Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
الخوف، ثم حُذِف وأقيم [المضافُ إليه] مُقامَه قاله الزمخشري.
ووجه الاستعارةِ ما قاله الزمخشري، فإنه قال: «فإن قُلْتَ، الإِذاقةُ واللباسُ استعارتان فما وجهُ صحتِهما؟ والإِذاقةُ المستعارةُ مُوَقَّعَةٌ على اللباس المستعار فما وجهُ صحةِ إيقاعِها عليه؟ قلت: الإِذاقَةُ جَرَتْ عندهم مَجْرَى الحقيقةِ لشيوعِها في البلايا والشدائد وما يَمَسُّ الناسَ منها، فيقولون، ذاقَ فلانٌ البؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقة العذابُ، شَبَّه ما يُدْرِكُ مِنْ أثرِ الضررِ والألمِ بما يُدْرِكُ مِنْ طَعْمِ المُرِّ والبَشِع، وأمَّا اللباسُ فقد شبَّه به لاشتمالِه على اللابسِ ما غَشِيَ الإِنسانَ والتبس به من بعض الحوادث. وأمَّا إيقاعُ الإِذاقةِ على لباسِ الجوعِ والخوفِ فلأنه لمَّا وقع عبارةً عَمَّا يُغْشَى منهما ويُلابَسُ، فكأنه قيل: فأذاقهم ما غَشِيهم من الجوعِ والخوفِ. ولهم في هذا طريقان، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له كما نَظَرَ إليه ههنا، ونحوُه قول كثيِّر:
٣٠٢ - ٠- غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّم ضاحكاً ... غَلِقَتْ لضَحْكَتِهِ رِقابُ المالِ
استعار الرداءَ للمعروفِ لأنه يَصُون عِرْضَ صاحبِه صَوْتَ الرداءِ لِما يُلْقى عليه، ووصفَه بالغَمْرِ الذي هو وصفُ المعروفِ والنَّوال، لا وصفُ الرداء، نظراً إلى المستعار له. والثاني: أن ينظروا فيه المستعار كقوله:
٣٠٢ - ١-
стр. 5637
يُنازعني رِدائي عَبْدُ عَمْرٍو ... رُوَيْدَك يا أخا عمرِو بن بكر
ليَ الشَّطْرُ الذي ملكَتْ يميني ... ودونَك فاعْتَجِر منه بِشَطْرِ
أراد بردائِه سيفَه ثم قال:» فاعتجِرْ منه بِشَطْر «فنظر إلى المستعارِ في لفظِ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقال:» فكساهُمْ لباسَ الجوعِ والخوف «، ولقال كثِّير:» ضافي الرداءِ إذا تبسَّم «. انتهى. وهذا نهايةُ ما يُقال في الاستعارة.
وقال ابن عطية:» لمَّا باشرهم ذلك صار كاللباس، وهذا كقول الأعشى:
٣٠٢ - ٢- إذا ما الضَّجِيْعُ ثنى جِيْدَها ... تَثَنَّتْ عليه فكانَتْ لباسا
ومثلُه قولُه تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ/ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، ومثلُه قولُ الشاعر:
٣٠٢ - ٢- وقد لَبِسَتْ بعد الزبيرِ مُجاشِعٌ ... لباسَ التي حاضَتْ ولن تَغْسِل الدَّما
كأنَّ العارَ لمَّا باشرهم ولصِقَ بهم كأنهم لَبِسُوه «.
وقوله:» فأذاقهم «نظيرُ قولِه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز
стр. 5638
الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] ، ونظيرُ قولِ الشاعر:
٣٠٢ - ٣- دونَكَ ما جَنَيْتَه فاحْسُ وذُقْ ... وفي قراءةِ عبد الله «فأذاقها اللهُ الخوفَ والجوعَ» ، وفي مصحف أُبَيّ «لباسَ الخوفِ والجوعِ» .
وقوله: ﴿بِأَنْعُمِ الله﴾ أتى بجمعِ القلَّةِ، ولم يَقُلْ «بِنِعَمِ الله» جمعَ كثرةٍ تنبيهاً بالأدْنى على الأَعْلى؛ لأنَّ العذابَ إذا كان على كُفْرانِ الشيءِ القليلِ فكونُه على النِّعَم الكثيرةِ أَوْلَى.
و «أنْعُم» فيها قولان، أحدُهما: أنها جمعُ «نِعْمةٍ» نحو: شِدَّة: أَشُدّ. قال الزمخشري: «جمعُ» نِعمة «على تَرْكِ الاعتداد بالتاء كَدِرْع وأَدْرُع» . وقال قطرب: «هي جمع نُعْم، والنُّعْمُ: النَّعيم، يقال:» هذه أيامُ طُعْم ونُعْم «. وفي الحديث:» نادى مُنادي رسولِ الله ﷺ بالمَوْسِم بمنى: «إنها أيام طُعْمٍ ونُعْمٍ فلا تَصُوموا» .
قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ﴾ يجوز أَنْ تكونَ مصدريةً، أو بمعنى الذي، والعائدُ
стр. 5639
محذوفٌ، أي: بسبب صُنْعهم أو بسببِ الذي كانوا يصنعونه. والواو في «يَصْنعون» عائدةٌ على أهل المعذَّب. قيل: قرية، وهي نظيرةُ قولِه ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] بعد قولِه ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ .
