← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

وما بعدها مِنْ قولِه: «اَمْ جَعَلوا» ، وقد جمع الشاعرُ أيضاً بين الاستعمالين في قوله: ٢٨٥ - ١- هل ما عَلِمْتَ وما استُودِعْتَ مكتومُ ... أم حَبْلُها إذ نَأَتْكَ اليومَ مَصْرومُ أَمْ هَلْ كبيرٌ بكَى لم يَقْضِ عَبْرَتَه ... إثرَ الأحبَّةِ يومَ البَيْنَ مَشْكُومُ / والجملةُ من قوله: خَلَقوا «صفةٌ لشركاء.

стр. 5182

قوله تعالى: ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ : هو جمعُ وادٍ، وجمعُ فاعِل على أَفْعِلَة، قال أبو البقاء: «شاذٌّ، ولم نَسْمَعْه في غيرِ هذا الحرف، ووجهُه: أنَّ فاعِلاً قد جاء بمعنى فَعِيل، وكما جاء فَعِيل وأفْعِلَة كجَرِيْب وأَجْرِبَة، وكذلك فاعِل» ، قلت: قد سُمع فاعِل وأفْعِلة في حرفين آخرين، أحدُهما: قولهم: جائز وأجْوِزَة، والثاني: ناحِية وأَنْحِية. قوله: «بقَدَرها» فيه وجهان، أحدُهما «أنه متعلِّقٌ ب» سالَتْ «، والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل» أَوْدية «. وقرأ العامَّةُ بفتح الدال، وزيد بن علي والأشهب العقيلي وأبو عمرو في روايةٍ بسكونها، وقد تقدَّم ذلك في سورة البقرة.

стр. 5183

و» احتمل «بمعنى حَمَل فافْتَعَلَ بمعنى المجرد، وإنما نكَّر الأودية وعَرَّف السيلَ؛ لأنَّ المطر يَنْزِل في البِقاع على المناوبة، فتسيلُ بعضُ أوديةِ الأرضِ دونَ بعضٍ، وتعريفُ السيل لأنه قد فُهِم من الفعل قبله وهو» فسالَتْ «وهو لو ذُكِرَ لكان نكرةً، فلمَّا اُعيد اُعِيدَ بلفظِ التعريفِ نحو:» رايت رجلاً فأكرمت الرجلَ « [والزَّبَد: وَضَرُ الغَلَيان وخَبَثُه] قال النابغة: ٢٨٥ - ٢- فما الفُراتُ إذا هَبَّ الرياحُ له ... تَرْمي غوارِبُه العِبْرَيْنِ بالزَّبَدِ وقيل: هو ما يَحْتمله السَّيلُ مِنْ غُثاءٍ ونحوه، وما يرمي به [على] ضفَّته من الحَباب. وقيل: هو ما يَطْرحُه الوادي إذا جاش ماؤه، وارتفعت أمواجُه. وهي عباراتٌ متقاربة. والزُّبَد: المستخرجُ من اللبن. قيل: مشتقٌّ مِنْ هذا لمشابَهَتِه إياه في اللون، ويقال: زَبَدْتُه زَبْداً، أي: أعطيته مالاً، يُضرب به المثلُ في الكثرةِ، وفي الحديث:» غُفِرَتْ له ذنوبُه وإن كانت مِثْلَ زَبَد البحر «. قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ هذا الجارُّ [خبر مقدَّمٌ، ومبتدَؤه» زَبَدٌ «] . و» مثلُه «صفةُ المبتدأ، والتقدير: ومن الجواهرِ التي هي كالنحاس والذهب

стр. 5184

والفضة زَبَدٌ، أي: خَبَثٌ مثلُه، أي: مثلُ زَبَدِ الماء، ووجهُ المماثلةِ: أنَّ كلاًّ منهما ناشئٌ مِن الأَكْدار. وقَرَأَ الأخَوانِ وحفصٌ» يُوقِدُوْن «بالياء من تحت، أي: الناسُ، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ على الخطاب. و» عليه «متعلقٌ ب» يُوْقِدون «. وأمَّا» في النار «ففيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ ب يوقِدون، وهو قول الفارسيِّ والحوفيِّ وأبي البقاء. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: كائناً أو ثابتاً، قاله مكي وغيره. ومنعوا تعلُّقه ب» يُوقِدُون «لأنهم زعموا أنه لا يُوْقَد على شيء إلا وهو في النار، وتعليقُ حرفِ الجر ب» يُوْقِدون «يقتضي تخصيصَ حالٍ من حالٍ أخرى. وهذا غيرُ لازمٍ. قال أبو علي:» قد يُوْقَد على الشيء وإن لم يكنْ في النارِ، كقولِه تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ [القصص: ٣٨] والطِّين لم يكن فيها، وإنما يُصيبُه لَهَبُها، وأيضاً فقد يكونُ ذلك على سبيلِ التوكيدِ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . قوله: «ابتغاءَ» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مفعولٌ مِنْ اجله. والثاني: أنه مصدرٌ في موضع الحال، أي: مُبْتَغِين حِلْية، و «حِلْيةٍ» مفعولٌ معنىً. «أو متاعٍ» نَسَقٌ على «حِلْيةٍ» ، فالحلْيَةُ ما يُتَزَيَّن به، والمَتَاع: مَا يَقْضُون به

