Полный текст (10 772 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
الجلدَ لا يُذابُ، إنما يَنْقَبِضُ وينكمشُ إذا صَلِي النارَ وهو في التقدير كقوله:
٣٣٧٨ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وقوله] .
٣٣٧٩ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
[وقولِه تعالى] : ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] . فإنه على تقديرِ: وسَقَيْتُها ماءً، وكَحَّلُنَ العُيونا، واعتقدوا الإِيمانَ.
стр. 6687
قوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ﴾ : يجوزُ في هذا الضميرِ وجهان، أظهرُهما: أنه يعودُ على الذين كفروا، وفي اللام حينئذٍ قولان، أحدهما: أنها للاستحقاقِ. والثاني: أنها بمعنى «على» كقولِه: و ﴿لَهُمُ اللعنة﴾ [الرعد: ٢٥] وليس بشيءٍ. الوجه الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ على الزبانية أعوانِ جهَّنَم ودَلَّ عليهم سياقُ الكلامِ، وفيه بُعْدٌ. و «مِنْ حديدٍ» صفةٌ لمقامِع وهي جمعُ «مِقْمَعَه» بكسرِ الميمِ لأنَّها آلةُ القمعِ. يقال: قَمَعَه يَقْمَعُه إذا ضَرَبه بشيءٍ يَزْجُرُه به ويُذِلُّه، والمِقْمَعَةُ: المِطْرَقَةُ. وقيل: السَّوْطُ.
стр. 6688
قوله: ﴿كُلَّمَآ أرادوا﴾ : كلَّ: نصبٌ على الظرفِ. وقد تقدَّم الكلامُ في تحقيقِها في البقرة. والعاملُ فيها هنا قوله: ﴿أُعِيدُواْ﴾ . و ﴿مِنْ
стр. 6689
غَمٍّ﴾ فيه وجهان أحدُهما: أنه بدلٌ من الضميرِ في «منها» بإعادةِ العاملِ، بدلُ اشتمالٍ كقولِه: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] . ولكن لا بُدَّ في بدلِ الاشتمال من رابطٍ، ولا رابطَ، فقالوا: هو مقدرٌ تقديره: مِنْ غَمِّها. والثاني: أنه مفعولٌ له، ولمَّا نَقَصَ شرطٌ من شروطِ النصبِ جُرَّ بحرفِ السَّببِ. وذلك الشرطُ: هو عدمُ اتحادِ الفاعلِ؛ فإن فاعل الخروجِ غيرُ فاعلِ الغَمِّ، فإنَّ الغَمَّ من النارِ والخروجَ من الكفار.
قوله: ﴿وَذُوقُواْ﴾ منصوبٌ بقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على «أُعِيْدُوا» أي: وقِيل لهم: ذُوْقوا.
стр. 6690
قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ : العامَّةُ على الياءِ وفتحِ اللامِ مشددةً، مِنْ حَلاَّه يُحَلِّيه إذا ألبسَه الحُلِيَّ. وقُرِىءَ بسكون الحاءِ وفتحِ اللامِ مخففةً، وهو بمعنى الأول، كأنَّهم عَدَّوْه تارةً بالتضعيف وتارةً بالهمزةِ. قال أبو البقاء: «مِنْ قولك: أحلى أي ألبسَ الحُلِيَّ، وهو بمعنى المشدَّد» .
وقرأ أبنُ عباسٍ بفتحِ الياءِ وسكونِ الحاءِ وفتحِ اللامِ مخففةً. وفيها ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنَّه من حَلِيَتْ المرأةُ تَحْلَى فهي حالٍ. وكذلك حَلِيَ الرجلُ فهو حالٍ، إذا لَبِسا الحُلِيَّ أو صارا دونَ حُلِيّ. الثاني: أنَّه من حَلِيَ بعيني كذا يَحْلَى إذا اسْتَحْسَنْته. و «مِنْ» مزيدةٌ في قولِه ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ قال: «فيكونُ المعنى: يَسْتَحْسِنون فيها الأساور الملبوسة» . ولما نقل الشيخ هذا الوجهَ عن أبي الفضل الرازي قال: «وهذا ليس بجيد لأنه جَعَلَ حَلِيَ فعلاً
стр. 6691
متعدياً، ولذلك حَكَم بزيادةِ» مِنْ «في الواجبِ. وليس مذهبَ البصريين. وينبغي على هذا التقديرِ أَنْ لا يجوزَ؛ لأنه لا يُحْفَظُ بهذا المعنى إلاَّ لازِماً، فإنْ كان بهذا المعنى كانَتْ» مِنْ «للسببِ أي: بلباسِ أساورِ الذهبِ يَحْلَوْن بعينِ مَنْ رآهم، أي: يحلى بعضُهم بعينِ بعضٍ» .
قلت: وهذا الذي نقله عن أبي الفضلِ قاله أبو البقاء، وجَوَّز في مفعولِ الفعلِ وجهاً آخرَ فقال: «ويجوزُ أن يكونَ مِنْ حَلِيَ بعيني كذا إذا حَسُن، وتكونُ» مِنْ «زائدةً أو يكونُ المفعولُ محذوفاً، و» مِنْ أساورَ «نعتٌ له» . فقد حكمَ عليه بالتعدِّي ليس إلاَّ، وجَوَّز في المفعول الوجهَيْن المذكورَيْن.
الثالث: أنَّه مِنْ حَلِيَ بكذا إذا ظَفِرَ به، فيكونُ التقديرُ: يَحْلَوْن بأساورَ. ف «مِنْ» بمعنى الباء. ومِنْ مجيءِ حَلِيَ بمعنى ظَفِرَ قولُهم: لم يَحْلَ فلانٌ بطائلٍ أي: لم يظفرْ به. واعلم أنَّ حَلِي بمعنى لبس الحلية، أو بمعنى ظَفِر من مادةِ الياءِ لأنهما مِن الحِلْيَةِ. وأمَّا حَلِيَ بعيني كذا فإنه من مادة الواو لأنه من الحلاوة، وإنما قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها.
قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ في «مِنْ» الأولى ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها زائدةٌ، كما تقدَّم تقريره عن الرازي وأبي البقاء. وإن لم يكنْ مِنْ أصولِ البصريين. والثاني: أنَّها للتعبيضِ أي: بعض أساور. والثالث: أنها لبيانِ الجنسِ، قاله ابن عطية، وبه بدأ. وفيه نظرٌ إذ لم يتقدَّمْ شيءٌ مبهمٌ. وفي «مِنْ ذهب» لابتداءِ الغايةِ، هي نعتٌ لأساورَ كما تقدَّم.