стр. 5640
قوله تعالى: ﴿واشكروا نِعْمَةَ الله﴾ : صَرَّح هنا بالنعمة لتقدُّمِ ذِكْرها مع مَنْ كفر بها، ولم يَجِئْ ذلك في البقرة، بل قال: ﴿واشكروا للَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] لمَّا لم يتقدمْ ذلك، وتقدَّم نظائرُها هنا.
стр. 5641
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب﴾ : العامَّةُ على فتحِ الكافِ وكسرِ الذالِ ونصب الباءِ. وفيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه منصوبٌ على المفعولِ به وناصبُه «تَصِفُ» و «ما» مصدريةٌ، ويكونُ معمولُ القولِ الجملةَ مِنْ قوله ﴿هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ﴾ و ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ علةٌ للنهي عن القول ذلك، أي: ولا تقولوا: هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ لأجل وَصْفِ ألسنتِكم الكذبَ، وإلى هذا نحا الزجَّاجُ والكسائيُّ، والمعنى: لا تُحَلِّلوا ولا تُحَرِّمُوا لأجلِ قولٍ تَنْطِقُ به ألسنتُكم من غير حُجَّةٍ.
الثاني: أن ينتصِب مفعولاً به للقولِ، ويكون قوله: ﴿هذا حَلاَلٌ﴾ بدلاً مِنَ «الكذب» لأنه عينُه، أو يكون مفعولاً بمضمرٍ، أي: فيقولوا: هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ، و ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ علةٌ أيضاً، والتقديرُ: ولا تقولوا الكذب
стр. 5642
لوصفِ ألسنتِكم. وهل يجوزُ أن تكونَ المسألةُ من التنازعِ على هذا الوجهِ، وذلك: أن القولَ يَطْلُبُ «الكذب» و «تَصِفُ» أيضاً يطلبه، أي: ولا تَقُولْوا الكذب لما تصفه ألسنتُكم؟ فيه نظرٌ.
الثالث: أن ينتصِبَ على البدلِ من العائدِ المحذوف على «ما» إذا قلنا: إنها بمعنى الذي؛ التقدير: لِما تصفُه، ذكر ذلك الحوفيُّ وأبو البقاء. الرابع: أن ينتصبَ بإضمار أعني، ذكره أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه، ولا معنى عليه.
وقرأ الحسن وابن يعمر وطلحةُ «الكذبِ» بالخفضِ وفيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ من الموصولِ، أي: ولا تقولوا لوصفِ ألسنتِكم الكذبِ، أو للذي تصفه ألسنتكم الكذبِ، جعله نفسَ الكذبِ لأنه هو. والثاني: ذكره الزمخشري أن يكون نعتاً ل «ما» المصدرية. ورَدَّه الشيخُ: بأنَّ النحاةَ نصُّوا على أن المصدرَ المنسبكَ مِنْ أنْ والفعلِ لا يُنْعَتُ، لا يُقال «يعجبني أن تخرجَ السريعُ» ولا فرقَ بين هذا وبين باقي الحروفِ المصدرية.
وقرأ ابن أبي عبلة ومعاذ بن جبل بضمِّ الكاف والذال، ورفعِ الباءِ
стр. 5643
صفةً للألسنة كصَبُور وصُبُر، أو جمع كاذِب كشارِف وشُرُف، أو جمع «كِذاب» نحو: كِتاب وكُتُب.
وقرأ مَسْلَمَةُ بنُ محارِبٍ فيما نقله ابن عطية كذلك، إلا أنَّه نصب الباءَ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، ذكرها الزمخشري. أحدُها: أن تكونَ منصوبةً على الشتم، يعني وهي في الأصل نعتٌ للألسنة كما في القراءة قبلها. الثاني: أن تكون بمعنى الكَلِمِ الكواذب، يعني أنها مفعولٌ بها، والعامل فيها: إمَّا «تَصِفُ» ، وإمَّ القولُ / على ما مرَّ، أي: لا تقولوا الكَلِمَ الكواذبَ، أو لِمَا تَصِفُ ألسنتُكم الكلمَ الكواذبَ. الثالث: أن يكونَ جمع الكِذاب مِنْ قولِك «كَذِب كِذاباً» يعني فيكون منصوباً على المصدر؛ لأنه مِنْ معنى وَصْفِ الألسنةِ فيكون نحو: كُتُب في جمع كِتاب، وقد قرأ الكسائيُّ: ﴿وَلاَ كِذَاباً﴾ بالتخفيف كما سيأتي في النبأ.
قوله: «لِتَفْتَرُوا» في اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: قال الواحدي: «إنه بدلٌ مِنْ ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ لأنَّ وصفَهم الكذبَ هو افتراءٌ على الله» . قال الشيخ: «فهو على تقدير جَعْلِ» ما «مصدريةً، أمَّا إذا كانت بمعنى الذي فاللامُ فيها ليست للتعليل فَيُبْدل منها ما يُفْهِمُ التعليلَ، وإنما اللامُ في» لِما «متعلقةٌ ب» لا تقولوا «على حَدِّ تَعَلُّقِها في قولك: لا تقولوا لِما أَحَلَّ اللهُ: هذا
стр. 5644
حرامٌ، أي: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حراماً وكما تقول: لا تقلْ لزيدٍ عمراً، أي: لا تُطْلِقْ عليه هذا الاسمَ» . قلت: وهذا وإن كان ظاهراً، إلاَّ أنه لا يمنع من إرادةِ التعليل، وإنْ كانت بمعنى الذي.
