Полный текст (10 772 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
يعودان على «مَنْ» المتقدمةِ. و «مَنْ» الثانية يجوز أن تكونَ شرطيةً والفاءُ جوابُها، وأن تكونَ موصولةً، والفاءُ زائدةٌ في الخبرِ لشَبَهِ المبتدأ بالشرط. وفُتِحَتْ «أنَّ» الثانيةُ لأنها وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، تقديره: فشأنهُ وحالُه أنه يُضِلُّه. أو يُقَدَّر «فَأَنَّه» مبتدأ، والخبر محذوفٌ أي: فله أنَّه يَضِلُّه.
الثاني: قال الزمخشري: «ومَنْ فَتَحَ فلأنَّ الأولَ فاعلُ» كُتِب «، والثاني عَطْفٌ عليه» . قال الشيخ: «وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّك إذا جَعَلْتَ» فأنَّه «عطفاً على» أنَّه «بقيت» أنَّه «بلا استيفاءِ خبرٍ، لأنَّ» مَنْ تَوَلاَّه «» مَنْ «فيه مبتدأةٌ. فإنْ قَدَّرْتَها موصولةً فلا خبرَ لها حتى تَسْتقلَّ خبراً ل» أنه «. وإنْ جَعَلْتَها شرطيةً فلا جوابَ لها؛ إذ جُعِلَتْ» فأنَّه «عَطْفاً على» أنه «.
قلت: وقد ذَهبَ ابنُ عطية ﵀ إلى مثلِ قولِ الزمخشري فإنه قال:» وأنَّه «في موضعِ رفعٍ على المفعولِ الذي: لم يُسَمَّ فاعلُه و» أنَّه «الثانيةُ عطفٌ على الأولى مؤكدةً مثلَها» . وهذا رَدٌّ واضحٌ.
وقُرِىء «كَتَبَ» مبنياً للفاعلِ أي: كَتَبَ اللهُ. ف «أنَّ» وما في حَيِّزها في محل نصب على المفعول به، وباقي الآية على ما تقدم.
وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمرو «إنه» «فإنه» بكسرِ الهمزتين. وقال ابن عطية: «وقرأ أبو عمروٍ» إنَّه «» فإنه «بالكسر فيهما» ، وهذا يُوْهم أنَّه
стр. 6652
مشهورٌ عنه وليس كذلك. وفي تخريجِ هذه القراءةِ/ ثلاثةُ أوجهٍ ذكرها الزمخشري وهي: أَنْ تكونَ على حكايةِ المكتوبِ كما هو، كأنه قيل: كُتِب عليه هذا اللفظُ، كما تقول: كُتِبَ عليه: إنَّ الله هو الغني الحميد. الثاني أن يكونَ على إضمار «قيل» . الثالث: أنَّ «كُتِبَ» فيه معنى قيل. قال الشيخ: أمَّا تقديرُ «قيل» يعني فيكون «عليه» في موضعِ مفعولِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه و «أنه مَنْ تولاَّه» الجملةُ مفعولٌ لم يُسَمَّ ل قيل المضمرة. وهذا ليس مذهبَ البصريين فإن الجملة عندهم لا تكون فاعلاً ولا تكون مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه «وكأنَّ الشيخَ قد اختارَ ما بدأ به الزمخشريُّ أولاً، وفيه ما فَرَّ منه: وهو أنه أسندَ الفعلَ إلى الجملةِ فاللازمُ مُشْتَرَكٌ.
وقد تقدَّم تقريرُ مثلِ هذا في أولِ البقرة. ثم قال: «وأمَّا الثاني يعني أنه ضُمِّنَ» كُتِب «معنى القول فليس مذهبَ البصريين لأنَّه لا تُكْسَرُ» إنَّ «عندهم إلاَّ بعد القول الصريح لا ما هو بمعناه» .
والضميران في «عليه» و «أنه» عائدان على «مَنْ» الأولى كما تقدَّم، وكذلك الضمائرُ في «تَوَلاَّه» و «فأنه» ، والمرفوعُ في «يُضِلُّه» و «يَهْديه» ؛ لأنَّ «مَنْ» الأول هو المحدَّثُ عنه. والضميرُ المرفوعُ في «تَوَلاَّه» والمنصوبُ في «يُضِِلُُّه» و «يَهْدِيه» عائدٌ على «مَنْ» الثانيةِ. وقيل: الضميرُ في «عليه» لكلِّ
стр. 6653
شيطانٍ. والضميرُ في «فأنَّه» للشأن. وقال ابن عطية: «الذي يَظْهَرُ لي أنَّ الضميرَ الأولَ في» أنَّه «يعودُ على كل شيطان، وفي» فأنَّه «يعودُ على» مَنْ «الذي هو المُتَوَلِّي» .
стр. 6654
قوله: ﴿مِّنَ البعث﴾ : يجوزُ أن يتعلَّق ب «ريب» ، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل ريب. وقرأ الحسن «البَعَث» بفتح العينِ. وهي لغة كالطَّرَدِ والجَلَب في الطَّرْد والجَلْب بالسكون. قال الشيخ: «والكوفيون إسكانُ العينِ عندهم تخفيفٌ [يقيسونه] فيما وسطَه حرفُ حلقٍ كالنَّهْرِ والنَّهَر والشّعْرِ والشَّعَر، والبَصْريون لا يقيسونه، وما وَرَدَ من ذلك هو عندهم ممَّا جاء فيه لغتان» قلت: فهذا يُوْهِمُ ظاهرُه أنَّ الأصلَ البَعَث بالفتح، وإنما خُفِّف، وليس الأمرُ كذلك، وإنما مَحَلُّ النزاع إذا سُمِع الحلقيُّ مفتوحَ العين: هل يجوزُ تسكينُه أم لا؟ لا أنه كلُّ ما جاء ساكنَ العينِ من الحَلْقِيِّها يُدَّعى أن أصلَها الفتحُ كما هو ظاهرُ عبارتِه.
قوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ العامَّةُ على الجرِّ في «مُخَلَّقةٍ» ، وفي «غير» ، على النعت. وقرأ ابن أبي عبلة بنصبِهما على الحالِ من النكرةِ، وهو قليلٌ جداً وإن كان سيبويه قاسه.