وقرأ ابن عباس «مِنْ أَسَوِرَ» دونَ ألفٍ ولا هاءٍ، وهو محذوفٌ مِنْ «
стр. 6692
أساوِر» كما [في] جَنَدِلٍ والأصل جَنادِل، قال الشيخ: «وكان قياسه صَرْفَه؛ لأنه نَقَصَ بناؤُه فصار كجَنَدِلٍ، لكنه قَدَّر المحذوفَ موجوداً فمعنه الصرف» .
قلت: فقد جعل أنَّ التنوينَ في جَنَدِلٍ المقصور مِنْ «جنادل» تنوينُ صَرْفٍ. وقد نصَّ بعض النحاة على أنه تنوينُ عوضٍ كهو في جَوارٍ وغَواشٍ وبابِهما.
قوله: ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ قرأ نافعٌ وعاصمٌ بالنصبِ. والباقون بالخفضِ. فأمَّا النصبُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ تقديرُه: ويُؤْتَوْن لُؤْلؤاً. ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه/، وكذا أبو الفتح حَمَله على إضمار فعلٍ. الثاني: أنَّه منصوبٌ نَسَقاً على موضع «مِنْ أساور» ، وهذا كتخريجِهم «وأرجُلَكُمْ» بالنصب عطفاً على محلِّ ﴿برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦] ، ولأن ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ في قوة: «يَلْبَسون أساور» فَحُمِل هذا عليه. والثالث: أنه عطفٌ على «أساور» ؛ لأنَّ «مِنْ» مزيدةٌ فيها كما تقدَّم تقريرُه. الرابع: أنه معطوفٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ. التقديرُ: يُحَلَّوْن فيها الملبوسَ مِنْ أساور ولؤلؤاً. ف «لؤلؤاً» عطفٌ على الملبوس.
стр. 6693
وأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدُهما: عطفُه على «أساور» . والثاني: عَطْفُه على «مِنْ ذهبٍ» لأنَّ السِّوارَ يُتَّخَذُ من اللؤلؤ أيضاً، يُنْظَمُ بعضُه إلى بعضٍ. وقد منع أبو البقاء العطفَ على «ذهب» قال: «لأنَّ السِّوار لا يكونَ مِنْ لؤلؤ في العادة ويَصِحُّ أن يكونَ حُلِيّاً» .
واختلف الناسُ في رَسْمِ هذه اللفظةِ في الإِمام: فنقل الأصمعيُّ أنها في الإِمام «لؤلؤ» بغير ألفٍ بعد الواو، ونقل الجحدريُّ أنها ثابتةٌ في الإِمامِ بعد الواو. وهذا الخلافُ بعينه قراءةً وتوجيهاً جارٍ في حَرْف فاطر أيضاً.
وقرأ أبو بكر في رواية المُعَلّى بن منصور عنه «لؤلوا» بهمزةٍ أولاً وواوٍ آخِراً. وفي روايةِ يحيى عنه عكسُ ذلك.
وقرأ الفياض «ولُوْلِيا» بواوٍ أولاً وياءٍ أخيراً، والأصل: لُؤْلُؤاً أبدل الهمزتينِ واوَيْن، فبقي في آخرِ الاسم واوٌ بعد ضمةٍ. فَفُعِل فيها ما فُعِل ب أَدْلٍ جمعَ دَلْو: بأنْ قُلِبَتْ الواوُ ياءً والضمةُ كسرةً.
وقرأ ابنُ عباس: «وَلِيْلِيا» يياءَيْنِ، فَعَل ما فَعَل الفياض، ثم أتبعَ الواوَ
стр. 6694
الأولى للثانيةِ في القلبِ. وقرأ طلحة «وَلُوْلٍ» بالجر عطفاً على المجرورِ قبلَه. وقد تقدم، والأصل «ولُوْلُوٍ» بواوين، ثم أُعِلَّ إعلالَ أَدْلٍ.
واللُّؤْلُؤُ: قيل: كِبارُ الجوهر وقيل صغِارُه.
стр. 6695
قوله: ﴿مِنَ القول﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من «الطيِّب» ، وأن يكونَ حالاً مِن الضميرِ المستكِنِّ فيه. و «مِنْ» للتبعيضِ أو للبيانِ.
стр. 6696
قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه معطوفٌ على ما قبلَه. وحينئذٍ ففي عطفِه على الماضي ثلاثةُ تأويلاتٍ. أحدُها: أنَّ المضارعَ قولاً يُقْصَدُ به الدلالةُ على زمنٍ معينٍ من حالٍ، أو استقبالٍ، وإنما يُراد به مجردُ الاستمرارِ. ومثلُه ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾ [الرعد: ٢٨] . الثاني: أنه مؤولٌ بالماضي لعطفِه على الماضي. الثالث: أنه على بابِه، وأنَّ الماضي قبلَه مُؤَوَّل بالمستقبل.
الوجه الثاني: أنَّه حالٌ من فاعل «كفروا» وبه بدأ أبو البقاء. وهو فاسدٌ ظاهراً؛ لأنه مضارعٌ مثبتٌ، وما كان كذلك لا تَدْخُل عليه الواو، وما ورد منه على قِلَّتِه مؤولٌ فلا يُحْمل عليه القرآنُ، وعلى هذين القولَيْنِ فالخبرُ محذوفٌ. واختلفوا في موضعِ تقديرِه: فقدَّره ابن عطية بعد قولِه «والبادِ» أي: إن الذين كفروا خَسِروا أو هلكوا ونحو ذلك. وقدَّره الزمخشري بعد قوله ﴿والمسجد
стр. 6697
الحرام﴾ أي: إنَّ الذين كفروا نُذِيْقُهم من عذاب أليم. وإنما قَدَّره كذلك لأن قوله: ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يَدُلُّ عليه.
إلاَّ أنَّ الشيخَ قال في تقدير الزمخشري بعد المسجد الحرام: «لا يصحُّ» ، قال: «لأنَّ» الذي «صفة للمسجد الحرام، فموضعُ التقديرِ هو بعد» البادِ «يعني: أنه يلزمُ من تقديرِه الفصلُ بينَ الصفةِ والموصوفِ بأجنبيّ، وهو خبرُ» إنّ «، فيصيرُ التركيبُ هكذا: إنَّ الذين كفروا ويَصُدُّون عن سبيلِ اللهِ والمسجدِ الحرام نُذيقُهم مِنْ عذابٍ أليمٍ الذي جَعَلْناه للناس. وللزمخشريِّ أّنْ ينفصِلَ عن هذا الاعتراضِ بأن» الذي جَعَلْناه «لا نُسَلِّمُ أنَّه نعتٌ للمسجد حتى يَلْزَمَ ما ذَكَر، بل نَجْعَلُه مقطوعاً عنه نَصْباً أو رفعاً.
ثم قال الشيخ:» لكنَّ مُقَدَّرَ الزمخشريِّ أحسنُ من مقدَّرِ ابنِ عطية؛ لأنه يَدُلُّ عليه الجملةُ الشرطية بعدُ مِنْ جهة اللفظ، وابنُ عطية لَحَظَ من جهةِ المعنى؛ لأنَّ مَنْ أّذيق العذابَ خَسِر وهَلَكَ «.