стр. 5185

حوائِجَهم كالمَساحي من الحديد ونحوِها. و «مِنْ» في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ لابتداءِ الغاية، أي: ومنه ينشأ زَبَدٌ مثلُ زَبَدِ الماء. والثاني: أنها للتبعيضَ، بمعنى: وبَعْضُه زَبَدٌ. قوله: «جُفاءً» حال. والجُفَاءُ: قال ابن الأنباري: «المتفرِّقُ» . يقال: جَفَأَتِ الريحُ السحابَ، أي: قَطَعَتْه وفَرَّقته. وقيل: الجُفاء: ما يَرْمِي به السَّيْلُ. يُقال: جَفَأَتِ القِدْرُ بزَبَدِها تَجْفَأُ، وجَفَأَ السَّيْلُ بزَبَدِه وأَجْفَأَ وأَجْفَلَ، وباللامِ قرأ رُؤبة بن العجاج. قال أبو حاتم: «لا يُقرأ بقراءةِ رؤبة، لأنه كان يأكلُ الفارَ» يعني أنه أعرابيٌّ جافٍ. قلت: قد تقدَّم ثناءُ الزمخشري عيله أولَ البقرة، وذِكْرُ فصاحتِه. وقد وجَّهوا قراءَتَه بأنها مِنْ أَجْفَلَتِ الريحُ الغنمَ، أي: فَرَّقَتْه قِطَعاً فهي في المعنى كقراءةِ العامَّة بالهمزة. وفي همزة «جُفاء» وجهان، أظهرهُما: أنها أصلٌ لثبوتِها في تصاريف هذه المادةِ كما رأيتَ. والثاني: بدلٌ من واو، وكأنه مختارُ أبي البقاء وفيه نظرٌ؛ لأنَّ مادة جفا يَجْفو لا يليق معناها هنا، والأصلُ عدمُ الاشتراكِ. قوله: «كذلك يَضْرِب» / الكافُ في محلِّ نصبٍ، أي: مثلَ ذلك الضَّرْبِ يَضْرِب.

стр. 5186

قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ استجابوا﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ ب «يَضْرِب» وبه بدأ الزمخشريُّ. قال: «أي: كذلك يضرب الأمثالَ للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يَسْتَجيبوا» .

стр. 5187

والحُسْنى صفةٌ لمصدرِ «استجابوا» ، اي: استجابوا الاستجابةَ الحُسْنى. وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض﴾ كلامٌ مبتدأٌ في ذِكْر ما أعَدَّ لغيرِ المستجيبين «. قال الشيخ:» والتفسيرُ الأولُ أَوْلى «يعني به أنَّ» للذين «خبرٌ مقدَّم، و» الحُسْنى «مبتدأ مؤخر كما سيأتي إيضاحُه. قال:» لأن فيه ضَرْبَ الأمثالِ غيرُ مقيَّدٍ بمثل هذين، واللهُ تعالى قد ضَرَبَ أمثالاً كثيرةً في هذين وفي غيرِهما، ولأنَّ فيه ذِكْرَ ثواب المستجيبين، بخلاف قولِ الزمخشريِّ، فكما ذَكَر ما لغير المستجيبين من العقابِ ذَكَر ما للمستجيبين من الثَّواب، ولأنَّ تقديرَه بالاستجابة الحُسْنَى مُشْعِرٌ بتقييدِ الاستجابة، ومقابلُها ليس نفيَ الاستجابةِ مطلقاً، إنما مقابلُها نفيُ الاستجابةِ الحسنى، واللهُ تعالى قد نفى الاستجابةِ مطلقاً، ولأنَّه على قولِه يكون قولُه ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض﴾ مُفْلَتاً أو كالمُفْلَتِ؛ إذ يصير المعنى: كذلك يَضْرِبُ اللهُ الأمثالَ للمؤمنين وللكافرين لو أنَّ لهم ما في الأرض، فلو كان التركيبُ بحرفٍ رابطٍ «لو» بما قبلَها زال التفلُّت، وأيضاً فيُوهِمُ الاشتراكَ في الضمير، وإن كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً «. قلت: قوله» لأنَّ فيه ضرْبَ الأمثال غيرُ مقيَّدٍ «ليس في قول الزمخشري ما يقتضي التقييدَ. وقوله:» ولأنَّ فيه ذِكْرُ ثوابِ المستجيبين «إلى آخره، ما ذكره الزمخشري ايضاً يُؤْخذ مِنْ فحواه ثوابُهم. وقوله» واللهُ تعالى نفى الاستجابة مطلقاً «ممنوعٌ؛ بل نفى تلك الاستجابةَ الأولى، لا يُقال: فَثَبَتَتْ استجابةٌ غيرُ حسنى؛ لأنَّ هذه الصفةَ لا مفهومَ لها؛ إذ الواقعُ أنَّ الاستجابةَ

стр. 5188

لله لا تكون إلا حُسْنى. وقوله:» يصيرُ مُفْلَتاً «كيف يكون مُفْلَتاً مع قول الزمخشري: [كلامٌ] مبتدأٌ في ذِكْر ما أعدَّ لهم؟ وقوله:» وأيضاً فيوهِمُ الاشتراك «كيف يُتَوَهَّمُ هذا بوجه من الوجوه؟ وكيف يقول ذلك مع قوله» وإنْ كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً «فإذا عُلِم كيف يُتوَهَّم؟ والوجه الثاني: أن يكونَ» للذين «خبراً مقدَّماً، والمبتدأ» الحُسْنَى «، و ﴿والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ مبتدأٌ، وخبرُه الجملةُ الامتناعيةُ بعده. ويجوز على الوجه الأول أن يكون ﴿والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ مبتدأً، وخبره الجملةُ الامتناعية بعده، وإنما خصَّ بضرب الأمثال الذين استجابوا، لانتفاعِهم دونَ غيرِهم.

