Полный текст (10 772 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين﴾ : عطفٌ على «ليجعلَ» عطفَ علةٍ على مثلِها. والضميرُ في «أنَّه» فيه قولان، أحدهما وإليه ذهب الزمخشري أنه عائدٌ على تمكينِ الشيطانِ أي: ليَعْلَمَ المؤمنون ِأن تمكينَ الشيطانِ هو الحق. الثاني وإليه نحا ابن عطية أنه عائدٌ على القرآنِ. وهو وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ فهو في قوة المنطوق.
قوله: ﴿فَيُؤْمِنُواْ﴾ عطفٌ على «وليعلمَ» و «فَتُخْبِتَ» عطفٌ عليه. وما أحسنَ ما وقعَتْ هذه الفاءاتُ.
وقرأ العامَّةُ «لهادِيْ الذين» بالإِضافةِ تخفيفاً. وابنُ أبي عبلة وأبو حيوةَ بتنوينِ الصفةِ وإعمالِها في الموصول.
стр. 6757
والمرِْيَةُ والمُرْيَةُ بالكسر والضم لغتان مشهورتان. وظاهرُ كلامِ أبي البقاء أنهما قراءتان، ولا أحفظ الضم هنا. والضمير في «منه» قيل: يعودُ على القرآن. وقيل: على الرسول. وقيل: على ما ألقاه الشيطان.
قوله: ﴿عَقِيمٍ﴾ العَقيم: من العُقْم. وفيه قولان، أحدهما: أنه السَّدُّ يقال: امرأةٌ مَعْقُومَةُ الرَّحِمِ أي: مسدودتُه عن الولادة. وهذا قول أبي عبيد. والثاني: أن أصلَه القطعُ. ومنه «المُلْك عَقيم» أي: لأنه يقطع صلةَ الرحم بالتزاحُمِ عليه. ومنه العقيمُ لانقطاع ولادِتها. والعُقْم: انقطاعُ الخير، ومنه «يومٌ عقيم» . قيل: لأنَّه لا ليلةَ بعده ولا يومَ فشُبِّه بمَنْ انقطع نَسْلُه. هذا إنْ أريد به يومُ القيامة. وإن أريد به يومُ بدرٍ فقيل: لأنَّ أبناءَ الحربِ تُقْتَلُ فيه، فكأنَّ النساء لم تَلِدْهُنَّ، فيكُنَّ عُقُماً. ويقال: رجل عقيم وامرأة عقيمة أي: لا يُولد لهما، والجمعُ عُقُم.
стр. 6758
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ : منصوبٌ بما تَضَمَّنه «لله» من الاستقرارِ لوقوعه خبراً. و «يَحْكم» يجوزُ أن يكونَ حالاً من اسم الله، وأن يكون مستأنفاً. والتنوينُ في «يومئذٍ» عوضٌ من جملة فقدَّرها الزمخشري: «يوم يؤمنون» وهو لازمٌ لزوال المِرْيَةِ. وقدَّره أيضاً «يوم تزولُ مِرْيَتُهم» .
стр. 6759
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ : مبتدأ. وقوله: ﴿فأولئك﴾ وما بعده خبرُه. ودَخَلَتِ الفاءُ لِما عَرَفْتَ مِنْ تضمُّنِ المبتدأ معنى الشرطِ بالشرطِ المذكور. و «لهم» يُحتمل أن يكونَ خبراً عن «أولئك» . و «عذاب» فاعلٌ به لاعتمادِه على المخبرِ عنه، وإن يكونَ خبراً مقدَّماً، وما بعده مبتدأُ، والجملةُ خبرُ «أولئك» .
стр. 6760
قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾ : جوابُ قَسَمٍ مقدرٍ. والجملةُ القسميةُ وجوابُها خبرُ قولِه: ﴿والذين هَاجَرُواْ﴾ وفيه دليلٌ على وقوعِ الجملةِ القسَميةِ خبراً لمبتدأ. ومَنْ يَمْنَعُ يُضْمِرْ قولاً هو الخبر تُحكى به هذه الجملةُ القَسَمية. وهو قولٌ مرجوح.
قوله: ﴿رِزْقاً﴾ يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً على أنه من باب الرِّعْي والذِّبْح أي: مرزوقاً حسناً، وأَنْ يكونَ مصدراً مؤكَّداً. وقوله: ﴿ثُمَّ قتلوا﴾ وقوله «مُدْخَلاً» قد تقدم الخلافُ في القراءةِ بهما في آل عمران وفي النساء.
