Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
له، فلمَّا قُدِّمَتْ انتصبَتْ حالاً. ويجوز أن تكونَ حالاً من الضميرِ المستترِ في الجارِّ، وهو «لكلِّ بابٍ» والعاملُ في هذه الحالِ ما عَمِل في هذا الجارَّ. ولا يجوز أن تكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في «مَقْسُوم» لأنَّ الصفةَ لا تعمل فيما قبل الموصوفِ. ولا يجوز أن تكونَ صفةً ل «باب» لأنَّ البابَ ليس من الناس.
وقرأ أبو جعفر بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، كأنه ألقى حركةَ الهمزةِ على الزاي، ووَقَفَ عليها فَشَدَّدها، كقولهم: «خالدّْ» ، ثم أَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ.
стр. 5392
وكَسرَ عينَ ﴿وَعُيُونٍ﴾ : منكِّراً و «العِيون» مُعَرَّفاً حيث وقع ابنُ كثير والأخوان وأبو بكر وابن ذكوان. والباقون بالضمِّ وهو الأصل.
стр. 5393
قوله تعالى: ﴿ادخلوها﴾ : العامَّةُ على وَصْلِ الهمزةِ من دَخَل يَدْخُل. وقد تقدَّم خلافُ القرِّاء في حركةِ هذا التنوين/ لالتقاء الساكنين في البقرة. وقرأ يعقوب بفتح التنوين وكسرِ الخاء. وتوجيهُها: أنه أمرٌ مِنْ أَدْخَل يُدْخِل، فلمَّا وقع بعد «عيون» ألقى حركة الهمزةِ على التنوين لأنها همزةُ قطع، ثم حذفها. والأمرُ مِنَ الله تعالى للملائكةِ، أي أَدْخِلوها إياهم.
وقرأ الحسن ويعقوب أيضاً «أُدْخِلوها» ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ
стр. 5394
يعقوبَ ضمَّ التنوين، ووجهُه: أنه أخذه مِنْ أَدْخَلَ رباعياً، فألقى حركَة همزةِ القطع على التنوين، كما ألقى حركةَ المفتوحةِ في قراءتِه الأولى. والحسن كَسَره على أصلِ التقاءِ الساكنين، ووجهُه: أن يكونَ أجرى همزةَ القطعِ مُجْرى همزةِ الوصلِ في الإِسقاط.
وقراءةُ الأمرِ على إضمارِ القول، أي: يُقال لأهل الجنة: ادْخُلوها. أو يُقال للملائكة: أَدْخِلُوها إياهم. وعلى قراءة الإِخبار يكون مستأنفاً مِنْ غيرِ إضمارٍ قولٍ.
قوله: «بسلامٍ» حالٌ، أي: ملتبسين بالسلامة، أو مُسلَّماً عليكم.
قوله: آمِنين «حالٌ أخرى وهي بدلٌ مِمَّا قبلها: إمَّا بدلُ كلٍ من كلٍ، وإمَّا بدلُ اشتمال؛ لأنَّ الأَمْنَ مُشْتملٌ على التحيةِ أو بالعكس.
стр. 5395
قوله تعالى: ﴿إِخْوَاناً﴾ : يجوز فيه أن يكونَ حالاً من «هم» في «صدورِهم» ، وجاز ذلك لأنَّ المضافَ جزءُ المضاف إليه. وقال أبو البقاء: «والعاملُ فيها معنى الإِلصاق» . ويجوز أن يكونَ حالاً مِنْ فاعل «ادْخُلوها» على أنها حالٌ مقدرةٌ، كذا قال أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه، بل هي حالٌ مقارِنةٌ، ويجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في «آمِنين» ، وأن يكونَ حالاً مِنَ الضمير في قوله ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ .
قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ يجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ «إخواناً» لأنه بمعنى متصافِّيْنَ على سُرُر. قاله أبو البقاء، وفيه نظرٌ من حيث تأويلُ جامدٍ بمشتق بعيدٍ
стр. 5396
منه. و «متقابلين» على هذا حالٌ من الضمير في «إخواناً» ، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لإِخوان، وعلى هذا ف «متقابلين» حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ. ويجوز أن يتعلَّقَ ب «متقابلين» ، أي: متقابلين على سُرُرٍ، وعلى هذا ف «متقابلين» حالٌ من الضمير في «إخواناً» أو صفةٌ ل «إخواناً» ويجوز نصبُه على المدح، يعني أنه لا يمكن أن يكونَ نعتاً للضمير فلذلك قُطِعَ.
