Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ : مفعولُه محذوفٌ، أي: أرسلنا رسلاً من قبلك، ف «مِنْ قبلك» يجوز أن يتعلَّقَ ب «أَرْسَلْنَا» ، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ، على أنه نعتٌ للمفعولِ المحذوفِ.
و ﴿شِيَعِ الأولين﴾ قال الفراء: «هو من إضافة الموصوفِ لصفتِه، والأصلُ: في الشِّيَع الأولين كصلاة الأُولى، وجانب الغربيّ» . والبصريون يُؤَوِّلُونه على حذفِ الموصوفِ، اي: في شِيَع الأممِ الأوَّلين، وجانب المكانِ الغربي، وصلاة الساعةِ الأولى.
стр. 5357
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري «حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ» ما «لا تدخُل على مضارعٍ إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» . وهذا الذي ذكرَه هو الأكثرُ في لسانِهم، لكنه قد جاءَتْ مقارِنَةً للمضارعِ المرادِ به الاستقبالُ كقولِه تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: ١٥] ، وأنشدوا للأعشى يمدح النبيَّ ﷺ :
٢٩٣ - ٣-
стр. 5358
له صَدَقاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُها ... وليس عطاءُ اليومِ مانِعَه غَدا
وقولَ أبي ذؤيب:
٢٩٣ - ٤- أودَى بَنِيَّ وأَوْدَعُونيْ حَسْرة ... عند الرُّقَادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعً
قوله: ﴿إِلاَّ كَانُواْ﴾ هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حالاً من مفعولِ «يَأتِيهمْ» . ويجوزُ أن تكونَ صفةً ل «رسول» فيكونَ في محلِّها وجهان: الجرُّ باعتبارِ اللفظ، والرفعُ باعتبارِ الموضعِ، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مقدرةٌ.
стр. 5359
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ يجوز في الكافِ أن تكونَ مرفوعةَ المحلِّ على أنها خبرُ مبتدأ مضمر، أي: الأمرُ كذلك، و «نَسْلُكُه» مستأنفٌ. ويجوز أن تكونَ منصوبةَ المحلِّ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: مثلَ ذلك السَّلْكِ ونحوِه نَسْلُكُه، أي: نَسْلُكُ الذِّكْرَ، وإمَّا حالاً من المصدرِ المقدَّرِ.
والهاءُ في «نَسْلُكُه» يجوز عَوْدُها للذِّكْر، وهو الظاهر. وقيل: يعودُ للاستهزاء. وقيل: على الشِّرك.!
стр. 5360
والهاء في: ﴿بِهِ﴾ يجوز عَوْدُها على ما تقدَّم من الثلاثة، ويكون تأويلُ عَوْدِها على الاستهزاءِ والشِّرْكِ، أي: لا يؤمنون بسببِه. وقيل: للرسولِ، وقيل: للقرآن. وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ حالاً، أي: لا يؤمنون مُسْتهزئين» قلت: كأنه جعل «به» متعلقاً بالحالِ المحذوفةِ قائماً مَقامَها، وهو مردودٌ؛ لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلةً أو خبراً تعلَّق بكونٍ مطلقٍ لا خاصٍ، وكذا الظرفُ.
стр. 5361
ومحلُّ ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ النصبُ على الحال، ويجوز أَنْ لا يكونَ لها محلَّ، لأنها بيانٌ لقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ .
وقوله ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ استئناف.
