← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

١٦٤٩ - ;لَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ﴾ يَحْتمل ما ذكرناه فيما تقدَّم، إذا جَعَلْنا «يقولون» خبراً فلا بُدَّ مِنْ عائدٍ محذوفٍ، أي: يقولون لهم، وإذا لم نَجْعَلْه خبراً كان حالاً من «الملائكة» / فيكون «طيبين» حالاً مِنَ المفعولِ، و «يقولون» حالاً مِن الفاعل. وهي يجوز أن تكونَ حالاً مقارِنَةً إن كان القولُ واقعاً في الدنيا، ومقدَّرةً إنْ كان واقعاً في الآخرة. و «ما» في «بما» مصدريةً، أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ.

стр. 5497

وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة﴾ : وقد تقدَّم في

стр. 5498

آخرِ الأنعام أن الأَخَوَيْنِ يَقْرآن بالياء مِنْ تحتُ، والباقين يقرؤون بالتاءِ من فوقُ، وهما واضحتان لكونِه تأنيثاً مجازياً.

стр. 5499

وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ﴾ : عطفٌ على ﴿فَعَلَ الذين﴾ وما بينهما اعتراضٌ.

стр. 5500

قوله تعالى: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ : يجوز في «أَنْ» أَنْ تكونَ تفسيريةً؛ لأن البَعْثَ يتضمَّن قولاً، وأن تكونَ مصدريةً، أي: بَعَثْناه بَأَنِ اعْبُدُوا. قوله: ﴿مَّنْ هَدَى﴾ و ﴿مَّنْ حَقَّتْ﴾ يجوزُ أنْ تكونَ موصولةً، وأن تكون نكرةً موصوفةً، والعائدُ على كلا التقديرينِ محذوفٌ من الأولِ.

стр. 5501

وقرأ العامَّةُ ﴿إِن تَحْرِصْ﴾ : بكسرِ الراءِ مضارعَ «حَرَص» بفتحِها، وهي اللغةُ العاليةُ لغةُ الحجاز. والحسن وأبو حَيْوة «تَحْرَصُ» بفتح الراء مضارعَ «حَرِص» بكسرِها، وهي لغةُ لبعضِهم، وكذلك النخعي، إلا أنه زاد واواً قبل «إنْ» فقرأ ﴿وَإنْ تَحْرَصْ﴾ . قوله: ﴿لاَ يَهْدِي﴾ قرأ الكوفيون «يَهْدِي» بفتح الياءِ وكسرِ الدالِ،

стр. 5502

وهذه القراءةُ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن يكون الفاعلُ ضميراً عائداً على الله، أي: لا يَهْدِي اللهُ مَنْ يُضِلُّه، ف «مَنْ» مفعولُ «يَهْدِي» ويؤيده قراءةُ أُبَيّ «فإنَّ اللهَ لا هاديَ لِمَنْ يُضِلُّ، ولِمَنْ أضلَّ» ، وأنه في معنى قولِه: ﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] . والثاني: أن يكونَ الموصول هو الفاعلَ، أي: لا يَهْدِيْ المُضِلَّون، و «يَهْدِي» يجيءُ في معنى يهتدي. يقال: هداه فَهَدَى، أي: اهتدى. ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُُ عبدِ الله «يَهْدِي» بتشديدِ الدالِ المكسورةِ، فَأَدْغم. ونقل بعضُهم في هذه القراءةِ كسرَ الهاءِ على الإِتباع، وتحقيقُه تقدَّمَ في يونس. والعائدُ على «مَنْ» محذوفٌ: ﴿مَن يُضِلُّ﴾ ، أي: الذي يُضِلُّه اللهُ. والباقون: «لا يُهْدَى» بضمِّ الياءِ وفتحِ الدالِ مبنياً للمفعول، و «مَنْ» قائمٌ مَقامَ فاعِله، وعائدُه محذوفٌ أيضاً. وجَوَّز أبو البقاء في «مَنْ» أن يكونَ مبتدأً و «لا يَهْدِي» خبره، يعني: مقدَّمٌ عليه. وهذا خطأٌ؛ لأنه متى كان الخبرُ فعلاً رافعاً لضميرٍ مستترٍ وجب تأخُّرُه نحو: «زيدٌ لا يَضْرِبُ» ، ولو قَدَّمْتَ لالتبس بالفاعل. وقُرِئ «لا يُهْدِيْ» بضمِّ الياءِ وكسرِ الدالِ. قال ابن عطية: «وهي

стр. 5503

ضعيفةٌ» قال الشيخ: «وإذا ثَبَتَ أنَّ» هَدَى «لازمٌ بمعنى اهتدى لم تكنْ ضعيفةً؛ لأنه أدخل همزةَ التعديةِ على اللازم، فالمعنى: لا يُجْعَلُ مهتدياً مَنْ أضلَّه اللهُ» . وقوله: «ومالهم» حُمِلَ على معنى «مَنْ» ، فلذلك جُمِعَ. وقُرِئ «مَنْ يَضِلُّ» بفتحِ الياءِ مِنْ «ضَلَّ» ، أي: لا يَهْدي مَنْ ضَلَّ بنفسِه.