والسُّرُر: جمع سَرِيْر وهو معروفٌ. ويجوز في «سُرُر» ونحوِه ممَّا جُمِعَ على هذه الصيغةِ مِنْ مضاعَف فعيل فَتْحُ العين تخفيفاً، وهي لغةُ كلبٍ وتميم فيقولون: سُرَرٌ وذُلَلٌ في جمع: سَرير وذَليل.
стр. 5397
قوله تعالى: ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ : يجوز أن تكون هذه مستأنفةً، ويجوزُ أن تكونَ حالاً من الضمير في «متقابلين» . والنَّصَب: التَّعَبُ. يُقالا منه: نَصِبَ يَنْصِبُ فهو نَصِبٌ وناصِب، وأَنْصَبَني كذا. قال:
٢٩٤ - ١- تأوَّبَني هَمٌّ مع الليلِ مُنْصِبُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهَمٌّ ناصِبٌ، أي: ذو نَصَب ك لا بنٍ وتامرٍ. قال النابغة:
٢٩٤ - ٢- كِلِيْني لِهَمٍّ يا أُميمةُ ناصِبِ ... وليلٍ أقاسيه بَطِيْءِ الكواكبِ
و «منها» متعلقٌ ب «مُخْرَجِيْن» .
стр. 5398
قوله تعالى: ﴿أَنَا الغفور﴾ : يجوز في «أنا» أن يكونَ تأكيداً، وأن يكونَ مبتدأً، وأن يكونَ فصلاً.
стр. 5399
قوله تعالى: ﴿هُوَ العذاب﴾ : يجوز في «هو» الابتداء والفصلُ، ولا يجوزُ التوكيدُ؛ إذ المُظْهَرُ لا يُؤَكَّد بالمضمرِ.
стр. 5400
قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ : في «إذ» وجهان: أحدُهما: أنه مفعولٌ بفعلٍ مقدَّر، أي: اذكر إذ دخلوا. والثاني: أنه ظرفٌ على بابِه. وفي العاملِ فيه وجهان، أحدُهما: أنه محذوفٌ تقديره: خبر «ضيفِ» . والثاني: أنه نفس «ضيف» . وفي توجيه ذلك وجهان، أحدُهما: أنه لمَّا كان في الأصل مصدراً اعتُبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريَّته بعد الوصفِ بِه عدمُ مطابقته لِما قبله تثنيةً وجمعاً وتانيثاً في الأغلب، ولأنه قائمٌ مَقامَ وصفٍ، والوصفُ يعمل. والثاني: أنه على حَذْفِ مضاف، أي: أصحاب ضيفِ إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدرُ باقٍ على حالِه فلذلك عَمِلَ.
وقال أبو البقاء: -بعد أنْ قَدَّر أصحابَ ضيافته -/ «والمصدرُ على هذا مضافٌ إلى المفعول» . قلت: وفيه نظر؛ إذ الظاهرُ إضافتُهُ لفاعِله، إذ النبيُّ ﷺ هو. . . . . . . .
стр. 5401
قوله تعالى: ﴿لاَ تَوْجَلْ﴾ : العامة على فتح التاء، مِنْ وَجِل كشَرِب يَشْرَب، والفتحُ قياسُ فَعِل، إلا أنَّ العربَ آثرَتْ يَفْعِل بالكسرِ في بعضِ الألفاظِ إذا كانت فاؤه واواً نحو: يَثِقُ.
وقرأ الحسن «تُوْجَل» مبنياً للمفعول من الإِيجال. وقُرِئ «لا تَاجَل»
стр. 5402
والأصلُ «تَوْجَل» كقراءة العامَّةِ، إلاَّ أنه أبدل من الواو ألفاً لانفتاحِ ما قبلها، وإن لم تتحرَّكْ، كقولهم: تابة وصامة، في تَوْبة وصَوْمَة، وسُمِع:: اللهم تقبَّل تابتي وصامتي «. وقُرِئ أيضاً» لا تَوَاجَلْ «من المواجلة.