الوجه الثالث: أنَّ الواوَ في» ويَصُدُّون «مزيدةٌ في خبر» إنَّ «تقديرُه: إنَّ الذين كفروا يَصُدُّون. وزيادةُ الواوِ مذهبٌ كوفي تقدَّم بُطلانُه، وقال ابنُ عطية:» وهذا مْفْسِدٌ للمعنى المقصودِ «. قلت: ولا أَدْري فسادَ المعنى من أيِّ جهة؟ ألا ترى أنه لو صُرِّح بقولِنا: إنَّ الذين كفروا يَصُدُّون لم يكنْ فيه فسادُ معنى. فالمانع إنما هو أمرٌ صناعيٌّ عند أهل البصرة لا معنويٌّ. اللهم إلاَّ أَنْ يريدَ معنىً خاصاً/ يَفْسُدُ لهذا التقديرِ فيُحتاج إلى بيانه.
стр. 6698
قوله: ﴿الذي جَعَلْنَاهُ﴾ يجوزُ جَرُّه على النعتِ أو البدلِ أو البيانِ، والنصبُ بإضمار فعلٍ، والرفعُ بإضمارِ مبتدأ. و» جَعَلَ «يجوز أن يتعدى لاثنين بمعنى صَيَّر، وأَنْ يتعدَّى لواحدٍ.
والعامَّةُ على رفعِ ِ «سواءٌ» وقرأه حفصٌ عن عاصم بالنصبِ هنا وفي الجاثية: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ﴾ [الآية: ٢١] . ووافق على الذي في الجاثيةِ الأخَوان، وسيأتي توجيهُه. فأمَّا على قراءةِ الرفع فإن قلنا: إنَّ جَعَلَ بمعنى صَيَّر كان في المفعولِ الثاني أوجهٌ، أحدها: وهو الأظهرُ أنَّ الجملةَ مِنْ قولِه ﴿سَوَآءٌ العاكف فِيهِ﴾ هي المفعولُ الثاني، ثم الأحسنُ في رفع «سواءٌ» أن يكون خبراً مقدماً، والعاكفُ والبادي مبتدأ مؤخر. وإنما وُحِّد الخبرُ وإن كان المبتدأُ اثنين؛ لأنَّ سواء في الأصل مصدرٌ وُصِفَ به. وقد تقدَّم هذا أولَ البقرة. وأجاز بعضُهم أن يكون «سواءٌ» مبتدأ، واما بعدَه الخبر. وفيه ضَعْفٌ أو مَنْعٌ من حيث الابتداءُ بالنكرة من غير مُسَوِّغٍ، ولأنه متى اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ جُعِلت المعرفةُ المبتدأ. وعلى هذا الوجهِ أعني كونَ الجملة مفعولاً ثانياً فقولُه «للناس» يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلق بالجَعْل أي: جَعَلْناه لأجلِ الناسِ كذا. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنَّه حالٌ مِنْ مفعول «جَعَلْناه» ولم يذكر أبو البقاء فيه على هذا الوجهِ غيرَ ذلك وليس معناه متضحاً.
الوجه الثاني: أنَّ «للناس» هو المفعولُ الثاني. والجملةُ مِنْ قوله ﴿سَوَآءٌ
стр. 6699
العاكف﴾ في محلِّ نصب على الحال: إمَّا من الموصول، وإمَّا مِنْ عائِدِه. وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء. وفيه نظرٌ؛ لأنه جعل هذه الجملةَ التي هي محطُّ الفائدةِ فَضْلةً.
الوجه الثالث: أنَّ المفعولَ الثاني محذوفٌ، قال ابن عطية: «والمعنى: الذي جَعَلْناه للناس قِبْلةً ومتعبَّداً. فتقدير ابنِ عطية هذا مُرْشِدٌ لهذا الوجهِ. إلاَّ أن الشيخ» . قال «ولا يُحتاج إلى هذا التقديرِ، إلاَّ إنْ كان أراد تفسيرَ المعنى لا الإِعراب. فيَسُوغ لأنَّ الجملةَ في موضعِ المفعولِ الثاني، فلا يُحتاج إلى هذا التقديرِ. وإنْ جَعَلْناها متعديةً لواحدٍ كان قولُه» للناس «متعلقاً بالجَعْلِ على العِلَّيَّة. وجَوَّزَ فيه أبو البقاء وجهين آخرين، أحدهما: أنه حالٌ من مفعولِ» جَعَلْناه «. والثاني: أنه مفعولٌ تعدَّى إليه بحرف الجر. وهذا الثاني لا يُتَعَقَّل، كيف يكون» للناس «مفعولاً عُدِّي إليه الفعلُ بالحرف؟ هذا ما لا يعقلُ. فإن أراد أنه مفعولٌ مِنْ أجله فهي عبارةٌ بعيدةٌ من عبارة النحاة.
وأمَّا على قراءةِ حفصٍ: فإنْ قلنا:» جَعَلَ «يتعدى لاثنين كان» سواءً «مفعولاً ثانياً. وإنْ قُلْنا يتعدَّى لواحدٍ كان حالاً من هاءِ» جَعَلْناه «وعلى التقديرين: فالعاكفُ مرفوعٌ به على الفاعليةِ؛ لأنه مصدرٌ وُصِفَ به فهو في قوةِ اسم الفاعل المشتقِّ تقديرُه: جَعَلْناه مُسْتوياً فيه العاكفُ. ويَدُلُّ عليه
стр. 6700
قولُهم:» مررتُ برجلٍ سواءٍ هو والعَدَمُ «. ف» هو «تأكيدٌ للضميرِ المستترِ فيه، و» العَدَمُ «نسقٌ على الضميرِ المستترِ ولذلك ارتفعَ.
ويروى: «سواءٍ والعدمُ» بدونِ تأكيدٍ وهو شاذٌّ.
وقرأ الأعمش وجماعةٌ «سَواءً» نصباً، «العاكف» جراً. وفيه وجهان، أحدهما: أنه بدلٌ من «الناس» بدلُ تفصيل. والثاني: أنه عطفٌ بيانٍ. وهذا أراد ابنُ عطية بقولِه «عَطْفاً على الناس» ويمتنع في هذه القراءةِ رفعُ «سواء» لفسادِه صناعةً ومعنىً؛ ولذلك قال أبو البقاء: «وسواءً على هذا نصبٌ لا غير» .
وأثبتَ ابنُ كثير ياءَ «والبادي» وصلاً ووقفاً، وأثبتها أبو عمرو وورش وصلاً وحذفاها وقفاً. وحَذَفَها الباقون وَصْلاً ووَقْفاً وهي محذوفةٌ في الإِمام.
قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ مفعولَ «يُرِدْ» محذوفٌ، وقولُه: «بإلحادٍ بظلم» حالان مترادفتان. والتقديرُ: ومَنْ يُرِدْ فيه مراداً ما، عادِلاً عن القصدِ ظالماً، نُذِقْه من عذابٍ أليم. وإنما حُذِفَ ليتناولَ كلَّ متناوَلٍ. قال معناه الزمخشريُّ. والثاني: أن المفعولَ أيضاً محذوفٌ تقديرُه: ومَنْ يُرِدْ فيه تَعَدِّياً، و «بإلحادٍ» حال أي: مُلْتَبِساً بإلحادٍ. و «بظُلْمٍ» بدلٌ بإعادةِ الجارِّ. الثالث: أَنْ يكونَ «بظلمٍ» متعلقاً ب «يُرِدْ» ، والباءُ للسببيةِ
стр. 6701
أي بسببِ الظلم و «بإلحاد» مفعولٌ به. والباءُ مزيدةٌ فيه كقولِه: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] [وقولِه:]
٣٣٨٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَر
وإليه ذهب أبو عبيدة، وأنشد للأعشى:
٣٣٨١ - ضَمِنَتْ برزقِ عيالِنا أرماحُنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: ضَمِنَتْ رزقَ. ويؤيِّده قراءة الحسن «ومَنْ يُرِدْ إلحادهُ بظُلْمٍ» . قال الزمخشري: أراد إلحاده فيه فأضافه على الاتِّساعِ في الظرف ك ﴿مَكْرُ اليل﴾ [سبأ: ٣٣] ومعناه: ومَنْ يُرِدْ أن يُلْحِدَ فيه ظالماً. الرابع: أن يُضَمَّنَ «يُرِدْ» معنى يتلبَّس، فلذلك تعدى بالباء أي: ومَنْ يتلَبَّسْ بإلحادٍ مُرِيْداً له.
стр. 6702
والعامَّةُ على «يُرِدْ» بضم الياء من الإِرادة. وحكى الكسائي والفراء أنه قُرِىء «يَرِدْ» بفتح الياء. وقال الزمخشري: «من الوُرُوْد ومعناه: مَنْ أتى فيه بإلحادٍ ظالماً» .
стр. 6703
قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا﴾ : أي: اذكرْ حينَ. واللامُ في «لإِبراهيم» فيها ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنها للعلةِ، ويكون مفعولُ «بَوَّأْنا» محذوفاً أي: بَوَّأْنا الناسَ لأجل إبراهيم مكانَ البيت. و «بَوَّأَ» جاء متعدياً صَرِيحاً قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٣] ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً﴾ [العنكبوت: ٥٨] . وقال الشاعر:
٣٣٨٢ - كَمْ مِنْ أَخٍ ليَ صالحٍ ... بَوَّأْتُه بيَديَّ لَحْدا
والثاني: أنها مزيدةٌ في المفعولِ به. وهو ضعيفٌ؛ لِما عَرَفْتَ أنها لا تُزاد إلاَّ إنْ تَقَدَّم المعمولُ، أو كان العاملُ فرعاً الثالث: أَنْ تكونَ مُعَدِّيَةً للفعل على أنه مُضَمَّنٌ معنى فعل يتعدَّى بها أي: هَيَّأنا له مكانَ البيتِ كقولك: هَيَّأْتُ له بيتاً، فتكونُ اللامُ مُعدِّيَةً قال معناه أبو البقاء. وقال الزمخشري: «
стр. 6704
واذكرْ حينَ جَعَلْنا لإِبراهيمَ مكان البيت مباءة» ففسَّر المعنى بأنه ضَمَّن «بَوَّأْنا» معنى جَعَلْنا، ولا يريد تفسيرَ الإِعرابَ.
وفي ﴿مَكَانَ البيت﴾ وجهان، أظهرُهما: أنَّه مفعولٌ به. والثاني: قال أبو البقاء: «أَنْ يكونَ ظرفاً» . وهو ممتنعٌ من حيث إنَّه ظرفٌ مختصٌّ فحَقُّه أن يتعدى إليه ب في.
قوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ﴾ في «أنْ هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها هي المفسَّرةُ. قال الزمخشري: بعد أَنْ ذكَرَ هذا الوجه:» فإن قلتَ: كيف يكونُ النهيُ عن الشرك والأمرِ بتطهيرِ البيتِ تفسيراً للتبوِئَةِ؟ قلت: كانت البتوئةُ مقصودةً من أجل العبادةِ، وكأنه قيل: تعبَّدْنا إبراهيمَ قُلْنا له: لا تُشْرِكْ «. قلت: يعني أبو القاسم أنَّ» أنْ «المفسرةَ لا بُدَّ أن يتقَدَّمها ما هو بمعنى القولِ لا حروفِه، ولم يتقدَّم إلاَّ التَّبْوِئَةُ وليست بمعنى القول، فضَمَّنها معنى القول، ولا يريدُ بقولِه» قلنا: لا تشرك «تفسيرَ الإِعراب بل تفسيرُ المعنى؛ لأنَّ المفسِّرةَ لا تفسِّر القولَ الصريح. وقال أبو البقاء:» تقديرُه: قائِلين له: لا تشركْ ف «أنْ» مفسرةٌ للقولِ المقدَّر «وهذا. . . .
الثاني: أنَّها المخففةُ من الثقيلةِ، قاله ابن عطية. وفيه نظرٌ من حيث
стр. 6705
إن» أَنْ «المخففةَ لا بُدَّ أَنْ يتقدَّمَها فعلُ تحقيقٍ أو ترجيح، كحالِها إذا كانَتْ مشددة.
الثالث: أنها المصدريةُ التي تنصِبُ المضارعَ، وهي تُوْصَلُ بالماضي والمضارعِ والأمرِ، والنهي كالأمر. وعلى هذا ف» أنْ «مجرورةٌ بلام العلةِ مقدرةً أي: بَوَّأناه لئلا تشركَ. وكان من حقِّ اللفظِ على هذا الوجه أن يكون» أن لا يشرك «بياء الغَيْبةِ، وقد قُرىء بذلك. قال أبو البقاء:» وقوى ذلك قراءةُ مَنْ قرأه بالياء «يعني مِنْ تحتُ. قلت: ووجهُ قراءةِ العامَّةِ على هذا التخريج أن تكونَ من الالتفاتِ من الغيبة إلى الخطاب.
الرابع: أنها الناصبةٌ، ومجرورةٌ بلام أيضاً. إلاَّ أن اللامَ متعلقةٌ بمحذوفٍ أي: فَعَلْناه ذلك لئلا تشركَ، فجعل النهيَ صلةً لها. وقوَّى ذلك قراءةُ الياء. قاله أبو البقاء والأصلُ عدمُ التقديرِ مع عدمِ الاحتياج إليه.