стр. 6655
والعَلَقَةُ: القطعةُ من الدم الجامدة. وعن بعضهم وقد سُئِل عن أصعبِ الأشياءِ فقال: «وَقْعَ الزَّلَقِ على العَلَق» أي: على دمِ القتلى في المعركة. والمُضْغَةُ: القطعةُ من اللحمِ قَدْرَ ما تُمضَغُ نحو: الغُرفة والأُكْلة بمعنى: المغروفة والمأكولة. والمُخَلَّقَةُ: المَلْساء التي لا عَيْبَ فيها مِنْ قولهم: صخرةٌ خَلْقاءُ أي: مَلْساء. وخَلَقْتُ السِّواك: سَوَّيْتُه ومَلَسْتُه. وقيل: التضعيفُ في «مُخَلَّقَة» دلالةٌ على تكثيرِ الخَلْق لأنَّ الإِنسانَ ذو أعضاءٍ متباينةٍ وخُلُقٍ متفاوتةٍ. قاله الشعبي وقتادة وأبو العالية. وهو معنى حسنٌ.
قوله: ﴿وَنُقِرُّ﴾ العامَّةُ على رفع «ونُقِرُّ» لأنه مستأنفٌ، وليس علةً لما قبلَه فينتصبَ نَسَقاً على ما تقدَّمه. وقرأ يعقوب وعاصم في روايةٍ بنصبه. قال أبو البقاء: «على أَنْ يكونَ معطوفاً في اللفظ، والمعنى مختلف؛ لأنَّ اللامَ في» لُنبِيِّنَ «للتعليل، واللامَ المقدرةَ من» نُقِرُّ «للصيرورة» وفيه نظرٌ؛ لأنَّ قولَه «معطوفاً في اللفظ» يَدْفعه قولُه: «واللامُ المقدرة» فإنَّ تقديرَ اللام يقتضي النصبَ بإضمارِ «أَنْ» بعدها لا بالعطفِ على ما قبله.
وعن عاصم أيضاً «ثم نُخْرِجَكم» بنصب الجيم. وقرأ ابن أبي عبلة «ليبيِّنَ ويَقِرُّ» بالياء من تحتُ فيهما، والفاعلُ هو اللهُ تعالى كما في قراءة النون. وقرأ يعقوب في رواية «ونَقُرُّ» بفتح النون وضم القاف ورفع الراء، مِنْ قَرَّ الماءَ
стр. 6656
يَقُرُّه أي: صَبَّه. وقرأ أبو زيد النحوي «ويَقِرَّ» بفتح الياءِ من تحتُ وكسرِ القاف ونصبِ الراء أي: وَيقِرَّ الله. وهو مِنْ قرَّ الماء إذا صبَّه. وفي «الكامل» لابن جبارة «لِنُبَيِّن ونُقِرَّ ثم نُخْرِجَكم» بالنصبِ فيهنَّ يعني وبالنون في الجميع المفضل.
بالياء فيهما مع النصب: أبو حاتم، وبالياء والرفع عمر بن شبة «انتهى.
وقال الزمخشري: /» والقراءةُ بالرفع إخبارٌ بأنه تعالى يُقِرُّ في الأرحامِ ما يشاءُ أَنْ يُقِرَّه «. ثم قال:» والقراءةُ بالنصب تعليلٌ، معطوفٌ على تعليلٍ. معناه: خلقناكم مُدَرَّجين، هذا التدريجُ لغرضين، أحدهما: أن نبيِّنَ قدرتنا. والثاني: أَنْ نُقِرَّ في الأرحام مَنْ نُقِرُّ، ثم يُوْلَدوا ويَنْشَؤوا ويَبْلُغوا حَدَّ التكليفِ فأُكَلِّفَهم. ويَعْضُد هذه القراءةَ قولُه ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ .
قلت: تسميةُ مثلِ هذه الأفعالِ المسندة إلى الله تعالى غَرَضاً لا يجوز.
وقرأ ابن وثاب «نِشاء» بكسر النون، وهو كسرُ حرفِ المضارعة، وقد تقدَّم ذلك في أولِ هذا الموضوعِ.
قوله: ﴿طِفْلاً﴾ حالٌ مِنْ مفعول «نُخْرِجكم» ، وإنما وُحِّد لأنَّه في الأصل
стр. 6657
مصدرٌ كالرِّضا والعَدْل، فيَلْزَمُ الإِفرادُ والتذكيرُ، قاله المبرد: إمَّا لأنه مرادٌ به الجنسُ، وإمَّا لأن المعنى: يُخْرِجُ كلَّ واحدٍ منكم نحو: القوم يُشْبعهم رغيفٌ أي: كلُّ واحدٍ منهم. وقد يطابِقُ به ما يُراد به، فيقال: طفلان وأطفال. وفي الحديث: «سئل عن أطفال المشركين» والطِّفْلُ يُطْلَقُ على الولدِ مِنْ حين الانفصالِ إلى البلوغ. وأمَّا الطَفْل بالفتح فهو الناعم، والمرأة طَفْلة قال:
٣٣٧١ - ولقد لَهَوْتُ بِطَفْلةٍ مَيَّالَةٍ ... بَلْهاءَ تُطْلِعُني على أَسْرارِها
أمَّا الطَّفَل بفتح الطاءِ والفاءِ فوقتُ ما بعد العصر، مِنْ قولِهم: طَفَلَت الشمسُ إذا مالَتْ للغُروب. وأطفلتِ المرأةُ أي: صارت ذاتَ طِفْلٍ.
وقرأت فِرْقَةٌ «يَتَوَفَّى» بفتح الياء. وفيه تخريجان، أحدهما: أنَّ الفاعلَ ضميرُ الباري تعالى أي: يَتَوَفَّاهُ اللهُ تعالى، كذا قدَّره الزمخشري. والثاني: أن الفاعلَ ضميرُ «مَنْ» أي: يتوفى أجلَه. وهذا القراءةُ كالتي في البقرة ﴿والذين يَتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [الآية: ٢٣٤] أي: مدتهم.
стр. 6658
ورُوي عن أبي عمروٍ ونافع أنهما قرآ «العُمْر» بسكون العينِ وهو تخفيفٌ قياسيُّ نحوة «عُنْق» في «عُنُق» .
قوله: ﴿لِكَيْلاَ﴾ متعلقٌ ب «يُرَدُّ» . وتقدَّم نظيره في النحل.