стр. 5403
قوله تعالى: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ قرأ الأعرج «بَشَّرْتموني» بإسقاطِ أداةِ الاستفهام، فتحتمل الإِخبارَ، وتحتمل الاستفهامَ وإنما حَذَفَ أداتَه للعلمِ بها.
قوله: ﴿على أَن مَّسَّنِيَ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال. وقرأ ابنُ محيصن «الكُبْرُ» بزنةِ قُفْل.
قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ «بِمَ» متعلقٌ ب «تُبَشِّرون» ، وقُدِّم وجوباً لأنَّ له صدرَ الكلامِ. وقرأ العامَّةُ بفتح النون مخففةً على أنها نونُ الرفع، ولم يُذْكَرْ مفعولُ التبشير. وقرأ نافع بكسرها، والأصل «تُبَشِّرُوني» فَحَذَفَ الياءَ مجتزِئاً عنها بالكسرة. وقد غلَّطه أبو حاتم وقال: «هذا يكونُ في الشعرِ اضطراراً» .
وقال مكي: «وقد طَعَنَ في هذه القراءةِ قومٌ لبُعْدِ مَخْرَجِها في
стр. 5404
العربيةِ؛ لأنَّ حَذْفَ النونِ التي تصحب الياءَ لا يَحْسُنُ إلا في شِعْرٍ، وإن قُدِّر حَذْفُ النونِ الأولى حَذَفْتَ عَلَمَ الرفعِ من غيرِ ناصبٍ ولا جازمٍ؛ ولأنَّ نونَ الرفعِ كَسْرُها قبيحٌ، إنما حَقُّها الفتح» . وهذا الطعنُ لا يُلتفت إليه لأنَّ ياءَ المتكلمِ قد كَثُرَ حَذْفُها مجتزَأً عنها بالكسرةِ، وقد قرئ بذلك في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ الله تأمروني﴾ [الزمر: ٦٤] كما سيأتي بيانُه.
ووجهُه: أنه لَمَّا اجتمع نونان إحداهما للرفع، والأخرى نونُ الوقاية، استثقل اللفظ: فمنهم مَنْ أدغم، ومنهم مَنْ حذف. ثم اخْتُلِف في المحذوفة: هل هي في الأولى أو الثانية؟ وقد قدَّمْتُ دلائلَ كلِّ قولٍ مستوفاةً في سورةِ الأنعام. وقرأ ابن كثير بتشديدِها مكسورةً، أدغم الأولى في الثانية وحَذَف ياءَ الإِضافةِ. والحسن أثبت الياءَ مع تشديدِ النون. ويرجِّح قراءةَ مَنْ أثبت مفعولَ «تُبَشِّرون» وهو الياءُ قولُه: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ﴾ .
стр. 5405
و ﴿بالحق﴾ : متعلقٌ بالفعلِ قبله، ويَضْعُفُ أن يكون حالاً، أي: بَشَّرْناك ومعنا الحقُّ.
стр. 5406
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ﴾ : هذا الاستفهامُ معناه النفي؛ ولذلك وقع بعده الإِيجابُ ب «إلا» . وقرأ أبو عمروٍ والكسائي «يَقْنِط» بكسرِ عينِ هذا المضارعِ حيث وقع، والباقون بفتحها، وزيدُ بن علي والأشهبُ بضمِّها. وفي الماضي لغتان: قَنِط بكسر النون، يَقْنَظ بفتحها،
стр. 5407
وقَنَط بفتحِها يَقْنِط بكسرِها، ولولا أنَّ القراءةَ سُنَّةٌ متبعةٌ لكان قياسُ مِنْ قرأ «يَقْنَطُ» بالفتح أن يقرأَ ماضيَه «قَنِط» بالكسر، لكنهم أَجْمعوا على فتحِه في قولِه تعالى في قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: ٢٨] . والفتحُ في الماضي هو الأكثر ولذلك أُجْمِعَ عليه. ويُرَجِّح قراءَة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءةُ أبي عمروٍ في بعض الروايات ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ كفَرِح يَفْرَحُ فهو فَرِح. والقُنُوط: شدةُ اليأسِ من الخير.
