Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ بإضمارِ اذكر. الثاني: بإضمارِ «خَوِّفْهم» . الثالث: تقديره: ويوم نَبْعَثُُ وقعوا في أمرٍ عظيم. الرابع: أنه معطوفٌ على ظرفٍ محذوف، أي: ينكرونها اليومَ ويوم نَبْعَثُ.
/قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ﴾ قال الزمخشري: «فإن قلتَ: ما معنى» ثم «
стр. 5602
هذه؟ قلت: معناه أنهم يُمَنَّوْن بعد شهادةِ الأنبياء بما هو أَطَمُّ منه، وهو أنهم يُمْنَعُون الكلام، فلا يُؤْذَنُ لهم في إلقاءِ مَعْذرةٍ ولا إدلاءٍ بحجةٍ» . انتهى. ومفعولُ الإِذنِ محذوفٌ، أي: لا يُؤْذَنُ لهم في الكلامِ، كما قاله الزمخشري، أو: في الرجوعِ إلى الدنيا.
قوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا تُزال عُتْباهم، وهي ما يُعْتَبُون عليها ويُلامون. يقال: اسْتَعْتَبْتُ فلاناً بمعنى أَعْتَبْتُه، أي: أزلت عُتْباه، واستفعل بمعنى أَفْعل غيرُ مُسْتَنْكَرٍ. قالوا: اسْتَدْنَيْتُ فلاناً، وأَدْنَيْتُه، بمعنىً واحد. وقيل: السين على بابها من الطلب، ومعناه: أنهم لا يُسْأَلون أن يَرْجِعُوا عَمَّا كانوا عليه في الدنيا، فهذا استعتابٌ معناه طَلَبُ عُتْباهم. وقال الزمخشري: «ولا هم يُسْتَرْضَوْن أي: لا يُقال لهم: أَرْضُوا ربَّكم؛ لأن الآخرةَ ليست بدارِ عملٍ» . وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ إن شاء الله في سورة حم السجدة؛ لأنه أَلْيَقُ به لاختلافِ القرَّاء فيه.
стр. 5603
قوله تعالى: ﴿فَلاَ يُخَفَّفُ﴾ : هذه الفاءُ وما في حيِّزِها جوابُ «إذا» ولا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ قبلَ هذه الفاءِ، أي: فهو لا يُخَفَّفُ، لأنَّ جوابَ «إذا» متى كان مضارعاً لم يَحْتَجْ إلى فاءٍ سواءً كان موجَباً كقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ﴾ [الحج: ٧٢] أم منفيَّاً نحو: «إذا جاء زيدٌ لا يكرُمك» .
стр. 5604
قوله تعالى: ﴿السلم﴾ : العامَّةُ على فتحِ السين واللام وقرأ أبو عمروٍ في روايةٍ بسكونِ اللامِ. ومجاهدٌ بضم السين واللام. وكأنه جمع «سَلام» نحو قَذَال وقُذُل، والسَّلام والسَّلَم واحدٌ، وقد تقدَّم الكلامُ عليهما في سورة النساء.
стр. 5605
قوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ : يجوز أن يكونَ مبتدأً، والخبرُ «زِدْناهم» وهو واضحٌ. وجوَّز ابنُ عطية أن يكونَ ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ بدلاً مِنْ فاعلِ «يَفْتَرُوْن» ، ويكون «زِدْناهم» مستأنفاً. ويجوز أن يكونَ ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ نصباً على الذمِّ أو رفعاً عليه، فَيُضْمَرُ الناصبُ والمبتدأُ وجوباً.
стр. 5606
قوله تعالى: ﴿تِبْيَاناً﴾ : يجوز أن يكونَ في موضعِ الحال، ويجوز أن يكونَ مفعولاً مِنْ أجله وهو مصدرٌ، ولم يَجِيءْ من المصادرِ على هذه الزِّنَةِ إلا لفظان: هذا وتِلْقاء، وفي الأسماء كثيرٌ نحو: التِّمْساح والتِّمْثال. وأمَّا المصادرُ فقياسُها فتحُ الأولِ دلالةً على التكثير كالتِّطواف والتِّجْوال. وقال ابن عطية: «إن التِّبْيان اسمٌ وليس بمصدرٍ» ، والنَّحْويون على خلافِه.
قوله: «للمُسْلمين» متعلقٌ ب «بُشْرَى» وهو متعلقٌ من حيث المعنى ب ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أيضا. وفي جوازِ كونِ هذا من التنازعِ نظرٌ من حيث لزومُ الفصلِ بين المصدرِ معمولِه بالمعطوفِ حالَ إعمالِك غيرَ الثالِث فتأمَّله. وقياسُ مَنْ جَوَّز التنازعَ في فعلِ التعحبِ والتزم إعمال الثاني لئلا يَلْزَمَ الفصلُ أن يُجَوِّز هذا على هذه الحالةِ.
