← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ [الكهف: ٣٢] . وقال أبو البقاء:» وقيل: المعنى: ونبات/ زرعٍ فَعَطَفه على المعنى «. قلت: ولا أدري ما هذا الجوابُ؟ لأنَّ الذين يمنع أن تكون الجنةُ من الزرعِ يمنع أن تكونَ من نباتِ الزرع، وأيُّ فرق؟ والصَّنْوانُ: جَمْع صِنْوٍ كقِنْوان جمع قِنْو، وقد تقدم تحقيق هذه البنية في الأنعام. والصِّنْوُ: الفَرْعُ، يَجْمعه وفرعاً آخر أصلٌ واحدٌ، وأصله المِثْلُ، وفي الحديث:» عَمُّ الرجل صِنْوُ أبيه «، أي: مثلُه، أو لأنهما يجمعهما أصلٌ واحد. والعامَّة على كسرِ الصاد. وقرأ السلمي وابن مصرِّف وزيدُ بن علي بضمِّها، وهي لغةُ قيسٍ وتميم، كذِئْب وذُؤْبان. وقرأ الحسنُ وقتادةُ بفتحها، وهو اسمُ جمعٍ لا جمعُ تكسيرٍ؛ لأنه ليس مِنْ أبنيتِه فَعْلان، ونظيرُ» صَنْوان «بالفتح» السَّعْدان «. هذا جمعُه في الكثرةِ، وأمَّا في القِلَّة فيُجْمع على أَصْنَاءٍ كحِمْل وأَحْمال. قوله:» يُسْقَى «قرأه بالياء مِنْ تحتُ ابنُ عامر وعاصمٌ، أي: يُسقى

стр. 5147

ما ذُكِرَ، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ مراعاةً للفظِ ما تقدم، وللتأنيث في قولِه» بعضَها «. قوله: «ونُفَضِّل» قرأه بالياء مِنْ تحتُ مبنياً للفاعل الأخَوان، والباقون بنونِ العظمة. ويحيى بن يعمر وأبو حيوة «يُفَضَّل» بالياء مبنياً للمفعول، «بعضُها» رفعاً. قال أبو حاتم: «وَجَدْتُه كذلك في مصحف يحيى بن يعمر» وهو أولُ مَنْ نَقَّط المصاحفَ. وتقدَّم الخلاف في «الأُكُل» في البقرة. و ﴿فِي الأكل﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه ظرفٌ للتفضيل. والثاني: أنه حال من «بعضها» ، أي: نُفضِّل بعضَها مأكولاً، أي: وفيه الأكلُ، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ مِنْ جهة المعنى والصناعة.

стр. 5148

قوله تعالى: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ : يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه خبرٌ مقدمٌ، و «قولُهم» مبتدأ مؤخرٌ، ولا بد مِنْ حَذْفِ صفةٍ لتتِمَّ الفائدةُ، أي: فَعَجَبٌ أيُّ عَجَبٍ، أو غريب ونحوه. والثاني: أنه مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءُ ما ذكرتْهُ مِن الوصفِ المقدِّرِ، ولا يَضُرُّ حينئذٍ كونُ خبِرهِ، معرفةً،

стр. 5149

وهذا كما اَعْرب سيبويهِ «كم» مِنْ «كم مالُك» و «خيرٌ» مِنْ «اقصِدْ رجلاً خيرٌ منه أبوه» مبتدأين لمسوِّغِ الابتداء بهما، وخبرُهما معرفةً. قاله الشيخ وللنزاعِ فيه مجالٌ. على أنَّ هناك عِلَّةً لا تَتَأتَّى ههنا: وهي أن الذي حَمَلَ سيبويهِ على ذلك في المسألتين أنَّ أكثرَ ما يقع موقعَ «كم» و «خير» ما هو مبتدأ، فلذلك حَكَمَ عليهما بحكمِ الغالبِ بخلافِ ما نحن فيه. الثالث: أنَّ «عجبٌ» مبتدأٌ بمعنى مُعْجِب، و «قولُهم» فاعلٌ به، قاله أبو البقاء، ورَدَّ عليه الشيخُ: بانهم نَصُّوا على أن «فَعَلاً» و «فُعْلَة» و «فِعْلاً» يَنُوب عن مفعولٍ في المعنى ولا يعمل عملَه، فلا تقول: مررتُ برجلٍ ذِبْحٍ كبشُه، ولا غُرْفةٍ ماؤه، ولا قَبَضٍ مالُه «. قلت: وأيضاً فإن الصفاتِ لا تعملُ إلاَّ إذا اعتمَدَتْ على أشياءَ مخصوصةٍ، وليس منها هنا شيءٌ. قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يجوز في هذه الجملةِ الاستفهاميةِ وجهان، أحدُهما: -وهو الظاهر- أنها منصوبةُ المحلِّ لحكايتها بالقولِ. والثاني: أنها وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ بدلاً مِنْ قولُهم» ، وبه بدأ الزمخشري، ويكون بدلَ كلٍ مِنْ كل، لأنّ هذا هو نفسُ قولِهم. و «إذا» هنا ظرفٌ محضٌ، وليس فيها معنى الشرطِ، والعاملُ فيها مقدرٌ يُفَسِّره ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديرُه: أإذا كنا تراباً نُبْعَثُ أو نُحْشَر، ولا يَعْمل فيها ﴿خَلْقٍ

стр. 5150

جَدِيدٍ﴾ لأنَّ ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها أيضاً «كُنَّا» لإِضافتها إليها. واختلف القرَّاءُ في هذا الاستفهامِ المكررِ اختلافاً منتشراً، وهو في أحدِ عشرَ موضعاً من القرآن، فلا بُدَّ مِنْ تَعيينِها وبيانِ مراتبِ القرَّاء فيها، فإنَّ في ضبطها عُسْراً يَسْهُل بعَوْنِ الله تعالى: أمَّا المواضعُ المذكورةُ، فأوَّلُها ما في هذه السورة. الثاني والثالث كلاهما في «الإِسراء» وهما: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الآيتان: ٤٩، ٩٨] موضعان الرابع: في «المؤمنون» ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الآية: ٨٢] . وفي «النمل» : ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [الآية: ٦٧] ، وفي «العنكبوت» : ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ [الآيتان: ٢٨، ٢٩] . وفي «ألم، السجدة» ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الآية: ١٠] . وفي «الصافات» موضعان، وفي الواقعة موضعٌ: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦، ٥٣، الواقعة: ٤٧] . وفي «النازعات» : ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ [الآية: ١١] .