و «هامدةً» نصب على الحال لأن الرؤيةَ بصريةٌ. والهُمُود: السكونُ والخُشُوع. وهَمَدَت الأرضُ: يَبِست ودَرَسَتْ. وهَمَدَ الثوبُ: بَلِي. قال الأعشى:
٣٣٧٢ - قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لجِسْمِكَ شاحباً ... وأرى ثيابَكَ بالِياتٍ هُمَّدا
والاهتزازُ: التحرُّكُ، وتُجُوِّز به هنا عن إنباتِ الأرض نباتَها بالماء. والجمهورُ على «رَبَتْ» أي: زادَت، مِنْ رَبا يَرْبُو. وقرأ أبو جعفر وعبد الله ابن جعفر وأبو عمرٍو في رواية «وَرَبَأَت» بالهمزِ أي ارتفَعَتْ. يقال: رَبَأَ بنفسه عن كذا أي: ارتفعَ عنه. ومنه الرَّبِيئَةُ وهو مَنْ يَطْلُعُ على موضعٍ عالٍ لينظر للقوم ما يأتيهم. ويقال له «رَبِيْءٌ» أيضاً قال الشاعر:
٣٣٧٣ - بَعَثْنا رَبِيْئاً قبلَ ذلك مُخْمِلاً ... كذئب الغضى يمشي الضَّراء ويَتَّقي
стр. 6659
قوله: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه صفةٌ للمفعولِ المحذوفِ تقديره: وأنبتَتْ ألواناً أو أزواجاً من كلِّ زَوْج. والثاني: أنَّ «مِنْ» زائدة أي: أنبتَتْ كلَّ زوج. وهذا ماشٍ عند الكوفيين والأخفش.
والبهيجُ: الحَسَن الذي يُسِرُّ ناظرَه. وقد بَهُجَ بالضم بَهاجَةً وبَهْجَة أي: حَسُن. وأبهجني كذا أي: سرَّني بحُسْنه.
стр. 6660
قوله: ﴿ذلك﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه مبتدأ، والخبرُ الجارُّ بعدَه. والمُشارُ إليه ما تقدَّم مِنْ خَلْقِ بني آدمَ وتطويرهم. والتقدير: ذلك الذي ذكَرْنا من خلقِ بني آدم وتطويرهم حاصلٌ بأنَّ اللهَ هو الحق وأنه، إلى آخره. والثاني: أنَّ «ذلك» خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ ذلك. الثالث: أنَّ «ذلك» منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ أي: فَعَلْنا ذلك بسببِ أنَّ الله هو الحق. فالباء على الأولِ مرفوعةُ المحلِّ، وعلى الثاني والثالث منصوبَتُه.
стр. 6661
قوله: ﴿وَأَنَّ الساعة آتِيَةٌ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه عطفٌ على المجرورِ بالباء أي: ذلك بأنَّ الساعةَ. والثاني: أنه لَيس معطوفاً عليه ولا داخلاً في حَيِّزِ السببية. وإنما هو خبرٌ. والمبتدأ محذوفٌ لفَهْمِ المعنى، والتقدير: والأمرُ أنَّ الساعةَ. و «لا ريبَ فيها» يُحتمل أَنْ تكونَ هذه الجملةُ خبراً ثانياً وأن تكونَ حالاً.
стр. 6662
قوله: ﴿ومِنَ الناس﴾ : جعل ابنُ عطية هذه الواوَ للحال فقال: «وكأنه يقولُ: هذه الأمثالُ في غاية الوضوحِ، ومن الناس مع ذلك
стр. 6663
مَنْ يجادِلُ، فكأن الواوَ واوُ الحال، والآية المتقدمةُ الواوُ فيها واوُ عطف» . قال الشيخ: «ولا يُتَخَيَّلُ أنَّ الواوَ في ﴿ومِنَ الناس مَن يُجَادِلُ﴾ واوُ حال، وعلى تقديرِ الجملة التي قَدَّرها قبله لو كان مُصَرَّحاً بها فلا تتقدر ب» إذ «، فلا تكونُ للحالِ وإنما هي للعطف» . قلت: ومَنْعُه مِنْ تقديرها ب «إذ» فيه نظرٌ، إذ لو قُدِّر لم يلزَمْ/ منه محذورٌ.
قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يجوز أن يتعلَق ب «يُجادِلُ» ، وأَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ فاعل «يجادل» أي: يجادِلُ ملتبساً بغير عِلْمٍ أي: جاهلاً.
стр. 6664
قوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ : حالٌ مِنْ فاعلِ «يُجادل» أي: معترضاً. وهي إضافةٌ لفظيةٌ نحو ﴿مُّمْطِرُنَا﴾ . والعامَّةُ على كسرِ العين وهو الجانُب، كنى به عن التكبُّر. والحسن بفتح العين، وهو مصدرٌ بمعنى التعطُّف، وصفة بالقسوةِ.
قوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾ متعلقٌ: إمَّا ب «يُجادِلُ» ، وإمَّا ب «ثانيَ عِطْفِهِ» . وقرأ العامَّة بضم الياء مِنْ «يُضِلُّ» والمفعولُ محذوفٌ أي: ليُضِلَّ غيرَه. وقرأ مجاهد وأبو عمروٍ في روايةٍ فتحها أي: ليَضِلَّ هو في نفسه.
قوله: ﴿لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ﴾ هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حالاً مقارِنَةً أي: مُسْتحقاً ذلك، وأن تكونَ حالاً مقدرةً، وأن تكونَ مستأنفةً. وقرأ زيد بن علي «
стр. 6665
وأُذِيْقُه» بهمزة المتكلم. «وعذابَ الحريق» يجوز أَنْ يكون من باب إضافة الموصوف لصفتِه، إذ الأصلُ: العذاب الحريق أي: المُحْرِق كالسَّميع بمعنى المُسْمِع.
стр. 6666
قوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ﴾ : كقوله: ﴿ذلك بِأَنَّ الله﴾ [الآية: ٦] . وكذا قولُه: ﴿وَأَنَّ الله﴾ يجوز عطفُه على السبب. ويجوز أن يكونَ التقديرُ: والأمرُ أنَّ الله، فيكون منقطعاً عما قبله.