стр. 5189

قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ﴾ كقولِه: «أَفَلَمْ» وقد تقدَّم تقريرُ القولين فيه، ومذهب الزمخشري فيه بُعْدٌ هنا.

стр. 5190

قوله تعالى: ﴿الذين يُوفُونَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً لأولِي أو بدلاً منه أو بياناً له، أو مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أو منصوباً على إضمار فِعْلٍ، كلاهما على المدح، أو هو مرفوعٌ بالابتداء، وما بعده عطفٌ عليه. و ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار﴾ خبره.

стр. 5191

قوله تعالى: ﴿ابتغاء وَجْهِ﴾ يجوز أن يكونَ مفعولاً له وهو الظاهرُ، وأن يكونَ حالاً، أي: مُبْتَغِين، والمصدرُ مضافٌ لمفعوله. قوله: ﴿عقبى الدار﴾ يجوز أن يكونَ مبتدأً، خبرُه الجارُّ قبله، والجملةُ خبرُ «أولئك» ، ويجوز أنْ يكونَ «لهم» خبرَ «أولئك» و «عُقْبى» فاعلٌ بالاستقرار.

стр. 5192

قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ : يجوز أن يكون بدلاً مِنْ «عقبى» ، وأن يكونَ بياناً، وأن يكونَ خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون مبتدأً خبرُه «يَدْخُلونها» وقرأ النخعيُّ «جنةُ» بالإِفراد. وتقدَّم الخلافُ في «يَدْخُلونها» . والجملةُ مِنْ «يَدْخُلونها» تحتمل الاستئنافَ او الحاليةَ المقدرةَ. قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ يجوز أن يكونَ مرفوعاً عطفاً على الواو، وأغنى الفصلُ بالمفعول عن التأكيد بالضمير المنفصل، وأن يكونَ منصوباً على المفعولِ معه، وهو مرجوحٌ. وقرأ ابن أبي عبلة «صَلُحَ» بضم اللام، وهي لغةٌ مَرْجوحة. قوله: ﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾ في محلِّ الحال مِنْ ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ و «مِنْ» لبيان الجنس. وقرأ عيسى الثقفي «وذُريَّتِهم» بالتوحيد. قوله: «سلامٌ» الجملةُ محكيَّةٌ بقولٍ مضمر، والقولُ المضمرُ حالٌ مِنْ فاعلِ «يَدْخُلون» ، أي: يَدْخُلون قائلين. / قوله: «بما صَبَرتم» متعلِّقٌ بما تعلَّق به «عليكم» ، و «ما» مصدريَّةٌ، أي: بسبب صَبْركم. ولا يتعلَّقُ ب «سلامٌ» لأنه لا يُفْصَل بين المصدرِ ومعمولِه بالخبر.

стр. 5193

قاله أبو البقاء. وقال الزمخشري: «ويجوز أن يتعلَّق ب» سلام «، أي: نُسَلِّم عليكم ونُكْرمكم بصبركم» ، ولمَّا نقله عنه الشيخ لم يَعْترض عليه بشيء. والظاهرُ أنه لا يُعْترَض عليه بما تقدَّم؛ لأنَّ ذلك في المصدر المؤول بحرف مصدري، وفعل، وهذا المصدرُ ليس من ذلك. والباءُ: إمَّا سببيَّةٌ كما تقدَّم، وإمَّا بمعنى بَدَل، أي: بَدَلَ صبركم، أي: بما احتملتم مَشاقَّ الصبر. وقيل: «بما صَبَرْتُم» خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هذا الثوابُ الجزيل بما صبرتم. وقرأ الجمهور «فنِعْمَ» بكسرِ النونِ وسكونِ العين، وابن يعمر بالفتحِ والكسر، وقد تقدَّم أنها الأصلُ كقوله: ٢٥٣ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نَعِمَ السَّاعُون في القومِ الشُّطُرْ وابنُ وثاب بالفتح والسكون، وهي تخفيفُ الأصلِ، ولغةُ تميم تسكينُ عينِ فَعِل مطلقاً. والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي: الجنة.

стр. 5194

قوله تعالى: ﴿والذين يَنقُضُونَ﴾ : مبتدأ، والجملة مِنْ قوله: ﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ خبرُه. والكلامُ في اللعنةِ كالكلامِ في ﴿لَهُمْ عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٢] .