стр. 5504

قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ﴾ : ظاهرُه أنه استئنافٌ خبرٍ، وجعله الزمخشريُّ نَسَقاً على «وقال الذين أشركوا» إيذانٌ بانهما كَفْرتان عظيمتان. قوله: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ هذان منصوبان على المصدرِ المؤكَّد، أي: وَعَدَ ذلك، وحَقَّ حقاً. وقيل: «حقاً» نعتٌ ل «وَعْد» والتقدير: بلى يَبْعثهم وَعَدَ بذلك. وقرأ الضحاك: ﴿وَعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ﴾ برفعِهما على أنَّ وَعْداً خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: بلى بَعْثُهم وَعْدٌ على الله، و «حَقٌّ» : نعتٌ ل «وعدٌ» .

стр. 5505

قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ : هذه اللامُ متعلقةٌ بالفعلِ المقدَّرِ بعد حرفِ الإِيجاب، أي: بلى يَبْعثهم لِيُبَيِّنَ.

стр. 5506

وقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ قد تقدَّم ذلك في

стр. 5507

البقرة. واللامُ في «لِشيءٍ» وفي «له» لامُ التبليغِ كهي في: «قلت له قم» . وجعلها الزجاج للسببِ فيهما، أي: لأجل شيءٍ، أَنْ نقولَ لأجلهِ، وليس بواضح. وقال ابن عطية: «وقوله تعالى ﴿أَن نَّقُولَ﴾ يُنَزَّلُ مَنْزِلةَ المصدرِ، كأنه قال: قولُنا، ولكنَّ» أنْ «مع الفعلِ تعطي استقبالاً ليس في المصدر في أغلبِ أَمْرِها، وقد تجيءُ في مواضعَ لا يُلْحَظُ فيها الزمنُ كهذه الآيةِ، وكقولِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] إلى غيرِ ذلك. قال الشيخ:» وقوله: في أغلبِ أمرِها «ليس بجيدٍ بل تَدُلُّ على المستقبل في جميع أمورِها، وقوله» وقد تجيءُ إلى آخره «لم يُفْهَمْ ذلك مِنْ» أنْ «، إنما فُهِمَ من نسبةِ قيامِ السماءِ والأرض بأمرِ الله لأنه لا يختصُّ بالمستقبلِ دونَ الماضي في حَقِّه تعالى، ونظيرُه: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ و» كان «تدل على اقترانِ مضمونِ الجملةِ بالزمنِ الماضي، وهو تعالى/ متصفٌ بذلك في كلِّ زمن.

стр. 5508

قوله تعالى: ﴿حَسَنَةً﴾ فيها أوجهٌ، أحدُها: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: تَبْوِئَةً حسنةً. والثاني: أنها منصوبةٌ على المصدر الملاقي لعامِله في المعنى؛ لأنَّ معنى «لَنُبَوِّئَنَّهم» : لَنُحْسِنَنَّ إليهم. الثالث: أنها مفعولٌ ثانٍ لأنَّ الفعلَ قبلها مضمِّنٌ معنى: «لَنُعْطِيَنَّهم. و» حسنة «صفةً

стр. 5509

لموصوفٍ محذوفٍ، أي: داراً حسنة، وفي تفسيرِ الحسن: داراً حسنة، وهي المدينةُ. وقيل: تقديره: منزلةً حسنةً وهي الغَلَبَةُ على أهلِ المشرقِ والمغربِ وقيل:» حسنة «بنفسها هي المفعولُ من غيرِ حَذْفِ موصوفٍ. وقرأ أميرُ المؤمنين وابنُ مسعود ونعيم بن ميسرة:» لَنُثْوِيَنَّهُمْ «بالثاء المثلثة والياء، مضارع أَثْوَى المنقولِ بهمزةِ التعديةِ مِنْ ثَوَى بمعنى أقام، وسيأتي أنه قُرئ بذلك في السبع في العنكبوت، و» حسنةً «على ما تقدَّم. ونزيد أنه يجوز أن يكونَ على نَزْع الخافضِ، أي: في حسنة. والموصولُ مبتدأٌ، والجملةُ مِنَ القسمِ المحذوفِ وجوابِه خبرُه، وفيه رَدٌّ على ثعلب حيث مَنَعَ وقوعَ جملةِ القسم خبراً. وجَوَّز أبو البقاء في» الذين «النصبَ على الاشتغال بفعلٍ مضمرٍ، أي: لَنُبَوِّئَنَّ الذين. ورَدَّه الشيخُ: بأنه لا يجوز أن يُفَسِّر عاملاً إلا ما جاز أَنْ يعملَ، وأنت لو قلت:» زيداً لأضْرِبَنَّ «لم يَجُزْ، فكذا لا يجوزُ» زيداً لأضربنَّه «. وقوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ يجوز أن يعودَ الضميرُ على الكفار، أي: لو كانوا يَعْلمون ذلك لرجَعوا مسلمين، أو على المؤمنين، أي: لاجتهدوا في الهجرةِ والإِحسانِ، كما فعل غيرُهم.