وقوله: «ظَلاَّمٍ» مثالُ مبالغةٍ. وأنت إذا قلت: «ليس زيدٌ بظلاَّمٍ» لا يلزمُ منه نفيُ أصلِ الظلمِ؛ فإنَّ نَفْيَ الأخصِّ لا يَسْتلزم نَفْيَ الأعمِّ. والجواب: أن المبالغةَ إنما جِيْءَ بها لتكثيرِ مَحَالِّها فإن العبيدَ جمعٌ. وأحسنُ منه أنَّ فعَّالاً هنا للنسَبِ أي: [ليس] بذي ظلم لا للمبالغة.
стр. 6667
قوله: ﴿على حَرْفٍ﴾ : حالٌ من فاعل «يَعْبُدُ» أي: مُتَزَلْزلاً. ومعنى «على حرف» أي: على شك أو على انحرافٍ، أو على طرفِ الدين لا في وسطه، كالذي يكونُ في طرف العَسْكَر: إنْ رأى خيراً ثبت وإلاَّ فرَّ.
قوله: ﴿خَسِرَ﴾ قرأ العامَّةُ «خَسِرَ» فعلاً ماضياً. وهو يحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ: الاستئنافَ، والحاليةَ مِنْ فاعلِ، «انقلبَ» ، ولا حاجةَ إلى إضمارِ «قد» على الصحيحِ، والبدليةُ مِنْ قولِه «انقلَبَ» ، كما أبدل المضارعَ مِنْ مثِله في قوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: ٦٩] .
стр. 6668
وقرأ مجاهدٌ والأعرجُ وابنُ محيصن والجحدري في آخرين «خاسِرَ» بصيغة اسم فاعلٍ منصوبٍ على الحال، وهي تؤيدُ كونَ الماضي في قراءةِ العامَّةِ حالاً. وقُرِىء برفعهِ. وفيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ فاعِلاً ب «انقلبَ» ويكونُ مْنْ وَضْعِ الظاهرِ مَوْضِعَ المضمرِ أي: انقلب خاسرُ الدنيا. والأصلُ: انقلبَ هو. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو خاسرُ. وهذه القراءةُ تُؤَيِّدُ الاستئنافَ في قراءةِ المُضِيِّ على التخريج الثاني. وحَقُّ مَنْ قَرَأ «خاسر» رفعاً ونصباً أَنْ يَجُرُّ «الآخرةِ» لعطفِها على «الدنيا» المجرورِ بالإِضافةِ. ويجوز أن يبقى النصبُ فيها؛ إذ يجوزُ أَنْ تكونَ «الدنيا» منصوبةً. وإنما حُذِفَ التنوينُ من «خاسر» لالتقاءِ الساكنين نحو قولِه:
٣٣٧٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا ذاكرَ اللهَ إلاَّ قليلا
стр. 6669
قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ : فيه عشرةُ أوجه، وذلك أنَّه: إمَّا بجَعْلِ «يَدْعُو» متسلِّطاً على الجملة مِنْ قولِه: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ أو لا. فإنْ جَعَلْنَاه مُتَسَلِّطاً عليها كان في سبعةُ أوجه، أحدها: أنَّ «يَدْعُو» بمعنى يَقُوْل، واللامُ للابتداء، و «مَنْ» موصولةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتدء. و «ضَرُّه» مبتدأ ثانٍ و «أقربُ» خبرُه. وهذه الجملةُ صلةٌ للموصول، وخبرُ الموصولِ محذوفٌ تقديرُه: يقول لَلَّذي ضَرُّه أقربُ من نَفْعِه إلهٌ أو إلهي أو نحوُ ذلك. والجملةُ كلُّها في محلٍّ نصبٍ ب «يَدْعُو» لأنَّه بمعنى
стр. 6670
يَقُول، فهي محكيَّةٌ به. وهذا قولُ أبي الحسنِ. وعلى هذا فيكون قولُه: ﴿لَبِئْسَ المولى﴾ مستأنفاً ليس داخلاً في المَحْكيِّ قبلَه؛ لأنَّ الكفار لا يقولون في أصنامِهم ذلك. وقد رَدَّ بعضُهم هذا القولَ بأنه فاسدُ المعنى، والكافرُ لا يَعتقد في الأصنامِ أنَّ ضَرَّها أقربُ مِنْ نفعِها البتةَ.
الثاني: أنَّ «يَدْعُو» مُشَبَّهٌ بأفعالِ القلوب؛ لأنَّ الدعاءَ لا يَصْدُرُ إلاَّ عن اعتقادٍ، وأفعال القلوب تُعَلَّق، ف «يَدْعُو» مُعَلَّقٌ أيضاً باللام. و «مَنْ» مبتدأٌ موصولٌ. والجملةُ بعده صلةٌ، وخبرُه محذوفٌ على ما مَرَّ في الوجهِ قبلَه.
والجملة في محلِّ نصبٍ، كما تكون كذلك بعد أفعالِ القلوب. الثالث: أَنْ يُضَمَّن يَدْعُو معنى يزعم، فيُعَلَّق كما يُعَلَّقُ، والكلامُ فيه كالكلامِ في الوجهِ الذي قبله. الرابع: أن الأفعالَ كلَّها يجوزُ أَنْ تُعَلَّق قلبيةً كانت أو غيرَها فاللامُ معلِّقَةٌ ل «يَدْعوا» ، وهو مذهبُ يونسَ. فالجملةُ بعده الكلامُ فيها كما تقدَّم.
الخامس: أنَّ «يَدْعُوا» بمعنى يُسَمِّي، فتكونَ اللامُ مزيدةً في المفعولِ الأولِ وهو الموصولُ وصلتُه، ويكون المفعولُ الثاني محذوفاً تقديرُه: يُسَمِّي الذي ضَرُّه أقربُ مِنْ نفعِه إلهاً ومعبوداً ونحو ذلك. السادس: أنَّ اللامَ مُزالَةٌ/ مِنْ موضِعها. والأصلُ: يَدْعُو مَنْ لَضَرُّه أقربُ. فقُدِّمَتْ مِنْ تأخيرٍ. وهذا قولُ الفراء. وقد رَدُّوا هذا بأنَّ ما في صلةِ الموصولِ لا يتقدَّمُ على الموصولِ. السابع: أنَّ اللامَ زائدةٌ في المفعول به وهو «مَنْ» . والتقديرُ: يَدْعُو مَنْ ضَرُّه أقرب. ف «مَنْ» موصولٌ، والجملةُ بعدَها صلتُها، والموصولُ هو المفعولُ
стр. 6671
ب «يَدْعُو» زِيْدتْ فيه اللامُ كزيادتِها في قولِه ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] في أحدِ القولين. وقد رُدَّ هذا بأنَّ زيادةَ اللام إنما تكونُ إذا كان العاملُ فَرْعاً، أو بتقديم المعمول. وقرأ عبد الله «يَدْعُو مَنْ ضَرُّه» بعيرِ لامِ ابتداءٍ، وهي مؤيدةٌ لهذا الوجهِ.