والسَّلْكُ: الإِدخال. يقال: سَلَكْتُ الخيطَ في الإبْرة، ومنه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] يُقال: سَلَكَه وأَسْلكه، أي: نَظَمَه، قال الشاعر:
٢٩٣ - ٥- وكنتُ لِزازَ خَصْمِك لم أُعَرِّدْ ... وقد سَلَكُوكَ في أَمْرٍ عَصِيْبِ
وقال الآخر في «أَسَلَكَ» :
٢٩٣ - ٦- حتى إذا أَسْلَكُوهمْ في قُتائِدَةٍ ... شَلاًّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدا
стр. 5362
قوله تعالى: ﴿فَظَلُّواْ﴾ : هي الناقصةُ، والضميرُ في «فظلُّوا» عائدٌ على الكفارِ المُفَتَّحِ لهم البابُ. وقيل: يعودُ على الملائكة. وقرأ الأعمشُ وأبو حَيْوة «يَعْرِجون» بكسر الراء، وهي في لغةُ هُذَيْلٍ في عَرَج يَعْرِج، أي: صَعِد.
стр. 5363
قوله تعالى: ﴿سُكِّرَتْ﴾ : قرأ ابن كثير «سُكِرَتْ»
стр. 5364
مبنياً للمفعول مخففَ الكاف، وباقي السبعة كذلك، إلا أنهم شدَّدُوا الكاف. والزهري «سَكِرَتْ» بفتح السين وكسرِ الكاف خفيفةً مبنياًَ للفاعل.
فأمَّا القراءةُ الأولى فيجوز أن تكونَ بمعنى المشددة، فإنَّ التخفيفَ يَصْلُح للقليلِ والكثير، وهما مأخوذتان من «السِّكْر» بكسرِ السينِ وهو السَّدُّ، فالمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا وسُدَّت. وقيل: بمعنى عُطِبَتْ. وقيل: بمعنى أُخِذَتْ. وقيل: بمعنى سُحِرَتْ. وقيل: المشدَّدُ مِنْ سِكْرِ الماء، والمخفَّفُ بمعنى سُحِرَتْ. / وقيل: المشدَّدُ مِنْ سِكْر الماءِ بالكسرِ، والمخفَّفُ مِنْ سُكْرِ الشَّراب بالضم.
والمشهورُ أنَّ «سَكَر» لا يتعدَّى فكيف بُني للمفعول. فقال أبو علي: «ويجوز أن يكونَ سُمِع متعدَّياً في البصر» والذي قاله المحققون مِنْ أهل اللغة أنَّ «سَكَرَ» : إنْ كان مَنْ سَكِرَ الشرابِ، أو مِنْ سَكَرِ الريح، فالتضعيفُ فيه للتعدية، وإن كان مِنْ سَكَرِ الماءِ فالتضعيفُ للتكثيرِ لأنه متعدًّ مخففاً، وذلك أنه يُقال: سَكَرَتْ الريح تَسْكُرُ سَكَراً إذا رَكَدَتْ، وسَكِر الرجلُ من الشراب سَكَراً إذا رَكَد ولم يَنْفُذْ لحاجته، فهذان قاصران، فالتضعيفُ فيهما للتعدية. ويقال: سَكَرْتُ الماءَ في مجارِيْه: إذا مَنَعْتَه من الجَرْيِ، فهذا متعدٍّ، قالتضعيفُ فيه للتكثير.
стр. 5365
وأمَّا قراءةُ ابنِ كثير فإن كانت مِنْ سَكَر الماءِ فواضحةٌ لأنه متعدٍّ، وإن كانَتْ مِنْ سَكَرِ الشَّرابِ أو سَكَر الريحِ فيجوز أن يكون الفعلُ استُعْمل لازماً تارةً ومتعدياً أخرى، نحو: رَجَع زيدٌ، ورَجَعَه غيرُه، وسَعَدَ وسَعَدَه غيرُه.
وقال الزمخشري: «وسُكِّرت: حُيِّرَتْ، أو حُبِسَتْ من السَّكَر أو السَّكْر، وقُرئ» سُكِرَتْ «بالتخفيف، أي: حُبِسَتْ كما يُحْبَسُ النهرُ مِنَ الجَرْيِ» فجعل قراءة التشديدِ محتملةً لمعنيين، وقراءةَ التخفيفِ لمعنىً واحدٍ.
