ لطول قامتِه وهو باب بليغ.

стр. 4568

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ : هذه الجملةُ على قراءةِ العامة عطفٌ على ذلك الفعلِ المقدَّرِ الناصبِ ل «الآن» ، وعلى قراءةِ طلحة هو استئنافُ إخبارٍ عَمَّا يُقال لهم يومَ القيامة، و «ذوقوا» ، و «هل تُجْزَوْن» كلُّه في محلِّ نصبٍ بالقول، وقوله «إلا بما» هو المفعولُ الثاني ل «تُجْزَون» ، والأولُ قائمٌ مقامَ الفاعلِ، وهو استثناءٌ/ مفرغ.

стр. 4569

قوله تعالى: ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ : يجوز أن يكونَ «حَقٌّ» مبتدأ و «هو» مرفوعاً بالفاعلية سدَّ مَسَدَّ الخبر، و «حق» وإن كان في الأصلِ مصدراً ليس بمعنى اسم فاعل ولا مفعول، لكنه في قوةِ «ثابت» فلذلك رَفَعَ الظاهرَ. ويجوز أن يكون «حَقٌّ» خبراً مقدماً و «هو» مبتدأً مؤخراً. واختلف في «يَسْتَنْبِئُونك» هذه هل هي متعديةٌ إلى واحد أو إلى اثنين أو إلى ثلاثة؟ فقال الزمخشري: «ويَسْتَنْبِئونك فيقول: أحقٌّ هو» فظاهرُ هذه العبارةِ أنها متعديةٌ لواحد، وأن الجملةَ الاستفهاميةَ في محلِّ نصبٍ بذلك القولِ المضمرِ المعطوفِ على «يَسْتَنْبِئُونك» وكذا فَهِم عنه الشيخ أعني تعدِّيَها لواحدٍ. وقال مكي: «أحقٌّ هو ابتداءٌ وخبرٌ في موضعِ المفعولِ الثاني إذا جَعَلْتَ» يستنبؤنك «بمعنى يَسْتَخْبِرونك، فإذا جَعَلْتَ» يستنبئونك «

стр. 4570

بمعنى يَسْتَعْلِمونك كان» أحقٌّ هو «ابتداءً وخبراً في موضع المفعولَيْن لأنَّ» أَنْبأ «إذا كان بمعنى أَعْلَم كان متعدياً إلى ثلاثةِ مفعولِيْن يجوزُ الاكتفاءُ بواحدٍ، ولا يجوزُ الاكتفاء باثنين دون الثالث، وإذا كانت» أنبأ «بمعنى أَخْبر تَعَدَّتْ إلى مفعولَيْن، لا يجوز الاكتفاءُ بواحد دون الثاني: وأنبأ ونبَّأ في التعدِّي سواءٌ» . وقال ابنُ عطية: «معناه يَسْتَخْبرونك، وهو على هذا يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما الكافُ، والآخرُ في الابتداء والخبر» فعلى ما قال تكون «يَسْتنبئونك» معلقة بالاستفهام، وأصل استنبأ أن يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما ب «عن» ، تقول: اسْتَنْبأت زيداً عن عمرو أي: طلبت منه أن يُنْبِئَني عن عمرو. ثم قال: «والظاهر أنها تحتاج إلى مفعولِين ثلاثةٍ أحدُهما الكافُ، والابتداءُ والخبرُ سَدَّ مَسَدَّ المفعولَيْن» . قال الشيخ: «وليس كما ذكر لأن» استعلم «لا يُحْفظ كونُها متعديةً إلى مفاعيلَ ثلاثةٍ، لا يُحْفظ» استعملت زيداً عمراً قائماً «فتكونُ جملةُ الاستفهامِ سَدَّتْ مَسدَّ المفعولين، ولا يَلْزَمُ مِنْ كونها بمعنى» يَسْتعلمونك «أن تتعدَّى إلى ثلاثة؛ لأنَّ» استعلم «لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ كما ذكرنا» . قلت: قد سَبَقَ أبا محمد إلى هذا مكي بن أبي طالب كما قدَّمْتُ حكايته عنه، والظاهرُ جوازُ ذلك، ويكون التعدي إلى ثالث قد حَصَلَ بالسين، لأنهم نَصُّوا على أن السين تُعَدّي، فيكونُ الأصلُ: «علم زيدٌ عمراً قائماً» ثم تقول: «استعلمْتُ زيداً عمراً قائماً» ، إلا أنَّ النحويين نَصُّوا على أنه لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ إلا «عَلِم» و «رأى» المنقولَيْن بخصوصيةِ همزةِ التعدِّي إلى ثالثٍ، وأنبأ ونَبَّأ وأخبر وخبَّر وحدَّث.