стр. 5408
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ : فيه [أوجهٌ] أحدُها: أنه مستثنى متصلٌ على أنه مستثنى من الضميرِ المستكنِّ في «مجرمين» بمعنى: أَجْرَموا كلُّهم إلا آلَ لوطٍ فإنهم لم يُجْرِموا، ويكونُ قولُه ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ / استئنافَ إخبارٍ بنجاتهم لكونِهم لم يُجْرِموا، ويكون الإِرسالُ حينئذ شاملاً للمجرمين ولآلِ لوط، لإِهلاكِ أولئك، وإنجاءِ هؤلاء.
والثاني: أنه استثناءٌ منقطع؛ لأنَّ آل لوط لم يَنْدَرجوا في المجرمين البتَة. قال الشيخ: «وإذا كان استثناءً منقطعاً فهو ممِّا يجبُ فيه النصبُ، لأنه من الاستثناءِ الذي لا يمكن تَوَجُّه العاملِ إلى المستثنى فيه؛ لأنهم لم يُرْسَلوا إليهم، إنما أُرْسِلوا إلى القوم المجرمين خاصةً، ويكون قوله ﴿إِنَّا
стр. 5409
لَمُنَجُّوهُمْ﴾ جَرَى مجرى خبرِ» لكن «في اتصالِه بآلِ لوطٍ، لأنَّ المعنى: لكن آل لوطٍ مُنَجُّوهم. وقد زعم بعض النحويين في الاستثناءِ المنقطعِ المقدَّرِ ب» لكن «إذا لم يكن بعده ما يَصِحُّ أن يكونَ خبراً أنَّ الخبرَ محذوفٌ، وأنه في موضعِ رفعٍ لجريان» إلا «وتقديرها ب» لكن «.
قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ قولَهم: لا يتوجَّه عليه العاملُ، أي: لا يمكن، نحو:» ضحك القومُ إلا حمارَهم «، و» صَهِلَت الخيلُ إلا الإِبلَ «. وأمَّا هذا فيمكن الإِرسالُ إليهم مِنْ غيرِ مَنْعٍ. وأمَّا قولُه» لأنهم لم يُرْسَلُوا إليهم «فصحيحٌ لأنَّ حكمَ الاستثناءِ كلِّه هكذا، وهو أن يكونَ خارجاً عن ما حُكِم به الأولِ، لكنه لو تَسَلَّط عليه لَصَحَّ ذلك، بخلافِ ما ذكرْتُه مِنْ أمثلتِهم.
стр. 5410
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ امرأته﴾ : فيه وجهان: أحدُهما: أنه استثناءٌ مِنْ آل لوط. قال أبو البقاء: «والاستثناءُ إذا جاء بعد الاستثناءِ كان الاستثناءُ الثاني مضافاً إلى المبتدأ كقولِك:» له عندي عشرةٌ إلا أربعةً إلا درهماً «فإنَّ الدرهمَ يُستثنى من الأربعة، فهو مضافٌ إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلا أربعةً، أو عشرة إلا ثلاثةً» .