وأمَّا قراءةُ الزُّهريِّ فواضِحَةٌ، أي: عُطِبَتْ. وقيل: هي مطاوعُ أَسْكَرْتُ المكانَ فسَكِرَ، أي: سَدَدْتُه فانْسَدَّ.
стр. 5366
قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا﴾ : يجوز أن يكونَ بمعنى خَلَقْنا، فيتعلَّقَ به الجارُّ، وأن يكونَ بمعنى صَيَّرنا، فيكون مفعولُه الأول «بُروجاً» ، ومفعولُه الثاني الجارَّ، فيتعلَّقُ بمحذوف.
و «للناظرين» متعلِّقٌ ب «زيَّنَاها» . والضميرُ للسماء. وقيل: للبروجِ، وهي الكواكبُ، زَيَّنها بالضوء. والنظر عينيٌّ. وقيل: قلبيٌّ. وحُذِف متعلِّقُه لِيَعُمَّ.
стр. 5367
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ استرق﴾ : فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: في محلِّ نصب على الاستثناءِ المتصلِ، والمعنى: فإنها لم تُحْفَظْ منه، قاله غيرُ واحدٍ. والثاني: منقطع، ومحلُّه النصبُ أيضاً. الثالث: أنه بدلٌ
стр. 5368
مِنْ ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ فيكون محلُّه الجرَّ، قاله الحوفي وأبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن الكلامَ موجَبٌ. الرابع: أنه نعتٌ ل ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ ، فيكونُ محلُّه الجرَّ على خلافٍ في هذه المسألة. الخامس: أنه في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه «فأَتْبعه» . وإنما دَخَلَتِ الفاءُ لأنَّ «مَنْ» : إمَّا شرطيةٌ، وإمَّا موصولةٌ مُشَبَّهَةٌ بالشرطية، قاله أبو البقاء، وحينئذ يكونُ من بابِ الاستثناء المنقطع.
والشِّهاب: الشٌُّعْلَةُ من النار، وسُمِّي بها الكوكبُ لِشِدَّة ضوئِه وبَرِيْقِهِ، ويُجمع على شُهُب في الكثرة، وأَشْهِبَة. والشُّهْبَةُ: بياضٌ مختلِط بسوادٍ تشبيهاً بالشهاب لاختلاطِه بالدخان، ومنه كتيبةٌ شَهْباءُ لسوادِ القوم وبياضِ الحديد، ومِنْ ثَمَّ غَلِط الناسُ في إطلاقهم الشُّهْبَةَ على البياضِ الخالِص.
стр. 5369
قوله تعالى: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ : «الأرض» نصبٌ على الاشتغالِ، ولم يُقرأ بغيرِه؛ لأنه راجحٌ مِنْ حيث العطفُ على جملةٍ فعليةٍ قبلها، وهي قوله ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً﴾ [الحجر: ١٦] .
قال الشيخ: «ولمَّا كانَتْ هذه الجملةُ بعدها جملةً فعليةً كان النصبُ ارجحَ مِنَ الرفع» قلت: لم يَعُدُّوا هذا من القرائن المرجَّحة للنصب، إنما عَدُّوا عطفَها على جملةٍ فعليةٍ قبلَها لا عطفَ جملةٍ فعليةٍ عليها، ولكنه القياسُ، إذ تُعْطَفُ فيه فعليةٌ على مثلِها بخلافِ ما لو رَفَعْتَ، إذ تَعْطِفُ فعليةً على اسميةٍ، لكنهم لم يعتبروا ذلك والضميرُ في «فيها» للأرض. وقيل: للرواسي. وقيل: لهما.
стр. 5370
قوله: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجوز في «مَنْ» أن تكونَ تبعيضيةً وهو الصحيحُ، وأن تكونَ مزيدةً عند الكوفيين والأخفش.