وإنْ لم تجعَلْه متسلِّطاً على الجملةِ بعدَه كان فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنَّ «يَدْعُو» الثاني توكيدٌ ل «يَدْعو» الأولِ فلا معمولَ له، كأنه قيل: يَدْعو يَدْعو مِنْ دونِ الله الذي لا يَضُرُّه ولا ينفعه.
وعلى هذا فتكونُ الجملةُ مِنْ قولِه ﴿ذلك هُوَ الضلال﴾ معترضةً بين المؤكَّدِ والتوكيدِ؛ لأنَّ فيها تَسْديداً وتأكيداً للكلام، ويكون قولُه ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ كلاماً مستأنفاً. فتكونُ اللامُ للابتداء و «مَنْ» موصولةٌ، و «ضَرُّه» مبتدأ و «أقربُ» خبرُه. والجملةُ صلةٌ، و «لَبِئْسَ» جوابٌ قسمٍ مقدر. وهذا القسمُ المقدرُ وجوابُه خبرُ المبتدأ الذي هو الموصول.
الثاني: أن يُجْعَلَ «ذلك» موصولاً بمعنى الذي. و «هو» مبتدأ، و «الضلالُ» خبره والجملةُ صلةٌ. وهذا الموصولُ مع صلتِه في محلِّ نصبٍ مفعولاً ب «يَدْعو» أي: يدعو الذي هو الضلالُ. وهذا منقولٌ عن أبي علي
стр. 6672
الفارسي، وليس هذا بماشٍ على رأي البصريين؛ إذ لا يكونُ عندهم من أسماءِ الإِشارةِ موصولٌ إلاَّ «ذا» بشروطٍ ذكرْتُها فيما تقدَّم. وأمَّا الكوفيون فيُجيزون في أسماءِ الإِشارة مطلقاً أن تكونَ موصولةً، وعلى هذا فيكونُ «لَمَنْ ضَرُّه أَقْرَبُ» مستأنفاً، على ما تقدَّم تقريرُه.
والثالث: أن يُجْعَلَ «ذلك» مبتدأ. و «هو» : جوَّزوا فيه أن يكونَ بدلاً أو فَصْلاً أو مبتدأً، و «الضلالُ» خبرُ «ذلك» أو خبرُ «هو» على حَسَبِ الخلافِ في «هو» و «يَدْعُو» حالٌ، والعائدُ منه محذوفٌ تقديرُه: يَدْعوه، وقدَّروا هذا الفعلَ الواقعَ موقعَ الحال ب «مَدْعُوَّاً» قال أبو البقاء: «وهو ضعيفٌ» ، ولم يُبَيِّنْ وجه ضَعْفِه. وكأنَّ وجهَه أنَّ «يَدْعُو» مبنيٌّ للفاعلِ فلا يناسِبُ أن تُقَدَّرَ الحالُ الواقعةُ موقعَه اسمَ مفعولٍ، بل المناسِبُ أن تُقَدَّرَ اسمَ فاعل، فكان ينبغي أَنْ يُقَدِّروه: داعياً ولو كان التركيبُ «يدعى» مبنياً للمفعول لَحَسُن تقديرُهم مَدْعُوَّاً. ألا ترى أنَّك إذا قلتَ: «جاء زيدٌ يضربُ» كيف تُقَدِّره ب «ضارب» لا ب مَضْروب.
والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، وتقديرُه: لبِئْسَ المولى ولبئس العشيرُ ذلك المَدْعُوُّ.
стр. 6673
قوله: ﴿مَن كَانَ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً، وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً. وقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ إمَّا جزاءٌ للشرط أو خبرٌ للموصولِ، والفاءُ للتشبيه بالشرطِ.
стр. 6674
والجمهورُ على كسرِ اللام مِنْ «لِيَقْطَعْ» وسَكَّنها بعضُهم، كما سَكَّنها بعد الفاءِ والواوِ لكونِهنَّ عواطفَ. وكذلك أَجْرَوْا «ثم» مُجْراهما في تَسكينِ هاء «هو» و «هي» بعدها، وهي قراءةُ الكسائي ونافعٍ في رواية قالون عنه.
قوله: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ الجملةُ الاستفهاميةُ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ؛ لأنَّ النظرَ يُعَلَّقُ بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر تَعَدَّى ب في. وقوله: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، والعائدُ هو الضميرُ المسستر. و «ما» وصلتُها مفعولٌ بقوله «يُذْهِبَنَّ» أي: هل يُذْهِبَنَّ كيدُه الشيءَ الذي يَغِيْظُه. فالمرفوعُ في يَغيظه عائدٌ على الذي، والمنصوبُ على مَنْ كان يظن.
وقال الشيخ: «وما في» ما يَغيظ «بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أو مصدريةٌ» . قلت: كلا هذين القولينِ لا يَصِحُّ. أمَّا قولُه: «العائدُ محذوفٌ» فليس كذلك، بل هو مضمرٌ مستترٌ في حكم الموجودِ كما تقدَّم تقريرُه قبلَ ذلك وإنما يُقال محذوفٌ فيما كان منصوبَ المحلِّ أو مجرورَه. وأمَّا قولُه: «أو مصدريةٌ» فليس كذلك أيضاً؛ إذ لو كانت مصدريةً لكانت حَرْفاً على الصحيح، وإذا كانَتْ حرفاً لم يَعُدْ عليها ضميرٌ، وإذا لم يَعُدْ عليها ضميرٌ بقي الفعل بلا فاعلٍ. فإن قلتَ: أُضْمِرُ في «يَغيظ» ضميراً فاعلاً يعود على مَنْ كان يظنُّ. فالجواب: أنَّ مَنْ كان يظنُّ، في المعنى مَغِيظٌ لا غائظٌ، وهذا بحثٌ حسنٌ فتأمَّلْه/.