стр. 6761
والجملُة مِنْ «لَيُدْخِلَنَّهُمْ» يجوزُ أن تكونَ بدلاً مِنْ «لَيَرْزُقَنَّهم» ، وأن تكونَ مستأنفةً.
стр. 6762
قوله: ﴿ذلك﴾ : خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ ذلك. وما بعده مستأنفٌ. والباء في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ للسببيةِ في الموضعين. قاله أبو البقاء. الذين يظهر أن الأُولى يُشبه أن تكونَ للآله. و ﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ مبتدأ، خبرُه ﴿لَيَنصُرَنَّهُ الله﴾ .
стр. 6763
قوله: ﴿ذلك﴾ : مبتدأ، و ﴿بِأَنَّ الله﴾ خبرُه أي: ذلك النصر بسببِ أنَّ الله يُوْلج.
وقرأ العامَّةُ و «أنَّ ما» عطفاً على الأولى والحسن بكسرِها استنافاً.
стр. 6764
قوله: ﴿هُوَ الحق﴾ : يجوز أَنْ يكونَ فَصلآً ومبتدأً. وجوَّز أبو البقاء أن يكونَ توكيداً. وبه بدأ. وهو غلط؛ لأنَّ المضمرَ لا يُؤَكِّدُ المُظْهَرَ، ولكان صيغةُ النصبِ أَوْلَى به من الرفعِ فيُقال: «إياه» لأنَّ المتبوعَ منصوبٌ.
وقرأ الأخَوان وحفصٌ وأبو عمروٍ هنا وفي لقمان «يَدْعُون» بالياء من تحتُ. والباقون بالتاءِ من فوقُ. والفعلُ مبنىٌّ للفاعلِ. وقرأ مجاهدٌ واليماني بالياء من تحتُ مبنياً للمفعول. والواوُ التي هي ضميرٌ تعودُ على «ما» على معناها والمرادُ بها الأصنامُ أو الشياطينُ.
стр. 6765
قوله: ﴿فَتُصْبِحُ﴾ : فيه قولان، أحدهما: أنه مضارعٌ لفظاً ماضٍ معنى، تقديرُه فأصبحَتْ، فهو عطفٌ على أَنْزَل. قاله أبو البقاء. ثم قال بعد أن عطف على «أَنْزل» : «فلا موضعَ له إذن» وهو كلامٌ متهافِتٌ؛ لأنَّ عَطْفَه على «أَنْزَلَ» يَقْتضي أن يكونَ له محلٌّ من الإِعرابِ: وهو الرفعُ خبراً ل «أنَّ» ، لكنه لا يجوزُ لعدم الرابطِ. والثاني: أنه على بابِه، ورَفْعُه على
стр. 6766
الاستئنافِ. قال/ أبو البقاء: «فهي أي القصة، وتُصْبِحُ الخبر» . قلت: ولا حاجةَ إلى تقديرِ مبتدأ، بل هذه جملةٌ فعليةٌ مستأنفةٌ، ولا سيما وقَدَّر المبتدأ ضميرَ القصة ثم حذفه وهو لا يجوز؛ لأنه لا يؤتى بضميرِ القصة إلاَّ للتأكيدِ والتعظيم، والحذفُ يُنافيه.
قال الزمخشري: «فإن قلتَ: هلا قيل: فَأَصْبحت، ولِمَ صُرِفَ إلى لفظِ المضارع؟ قلت: لنكتةٍ فيه: وهي إفادةُ بقاءِ أثرِ المطرِ زماناً بعد زمانٍ كما تقول: أنعم عليَّ فلانٌ عامَ كذا فأرُوْح وأَغْدوا شاكراً له. ولو قلت: رُحْتُ وغَدَوْتُ لم يَقَعْ ذلك الموقعَ. فإن قلت: فما له رُفِعَ ولم يُنْصَبْ جواباً للاستفهام؟ قلت: لو نُصِب لأعطى عكسَ الغرضِ لأنَّ معناه إثباتُ الاخضرارِ، فينقلبُ بالنصب إلى نفي الاخضرار. مثالُه أن تقولَ لصاحبِك: ألم تَرَ أني أنعمتُ عليك فتشكر» إن نَصَبْتَ فأنتَ نافٍ لشكره شاكٍ تفريطَه [فيه] ، وإن رَفَعْتَه فأنت مُثْبِتٌ للشكرِ، وهذا وأمثالُه ممَّا يجب أَنْ يَرْغَبَ له من اتَّسم بالعلم في علم الإِعراب وتوقير أهله «. وقال ابنُ عطية:» قوله: «فتصبحُ» بمنزلة قوله فتضحى أو تصير، عبارةٌ عن استعجالِها إثْرَ نزولِ الماءِ واستمرارها لذلك عادةً. ورَفْعُ قولِه «فتُصْبِحُ» من حيث الآيةُ خبرٌ، والفاء عاطفةٌ وليسَتْ بجواب، لأنَّ كونَها جواباً لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ فاسدُ المعنى «.