وقرأ عكرمة وأبو نهيك «أن لا يُشرِك» بالياء. قال الشيخ: «على معنى: أَنْ يقولَ معنى القول الذي قيل له» . وقال أبو حاتم: «ولا بُدَّ مِنْ نصبِ الكافِ على هذه القراءةِ بمعنى لئلا تشركَ» . قلت: كأنه لم يظهرْ له صلةٌ «أنْ المصدرية بجملةِ النهي. فجعل» لا «نافيةً، وسلَّط» أنْ «على المضارعِ بعدها، حتى صار علةً للفعل قبله. وهذا غيرُ لازمٍ لِما تقدَّم لك من وضوحِ المعنى مع جَعْلِها ناهيةً.
стр. 6706
قوله: ﴿وَأَذِّن﴾ : قرأ العامَّةُ بتشديد الذال بمعنى نادِ. وقرأ الحسنُ وابن محيصن «آذِنْ» بالمدِّ والتخفيف بمعنى أعْلِمْ. ويُبْعِدُه قوله: ﴿فِي الناس﴾ إذ كان ينبغي أَنْ يتعدَّى بنفسِه. وقرآ أيضاً فيما نقله عنهما أبو الفتح «أَذِنَ» بالقصر وتخفيف الذال. وخرَّجها أبو الفتح وصاحب «اللوامح» على أنها عطفٌ على «بَوَّأنا» أي: واذكرْ/ إذ بَوَّأْنا وإذ أَذِنَ في الناس وهي تخريجٌ واضح. وزاد صاحب «اللوامح» فقال: «فيصيرُ في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ ويصير» يأتوك «جزماً على جواب الأمر الذي في» وطهِّرْ «: ونَسَب ابنُ عطية أبا الفتح في هذه القراءةِ إلى التصحيفِ فقال بعد أن حكى قراءةَ الحسنِ وابن محيصنٍ» وآذِنْ «بالمَدِّ و» تَصَحَّفَ هذا على ابن جني فإنَّه حكى عنهما «وأَذِنَ» على فعلٍ ماضٍ. وأعربَ على ذلك بأَنْ جَعَلَه عطفاً على «بَوَّأْنا» .
قلت: ولم يَتَصَحَّفْ فِعْلُه، بل حكى تلك القراءةَ أبو الفضل الرازي في «اللوامح» له عنهما، وذكرها أيضاً ابنُ خالويه، ولكنه لم يَطَّلِعْ عليها فنسَب مَنْ اطَّلع إلى التصحيفِ ولو تأنَّى أصاب أو كاد.
وقرأ ابنُ أبي إسحاقَ «بالحِجِّ» بكسرِ الحاء حيث وَقَع كما قَدَّمْتُه عنه.
قوله: ﴿رِجَالاً﴾ نصبٌ على الحالِ، وهو جمعُ راجِل نحو: صاحِب
стр. 6707
وصِحاب وتاجِر وتِجار وقائِم وقِيام. وقرأ عكرمة والحسن وأبو مجلز «رُجَّالاً» بضمِّ الراء وتشديدِ الجيمِ. ورُوي عنهم تخفيفُها. وافقهم ابنُ أبي إسحاق على التخفيفِ وجعفر من محمد ومجاهدٌ على التشديد. ورُوِيَتْ عن ابن عباس بالألف. فالمخفف اسمُ جمعٍ كظُؤَار، والمشدَّدُ جمعُ تكسيرٍ كصائم وصُوَّام. ورُوي عن عكرمةَ أيضاً «رُجَالى» كنُعامى بألف التأنيث، وكذلك عن ابنِ عباس وعطاء، إلاَّ أنهما شدَّدا الجيمَ.
قوله: ﴿وعلى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ نسَقٌ على «رِجالاً» فيكون حالاً أي: مُشاةً وركباناً.
قوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ النونُ ضميرُ «كلِّ ضامِرٍ» حَمْلاً على المعنى؛ إذ المعنى: على ضوامرَ. و «يَأْتِيْنَ» صفةٌ ل «ضامِر» . وأتى بضميرِ الجمعِ حَمْلاً على المعنى. وكان قد تقرَّر أولَ هذا التصنيفِ أنَّ «كل» إذا أُضِيْفَتْ إلى نكرةٍ لم يُراعَ معناها، إلاَّ في قليلٍ كقوله:
٣٣٨٣ - جادَتْ عليه كلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ... فتركْنَ كلَّ حَديقةٍ كالدِّرْهَمِ
وهذه الآيةُ تَرُدُّه؛ فإنَّ «كلاً» فيها مضافةٌ لنكرةٍ وقد روعي معناها. وكان
стр. 6708
بعضُهم أجاب عن بيتِ زهير بأنه إنما جاز ذلك لأنه في جملتين، فقلت: فهذه الآيةُ جملةٌ واحدةٌ لأنَّ «يَأْتِيْنَ» صفةٌ ل «ضامِر» .
وجَوَّز الشيخ أَنْ يكونَ الضميرُ يَشْمَلُ رجالاً وكل ضامر قال: «على معنى الجماعات والرفاق» قلت: فعلى هذا يجوزُ أَنْ يقالَ عنده: الرجال يَأْتِيْنَ.
ولا ينفعُه كونُه اجتمع مع الرجال هنا كلُّ ضامر فيقال: جاز ذلك لَمَّا اجتمع معه ما يجوزُ فيه ذلك؛ إذ يلزمُ منه تغليبُ غيرِ العاقلِ على العاقلِ، وهو ممنوعٌ.
وقرأ ابن مسعود والضحاك وابنُ أبي عبلة «يَأْتُونَ» تغليباً للعقلاءِ الذكورِ، وعلى هذا فيحتمل أَنْ يكونَ قولُه: ﴿وعلى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ حالاً أيضاً. ويكون «يَأْتُون» مستأنفاً يتعلَّقُ به ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ أي: يَأْتُوك رِجالاً وركباناً ثم قال: يأتون من كلِّ فَج، وأَنْ يتعلَّقَ بقوله: «يَأْتُون» أي: يأتون على كلِّ ضامرٍ من كلِّ فَج، و «يَأْتُون» مستأنفٌ أيضاً. ولا يجوز أن يكونَ صفةً ل «رجالاً» ول «ضامِر» لاختلافِ الموصوفِ في الإِعرابِ؛ لأنَّ أحدَهما منصوبٌ والآخَرَ مجرورٌ. لو قلت «رأيتُ زيداً ومررت بعمرٍو العاقِلَيْن» على النعتِ لم يَجُزْ، بل على القطعِ. وقد جَوَّزَ ذلك الزمخشري فقال: «وقرىء» يِأْتُون «صفةً للرجال والركبان» وهو مردودٌ بما ذكرتُه.