стр. 5195

وقرأ زيدُ بنُ عليّ «ويَقْدُر» بضم العين. قوله «وفَرِحوا» هذا استئنافُ إخبار. وقيل: بل [هو عطفٌ على صلةِ «الذين» ] قبله. وفيه نظرٌ: من حيث الفصلُ بين أبعاضِ الصلةِ بالخبر، وأيضاً فإنَّ هذا ماضٍ وما قبله مستقبلٌ، ولا بد من التوافق في الزمان، إلا أن يُقال: المقصودُ استمرارُهم بذلك، وإنَّ الماضي متى وقع صلةً صَلَحَ للمُضِيِّ والاستقبال. قوله: ﴿وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة﴾ ، أي: في جنب الآخرة. وهذا الجارُّ في موضع الحال تقديرُه: وما الحياةُ القريبةُ كائنةً في جنب الآخرة إلا متاعٌ، ولا يجوز تعلُّقُه بالحياة ولا بالدنيا لأنهما لا يقعان في الآخرة.

стр. 5196

والضميرُ في «عليه» عائدٌ على الله تعالى، أي: إلى دينِهِ وشَرْعه. وقيل: على الرسول. وقيل: على القرآن.

стр. 5197

قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ﴾ يجوز فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكون مبتدأً خبرُه الموصولُ الثاني، وما بينهما اعتراضٌ. [الثاني: أنه بدلٌ] مِنْ «مَنْ أناب» . الثالث: أنه عطفُ بيانٍ له. الرابع: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. أنه منصوبٌ بإضمارِ فعل. قوله: ﴿بِذِكْرِ الله﴾ يجوز أَنْ يتعلَّقَ ب «تطمئنُّ» فتكون الباءُ سببيةً، أي:

стр. 5198

بسبب ذِكْرِ الله. وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ مفعولاً به، أي: الطمأنينةُ تَحْصُل بذكْر الله، الثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ» قلوبُهم «أي: تطمئنُّ وفيها ذِكْرُ اللهِ» .

стр. 5199

قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ﴾ : فيه أوجه: أن يكونَ بدلاً من «القلوبُ» على حَذْفِ مضاف، أي: قلوب الذين آمنوا، وأن يكونَ بدلاً مِن «مَنْ أناب» ، وهذا على قولِ مَنْ لم يجعلِ الموصولَ الأول بدلاً مِن «مَنْ أناب» ، وإلا كان يَتَوالَى بدلان. وأن يكونَ مبتدأً، و «طُوْبَى لهم» جملةٌ خبرية، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمر. وأن يكونَ منصوباً بإضمارِ فعلٍ. والجملةُ مِنْ «طُوبَى لهم» على هذين الوجهين حالٌ مقدَّرة، العاملُ فيها «آمَنُوا وعَمِلوا» . وواوُ «طُوبَى» منقلبةٌ عن ياءٍ لأنها من الطِّيب، وإنما قُلِبَتْ لأجلِ الضمة قبلها كمُوسِر ومُوْقِن من اليُسْر واليقين. واختلفوا فيها: فقيل: هي اسمٌ مفردٌ مصدر كبُشْرى ورُجْعى، مِنْ طاب يطيب. وقيل: بل هي جمعُ «طَيِّبة» كما قالوا: كُوْسَى في جمع كَيِّسَة، وضُوْقَى في جمع ضَيِّقة. ويجوز أن يقال: «طِيْبى» بكسر الفاء وكذلك الكِيْسَى والضِيقَى. وهل هي اسمٌ لشجرةٍ بعينِها أو اسمٌ للجنة بلغةِ الهند أو الحبشة؟ خلافٌ مشهور. وجاز الابتداءُ ب «طُوبَى» : إمَّا لأنها عَلَمٌ لشيءٍ بعينه، وإمَّا لأنها نكرةٌ في معنى الدعاء كسَلام عليك ووَيْل له، كذا قال سيبويه. وقال ابن مالك: «إنه

стр. 5200

يُلزم رَفْعُها بالابتداء، ولا تدخُلُ عليها نواسِخُه» . وهذا يَرُدُّ عليه: أنَّ بعضَهم جعلها في الآيةِ منصوبةً بإضمارِ فِعْلٍ، أي: وجَعَلَ لهم طُوْبَى، وقد يَتَأَيَّد ذلك بقراءةِ عيسى الثقفي «وحُسْنَ مآب» بنصب النون. قال: «إنه معطوفٌ على» طُوْبَى «، وإنها في موضع نَصْبٍ» . قال ثعلب: «وطُوْبَى على هذا مصدرٌ كما قالوا: سُقْياً» . وخَرَّج هذه القراءةَ صاحبُ «اللوامح» على النداء ك ﴿ياأسفى﴾ [يوسف: ٨٤] على الفَوْت، يعني أنَّ «طُوْبَى» تضاف للضمير، واللام/ مقحمةٌ، كقوله: ٢٨٤ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يا بُؤْسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوامِ و [قوله] : ٢٨٥ - ٥- يا بُوسَ للحَرْبِ التي ... وَضَعَتْ أراهِطَ فاستراحوا ولذلك سقط التنوينُ مِنْ «بؤس» كأنه قيل: يا طِيْباهم، أي: ما أَطيبَهم وأحسنَ مآبَهم. قال الزمخشري: «ومعنى طُوْبَى لك: أَصَبْتَ خيراً وطِيباً، ومحلُّها النصبُ أو الرفع كقولك: طِيباً لك وطِيبٌ لك، وسلاماً لك، وسلامٌ لك، والقراءةُ في قوله:» وحُسن مآب «بالنصب والرفع تدلُّك على مَحَلَّيْها، واللامُ في» لهم «للبيان، مثلها في» سَقْياً لك «. فهذا يدلُّ على أنها تتصرَّفُ ولا تلزم الرفعَ بالابتداء.