стр. 5151

هذه هي المواضعُ المختلَفُ فيها، وأمَّا ضبطُ الخلافِ فيها بالنسبةِ إلى القرَّاء ففيه طريقان، أحدهما بالنسبة إلى ذِكْر القُرَّاء، والثاني: بالنسبة إلى ذِكْر السُّوَر وهذا الثاني أقربُ، فلذلك بَدَأْتُ به فأقول: هذه المواضعُ تنقسم قسمين: قسمٌ منها سبعةُ مواضعَ لها حكمٌ واحدٌ، وقسمٌ منها أربعةُ مواضعَ، لكلٍ منها حكمٌ على حِدَته. أمَّا القسم الأول: فمنه في هذه السورة، والثاني والثالث في سبحان، والرابع في المؤمنين، والخامس في ألم السجدة، والسادس والسابع في الصَّافات، وقد عَرَفْتَ أعيانَها ممَّا تقدَّمَ. أمَّا حكمُها: فإنَّ نافعاً والكسائيَّ يستفهمان في الأول ويُخْبران في الثاني، وأن ابنَ عامرٍ يُخْبِر في الأول، ويستفهم في الثاني، وأنَّ الباقين يَسْتفهمون في الأول والثاني. وأمَّا القسمُ الثاني: فأوَّله [ما في سورة النمل] ، وحكمُه: أنَّ نافعاً يُخْبِر في الأول ويستفهم في الثاني، وأن ابنَ عامر والكسائي يعكِسُه، أي: يَسْتفهمان في الأول ويُخْبِران في الثاني، وأنَّ الباقين يَسْتفهمون فيهما. الثاني: ما في سورة العنكبوت، وحكمُه: أن نافعاً وابنَ كثير وابنَ عامرٍ وحفصاً يُخْبرون في الأول ويستفهمون في الثاني، وأن الباقين يستفهمون فيهما.

стр. 5152

الثالث: ما في سورة الواقعة، وحكمُه: أن نافعاً والكسائيَّ يستفهمان في الأول، ويُخبران في الثاني، وأن الباقين يستفهمون فيهما. الرابع ما في سورة النازعات، وحكمه: أنَّ نافعاً وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول ويخبرون في الثاني، وأنَّ الباقين يستفهمون فيهما. وأمَّا الطريقُ الآخرُ بالنسبة إلى القراء فأقول: إن القراء فيها على أربعِ مراتبَ، والأولى: ان نافعاً ﵀ قرأ بالاستفهام في الأول وبالخبر في الثاني، إلا في النمل والعنكبوت فإنه عَكَس. المرتبة الثانية: أن ابن كثير وحفصاً قرآ بالاستفهام في الأول والثاني، إلا الأولَ من العنكبوت فقرآه بالخبر. المرتبة الثالثة: أن ابنَ عامر قرأ بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني، إلا في النمل والواقعة والنازعات، فقرأ في النمل والنازعات بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما. المرتبة الرابعة: الباقون -وهم أبو عمرو وحمزة وأبو بكر- قرؤوا بالاستفهام في الأول والثاني، ولم يخالِفْ أحدٌ منهم أصلَه، وإنما ذكرت هذين الطريقين لعُسْرهما وصعوبةِ استخراجهما من كتب القراءات. ثم الوجهُ في قراءةِ مَن، استفهم في الأول والثاني قَصْدُ المبالغة في الإِنكار، فاتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيداً له، والوجهُ في قراءة منْ أتى به في مرة واحدةً حصولُ المقصودِ به؛ لأنَّ كلَّ جملة مرتبطةٌ بالأخرى، فإذا أنكرَ في إحداهما حَصَل الإِنكار في الأخرى، وأمَّا مَنْ خالف أصلَه في شيءٍ من ذلك فلاتِّباعِ الأثَر.

стр. 5153

قوله تعالى: ﴿قَبْلَ الحسنة﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بالاستعجال ظرفاً له، والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حالٌ مقدَّرةٌ مِن «السَّيِّئة» قاله أبو البقاء.

стр. 5154

قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ يجوز أن تكونَ حالاً وهو الظاهر، وأن تكونَ مستأنفةً. والعامَّةُ على فتح الميم وضمِّ المثلثة، الواحدة «مَثُلَة» كسَمُرَة وسَمُرات، وهي العقوبةُ الفاضحة. قال ابن عباس:: العقوباتُ المستأصِلات كَمَثُلَةِ قَطْعِ الأذن والأنف ونحوِهما «، سُمِّيَت بذلك لما بين العقاب والمُعَاقَب من المماثلة كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، أو لأَخْذِها من المِثال بمعنى القِصاص، يقال: أَمْثَلْتُ الرجلَ منْ صاحبِه وأقْصَصْته، بمعنى واحد، أو لأخْذِها مِنْ ضَرْبِ المَثَل لعِظَم شأنها. وقرأ ابن مُصَرِّف بفتح الميم وسكون الثاء. قيل: وهي لغةُ الحجاز في» مَثْلة «. / وقرأ ابن وثَّاب بضمِّ الميم وسكونِ الثاء، وهي لغة تميم. وقرأ الأعمشُ ومجاهدٌ بفتحهما، وعيسى بن عمر وأبو بكرٍ في روايةٍ بضمهما. فأمَّا الضمُّ والإِسكانُ فيجوز أن يكونَ أصلاً بنفسه لغة، وأن يكونَ مخففاً مِنْ قراءة مَنْ ضمَّهما. وأمَّا ضمُّهما فيُحْتمل أيضاً أن يكونَ اصلاً بنفسه لغةً، وأن يكونَ إتباعاً مِنْ قراءة الضمِّ والإِسكان نحو: العُسُرِ في العُسْر، وقد عُرِفَ ما فيه. قوله: ﴿على ظُلْمِهِمْ﴾ حال من» للناس «. والعامل فيها قال أبو البقاء:» مغفرة «يعني أنه هو العامل في صاحبها.

стр. 5155

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أن هذا كلامٌ مستأنفٌ مستقلٌ من مبتدأ وخبر. الثاني: أنَّ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ متعلقٌ بهادٍ، و «هادٍ» نَسَقٌ على مقدَّر، أي: إنما أنت منذرٌ وهادٍ لكل قوم. وفي هذا

стр. 5156

الوجهِ الفصلُ بين حرفِ العطفِ والمعطوف بالجارِّ، وفيه خلافٌ تقدَّم. ولمَّا ذكر الشيخ هذا الوجهَ لم يذكر هذا الإِشكالَ، ومِنْ عادته ذِكْرُه رادّاً به على الزمخشري. الثالث: أنَّ هادياً خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: [إنما أنت منذرٌ] ، وهو لكلِّ قومٍ هادٍ، ف «لكلِّ» متعلقٌ به أيضاً. ووقف ابن كثير على «هادٍ» و ﴿وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] حيث وقعا، وعلى ﴿وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] هنا [وباقٍ في التخل بإثبات] الياء، وحَذَفها الباقون. ونقل ابن مجاهد عنه أنه يقف بالياء في جميع الباب، ونَقَل عن ورش أنه خَيَّر في الوقف [بين الياءِ وحَذْفِها، والباب] هو كلُّ منقوصٍ منوَّنٍ غيرِ منصوبٍ.