والضَّامِرُ: المَهْزولِ، يقال:. . . . والعميق: البعيدُ سُفلاً. يقال: بئر عَميق ومَعِيق، فيجوز أن يكون مقلوباً، لأنه أَقَلُّ من الأول قال:
стр. 6709
٣٣٨٤ - إذا الخيلُ جاءت مِنْ فِجاجٍ عميقةٍ ... يَمُدُّ بها في السيرِ أشعثُ شاحِبُ
يقال: عَمِقَ وعَمُقَ بكسر العين وضَمِّها عَمْقاً بفتح الفاء. قال الليث: عَميق ومَعِيق، والعَميق في الطريق أكثرُ «. وقال الفراء:» عميق «لغةُ الحجازِ، و» مَعِيْق «لغةُ تميم» . وأَعْمَقْتُ البئرَ وأَمْعَقْتُها، وعَمُقَتْ ومَعُقَتْ عَماقَةً ومَعَاقة وإعْماقاً وإمْعاقاً. قال رؤبة:
٣٣٨٥ - وقاتمِ الأعماقِ خاوي المُخْتَرَقْ ... الأعماقُ هنا بفتح الهمزة جمع عُمْق، وعلى هذا فلا قلبَ في مَعِيق لأنها لغة مستقلة، وهو ظاهرُ قولِ الليث أيضاً. وقرأ ابن مسعود «فج مَعِيق» بتقديم الميم. ويقال: غَمِيق بالغين المعجمةِ أيضاً.
стр. 6710
قوله: ﴿لِّيَشْهَدُواْ﴾ : يجوز في هذه اللامِ وجهان أحدهما: أن يتعلَّقَ ب «أَذِّن» أي: أَذِّن لِيَشْهدوا. والثاني: أنها متعلقةٌ ب «يأْتُوْك» وهو الأظهرُ. قال الزمخشري: «ونكَّر منافع لأنه أرادَ منافع مختصةً بهذه العبادةِ دينية ودنياوية لا تُوْجَدُ في غيرها من العبادات» .
стр. 6711
قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ﴾ : العامَّةُ على كسرِ اللامِ وهي لامُ الأمرِ. وقرأ نافع والكوفيون والبزي بسكونِها إجراءً للمنفصلِ مُجْرى المتصل نحو «كَتْف» وهو نظيرُ تسكينِ هاء «هو» بعد «ثُمَّ» في قراءةِ الكسائي وقالون حيث أُجْرِيَتْ «ثُمَّ» مجرى الواو والفاء.
والتَّفَثُ قيل: أصلُه مِنْ التَّفِّ وهو وَسَخُ الأظفارِ، قُلِبَت الفاءُ ثاءً ك مُغْثُور في مُغْفُور. وقيل: هو الوسخُ والقَذَرُ يقال: ما تَفَثُكَ؟ وحكى قطرب: تَفِثَ الرجلُ أي: كَثُرَ وسخُه في سَفَره. ومعنى «ليقْضُوا تَفَثَهم» : ليصنعوا ما يصنعه المُحْرِمُ مِنْ إزالةِ شعرٍ وشَعْثٍ ونحوِهما عند حِلِّه، وفي ضمن هذا قضاءُ جميعِ المناسك، إذ لا يُفعل هذا إلاَّ بعد فِعْل المناسِك كلِّها.
قوله: ﴿وَلْيُوفُواْ﴾ قرأ أبو بكر «وليُوَفُّوا» بالتشديد. والباقون بالتخفيف. وقد تقدم في البقرة أن فيه ثلاث لغاتٍ: وَفَى ووفَّى وأوفى. وقرأ
стр. 6712
بن ذكوان «ولِيُوْفوا» بكسر اللام، والباقون بسكونها، وكذلك هذا الخلاف جارٍ في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ .
стр. 6713
قوله: ﴿ذلك﴾ : خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ والشأنُ ذلك. قال الزمخشري: «كما يُقَدِّمُ الكاتبُ جملةً من كتابِه في بعضِ المعاني، ثم إذا أرادَ الخوضَ في معنى آخرَ قال: هذا وقد كان كذا» . وقَدَّره ابنُ عطية: «فَرْضُكُمْ ذلك، أو الواجبُ ذلك» . وقيل: هو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ. أي: ذلك الأمرُ الذي ذكرتُه. وقيل: في محلِّ نصب أي: امتثلوا ذلك. ونظيرُ هذه الإِشارةِ قولُ زهير، بعد تقدُّم جُمَل في وَصْفِ هَرِم ابن سنان:
٣٣٨٦ - هذا وليس كمَنْ يَعْيا بخُطْبَتِه ... وسَطَ النَّدِيِّ إذا ما ناطقٌ نَطَقا
قوله: «فهو» «هو» ضميرُ المصدرِ المفهومِ من قولِه ﴿وَمَن يُعَظِّمْ﴾ أي: وتعظيمُه حرماتِ الله خيرٌ له كقولِه تعالى: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] و «خيرٌ» هنا ظاهرُها التفضيلُ بالتأويلِ المعروفِ.
قوله: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ يجوز أَنْ يكونَ استثناءً متصلاً، ويُصْرَفُ إلى ما يُحَرَّمُ مِنْ بهيمةِ الأنعام لسببٍ عارضٍ كالموت ونحوه، وأن يكونَ استثناءً منقطعاً؛ إذ ليس فيها مُحَرَّمٌ وقد تقدَّم تقريرٌ هذا الوجهِ أولَ المائدةِ.
стр. 6714
قوله: ﴿مِنَ الأوثان﴾ في «مِنْ» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها لبيانِ الجنسِ، وهو مشهورُ قول المُعْرِبين، ويَتَقَدَّرُ بقولك: الرِّجْسُ الذي هو الأوثان. وقد تقدَّم أنَّ شرطَ كونِها بيانيةً ذلك. وتجيءُ مواضعُ كثيرةٌ لا يتأتى فيها ذلك ولا بعضُه. والثاني: أنَّها لابتداءِ الغايةِ. وقد خَلَط أبو البقاء القولين فجَعَلَهما قولاً واحداً فقال: «ومِنْ لبيانِ الجنسٍ أي: اجْتَنِبوا الرجسَ من هذا القبيل، وهو بمعنى ابتداء الغاية ههنا» يعني أنه في المعنى يَؤُول إلى ذلِك، ولا يَؤُول إليه البتةَ. الثالث: أنها للتبعيض. وقد غَلَّط ابنُ عطية القائلَ بكونِها للتبعيضِ، فقال: «ومَنْ قال: إن» مِنْ «للتبعيض قَلَبَ معنى الآيةِ فأفسده» وقد يُمْكِنُ التبعيضُ فيها: بأَنْ يَعْني بالرِّجْسِ عبادة الأوثانِ. وبه قال ابنُ عباس وابنُ جريج، فكأنه قال: فاجْتَنِبوا من الأوثانِ الرِّجسَ وهو العبادةُ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ من الأوثان إنما هو العبادةُ ألا ترى أنه قد يُتَصَوَّرُ استعمالُ الوثَنِ في بناءٍ وغيرِه ممَّا لم يُحَرِِّمِ الشرعُ استعمالَه، وللوَثَنِ جهاتٌ منها عبادتُها، وهي بعض جهاتِها. قاله الشيخ. وهو تأويلٌ بعيدٌ.