стр. 4571

وقرأ الأعمش «آلحقُّ» بلامِ التعريف. قال الزمخشري: «وهو أَدْخَلُ في الاستهزاء لتضمُّنه معنى التعريض بأنه باطلٌ، ذلك أن اللامُ للجنس وكأنه قيل: أهو الحقُّ لا الباطلُ، أو: أهو الذي سَمَّيْتموه الحق» . قوله: ﴿إي﴾ حرفُ جوابٍ بمعنى نعم ولكنها تختصُّ بالقسم أي: لا تُسْتعمل إلا في القسم بخلافِ نعم. قال الزمخشري: «وإي بمعنى نعم في القسم خاصةً كما كان» هل «بمعنى» قد «في الاستفهامِ خاصةً، وسَمِعْتهم يقولون في التصديق» إيْوَ «فَيَصِلُونه بواو القسم ولا يَنْطِقون به وحده» . قال الشيخ: «لا حجَّةَ فيما سمعه لعدمِ الحُجة في كلامِ مَنْ سمعه لفسادِ كلامه وكلامِ مَنْ قبله بأزمانٍ كثيرة» . وقال ابن عطية: «وهي لفظةٌ تتقدَّم القسمَ بمعنى نعم، ويجيءُ بعدها حرفُ القسم وقد لا يجيءُ تقول: إي وربي، إي ربي» . قوله: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يجوزُ أن تكونَ الحجازيةَ، وأن تكونَ التميميةَ، لخفاءِ النصبِ أو الرفع في الخبر. وهذا عند غيرِ الفارسي وأتباعِه، عني جوازَ زيادةِ الباء في خبر التميمية. وهذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما: أن تكون معطوفةً على جوابِ القسم، فيكونَ قد أجاب القسم بجملتين إحداهما مثبتةٌ مؤكَّدةٌ ب «إنَّ» واللام، والأخرى منفيةٌ مؤكَّدةٌ بزيادة الباء. والثاني: أنها مستأنفةٌ سِيْقَتْ للإِخبار بعَجْزهم عن التعجيز. و «مُعْجز» مِنْ أعجز فهو متعدٍّ لواحدٍ كقوله تعالى: ﴿وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً﴾ [الجن: ١٢] فالمفعول هنا محذوفٌ أي:

стр. 4572

بمعجزين الله. وقال الزجاج: «أي: ما أنتم مِمَّن يُعْجِزُ مَنْ يُعَذِّبكم» . ويجوز أن يكونَ استُعْمل استعمَال اللازم؛ لأنه قد كثُر فيه حَذْفُ المفعولِ حتى قالت العرب: «أعْجزَ فلانٌ» : إذا ذهب في الأرض فلم يُقْدَرْ عليه.