والضمير في «يَنْصُرَه» الظاهرُ عَوْدُه على «مَنْ» وفُسِّر النصرُ بالرزقِ. وقيل: يعودُ على الدينِ والإِسلامِ فالنصرُ على بابه.
стр. 6675
قوله: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ﴾ : الكافُ: إمَّا حالٌ من ضميرِ المصدرِ المقدرِ، وإمَّا نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ على حَسَبِ ما تقدَّم من الخلاف أي: ومثلَ ذلك الإِنزالِ أنْزَلْنا القرآنَ كلَّه آياتٍ بيناتٍ. ف «آياتٍ» حالٌ.
قوله: ﴿وَأَنَّ الله يَهْدِي﴾ يجوز في «أنَّ» ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنَّها منصوبةٌ المحلِّ عَطْفاً على مفعولِ «أَنْزَلْناه» أي: وأنزَلْنا أنَّ الله يَهْدِي مَنْ يريد. أي: أَنْزَلْنا هدايةَ اللهِ لمن يريدُ هدايتَه. الثاني: أنها على حَذْف حرفِ الجر، وذلك الحرفُ متعلقٌ بمحذوفٍ. والتقديرُ: ولأنَّ اللهَ يهدِي مَنْ يريدُ أَنْزَلناه، فيجيءُ في موضعها القولان المشهوران: أفي محلِّ نَصْبٍ هي أم جر. وإلى هذا ذهب الزمخشريُّ وقال في تقدِيره: «ولأنَّ الله يهديْ به الذي يعلمُ أنهم يؤمنونَ أنزله كذلك مبيَّناً» . الثالث: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ مضمر، تقديرُه: والأمرُ أنَّ الله يهدِي مَنْ يريد.
стр. 6676
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ : الآية فيها ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنَّ «إنَّ» الثانيةَ واسمَها وخبرَها في محلِّ رفع خبراً ل «إنَّ» الأولى. قال الزمخشري: «وأُدْخِلَتْ» إنَّ «على كلِّ واحدٍ من جُزْأَي الجملةِ لزيادةِ التأكيدِ. ونحوُه قولُ جريرٍ:
стр. 6677
٣٣٧٥ - إنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ سَرْبلَه ... سِرْبالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ
قال الشيخ:» وظاهرُ هذا أنه شَبَّه البيتَ بالآيةِ، وكذلك قرنه الزَّجَّاج بالآية، ولا يتعيَّنُ أن يكونَ البيتُ كالآية؛ لأنَّ البيتَ يَحْتمل أَنْ يكونَ «الخليفةَ» خبرُه «به ترجى الخواتيمُ» ، ويكونَ «إنَّ اللهَ سَرْبَله» جملةَ اعتراضٍ بين اسمِ «إنَّ» وخبرِها، بخلافِ الآيةِ، فإنه يتعيَّنُ قولُه: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾ . وحَسَّنَ دخولَ «إنَّ» على الجملةِ الواقعةِ خبراً طولُ الفَصْلِ بينهما بالمعاطيف «.
قلت: قوله:» فإنَّه يتعيَّنُ قولُه إن الله يَفْصِل «يعني أن يكونَ خبراً. ليس كذلك لأنَّ الآيةَ محتمِلةٌ لوجهين آخرين ذكرهما الناسُ. الأول: أن يكونَ الخبرُ محذوفاً تقديرُه: يفترقون يومَ القيامة ونحُوه، والمذكورُ تفسيرٌ له. كذا ذكره أبو البقاء. والثاني: أنَّ» إنَّ «الثانيةَ تكريرٌ للأولى على سبيلِ التوكيدِ. وهذا ماشٍ على القاعدة: وهو أنَّ الحرفَ إذا كُرِّرَ توكيداً أُعِيْدَ معه ما اتَّصل به أو ضميرُ ما اتَّصل به، وهذا قد أُعِيدَ معه ما أتَّصل به أولاً: وهي الجلالةُ المعظمةُ، فلم يتعيَّنْ أَنْ يكونَ قولُه: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾ خبراً ل» إنَّ «الأَوْلى كما ذُكر.
وقد تقدَّم تفسيرُ ألفاظِ هذه الآيةِ، إلاَّ المجوسَ. وهم قومٌ اختلف أهلُ العلمِ فيهم فقيل: قومٌ يعبدون النارَ. وقيل: الشمسَ والقمرَ. وقيل: اعتزلوا النصارى ولَبِسوا المُسُوْح. وقيل: أَخَذوا من دين النصارى شيئاً، ومن دينِ
стр. 6678
اليهودِ شيئاً، وهم القائلونَ بأنَّ للعالم أصلين: نورٌ وظلمةٌ. وقيل: هم قومٌ يستعملون النجاساتِ، والأصل: نَجوس بالنونِ فأُبْدِلَتْ ميماً.
стр. 6679
قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ : فيه أوجهٌ أحدُها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: ويَسْجُدُ له كثيرٌ من الناس. وهذا عند مَنْ يمنعُ استعمالَ المشتركِ في معَنيْيه، أو الجمعَ بين الحقيقة والمجازِ، في كلمةٍ واحدةٍ؛ وذلك أنَّ السجودَ المسندَ لغيرِ العقلاءِ غيرُ السجود المسندِ للعقلاءِ، فلا يُعْطَفُ «كثيرٌ من الناس» على ما قبلَه لاختلافِ الفعلِ المسندِ إليهما في المعنى. ألا ترى أنَّ سجودَ غيرِ العقلاءِ هو الطَّواعيةُ والإِذعانُ لأمرِه، وسجودَ العقلاءِ هو هذه الكيفيةُ المخصوصةٌ.
الثاني: أنَّه معطوفٌ على ما تقدَّمه. وفي ذلك ثلاثةُ تأويلاتٍ أحدُها: أنَّ المرادَ بالسجودِ القَدْرُ المشتركُ بين الكلِّ العقلاءِ وغيرِهم وهو الخضوعُ والطواعيةُ، وهو من بابِ الاشتراكِ المعنويِّ. والتأويلُ الثاني: أنه مشتركٌ اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمالُ المشتركِ في معنييه. والتأويلُ الثالث: أنَّ السجودَ المسندَ للعقلاءِ حقيقةٌ ولغيرِهم مجازٌ. ويجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ. وهذه الأشياءُ فيها خلافٌ، لتقريرِه موضوعٌ هو أليقُ به من هذا.