стр. 5607
قوله تعالى: ﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾ : مصدرٌ مضافٌ لمفعوله ولم يَذْكر متعلِّقاتِ العدلِ والإِحسانِ والبَغْي لِيَعُمَّ جميعَ ما يُعْدَلُ فيه، ويُحْسَنُ به إليه، ويُبغى فيه؛ فلذلك لم يذكُرِ المفعولَ الثاني للإِيتاء، ونَصَّ على الأول حَضَّاً عليه لإِدلائه بالقرابة، فإنَّ إيتاءَه صدقَةٌ وصِلَةٌ.
قوله: «يَعِظُكم» يجوز ان يكونَ مستأنفاً في قوة التعليل للأمرِ بما تقدَّم، أي: إنَّ الوعظَ سببٌ في أمره لكم بذلك. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ حالاً من الضمير في «يَنْهَى» ، وفي تخصيصِه الحالَ بهذا العاملِ فقط نظرٌ؛ إذ يظهرُ جَعْلُه حالاً مِنْ فاعل «يأمرُ» أيضاً، بل أَوْلى؛ فإن الوعظ يكونُ بالأوامر والنواهي، فلا خصوصيةَ له بالنهي.
стр. 5608
قوله تعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ : متعلقٌ بفعل النهي. والتوكيدُ مصدرُ وَكَّدُ يُوَكِّدُ بالواو، وفيه لغةٌ أخرى: أَكَّد يُؤَكِّد بالهمز، وهذا كقولِهم: وَرَّخْتُ الكتابَ وأرَّخْتُه، وليست الهمزة بدلاً من واوٍ كما زعم أبو إسحق؛ لأنَّ الاستعمالين في المادتين متساويان، فليس ادِّعاءُ كونِ أحدهما أصلاً أَوْلَى من الآخر.
وتبع مكيٌّ الزجاجَ في ذلك ثم قال: «ولا يَحْسُن أَنْ يقال: الواوُ بدلٌ من الهمزة، كما لا يَحْسُنُ أن يقالَ ذلك في» أَحَد «؛ إذ أصلُه» وَحَد «، فالهمزةُ بدل من الواو» . يعني أنه لا قائلَ بالعكس، وكذلك تَبِعه في ذلك الزمخشري أيضاً. و «تَوْكِيدها» مصدرٌ/ مضافٌ لمفعوله.
стр. 5609
وأدغم أبو عمروٍ الدالَ في التاء، ولا ثانيَ له في القرآنِ، أعني أنه لم تُدْغَمْ دالٌ مفتوحةٌ بعد ساكنٍ إلا في هذا الحرفِ.
قوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ﴾ الجملةُ حالٌ: إمَّا مِنْ فاعلِ «تَنْقُضوا» ، وأما من فاعلِ المصدرِ، وإن كان محذوفاً.
стр. 5610
قوله تعالى: ﴿أَنكَاثاً﴾ : يجوز فيه وجهان، أظهرُهما: أنه حالٌ مِنْ «غَزْلها» . والأَنْكاث: جمعُ نِكْث بمعنى مَنْكوث، أي: منقوضٌ. والثاني: أنه مفعولٌ ثانٍ لتضمين «نَقَضَتْ» معنى «صَيَّرَتْ» . وجَوَّز الزجاجُ فيه وجهاً ثالثاً وهو: النصبُ على المصدرية؛ لأنَّ معنى نَقَضَتْ: نَكَثَتْ، فهو مُلاقٍ لعاملِه في المعنى.
قوله: «تَتَّخذون» يجوز أن تكونَ الجملةُ حالاً من واو «تكونوا» أو من الضمير المستتر في الجارِّ، إذ المعنى: لا تكونوا مُشْبهين كذا حالَ كونِكم متَّخذين.
قوله: ﴿دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ هو المفعولُ الثاني ل «تَتَّخذون» . والدَّخَل: الفسادُ والدَّغَلُ. وقيل: «دَخَلاً» : مفعولٌ من أجله. وقيل: الدَّخَل: الداخلُ في الشيءِ ليس منه.
قوله: ﴿أَن تَكُونَ﴾ ، أي: بسبب أَنْ تكونَ، أو مخافةَ أَنْ تكونَ. و «تكون» يجوزُ أَنْ تكونَ تامةً، فتكون «أمَّةٌ» فاعلَها، وأن تكونَ ناقصةً، فتكون «أمَّةٌ» اسمَها، و «هي» مبتدأ، وأَرْبَى «خبرُه. والجملةُ في محلِّ
стр. 5611
نصبٍ على الحال، على الوجه الأول، وفي موضعِ الخبرِ على الثاني. وجوَّز الموفيون أن تكونَ» أُمَّةٌ «اسمَها، و» هي «عمادٌ، أي: ضميرُ فَصْلٍ، و» أربَى «خبرُ» تكون «، والبصريون لا يُجيزون ذلك لأجل تنكيرِ الاسمِ، فلو كان الاسمُ معرفةً لجاز ذلك عندهم.