стр. 5201

وقرأ مَكْوَزَةُ الأعرابي» طِيْبَى «بكسرِ الطاء لِتَسْلَمَ الياءُ نحو: بِيْض ومَعِيْشة. وقُرِئ» وحُسْنَ مآبٌ «بفتح النون ورفع» مآب «على أنه فعلٌ ماضٍ، أصلُه» حَسُن «فَنُقِلَت ضمةُ العينِ إلى الفاءِ قَصْداً للمدح، كقولهم: ٢٨٥ - ٦-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . حُسْنَ ذا أَدَبا و» مَآبٌُ «فاعلُه.

стр. 5202

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ : الكافُ في محلِّ نصبٍ كنظائرها. قال الزمخشري: «مثلَ ذلك الإِرسالِ أَرْسلناك، يعني: ارسلناك إرسالاً له شأن» . وقيل: الكافُ متعلِّقةٌ بالمعنى الذي في قوله ﴿إِنَّ

стр. 5203

الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي﴾ [الرعد: ٢٧] ، أي: «كما أنفذ اللهُ هذا كذلك ارسلناك» . وقال ابن عطية: «الذي يظهر لي أن المعنى: كما أَجْرَيْنا العادةَ بأنَّ الله يُضِلُّ ويَهْدِيْ لا الآياتِ المقترحةَ، فكذلك أيضاً فَعَلنا في هذه الأمَّةِ: أرسَلْناك إليها بوحيٍ لا بآيات مقترحة» . وقال أبو البقاء: «كذلك» [التقديرُ:] الأمر كذلك فجعلها في موضعِ رفعٍ. وقال الحوفي: «الكافُ للتشبيه في موضع نصب، أي: كفِعْلِنا الهدايةَ والإِضلال» . والإِشارةُ ب «ذلك» إلى ما وَصَفَ به نفسَه مِنْ أنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدِي مَنِ يشاء. قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ جملةٌ [في محلِّ جرٍّ صفةً] . و «للتلُوَ» متعلِّقٌ ب «أَرْسَلْناك» . قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً وأن تكونَ حاليةً، والضميرُ في «وهم» عائدٌ على «أمة» من حيث المعنى، ولو عاد على لفظِها لكان التركيبُ «وهي تكفر» . وقيل: الضميرُ عائدٌ على «أمَّة» وعلى «أُمَم» . وقيل: على الذين قالوا: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ﴾ [الرعد: ٢٧] .

стр. 5204

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ : جوابُها محذوفٌ، أي: لكان هذا القرآنُ، لأنه في غاية ما يكونُ من الصحة. وقيل: تقديرُه:

стр. 5205

لما آمنوا. ونُقِل عن الفراء أنَّ جوابَ «لو» هي الجملة مِنْ قولِه ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، وما بينهما اعتراضٌ. وهذا في الحقيقة دالٌّ على الجوابِ. وإنما حُذِفَت التاءُ في قوله «وكُلِّم به المَوْتى» وثَبَتَتْ في الفعلَيْن قبله لأنه من باب التغليب؛ لأنَّ «المَوْتى» يشمل المذكرَ والمؤنث. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين﴾ أصلُ اليَأْسِ: قَطْعُ الطمعِ عن الشيء والقُنوطُ فيه. واختلف الناسُ فيه ههنا: فقال بعضهم: هو هنا على بابه، والمعنى: أفلم يَيْئَسِ الذين آمنوا من إيمانِ الكفَّار من قريش، وذلك أنَّهم لَمَّا سألوا هذه الآياتِ طَمِعوا في إيمانِهم وطلبوا نزولَ هذه الايات ليؤمِنَ الكفار، وعَلِمَ اللهُ أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم يَيْئَسوا من إيمانهم، قاله الكسائي. وقال الفراء: «أَوْقَعَ الله للمؤمنين أنْ لو يشاء اللهُ لهدى الناسَ جميعاً فقال: أفلم يَيْئسوا عِلْماً، يقول: أَيْئَسهم العِلْم مضمراً، كما تقول في الكلام: يَئِست منك أن لا تفلح، كأنه قال: عَلِمه علماً» ، قال: فيَئِسَتْ بمعنى عَلِمَت، وإنْ لم يكنْ قد سمع، فإنه يتوجَّه إلى ذلك بالتأويل «. وقال ابن عطية:» ويحتمل أن يكونَ «اليأسُ» في هذه الآية على بابه، وذلك: أنه لمَّا أبْعَدَ إيمانَهم في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ على التأويلين في المحذوفِ المقدَّر قال في هذه: أفلم يَيْئَسِ المؤمنون من إيمانِ هؤلاءِ عِلْماً منهم أن لو يشاء اللهُ لهدَى الناسَ جميعاً «.