الثاني: أنها للصيرورة إذ لم يَفْعلوه لذلك الغرضِ.
الثالث: أنها للتعليلِ الصريحِ، ولا يَبْعُدُ أن يَصْدُرَ مثلُ ذلك.
стр. 5645
قوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه مبتدأٌ، و «قليل» خبره، وفيه نظرٌ للابتداءِ بنكرةٍ مِنْ غيرِ مُسَوِّغ. فإن ادُّعِي إضافتُه نحو: متاعُهم قليل، فهو بعيدٌ جداً. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: بَقاؤهم أو عيشُهم أو منفعتُهم فيما هم عليه.
стр. 5646
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ : متعلِّقٌ ب «حَرَّمْنَا» أو ب «قَصَصْنَا» والمضافُ إليه «قبلُ» تقديرُه: ومِنْ قبلِ تحريمِنا على أهلِ مِلَّتِك.
стр. 5647
قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِهَا﴾ : أي: مِنْ بعدِ عَمَلِ السوءِ والتوبةِ والإِصلاح، وقيل: على الجهالةِ. وقيل: على السوءِ؛ لأنه في معنى المعصيةِ.
و «بجهالة» حالٌ مِنْ فاعل «عَمِلوا» .
стр. 5648
قوله تعالى: ﴿أُمَّةً﴾ : تُطْلَقُ الأُمَّة على الرجل الجامع لخصالٍ محمودة. وقيل: فًعْلَةُ تدل على المبالغةِ، وإلى المعنى الأولِ نَظَر ابنُ هانئٍ في قوله:
٣٠٢ - ٤- وليس الله بمُسْتَنْكَرٍ ... أن يَجْمَعَ العالمَ في واحِدِ
стр. 5649
قوله تعالى: ﴿شَاكِراً﴾ : يجوز أن يكونَ خبراً ثالثاً، او حالاً مِنْ أحدِ الضميرين في «قانِتاً» أو «حنيفاً» .
قوله: «لأَنْعُمِهِ» يجوز تعلُّقه ب «شاكراً» أو ب «اجتباه» ، و «اجتباه» : إمَّا حالٌ، وإمَّا خبرٌ آخرُ ل كان. و ﴿إلى صِرَاطٍ﴾ يجوز تعلُّقُه ب «اجتباه» وب «هداه» على قاعدةِ التنازع.
стр. 5650
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ﴾ : قال الزمخشري: «في» ثم «هذه ما فيها مِنْ تعظيم منزلتِهِ وأجلالِ مَحَلَّه، والإِيذانُ بأنَّ أَشْرَفَ ما أُوتي خليلُ الرحمنِ من الكرامةِ وأَجَلَّ ما أُولِيَ من النعمة اتِّباعُ رسولِ الله ﷺ من قِبَلِ أنها دَلَّتْ على تباعُدِ هذا النعتِ في الرتبةِ منْ بينِ سائرِ النُّعوت التي أثنى اللهُ عليه بها» .
قوله: ﴿أَنِ اتبع﴾ يجوز أن تكونَ المفسِّرةَ، وأن تكونَ المصدريةَ فتكونَ مع منصوبِها مفعولَ الإِيحاء.
стр. 5651
قوله: «حنيفاً» حالٌ، وتقدَّم تحقيقُه في البقرة. وقال ابن عطية: «قال مكي: ولا يكون - يعني حنيفاً - حالاً من» إبراهيم «لأنه مضافٌ إليه، وليس كما قال؛ لأن الحالَ قد تعمل فيها حروفُ الجرِّ إذا عَمِلَتْ في ذي الحال كقولِك» مررتُ بزيدٍ قائماً «. قلت: ما ذكره مكيٌّ من امتناعِ الحال من المضاف إليه فليس على إطلاقه لِما تقدَّم تفصيلُه في البقرة. وأمَّا قولُ ابن عطية: إن العاملَ الخافضُ فليس كذلك، إنما العاملُ ما تعلَّق به الخافضُ، ولذلك إذا حُذِفَ الخافضُ، نُصِبَ مخفوضُه.
стр. 5652
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ﴾ : العامَّةُ على بنائِه للمفعول، وأبو حَيْوةَ على بنائِه للفاعلِ، «السَّبْتَ» مفعول به.
стр. 5653
قوله تعالى: ﴿ادع﴾ : يجوز أن يكونَ مفعولُه مراداً، أي: ادعُ الناسَ، وأن لا يكونَ، أي: افعلِ الدعاءَ. و «بالحكمة» حالٌ، أي: ملتبساً بها.
стр. 5654
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ﴾ : العامَّةُ على المُفاعلة، وهي بمعنى فَعَلَ كسافَر، وابنُ سيرين «عَقَّبْتم» بالتشديد بمعنى: قَفَّيْتُمْ فَقَفُّوا بمثلِ ما فُعِلَ بكم. وقيل: تتبَّعْتُم. والباءُ مُعَدِّيَةٌ، وفي قراءةِ ابنِ سيرين: إمَّا
стр. 5655
للسببيةِ، وإمَّا مزيدةٌ.