стр. 5157

قوله تعالى: ﴿الله يَعْلَمُ﴾ : يجوز في الجلالة وجهان، أحدُهما: أنها خبرٌ مبتدأٍ مضمر، [أي: هو الله، وهذا] على قول مَنْ فَسَّر هادياً بأنه هو الله تعالى، فكأنَّ هذه الجملةَ تفسيرٌ له، وهذا عَنَى الزمخشريُّ بقوله: «وأن يكونَ المعنى: هو الله تفسيراً لهادٍ على الوجه الأخير، ثم ابتدأ

стр. 5158

فقال:» يَعْلَم «. والثاني: أن الجلالةَ مبتدأ و» يَعْلَمُ «خبرُها، وهو كلامٌ مستأنفٌ مستقلٌّ. قال الشيخ:» ويَعْلَمُ هنا متعديةٌ إلى واحدٍ، لأنه لو يُراد هنا النسبةُ، إنما المرادُ تعلُّق العلمِ بالمفردات «. قلت: وإذا كانت كذلك كانت عِرْفانيةً، وقد قدَّمْتُ أنه لا ينبغي أن يجوزَ نسبةُ هذا إلى اللهِ تعالى، وحَقَّقْتُه فيما تقدَّم، فعليك باعتباره في موضعه من سورة الأنفال. قوله: ﴿مَا تَحْمِلُ﴾ :» ما «تحتمل ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: أن تكون موصولةً اسميةً، والعائدُ محذوف، أي: ما تحمله. والثاني: أن تكونَ مصدريةً فلا عائدَ. والثالث: أن تكونَ استفهاميةً، وفي محلها وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و» تحملُ «خبرُه، والجملة معلِّقةٌ للعلمِ. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ ب» تَحْمل «قاله أبو البقاء، وهو أوْلى، لأنه لا يُحْوِجُ إلى حَذْفِ عائدٍ، ولا سيما عند البصريين فإنهم لا يُجيزون» زيدُ ضربْت «، ولم يذكرِ الشيخُ غيرَ هذا، ولم يتعرَّضْ لهذا الاعتراضِ. و» ما «في قوله ﴿وَمَا تَغِيضُ. . . وَمَا تَزْدَادُ﴾ محتملةٌ للأوجهِ المتقدمة. وغاض وزاد سُمِع تعدِّيهما ولزومُهما، فلك أن تدَّعيَ حَذْفَ العائدِ على القول بتعدِّيهما، وأن تجعلَها مصدريةً على القولِ بمصدرهما. قوله:» عندَه «يجوزُ أن يكونَ مجرورَ المحلِّ صفةً لشيءٍ، أو مرفوعَه

стр. 5159

صفةً ل» كل «، أو منصوبهَ لقوله» بمقدار «أو ظرفاً للاستقرار الذي تَعَلَّق به الجارُّ لوقوعِه خبراً.

стр. 5160

قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الغيب﴾ : يجوز أن يكونَ مبتدأً وخبرُه ﴿الكبير المتعال﴾ ، وأن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هو عالِمٌ. وقرأ زيد بن عليّ «عالِمَ» نصباً على المدح. ووقف ابن كثير وأبو عمرو في روايةٍ على ياء «المتعال» وصلاً ووقفاً، وهذا هو الأشهرُ في لسانهم، وحَذَفَها الباقون وصلاً ووقفاً لحَذْفِها في الرسم. واستسهل سيبويه حَذْفَها في الفواصل والقوافي ولأن «أل» تعاقِبُ التنوين، فَحُذِفَتْ معها إجراءً لها مُجْراها.

стр. 5161

قوله تعالى: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ﴾ : في «سواءٌ» وجهان، أحدُهما: أنه خبرٌ مقدَّمٌ، و ﴿مَّنْ أَسَرَّ﴾ و ﴿وَمَنْ جَهَرَ﴾ هو المبتدأ، وإنما بم يُثَنَّ الخبر لأنه في الأصل مصدرٌ، وهو هنا بمعنى مُسْتَوٍ، وقد تقدَّم الكلامُ فيه أوَّلَ هذا الموضوعِ، و «منكم» على هذا حالٌ من الضمير المستتر في «سواءٌ» لأنه بمعنى «مُسْتَوٍ» . قال أبو البقاء: «ويَضْعُفُ أن يكونَ حالاً من الضمير في» أَسَرَّ «أو» جَهَرَ «لوجهين، أحدُهما: تقديمُ ما في الصلةِ على الموصولِ أو الصفة على الموصوف، والثاني: تقديمُ الخبرِ على» منكم «،

стр. 5162

وحقُّه أن يقعَ بعده» . قلت: [قوله] «وحقُّه أن يقع بعده» يعني بعده وبعد المبتدأ، وإلا يَصِرْ/ كلامُه لا معنى له. والثاني: أنه مبتدأ، وجاز الابتداءُ به لوصفِه بقوله «مِنْكم» وأَعْرَبَ سيبويه «سواءٌ عليه الخيرُ والشرُّ» كذلك. وقولُ ابن عطية أن سيبويه ضَعَّفَ ذلك بأنه ابتداءٌ بنكرة، غَلَطٌ عليه. قوله: ﴿وَسَارِبٌ بالنهار﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على «مُسْتَخْفٍ» ، ويُرادُ ب «مَنْ» حينئذٍ اثنان، وحَمَلَ المبتدأَ الذي هو لفطةُ «هو» على لفظِها فأفرده، والخبرَ على معناها فثَنَّاه. الوجه الثاني: أن يكونَ عطفاً على « ﴿مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ لا على مُسْتَخْفٍ وحدَه. ويُرَجِّح هذين الوجهين ما قاله الزمخشري. قال ﵀:» فإنْ قلت: كان حقُّ العبارة أن يُقال: «ومَنْ هو مُسْتَخْفٍ بالليل ومَنْ هو ساربٌ بالنهار؛ حتى يتناولَ معنى الاستواء المستخفي والساربُ، وإلاَّ فقد تناول واحداً هو مُسْتَخْفٍ وساربٌ. قلت: فيه وجهان، أحدٌهما: أنَّ قولَه» وساربٌ «عطفٌ على ﴿مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ لا على» مُسْتَخْفٍ «. والثاني: أنه عَطْفٌ على» مُسْتَخْفٍ «، إلا أنَّ» مَنْ «في معنى الاثنين، كقوله: ٢٨٤ - ٣-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطَحِبانِ كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: ﴿مُسْتَخْفٍ بالليل وَسَارِبٌ بالنهار﴾ .