стр. 5510

قوله تعالى: ﴿الذين صَبَرُواْ﴾ : مَحَلَّه رفعٌ على «هم»

стр. 5511

أو نصبٌ على «أمدحُ» ، ويجوز أن يكونَ تابعاً للموصولِ قبله نعتاً أو بدلاً أو بياناً فمحلُّه محلُّه.

стр. 5512

قوله تعالى: ﴿نوحي إِلَيْهِمْ﴾ : قد تقدَّم في آخر يوسف. وقرأت فرقةٌ «يُوحي» ، أي: الله.

стр. 5513

قوله تعالى: ﴿بالبينات﴾ : فيه ثمانيةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «رِجالاً» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: رجالاً ملتبسين بالبينات، أي: مُصاحبين لها. وهو وجهٌ حسنٌ ذكره الزمخشري لا محذورَ فيه. الثاني: أنه متعلقٌ ب «أَرْسَلْنا» ذكره الحوفيِّ والزمخشريُّ وغيرُهما، وبه بدأ الزمخشريُّ قال: يتعلَّق ب «أَرسَلْنا» داخلاً تحت حكمِ الاستثناءِ مع «رجالاً» ، أي: وما أرسَلْنا إلا رجالاً بالبينات كقولِك: «وما ضربْتُ إلا زيداً بالسَّوْطِ» ؛ لأنَّ أصلَه: ضربْتُ زيداً بالسَّوْط «. وضعَّفه أبو البقاء بأنَّ ما قبلَ» إلاَّ «لا يعمل فيما بعدهم إذا تَمَّ الكلامُ على» إلا «وما يليها. قال:» وإلا أنه قد جاء في الشِّعر: ٢٩٧ - ١- نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبوا بالنارِ جارتَهمْ ... ولا يُعَذِّبَ إلا الله بالنارِ قال الشيخ: وما أجازه الحوفيُّ والزمشخريُّ لا يُجيزه البصريون،

стр. 5514

إذ لا يُجيزون أن يقع بعد «إلا» إلا مستثنى أو مستثنى منه أو تابعٌ لذلك، وما ظُنَّ بخلافه قُدِّر له عاملٌ. وأجاز الكسائيُّ أن يليَها معمولُ ما قبلها مرفوعاً ومنصوباً ومخفوضاً، نحو: ما ضَرَب إلا عمراً زيدٌ، وما ضَرَب إلا زيدٌ عمراً وما مرَّ إلا زيدٌ بعمروٍ، ووافقه ابنُ الأنباريِّ في المرفوع، والأخفش في الظرف وعديله، فما لاقاه يتمشَّى على قولِ الكسائي والأخفش «. الثالث: أنه يتعلَّقَ بأَرْسَلْنا أيضاً، إلا أنه نيةِ التقديمِ قبل أداةِ الاستثناءِ تقديرُه: وما أرسلْنا مِنْ قبلك بالبيناتِ والزبر إلا رجالاً، حتى لا يكونَ ما بعد» إلا «معمولَيْنِ متأخِّرَيْنِ لفظاً ورتبةً داخلَيْنِ تحت الحصرِ لِما قبل» إلا «، حكاه ابنُ عطية. الرابع: أنَّه متعلقٌ ب» نُوحِي «كما تقول:» أُوْحي إليه بحق «، ذكره الزمخشري وأبو البقاء. الخامس: أن الباءَ مزيدةٌ في» «بالبيِّنات» وعلى هذا فيكون «بالبيِّنات» هو القائمَ مَقامَ الفاعل لأنها هي المُوْحاة. السادس: أن الجارِّ متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنَ القائمِ مَقامَ الفاعل، وهو «إليهم»

стр. 5515

ذكرهما أبو البقاء، وهما ضعيفان جداً معنىً وصناعةً. السابع: أَنْ يتعلَّق ب «لا تعلمون» على أنَّ الشرطَ/ في معنى التبكيتِ والإِلزام، كقولِ الأجير: «إن كنتُ عَمِلْتُ لك فَأَعْطِني حقي» . قال الزمخشري: «وقوله:» فاسْألوا أهلَ «اعتراضٌ على الوجوه المتقدِّمة» ويعني بقوله «فاسألوا» الجزاءَ وشرطَه، وأمَّا على الوجهِ الأخير فعدَمُ الاعتراضِ واضحٌ. الثامن: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: بم أُرْسِلوا؟ فقيل: أُرْسِلوا بالبينات والزُّبُر. كذا قدَّره الزمخشري، وهو أحسنُ مِنْ تقديرِ أبي البقاء: «بُعِثوا» ، لموافقتِه للدالِّ عليه لفظاً ومعنىً.

стр. 5516

قوله تعالى: ﴿السيئات﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: المَكَرات السيئات، ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه. الثاني: أنه مفعولٌ به على تضمين «مَكَروا» عَمِلُوا وفعلوا، وعلى هذين الوجهين فقولُه: ﴿أَن يَخْسِفَ الله﴾ مفعول ب «أَمِنَ» . الثالث: أنه منصوبٌ ب «أَمِنَ» ، أي: أَمِنُوا العقوباتِ السيئات، وعلى هذا فقولُه ﴿أَن يَخْسِفَ الله﴾ بدلٌ من «السيئات» .