الثاني: أنَّها مستثناةٌ من الضمير المجرور في «مُنجُّوهم» . وقد مَنَعَ الزمخشريُّ الوجهَ الأول، وعَيَّن الثاني فقال: «فإن قلتَ: فقوله:» إلا امرأته «مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناءٌ مِنْ استثناءٍ؟ قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله» لمنجُّوهُمْ «وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيءٍ؛ لأنَّ الاستثناءَ من الاستثناء إنما يكونُ فيما اتَّحد الحكمُ فيه، وأن يقالَ: أهلكناهم إلا آلَ لوطٍ إلا امرأتَه، كما اتحد في قولِ المُطْلَق: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين
стр. 5411
إلا واحدةً، وقولِ المُقِرِّ لفلان: عليَّ عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا درهماً، وأمَّا الآيةُ فقد اختلف الحكمان لأنَّ ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ متعلقٌ ب» أَرْسَلْنا «أو بمجرمين، و ﴿إِلاَّ امرأته﴾ قد تعلَّق بقولِه» لمنجُّوهم «فأنَّى يكون استثناءً من استثناء» ؟
قال الشيخ: «ولمَّا استسلف الزمخشريُّ أن» امرأته «استثناءٌ من الضمير في لمنجُّوهم» أنى أن يكون استثناءً من استثناء؟ ومَنْ قال إنه استثناءٌ من استثناء فيمكن تصحيحُ قولِه بأحدِ وجهين، أحدُهما: أنَّه لمَّا كان «امرأتَه» مستثنى من الضمير في «لمُنجُّوهم» وهو عائدٌ على آلِ لوط صار كأنه مستثنى مِن آلِ لوط، لأنَّ المضمرَ هو الظاهر. والوجهُ الآخر: أن قولَه ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ لمَّا حَكَمَ عليهم بغيرِ الحكم الذي حَكَم به على قومٍ مجرمين اقتضى ذلك نجاتَهم فجاء قولُه: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تاكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آلَ لوط لم يُرْسَلْ إليهم بالعذاب، ونجاتُهم مترتبةٌ على عدمِ الإِرسال إليهم بالعذاب، فصار نظيرَ قولِك: «قام القومُ إلا زيداً لم يَقُمْ» ، أو «إلا زيداً فإنه لم يَقُمْ» ، فهذه الجملةُ تأكيدٌ لِما تَضَمَّن الاستثناءُ من الحكم على ما بعد إلاّ بضدِّ الحكم السابق على المستثنى منه، ف «إلا امرأته» على هذا التقريرِ الذي قَرَّرْناه مستثنى مِنْ آل لوط، لأنَّ الاستثناءَ ممَّا جيء به للتأسيسِ أَوْلَى من الاستثناءِ ممَّا جِيْءَ به للتأكيد «.
وقرأ الأخوان» لمُنَجُوْهم «مخفَّفاً، وكذلك خَفَّفا أيضاً فِعْلَ هذه الصفةِ في قولِه تعالى في العنكبوت: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [الآية: ٣٢] وكذلك خَفَّفا أيضاً
стр. 5412
قولَه فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [الآية: ٣٣] فهما جاريان على سَنَنٍ واحد.
وقد وافقهما ابنُ كثير/ وأبو بكر على تخفيف «مُنْجوك» كأنهما جمعا بين اللغتين. وباقي السبعة بتشديد الكلِّ، والتخفيفُ والتشديدُ لغتان مشهورتان مِنْ نَجَّى وأَنْجَى كأَنْزَلَ ونَزَّل، وقد نُطِقَ بفعلهما قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وفي موضعٍ آخرَ ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: ٢٣] .
قوله: «قَدَّرْناها» أبو بكر بتخفيف [الدال] والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَرَ وقدَّر، وهذا الخلافُ أيضاً جارٍ في سورة النمل.
قوله: «إنَّها» كُسِرتْ من أجلِ اللامِ في خبرها وهي معلِّقةٌ لِما قبلها، لأنَّ فِعْلَ التقديرِ يُعَلَّقُ إجراءً له مُجْرى العِلْم: إمَّا لكونِه بمعناه، وإمَّا لأنَّه مترتِّبٌ عليه. قال الزمخشري: «فإن قلتَ» لِمَ جاز تعليقُ فِعْلِ التقدير في قوله «قَدَّرْنَآ إِنَّهَا» ، والتعليق مِنْ خصائصِ أفعالِ القلوب؟ قلت: لتضمُّنِ فِعْلِ التقدير معنى العِلْمِ «. قال الشيخ:» وكُسِرَتْ «إنها» إجراءً لفعل التقدير مُجْرى العِلْم «. قلت: وهذا لا يَصِحُّ علةً لكسرِها، إنما يَصْلُحُ علةً لتعليقِها الفعلَ قبلها، والعلةُ في كسرِها ما قَدَّمْتُه في وجودِ اللامِ ولولاها لفُتِحَتْ.
стр. 5413
قوله تعالى: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضرابٌ عن المفعول المحذوفِ تقديرُه: ما جئناك بما يُنْكَرُ، بل جِئْناك.
стр. 5414
وقد تقدَّم الخلافُ في قولِه تعالى: ﴿فَأَسْرِ﴾ : قطعاً ووصلاً في هود. وقرأ اليمانيُّ فيما نقل ابن عطية وصاحب «اللوامح» «فَسِرْ» من السَّيْر. وقرأت فرقةٌ «بقِطَع» بفتح الطاء. وقد تَقَدَّم في يونس: أن الكسائيَّ وابنَ كثير قرآه بالسكون في قوله «قطعاً» ، والباقون بالفتح.