стр. 5163

قلت: وفي عبارتِه بقوله» كان حقُّ العبارةِ كذا «سوءُ أدب. وقوله: كقولِه» نَكُنْ مثلَ مَنْ «يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضِهم مع ذئبٍ يخاطبه: تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتَني ولا تَخُونُني ... نَكُنْ مِثْل مَنْ يا ذئبُ يَصْطَحِبان وليس في البيت حَمْلٌ على اللفظِ والمعنى، إنما فيه حَمْلٌ على المعنى فقط، وهو مقصودُه. وقوله:» وإلا فقد تناول واحداً هو مُسْتَخْفٍ وسارِبٌ «لو قال بهذا قائلٌ لأصاب الصوابَ، وهو مذهبُ ابنِ عباس ومجاهدٍ، ذهبا إلى أن المتسخفي والسارب شخصٌ واحد، يَسْتخفي بالليل ويَسْرُب بالنهار ليرى تصرُّفَه في الناسِ. الثالث: أن يكونَ على حذف» مَنْ «الموصولة، أي: ومَنْ هو سارِبٌ، وهذا إنما يَتَمَشَّى عند الكوفيين، فإنهم يُجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدَّم استدلالُهم ذلك. والسَّارِب: اسمُ فاعلٍ مِنْ سَرَبَ يَسْرُبُ، أي: تَصَرَّف كيف شاء. قال: ٢٨٤ - ٤- أنَّى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سَرُوْبِ ... وتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريبِ وقال آخر: ٢٨٤ - ٥- وكلُّ أُناسٍ قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... ونحنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فهو سارِبُ

стр. 5164

أي: متصرِّفٌ كيف تَوَجَّه، لا يدفعه أحدٌ عن مَرْعى، يَصِفُ قومه بالمَنَعَة والقوة.

стр. 5165

قوله تعالى: ﴿لَهُ﴾ الضميرُ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه عائدٌ على «مَنْ» المكررة، أي: لِمَنْ أسرَّ القولَ ولِمَنْ جَهَرَ به ولِمَنْ استخفى وسَرَب مُعَقِّبات، أي: جماعة من الملائكة يَعْقُبُ بعضُهم بعضاً. الثاني: أنه يعود على «مَنْ» الأخيرةِ، وهو قولُ ابن عباس. قال ابنُ عطية: «والمُعَقِّبات على هذا: حَرَسُ الرَّجُلِ وجَلاوِزَتُه الذين يحفطونَه. قالوا: والآيةُ على هذا في الرؤساء الكفارِ، واختاره الطبري في آخرين» ، إلا أنَّ الماورديَّ ذكر على التأويلِ أنَّ الكلامَ نفيٌ، والتقدير: لا يحفطونه. وهذا ينبغي أن [لا] يُسْمَعَ البتة، كيف يَبْرُزُ كلامٌ موجَبٌ ويُراد به نفي؟ وحَذْفُ «لا» إنما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعاً في جوابِ قسمٍ نحو: ﴿تَالله تَفْتَؤُاْ﴾ [يوسف: ٨٥] وقد تقدَّم تحريرُه، وإنما معنى الكلام -كما قال المهدوي -يحفظونه مِنْ أمرِ اللهِ في ظنِّه وزعمه. الثالث: أنَّ الضميرَ في «له» يعود على الله تعالى ذِكْرُه، وفي «يَحْفظونه» للعبد، أي: لله ملائكةٌ يحفظون العبدَ من الآفات، ويحفطون عليه أعمالَه، قاله الحسن. الرابع: عَوْدُ الضميرين على النبي ﵇، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ قريبٌ، ولتقدُّم ما يُشعر به في قوله: ﴿لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ٨] .

стр. 5166

ومعَقِّبات: جمع «مُعَقِّب» بزنة مُفَعِّل، مِنْ عَقَّب الرجلُ إذا جاء على عَقِب الآخر؛ لأنَّ بعضَهم يعَقِّب بعضاً، أو لأنهم يُعَقِّبون ما يتكلم به. وقال الزمخشري: «والأصلُ معْتَقِبات، فَأُدْغمت التاءُ في القاف كقوله: ﴿وَجَآءَ المعذرون﴾ [التوبة: ٩٠] ، أي:: المُعْتَذِرُون» ، ويَجوز «مُعَقِّبات» بكسر العين ولم يقرأ به. وقال الشيخ: «وهذا وهمٌ فاحشٌ لا تُدْغم التاءُ في القاف، ولا القاف في التاء، لا مِنْ كلمةٍ ولا مِنْ كلمتين، وقد نصَّ التصريفيون على أن القافَ والكاف كلٌ منهما يُدْغم في الآخر، ولا يدغمان في غيرهما، ولا يُدْغم غيرهما فيهما. وأمَّا تشبيهُه بقوله: ﴿وَجَآءَ المعذرون﴾ فلا يتعيَّن أن يكونَ أصلُه» المُعْتَذِرون «وقد تقدَّم توجيهُه، وأنه لا يتعيَّن ذلك فيه. وأمَّا قوله» ويجوز «مُعَقِّبات» بكسر العين فهذا لا يجوز لأنه بناه على أنَّ أصلَه «مُتَعَقِّبات» فأُدْغِمَت التاءُ في القافِ، وقد بيَّنَّا أنَّ ذلك وهمٌ فاحشٌ «/. وفي» مُعَقِّبات «احتمالان، أحدهما: أن يكون» مُعَقِّبة «بمعنى مُعَقِّب والتاء للمبالغة كعلاَّمَة ونسَّابة، أي: مَلَكٌ مُعَقِّبٌ، ثم جُمِع كعلاَّمات ونسَّابات. والثاني: أن يكون» مُعَقِّبة «صفةً لجماعة، ثم جُمِع هذا الوصفُ. وذكر ابن جرير أنَّ» مُعَقِّبة «جمعُ مُعَقِّب، وشبَّه ذلك برجل ورِجال ورجالات. قال الشيخ:» وليس كما ذَكَر، إنما ذلك كَجَمَل وجِمال