стр. 5517

قوله تعالى: ﴿على تَخَوُّفٍ﴾ : متعلقٌ بمحذوفٍ، فإنه حالٌ إمَّا مِنْ فاعلِ «يأخذهم» ، وإمَّا مِنْ مفعوله، ذكرهما أبو البقاء.

стр. 5518

والظَاهِرُ كونُه حالاً من المفعولِ دونَ الفاعل. والتخوُّفُ: التنقُّص. حكى الزمخشري أن عمر بن الخطاب سألهم على المِنْبر عنها فسكتوا، فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا: التخوُّفُ: التنقُّصُ قال: فهل تعرف [العربُ] ذلك في أشعارِها؟ قال: نعم. قال شاعرُنا وأنشد: ٢٩٧ - ٢- تَخَوَّف الرَّحْلُ منها تامِكاً قَرِداً ... كما تَخَوَّفَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ فقال عمر: «أيها الناسُ، عليكم بديوانِكم لا يَضِلُّ» . قالوا: وما ديواننا؟ قال: «شعرُ الجاهلية، فإنِّ فيه تفسيرَ كتابكم» . قلت: وكان الزمخشريُّ نَسَبَ البيتَ قبل ذلك لزهيرٍ، وكأنه سهوٌ، فإنَّه لأبي كبير الهذلي، ويؤيد ذلك قول الرجل: «قال شاعرنا» ، وكان هُذَلِيَّاً كما حكاه هو. وقيل: التخوُّفُ: الخوفُ.

стр. 5519

قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمَْ﴾ : قرأ الأخَوان «تَرَوْا» بالخطاب جَرْياً على قولِه ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ﴾ ، والباقون بالياءِ جَرْياً على قوله: ﴿أَفَأَمِنَ

стр. 5520

الذين مَكَرُواْ﴾ . وأمَّا قولُه: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير﴾ [النحل: ٧٩] فقرأه حمزةُ أيضاً بالخطاب، ووافقه ابنُ عامر فيه، فحصل من مجموعِ الآيتين أنَّ حمزةَ بالخطاب فيهما، والكسائيَّ بالخطابِ في الأول والغَيْبة في الثاني، وابنَ عامر بالعكس، والباقون بالغيبة فيهما. فأمَّا توجيهُ الأولى فقد تقدَّم، وأمَّا الخطابُ في الثانية فَجَرْياً على قوله ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨] . وأمَّا الغيبةُ فَجَرْياً على قوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [النحل: ٧٣] . وأمَّا تفرقَةُ الكسائيِّ وابنِ عامرٍ بين الموضعين فجمعاً بين الاعتبارين وأنَّ كلاً منهما صحيحٌ. قوله: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ هذا بيانٌ لِما في قوله: ﴿مَا خَلَقَ الله﴾ فإنها موصولةٌ بمعنى الذي. فإن قلتَ: كيف يُبَيِّنُ الموصولُ -وهو مبهمٌ- ب «شيء» وهو مبهمٌ، بل أَبْهَمُ ممَّا قبله؟ فالجواب أنَّ شيئاً قد اتضح وظهر بوصفِه بالجملة بعدَه، وهي ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾ . قال الزمخشري: «وما موصولة ب ﴿خَلَقَ الله﴾ وهو مبهمٌ، بيانُه ﴿مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾ . وقال ابن عطية:» وقولُه ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لفظٌ عامٌّ في كل ما اقتضَتْه الصفةُ مِنْ قوله ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾ فظاهر هاتين العبارتين أنَّ جملةَ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾ صفة لشيء، وأمَّا غيرُهما فإنه قد صَرَّح بعدمِ كونِ الجملةِ صفةً فإنه قال: «والمعنى: من شيءٍ له ظِلٌ من

стр. 5521

جبلٍ وشجرٍ وبناءٍ وجسمٍ قائمٍ. وقوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾ إخبارٌ عن قوله ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ليس بوصفٍ له، وهذا الإِخبارُ يَدُلُّ على ذلك الوصفِ المحذوفِ الذي تقديرُه: هو له ظلٌّ» وفيه تكلُّفٌ لا حاجةَ له، والصفةُ أبينُ. و ﴿مِن شَيْءٍ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من الموصولِ، أو متعلقٌ بمحذوفٍ على جهةِ البيان، أي: أَعْني مِنْ شيء. والتفيُّؤُ: تَفَعَّل مِنْ فاء يَفِيْءُ، أي: رَجَع، و «فاء» قاصرٌ، فإذا أُريد تعديتُه عُدِّي بالهمزة كقوله تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ/ الله على رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أو بالتضعيف نحو: فَيَّأ اللهُ الظلَّ فَتَفَيَّأ. وَتَفَيَّأ مطاوِعٌ فهو لازمٌ. ووقع في شعر أبي تمام متعدياً في قوله: ٢٩٧ - ٣- طَلَبَتْ ربيعَ ربيعةَ المُمْرَى لها ... وتفيَّأَتْ ظلالَه مَمْدودا واخْتُلِفَ في الفَيْءِ فقيل: هو مُطْلَقُ الظِّلِّ سواءً كان قبل الزَّوالِ أو بعده، وهو الموافِقُ لمعنى الآيةِ ههنا. وقيل: «ما كان [قبل] الزوال فهو ظلٌّ فقط، وما كان بعده فهو ظِلٌّ وفَيْءٌ» ، فالظلُّ أعمُّ، يُرْوَى ذلك عن رؤبَة ابن العجاج. وقيل: بل يختصُّ الظِّلُّ بما قبل الزوالِ والفَيْءُ بما بعده. قال الأزهري: «تَفَيَّؤُ الظلالِ رجوعُها بعد انتصافِ النهارِ، فالتفيُّؤُ لا يكون