الثالثُ من الأوجه المتقدمة: أن يكونَ «كثيرٌ» مرفوعاً بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ وهو «مُثابٌ» لدلالة خبرِ مقابلِه عليه، وهو قولُه: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ كذا قَدَّره الزمخشريُّ. وقَدَّره أبو البقاء: «مُطيعون أو مُثابون أو نحوُ ذلك» .
стр. 6680
الرابع: أَنْ يرتفعَ «كثيرٌ» على الابتداءِ أيضاً، ويكون خبرُه «من الناس» أي: من الناس الذين هم الناسُ على الحقيقةِ، وهم الصالحون والمتَّقون.
والخامسُ: أن يرتفعَ بالابتداءِ أيضاً. ويُبالَغَ في تكثير المحقوقينِ بالعذاب، فيُعطفَ «كثيرٌ» على «كثير» ثم يُخْبَرَ عنهم ب ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ ذكر ذلك الزمخشري. قال الشيخ: بعد أن حكى عن الزمخشريِّ الوجهين الآخرين قال: «وهذان التخريجان ضعيفان» ولم يُبَيِّنْ وجهَ ضعفِهما.
قلت: أمَّا أوَّلُهما فلا شكَّ في ضعفِه؛ إذ لا فائدةَ طائلةٌ في الإِخبارِ بذلك. / وأمَّا الثاني فقد يظهر: وذلك أنَّ التكريرَ يفيد التكثيرَ، وهو قريبٌ مِنْ قولِهم: «عندي ألفٌ وألفٌ» ، وقوله:
٣٣٧٦ - لو عُدَّ قبرٌ وقبرٌ كنتَ أَكْرَمَهم ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ الزهري «والدَّوابُ» مخففَ الباءِ. قال أبو البقاء: «ووجهُها: أنه حَذَف الباءَ الأولى كراهيةَ التضعيفِ والجمعِ بين ساكنين» . وقرأ جناح بن حبيش و «كبيرٌ» بالباء الموحدة. وقرىء «وكثيرٌ حَقَّاً» بالنصب.
стр. 6681
وناصبُه محذوفٌ وهو الخبرُ، تقديرُه: وكثير حَقَّ عليه العذابُ حقاً. «والعذابُ» مرفوع بالفاعلية. وقُرِىء «حُقَّ» مبنياً للمفعولِ.
وقال ابن عطية: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ يحتمل أن يكونةَ معطوفاً على ما تقدَّم أي: وكثير حَقَّ عليه العذابُ يسجد أي كراهيةً وعلى رَغْمِه: إما بظلِّه، وإمَّا بخضوعِه عند المكاره «. قلت: فقولُه:» معطوفٌ على ما تقدَّم «يعني عطفَ الجملِ لا أنه هو وحدَه عطفٌ على ما قبله، بدليلِ أنه قَدَّره مبتدأً. وخبرُه قوله:» يَسْجد «.
قوله: ﴿وَمَن يُهِنِ الله﴾ » مَنْ «مفعولٌ مقدمٌ، وهي شرطيةٌ. جوابُها الفاءُ مع ما بعدها. والعامَّةُ على» مُكْرِمٍ «بكسرِ الراء اسمَ فاعل. وقرأ ابن أبي عبلة بفتحِها، وهو اسمُ مصدرٍ أي: فما له مِنْ إكرام.
стр. 6682
قوله: ﴿هذان خَصْمَانِ﴾ : الخَصْم في الأصل: مصدرٌ؛ ولذلك يُوحَّدُ ويذكَّرُ غالباً، وعليه قولُه تعالى: ﴿نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ [ص: ٢١] . ويجوز أنْ يُثَنَى ويجمعَ ويؤنَّثَ، وعليه هذه الآيةُ. ولمَّا كان كلُّ خَصْمٍ فريقاً يَجْمَعُ طائفةً قال: «اختصَمُوا» بصيغةِ الجمع كقولِه: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمعُ مراعاةً للمعنى.
وقرأ ابن أبي عبلة «اختصما» مراعاةً للفظِه وهي مخالفةٌ للسَّواد. وقال
стр. 6683
أبو البقاء: وأكثرُ الاستعمالِ توحيدُه فَمَنْ ثَنَّاه وجَمَعه حَمَله الصفات والأسماء، و «اختصموا» إنما جُمِعَ حملاً على المعنى لأنَّ كلَّ خصمٍ [فريقٌ] تحته أشخاصٌ «. وقال الزمخشري:» الخصم صفةٌ وُصِفَ بها الفوجُ أو الفريقُ فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان. وقوله: «هذان» للَّفظِ، و «اختصموا» للمعنى كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ﴾ [محمد: ١٦] ولو قيل: هؤلاء خصمان أو اختصما جاز أن يُراد: المؤمنون والكافرون «. قلت: إنْ عنى بقوله:» إن «خَصْماً» صفةٌ «بطريقِ الاستعمال المجازي فمُسَلَّم؛ لأنَّ المصدرَ يكثرُ الوصفُ به، وإنْ أراد أنه صفةٌ حقيقةً فَخَطَؤُه ظاهرٌ لتصريِحهم بأن نحوَ» رجلٌ خصمٌ «مثل» رجلٌ عَدْل «وقوله:» هذان للفظِ «أي: إنما أُشير إليهم إشارةُ المثنى وإنْ كان في الحقيقة المرادُ الجمعَ، باعتبار لفظِ الفوجَيْن والفريقين ونحوهما. وقوله كقولِهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ﴾ إلى آخره فيه نظرٌ؛ لأنَّ في تيك الآيةِ تقدَّمَ شيءٌ له لفظٌ ومعنىً، وهو» مَنْ «، وهنا لم يتقدَّمْ شيءٌ له لفظٌ ومعنىً. وقوله تعالى: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم، فلا بُدَّ من حذف مضاف.