стр. 5206

وقال الزمخشري:» ويجوز أن يتعلَّقَ ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ﴾ بآمَنوا على: أولم يَقْنَطْ عن إيمانِ هؤلاءِ الكَفَرَةِ الذين آمنوا بأن لو يشاءُ اللهُ لهدى الناسَ جميعاً ولهداهم «وهذا قد سبقه إليه أبو العباس. وقال الشيخ:» ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ آخرُ غيرُ الذي/ ذكروه: وهو أنَّ الكلامَ تامٌّ عند قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ وهو تقريرٌ، أي: قد يَئِس المؤمنون من إيمان المعاندين، و ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ الله﴾ جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، أي: وأُقْسِمُ لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ويدلُّ على هذا القَسَمِ وجودُ «أنْ» مع «لو» ، كقولِ الشاعر: ٢٨٥ - ٧- أَمَا واللهِ انْ لو كنتَ حُرَّاً ... وما بالحُرِّ أنت ولا القَمينِ وقول الآخر: ٢٨٥ - ٨- فأُقسمُ أنْ لَوِ التقينا وأنتُمُ ... لكان لكم يومٌ من الشرِّ مظلِمُ وقد ذكر سيبويه أنَّ «أنْ» تأتي بعد القَسَم، وجعلها ابنُ عصفور رابطةً للقَسَم بالجملة المُقْسَمِ عليها.

стр. 5207

وقال بعضُهم: «بل هو هنا بمعنى عَلِمَ وتَبَيَّن. قال القاسم بن معن وهو من ثقاتِ الكوفيين:» هي لغة هوازن «. وقال ابن الكلبي: «هي لغةُ حيّ من النَّخَع، ومنه قولُ رباح بن عدي: ٢٨٥ - ٩- ألم يَيْئَسِ الأقوامُ أني أنا ابنُهُ ... وإن كنتُ عن أرضِ العشيرةِ نائيا وقول سحيم: ٢٨٦ - ٠- أقولُ لهم بالشَّعْبِ إذ يَأْسِرُونني ... ألم تَيْئَسُوا أني ابنُ فارسِ زَهْدَمِ وقول الآخر: ٢٨٦ - ١- حتى إذا يَئِسَ الرُّماةُ وأَرْسَلوا ... غُضْفاً دواجنَ قافِلاً أعْصامُها وردَّ الفراء هذا وقال:» لم أَسْمَعْ يَئِسْتُ بمعنى عَلِمْتُ «. ورُدَّ عليه: بأنَّ مَنْ حَفِظ حجةٌ على مَنْ لم يَحْفَظْ، ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ عليّ وابن عباس وعكرمة وابن أبي مُلَيْكة والجحدري وعلي بن الحسين وابنه

стр. 5208

زيد وجعفر بن محمد وابن يزيد المديني وعبد الله بن يزيد وعلي ابن بَذِيمة:» أو لم يتبيَّنْ «، مِنْ تبيَّنْتُ كذا إذا عَرَفْتَه. وقد افترى مَنْ قال:» إنما كتبه الكاتب وهو ناعِسٌ، وكان أصله «أفلم يتبيَّن» فَسَوَّى هذه الحروفَ فَتُوُهِّمَ أنها سين «. قال الزمخشري:» وهذا ونحوُه ممَّا لا يُصَدَّقُ في كتاب [كتاب الله الذي لا يأتيه] الباطلُ مِنْ [بينِ] يديه ولا مِنْ خلفِه، وكيف يَخْفَى هذا حتى يَبْقى بين دَفَتَيْ الإِمام، وكان متقلِّباً في أيدي أولئك الأعلامِ المحتاطِيْنَ في دين الله، المهيمنين عليه، لا يَغْفُلون عن جلائِله ودقائقِه، خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجعُ، والقاعدةُ التي عليها المبنى، هذه واللهِ فِرْيَةٌ، ما فيها مِرْيَةٌ «. وقال الزمخشري أيضاً:» وقيل: إنما اسْتَعْمل اليأسَ بمعنى العِلْم، لأن الآيسَ عن الشيء عالمٌ بأنه لا يكونُ، كما اسْتَعْمل الرجاءَ في معنى الخوف والنسيان والتركِ لتضمُّن ذلك «. ويُحتمل في» أَنْ «قولان، أحدُهما: أنها المخففةُ من الثقيلة فاسمُها ضميرُ الشأنِ، والجملةُ الامتناعيةُ بعدها خبرُها، وقد وقع الفصلُ ب» لو «، و» أنْ «وما في حَيِّزها إن عَلَّقْناها ب» آمنوا «تكونُ في محلِّ نصبٍ أو جَرّ على

стр. 5209

الخلاف بين الخليلِ وسيبويه، إذ أصلُها الجرُّ بالحرفِ، أي: آمَنوا بأن لو يشاءُ الله، وإن عَلَّقْناها ب» يَيْئَس «على أنه بمعنى» عَلِمَ «كانت في محلِّ نصبٍ لسَدِّها مَسَدَّ المفعولين. والثاني: أنها رابطةٌ بين القًسَمِ والمُقْسِمِ عليه كما تقدم. قوله: ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ يجوز أن يكونَ فاعلُه ضميرَ الخطاب [أي:] أو تَحُلُّ أنت يا محمدُ، وأن يكونَ ضميرَ القارعة، وهذا أَبْيَنُ، أي: تُصيبهم قارِعَةٌ، أو تَحُلُّ القارعة. وقرأ ابن جبير ومجاهد» يَحُلُّ «بالياء مِنْ تحتُ، والفاعلُ على ما تقدم: إمَّا ضميرُ القارعة، وإنما ذكَّر الفعلَ لأنها بمعنى العذاب، أو لأن التاءَ للمبالغة، والمرادُ قارِع، وإمَّا ضميرُ الرسول، أتى به غائباً. وقرآ أيضاً» مِنْ ديارهم «وهي واضحة.