стр. 4573

قوله تعالى: ﴿لاَفْتَدَتْ بِهِ﴾ : «افتدى» يجوز أن يكون متعدياً وأن يكونَ قاصراً، فإذا كان مطاوعاً ل «فَدَى» كان قاصراً تقول: فَدَيْتُه فافتدى، ويكونُ بمعنى فَدَى فيتعدى لواحد. والفعلُ هنا يحتملُ الوجهين: فإنْ جعلناه متعدياً فمفعولُه محذوفٌ تقديرُه: لافتدَتْ به نفسَها، وهو في المجاز كقولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] . وقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ / قيل: «أسرَّ» مِنَ الأضداد، يُسْتعمل بمعنى أظهر، كقوله الفرزدق: ٢٥٩٩ - ولمَّا رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه ... أسَرَّ الحَرُوريُّ الذي كانوا أضمرا وقول الآخر: ٢٦٠٠ - فأسرَرْتُ الندامةَ يوم نادى ... بِرَدِّ جِمالِ غاضِرةَ المُنادي ويُسْتعمل بمعنى: «أخفى» وهو المشهورُ في اللغةِ كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] وهو في الآيةِ يحتمل الوجهين. وقيل: إنه ماض على بابه قد وقع. وقيل: بل هو بمعنى المستقبل. وقد أبعدَ بعضُهم فقال: «أسرُّوا الندامةَ» أي: بَدَتْ بالندامة أسِرَّةُ وجوهِهم أي: تكاسيرُ جباهِهم. و ﴿لَمَّا رَأَوُاْ﴾ يجوز أن تكونَ حرفاً، وجوابُها محذوف لدلالة ما تقدَّم

стр. 4574

عليه، وهو المتقدمُ عند مَنْ يَرى تقديمَ جواب الشرط جائزاً. ويجوز أن تكونَ بمعنى حين والناصبُ لها «أسَرُّوا» . وقوله: «ظلَمْت» في محل جرِّ صفةٍ ل «نفس» أي: لكل نفس ظالمة. و ﴿مَّا فِي الأرض﴾ اسمُ أن، و «لكلٍ» هو الخبر. وقوله: ﴿وَقُضِيَ﴾ يجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، وهوالظاهر، ويجوز أن يكونَ معطوفاً على «رأوا» فيكونَ داخلاً في حَيِّز «لَمَّا» والضميرُ في «بينهم» يعودُ على «كل نفس» في المعنى. وقال الزمخشري: «بين الظالمين والمظلومين، دلَّ على ذلك ذِكْرُ الظلم» وقال بعضُهم: إنه يعود على الرؤساء والأتباع. و «بالقسط» يجوز أن تكونَ الباءُ للمصاحبةِ، وأن تكونَ للآلة.

стр. 4575

وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ : قدَّمَ الجارَّ للاختصاص أي: إليه لا إلى غيرِه تُرْجَعون ولأجل الفواصل. وقرأ العامَّةُ: «تُرْجَعون» بالخطاب. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر «يُرْجَعُون» بياء الغَيْبة.

стр. 4576

قوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ : يجوز أن تكونَ «مِنْ» لابتداء الغاية فتتعلَّقَ حينئذ ب «جاءَتْكم» ، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، ويجوز أن تكونَ للتبعيضِ فتتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفة لموعظة أي: موعظةٌ كائنةٌ مِنْ مواعظِ ربكم. وقوله: ﴿مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ من باب ما عُطِف فيه الصفات بعضُها على بعض أي: قد جاءتكم موعظةٌ جامعةٌ لهذه الأشياءِ كلِّها. و «شِفاء» في الأصلِ مصدرٌ جُعِل وَصْفاً مبالغة، أو هو اسمٌ لما يُشْفَى به أي: يداوى، فهو كالدواءِ لما يداوى. و ﴿لِّمَا فِي الصدور﴾ يجوزُ أن يكونَ

стр. 4577

صفةً ل «شفاء» فيتعلَّقَ بمحذوف، وأن تكونَ اللامُ زائدةً في المفعول؛ لأن العاملَ فرعٌ إذا قلنا بأنه مصدرٌ. وقوله: «للمؤمنين» محتملٌ لهذين الوجهين وهو من التنازع؛ لأنَّ كلاً من الهدى والرحمة يَطْلبه.