قوله:» به «يجوز أن يعودَ الضميرُ على المصدر المنسبك مِنْ ﴿أَن تَكُونَ﴾ تقديره: إنما يَبْلُوكم الله بكونِ أُمَّة، أي: يختبركم بذلك. وقيل: يعودُ على» الربا «المدلولِ عليه بقولِه ﴿هِيَ أَرْبَى﴾ وقيل: على الكثرة، لأنها في معنى الكثير. قال ابن الأنباري:» لَمَّا كان تأنيثُها غيرَ حقيقي حُمِلَتْ على معنى التذكير، كما حُمِلت الصيحةُ على الصِّياح «ولم يتقدمْ للكثرةِ لفظٌ، وإنما هي مدلولٌ عليها بالمعنى مِنْ قوله ﴿هِيَ أَرْبَى﴾ .
стр. 5612
قوله تعالى: ﴿فَتَزِلَّ﴾ : منصوبٌ بإضمار «أَنْ» على جوابِ النهي.
قوله: ﴿بِمَا صَدَدتُّمْ﴾ : «ما» مصدريةٌ، و «صَدَدْتُمْ» يجوز أن يكونَ من الصُّدود، وأن يكونَ مِن الصَدِّ، ومفعولُه محذوفٌ. ونُكِّرت «قَدَمٌ» : قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ وُحِّدَتِ القَدَمُ ونُكِّرَتْ؟ قلت: لاستعظامِ أن تَزِلَّ قدمٌ واحدةٌ عن طريقِ الحق بعد أن ثَبَتَتْ عليه فكيف بأقدامٍ كثيرة» ؟ .
قال الشيخ: «الجمع تارةً يُلْحَظُ فيه المجموعُ من حيث هو مجموعٌ، وتارةً يُلحظ فيه كلُّ فردٍ فردٍ. فإذا لُوْحظ فيه المجموعُ كان
стр. 5613
الإِسنادُ معتبراً فيه الجمعيَّةُ، وإذا لُوْحظ فيه كلُّ فردٍ فردٍ كان الإِسناد مطابقاً للفظِ الجمع كثيراً، فيُجْمع ما أُسند إليه، ومطابقاً لكلِّ فردٍ فردٍ فيُفْرد، كقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ﴾ لمَّا كان لُوْحِظ في قوله» لهنَّ «معنى لكلِّ واحدة، ولو جاء مُراداً به الجمعيةُ أو الكثيرُ في الوجهِ الثاني لجُمِع المتكأ، وعلى هذا المعنى يُحمل قول الشاعر:
٣٠١ - ٥- فإني وَجَدْتُ الضَّامِرينَ متاعُهمْ ... يَمُوْتُ ويَفْنَى فارْضِخِي مِنْ وعائيا
أي: رأيتُ كلَّ ضامرٍ؛ ولذلك أَفْرَدَ الضميرَ في» يموتُ ويَفْنى «ولمَّا كان المعنى: لا يَتَّخِذُ كلُّ واحدٍ منكم جاء» فَتَزِلَّ قَدَمٌ «، مراعاةً لهذا المعنى، ثم قال: وتَذُوقْوا، مراعاةً للمجموع [أو] لِلَفْظِ الجمع على الوجهِ الكثيرِ إذا قلنا: إن الإِسنادَ لكل فردٍ فرد، فتكون الآية قد تعرَّضتْ للنهي عن اتخاذ الأَيْمَانِ دَخَلاً باعتبار المجموعِ، وباعتبارِ كل فردٍ فرد، ودَلَّ على ذلك بإفراد» قَدَم «وبجَمْعِ الضمير في» وتَذُوْقوا «.
قلت: وبهذا التقديرِ الذي ذكره الشيخ يفوتُ المعنى الجَزْلُ الذي اقتنصَه أبو القاسم مِنْ تنكير» قَدَم «وإفرادها. وأمَّا البيتُ المذكورُ فإنَّ النَّحْويين خَرَّجوه على أن المعنى: يموت مَنْ ثُمَّ، ومَنْ ذُكِرَ، فأفرد الضميرَ لذلك لما لا لِما ذكر.
стр. 5614
قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ﴾ : مبتدأ وخبر. والنَّفَادُ:
стр. 5615
الفناءُ والذِّهابُ يقال: نَفِذ بكسر العين يَنْفَذُ بفتحها نَفَاذاً ونُفُوذاً. وأمَّا «نَفَذَ» بالذالِ المعجمة فَفِعْلُه نَفذَ بالفتح يَنْفُذُ بالضم، وسيأتي. ويُقال: أَنْفَد القومُ. فَنِي زادُهم، وخَصْمٌ مُنافِدٌ، لِيَنْفِد حجةَ صاحبِه، يقال: نافَدْتُه فَنَفِدْتُه.
وقوله «باقٍ» قد تقدَّم الكلامُ في الوقف عليه في الرعد.
قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الذين﴾ قرأ ابن كثير وعاصم وابن ذكوان ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ بنونِ العظمة، التفاتاً من الغَيْبة إلى التكلم. وتقدَّم تقريرُ الالتفاتِ. والباقون بياء الغَيْبة رجوعاً إلى الهِ لتقدُّم ذكرِه العزيز في قولِه تعالى / ﴿وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ .
وقوله: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ﴾ يجوز أن تكونَ أَفْعَل على بابِها من التفضيل، وإذا جازاهم بالأحسنِ فَلأَنْ يُجازِيَهم بالحَسَن من باب الأَوْلَى. وقيل: ليسَتْ للتفضيلِ، وكأنهم فَرُّوا مِنْ مفهومِ أفْعل؛ إذ لا يلزم من المجازاةِ بالأحسنِ المجازاةُ بالحَسَن. وهو وَهْمٌ لما تقدَّم مِنْ أنه مِنْ مفهوم الموافقة بطريق الأَوْلى.
стр. 5616
قوله تعالى: ﴿مِّن ذَكَرٍ﴾ : «مِنْ» للبيان فتتعلقُ بمحذوفٍ، أي: أَعْنِي مِنْ ذَكَر. ويجوزُ أن يكونَ حالاً مِنْ فاعل «عَمِل» .
قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملةٌ حاليةٌ أيضاً.
стр. 5617
قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ راعى معنى «مَنْ» فَجَمع الضميرَ بعد أن راعَى لفظَهَا فَأَفْرَدَ في «فَلَنُحْيِيَنَّهُ» وما قبله، وقرأ العامَّةُ «وَلَجْزِيَنَّهم» بنونِ العظمةِ مراعاةً لِما قبله. وقرأ ابنُ عامر في روايةٍ بياء الغيبة، وهذا ينبغي أن يكونَ على إضمارِ قَسَمٍ ثانٍ، فيكونَ من عطفِ جملةٍ قَسَميةٍ على قَسَمِيةٍ مثلِها، حُذفتا وبقي جواباها.
ولا جائزٌ أن يكونَ مِنْ عطفِ جوابٍ على جواب لإِفضائِه إلى أخبارِ المتكلم عن نفسِه بإخبار الغائب، وهو لا يجوزُ. لو قلت: «زيد قال: واللهِ لأَضْرِبَنَّ هنداً ولَينفينَّها» تريد: ولَينفينَّها زيدٌ، لم يَجُزْ. فإن أَضْمَرْت قسماً آخرَ جاز، أي: وقال: واللهِ لينفينَّها؛ لأنَّ لك في مثلِ هذا التركيبِ أن تحكيَ لفظه، ومنه ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى﴾ [التوبة: ١٠٧] وأن تحكيَ معناه، ومنه ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ [التوبة: ٧٤] ولو جاء على اللفظ لقيل: ما قلنا.
стр. 5618
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾ أي: فإذا أَرَدْتَ، فأضمرتَ الإِرادةَ. قال الزمخشري: «لأنَّ الفعلَ يوجد عند القصدِ والإِرادةِ من غير فاصلٍ وعلى حسبِه، فكان منه بسببٍ قوي وملابسةٍ ظاهرة» . وقال ابن عطية: «ف» إذا «وَصْلةٌ بين الكلامين، والعربُ تستعملها في مثل
стр. 5619
هذا، وتقدير الآية: فإذا أَخَذْتَ في قراءةِ القرآن فاسْتَعِذْ» . قلت: وهذا هو مذهبُ الجمهورِ من القُرَّاء والعلماء، وقد أخذ بظاهرِ الآية، فاستعاذ بعد أن قرأ، من الصحابة أبو هريرة، ومن الأئمة مالك وابن سيرين، ومن القرَّاء حمزة.
стр. 5620
قوله تعالى: ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ : يجوز أن يعودَ الضميرُ على الشيطانِ، وهو الظاهرُ؛ لتتحدَ الضمائرُ. والمعنى: والذين هم مشركون بسببه. وقيل: والذين هم بإشراكهم إبليس مشركون باللهِ. ويجوز أن يعودَ على «ربهم» .
стр. 5621
قوله تعالى: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ : في هذه الجملةِ وجهان، أظهرهما: أنها اعتراضيةٌ بين الشرطِ وجوابه. والثاني: أنها حاليةٌ، وليس بظاهرٍ. وقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ نسبوا إليه ﷺ الافتراءَ بأنواعٍ من المبالغات: الحصرِ والخطابِ واسمِ الفاعل الدالِّ على الثبوتِ والاستقرار. ومفعول «لا يَعْلمون» محذوفٌ للعلمِ به، أي: لا يعلمون أنَّ في نَسْخِ الشرائعِ وبعضِ القرآنِ حِكَماً بالغة.