стр. 5167

وجِمالات، ومُعَقِّبة ومُعَقِّبات إنما هي كضاربةِ وضاربات. ويمكن أن يُجابَ عنه بأنه يريد بذلك أنه أُطْلِق مِنْ حيث الاستعمالُ على جمع مُعَقَّب، وإن كان أصلُه أن يُطْلَق على مؤنث «مُعَقِّب» ، فصار مثلَ «الوارِدَة» للجماعة الذين يَرِدُون، وإن كان أصلُه للمؤنثة من جهةِ أن جموعَ التكسير في العقلاء تُعَامَلُ معاملةَ المؤنثة في الإِخبار وعَوْدِ الضمير، ومنه قولهم «الرجال وأعضادُها» ، [و «العلماء ذاهبة إلى كذا» وتشبيهه] ذلك برجل ورجال ورِجالات من حيث المعنى لا الصناعةُ «. وقرأ أُبَيّ وإبراهيم وعُبيد الله بن زياد» له مَعاقيبُ «. قال الزمخشري: [جمع مُعْقِب أو] مُعْقِبة، والياءُ عوضٌ مِنْ حذف إحدى القافين في التكسير» . قلت: ويوضِّحُ هذا ما قاله ابنُ جني فإنه قال: «معاقيب تكسير [مُعْقِب بسكونِ العين] وكسر القاف كمُطْعِم ومَطاعِيْم، ومُقْدِم ومَقاديم، فكأنَّ مُعْقِباً جُمِع على مَعاقِبَة، ثم جُعِلَتِ الياء في» مَعاقيب «عوضاً من الهاء المحذوفة في مَعاقبة» .

стр. 5168

قوله: ﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «مُعَقِّبات» ويجوزُ أَنْ يعتلَّق بمعقِّبات، و «مِنْ» لابتداء الغاية، ويجوز أن يكونَ حالاً من الضمير الذي هو في الظرف الواقع خبراً. والكلامُ على هذه الأوجهِ تامٌّ عند قوله ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ . وعَبَّر أبو البقاء عن هذه الأوجهِ بعبارةٍ مُشْكلة هذا شَرْحُها، وهي قولُه: ﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يجوز أن يكونَ صفةً لمعَقِّبات، وأن يكون ظرفاً، وأن يكونَ حالاً مِنَ الضميرِ الذي فيه، فعلى هذا يتم الكلامُ عنده «. انتهى. ويجوز أَنْ يتعلَّق ب» يحفظونه «، أي: يحفظونه مِنْ بينِ يديه ومِنْ خلفِه. [فإن قلت: كيف يتعلَّق حرفان] متحدان لفظاً ومعنى بعاملٍ واحد: وهما» مِنْ «الداخلةُ على» بين «و» مِنْ «الداخلة على» أَمْرِ الله «؟ فالجواب أنَّ» مِنْ «الثانيةَ مغايرةٌ للأولى في المعنى كما ستعرفه. قوله ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ يجوز أن يكونَ صفةً ل» مُعَقِّبات «، ويجوز أن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ الواقعِ خبراً. و ﴿مِنْ أَمْرِ الله﴾ متعلقٌ به، و» مِنْ «: إمَّا للسبب، أي: بسبب أمرِ الله، -ويدلُّ له قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس وزيد بن علي وعكرمة» بأَمْرِ الله «. وقيل: المعنى على هذا: يحفظون عملَه بإذن الله، فحذف المضافَ- وإمَّا أن تكونَ على بابها. قال أبو البقاء:» مِنْ أَْمْرِ الله، أي: من الجنِّ والإِنس، فتكون «مِنْ» على

стр. 5169

بابها «. يعني أَنْ يُرادَ بأمر الله نفسُ ما يُحْفَظُ منه كَمَرَدة الإِنس والجنِّ، فتكون» مِنْ «لابتداء الغاية. وجَوَّز أيضاً أن تكونَ بمعنى «عن» ، وليس عليه معنىً يليقُ بالآية الكريمة. ويجوز أن تتعلَّق بمحذوفٍ على انه صفةٌ لمُعَقِّبات أيضاً، فيجيء الوصفُ بثلاثةِ أشياءَ في بعض الأوجه المتقدمة: بكونها مِنْ بينِ يديه ومِنْ خلفِه، وبكونها تحفظُه، وبكونها مِنْ أَمْرِ الله، ولكن يتقدَّمُ الوصفُ بالجملةِ على الوصف بالجارِّ، وهو جائزٌ فصيح. وليس في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ كما زعم الفراءُ وغيره، وأن الأصلَ: له مُعَقِّبات مِنْ أَمْرِ الله يحفظونه مِنْ بينِ يديه، لأنَّ الأصلَ عدمُه مع الاستغناءِ عنه. قوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ﴾ العاملُ في «إذا» محذوفٌ لدلالة جوابِها عليه تقديرُه: لم يُرَدَّ، أو وقع، ونحوُهما، ولا يَعْمل فيها جوابُها؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها.

стр. 5170

قوله تعالى: ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ : يجوز أن يكونا مصدرين ناصبهما محذوفٌ، أي: يخافون خَوْفاً ويطمعون طَمَعاً. ويجوز أن يكونا مصدرين في موضعِ نصبٍ على الحال، وفي صاحبِ الحال حينئذٍ وجهان، أحدهما: أنه مفعولُ «يُرِيْكم» الأول، أي: خائفين طامعين، أي: تخافون صواعقَه، وتطمعون في مطره، كما قال المتنبي: ٢٨٤ - ٦- فتىً كالسَّحابِ الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجى ... يُرَجَّى الحَيا منها وتُخْشى الصَّواعِقُ