стр. 5522

إلا بالعَشِيّ، وما انصرفَتْ عنه الشمسُ، والظلُّ ما يكون بالغداة، وهو ما لم تَنَلْهُ [الشمس] قال الشاعر: ٢٩٧ - ٥- فلا الظِلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحى تَسْتطيعُه ... ولا الفيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوْقُ وقال امرؤُ القيس أيضاً: ٢٩٧ - ٥- تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضارِجٍ ... يَفِيْءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِ وقد خطَّأ ابن قتيبة الناسَ في إطلاقهم الفَيْءَ على ما قبلَ الزَّوال، وقال: إنما يُطْلَقُ على ما بعده، واستدلَّ بالاشتقاق، فإن الفيْءَ هو الرجوعُ وهو متحققٌ ما بعد الزوال، فإنَّ الظلَّ يَرْجِعُ إلى جهةِ المشرق بعد الزوال بعدما نَسَخَتْه الشمسُ قبل الزَّوال. وقرأ أبو عمرو «تَتَفَيَّأ» بالتاءِ مِنْ فوقُ مراعاةٍ لتأنيث الجمع، وبها قرأ يعقوب، والباقون بالياء لأنه تأنيثٌ مجازي. وقرأ العامَّة «ظلالُه» جمع ظِلّ، وعيسى بن عمر «ظُلَلُهُ» جمع «

стр. 5523

ظُلَّة» كغُرْفَة وغُرَف. قال صاحب «اللوامح» في قراءة عيسى «ظُلَلُهُ» : «والظُلَّة: الغَيْمُ، وهو جسمٌ، وبالكسرِ الفَيْءُ وهو عَرَضٌ، فرأى عيسى أنَّ التفيُّؤُ الذي هو الرجوعُ بالأجسام أَوْلَى منه بالأَعْرَاضِ، وأمَّا في العامَّة فعلى الاستعارة» . قوله: «عن اليمين» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها تتعلَّقُ ب «يتفيَّأ» ، ومعناها المجاوزةُ، أي: تتجاوز الظلالُ عن اليمينِ إلى الشِّمائل. الثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من «ظلالُه» . الثالث: أنها اسمٌ بمعنى جانب، فعلى هذا تَنْتَصِبُ على الظرف. وقوله: ﴿عَنِ اليمين والشمآئل﴾ فيه سؤالان، أحدهما: ما المراد باليمين والشَّمائل؟ والثاني: كيف أفرد الأولَ وجوع الثاني؟ وأُجيب عن الأول بأجوبةٍ، أحدُها: أنَّ اليمينَ يمينُ الفَلَك وهو المشرقُ، والشَّمائلُ شمالُه وهي المغرب، وخُصَّ هذان الجانبان لأنَّ أقوى الإِنسانِ جانباه وهما يمينُه وشماله، وجعل المشرقَ يميناً؛ لأن منه تظهر حركةُ الفَلَكِ اليومية. الثاني: البلدةُ التي عَرْضُها أقلُّ مِنْ مَيْل الشمس تكون الشمس صيفاً عن يمينِ البلدِ فيقع الظلُّ عن يمينهم. الثالث: أنَّ المنصوبَ للعِبْرة: كلُّ جِرْمٍ له ظِلٌّ كالجبل والشجر، والذي يترتَّبُ فيه الأيْمان والشَّمائل إنما هو البشرُ فقط، لكنَّ ذِكْرَ الأَيْمانِ والشَّمائلِ هنا على سبيل الاستعارة.

стр. 5524

الرابع: قال الزمخشري: «أو لم يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ من الأَجْرامِ التي لها ظلالٌ متفيِّئَةٌ عن أَيْمانِها وشَمائِلها عن جانبي كل واحدٍ منها وشِقَّيْه استعارةً من يمين الإِنسان وشمائله لجانبي الشيءِ، أي: تَرْجِعُ من جانبٍ إلى جانب» . وهذا قريبٌ ممَّا قبله. وأُجِيْب عن الثاني بأجوبةٍ، أحدُها: أن الابتداءَ يقع من اليمين وهو شيءٌ واحدٌ، فلذلك وَحَّد اليمينَ ثم يَنْتَقِصُ شيئاً فشيئاً، حالاً بعد حال/ فهو بمعنى الجمعِ، فَصَدَق على كلِّ حالٍ لفظةُ «الشمال» ، فَتَعَدَّدَ بتعدُّدِ الحالات. وإلى قريبٍ منه نحا أبو البقاء. والثاني: قال الزمخشري: «واليمين بمعنى الأَيْمان» يعني أنه مفردٌ قائمٌ مقامَ الجمع، وحينئذٍ فهما في المعنى جمعان كقوله ﴿وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] ، أي: الأدبار. الثالث: قال الفراء: «كأنه إذا وَحَّد ذَهَبَ إلى واحدٍ من ذواتِ الظلال، وإذا جَمَع ذَهَب إلى كلِّها، لأنَّ قولَه ﴿مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ﴾ لفظُه واحدٌ ومعناه الجمعُ، فعبَّر عن أحدِهما بلفظِ الواحدِ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] وقوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] .