стр. 5622
قوله تعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ : متعلقٌ ب «نَزَّله» . و «هدى وبشرى» يجوز أَنْ يكونا عطفاً على محلِّ «ليُثَبِّتَ» فيُنْصبان، أو على لفظِه باعتبارِ المصدرِ المُؤَوَّل فَيُجَرَّان. وقد تقدَّم كلامُ الزمخشريِّ في نظيرِهما، وما رَدَّ به الشيخُ، وما رُدَّ به عليه. وجوَّز أبو البقاء ارتفاعَهما خَبَرَيْ مبتدأ محذوفٍ، أي: وهو هُدَىً، والجملةُ حالٌ.
стр. 5623
وقرئ «لِيُثْبِتَ» مخففاً مِنْ أَثْبتَ.
стр. 5624
قوله تعالى: ﴿لِّسَانُ الذي﴾ : العامَّة على إضافة «لسان» إلى ما بعدَه. واللِّسانُ: اللغة. وقرأ الحسن «اللسان» معرَّفاً بأل، و «الذي» نعتٌ له. وفي هذه الجملة وجهان، أحدُهما: لا محلَّ لها لاستئنافِها، قاله الزمخشري. والثاني: أنها حالٌ مِنْ فاعل «يقولون» ، أي: يقولون ذلك والحالُ هذه، أي: عِلْمُهم بأعجميةِ هذا البشرِ وإبانةِ عربيَّةِ هذا القرآنِ كان ينبغي أَنْ يمنَعهم من تلك المقالةِ، كقولِك: «تَشْتُمُ فلاناً وهو قد أحسنَ إليك» ، أي: وعِلْمُك بإحسانِه إليك كان يمنعُك مِنْ شَتْمِهِ، قاله الشيخ. ثم قال: «وإنما ذهب إلى الاستئنافِ لا إلى الحالِ؛ لأنَّ مِنْ مذهبِه أنَّ مجيءَ الحالِ اسميةً من غيرٍ واوٍ شاذٌ، وهو مذهبٌ مرجوحٌ تَبِع فيه الفراءَ» .
و «أعجميٌّ» خبرٌ على كلتا القراءتين. والأعجميُّ: مَنْ لم يتكلَّمْ بالعربية. وقال الراغب: «العَجَمُ خلافُ العرب، والعجميُّ منسوبٌ إليهم، والأَعْجَم مَنْ في لسانِه عُجْمَةٌ عربياً كان أو غيرَ عربي؛ اعتباراً بقلة فَهْمِه من العُجْمة. والأعجميُّ منسوبٌ إليه، ومنه قيل للبهيمة» عَجْماءُ «من حيث
стр. 5625
إنها لا تُبِيْنُ، و» صلاةُ النهارِ عَجْماء «، أي: لا يُجْهَرُ فيها. والعَجَمُ: النَّوَى لاختفائِه. وحروف المعجم، قال الخليل:» الحروفُ المقطَّعة لأنها أعجمية «قال بعضهم: معناه أنَّ الحروفَ المجردة لا تَدُلُّ على ما تَدُلُّ عليه الموصولةُ. وأَعْجمتُ الكتاب ضِدُّ أَعْرَبْتُه، وأَعْجَمْتُه: أَزَلْتُ عُجْمَتَه كَأَشْكَيْتُه، أي: أَزَلْتُ شِكايتَه، وسيأتي لهذا أيضاً مزيدُ بيانٍ إنْ شاء الله في الشعراء، وحم السجدة. وتقدَّم خلافُ القرَّاءِ في» يُلْحِدُون «في الأعراف.
стр. 5626
قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بالله﴾ : يجوز فيه أوجهُ، أحدُها: أن يكونَ بدلاً من ﴿الذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ، أي: إنما يفترى الكذبَ مَنْ كفر. الثاني: أنه بدلٌ مِنَ «الكاذبون» . والثالث: / مِنْ «أولئك» قاله الزمخشريُّ، فعلى الأولِ يكون قولُه ﴿وأولئك هُمُ الكاذبون﴾ جملةً معترضةً بين البدلِ والمُبْدلِ منه.
واستضعف الشيخُ الأوجهَ الثلاثةَ فقال: «لأنَّ الأولَ يقتضي أنه لا يَفْتري الكذبَ إلا مَنْ كفر بالله من بعدِ إيمانِه، والوجودُ يَقْضي أنَّ المفتريَ مَنْ لا يؤمن، سواءً كفر بالله من بعدِ إيمانِه، أم لا، بل الأكثرُ الثاني وهو المفتري» قال: «وأمَّا الثاني فَيَؤُوْل المعنى إلى ذلك؛ إذ التقديرُ: وأولئك: أي: الذين لا يؤمنون هم مَنْ كفر بالله من بعدِ إيمانِه، والذين
стр. 5627
لا يؤمنون هم المُفْترون. وأمَّا الثالثُ فكذلك؛ إذ التقديرُ: إنَّ المشارَ إليهم هم مَنْ كفرَ بالله من بعد إيمانه، مُخْبراً عنهم بأنهم الكاذبون» .