قوله: ﴿لِّلصَّابِرينَ﴾ يجوز أن يكونَ عامَّاً، أي: الصبرُ خيرٌ لجنسِ الصابرين، وأن يكونَ مِنْ وقوعِ الظاهر موقعَ المضمر، أي: صَبْرُكم خيرٌ لكم.
стр. 5656
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بالله﴾ : أي بمعونتِهِ فهي للاستعانة.
قوله: ﴿فِي ضَيْقٍ﴾ ابن كثير هنا، وفي النمل؛ بكسر الصاد، والباقون بالفتح. فقيل: لغتان بمعنىً في هذا المصدر، كالقَوْل والقِيْل. وقيل: المفتوحُ مخفَّفٌ من «ضَيِّق» كَمَيْت في «مَيِّت» ، أي: في أمرٍ ضَيِّق. ورَدَّه الفارسيُّ: بأنَّ الصفةَ غيرُ خاصةٍ بالموصوف فلا يجوز ادِّعاءُ الحذفِ، ولذلك جاز: «مررت بكاتبٍ» وامتنع «بآكلٍ» .
قوله: ﴿مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ متعلقٌ ب «ضَيْق» . و «ما» مصدريةٌ أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ.
стр. 5657
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ عليه مستوفى أول البقرة. و «أَسْرى» و «سَرَى» لغتان، وقد تقدَّم الكلام عليهما في سورة هود، وأن بعضَهم خَصَّ «أَسْرى» بالليل. قال الزمخشري هنا: «فإن قلتَ: الإِسراءُ لا يكون إلا ليلاً فما معنى ذِكْرِ الليلِ؟ قلت: أراد بقوله» ليلاً «بلفظ التنكيرِ تقليلَ مدةِ الإِسراءِ، وأنه أُسْرِي به في بعضِ الليلِ من مكةَ إلى الشام مسيرةََ أربعين ليلةً؛ وذلك: أنَّ التنكيرَ دلَّ على البعضية، ويَشْهد لذلك قراءةُ عبدِ الله وحذيفة» من الليل «، أي: بعضه كقوله: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإِسراء: ٧٩] . انتهى. فيكون» سَرى «و» أسْرى «ك» سَقَى «و» أَسْقى «والهمزةُ ليست للتعديةِ، وإنما المُعَدَّى الباءُ في» بعبده «، وقد تقدَّم أنها لا تَقْتضي مصاحبةَ الفاعلِ للمفعول عند الجمهور، في البقرة خلافاً للمبرد.
стр. 5658
وزعم ابنُ عطية أنَّ مفعولَ» أَسْرى «محذوف، وأنَّ التعديةَ بالهمزة فقال:» ويَظْهر أنَّ «أَسْرى» مُعَدَّاةٌ بالهمزةِ إلى مفعولٍ محذوف، أي: أَسْرى الملائكةُ بعبدِه، لأنه يَقْلَقُ أَنْ يُسْنَد «أسرى» وهو بمعنى «سرى» إلى الله تعالى؛ إذ هو فعلٌ يقتضي النَّقْلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يَحْسُنُ إسنادُ شيءٍ من هذا مع وجودِ مَنْدوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشريعة شيءٌُ من ذلك تَأَوَّلْناه نحو: أَتَيْتُه هَرْوَلة «.
قلت: وهذا كلُّه إنما بناه اعتقاداً على أن التعديةَ بالباء تَقتضي مصاحبةَ الفاعلِ للمفعول في ذلك، وقد تقدَّم الردُّ على هذا المذهبِ في أول البقرة في قوله ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [الآية: ٢٠] . ثم جَوزَّ أن يكونَ» أَسْرى «بمعنى» سَرَى «على حَذْفِ مضافٍ كقولِه: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ، يعني فيكون التقدير: الذي أَسْرَى ملائكتُه بعبدِه، والحاملُ له على ذلك ما تقدَّم من اعتقاد المصاحبة.
قوله:» لَيْلاً «منصوب على الظرف. وقد تقدَّم فائدةُ تنكيرِه. و» من المسجد «لابتداء الغاية.
قوله: حولَه» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ على الظرف، وقد تقدَّم
стр. 5659
تحقيقُ القولِ فيه أولَ البقرة. والثاني: انه مفعولٌ. قال أبو البقاء: «أي: طَيَّبْنا ونَمَّيْنا» . يعني ضَمَّنه معنى ما يتعدَّى بنفسه، وفيه نظرٌ لأنه لا يَتَصَرَّف.
قوله: «لِنُرِيَه» قرأ العامَّة بنونِ العظمة جَرْياً على «بارَكْنا» . وفيهما التفاتان: مِنَ الغَيْبة في قوله ﴿الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ إلى التكلُّم في «بارَكْنا» و «لِنُرِيَه» ، ثم التفتَ إلى الغَيْبَة في قولِه «إنه هو» إن أَعَدْنا الضميرَ على اللهِ تعالى وهو الصحيحُ، ففي الكلام التفاتان.