стр. 5171

والثاني: أنه البرقُ، أي: يريكموه حالَ كونِه ذا خوفٍ وطمع، أو هو في نفسه خوفٌ وطمعٌ على المبالغة، والمعنى كما تقدَّم. ويجوز أن يكونَ مفعولاً من أجله، ذكره أبو البقاء، ومنعه الزمخشري بعدمِ اتحاد الفاعلِ، يعني أنَّ فاعلَ الإرادةِ وهو الله تعالى غيرُ فاعلِ الخوف والطمع وهو ضميرُ المخاطبين، فاختلف فاعلُ الفعل المُعَلَّل وفاعلُ العلَّة. وهذا يمكن أن يجابَ عنه: بأنَّ المفعولَ في قوة الفاعل، فإنَّ معنى «يُريكم» يجعلكم رائين، فتخافون وتطمعون، ومثلُه في المعنى قول/ النابغة الذبياني: ٢٨٤ - ٧- وحَلَّتْ بيوتي في يَفاعٍِ مُمَنِّعٍ ... تَخال به راعي الحَمولةِ طائرا حِذاراً على أن لا تُنال مَقَادَتي ... ولا نِسْوتي حتى يَمُتْنَ حَرائِرا ف «حِذاراً» مفعولٌ من أجله، وفاعلُه هو المتكلم، والفعل المُعَلِّل الذي هو «حَلَّتْ» فاعلُه «بيوتي» ، فقد اختلف الفاعل. قالوا: لكن لمَّا كان التقدير: وأَحْلَلْتُ بيوتي حِذاراً صَحَّ ذلك. وقد جوَّز الزمخشري: ذلك أيضاً على حَذْفِ مضاف فقال: «إلاَّ على تقدير حَذْفِ المضاف، أي: إرادةَ خوفٍ وطَمَع» . وجوَّزه أيضاً على أنَّ بعضَ المصادر ناب عن بعض، يعني: ان الأصلَ: يُريكم البرقَ إخافةً وإطماعاً؛ فإنَّ المُرْئِيَّ والمُخِيفَ والمُطْمِعَ هو اللهُ تعالى، وناب «خوف» عن

стр. 5172

إخافة، و «طمع» عن إطماع نحو: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] ، على أنه قد ذهب جماعةٌ منهم ابنُ خروفٍ إلى أنَّ اتحادَ الفاعل ليس بشرطٍ.

стр. 5173

قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ﴾ : يجوز أن تكون الجملةُ مستأنفةً أخبر عنهم بذلك، ويجوز أن تكونَ حالاً. وظاهر كلام الزمخشري أنها حالٌ مِنْ مفعول «يُصِيب» ، فإنه قال: «وقيل: الواوُ للحال، [أي: فيصيب بها مِنْ يشاء في حالِ جِدالِهم» ] ، وجعلها غيرُه حالاً من مفعول «يشاء» . قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ المحال﴾ [هذه الجملة حالٌ من الجلالة] الكريمة، ويَضْعُفُ استئنافُها. وقرأ العامَّةُ بكسر الميم، وهو القوة والإِهلاك، قال عبد المطلب: ٢٨٤ - ٨- لا يَغْلِبَنَّ صَلِيْبُهُمْ ... ومِحالُهم عَدْواً مِحالَكْ وقال الأعشى: ٢٨٤ - ٩- فَرْعُ نَبْعٍ يهتزُّ في غُصُنِ المَجْ ... دِ عظيمُ النَّدَى شديد المِحالِ والمِحال أيضاً: أشدُّ المكايدة والمماكرة، يقال: ماحَلَه مُمَاحَلةً، ومنه:

стр. 5174

تَمَحَّلَ فلانٌ لكذا، أي: تكلَّف له استعمالَ الحيلة. وقال أبو زيد: «هو النِّقْمة» . وقال ابنُ عرفةَ، «هو الجِدال» [وفيه على هذا] مقابلةٌ معنوية كأنه قيل: وهم يجادلون في الله وهو شديدُ الجِدال. [واختلفوا في ميمه] : فالجمهور على أنها أصليةٌ من المَحْلِ وهو المَكْرُ والكيد، ووزنُه فِعال كمِهاد. وقال القتبي: إنه مِنَ الحيلة، وميمُه مزيدةٌ، كمكان من الكون، ثم يقال: تمكَّنْتُ. وقد غلَّطه الأزهري وقال: لو كان مِفْعَلاً مِنَ الحيلة لظهرت مثل: مِزْوَد ومِحْوَل ومِحْوَر «. وقرأ الأعرج والضحاك بفتحِها، والظاهر أنه لغةٌ في المكسورِها، وهو مذهبُ ابن عباس، فإنه فسَّره بالحَوْل وفسَّره غيرُه بالحيلة. وقال الزمخشري:» وقرأ الأعرج بفتح الميمِ على أنه مَفْعَل مِنْ حال يحولُ مَحالاً، إذا احتال، ومنه «اَحْوَلُ مِنْ ذئب» ، أي: أشدُّ حِيْلة، ويجوز أن يكونَ المعنى: شديد الفَقار، ويكون مَثَلاً في القوَّة والقدرة، كما جاء «فساعِدُ اللهِ أشدُّ، ومُوْساه أَحَدٌ» ، لأنَّ الحيوانَ إذا اشتدَّ مَحالُه كان منعوتاً بشدةِ القوةِ والاضطلاع بما يَعْجُزُ غيرُه، ألا ترى إلى قولهم: «فَقَرَتْه الفاقِرة» وذلك أنَّ الفَقارَ عمودُ الظهرِ وقِوامُه «.

стр. 5175

وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحق﴾ : من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، والأصل: له الدعوةُ الحقُّ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: ١٠٩] على أحدِ الوجهين. وقال الزمخشري: «فيه وجهان، أحدُهما: أن تُضافَ الدعوةُ إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، كما تُضاف الكلمةُ إليه في قوله» كلمة الحق «. والثاني: أن تُضافَ إلى الحق الذي هو اللهُ على معنى دعوةِ المَدْعُوِّ الحق الذي يسمع فيجيب» . قال الشيخ: «وهذا الوجهُ الثاني لا يظهر؛ لأنَّ مآلَه إلى تقدير: لله دعوةُ الله كما تقول: لزيدٍ دعوةُ زيد، وهذا التركيبُ لا يَصِحُّ» . قلت: وأين هذا ممَّا قاله الزمخشريُّ حتى يَرُدَّ عليه به؟ قوله: ﴿والذين يَدْعُونَ﴾ يجوز أن يُرَاد بالذين المشركون، فالواوُ في «يَدْعُون» عائده، ومفعولُه محذوفٌ وهو الأصنام، والواوُ في ﴿لاَ يَسْتَجِيبُونَ﴾ عائدٌ على مفعول «يَدْعون» المحذوفِ، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتِهم إياه معاملتَهم. والتقدير: والمشركون الذين يَدْعُون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنامُ إلا استجابةً كاستجابةِ باسطِ كَفَّيْه، أي: كاستجابة الماءِ مَنْ بَسَطَ كَفَّيْه إليه، يطلب منه أن يَبْلُغَ فاه، والماءُ جمادٌ لا يَشْعُر ببَسْط كَفَّيْه ولا بعطشِه، ولا يَقْدِرُ أن يُجيبَه ويَبْلُغَ فاه، قال معناه الزمخشري. ولمَّا ذكر أبو البقاء قريباً من ذلك وقدَّر التقديرَ المذكور قال: «والمصدرُ في هذا التقدير مضافٌ