الوجه الرابع: أن ينتصبَ على الذمِّ، قاله الزمخشري. الخامس: أن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ على الذمِّ أيضاً. السادس: أن يرتفعَ على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ، تقديره: فعليهم غضبٌ لدلالةِ ما بعد «مَنْ» الثانيةِ عليه.
السابع: أنها مبتدأٌ أيضاً، وخبرُها وخبرُ «مَنْ» الثانيةِ أيضاً قولُه ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ ، قاله ابن عطية، قال: «إذ هو واحدٌ بالمعنى؛ لأنَّ الإِخبارَ في قولِه ﴿مَن كَفَرَ بالله﴾ إنما قَصَدَ به الصنفَ الشارحَ بالكفر» . قال الشيخ: «وهذا وإنْ كان كما ذكر، إلا أنهما جملتان شرطيتان، وقد فُصِل بينهما بأداةِ الاستدراك، فلا بد لكلِّ واحدةٍ منهما على انفرادِها مِنْ جوابٍ لا يشتركان فيه، فتقديرُ الحَذْفِ أَجْرَى على صناعةِ الإِعرابِ، وقد ضَعَّفوا مذهبَ الأخفشِ في ادِّعائه أنَّ قولَه ﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ [الواقعة: ٩١] ، وقولُه ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جوابُ» أمَّا «، و» إنْ «هذا، وهما أداتا شرط وَلِيَتْ إحداهما الأخرى» .
стр. 5628
الثامن: أن تكونَ «مَنْ» شرطيةً وجوابُها مقدرٌ تقديره: فعليهم غضبٌ؛ لدلالةِ ما بعد «مَنْ» الثانيةِ عليه. وقد تقدَّم أن ابنَ عطية جَعَلَ الجزاءَ لهما معاً، وتقدَّم الكلامُ معه فيه.
قولِه: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مستثنى مقدَّمٌ مِنْ قولِه ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله﴾ ، وهذا يكونُ فيه منقطعاً؛ لأنَّ المُكْرَه لم يَشْرَحْ بالكفرِ صدراً. وقال أبو البقاء: «وقيل: ليس بمقدَّمٍ فهو كقول لبيد:
٣٠١ - ٦- ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فظاهرُ كلامِه يَدُلُّ على أنَّ بيتَ لبيدٍ لا تقديمَ فيه، وليس كذلك فإنه ظاهرٌ في التقديمِ جداً.
الثاني: أنه مستثنى مِنْ جوابِ الشرط، أو مِنْ خبر المبتدأ المقدر، تقديرُه: فعليهمْ غضبٌ من الله إلا مَنْ أُكْرِه، ولذلك قَدَّر الزمخشري جزاءَ الشرط قبل الاستثناء، وهو استثناءٌ متصلٌ؛ لأنَّ الكفرَ يكون بالقولِ مِنْ غير اعتقادٍ كالمُكْرَه، وقد يكون - والعياذُ بالله - باعتقادٍ، فاستثنى الصِّنفَ الأول.
قوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ جملةٌ حاليةٌ، أي: إلا مَنْ أُكْرِهَ في هذه الحالةِ.
قوله: ﴿ولكن مَّن شَرَحَ﴾ الاستدراكُ واضحٌ؛ لأنَّ قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾
стр. 5629
قد يَسْبق الوهمُ إلى الاستثناء مطلقاً فاستدرك هذا. وقولُه ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ لا ينفي ذلك الوهم. و «مَنْ» : إمَّا شرطيةٌ أو موصولةٌ، ولكن متى جُعِلَتْ شرطيةً فلا بدُّ من إضمارِ مبتدأ قبلها؛ لأنه لا يليها الجملُ الشرطيةُ، قاله الشيخ ثم قال: «ومثلُه:
٣٠١ - ٧-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولكن متى يَسْتَرْفِدِ القومُ أَرْفِدِ
أي: ولكن أنا متى يَسْتَرْفد» وإنما لم تقعِ الشرطيةُ بعد «لكن» لأنَّ الاستدراكَ لا يقع في الشُّروط. هكذا قيل، وهو ممنوع.
стр. 5630
قوله تعالى: ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ﴾ : مبتدأ وخبر، كنظائرَ مَرَّتْ، والإِشارةُ ب «ذلك» إلى ما ذُكِرَ من الغضبِ والعذاب؛ ولذلك وُحِّد كقوله: ﴿بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] و [قولِه]
٣٠١ - ٨- كأنه في الجِلْدِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وقد مَرَّ ذلك.