стр. 5371
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ﴾ : يجوز في «مَنْ» خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو قول الزجاج - أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ تقديرُه: وأَعَشْنا مَنْ لستم لهم برازقين، كالعبيد والدوابِّ/ والوحوشِ. الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على «معايش» ، أي: وجعلنا لكم فيها مَنْ لستم له برازقين من الدوابِّ المنتفعِ بها. الثالث: أنه منصوبٌ عطفاً على محلِّ «لكم. الرابع: أنه مجرورٌ عطفاً على» كم «المجرورِ باللام، وجاز ذلك مِنْ غيرِ إعادةِ الجارِّ على رأيِ الكوفيين وبعضِ البصريين، وقد تقدَّم تحقيقُه في سورة البقرة، عند قوله ﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد﴾ [البقرة: ٢١٧] . الخامس: أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ. أي: ومَنْ لستم له برازقين جَعَلْنا له فيها معايشَ، وسُمِع من العرب» ضربْتُ زيداً وعمروٌ «برفع» عمرٌو «مبتدأً، محذوفَ الخبر، أي: وعمرٌو ضربْتُه.
و» مَنْ «يجوز أن يُرادَ بها العقلاءُ، أي: ومَنْ لستُمْ له برازقين مِنْ مواليكم الذين تزعمون أنَّكم ترزقونه من وأن يُرادَ بها غيرُهم، أي: ومَنْ لَسْتُمْ له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسِّرين. ويجوز أن يُراد بها النوعان، وهو حَسَنٌ لفظاً ومعنى.
стр. 5372
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾ : «إنْ» نافيةٌ، و «مِنْ» مزيدةٌ في المبتدأ، و «عندنا» خبرُه، و «خزائنُه» فاعلٌ به لاعتماده، ويجوز أن يكونَ «عندنا» خبراً لما بعده، والجملةُ خبرُ الأولِ، والأولُ أَوْلى لقُرْب الجارِّ من المفرد.
قوله: ﴿إِلاَّ بِقَدَرٍ﴾ يجوزُ أن يتعلَّق بالفعلِ قبلَه، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعولِ، أي: إلاَّ ملتبساً بقَدرٍ.
стр. 5373
قوله تعالى: ﴿لَوَاقِحَ﴾ حالٌ مقدرةٌ من «الرياح» . وفي اللواقح أقوال، أحدها: أنه جمع «مُلْقِح» لأنه مِنْ أَلْقَحَ يُلْقِحُ فهو مُلْقِحٌ، فحقُّه مَلاقِح، فَحُذِفَتِ الميمُ تخفيفاً. يقال: أَلْقَحتِ الريحُ السحابَ، كما يقالُ: ألقح الفحلُ الأنثى. ومثله الطوائح، وأصلُه «المَطاوِح» لأنه مِنْ أطاح يُطيح قال:
٢٩٣ - ٧- لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيح الطَّوائِحُ
وهذا قول أبي عبيدة.
والثاني: أنها جمع لاقِح يُقال: لَقِحَتِ الريحُ: إذا حَمَلَتِ الماءَ. وقال الأزهري: «حوامِلُ تحملُ السَِّحابَ كقولك: أَلْقَحَتِ الناقةُ فَلَحِقَتْ، إذا حَمَلَتِ الجنينَ في بطنِها، فشُبِّهَتْ الريحُ بها، ومنه قوله:
٢٩٣ - ٨-
стр. 5374
إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ ... ضَروسٌ تَهِرُّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ
والثالث: أنها جمعُ» لاقِح «على النَسب ك لابنِ وتامرِ، أي: ذاتُ لِقاح؛ لأنَّ الريحَ إذا مَرَّتْ على الماء، ثم مَرَّتْ على السحابِ والماءِ كان فيها لِقاحٌ، قاله الفراء. وقد تقدَّم الخلافُ في» معايش «في الأعراف، وفي» يُنَزِّل «، وفي» الريح «في البقرة. ولم يَبْقَ هنا إلا مَنْ أفردَ» الريح «، فإنه يُقال: كيف نصبَ الحالَ مجموعةً عن مفردٍ؟ وقد تقدم أن المرادَ به الجنسُ وهو جمعٌ في المعنى فلا محذورَ.
قوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ يقال: أَسْقاه وسَقاه وسيأتي بيانُهما في السورة بعدها فإنه قُرِئ بهما. واتصل الضميران هنا لاختلافِهما رتبةً، ولو فُصِل ثانيهما لجاز عند غير سيبويه، وهذا كما تقدَّم في قولِه ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] .
قوله: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ جملةٌ مستأنفة و» له «متعلِّقٌ ب» خازنين «.
стр. 5375
قوله تعالى: ﴿لَنَحْنُ﴾ «نحن» يجوز أن يكونَ مبتدأً،
стр. 5376
و «نُحْيِيْ» خبرُه، والجملةُ خبرُ «إنَّا» . ويجوز أن يكونَ تأكيداً ل «ن» في «إنَّا» ، ولا يجوز أن يكونَ فَصْلاً لأنه لم يَقَعْ بين اسمين، وقد تقدَّم نظيرُه. وقال أبو البقاء: «لا يكون فَصْلاً لوجهين، أحدهما: أنَّ بعده فعلاً، والثاني: أنَّ معه اللامَ. قلت: الوجهُ الثاني غَلَطَ فإنَّ/ لامَ التوكيد لا يمتنع دخولُها على الفَصلِ، نصَّ النحاةُ على ذلك، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ القصص﴾ [آل عمران: ٦٢] جَوَّزوا فيه الفصلَ مع اقترانِه باللامِ.
стр. 5377
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ : «مِنْ» لابتداء الغاية أو للتبعيضِ. والصَّلْصال: قال أبو عبيدة: «وهو الطينُ المختلِطُ بالرَّمْل، ثم يَجِفُّ، فيُسمع له صَلْصَلَةٌ، أي: تَصْوِيْت» . وقال الزمخشري: «الطين اليابسُ الذي يُصَلْصِلُ من غيرِ طبخٍ، فإذا طُبِخَ فهو فَخَّار» . وقال أبو الهيثم: «هو صوت اللِّجامِ وما أشبهه كالقَعْقَعَة في الثوبِ» . وقال الزمخشري أيضاً: «قالوا: إذا تَوَهَّمْتَ في صوتِه مَدَّاً فهو صَليل، وإن توهَّمْتَ فيه ترجيعاً فهو صَلْصَلَة. وقيل: هو مِنْ تضعيفِ» صَلِّ: إذا أَنْتَنَ «. انتهى. وصَلْصال هنا بمعنى مُصَلْصِل كزَلْزال بمعنى مُزَلْزِل، ويكون فَعْلال أيضاً مصدراً نحو: الزِّلزال. ويجوز كسرُه أيضاً.
стр. 5378
وفي وزن هذا النوعِ أعني ما تكَّررت فاؤه وعينُه خلاف، فقيل: وزنه فَعْفَع، كُرِّرَتْ الفاءُ والعينُ ولا لامَ للكلمة، قاله الفراء وغيرُه. وهو غَلَطٌ لأنَّ أقلَّ الأصولِ ثلاثةٌ: فاء وعين ولام. الثاني: أنّ وزنَه فَعْفَل وهو قولُ الفرّاء. الثالث: أنه فَعَّل بتشديدِ العينِ وأصلُه صَلَّل، فلما اجتمع ثلاثةُ أمثالٍ أبدل الثاني من جنسِ فاءِ الكلمةِ وهو مذهبٌ كوفي. وخصَّ بعضُهم هذا الخلافَ بما إذا لم يختلَّ المعنى بسقوطِه نحو: لَمْلَمَ وكَبْكَبَ فإنك تقول فيهما: لَمَّ وكَبَّ، فلو لم يَصِحَّ المعنى بسقوطِه نحو: سِمْسِم، قال: فلا خلاف في أصالةِ الجميع.