стр. 4578

قوله تعالى: ﴿بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾ : في تعلُّق هذا الجارِّ أوجهٌ، أحدُها: أنَّ «بفضل» و «برحمته» متعلقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: بفضل الله وبرحمته ليَفْرحوا بذلك فَلْيفرحوا، فحذفَ الفعلَ الأولَ لدلالة الثاني عليه، فهما جملتان، ويدلُّ على ذلك قولُ الزمخشري: «أصلُ الكلام: بفضل الله وبرحمته فَلْيفرحوا فبذلك والتكرير للتأكيد والتقريرِ وإيجابِ اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دونَ ما عَداهما من فوائدِ الدنيا، فحُذِفَ أحدُ الفعَلْين لدلالةِ المذكورِ عليه، والفاء داخلةٌ لمعنى الشرط كأنه قيل: إنْ فَرِحوا بشيءٍ فَلْيَخُصُّوهما بالفرح فإنه لا مفروحَ به أحقُّ منهما. الثاني: أن الجارَّ الأولَ متعلقٌ أيضاً بمحذوفٍ دلَّ عليه السياقُ والمعنى، لا نفس الفعلِ الملفوظِ به والتقديرُ: بفضل الله وبرحمتِه فَلْيَعْتَنوا فبذلك فليفرحوا قاله الزمخشري. الثالث: أن يتعلق الجارُّ الأول ب» جاءتكم «قال الزمخشري:» ويجوز أن يُراد «قد جاءَتْكم موعظةٌ بفضلِ الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، أي فبمجيئِها فَلْيفرحوا» . قال الشيخ: «أما إضمار» فليعتنوا «فلا دليلَ عليه» قلت: الدلالةُ عليه من السياق واضحةٌ، وليس شرطُ الدلالةِ أن تكونَ لفظية. وقال الشيخ: «وأمَّا تعلُّقه بقوله:» قد جاءتكم «فينبغي أن يقدَّرَ

стр. 4579

محذوفاً بعد» قل «، ولا يكونُ متعلِّقاً ب» جاءتكم «الأولى للفصل بينهما ب» قل «. قلت: هذا إيرادٌ واضحٌ، ويجوزُ أن تكونَ» بفضل الله «صفةً ل» موعظة «أي: موعظةٌ مصاحبةٌ أو ملتبسَةٌ بفضل الله. الرابع: قال الحوفي:» الباءُ متعلقةٌ بما دَلَّ عليه المعنى أي: قد جاءتكم الموعظةُ بفضل الله «. الخامس: أنَّ الفاءَ الأولى زائدةٌ، وأن قولَه» بذلك «بدلٌ مِمَّا قبله وهو ﴿بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾ وأُشير بذلك إلى اثنين وهما الفضلُ والرحمةُ كقوله: / ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] ، وكقوله: ٢٦٠١ - إنَّ للخيرِ وللشرِ مَدَى ... وكِلا ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ وفي هاتين الفاءَيْن أوجهٌ، أحدُهما: أنَّ الأولى زائدةٌ، وقد تقدَّم تحريرُه في الوجه الخامس. الثاني: أن الفاءَ الثانية مكررةٌ للتوكيد، فعلى هذا لا تكونُ الأولى زائدةً، ويكونُ أصلُ التركيبِ: فبذلك ليفرحوا، وعلى القولِ الأول قبله يكون أصلُ التركيب: بذلك فَلْيفرحوا. الثالث: قال أبو البقاء:» الفاءُ الأولى مرتبطةٌ بما قبلها، والثانيةُ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: فليَعْجبوا بذلك فَلْيفرحوا كقولهم: «زيداً فاضربه أي: تَعمَّدْ زيداً فاضْرِبه» . والجمهورُ على «فَلْيفرحوا» بياء الغيبة. وقرأ عثمان بن عفان وأبيّ وأنس والحسن وأبو رَجاء وابن هرمز وابن سيرين بتاء الخطاب، وهي قراءةُ رسول الله ﷺ . قال الزمخشري: «وهو الأصلُ والقياسُ» .