وقرأ الحسن «لِيُرِيَه» بالياء مِنْ تحتُ أي الله تعالى، وعلى هذه القراءةِ يكون في هذه الآية أربعةُ التفاتات: وذلك أنَّه التفت أولاً من الغَيْبة في قوله ﴿الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ إلى التكلم في قوله «بارَكْنا» ، ثم التفت ثانياً من التكلمِ في «بارَكْنا» إلى الغيبة في «لِيُرِيَه» على هذه القراءة، ثم التفت بالياء من هذه الغَيْبة إلى التكلم في «آياتنا» ، ثم التفت رابعاً من هذا التكلمِ إلى الغيبة في قوله «إنه هو» على الصحيح في الضميرِ أنَّه لله، وأمَّا على قولٍ نقله أبو البقاء أن الضمير في «إنه هو» للنبيِّ ﷺ ، فلا يجيءُ ذلك، ويكون في قراءة العامَّةِ التفاتٌ واحدٌ، وفي قراءة الحسنِ ثلاثةٌ. وهذا موضعٌ غريبٌ، وأكثرُ ما وَرَدَ الالتفاتُ [فيه] ثلاثُ مرات على ما قال الزمخشري في قولِ امرئ القيس:
٣٠٢ - ٥- تطاوَلَ ليلُكَ بالإِثْمِدِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5660
الأبيات. وقد تقدَّم النزاعُ معه في ذلك، وبعضُ ما يُجاب به عنه أولَ الفاتحة.
ولو ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ فيها خمسةَ التفاتات لاحتاج في دَفْعِه إلى دليلٍ واضحٍ، والخامس: الالتفاتُ مِنْ «إنَّه هو» إلى التكلم في قوله ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى﴾ الآية.
والرؤيةُ هنا بَصَريةٌ. وقيل: قلبية وإليه نحا ابن عطية، فإنه قال: «ويُحْتمل أَنْ يريد: لِنُرِيَ محمداً للناس آيةً، أي: يكون النبي ﷺ آيةً في أَنْ يصنعَ اللهُ ببشرٍ هذا الصنعَ» فتكونُ الرؤيةُ قلبيةً على هذا.
стр. 5661
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَآ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تُعْطَفَ هذه الجملةُ على الجملةِ السابقة من/ تنزيهِ الربِّ ﵎ ولا يَلْزَمُ في عَطْفِ الجملِ مشاركةٌ في خبرٍ ولا غيرِه. الثاني: قال العسكري: إنه معطوف على «أسرى» . واستبعده الشيخُ. ووجهُ
стр. 5662
الاستبعادِ: أن المعطوفَ على الصلةِ صلةٌ، فيؤدِّي التقديرُ إلى ضرورةِ التركيبِ: سُبْحان الذي أسرى وآتينا، وهو في قوة: الذي آتينا موسى، فيعود الضميرُ على الموصولِ ضميرَ تكلمٍ مِنْ غيرِ مسوِّغ لذلك.
والثالث: أنه معطوفٌ على ما في قوله «أسرى» من تقدير الخبر كأنه قال: أَسْرَيْنا بعبدِنا، وأًرَيْناه آياتِنا وآتَيْنا، وهو قريبٌ مِنْ تفسيرِ المعنى لا الإِعراب.
قوله: «وجَعْلَناه» يجوز أن يعودَ ضميرُ النصبِ للكتاب، وهو الظاهرُ، وأَنْ يعودَ لموسى ﵇.
قوله: ﴿لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يجوز تعلُّقُه بنفس «هدى» كقوله: ﴿يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] ، وأَنْ يتعلَّقَ بالجَعْل، أي: جعلناه لأجلِهِم، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ نعتاً ل «هُدى» .
قوله: ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُواْ﴾ يجوز أَنْ تكون «أَنْ» ناصبةً على حَذْفِ حرفِ العلة، أي: لئلا تتَّخذوا. وقيل: «لا» مزيدةٌ، والتقدير: كراهةَ أَنْ تتخذوا، وأنْ تكونَ المفسرةَ و «لا» ناهيةٌ، فالفعلُ منصوبٌ على الأول مجزومٌ على الثاني، وأَنْ تكونَ مزيدةً عند بعضِهم، والجملةُ التي بعدها معمولةٌ لقولٍ مضمر، أي: مقولاً لهم: لا تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، وهذا ظاهرٌ في قراءةِ الخطاب. وهذا مردودٌ بأنه ليس من مواضعِ زيادةِ «أَنْ» .
وقرأ أبو عمروٍ ﴿أَنْ لا يتَّخذوا﴾ بياء الغَيْبة جَرْياً على قوله ﴿لبني إسرائيل﴾ والباقون بالخطاب التفاتاً.
стр. 5663
قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ : العامَّةُ على نصبها وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها منصوبةٌ على الاختصاصِ، وبه بدأ الزمخشري. الثاني: أنَّها منصوبَةً على البدلِ من «وَكِيلاً» ، أي: أن لا تتخذوا من دونِه ذريةَ مَنْ حَمَلْنا. الثالث: أنها منصوبةٌ على البدلِ مِنْ «موسى» ، ذكره أبو البقاء وفيه بُعْدٌ بعيد. الرابع: أنها منصوبةٌ على المفعولِ الأولِ ل «تتخذوا» ، والثاني هو «وكيلاً» فقُدِّم، ويكون «وكيلاً» ممَّا وقع مفردَ اللفظ والمَعْنِيُّ به جمعٌ، أي: لا تتخذوا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا مع نوح وُكَلاءَ كقوله: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَاباً﴾ [آل عمران: ٨٠] .