стр. 5631
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ : في خبر «إنَّ» هذه ثلاثةُ أوجهٍ، إنه قولُه ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، و ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الثانيةُ واسمُها تأكيدٌ للأولى واسمِها، فكأنه قيل: ثم إنَّ ربَّك إنَّ ربَّك لغفورٌ
стр. 5632
رحيم، وحينئذٍ يجوز في قولِه «للذين» وجهان: أن يتعلَّقَ بالخبرين على سبيل التنازعِ، أو بمحذوفٍ على سبيلِ البيان كأنه قيل: الغُفرانُ والرحمةُ للذين هاجرُوا. الثاني: أن الخبرَ هو نفسُ الجارِّ بعدها كما تقول: إنَّ زيداً لك، أي: هُوَ لك لا عليك بمعنى هو ناصرُهم لا خاذِلُهم، قال معناه الزمخشريُّ [ثم قال «كما يكون المَلِكُ للرجل لا عليه، فيكون مَحْمِيَّاً مَنْفُوْعاً] .
الثالث: أن خبرَ الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية، / يعني أنه محذوفٌ لفظاً لدلالةِ ما بعده عليه، وهذا معنى قولِ أبي البقاء:» وقيل: لا خبرَ ل «إنَّ» الأولى في اللفظ؛ لأنَّ خبرَ الثانيةِ أغنى عنه «وحينئذٍ لا يَحْسُنُ رَدُّ الشيخِ عليه بقوله:» وهذا ليس بجيدٍ أنه أَلْغَى حكمَ الأولى، وجَعَلَ الحكمَ للثانيةِ، وهو عكسُ ما تقدَّمَ ولا يجوز «.
قولِه: ﴿مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ قرأ ابنُ عامر» فَتَنوا «مبنياً للفاعل، أي: فَتَنُوا أَنْفُسَهم، فإن عاد الضميرُ على المؤمنين فالمعنى: فَتَنُوا انفسَهم بما أَعْطَوا المشركين من القولِ ظاهراً، أو أنهم لَمَّا صبروا على عذابِ المشركين فكأنهم فَتَنُوا أنفسَهم، وإنْ عاد على المشركين فهو واضحٌ، أي: فتنُوا المؤمنين.
والباقون» فُتِنُوا «مبنياً للمفعول. والضميرُ في» بعدها «للمصادرِ المفهومةِ من الأفعالِ المتقدمةِ، أي: مِنْ بعد الفتنةِ والهجرةِ والجهادِ والصبرِ. وقال
стр. 5633
ابن عطية:» عائدٌ على الفتنةِ أو الفَعْلة أو الهجرة أو التوبة «.
стр. 5634
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ : يجوز أَنْ ينتصبَ ب «رحيم» ، ولا يلزمُ مِنْ ذلك تقييدُ رحمته بالظرف؛ لأنه إذا رَحِم في هذا اليوم فرحمتُه في غيرِه أَوْلَى وأحْرَى، وأن ينتصِبَ ب «اذكر» مقدرةً، وراعى معنى «كل» فأنَّثَ الضمائر في قوله «تجادل» إلى آخره، ومثلُه:
٣٠١ - ٩- جادَتْ عليه كلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ... فتركْنَ كلَّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلا أنَّه زاد في البيت الجمعَ على المعنى، وقد تقدَّم ذلك أولَ هذا الموضوع. وقوله ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ حَمَلَ على المعنى فلذلك جَمَعَ.
стр. 5635
قوله تعالى: ﴿والخوف﴾ : العامَّةُ على جَرِّ «الخوف» نسقاً على «الرجوع» ، ورُوي عن أبي عمرو نصبُه، وفيه أوجه، أحدها: أن يُعطف على «لباس» . الثاني: أن يُعْطَفَ على موضعِ «الجوع» ؛ لأنه مفعولٌ في المعنى للمصدرِ. التقدير: «أَنْ أَلْبَسَهم الجوعَ والخوفَ» ، قاله أبو البقاء، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ اللباسَ اسمُ ما يُلْبَسُ، وهو استعارةٌ بليغةٌ كما سأنبِّهك عليه. الثالث: أن ينتصِبَ بإضمارِ فعلٍ قاله أبو الفضل الرازي. [الرابع: أن يكونَ حَذْفِ مضافٍ، أي:] ولباس
стр. 5636
الخوف، ثم حُذِف وأقيم [المضافُ إليه] مُقامَه قاله الزمخشري.