стр. 4580

وقال الشيخ: «إنها لغةٌ قليلة» يعني أن القياسَ أن يُؤْمَرَ المخاطب بصيغة افعل، وبهذا الأصلِ قرأ أُبَيُّ «فافرحوا» وهي في مصحفِه كذلك، وهذه قاعدةٌ كليةٌ: وهي أن الأمر باللام يَكْثُر في الغائب والمخاطبِ المبني للمفعول مثال الأول: «ليقم زيداً» وكالآية الكريمة في قراءة الجمهور، ومثال الثاني: ليُعْنَ بحاجتي، ولتُضْرَبْ يا زيد. فإن كان مبنياً للفاعل كان قليلاً كقراءة عثمان ومن معه. وفي الحديث «لتأخذوا مصافَّكم» بل الكثيرُ في هذا النوع الأمرُ بصيغة افْعَلْ نحو: قم يا زيد وقوموا، وكذلك يَضْعُف الأمر باللام للمتكلم وحده أو ومعه غيره، فالأول نحو «لأقُمْ» تأمر نفسك بالقيام، ومنه قوله ﵇: «قوموا فلأصلّ لكم» . ومثالُ الثاني: لنقمْ أي: نحن وكذلك النهي، ومنه قول الشاعر: ٢٦٠٢ - إذا ما خَرَجْنا مِنْ دمشقَ فلا نَعُدْ ... بها أبداً ما دام فيها الجُراضِمُ ونَقَل ابن عطية عن ابنِ عامر أنه قرأ «فَلْتَفْرحوا» خطاباً، وهذه ليست مشهورةً عنه. وقرأ الحسن وأبو التيَّاح «فَلِيفرحوا» بكسرِ اللام، وهو الأصل. قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ «هو» عائدٌ على الفضل والرحمة، وإن

стр. 4581

كانا شيئين؛ لأنهما بمعنى شيء واحد، عُبِّر عنه بلفظتين على سبيل التأكيد، ولذلك أُشير إليهما بإشارة الواحد. وقرأ ابن عامر «تَجْمعون» بالتاء خطاباً وهو يحتمل وجهين أحدُهما: أن يكونَ من باب الالتفات فيكونَ في المعنى كقراءة الجماعة، فإن الضمير يُراد به مَنْ يراد بالضمير في قولِه: «فَلْيفرحوا» . والثاني: أنه خطابٌ لقوله: ﴿ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] ، وهذه القراءةُ تناسبُ قراءةَ الخطاب في قوله: «فَلْيفرحوا» ، وقد تقدَّم أن ابنَ عطية نقلها عنه أيضاً.

стр. 4582

قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ : هذه بمعنى أخبروني. وقوله «ما أنزل» يجوزُ أن تكونَ «ما» موصولةً بمعنى الذي، والعائدُ محذوفُ أي: ما أنزله، وهي في محل نصبٍ مفعولاً أول، والثاني هو الجملةُ من قوله: ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ والعائدُ من هذه الجملةِ على المفعولِ الأول محذوفٌ تقديرُه: اللَّهُ أَذِن لكم فيه. واعتُرِضَ على هذه بأنَّ قولَه «قُلْ» يمنع من وقوع الجملةِ بعده مفعولاً ثانياً. وأُجيب عنه بأنه كُرِّر توكيداً. ويجوز أن تكونَ «ما» استفهامية منصوبةً المحلِّ ب «أَنْزَلَ» وهي حينئذ مُعَلِّقَةٌ ل «أَرَأَيْتم» ، وإلى هذا ذهب الحوفي والزمخشري. ويجوز أن تكونَ «ما» الاستفهاميةُ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، والجملةُ من قوله: ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ خبره، والعائدُ محذوفٌ كما تقدَّم أي: أَذِن لكم فيه، وهذه الجملةُ الاستفهاميةُ معلِّقَةٌ ل «أَرَأَيتم» ، والظاهرُ من هذه الوجهِ هو الوجهُ الأولُ، لأنَّ فيه إبقاءَ «أرأيت» على بابها مِنْ تَعَدِّيها إلى اثنين، وأنها مؤثرةٌ في أولِهما بخلافِ جَعْلِ «ما» استفهاميةً فإنها معلقةٌ ل «أرأيت» وسادَّةٌ مَسَدَّ المفعولين.