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حيث» على بابِها مِنْ كونِها ظرفَ مكانٍ مبهمٍ، ولإِبهامها تعدَّى إليها الفعلُ من غير واسطة على أنه قد جاء في الشعر تَعَدِّيْه إليها ب «في» كقولِه:
٢٩٤ - ٣- فَأصْبَحَ في حيثُ التقَيْنا شريدُهُمْ ... طَليقٌ ومكتوفُ اليدين ومُزْعِفُ
وزعم بعضُهم أنها هنا ظرفُ زمانٍ، مستدلاًّ بقولِه «بقِطْعٍ من الليل» ، ثم قال: ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ، أي: في ذلك الزمان. وهو ضعيفٌ، ولو كان كما قال لكان التركيبُ: حيث أُمِرْتم، على أنه لو جاء التركيب كذا لم يكن فيه دلالةٌ.
стр. 5415
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضَمَّن القضاءَ معنى الإِيحاء، فلذلك تَعَدَّى تعديتَه ب «إلى» ، ومثلُه: ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإِسراء: ٤] .
قوله: ﴿ذَلِكَ الأمر﴾ «ذلك» مفعولُ القضاء، والإِشارةُ به إلى ما وَعَدَ من إهلاكِ قومِه، و «الأمرَ» : إمَّا بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ﴾ العامَّةُ على فتحِ «أنَّ» وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ مِنْ «ذلك» إذا قلنا: «الأمر» عطفُ بيان. الثاني: أنها بدل من «الأمر» سواء قلنا: إنها بيانٌ أو بدل ممَّا قبلَه. والثالث: أنه على حَذْفِ الجارِّ، أي: بأنَّ دابِرَ، ففيه الخلافُ المشهور.
وقرأ زيدُ بن علي بكسرِها؛ لأنه بمعنى القولِ، أو على إضمار القول. وعَلَّله الشيخُ بأنَّه لمَّا عَلَّق ما هو بمعنى العلم كُسِر. وفيه النظرُ المتقدم.
قوله: ﴿مُّصْبِحِينَ﴾ حالٌ من الضمير المستتر في «مقطوعٌ» وإنما جُمِع حَمْلاً على المعنى، وجعله الفراء وأبو عبيد خبراً ل «كان» مضمرة، قالا: «
стр. 5416
وتقديره: إذا كانوا مُصْبِحين نحو:» أنتَ ماشياً أحسنُ منك راكباً «. وهو تكلُّفٌ. و» مُصْبِحين «داخلين في الصَّباح فهي تامَّةٌ.
стр. 5417
قوله تعالى: و ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ : حال.
стр. 5418
قوله تعالى: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ : يجوز فيه أوجهٌ، أحدها: أن يكونَ «بناتي» مفعولاً بفعلٍ مقدرٍ، أي: تَزَوَّجوا هؤلاء. و «بناتي» بيانٌ أو بدلٌ. الثاني: أن يكونَ «هؤلاء بناتي» مبتدأً وخبراً ولا بُدَّ مِنْ شيءٍ محذوفٍ تَتِمُّ به الفائدةُ، أي: فَتَزَوَّجُوْهن. الثالث: أن يكونَ «هؤلاء» مبتدأً، و «بناتي» بدلٌ أو بيان، والخبرُ محذوفٌ، أي: هُنَّ أطهرُ لكم، كما جاء في نظيرتها.
قوله: ﴿فَلاَ تَفْضَحُونِ﴾ [الحجر: ٦٨] : الفَضْحُ والفَضيْحَةُ البيان والظهور، ومنه فَضَحَه الصُّبْحُ قال:
٢٩٤ - ٤- ولاحَ ضوءُ هِلالِ الليل يَفْضَحُنا ... مثلَ القُلامَةِ قد قُصَّتْ من الظُفُرِ
إلا أنَّ الفضيحةَ اختصَّتْ بما هو عارٌ على الإِنسانِ عند ظهورِه.