стр. 5210

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ﴾ : «مَنْ» موصولةٌ، صلتُها «هو قائم» والموصولُ مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ تقديرُه: كمَنْ ليس كذلك مِنْ شركائِهم التي لا تَضُرُّ ولا تنفع. ودلَّ على هذا المحذوفِ قولُه ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ ونحوُه قولُه تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ [الزمر: ٢٢] تقديره: كَمَنْ قَسا قلبُه، يَدُلُّ عليه ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله﴾ وإنما حَسَّن حَذْفَه كونُ الخبرِ مقابلاً للمبتدأ. وقد جاء منفياً كقولِه ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ

стр. 5211

كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ [الرعد: ١٩] . قوله: ﴿وَجَعَلُواْ﴾ يجوز أن يكونَ استئنافاً وهو الظاهرُ، جيءَ به للدلالةِ على الخبرِ المحذوفِ كما تقدم تقريرُه. وقال الزمخشري: «ويجوز أَن يُقَدَّر ما يقع خبراً للمبتدأ، ويُعْطَفَ عليه و» جعلُوا «، وتمثيلُه: أفَمَنْ هو بهذه الصفةِ لم يوحِّدوه، / وجعلوا له وهو اللهُ الذي يستحقُّ العبادةَ وحدَه شركاءَ. قال الشيخ:» وفي هذا التوجيهِ إقامةُ الظاهر مُقامَ المضمر في قوله «وجعلوا لله: أي له» ، وفيه حَذْفُ الخبرِ عن المقابل، وأكثرُ ما جاء هذا الخبرُ مقابلاً «. وقيل: الواو للحال والتقدير: اَفَمَنْ هو قائمٌ على نفسٍ موجودٌ، والحالُ أنهم جعلوا له شركاءَ، فَأُقيم الظاهرُ -وهو الله- مُقامَ المضمرِ، تقريراً للإِلهية وتصريحاً بها. وقال ابن عطيَّة:» ويظهر أن القولَ مرتبطٌ بقوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ كأن التقديرَ: أَفَمَنْ له القدرةُ والوحدانيةُ، ويُجْعَلُ له شريكٌ، أَهْلٌ أن ينتقمَ ويعاقِبَ أم لا «. وقيل:» وجعلوا «عطفٌ على» استُهزِئ «بمعنى: ولقدِ استهزَؤُوا وجعلوا. وقال أبو البقاء:» وهو معطوفٌ على «كَسَبَت» ، أي: وبجَعْلِهم لله شركاءَ «.

стр. 5212

قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أم هذه منقطعةٌ مقدَّرةٌ ب» بل «والهمزةِ، والاستفهامُ للتوبيخ: بل أتُنَبِّئونه شركاء لا يعلمهم في الأرض، ونحوُه: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾ [يونس: ١٨] ، فجعل الفاعلَ ضميراً عائداً على الله، والعائدُ على» ما «محذوفٌ، تقديرُه: بما لا يعلمُهُ اللهُ، وقد تقدَّم في تلك الآيةِ أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على» ما «وهو جائزٌ هنا أيضاً. قوله: ﴿أَم بِظَاهِرٍ﴾ الظاهرُ أنها منقطعة. و» الظاهر «هنا قيل: الباطلُ. وأنشدوا: ٢٨٦ - ٢- أَعَيَّرْتَنا ألبانَها ولحومَها ... وذلك عارٌ يا بنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ أي باطِلٌ، وفَسَّره مجاهدٌ» بكذبٍ «وهو موافقٌ لهذا. وقيل:» أم «متصلةٌ، أي: اتنبئونه بظاهرٍ لا حقيقةَ له. قوله: ﴿وَصُدُّواْ﴾ قرأ الكوفيون» وصُدُّوا «مبنياً للمفعول، وفي غافر ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ [الآية: ٣٧] كذلك. وباقي السبعة مبنيِّين للفاعل. و» صَدَّ «جاء لازماً ومتعدياً فقراءةُ الكوفةِ من المتعدِّي فقط، وقراءةُ الباقين تتحمل أن يكونَ من المتعدِّي ومفعولُه محذوفٌ، أي: وصَدُّوا غيرَهم أو أنفسَهم، وأن يكونَ مِنَ اللازم، أي: أَعْرَضوا وتَوَلَّوا. وقرأ ابنُ وثاب» وصِدُّوا «و ﴿وصِدَّ عن السبيل﴾ بكسرِ الصاد، وهو

стр. 5213

مبنيٌّ للمفعول، اجراه مُجْرى قِيْل وبِيْع، فهو كقراءة ﴿رِدَّت إلينا﴾ ، [وقوله:] ٢٨٦ - ٣- وما حِلَّ مِنْ جهلٍ حُبا حُلَمائِنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد تقدم.