стр. 4583

وقوله: ﴿مِّن رِّزْقٍ﴾ يجوزُ أن يكونَ حالاً من الموصول، وأن تكونَ «مِنْ» لبيان الجنس و «أنزل» على بابها وهو على حَذْف مضاف أي: أنزله من سببِ رزقٍ وهو المطر. وقيل: تُجُوِّز بالإِنزال عن الخلقِ كقولِه ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام﴾ [الزمر: ٦] . قوله: ﴿أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ في «أم» هذه وجهان أحدهما: أنها متصلةٌ عاطفةٌ/ تقديرُه: أخبروني: آللَّهُ أَذِنَ لكم في التحليلِ والتحريم، فإنهم يفعلون ذلك بإذنه أم يَكْذِبون على الله في نسبة ذلك إليه. والثاني: أن تكونَ منقطعةً. قال الزمخشري: «ويجوز أن تكونَ الهمزةُ للإِنكار و» أم «منقطعةٌ بمعنى: بل أَتَفْترون على الله، تقريراً للافتراء» . والظاهر هو الأول إذ المعادلةُ بين هاتين الجملتين اللتين بمعنى المفردين واضحةٌ، إذ التقدير: أيُّ الأمرينِ وَقَعَ: إذْنُ اللَّهِ لكم في ذلك أم افتراؤكم عليه؟

стр. 4584

قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ﴾ : «ما» مبتدأةٌ استفهامية، و «ظنُّ» خبرُها، و «يومَ» منصوبٌ بنفس الظن، والمصدرُ مضافٌ لفاعلِه، ومفعولا الظن محذوفان، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يَظُنُّ الذين يَفْترون يومَ القيامة أني فاعلٌ بهم أَأُنجيهم من العذاب أم أنتقمُ منهم؟ وقرأ عيسى بن عمر: «وما ظَنَّ الذين» جَعَلَه فعلاً ماضياً والموصولُ فاعلُه، و «ما» على هذه القراءة استفهاميةٌ أيضاً في محلِّ نصبٍ على المصدرِ، وقُدّمَتْ لأنَّ الاستفهامَ له صدرُ الكلام والتقدير: أيَّ ظنٍ ظنَّ المفترون، و «ما» الاستفهاميةُ قد تَنُوب عن المصدر، ومنه قول الشاعر: ٢ ٦٠ ٣ -

стр. 4585

ماذا يَغيرُ ابنَتْي رَبْعٍ عويلُهما ... لا تَرْقُدان ولا بؤسى لمَنْ رَقَدا وتقول: «ما تَضْرب زيداً» ، تريد: أيَّ ضربٍ تَضْربه. قال الزمخشري: أتى به فعلاً ماضياً، لأنه واقعٌ لا محالةَ، فكأنه قد وقع وانقضى «وهذا لا يستقيمُ هنا لأنه صار نصاً في الاستقبال لعملهِ في الظرف المستقبل وهو يومُ القيامة، وإن كان بلفظ الماضي.

стр. 4586

قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ﴾ : «ما» نافية في الموضعين، ولذلك عَطَفَ بإعادة «لا» النافية، وأَوْجب ب «إلا» بعد الأفعال لكونها منفيةً. و «في شأن» خبر «تكون» والضميرُ في «منه» عائدٌ على «شأن» و «مِنْ قرآن» تفسير للضمير، وخُصَّ من العمومِ، لأنَّ القرآنَ هو أعظمُ شؤونه ﷺ . وقيل: يعودُ على التنزيل، وفُسِّر بالقرآن لأنَّ كلَّ جزء منه قرآن، وإنما أَضْمَرَ قبل الذكرِ تعظيماً له. وقيل: يعود على الله، أي: وما تتلو مِنْ عند الله من قرآنٍ. وقال أبو البقاء: «من الشأن» ، أي: مِنْ أجله، و «من قرآن» مفعول «تتلو» و «مِنْ» زائدةٌ «. يعني أنها زِيْدت في المفعول به، و» من «الأولى جارةٌ للمفعولِ مِنْ أجله، تقديره: وما تتْلو من أجل الشأن قرآناً، وزِيْدَت لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ والمجرور نكرةٌ. وقال مكي:» منه «الهاء عند الفراء تعود على الشأن على تقديرِ حَذْفِ مضافٍِ تقديرُه: وما تتلو من أجل الشأن، أي: يحدث لك شأنٌ فتتلو القرآنَ من أجله» . والشَّأْنُ مصدرُ شَأنَ يَشْأَنُ شَأَنَه، أي: قَصَد يَقْصِدُ قَصْدَه، وأصلُه الهمز، ويجوز تخفيفه. والشأن أيضاً الأمرُ، ويُجْمع على شُؤُون.