стр. 5419
قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ : مبتدأٌ، محذوفٌُ الخبر وجوباً، ومثلُه: لايْمُنُ الله. و «إنهم» وما في حَيِّزه جوابُ القسمِ تقديرُه:
стр. 5420
لَعَمْرك قسمي أو يميني إنهم. والعَمْر والعُمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنهم التزموا الفتح في القسم. قال/ الزجاج: «لأنَّه أَخَفُّ عليهم، وهم يُكْثرون القَسَم ب» لَعَمْري «و» لَعَمْرك «. وله أحكامٌ كثيرة منها: أنه متى اقترن بلامِ الابتداء لَزِم فيه الرفعُ بالابتداءِ، وحُذِفَ خبرُه، لِسَدِّ جوابِ القسم مَسَدَّه. ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يَتَعَيَّن فيه، بخلافِ غيرِه نحو: عهدُ الله وميثاقُه. ومنها: أنه يَلْزَمُ فَتْحُ عينِه، فإن لم يقترنْ به لامُ الابتداء جاز نصبُهُ بفعل مقدر نحو: عَمْرَ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذ في الجلالةِ وجهان: النصبُ والرفعُ، فالنصبُ على أنه مصدرٌ مضافٌ لفاعله وفي ذلك معنيان، أحدهمل: أنَّ الأصلَ: أسألُكَ بتعميرك اللهَ. أي: بوصِفك اللهَ تعالى بالبقاء، ثم حُذِف زوائدُ المصدرِ. والثاني: أن المعنى: عبادتك الله، والعَمْر: العبادة، حكى ابن الأعرابي» عَمَرْتُ ربي «، أي: عَبَدْته، وفلانٌ عامِرٌ ربِّه، أي: عابدُه.
وأمَّا الرفعُ: فعلى أنه مضافٌ لمفعولِه. قال الفارسي:» معناه: عَمَّرَك اللهُ تَعْميراً «. وقال الأخفش:» أصله: أسألك بتعميرك اللهَ، فحُذِفَ زوائدُ المصدرِ والفعلُ والباءُ فانتصب، وجاز أيضاً ذِكْرُ خبرِهِ فتقول: عَمْرُك قَسَمي لأقومَنَّ، وجاز أيضاً ضَمُّ عينِه، ويُنْشِدُ بالوجهين قولُه:
٢٩٤ - ٥- أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً ... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يلتقيانِ
стр. 5421
ويجوزُ دخولُ باءِ الجرِّ عليه، نحو: بعَمْرِكَ لأفعلَنَّ. قال:
٢٩٤ - ٦- رُقَيَّ بعَمْرِكُمْ لا تَهْجُرِينا ... ومَنَّيْنا المُنَى ثم امْطُلِينا
وهو من الأسماء اللازمة للإِضافة، فلا يُقطع عنها، ويُضاف لكلِّ شيءٍ. وزعم بعضُهم أنه لا يُضاف إلى الله. قيل: كأنَّ قائل هذا تَوَهَّم أنه لا يُسْتعمل إلا في الانقطاع، وقد سُمع إضافُته للباري تعالى. قال الشاعر:
٢٩٤ - ٧- إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ ... لعَمْرُ اللهِ أَعْجبني رِضاها
ومَنَع بعضُهم إضافتَه إلى ياءِ المتكلمِ قال: لأنه حَلْفٌ بحياة المُقْسِم، وقد وَرَدَ ذلك، قال النابغة:
٢٩٤ - ٣- لَعَمْري -وما عَمْري عليَّ بهَيِّنٍ- ... لقد نَطَقَتْ بُطْلاً عَلَيَّ الأقارِعُ
وقد قَلَبَتْه العربُ بتقديمِ رائِه على لامه فقالوا: «رَعَمْلي» ، وهي ردئيةٌ.
والعامَّة على كسرِ «إنَّ» لوقوعِ اللامِ في خبرها. وقرأ أبو عمروٍ في روايةِ الجَهْضَمِيِّ بفتحها. وتخريجُها على زيادةِ اللامِ وهي كقراءة
стр. 5422
ابن جبير: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: ٢٠] بالفتح.
والأعمش: «سَكْرِهم» دون تاءٍ. وابن أبي عبلة «سَكَراتهم» جمعاً. والأشهبُ «سُكْرَتِهم» بضم السين.