وقرأ الكسائيُّ في روايةٍ عنه» خِصمان «بكسر الخاء. وقوله: ﴿فالذين كَفَرُواْ﴾ هذه الجملةُ تفصيلٌ وبيانٌ لفصلِ الخصومة المَعْنِيِّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الآية: ١٧] قال الزمخشري. وعلى هذا فيكونُ ﴿هذان
стр. 6684
خَصْمَانِ﴾ معترضاً. والجملة مِنْ» اختصموا «حاليةٌ، وليست مؤكدةً؛ لأنها أخصُّ مِنْ مطلقِ الخصومةِ المفهومةِ من» خصمان «.
وقرأ الزعفراني في اختياره» قُطِعَتْ «مخففَ الطاءِ. والقراءةُ المشهورةُ تفيدُ التكثيرَ، وهذه تحتمله.
قوله: ﴿يُصَبُّ﴾ هذه الجملةُ تحتمل أَنْ تكون خبراً ثانياً للموصول، وأن تكونَ حالاً من الضميرِ في» لهم «، وأن تكونَ مستأنفةً.
стр. 6685
قوله: ﴿يُصْهَرُ﴾ جملةٌ حاليةٌ من الحميم. والصَّهْرُ: الإِذابَةُ. يُقال: صَهَرْتُ الشحم أي: أَذَبْتُه والصُّهارة: الأَلْيَةُ المُذابة، وصَهَرَتْهُ الشمسُ: أذابَتْه بحرارتها قال:
٣٣٧٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تَصْهَرُه الشمسُ فما يَنْصَهِرْ
وسُمِّي الصِّهْرُ صِهْراً لامتزاجِه بأصهاره تخيُّلاً لشدةِ المخالطة. وقرأ الحسن في آخرين «يُصَهَّرُ» بفتحِ الصادِ وتشديدِ الهاء مبالغةً وتكثيراً لذلك.
قوله: ﴿والجلود﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: عَطْفُه على «ما» الموصولة أي: يُذابُ الذي في بطونِهم من الأمعاءِ، وتُذاب أيضاً الجلودُ أي: يُذاب ظاهرُهم وباطنُهم. والثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ أي: وتُحْرَقُ الجلودُ. قالوا: لأن
стр. 6686
الجلدَ لا يُذابُ، إنما يَنْقَبِضُ وينكمشُ إذا صَلِي النارَ وهو في التقدير كقوله:
٣٣٧٨ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وقوله] .
٣٣٧٩ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
[وقولِه تعالى] : ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] . فإنه على تقديرِ: وسَقَيْتُها ماءً، وكَحَّلُنَ العُيونا، واعتقدوا الإِيمانَ.
стр. 6687
قوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ﴾ : يجوزُ في هذا الضميرِ وجهان، أظهرُهما: أنه يعودُ على الذين كفروا، وفي اللام حينئذٍ قولان، أحدهما: أنها للاستحقاقِ. والثاني: أنها بمعنى «على» كقولِه: و ﴿لَهُمُ اللعنة﴾ [الرعد: ٢٥] وليس بشيءٍ. الوجه الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ على الزبانية أعوانِ جهَّنَم ودَلَّ عليهم سياقُ الكلامِ، وفيه بُعْدٌ. و «مِنْ حديدٍ» صفةٌ لمقامِع وهي جمعُ «مِقْمَعَه» بكسرِ الميمِ لأنَّها آلةُ القمعِ. يقال: قَمَعَه يَقْمَعُه إذا ضَرَبه بشيءٍ يَزْجُرُه به ويُذِلُّه، والمِقْمَعَةُ: المِطْرَقَةُ. وقيل: السَّوْطُ.
стр. 6688
قوله: ﴿كُلَّمَآ أرادوا﴾ : كلَّ: نصبٌ على الظرفِ. وقد تقدَّم الكلامُ في تحقيقِها في البقرة. والعاملُ فيها هنا قوله: ﴿أُعِيدُواْ﴾ . و ﴿مِنْ
стр. 6689
غَمٍّ﴾ فيه وجهان أحدُهما: أنه بدلٌ من الضميرِ في «منها» بإعادةِ العاملِ، بدلُ اشتمالٍ كقولِه: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] . ولكن لا بُدَّ في بدلِ الاشتمال من رابطٍ، ولا رابطَ، فقالوا: هو مقدرٌ تقديره: مِنْ غَمِّها. والثاني: أنه مفعولٌ له، ولمَّا نَقَصَ شرطٌ من شروطِ النصبِ جُرَّ بحرفِ السَّببِ. وذلك الشرطُ: هو عدمُ اتحادِ الفاعلِ؛ فإن فاعل الخروجِ غيرُ فاعلِ الغَمِّ، فإنَّ الغَمَّ من النارِ والخروجَ من الكفار.
قوله: ﴿وَذُوقُواْ﴾ منصوبٌ بقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على «أُعِيْدُوا» أي: وقِيل لهم: ذُوْقوا.
стр. 6690
قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ : العامَّةُ على الياءِ وفتحِ اللامِ مشددةً، مِنْ حَلاَّه يُحَلِّيه إذا ألبسَه الحُلِيَّ. وقُرِىءَ بسكون الحاءِ وفتحِ اللامِ مخففةً، وهو بمعنى الأول، كأنَّهم عَدَّوْه تارةً بالتضعيف وتارةً بالهمزةِ. قال أبو البقاء: «مِنْ قولك: أحلى أي ألبسَ الحُلِيَّ، وهو بمعنى المشدَّد» .
وقرأ أبنُ عباسٍ بفتحِ الياءِ وسكونِ الحاءِ وفتحِ اللامِ مخففةً. وفيها ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنَّه من حَلِيَتْ المرأةُ تَحْلَى فهي حالٍ. وكذلك حَلِيَ الرجلُ فهو حالٍ، إذا لَبِسا الحُلِيَّ أو صارا دونَ حُلِيّ. الثاني: أنَّه من حَلِيَ بعيني كذا يَحْلَى إذا اسْتَحْسَنْته. و «مِنْ» مزيدةٌ في قولِه ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ قال: «فيكونُ المعنى: يَسْتَحْسِنون فيها الأساور الملبوسة» . ولما نقل الشيخ هذا الوجهَ عن أبي الفضل الرازي قال: «وهذا ليس بجيد لأنه جَعَلَ حَلِيَ فعلاً
следующие страницы →