стр. 5176

إلى المفعول كقوله: ﴿لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ [فصلت: ٤٩] ، وفاعلُ هذا المصدرِ مضمرٌ هو ضميرُ الماءِ، أي: لا يُجيبونهم إلا كما يُجيب الماءُ باسطَ كفِّه إليه، والإِجابةُ هنا كنايةٌ عن الانقياد» . / ويجوز أن يُرادَ بالذين الأصنامُ، أي: والآلهة الذين يَدْعونهم مِنْ دونِ الله لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا استجابةً، والتقديرُ كما تقدَّم في الوجهِ قبلَه. وإنما جَمَعَهم جَمْعَ العقلاء: إمَّا للاختلاطِ؛ لأنَّ الآلهةَ عقلاءُ وجمادٌ، وإمَّا لمعاملتِهم إياها معاملةَ العقلاءِ في زعمهم، فالواوُ في «يَدْعُون» للمشركين، والعائدُ المحذوفُ للأصنام، وكذا واوُ «يستجيبون» . وقرأ اليزيديُّ عن أبي عمروٍ «تَدْعُونَ» بالخطاب وهو مُقَوِّيَةٌ للوجهِ الثاني: ولم يذكرِ الزمخشريُّ غيرَه. قوله: «ليَبْلُغَ» اللامُ متعلقةٌ ب «باسِط» وفاعلُ «ليبلُغَ» ضميرُ الماءِ. قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ في «هو» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ الماء. والهاء في «ببالغِه» للفم، أي: وما الماء ببالغِ فيه. الثاني: أنه ضميرُ الفم، والهاء فيي «ببالِغه» للماء، أي: وما الفمُ ببالغِ الماءِ؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما لا يبلُغُ الآخرَ على هذه الحالِ، فنسبةُ الفعلِ إلى كلِّ واحدٍ وعدمُها صحيحتان. الثالث: أن يكون ضميرَ الباسط، والهاء في «ببالغه» للماء، أي: وما باسطُ كَفَّيْهِ إلى الماء ببالغٍ الماءَ. ولا يجوز أن يكون «هو» ضميرَ الباسط، وفاعلُ «ببالغِه» مضمراً والهاء في «ببالِغه» للماء، لأنه حينئذٍ يكونُ

стр. 5177

من باب جَرَيان الصفةِ على غير مَنْ هي] له، ومتى كان كذا لزِم إبرازُ الفاعلِ فكان التركيبُ هكذا: وما هو ببالغِه الماءُ، فإن جَعَلْتَ الهاءَ في «ببالغِه» للماءِ جاز أن يكونَ «هو» ضميرَ الباسط كما تقدَّم تقريرُه. والكافُ في «كباسطِ» : إمَّا نعتٌ لمصدرٍ محذوف، وإمَّا حالٌ من ذلك المصدرِ كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرة. وقال أبو البقاء: «والكاف في» كباسط «إنْ جعلتَها حرفاً كان فيها ضميرٌ يعود على الموصوفِ المحذوفِ، وإنْ جعلْتَها اسماً لم يكن فيها ضميرٌ» . قلت: وكونُ الكافِ اسماً في الكلام لم يَقُلْ به الجمهورُ، بل الأخفشُ، ويعني بالموصوفِ ذلك المصدرَ الذي قدَّره فيما تقدَّم.

стр. 5178

قوله تعالى: ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ : إمَّا مفعولٌ مِنْ أجله، وإمَّا حال، أي: طائعِين وكارهين، وإمَّا منصوبٌ على المصدر المؤكِّد بفعلٍ مضمر. وقرأ ألو مِجْلَز: «والإِيصال» بالياء قبل الصاد. وخرَّجها ابنُ جني على أنه مصدرٌ «آصَلَ» كضارَبَ، أي: دَخل في الأصيل، كأصْبَح، أي: دخل في الصباح.

стр. 5179

و «ظلالُهم» عطف على «مَنْ» . و «بالغُدُوِّ» متعلِّقٌ بيَسْجُد، والباء بمعنى في، أي: في هذين الوقتين.

стр. 5180

وقرأ الأخَوان وأبو بكر عن عاصم «يَسْتوي» بالياء من تحتُ، والباقون بالتاء من فوق، والوجهان واضحان باعتبار أنَّ الفاعلَ مجازيٌّ التأنيث، فيجوز في فِعْله التذكيرُ والتأنيثُ، كنظائرَ له مرَّتْ. وقوله: «أَمْ هَلْ» هذه «أم» المنقطعةُ، فتتقدَّر ب «بل» والهمزةِ عند الجمهور، وب «بل» وحدَها عند بعضهم، وقد تقدَّم ذلك محرِّراً، وقد يَتَقَوَّى بهذه الآيةِ مَنْ يرى تقديرَها ب «بل» فقط بوقوع «هَل» بعدها، فلو قَدَّرْناها ب «بل» والهمزةِ لزم اجتماعُ حرفَيْ معنى، فَتُقَدِّرها ب «بل» وحدها ولا تقويةَ له، فإنَّ الهمزةَ قد جامَعَتْ «هل» في اللفظ كقول الشاعر: ٢٨٥ - ٠-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أهلْ رَأَوْنا بوادِي القُفِّ ذي الأَكَمِ فَأوْلَى أن يجامِعَها تقديراً. ولقائلٍ أن يقول: لا نُسَلِّمُ أنَّ «هل» هذه استفهاميةٌ بل بمعنى «قد» ، وإليه ذهب جماعةٌ، وإن لم يجامِعْها همزةٌ كقولِه تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ﴾ [الإِنسان: ١] ، أي: قد أتى، فهنا أَوْلى، والسماعُ قد رَوَدَ بوقوع «هل» بعد «أم» وبعدمِه. فمِنَ الأوَّلِ هذه الآيةُ، ومن الثاني

стр. 5181

وما بعدها مِنْ قولِه: «اَمْ جَعَلوا» ، وقد جمع الشاعرُ أيضاً بين الاستعمالين في قوله: ٢٨٥ - ١- هل ما عَلِمْتَ وما استُودِعْتَ مكتومُ ... أم حَبْلُها إذ نَأَتْكَ اليومَ مَصْرومُ أَمْ هَلْ كبيرٌ بكَى لم يَقْضِ عَبْرَتَه ... إثرَ الأحبَّةِ يومَ البَيْنَ مَشْكُومُ / والجملةُ من قوله: خَلَقوا «صفةٌ لشركاء.