стр. 5525

الرابع: أنَّا إذا فَسَّرْنا اليمينَ بالمشرقِ كانت النقطةُ التي هي مَشْرِقُ الشمسِ واحدةً بعينها، فكانت اليمينُ واحدةً، وأمَّا الشمائلُ فهي عباراتٌ عن الانحرافاتِ الواقعةِ في تلك الظلال بعد وقوعِها على الأرضِ وهي كثيرةٌ، فلذلك عَبَّر عنها بصيغةِ الجمع. الخامس: قال الكرماني:» يُحتمل أَنْ يُراد بالشمائل الشِمالُ والخَلْفُ والقُدَّامُ؛ لأنَّ الظِّلَّ يفيءُ من الجهاتِ كلِّها، فبُدِئ باليمينِ لأنَّ ابتداءَ التفيُّؤِ منها أو تَيَمُّناً بذِكرها، ثم جَمَع الباقي على لفظ الشِّمال لما بين اليمين واليسار مِنَ التَّضادِّ، ونَزَّلَ القُدَّام والخلفَ منزلةَ الشَّمائل لِما بينهما وبين اليمينِ من الخلافِ «. السادس: قال ابن عطية:» وما قال بعضُ الناس: مِنْ أنَّ اليمينَ أولُ وَقْعَةٍ للظلِّ بعد الزوالِ ثم الآخر الغروبُ هي عن الشِّمائل، ولذلك جَمَعَ الشمائل وأَفْرد اليمين، فتخليطٌ من القول، ويَبْطُل مِنْ جهات. وقال ابن عباس: «إذا صَلَّيْتَ الفجرَ كان ما بين مَطْلَعِ الشمس ومَغْرِبِها ظِلاًّ ثم بَعَثَ الله عليه الشمسَ دليلاً، فقبضَ إليه الظلَّ، فعلى هذا فأوَّلُ ذُرُوْرِ الشمس فالظِّلُّ عن يمينِ مستقبِلِ الجنوب، ثم يبدأ الانحرافُ فهو عن الشَّمائل؛ لأنه حركاتٌ كثيرة وظلالٌ متقطعةٌ فهي شمائلُ كثيرةُ، فكان الظلُّ عن اليمينِ متصلاً واحداً عامّاً لكلِّ شيء» .

стр. 5526

السابع: قال ابن الضائع: «أَفْرَدَ وجَمَع بالنظر إلى الغايتين؛ لأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حتى لا يبقى منه إلا اليسيرُ، فكأنه في جهةٍ واحدة، وهي في العَشِيِّ على العكس لاستيلائِه على جميع الجهات، فلُحِظَت الغايتان في الآية. هذا من جهةِ المعنى، وأمَّا مِِنْ جهةِ اللفظ ففيه مطابقةٌ؛ لأنَّ» سُجَّداً «جمع فطابقه جَمْعُ الشَّمائل لاتصاله به، فَحَصَل في الآية مطابَقَةُ اللفظِ للمعنى ولَحْظُهما معاً، وتلك الغايةُ في الإِعجاز» . قوله: «سُجَّداً» حالاٌ مِنْ «ظلالُه» و «سُجَّداً» جمع ساجِد كشاهِد وشُهَّد، وراكِع ورُكَّع. قوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ في هذه الجملة ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها حالٌ من الهاءِ في «ظلالُه» . قال الزمخشري: «لأنه في معنى الجمع، وهو ما خلق اللهُ مِنْ شيءٍ له ظِلٌّ وجُمِع بالواوِ والنون؛ لأنَّ الدُّخورَ من أوصافِ العقلاء، أو لأن في جملة ذلك مَنْ يَعْقِل فَغُلِّبَ» . وقد رَدَّ الشيخُ هذا: بأن الجمهور لا يُجيزون مجيءَ الحال من المضافِ إليه، وهو نظيرُ: «جاءني غلامُ هندٍ ضاحكةً» قال: «ومَنْ أجاز مجيئَها منه إذا كان المضافُ جزءاً أو كالجزء جوَّز الحاليةَ منه هنا، لأنَّ الظِّلَّ كالجزءِ إذ هو ناشِئٌ عنه» . الثاني: أنها حالٌ من الضميرِ المستتر في «سُجَّدا» فهي حالٌ متداخلِةٌ.