стр. 6715
قوله: ﴿حُنَفَآءَ﴾ : حالٌ مِنْ فاعلِ «اجْتَنِبوا» . وكذلك ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ﴾ وهي حالٌ مؤكدة، إذ يلزَمُ من كونِهم حُنَفاءَ عدمُ الإِشراك.
قوله: ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ قرأ نافعٌ بفتحِ الخاءِ والطاء مشددةً. وأصلُها تَخْتَطِفُه فأدغم. وباقي السبعةِ «فَتَخْطَفُه» بسكون الخاء وتخفيفِ الطاء. وقرأ الحسنُ والأعمشُ وأبو رجاء بكسر التاء والخاء والطاء مع التشديد. ورُوِي عن الحسن
стр. 6716
أيضاً فتحُ الطاءِ مشددةً مع كسرِ التاءِ والخاءِ. ورُوِي عن الأعمش كقراءةِ العامَّةِ إلاَّ أنه بغير فاء: «تَخْطَفُه» . وتوجيهُ هذه القراءاتِ قد تقدَّم مستوفى في أوائل البقرة عند ذِكْري القراءاتِ في قولِه تعالى: ﴿يَكَادُ البرق يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠] فلا أُعيدها.
وقرأ أبو جعفر «الرياحُ» جمعاً. وقولِه «خَرَّ» في معنى يَخِرُّ؛ ولذلك عُطِفَ عليه المستقبلُ وهو «فَتَخْطَفُهُ» ، ويجوز أن يكون على بابه، ولا يكونُ «فَتَخْطَفُه» عطفاً عليه، بل هو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: فهو يَخْطَفُه.
قال الزمخشري: «ويجوزُ في هذا التشبيهِ أن يكونَ من المركب والمفرَّق. فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: مَنْ أشرك بالله فقد أهلكَ نفسَه إهلاكاً ليس بعده [هلاكٌ] : بأَنْ صَوَّر حالَه بصورةِ حالِ مَنْ خَرَّ من السماءِ فاخْتَطَفَتْه الطيرُ، فتفرَّق مِزَعاً في حَواصلِها، أو عَصَفَتْ به الريحُ حتى هَوَتْ به في بعض المطاوحِ البعيدةِ. وإن كان مُفَرَّقاً فقد شَبَّه الإِيمانَ في عُلُوِّه بالسماءَ، والذي تركَ الإِيمانَ وأشرك بالله، بالساقط من السماء، والأهواءَ التي تتوزَّعُ أفكارَه بالطير المتخطفةِ، والشيطانَ الذي يُطَوِّحُ به في وادي الضَّلالةِ بالريح التي تهوي بما عَصَفَتْ به في بعض المهاوي المُتْلِفَةِ» . قلت: وهذه العبارةُ من أبي القاسم مما يُنَشِّطُك إلى تَعَلُّم عِلْمِ البيان فإنها في غاية/ البلاغة.
والأَوْثان: جمع وَثَن. والوَثَنُ يُطْلَقُ على ما صُوِّر من نحاسٍ وحديدٍ وخَشَبٍ. ويُطْلَقُ أيضاً على الصَّليب. «عن النبي ﷺ أنه
стр. 6717
قال لعدي بن حاتم وقد رأى في عنقه صليباً: أَلْقِ هذا الوثنَ عنك» وقال الأعشى:
٣٣٨٧ - يطوفُ العبادُ بأبوابِه ... كطَوْفِ النصارى ببَيْتِ الوَثَنْ
واشتقاقُه مِن وَثَن الشيءُ أي: أقام بمكانه وثَبَتَ فهو واثِنٌ. وأُنشد لرؤبة:
٣٣٨٨ - على أَخِلاَّء الصَّفاءِ الوُثَّنِ ... أي: المقيمين على العهد. وقد تقدَّم الفرقُ بين الوَثَنِ والصنم.
والسَّحيقُ: البعيدُ. ومنه سَحَقَه اللهُ أي: أبعده. وقوله ﵇: «فأقولُ سُحْقاً سُحْقاً» أي: بُعْداً بُعْداً. والنَّخْلة السَّحُوقُ: الممتدةُ في السماء، من ذلك.
стр. 6718
قوله: ﴿ذلك﴾ : إعرابُه كإعرابِ «ذلك» المتقدمِ وتقدَّم تفسيرُ «الشَّعيرة» واشتقاقُها في المائدة.
стр. 6719
قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ في هذا الضميرِ وجهان، أحدُهما: أنه ضميرُ الشعائرِ، على حَذْفِ مضافٍ. أي: فإن تعظيمَها مِنْ تقوى القلوبِ. والثاني: أنه ضميرُ المصدرِ المفهومِ من الفعل قبلَه أي: فإنَّ التعظيمةَ مِنْ تقوى القلوب. والعائدُ على اسمِ الشرط من هذه الجملةِ الجزائيةِ مقدرٌ، تقديرُه: فإنها مِنْ تَقَوى القلوب منهم. ومَنْ جوَّز إقامةَ أل مُقام الضميرِ وهم الكوفيون أجاز ذلِك هنا، والتقدير: مِنْ تقوى قلوبِهم، كقوله: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ [النازعات: ٤١] وقد تقدَّم تقريرُه. وقال الزمخشري: أي فإنَّ تعظيمَها من أفعالِ ذوي تقوى القلوبِ فحُذِفَتْ هذه المضافاتُ، ولا يَسْتقيمُ المعنى إلاَّ بتقديرِها؛ لأنه لا بُدَّ من راجعٍ من الجزاء إلى «مَنْ» لتَرْتَبِط به «قال الشيخ:» وما قَدَّره عارٍ من راجعٍ من الضميرِ من الجزاء إلى «مَنْ» . ألا ترى أنَّ قولَه «فإنَّ تعظيمَها من أفعال ذوي تقوى القلوب» ليس في شيءٍ منه ضميرٌ يَرْجِعُ من الجزاء إلى «مَنْ» يربطه به. وإصلاحُه أن يقولَ: فإنَّ تعظيمَها منه، فالضميرُ في «منه» عائدٌ على «مَنْ» .
والعامَّة على خفض «القلوب» . وقُرىء برفعِها فاعلةً للمصدرِ قبلها وهو «تقوى» .