стр. 4587

وقوله: ﴿إِلاَّ كُنَّا﴾ هذه الجملةُ حاليةٌ وهو استثناء مفرغ، وولي «إلا» هنا الفعلُ الماضي دون قد لأنه قد تقدَّمها فعلٌ وهو مُجَوِّز لذلك. وقوله: «إذ» هذا الظرفُ معمولٌ ل «شُهودا» ولمَّا كانت الأفعالُ السابقةُ المرادُ بها الحالةُ الدائمةُ وتنسحب على الأفعالِ الماضيةِ كان الظرفُ ماضياً، وكان المعنى: وما كنت، وما تكون، ولا عَمِلْتم، إلا كنا عليكم شهوداً، إلا أفضتم فيه. و «إذ» تُخَلِّصُ المضارعَ لمعنى الماضي. قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ قرأ الكسائي هنا وفي سبأ «يَعْزِب» بكسرِ العين، والباقون بضمها، وهما لغتان في مضارع عَزَبَ، يقال: عَزَب يَعْزِب العين، ويَعْزُب، أي: غابَ حتى خفي، ومنه الروضُ العازِبُ. قال أبو تمام: ٢٦٠٤ - وقَلْقَلَ نَأْيٌ مِنْ خراسانَ جَأْشَها ... فقلتُ اطمئنِّي أَنْضَرُ الروضِ عزِبُه وقيل للغائب عن أهله: عازِب، حتى قالوا لمن لا زوجَ له: عازب. وقال الراغب: «العازِبُ: المتباعِدُ في طلب الكلأ. ويقال: رجل عَزَبٌ وامرأة عَزَبة، وعَزَب عنه حِلْمُه، أي: غاب، وقوم مُعَزَّبون، أي: عَزَبَتْ عنهم إبلُهم، وفي الحديث:» من قرأ القرآن في أربعين يوماً فقد عَزَب «، أي: فقد بَعُد عهدُه بالخَتْمة. وقال قريباً منه الهروي فإنه قال: /» أي: بَعُدَ عهدُه بما ابتدأ منه وأبطأ في تلاوتِه «، وفي حديث أم مَعْبد:» والشاءُ عازِبٌ حِيال «، قال:» والعازِب: البعيدُ الذهابِ في المَرْعَى. والحائلُ: التي ضَرَبَها