стр. 5527

الثالث: أنها حالٌ مِنْ «ظلالُه» فينتصبُ عنه حالان. ثم لك في هذه الواو اعتباران، أحدُهما: أن تجعلَها عاطفةً حالاً على مثلِها فهي عاطفةٌ، وليست بواوِ حال، وإن كان خُلُوُّ الجملةِ الاسميةِ الواقعةِ حالاً من الواو قليلاً أو ممتنعاً على رأيٍ. وممَّن صَرَّح بأنها عاطفةٌ أبو البقاء. والثاني: أنها واوُ الحال، وعلى هذا فيقال: كيف يقتضي العاملُ حالين؟ فالجوابُ أنه جاز ذلك لأنَّ الثانيةَ بدلٌ مِن الأولى، فإن أُريد بالسجودِ التذلُّلُ والخضوعُ فهو/ بدلُ كلٍ من كل، وإن أُريد به حقيقته فهو بدلُ اشتمالٍ؛ إذ السجودُ مشتملٌ على الدُّخور، ونظير ما نحن فيه: «جاء زيد ضاحكاً وهو شاكٍ» فقولك «وهو شاكٍ» يحتمل الحاليةَ من «زيد» أو من ضمير «ضاحكاً» . والدُّخور: التواضعُ قال: ٢٩٧ - ٦- فلم يَبْقَ إلا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ... ومُنْجَحِرٌ في غير أرضِكَ في جُحْرِ وقيل: هو القهرُ والغلبةُ. ومعنى داخِرُون: أَذِلاَّاءُ صاغِرون.

стр. 5528

قوله تعالى: ﴿مِن دَآبَّةٍ﴾ : يجوز أن يكونَ بياناً لِما في السماوات وما في الأرض، ويكون لله تعالى في سمائِه خَلْقٌ يَدِبُّون كما يَدِبُّ الخَلْقُ الذي في الأرض. ويجوز أن يكون بياناً لِما في الأرض فقط. قال

стр. 5529

الزمخشري: «فإن قلت: فهلاَّ جيْءَ ب» مَنْ «دونَ» ما «تغليباً للعقلاء مِن الدوابِّ على غيرهم؟ قلت: لأنه لو جِيْءَ ب» مَنْ «لم يكنْ فيه دليلٌ على التغليب فكأن متناولاً للعقلاءِ خاصة فجيء بما هو صالحٌ للعقلاءِ وغيرِهم إرادةَ العمومِ» . قال الشيخ: «وظاهرُ السؤالِ تسليمُ أنَّ» مَنْ «قد تشمل العقلاءَ وغيرَهم على جهةِ التغليبِ، وظاهرُ الجوابِ تخصيصُ» مَنْ «بالعقلاء، وأنَّ الصالحَ للعقلاء [وغيرِهم] » ما «دون» مَنْ «وهذا ليس بجواب؛ لأنه أورد السؤالَ على التسليم، ثم أورد الجوابَ على غير التسليم، فصار المعنى: أنَّ» مَنْ «يُغَلَّبُ بها والجوابَ لا يُغَلَّبُ بها، وهذا في الحقيقةِ ليس بجوابٍ» . قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يجوز أن تكونَ الجملةُ استئنافاً أخبر عنهم بذلك، وأن تكونَ حالاً مِنْ فاعلِ «يَسْجُدُ» .

стр. 5530

قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ﴾ يجوز فيها أن تكونَ مفسِّرةً لعدم استكبارِهم، كأنه قيل: ما لهم لا يَسْتكبرون؟ فَأُجِيبَ بذلك، ويُحْتمل أن تكونَ حالاً مِنْ فاعل «لا يَسْتكبرون» ومعنى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: عقابَه. قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِمْ﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن تتعلَّقَ ب «يَخافون» ، أي: يخافون عذابَ ربهم كائناً مِنْ فوقهم؛ لأنَّ العذابَ إنما ينزل مِنْ فوقُ. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «ربهم» أي يخافون ربَّهم عالياً عليهم، قاهراً لهم، كقولِه تعالى: ﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] .

стр. 5531

قوله تعالى: ﴿اثنين﴾ : فيه قولان، أحدُهما: أنه مؤكد ل «إلهَيْن» وعليه أكثرُ الناسِ، و «اتَّخذ» على هذا يحتمل أن تكونَ متعديةً لواحدٍ، وأن تكونَ متعديةً لاثنين، والثاني منها محذوفٌ، أي: لا تَتَّخذوا إلهين اثنين معبوداً. والثاني: أنَّ «اثنين» مفعولٌ أولُ، وإنما أُخِّر، والأصلُ: لا تَتِّخذوا اثنين إلهين، وفيه بُعْدٌ. وقال أبو البقاء: «هو مفعولٌ ثانٍ» وهذا كالغلط إذ لا معنى لذلك البتةَ، وكلامُ الزمخشري هنا يُفْهِم أنه ليس بتأكيدٍ فإنه قال: «فإنْ قلتَ: إنما جمعوا بين العددِ والمعدودِ فيما وراء الواحدِ والاثنين، فقالوا: عندي رجالٌ ثلاثةٌ وأفراسٌ أربعةٌ؛ لأنَّ المعدودَ عارٍ عن العدد الخاص، فأمَّا رجل ورجلان وفَرَسٌ وفرسان فمعدودان فيهما دلالةً على العدد، فلا حاجةَ على أَنْ يقال: رجل واحد، ورجلان اثنان، فما وجه قوله تعالى ﴿إلهين اثنين﴾ ؟ قلت: الاسمُ الحاملُ لمعنى الإِفرادِ أو التثنيةِ دَلَّ على شيئين: على الجنسيةِ والعددِ المخصوصِ، فإذا أُريدت الدلالةُ على أن المعنيَّ به منهما والذي يُساق إليه الحديثُ هو العددُ شُفِع بما يؤكِّد العددَ، فدلَّ به على القصدِ إليه والعنايةِ به، ألا ترى أنك لو قلْتَ: إله، ولم تؤكِّده بواحدٍ لم يَحْسُنْ، وخُيِّل أنك تُثْبِتُ الإِلهيةَ لا الوَحْدانية» . وقال الشيخ: «لمَّا كان الاسمُ الموضوع للإِفراد والتثنية قد يُتَجَوَّزُ به فَيُراد به الجنسُ نحو: نِعم الرجلُ زيدٌ، ونِعْم الرجلان الزيدان، وقول