قال الشيخ:» ولم يبين هو ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصبُ نافياً
стр. 6767
للاخضرار، إلاَّ كونَ المعنى فاسداً؟ قال سيبويه: «وسألتُه يعني الخليل عن ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ فقال: هذا واجبٌ وتنبيه. كأنك قلت: أتسمعُ أنزل اللهُ من السماءِ ماء فكان كذا وكذا» . قال ابن خروف: وقوله: «هذا واجبٌ» وقوله: «فكان كذا» يريدُ أنهما ماضيان، وفَسَّر الكلام ب «أتسمع ليريَكَ أنه لا يتصل بالاستفهام لضعفِ حكمِ الاستفهامِ فيه. وقال بعضُ شُرَّاح الكتاب:» فتصبحُ «لا يمكن نصبُه؛ لأنَّ الكلامَ واجب. ألا ترى أن المعنى: أن اللهَ أنزلَ، فالأرضُ هذه حالُها. وقال الفراء:» ألم تَرَ «خبرٌ كما تقولُ في الكلام: علم أنَّ الله يفعل كذا فيكون كذا» .
ويقول: «إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا؛ لأنَّ النفيَ إذا دخل عليه الاستفهامُ، وإن كان يقتضي تقريراً في بعضِ الكلام هو مُعامَلٌ معاملةَ النفيِ المَحْضِ في الجوابَ» . ألا ترى إلى قولِه تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكذلك الجوابُ بالفاءِ إذا أَجَبْتَ النفيَ كان على معنيين في كل منهما يَنْتفي الجوابُ. فإذا قلت: «ما تأتِيْنا فتحدِّثَنا» بالنصب، فالمعنى: ما تأتينا محدِّثاً، وإنما تأتينا ولا تحدث. ويجوزُ ِأن يكون المعنى: أنك لا تأتي فكيف تحدّثُ؟ فالحديثُ منتفٍ في الحالتين، والتقريرُ بأداةِ الاستفهام كالنفي المَحْض في الجواب يُثْبت ما دَخَلْتْه الهمزةُ، وينتفي الجوابُ، فيلزَمُ من هذا الذي قَرَّرْناه إثباتُ الرؤيةِ وانتفاءُ الاخضرارِ، وهو خلافُ المقصودِ. وأيضاً فإنَّ جوابَ الاستفهامِ ينعقدُ منه مع الاستفهامِ السابقِ شَرْطٌ وجزاءٌ كقوله:
стр. 6768
٣٣٩٦ - ألم تَسْألْ فَتُخْبِرْكَ الرُّسومُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يتقدر: إنْ تسألْ تخبرْك الرسوم، وهنا لا يتقدَّر: إنْ تَرَ إنزالَ المطر تصبح الأرضُ مخضرةً؛ لأنَّ اخضرارَها ليس مترتباً على عِلْمِك أو رؤيتِك، إنما هو مترتبٌ على الإِنزال وإنما عَبَّر بالمضارعِ؛ لأن فيه تصويراً للهيئة التي الأرضُ عليها والحالةِ التي لابَسَتِ الأرضَ، والماضي يفيد انقطاعَ الشيءِ. وهذا كقولِ جَحْدَرِ بنِ مَعُونة يصف حاله مع أشدِّ نازلةٍ في قصةٍ جَرَتْ له مع الحجاج ابن يوسف الثقفي، وهي أبياتٌ فمنها: /
٣٣٩٧ - يَسْمُوا بناظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فيهما ... لِما أَجالهما شعاعَ سِراج
لَمَّا نَزَلْتُ بحُصْنِ أَزْبَرَ مُهْصِرٍ ... للقِرْن أرواحَ العدا مَجَّاجِ
فأكرٌّ أحملُ وهو يُقعي باسْته ... فإذا يعودُ فراجعٌ أدراجي
وعلمْتُ أني إنْ أَبَيْتَ نِزالَه ... أني من الحَجَّاج لستُ بناجي
فقوله: «فأكرٌّ» تصويرٌ للحالةِ التي لابَسَها «.