قوله: ﴿مِّنْ حَمَإٍ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه في محلِّ جرّ صفةً لصَلْصال، فيتعلَّقُ بمحذوف. والثاني: أنه بدلٌ من» صَلْصال «بإعادة الجارِّ.
والحَمَأُ: الطينُ الأسودُ المُنْتِنُ. قال الليث:» واحدُه حَمَأة بتحريك العين «، جعله اسمَ جنسٍ، وقد غَلِط في ذلك؛ فإنَّ أهلَ اللغة قالوا: لا يُقال إلا» حَمْأة «بالإِسكان، ولا يُعْرَفُ التحريكُ، نصَّ عليه أبو عبيدة وجماعة، وأنشدوا لأبي الأسود:
٢٩٣ - ٩- يجيءُ بِمِلْئِها طَوْراً وطَوْراً ... يَجِيءُ بِحَمْأَةٍ وقليلِ ماءِ
فلا تكون» الحَمْأَةُ «واحدةَ» الحَمَأ «لاختلاف الوزنين.
стр. 5379
والمَسْنُون: المَصْبوبُ مِنْ قولهم: سَنَنْتُ الشرابَ كأنَّه لرطوبتِهِ جُعِل مَصْبوباً كغيره من المائعات، فكأنَّ المعنى: أَفْرغ صورة إنسانٍ كما تُفْرَغُ الجواهرُ المُذابة. قال الزمخشري:» وحَقُّ مَسْنُون بمعنى مُصَوَّر أن يكون صفةً لصَلْصال، كأنه أًَفْرغ الحَمَأَ فَصَوَّر منه تمثالَ شخصٍ «. قلت: يعني أنه يصيرُ التقدير: مِنْ صَلْصالٍِ مُصَوَّر، ولكن يلزم تقديمُ الوصفِ المؤوَّلِ على الصريح إذا جَعَلْنَا ﴿مِّنْ حَمَإٍ﴾ صفةً لصَلْصال، أمَّا إذا جَعَلْنَاه بدلاً منه فلا. وقيل: مَسْنُون مُصَوَّر، مِنْ سُنَّةِ الوجهِ وهي صورتُه. قال الشاعر:
٢٩٤ - ٠- تُريكَ سُنَّة وَجْهٍ غيرَ مُقْرِفَةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الزمخشري:» مِنْ سَنَنْتُ الحجرَ بالحجر: إذا حَكَكْتُه به فالذي يَسِيل بينهما «سَنينٌ» ولا يكون إلا مُنْتِناً «. وقيل: المَسْنُون: المنسوبُ إليه، والمعنى: يُنْسَبُ إليه ذُرِّيَّةً، وكأن هذا القائلَ أخذه مِنَ الواقع. وقيل: هو من أسِن الماءُ إذا تَغَيَّر، وهذا غَلطٌ لاختلافِ المادتين.
стр. 5380
قوله تعالى: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ : منصوبٌ على الاشتغال، ورُجِّح نصبُه لعطفِ جملتِه على جملةٍ فعلية. والجانُّ أو الجنُّ وهو إبليس كآدم أبي الإِنس. وقيل: اسمٌ لجنسِ الجِنِّ.
стр. 5381
وقرأ الحسن «والجَأَنَّ» وقد تقدَّم القولُ في ذلك في أواخر الفاتحة.
و ﴿مِن قَبْلُ﴾ و ﴿مِن نَّارِ﴾ متعلقان ب «خَلَقْنا» ؛ لأن الأولى لابتداءِ الغاية والثانيةَ للتبعيض، وفيه دليلٌ على أن «مِنْ» لابتداء الغايةِ في الزمانِ، وتأويلُ البصريين له ولنظائِره بعيدٌ.
والسَّمومُ: ما يَقْتُل من إفراطِ الحَرِّ من شمسٍ أو ريحٍ أو نار؛/ لأنها تَدْخُل في المَسامِّ فتقتُل. وقيل: السَّموم ما كان ليلاً، والحَرُور ما كان نهاراً.