стр. 5182

قوله تعالى: ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ : هو جمعُ وادٍ، وجمعُ فاعِل على أَفْعِلَة، قال أبو البقاء: «شاذٌّ، ولم نَسْمَعْه في غيرِ هذا الحرف، ووجهُه: أنَّ فاعِلاً قد جاء بمعنى فَعِيل، وكما جاء فَعِيل وأفْعِلَة كجَرِيْب وأَجْرِبَة، وكذلك فاعِل» ، قلت: قد سُمع فاعِل وأفْعِلة في حرفين آخرين، أحدُهما: قولهم: جائز وأجْوِزَة، والثاني: ناحِية وأَنْحِية. قوله: «بقَدَرها» فيه وجهان، أحدُهما «أنه متعلِّقٌ ب» سالَتْ «، والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل» أَوْدية «. وقرأ العامَّةُ بفتح الدال، وزيد بن علي والأشهب العقيلي وأبو عمرو في روايةٍ بسكونها، وقد تقدَّم ذلك في سورة البقرة.

стр. 5183

و» احتمل «بمعنى حَمَل فافْتَعَلَ بمعنى المجرد، وإنما نكَّر الأودية وعَرَّف السيلَ؛ لأنَّ المطر يَنْزِل في البِقاع على المناوبة، فتسيلُ بعضُ أوديةِ الأرضِ دونَ بعضٍ، وتعريفُ السيل لأنه قد فُهِم من الفعل قبله وهو» فسالَتْ «وهو لو ذُكِرَ لكان نكرةً، فلمَّا اُعيد اُعِيدَ بلفظِ التعريفِ نحو:» رايت رجلاً فأكرمت الرجلَ « [والزَّبَد: وَضَرُ الغَلَيان وخَبَثُه] قال النابغة: ٢٨٥ - ٢- فما الفُراتُ إذا هَبَّ الرياحُ له ... تَرْمي غوارِبُه العِبْرَيْنِ بالزَّبَدِ وقيل: هو ما يَحْتمله السَّيلُ مِنْ غُثاءٍ ونحوه، وما يرمي به [على] ضفَّته من الحَباب. وقيل: هو ما يَطْرحُه الوادي إذا جاش ماؤه، وارتفعت أمواجُه. وهي عباراتٌ متقاربة. والزُّبَد: المستخرجُ من اللبن. قيل: مشتقٌّ مِنْ هذا لمشابَهَتِه إياه في اللون، ويقال: زَبَدْتُه زَبْداً، أي: أعطيته مالاً، يُضرب به المثلُ في الكثرةِ، وفي الحديث:» غُفِرَتْ له ذنوبُه وإن كانت مِثْلَ زَبَد البحر «. قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ هذا الجارُّ [خبر مقدَّمٌ، ومبتدَؤه» زَبَدٌ «] . و» مثلُه «صفةُ المبتدأ، والتقدير: ومن الجواهرِ التي هي كالنحاس والذهب

стр. 5184

والفضة زَبَدٌ، أي: خَبَثٌ مثلُه، أي: مثلُ زَبَدِ الماء، ووجهُ المماثلةِ: أنَّ كلاًّ منهما ناشئٌ مِن الأَكْدار. وقَرَأَ الأخَوانِ وحفصٌ» يُوقِدُوْن «بالياء من تحت، أي: الناسُ، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ على الخطاب. و» عليه «متعلقٌ ب» يُوْقِدون «. وأمَّا» في النار «ففيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ ب يوقِدون، وهو قول الفارسيِّ والحوفيِّ وأبي البقاء. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: كائناً أو ثابتاً، قاله مكي وغيره. ومنعوا تعلُّقه ب» يُوقِدُون «لأنهم زعموا أنه لا يُوْقَد على شيء إلا وهو في النار، وتعليقُ حرفِ الجر ب» يُوْقِدون «يقتضي تخصيصَ حالٍ من حالٍ أخرى. وهذا غيرُ لازمٍ. قال أبو علي:» قد يُوْقَد على الشيء وإن لم يكنْ في النارِ، كقولِه تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ [القصص: ٣٨] والطِّين لم يكن فيها، وإنما يُصيبُه لَهَبُها، وأيضاً فقد يكونُ ذلك على سبيلِ التوكيدِ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . قوله: «ابتغاءَ» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مفعولٌ مِنْ اجله. والثاني: أنه مصدرٌ في موضع الحال، أي: مُبْتَغِين حِلْية، و «حِلْيةٍ» مفعولٌ معنىً. «أو متاعٍ» نَسَقٌ على «حِلْيةٍ» ، فالحلْيَةُ ما يُتَزَيَّن به، والمَتَاع: مَا يَقْضُون به

стр. 5185

حوائِجَهم كالمَساحي من الحديد ونحوِها. و «مِنْ» في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ لابتداءِ الغاية، أي: ومنه ينشأ زَبَدٌ مثلُ زَبَدِ الماء. والثاني: أنها للتبعيضَ، بمعنى: وبَعْضُه زَبَدٌ. قوله: «جُفاءً» حال. والجُفَاءُ: قال ابن الأنباري: «المتفرِّقُ» . يقال: جَفَأَتِ الريحُ السحابَ، أي: قَطَعَتْه وفَرَّقته. وقيل: الجُفاء: ما يَرْمِي به السَّيْلُ. يُقال: جَفَأَتِ القِدْرُ بزَبَدِها تَجْفَأُ، وجَفَأَ السَّيْلُ بزَبَدِه وأَجْفَأَ وأَجْفَلَ، وباللامِ قرأ رُؤبة بن العجاج. قال أبو حاتم: «لا يُقرأ بقراءةِ رؤبة، لأنه كان يأكلُ الفارَ» يعني أنه أعرابيٌّ جافٍ. قلت: قد تقدَّم ثناءُ الزمخشري عيله أولَ البقرة، وذِكْرُ فصاحتِه. وقد وجَّهوا قراءَتَه بأنها مِنْ أَجْفَلَتِ الريحُ الغنمَ، أي: فَرَّقَتْه قِطَعاً فهي في المعنى كقراءةِ العامَّة بالهمزة. وفي همزة «جُفاء» وجهان، أظهرهُما: أنها أصلٌ لثبوتِها في تصاريف هذه المادةِ كما رأيتَ. والثاني: بدلٌ من واو، وكأنه مختارُ أبي البقاء وفيه نظرٌ؛ لأنَّ مادة جفا يَجْفو لا يليق معناها هنا، والأصلُ عدمُ الاشتراكِ. قوله: «كذلك يَضْرِب» / الكافُ في محلِّ نصبٍ، أي: مثلَ ذلك الضَّرْبِ يَضْرِب.
следующие страницы →