стр. 5214

قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ : مبتدأ، وخبرُه محذوفٌ تقديره: فيما قَصَصْنا، أو فيما يُتْلَى عليكم مَثَلُ الجنَّة، وعلى هذا فقولُه ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ تفسيرٌ لذلك المَثَل. وقال أبو البقاء: «فعلى هذا» تَجري «» حالٌ من العائدِ المحذوف في «وُعِد» ، أي: وُعِدَها مُقَدَّراً جَرَيَانُ أنهارها «. ونَقَل عن الفراء أنه جعل الخبر قوله» تجري «. قال:» وهذا خطأٌ عند البصريين «. قال:» لأنَّ المَثَلَ لا تَجْري مِنْ تَحتِه الأنهارُ، وإنما هو من صفاتِ المضافِ إليه، وشُبْهَتُه: انَّ المَثَل هنا بمعنى الصفة فهو كقولِه «صِفَةُ زيدٍ أنه طويلٌ» ، ويجوز أن يكونَ «تجري» مستانَفاً «. قلت: وهذا الذي ذكره ابو البقاء نَقَل نحوَه الزمخشريُّ: ونَقَل غيرُه عن الفراء في الآية تاويلين آخرين، أحدُهما: على حذف لفظةِ» أنَّها «والأصلُ: صفةُ الجنَّة أنها تجري، وهذا منه تفسيرُ معنىً لا إعرابٍ، وكيف

стр. 5215

يَحْذِفُ» أنها «من غير دليلٍ. والثاني: أنَّ لفظةَ» مثل «زائدةٌ، والأصل: الجنة تجري مِنْ تحتِها الأنهار، وزيادةُ» مَثَل «كثيرةٌ في لسانِهم. ومنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٧] وقد تقدَّم. وقال الزمخشري:» وقال غيرُه: -أي سيبويه - الخبر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ كما تقول: صفةُ زيدٍ أسمرُ «. قال الشيخ:» وهذا أيضاً لا يَصِحُّ أن يكونَ «تَجْري» خبراً عن الصفةِ، ولا «أسمر» خبراً عن الصفة، وإنما يُتَأَوَّل «تجري» على إسقاطِ «أنْ» ورفعِ الفعل، والتقدير: أَنْ تَجْري، أي: جَرَيانُها. وقال الزجَّاج: «مَثَل الجنَّة جَنَّةٌ تجري، على حَذْفِ الموصوفِ تمثيلاً لِما غاب عنَّا بما نشاهده» . ورَدَّ عليه أبو عليٍّ قال: «لا يَصِحُّ ما قال الزجاج، لا على معنى الصفة، ولا على معنى الشَّبَه؛ لأنَّ الجنَّةَ التي قَدَّرها جثةٌ ولا تكونُ الصفة، ولأنَّ الشَّبه عبارةٌ عن المماثلةِ التي بين المتماثلين وهو حَدَثٌ، والجنَّةُ جثَّةٌ فلا تكون المماثلةُ، والجمهورُ على أن المَثَلَ هنا بمعنى الصفة فليس هنا ضَرْبُ مَثَلٍ، فهو كقولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠] وأنكر أبو علي أَنْ تكون بمعنى الصفة، وقال: معناه الشبه.

стр. 5216

وقرأ عليٌّ وابن مسعود» أمثال الجنة «، أي: صفاتها. و ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ كقوله» تَجْرِي «في الاستئناف التفسيري أو الخبرية أو الحالية. وقد تقدَّم خلافُ القرَّاءِ فيه في البقرة» .

стр. 5217

قوله تعالى: [ ﴿ولا أُشْرِكَ﴾ ] : قرأ نافع في روايةٍ عنه برفع ﴿ولا أُشْرِكُ﴾ وهي تحتمل القطع، أي: وأنا لا أُشْرِك، وقيل: هي حالٌ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المنفيَّ ب «لا» كالمُثْبِتِ في عدمِ مباشرة واوِ الحال له.

стр. 5218

و ﴿حُكْماً﴾ حال/ من مفعولِ «أنزلناه» . والكاف في «كذلك» نصب، أي: وكما يَسَّرنا هؤلاء للفرحِ، وهؤلاء لإِنكار البعضِ كذلك اَنْزَلْناه حُكْماً.

стр. 5219

وقرأ أبو عمروٍ وابنُ كثيرٍ وعاصمٌ: «ويُثْبتُ» مخففاً مِنْ اَثْبَتَ، والباقون بالتشديد والتضعيف، والهمزةُ للتعدية. ولا يَصِحُّ ان يكونَ التضعيفُ للتكثير، إذ من شرطِه أن يكون متعدياً قبل ذلك. ومفعولُ «يُثْبِتُ» محذوفٌ، أي: ويُثْبِتُ ما يشاء.

стр. 5220

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ : جوابٌ للشرط قبله. قال الشيخ: «والذي تقدَّم شرطان؛ لأنَّ المعطوفَ على الشرط شرطٌ: فامَّا كونُه جواباً للشرط الأول فليس بظاهرٍ؛ لأنه لا يترتَّب عليه؛ إذ يصير
следующие страницы →