стр. 5382
قوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ : تأكيدٌ ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت، خلافاً لبعضهم. قال أبو البقاء: «لكان حالاً [لا] توكيداً» يعني أنه يُفيد إفادةَ الحال مع أنه توكيدٌ، وفيه نظر؛ إذ لا منافاةَ بينهما بالنسبة إلى المعنى. ألا ترى أنه يجوز «جاؤوني جميعاً» مع إفادتِه للتوكيدِ، وقد تقدَّم لك تحريرُ هذا وحكايةُ ثعلب مع ابن قادم.
стр. 5383
قوله تعالى: ﴿لأَسْجُدَ﴾ : هذه لامُ الجحودِ.
وقوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ [الحجر: ٢٩] يجوز أن تتعلَّقَ اللامُ بالفعل قبلها، وأن تتعلَّق بساجدين. وقد تقدم نظائرُ ألفاظِ هذه القصة في البقرة والأعراف.
стр. 5384
قوله تعالى: ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلَّقَ بالاستقرار في «عليك» ، ويجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ اللعنةِ.
стр. 5385
والضميرُ في: ﴿لَهُمْ﴾ لذرِّيَّةِ آدم، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ للعِلْمِ بهم.
стр. 5386
قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ : «هذا» إشارةٌ إلى الإِخلاص المفهومِ من «المُخْلَصين» . وقيل: «هذا» ، أي: انتفاءُ تَزْيينِه وإغوائه. و «عليَّ» ، أي: مَنْ مَرَّ عليه مَرَّ عليَّ، أي على رضواني وكرامتي. وقيل: على بمعنى إلى، نُقِل عن الحسن.
وقرأ الضَّحاك وأبو رجاء وابن سيرين ويعقوب في آخرين: عَلِيٌّ «، أي: عالٍ مرتفعٌ.
стр. 5387
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ متصل، لأنَّ المرادَ بعبادي العمومُ طائعهم وعاصيهم، وحينئذ يَلْزَمُ استثناءُ الأكثرِ من الأقل، وهي مسالةُ خلافٍ.
стр. 5388
والثاني: أنه منقطعٌ؛ لأنَّ الغاوين لم يَنْدرجوا في «عبادي» ؛ إذ المرادُ بهم الخُلَّصُ، والإِضافةُ إضافةُ تشريفٍ.
стр. 5389
و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ : تأكيدٌ. وقال ابن عطية: «تأكيدٌ فيه معنى الحال» وفيه جنوحٌ لِمَنْ يَرَى اتحادَ الوقت. قوله: ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ في «أجمعين» وجهان أظهرُهما: أنه تأكيدٌ للضمير. والثاني: أنه حالٌ منه، والعاملُ فيه معنى الإِضافة، قاله أبو البقاء. وقد عَرَفْتَ خلافَ الناس في مجيءِ الحالِ من المضافِ إليه. ولا يَعْمل فيها المَوْعِدُ إن أريد به المكانُ، فإن أُريد به المصدرُ جاز أَنْ يعملَ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ، أي: مكان موعدِهم.
стр. 5390
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملةِ أن تكونَ مستأنفةً وهو الظاهرُُ، ويجوز أن تكونَ خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكونَ حالاً من «جهنم» لأنَّ «إنَّ» لا تعملُ في الحال، قاله أبو البقاء، وقياسُ ما ذكروه في ليت وكأنَّ ولعلَّ مِنْ أخواتها، مِنْ عملِها في الحال، لأنها بمعنى تَمَنَّيْتُ وشَبَّهْتُ وترجَّيْتُ: أن تعمل فيها «إنَّ» أيضاً؛ لأنها بمعنى أكَّدْتُ، ولذلك عَمِلَتْ عَمَلَ الفعلِ، وهي أصلُ البابِ.