و «يَعْمَهُون» حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ، وإمَّا من الضميرِ المجرورِ بالإِضافةِ. والعامل: إمَّا نفسُ «سَكْرَة» لأنها مصدرٌ، وإمَّا معنى الإِضافة.
стр. 5423
قوله تعالى: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ : حالٌ مِنْ مفعول «أَخَذَتْهم» ، أي: داخلين في الشُّروق.
стр. 5424
والضميرُ في ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ للمدينة. وقال الزمخشري: «لقرى قومِ لوطٍ» . ورُجِّح الأولُ بأنه تقدَّم ما يعود عليه لفظاً بخلاف الثاني.
стр. 5425
قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ : متعلِّقٌ بمحذوف على أنه صفةٌ لآيات. والأجودُ أَنْ يتعلَّق بنفس «آياتٍ» لأنها بمعنى العلامات. والتَّوَسُّم تَفَعُّلٌ مِنَ الوَسْمِ، والوَسْم: أصلُه التَّثبُتُ والتفكُّر، مأخوذٌ من الوَسْم، وهو التأثير بحديدةٍ في جِلْد البعير أو غيره. وقال ثعلب: «الواسم: الناظرُ إليك مِنْ قَرْنِكَ إلى قَدَمِك» ، وفيه معنى التثُّبت. وقيل: / أصلُه: استقصاءُ
стр. 5426
التعرِّفِ يُقال: تَوَسَّمْتُ، أي: تَعَرَّفْتُ مُسْتَقْصِياً وجوهَ التعرُّف. قال:
٢٩٤ - ٩- أوَ كلما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عريفَها يتوسَّمُ
وقيل: هو تَفَعُّل من الوَسْمِ، وهو العَلاَمَةُ: تَوَسَّمْتُ فيك خيراً، أي: ظَهَر له مِيْسَمُه عليك. قال ابن رواحة في النبي ﷺ :
٢٩٥ - ٠- إنِّي تَوَسَّمْتُ فيك الخيرَ أَعْرِفُه ... والله يَعلم أني ثابتُ البَصَرِ
وقال آخر:
٢٩٥ - ١- تَوَسَّمْتُه لَمَّا رَأَيْتُ مَهابَةً ... عليهِ وقُلْتُ: المرءُ مِنْ آلِ هاشمِ
ويُقال: اتَّسَمَ الرجلُ: إذا اتَّخَذَ لنفسِه علامةً يُعْرَفُ بها، وتَوَسَّمَ: إذا طلبَ كَلأَ الوَسْمِيَّ، أي: العشبِ النابتِ في أولِ مطرِ [الربيعِ] .
стр. 5427
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ﴾ : الظاهرُ عَوْدُ الضميرِ على المدينة أو القُرى. وقيل: على الحجارةِ. وقيل: على الآيات.
стр. 5428
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ﴾ : «إنْ» هي
стр. 5429
المخففةُ واللامُ فارقةٌ، وقد تَقَدَّم حكمُ ذلك. والأَيْكَةُ: الشجرةُ المُلْتَفَّةُ، واحدةُ الأَيْكِ. قال:
٢٩٥ - ٢- تَجْلُوْ بقادِمَتَيْ حَمامةِ أيْكةٍ ... بَرَداً أُسِفَّ لِثاتُه بالإثْمِدِ
ويقال: لَيْكَة. وسيأتي بيانُ هذا عند اختلافِ القرَّاءِ فيه إن شاء الله تعالى في الشعراء.
стр. 5430
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ﴾ في ضمير التثنيةِ أقوالٌ، أَرْجَحُها: عَوْدُه على قريَتْي قومِ لوطٍ وأصحابِ الأيكة وهم قوم شُعَيب لتقدَّمِهما ذِكْراً. وقيل: يعودُ على لوطٍ وشُعَيْبٍ، وشعيبٌ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، ولكنْ دَلَّ عليه ذِكْرُ قومِه. وقيل: يعود على الخبرين: خبرِ إهلاكِ قومٍ لوطٍ، وخبر إهلاكِ قومِ شعيب. وقيل: يعودُ على أَصحابِ الأيكةِ وأصحابِ مَدْيَنَ؛ لأنه مُرْسَلٌ إليهما فَذِكْرُ أحدِهما مُشْعِرٌ بالآخرِ.
следующие страницы →