الخامس: أنها منصوبةٌ على النداء، أي: يا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا، وخَصُّوا هذا الوجهَ بقراءة الخطاب في «تتَّخذوا» وهو واضحٌ عليها، إلا أنه لا يَلْزَمُ، وإن كان مكيٌّ قد منع منه فإنه قال: «فأمَّا مَنْ قرأ» يتَّخذوا «بالياء فذريَّةَ مفعولٌ لا غيرَ، ويَبْعُدُ النداءُ؛ لأن الياءَ للغَيْبة والنداءَ للخطابِ، فلا يجتمعان إلا على بُعْدٍ» . وليس كما زعم، إذ يجوزُ أن يُناديَ الإِنسانَ شخصاً ويُخْبِرَ عن آخرَ فيقول: «يا زيدُ ينطلقٌ بكرٌ وفعلتَ كذا» و «يا زيدُ ليفعلْ عمروٌ كيتَ وكيت» .
وقرأت فرقةٌ «ذُرِّيَّةُ» بالرفع، وفيها وجهان، أحدهما: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هو ذريَّةُ، ذكره [أبو] البقاء وليس بواضحٍ. والثاني:
стр. 5664
أنه بدلٌ من واوِ «تتَّخذوا» قال ابن عطية: «ولا يجوز ذلك في القراءةِ بالتاءِ، لأنك لا تُبْدِلُ من ضميرٍ مخاطب، لو قلت:» ضربْتُك زيداً «على البدل لم يَجُزْ» .
وَرَدَّ عليه الشيخ هذا الإِطلاقَ وقال: «ينبغي التفصيلُ، وهو إن كان بدلَ بعضٍ أو اشتمالٍ جاز، وإن كان كلاًّ مِنْ كل، وأفاد الإِحاطةَ نحو» جئتُمْ كبيرُكم وصغيركم «جَوَّزه الأخفش والكوفيون. قال:» وهو الصحيحُ «. قلت: وتمثيلُ ابنِ عطيةَ بقولِه» ضَرَبْتُكَ زيداً «قد يَدْفع عنه هذا الردَّ.
وقال مكي:» ويجوز الرفعُ في الكلامِ على قراءةِ مَنْ قرأ بالياء على البدلِ من المضمرِ في «يتَّخذوا» ولا يَحْسُنُ ذلك في قراءة التاء؛ لأنَّ المخاطبَ لا يُبْدَلُ منه الغائبُ، ويجوز الخفضُ على البدل من بني إسرائيل «. قلت: أمَّا الرفعُ فقد تقدَّم أنه قرئ به وكأنه ام يَطَّلِعْ عليه، وأمَّا الجرُّ فلم يُقْرَأْ به فيما عَلِمْتُ ويَرِد عليه في قوله» لأنَّ المخاطب لا يُبْدَلُ منه الغائبُ «ما وَرَدَ على ابن عطية، بل أَوْلَى لأنه لم يذكر مثالاً يبيِّن مرادَه كما فعل ابنُ عطية/.
стр. 5665
قوله تعالى: ﴿مَنْ حَمَلْنَا﴾ : يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً.
стр. 5666
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ﴾ «قَضَى» يتعدَّى بنفسِه: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ [القصص: ٢٩] ، وإنما تَعَدَّى هنا ب «إلى» لتضمُّنه معنى: أَنْفَذْنَا وأَوْحَيْنا، أي: وأَنْفَذْنا إليهم بالقضاءِ المحتومِ. ومتعلِّقُ القضاءِ محذوفٌ، أي: بفسادِهم. وقوله: «لَتُفْسِدُنَّ» جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديرُه: والله لتفسِدُنَّ، وهذا القسمُ مؤكدٌ لمتعلَّق القضاء. ويجوز أن يكونَ «لَتُفْسِدُنَّ» جواباً لقوله: «وقَضَيْنا» لأنه ضُمِّن معنى القسمِ، ومنه قولُهم: «قضاء الله لأفعلنَّ» فيُجْرُون القضاء والنَّذْرَ مُجْرى القسم فَيُتَلَقَّيان بما يُتَلَقَّى به القسمُ.
والعامَّةُ على توحيد «الكتاب» مُراداً به الجنسُ. وابنُ جبير وأبو العالية «في الكُتُب» على الجمع، جاؤوا به نَصَّاً في الجمع.
وقرأ العامَّةُ بضمِّ التاءِ وكسرِ السينِ مضارعَ «أفسدَ» ، ومفعولُه محذوفٌ تقديره: لَتُفْسِدُنَّ الأديانَ. ويجوزُ أْنْ لا يُقَدَّر مفعولٌ، أي: لتُوقِعُنَّ الفساد. وقرأ ابنُ عباسٍ ونصرُ بن علي وجابر بن زيد «لَتُفْسَدُن» ببنائه
стр. 5667
للمفعولِ، أي: لَيُفْسِدَنَّكم غيرُكم: إمَّا من الإِضلال أو من الغلبة. وقرأ عيسى بن عمر بفتحِ التاء وضمِّ السين، أي: فَسَدْتُم بأنفسِكم.
قوله «مَرَّتَيْنِ» منصوبٌ على المصدر، والعاملُ فيه «لتُفْسِدُنَّ» لأنَّ التقديرَ: مرتين من الفساد.