стр. 4588

الفحلُ فلم تَحْمل لجُدُوبة السَّنة. وفي الحديث أيضاً: «أصبحنا بأرضٍ عَزيبةٍ صحراءَ» ، أي: بعيدةِ المرعى. ويقال للمال الغائب: عازِب، وللحاضرِ عاهِن. والمعنى في الآية: وما يَبْعُد أو ما يخفى أو ما يَغيب عن ربك. و «مِنْ مِثْقال» فاعل، و «مِنْ» مزيدةٌ فيه، أي: ما يبعد عنه مثقالُ. والمثْقال هنا: اسمٌ لا صفةٌ، والمعنيُّ به الوزنُ، أي: وزن ذرة. قوله: ﴿وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ﴾ قرأ حمزة برفع راء «أَصْغر» و «أكبر» ، والباقون بفتحها. فأما الفتحُ ففيه وجهان، أحدهما: وعليه أكثر المُعْربين أنه جَرٌّ، وإنما كان بالفتحةِ لأنه لا يَنْصَرف للوزن والوصف، والجرُّ لأجلِ عطفِه على المجرور وهو: إمَّا «مثقال» ، وإمَّا «ذرة» . وأمَّا الوجهُ الثاني فهو أنَّ «لا» نافيةٌ للجنس، و «أصغر» و «أكبر» اسمُها، فهما مَبْنيان على الفتح. وأمَّا الرفعُ فمن وجهين أيضاً، أشهرهُما عند المُعْربين: العطفُ على محل «مثقال» إذ هو مرفوعٌ بالفاعلية و «مِنْ» مزيدة فيه كقولك: «ما قام مِنْ رجل ولا امرأة» بجرِّ «امرأة» ورَفِعْها. والثاني: أنه مبتدأ، قال الزمخشري: «والوجهُ النصبُ على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسِه، وفي العطفِ على محل» مثقال ذرة «، أو على لفظ» مثقال ذرة «فتحاً في موضع الجرِّ لامتناع الصرف إشكالٌ؛ لأنَّ قولَك:» لا يَعْزُب عنه شيءٌ إلا في كتاب مشكل «انتهى. وهذان الوجهان اختيار الزجاج، وإنما كان هذا مُشْكلاً عنده لأنه يصير التقدير: إلا في كتاب مبين فيعزبُ، وهو كلامٌ لا يصحُّ. وقد يزول هذا الإِشكالُ بما ذكره أبو البقاء: وهو أن يكون ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ استثناءٌ منقطعاً، قال: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ ، أي: إلا هو في كتاب، والاستثناءُ منقطع» .

стр. 4589

وقال الإِمام فخر الدين بعد حكايته الإِشكالَ المتقدم: «أجاب بعضُ المحققين مِنْ وجهين، أحدهما: أن الاستثناءَ منقطع، والآخر: أن العُزوبَ عبارةٌ عن مُطْلق البعد، والمخلوقاتِ قسمان، قسمٌ أوجده اللهُ ابتداءً مِنْ غير واسطةٍ كالملائكة والسمواتِ والأرض، وقسمٌ أوجده بواسطةِ القسم الأول مثلِ الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، وهذا قد يتباعدُ في سلسلةِ العِلِّيَّة والمعلولِيَّة عن مرتبة وجود واجبِ الوجود، فالمعنى: لا يَبْعد عن مرتبة وجوده مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين، كتبه الله وأثبت فيه صورَ تلك المعلومات» . قلت: فقد آل الأمرُ إلى أنه جَعَله استثناءً مفرغاً، وهو حال من «أصغر» و «أكبر» ، وهو في قوة الاستثناءِ المتصل، ولا يُقال في هذا: إنه متصل ولا منقطع، إذ المفرَّغُ لا يُقال فيه ذلك. وقال الجرجاني: «إلا» بمعنى الواو، أي: وهو في كتاب مبين، والعربُ تضعُ «إلا» موضعَ واو النسق كقوله: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] . وهذا الذي قاله الجرجانيُّ ضعيفٌ جداً، وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألة في البقرة، وأنه شيءٌ قال به الأخفش، ولم يَثْبُت ذلك بدليل صحيح. وقال الشيخ أبو شامةَ: «ويُزيل الإِشكالَ أن تُقَدِّر قبلَ قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ » ليس شيء من ذلك إلا في كتاب «وكذا تقدِّر في آية الأنعام. ولم يُقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يُقَوِّي قولَ مَنْ يقول إنه معطوف

стр. 4590

على» مثقال «ويُبَيِّنه أن» مثقال «فيها بالرفع، إذ ليس قبله حرفُ جر. وقد تقدَّمَ الكلامُ على نظير هذه المسألة والإِشكالُ فيها في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ [يونس: ٥٩] ، إلى قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٥٩] ، وأنَّ صاحبَ» النظم «الجرجانيَّ هذا أحال الكلامَ فيها على الكلامِ في هذه السورة، وأن أبا البقاء قال:» لو جَعَلْناه كذا لفَسَدَ المعنى «، وقد بيَّنْتُ تقريرَ فسادِه والجوابَ عنه في كلام طويل هناك فعليك باعتبارِه ونَقْلِ ما يمكن نَقْلُه إلى هنا.
следующие страницы →