قوله: «منهم» يجوز أن يكونَ حالاً مِنْ «جُزْء» لأنه في الأصل صفةٌ
стр. 5391
له، فلمَّا قُدِّمَتْ انتصبَتْ حالاً. ويجوز أن تكونَ حالاً من الضميرِ المستترِ في الجارِّ، وهو «لكلِّ بابٍ» والعاملُ في هذه الحالِ ما عَمِل في هذا الجارَّ. ولا يجوز أن تكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في «مَقْسُوم» لأنَّ الصفةَ لا تعمل فيما قبل الموصوفِ. ولا يجوز أن تكونَ صفةً ل «باب» لأنَّ البابَ ليس من الناس.
وقرأ أبو جعفر بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، كأنه ألقى حركةَ الهمزةِ على الزاي، ووَقَفَ عليها فَشَدَّدها، كقولهم: «خالدّْ» ، ثم أَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ.
стр. 5392
وكَسرَ عينَ ﴿وَعُيُونٍ﴾ : منكِّراً و «العِيون» مُعَرَّفاً حيث وقع ابنُ كثير والأخوان وأبو بكر وابن ذكوان. والباقون بالضمِّ وهو الأصل.
стр. 5393
قوله تعالى: ﴿ادخلوها﴾ : العامَّةُ على وَصْلِ الهمزةِ من دَخَل يَدْخُل. وقد تقدَّم خلافُ القرِّاء في حركةِ هذا التنوين/ لالتقاء الساكنين في البقرة. وقرأ يعقوب بفتح التنوين وكسرِ الخاء. وتوجيهُها: أنه أمرٌ مِنْ أَدْخَل يُدْخِل، فلمَّا وقع بعد «عيون» ألقى حركة الهمزةِ على التنوين لأنها همزةُ قطع، ثم حذفها. والأمرُ مِنَ الله تعالى للملائكةِ، أي أَدْخِلوها إياهم.
وقرأ الحسن ويعقوب أيضاً «أُدْخِلوها» ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ
стр. 5394
يعقوبَ ضمَّ التنوين، ووجهُه: أنه أخذه مِنْ أَدْخَلَ رباعياً، فألقى حركَة همزةِ القطع على التنوين، كما ألقى حركةَ المفتوحةِ في قراءتِه الأولى. والحسن كَسَره على أصلِ التقاءِ الساكنين، ووجهُه: أن يكونَ أجرى همزةَ القطعِ مُجْرى همزةِ الوصلِ في الإِسقاط.
وقراءةُ الأمرِ على إضمارِ القول، أي: يُقال لأهل الجنة: ادْخُلوها. أو يُقال للملائكة: أَدْخِلُوها إياهم. وعلى قراءة الإِخبار يكون مستأنفاً مِنْ غيرِ إضمارٍ قولٍ.
قوله: «بسلامٍ» حالٌ، أي: ملتبسين بالسلامة، أو مُسلَّماً عليكم.
قوله: آمِنين «حالٌ أخرى وهي بدلٌ مِمَّا قبلها: إمَّا بدلُ كلٍ من كلٍ، وإمَّا بدلُ اشتمال؛ لأنَّ الأَمْنَ مُشْتملٌ على التحيةِ أو بالعكس.
стр. 5395
قوله تعالى: ﴿إِخْوَاناً﴾ : يجوز فيه أن يكونَ حالاً من «هم» في «صدورِهم» ، وجاز ذلك لأنَّ المضافَ جزءُ المضاف إليه. وقال أبو البقاء: «والعاملُ فيها معنى الإِلصاق» . ويجوز أن يكونَ حالاً مِنْ فاعل «ادْخُلوها» على أنها حالٌ مقدرةٌ، كذا قال أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه، بل هي حالٌ مقارِنةٌ، ويجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في «آمِنين» ، وأن يكونَ حالاً مِنَ الضمير في قوله ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ .
قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ يجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ «إخواناً» لأنه بمعنى متصافِّيْنَ على سُرُر. قاله أبو البقاء، وفيه نظرٌ من حيث تأويلُ جامدٍ بمشتق بعيدٍ
следующие страницы →