قوله: «عُلُوَّاً» العامَّةُ على ضمِّ العين مصدرَ علا يَعْلُو. وقرأ زيد بن عليٍّ «عِلِيَّاً» بكسرِهما والياءُ، والأصلُ الواو، وإنما اعتلَّ على اللغة القليلة؛ وذلك أن فُعُولاً المصدرَ الأكثرُ فيه التصحيحُ نحو: عَتا عُتُوَّاً، والإِعلالُ قليلٌ نحو ﴿أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾ [مريم: ٦٩] على أحدِ الوجهين كما سيأتي، وإنْ كان جمعاً فالكثيرُ الإِعلالُ. نحو: «جِثِيَّاً» وشَذَّ: بَهْوٌ وبُهُوُّ، ونَجْوٌ ونَجَوٌّ، وقاسه الفراء.
стр. 5668
قوله تعالى: ﴿وَعْد﴾ : أي: مَوْْعُود، فهو مصدرٌ واقعٌ موقعَ مفعول، وتركه الزمخشري على حالِه، لكن بحذف مضاف، أي: وَعْدُ عقابِ أُوْلاهما. وقيل: الوَعْدُ بمعنى الوعيد. وقيل: بمعنى المَوْعِد الذي يُراد به الوقتَ. فهذه أربعةُ أوجهٍ. والضميرُ عائدٌ على المرتين.
стр. 5669
قوله: «عِباداً» العامَّةُ على «عِباد» بزنة فِعال، وزيدُ بن علي والحسنُ «عبيداً» على فَعِيْل، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك.
قوله: «فجاسُوا» عطفٌ على «بَعَثْنا» ، أي: تَرَتَّب على بعثنا إياهم هذا. والجَوْسُ والجُوْس بفتحِ الجيمِ وضمِّها مصدرَ جاسَ يَجُوسُ، أي: فَتَّشَ ونقَّبَ، قاله أبو عبيد. وقال الفراء: «قَتَلُوا» قال حسان:
٣٠٢ - ٦- ومِنَّا الذي لاقى بسيفِ محمدٍ ... فجاسَ به الأعداءُ عَرْضَ العساكرِ
وقال أبو زيد: «الجُوسُ والجَوْسُ والحَوْسُ والهَوْسُ طَلَبُ الطَّوْف بالليل» . وقارب قطرب: «جاسُوا: نزلوا» . وأنشد:
٣٠٢ - ٧- فَجُسْنا ديارَهُمُ عَنْوَةً ... وأُبْنا بساداتِهم مُوْثَقِيْنا
وقيل: «جاسُوا بمعنى داسوا» ، وأنشد:
٣٠٢ - ٨- إليك جُسْنا الفِيلَ بالمَطِيِّ ... وقيل: الجَوْسُ: التردُّد. وقيل: طَلَبُ الشيءِ باستقصاء. ويقال: «حاسُوا» بالحاءِ المهملة، وبها قرأ طلحة وأبو السَِّمَّال، وقرئ «فَجَوَّسُوا» بالجيم بزنة نُكِّسُوا.
стр. 5670
قوله: «خلالَ» العامَّةُ على «خِلال» وهو محتملٌ لوجهين، أحدهما: أنه جمعُ خَلَل كجِبال في جَبَل، وجِمال في جَمَل. والثاني: أنه اسمٌٌ مفردٌ بمعنى وَسْط، ويدلُّ له قراءةُ الحسن «خَلَلَ الدِّيار» . وقوله: «وكان وَعْداً» ، أي: وكان الجَوْسُ، أو وكان وَعْدُ أُوْلاهما، أو وكان وَعْدُ عقابِهم.
стр. 5671
قوله تعالى: ﴿الكرة﴾ : مفعولُ «رَدَدْنا» وهي في الأصلِ مصدرُ كَرَّ يَكُرُّ، أي: رَجَعَ، ثم يُعَبَّر بها عن الدَّوْلَةِ والقَهْر.
قوله «عليهم» يجوز تعلُّقه ب «رَدَدْنا» ، أو بنفس/ الكَرَّة، لأنه يُقال: كَرَّ عليه فتتعدَّى ب «على» ويجوز أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من «الكَرَّة» .
قوله: «نَفِيراً» منصوبٌ على التمييز، وفيه أوجهٌ، أحدها: أَنَّه فَعِيْل بمعنى فاعِل، أي: أكثر نافراً، أي: مَنْ يَنْفِرُ معكم. الثاني: أنه جمع نَفْرٍ نحو: عَبْد وعَبيد، قاله الزجاج، وهم الجماعة الصَّائِرون إلى الأعداء. الثالث: أنه مصدرٌ، أي: أكثرُ خروجاً إلى الغَزْو. قال الشاعر:
٣٠٢ - ٩- فَأَكْرِمْ بقَحْطانَ مِنْ والدٍ ... وحِمْيَرَ أكرِمْ بقومٍ نَفيرا
والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، فقدَّره بعضُهم: أكثر نفيراً من أعدئكم، وقدَّره الزمخشري: أكثر نفيراً مِمَّا كنتم.
стр. 5672
قوله تعالى: ﴿فَلَهَا﴾ : في اللامِ أوجهٌ: أحدُها: أنها بمعنى «على» ، أي فعليها كقوله:
٣٠٣ - ٠-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فَخَرَّ صريعاً لليدينِ وللفمِ
أي: على اليدين. والثاني: أنها بمعنى إلى. قال الطبري: «أي/ فإليها تَرْجِعُ الإِساءةُ» . الثالث: أنها على بابها، وإنما أتى بها دونه «على» للمقابلة في قوله: «لأنفسِكم» فأتى بها ازْدِواجاً. وهذه اللامُ يجوز أن تتعلَّقَ بفعلٍ مقدرٍ كما تقدَّم في قولِ الطبريِّ، وإمَّا بمحذوفٍ على أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه: فلها الإِساءةُ لا لغيرِها.
قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة﴾ ، أي: المرة الآخرة فَحُذِفَت «المرَّة» للدَّلالة عليها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ تقديرُه: بَعَثْناهم.
وقوله: ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ متعلقٌ بهذا الجوابِ المقدرِ. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «لِيَسُوْءَ» بالياءِ المفتوحةِ وهمزةٍ مفتوحةٍ آخرَ الفعل. والفاعلُ: إمَّا اللهُ تعالى، وإمَّا الوعدُ، وإمَّا البعثُ، وإمَّا النفيرُ. والكسائيُّ «لِنَسُوءَ» بنونِ العظمة، أي: لِنَسُوءَ نحن، وهو موافِقٌ لِما قبلَه مِنْ قولِه «بَعَثْنا عباداً لنا» و «رَدَدْنا» و «أَمْدَدْنا» ، وما بعده من قوله: «عُدْنا» و «جَعَلْنا» .
стр. 5673
وقرأ الباقون: «لِيَسُوْءُوا» مسنداً إلى ضميرِ الجمع العائد على العِباد، أو على النفير؛ لأنه اسمُ جمعٍ، وهو موافِقٌ لِما بعدَه من قوله ﴿وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ﴾ . وفي عَوْدِ الضمير على النفير نظرٌ؛ لأنَّ النفيرَ المذكورَ من المخاطبين، فكيف يُوصف ذلك النفيرُ بأنه يَسُوْء وجوهَهم؟ اللهم إلا أنْ يريدَ هذا القائلَ أنه عائدٌ على لفظِه دون معناه، من بابِ «عندي درهمٌ ونصفُه» .
وقرأ أُبَيٌّ «لِنَسُوْءَنْ» بلامِ الأمرِ ونونِ التوكيدِ الخفيفة ونونِ العظمة، وهذا جوابٌ ل «إذا» ، ولكن على حَذْفِ الفاء، أي «فَلِنَسُوْءَنْ، ودخلت لامُ الأمرِ على فعلِ المتكلمِ كقولِه تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] .
وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب» لَيَسُوْءَنَّ «و» وَلَنَسوْءَنَّ «بالياء أو النون التي للعظمةِ، ونونِ التوكيدِ الشديدة، واللامِ التي للقسَمِ. وفي مصحف اُبَيّ» لِيَسُوْءُ «بضمِّ الهمزة من غيرِ واوٍ، وهذه القراءةُ تشبه أَنْ تكونَ على لغةِ مَنْ يَجْتَزِئُ عن الواوِ بالضمة، كقوله:
٣٠٣ - ١- فلوْ أنَّ الأطبَّا كانُ حولي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يريد:» كانوا «. وقولِ الآخر:
٣٠٣ - ٢- إذا ما الناسُ جاعُ وأَجْدَبُوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يريد» جاعُوا «، فكذا هذه القراءةُ، أي: لِيَسُوْءُوا، كما في القراءةِ الشهيرة، فَحَذَفَ الوَاو.
стр. 5674
وقرئ» لِيَسْيء «بضمِّ الياءِ وكسرِ السينِ وياءٍ بعدها، أي: ليُقَبِّحَ اللهُ وجوهكم، أو ليقبِّح الوعدُ، أو البعثُ. وفي مصحفِ أنس» وَجْهَكم «بالإِفرادِ كقوله:
٣٠٣ - ٣- كُلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وكقوله:]
٣٠٣ - ٤-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِيْنا
[وكقوله:]
٣٠٣ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيْبُ
قوله: «ولِيَدْخُلُوا» مَنْ جَعَلَ الأولى لامَ «كي» كانت هذه أيضاً لامَ «كي» معطوفةً عليها، عَطْفَ علةٍ على أخرى، ومَنْ جَعَلَها لامَ أمرٍ كأُبَيِّ، أو لامَ قسمٍ كعليّ بن أبي طالب فاللامُ في «لِيَدْخُلوا» تحتمل وجهين: الأمرَ والتعليل، و ﴿كَمَا دَخَلُوهُ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من ضميره، كما يقول سيبويه، أي: دخولاً كما دخلوه. و ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظرفُ زمانٍ، وتقدَّم/ الكلامُ عليها في براءة.
[قوله:] ﴿مَا عَلَوْاْ﴾ يجوز في «ما» أن تكونَ مفعولاً بها، أي: ليُهْلِكُوا
стр. 5675
الذي عَلَوه، وقيل: ليَهْدِمُوه كقوله:
٣٠٣ - ٦- وما الناسُ إلا عاملان فعامِلٌ ... يُُتَبِّرُ ما يَبْني وآخرُ رافِعُ
ويجوز فيها أَنْ تكونَ ظرفيةً، أي: مدةَ استعلائِهم وهذا مُحْوجٌ إلى حذفِ مفعولٍ، اللهم إلا أَنْ يكونَ القصدُ مجردَ ذِكْرِ الفعلِ نحو: هو يعطي ويمنع.
следующие страницы →