стр. 5532

الشاعر: / ٢٩٧ - ٧- فإنَّ النارَ بالعُوْدَيْنِ تُذْكَى ... وإنَّ الحربَ أَوَّلُها الكلامُ أكَّدَ الموضوعَ لهما بالوصفِ فقيل: إلهين اثنين، وقيل: إله واحد» . قوله: «فإيَّايَ» منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ مقدرٍ بعدهن يُفَسِّره هذا الظاهرُ، أي: إياي ارهبوا فارْهَبون. وقدَّر ابنُ عطية «ارهَبوا إيَّاي فارهبون» . قال الشيخ: «وهو ذُهولٌ عن القاعدةِ النحوية، وهي أنَّ المفعولَ إذا كان ضميراً منفصلاً والفعلُ متعدٍّ لواحد وَجَبَ تأخيرُ الفعلِ نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولا يجوزُ أن يتقدَّمَ إلا في ضرورةٍ كقوله: ٢٩٧ - ٨- إليك حتى بَلَغَتْ إيَّاكا ... وهذا قد مَرَّ تقريرُه في أولِ البقرة. وقد يُجاب عن ابنِ عطية: بأنه لا يَقْبُحُ في الأمور التقديرية ما يقبح في [الأمورِ] اللفظيةِ. وفي قوله:» فإيَّايَ «التفاتٌ من غَيْبة وهي قولُه ﴿وَقَالَ الله﴾ إلى تكلُّمٍ وهو قوله» فإيَّاي «ثم التفت إلى الغِيْبة أيضاً في قوله: ﴿وَلَهُ مَا فِي السماوات﴾ .

стр. 5533

قوله تعالى: ﴿وَاصِباً﴾ : حالٌ من «الدِّين» العاملُ فيها

стр. 5534

الاستقرارُ المتضمِّنُ الجارُّ الواقعَ خبراً. والواصِبُ: الدائم، قال حسَّان: ٢٩٧ - ٩- غَيَّرَتْهُ الريحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيْمٌ رَعْدُهُ واصِبُ [وقال] أبو الأسود: ٢٩٨ - ٠- لا أبتغيْ الحَمْدَ القليلَ بقاؤُه ... يوماً بِذَمِّ الدهرِ أَجْمَعَ واصِبا والوَصِبُ: العليلُ لمداوَمَةِ السَّقَمِ له. وقيل: مِنَ الوَصَبِ وهو التَّعَبُ، ويكون حينئذٍ على النَّسَب، أي: ذا وَصَبٍ؛ لأن الدينَ فيه تكاليفُ ومَشَاقُّ على العبادِ، فهو كقوله: ٢٩٨ - ١-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . أضحى فؤادي به فاتِنا أي: ذا فُتُوْن وقيل: الواصِبُ: الخالِصُ. وقال ابن عطية: والواوُ في قوله: ﴿وَلَهُ مَا فِي السماوات﴾ عاطفةٌ على قولِه ﴿إله وَاحِدٌ﴾ ، ويجوزُ أن تكونَ واوَ ابتداء «. قال الشيخ:» ولا يُقال واوُ ابتداءٍ إلا لواوِ الحال، ولا تظهر هنا الحالُ «. قلت: وقد يُطْلِقون واوَ

стр. 5535

الابتداء، ويريدون واوَ الاستئناف، أي: التي لم يُقْصَدْ بها عطفٌ ولا تَشْريكٌ، وقد نصُّوا على ذلك فقالوا: قد يُؤْتَى بالواو أولَ كلامٍ من غير قَصْدٍ إلى عَطفٍ. واسْتَدَلُّوا على ذلك بإتيانهم بها في أولِ قصائدِهم وأشعارِهم، وهو كثيرٌ جداً. ومعنى قولِه» عاطفة على قوله ﴿إله وَاحِدٌ﴾ ، أي: أنها عَطَفَتْ جملةً على مفرد، فيجبُ تأويلُها بمفردٍ لأنها عَطَفَتْ على الخبرِ فيكونُ خبراً، ويجوز على كونِها عاطفةً أن تكونَ عاطفةً على الجملة بأسرها، وهي قوله ﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ وكأنَّ ابنَ عطية قَصَدَ بواوِ الابتداءِ هذا، فإنها استئنافيةٌ.
следующие страницы →