ووجه الاستعارةِ ما قاله الزمخشري، فإنه قال: «فإن قُلْتَ، الإِذاقةُ واللباسُ استعارتان فما وجهُ صحتِهما؟ والإِذاقةُ المستعارةُ مُوَقَّعَةٌ على اللباس المستعار فما وجهُ صحةِ إيقاعِها عليه؟ قلت: الإِذاقَةُ جَرَتْ عندهم مَجْرَى الحقيقةِ لشيوعِها في البلايا والشدائد وما يَمَسُّ الناسَ منها، فيقولون، ذاقَ فلانٌ البؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقة العذابُ، شَبَّه ما يُدْرِكُ مِنْ أثرِ الضررِ والألمِ بما يُدْرِكُ مِنْ طَعْمِ المُرِّ والبَشِع، وأمَّا اللباسُ فقد شبَّه به لاشتمالِه على اللابسِ ما غَشِيَ الإِنسانَ والتبس به من بعض الحوادث. وأمَّا إيقاعُ الإِذاقةِ على لباسِ الجوعِ والخوفِ فلأنه لمَّا وقع عبارةً عَمَّا يُغْشَى منهما ويُلابَسُ، فكأنه قيل: فأذاقهم ما غَشِيهم من الجوعِ والخوفِ. ولهم في هذا طريقان، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له كما نَظَرَ إليه ههنا، ونحوُه قول كثيِّر:
٣٠٢ - ٠- غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّم ضاحكاً ... غَلِقَتْ لضَحْكَتِهِ رِقابُ المالِ
استعار الرداءَ للمعروفِ لأنه يَصُون عِرْضَ صاحبِه صَوْتَ الرداءِ لِما يُلْقى عليه، ووصفَه بالغَمْرِ الذي هو وصفُ المعروفِ والنَّوال، لا وصفُ الرداء، نظراً إلى المستعار له. والثاني: أن ينظروا فيه المستعار كقوله:
٣٠٢ - ١-
стр. 5637
يُنازعني رِدائي عَبْدُ عَمْرٍو ... رُوَيْدَك يا أخا عمرِو بن بكر
ليَ الشَّطْرُ الذي ملكَتْ يميني ... ودونَك فاعْتَجِر منه بِشَطْرِ
أراد بردائِه سيفَه ثم قال:» فاعتجِرْ منه بِشَطْر «فنظر إلى المستعارِ في لفظِ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقال:» فكساهُمْ لباسَ الجوعِ والخوف «، ولقال كثِّير:» ضافي الرداءِ إذا تبسَّم «. انتهى. وهذا نهايةُ ما يُقال في الاستعارة.
وقال ابن عطية:» لمَّا باشرهم ذلك صار كاللباس، وهذا كقول الأعشى:
٣٠٢ - ٢- إذا ما الضَّجِيْعُ ثنى جِيْدَها ... تَثَنَّتْ عليه فكانَتْ لباسا
ومثلُه قولُه تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ/ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، ومثلُه قولُ الشاعر:
٣٠٢ - ٢- وقد لَبِسَتْ بعد الزبيرِ مُجاشِعٌ ... لباسَ التي حاضَتْ ولن تَغْسِل الدَّما
كأنَّ العارَ لمَّا باشرهم ولصِقَ بهم كأنهم لَبِسُوه «.
وقوله:» فأذاقهم «نظيرُ قولِه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز
стр. 5638
الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] ، ونظيرُ قولِ الشاعر:
٣٠٢ - ٣- دونَكَ ما جَنَيْتَه فاحْسُ وذُقْ ... وفي قراءةِ عبد الله «فأذاقها اللهُ الخوفَ والجوعَ» ، وفي مصحف أُبَيّ «لباسَ الخوفِ والجوعِ» .
وقوله: ﴿بِأَنْعُمِ الله﴾ أتى بجمعِ القلَّةِ، ولم يَقُلْ «بِنِعَمِ الله» جمعَ كثرةٍ تنبيهاً بالأدْنى على الأَعْلى؛ لأنَّ العذابَ إذا كان على كُفْرانِ الشيءِ القليلِ فكونُه على النِّعَم الكثيرةِ أَوْلَى.
و «أنْعُم» فيها قولان، أحدُهما: أنها جمعُ «نِعْمةٍ» نحو: شِدَّة: أَشُدّ. قال الزمخشري: «جمعُ» نِعمة «على تَرْكِ الاعتداد بالتاء كَدِرْع وأَدْرُع» . وقال قطرب: «هي جمع نُعْم، والنُّعْمُ: النَّعيم، يقال:» هذه أيامُ طُعْم ونُعْم «. وفي الحديث:» نادى مُنادي رسولِ الله ﷺ بالمَوْسِم بمنى: «إنها أيام طُعْمٍ ونُعْمٍ فلا تَصُوموا» .
قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ﴾ يجوز أَنْ تكونَ مصدريةً، أو بمعنى الذي، والعائدُ
стр. 5639
محذوفٌ، أي: بسبب صُنْعهم أو بسببِ الذي كانوا يصنعونه. والواو في «يَصْنعون» عائدةٌ على أهل المعذَّب. قيل: قرية، وهي نظيرةُ قولِه ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] بعد قولِه ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ .
стр. 5640
قوله تعالى: ﴿واشكروا نِعْمَةَ الله﴾ : صَرَّح هنا بالنعمة لتقدُّمِ ذِكْرها مع مَنْ كفر بها، ولم يَجِئْ ذلك في البقرة، بل قال: ﴿واشكروا للَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] لمَّا لم يتقدمْ ذلك، وتقدَّم نظائرُها هنا.
следующие страницы →