стр. 6720
[قوله: ﴿فِيهَا﴾ :] والضميرُ في «فيها» عائدٌ على الشعائر بمعنى الشرائع أي: لكم في التمسُّكِ بها، وقيل: عائدٌ على بهيمةِ الأنعام.
стр. 6721
قوله: ﴿مَنسَكاً﴾ : قرأ الأخَوان هذا وما بعده «مَنْسِكاً» بالكسر، والباقون بالفتح. فقيل: هما بمعنىً واحد. والمرادُ بالمَنْسَك مكانُ النُّسُكِ أو المصدرُ. وقيل: المكسورُ مكانٌ، والمفتوحُ مصدرٌ. قال ابنُ عطية: «والكسرُ في هذا من الشاذِّ، ولا يَسُوغُ فيه القياس. ويُشْبِهُ أَنْ يكونَ الكسائيُّ سمعه من العرب» . قلت: وهذا الكلامُ منه غير مَرْضِيّ: كيف يقول: ويُشْبه أَنْ يكنَ الكسائيُ سَمِعه. الكسائي يقول: قرأتُ به فكيف يحتاج إلى سماعٍ مع تمسُّكِه بأقوى السَّماعات، وهو روايتُه لذلك قرآناً متواتراً؟ وقوله: «من الشاذِّ» يعني قياساً لا استعمالاً فإنه فصيحٌ في الاستعمال؛ وذلك أنَّ فَعَل يَفْعُل بضم العين في المضارع قياسُ المَفْعَل منه: أن تُفتَحَ عينُه مطلقاً أي: سواءٌ أُريد به الزمانُ أم المكانُ أم المصدرُ. وقد شَذَّتْ ألفاظُ ضَبَطها النحاةُ في كتبهم وذكرتُها أيضاً في هذا الموضوعِ.
стр. 6722
قوله: ﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ : يجوز أن يكونَ هذا الموصولُ في موضعِ جرٍّ أو نصبٍ أو رفعٍ. فالجرُّ من ثلاثةِ أوجهٍ: النعتُ للمُخْبِتِيْن، أو البدلُ منهم، أو البيانُ لهم. والنصبُ على المدحِ. الرفعُ على إضمار «هم» وهو مدحٌ أيضاً، ويُسَمِّيه النحويون «قَطْعاً» .
قوله: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ العامَّةُ على خفضِ «الصلاةِ» بإضافةِ المقيمين إليها. وقرأ الحسن وأبو عمروٍ في روايةٍ بنَصْبِها على حذفِ النونِ تخفيفاً، كما يُحْذف التنوينُ لالتقاءِ السَاكنين. وقرأ ابنُ مسعودٍ والأعمشُ بهذا
стр. 6723
الأصل: «والمقيمينَ الصلاةَ» بإثباتِ النونِ، ونصبِ «الصلاة» . وقرأ الضحَّاكُ «والمقيمَ الصلاةَ» بميمٍ ليس بعدها شيء. وهذه لا تخالِفُ قراءةَ العامَّةِ لفظاً، وإنما تظهرُ مخالفتُها لها وَقْفاً وخَطَّاً.
стр. 6724
قوله: ﴿والبدن﴾ : العامَّةُ على نصب «البُدْنَ» على الاشتغال. ورُجِّح النصبُ وإن كان مُحْوِجاً لإِضمارٍ، على الرفع الذي لم يُحْوِجْ إليه، لتقدُّمِ جملةٍ فعليةٍ على جملةِ الاشتغالِ. وقُرِىء برفعِها على الابتداءِ، والجملةُ بعدها الخبرُ.
والعامَّةُ أيضاً على تسكينِ الدالِ. وقرأ الحسن وتُرْوى نافعٍ وشيخةِ أبي جعفر بضمِّها، وهما جمعان ل «بَدَنَة» نحو: ثَمَرةٍ وثُمُرٍ وثُمْرٍ. فالتسكينُ يحتمل أن يكونَ تخفيفاً من المضمومِ، وأَنْ يكونَ أصلاً. وقيل: البُدْنُ والبُدُنُ جمعُ بَدَن، والبَدَنُ جمعٌ لبَدَنَة نحو: خَشَبة وخَشَب، ثم يُجْمع خَشَباً على خُشُب وخُشْب. / وقيل: البُدْنُ اسمٌ مفردٌ لا جمعٌ يَعْنُون اسمَ جنسٍ. وقرأ ابنُ أبي إسحاق «البُدُنَّ» بضم الباء والدال وتشديد النون. وهي تحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه قرأ كالحسن، فوقَفَ على الكلمةِ وضَعَّفَ لامَها كقولِهم: «هذا فَرُخّْ» ثم أجرى الوصلَ مجرى الوقفِ في ذلك. ويُحتمل أَنْ يكونَ اسماً على فُعُل ك عُتُلّ.
وسُمِّيَت البَدَنة بَدَنةً لأنها تُبْدَنُ أي: تُسَمَّنُ. وهنل تختصُّ بالإِبل؟ الجمهورُ على ذلك. قال الزمخشري: «والبُدْنُ: جمعُ بَدَنَة سُمِّيَتْ لعِظَمِ
стр. 6725
بَدَنِها، وهي الإِبِلُ خاصةً؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ ألحق البقرَ بالإِبل حين قال:» البَدَنَةُ عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعة «فجَعَلَ البقرَ في حُكْمِ الإِبلِ، صارَت البَدَنةُ متناوَلَةً في الشريعة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابِه، وإلاَّ فالبُدْنُ هي الإِبلُ وعليه تَدُلُّ الآيةُ» . وقيل لا تختصُّ، فقال الليث: البَدَنَةُ بالهاء تقعُ على الناقةِ والبقرة والبعير وما يجوز في الهَدْي والأضاحي، ولا تقعُ على الشاة. وقال عطاءٌ وغيرُه: ما أشعر مِنْ ناقة أو بقرةٍ. وقال آخرون: البُدْنُ يُراد به العظيمُ السِّنِّ من الإِبل والبقر. ويقال للسَّمين من الرجال. وهو اسمُ جنسٍ مفردٍ.
قوله: ﴿مِّن شَعَائِرِ الله﴾ هو المفعولُ الثاني للجَعْل بمعنى التصيير.
قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الجملةُ حالٌ: إمَّا من «ها» «جَعَلْناها» ، وإمَّا مِنْ شعائر الله. وهذان مبنيَّان على أن الضميرَ في «فيها» هل هو عائدٌ على «البُدْن» أو على شعائر؟ والأولُ قولُ الجمهورِ.
قوله: ﴿صَوَآفَّ﴾ نصبٌ على الحال أي: مُصْطَفَّةً جنبَ بعضِها إلى بعض. وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم «صَوافي» جمعَ صافِيَة أي: خالصةً لوجهِ الله تعالى. وقرأ عمرو بن عبيد كذلك، إلاَّ أنه نَوَّنَ الياءَ
следующие страницы →