قلت: أمَّا قولُه» وأيضاً فإنَّ جوابَ الاستفهامِ ينعقدُ منه مع الاستفهامِ «إلى قولِه:» إنما هو مترتِّبٌ على الإِنزال «منتزعٌ مِنْ كلامِ أبي البقاء. قال
стр. 6769
أبو البقاء:» إنما رُفع الفعلُ هنا وإنْ كان قبلَه استفهامٌ لأمرين، أحدهما: أنه استفهامٌ بمعنى الخبر أي: قد رأيت، فلا يكون له جوابٌ. الثاني: أنَّ ما بعدَ الفاءِ ينتصِبُ إذا كان المستفهمُ عنه سبباً له، ورؤيته لإِنزالِ الماءِ لا يُوْجِبُ اخضرارَ الأرض، وإنما يجبُ عن الماء «وأمَّا قولُه:» وإنما عَبَّر بالمضارع «فهو معنى كلامِ الزمخشري بعينه، وإنما غَيَّر عبارتَه وأَوْسَعَها.
وقوله:» فتصبحُ «استدلَّ به بعضُهم على أن الفاءَ لا تقتضي التعقيبَ قال:» لأنَّ اخضرارَها متراخٍ عن إنزالِ الماء، هذا بالمشاهدةِ «. وقد أُجيب عن ذلك بما نقله عكرمةٌ: مِنْ أَنَّ أرضَ مكة وتهامةَ على ما ذُكر، وأنها تُمْطِرُ الليلةَ فتصبح الأرضُ غُدْوَةً خَضِرةً، فالفاءُ على بابها. قال ابن عطية:» وشاهَدْتُ هذا في السُّوس الأقصى، نَزَل المطر ليلاً بعد قَحْط، فأصبحت تلك الأرضُ الرَّمِلةُ التي تَسْفيها الرياحُ قد اخضرَّت بنباتٍ ضعيف «وقيل: تراخي كلِّ شيء بحَسَبه.
وقيل: ثَمَّ جملٌ محذوفةٌ قبل الفاءِ تقديره: فتهتَزُّ وتَرْبُو وتَنْبُتُ فتصبحُ. يبيِّنُ ذلك قولُه: ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ﴾ وهذا من الحذفِ الذي يَدُلُّ عليه فَحْوَى الكلام كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا﴾ [يوسف: ٤٥-٤٦] . إلى آخر القصة.
و «تُصْبِحُ» يجوزُ أَنْ تكونَ الناقصةَ، وأَنْ تكونَ التامَّة. و «مُخْضَرَّةً» حالٌ. قاله أبو البقاء. وفيه بُعْدٌ عن المعنى إذ يصير التقديرُ: فَتَدخُلُ الأرضُ في وقتِ الصباح على هذه الحالِ. ويجوزُ فيها أيضاً أن تكونَ على بابِها من الدلالةِ على اقترانِ مضمونِ الجملة بهذا الزمنِ الخاصِّ. وإنما خَصَّ هذا
стр. 6770
الوقتَ لأن الخضرةَ والبساتينَ أبهجُ ما ترى فيه. ويجوزُ أن تكونَ بمعنى تَصير.
وقرا العامَّةُ بضمِّ الميم وتشديدِ الراء اسمَ فاعلٍ، مِنْ اخْضَرَّت فهي مُخْضَرَّةٌ. والأصلُ مُخْضَرِرَة بكسر الراء الأولى، فأُدْغِمَتْ في مثلها. وقرأ بعضُهم «مَخْضَرَة» بفتح الميم وتخفيفِ الراء بزنة مَبْقَلَة ومَسْبَعَة. والمعنى: ذات خُضْرَواتٍ وذات سِباعٍ وذات بَقْلٍ.
стр. 6771
قوله: ﴿والفلك﴾ : العامَّةُ على نصبِ «الفلك» وفيه وجهان، أحدهما: أنها عطفٌ على ﴿مَّا فِي الأرض﴾ أي: سَخَّر لكم ما في الأرض، وسَخَّر لكم الفلك. وأفردها بالذِّكْرِ، وإن انْدَرَجَتْ بطريقِ العمومِ تحت «ما» . ومن قوله: ﴿مَّا فِي الأرض﴾ لظهورِ الامتنانِ بها ولعجيب تسخيرِها دونَ سائر المُسَخَّرات. و «تَجْري» على هذا حال. الثاني: أنها عَطْفٌ على الجلالة بتقدير: ألم تَرَ أن الفلكَ تَجْري في البحر، فتجري خبرٌ على هذا.
وضمَّ لامَ «الفُلُكَ» هنا الكسائي فيما رواه عن الحسن، وهي قراءةُ ابن مقسم. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة والأعرج وأبو حيوة والزعفراني برفع «والفلكُ» على الابتداء وتجري بعده الخبر. ويجوز أن يكونَ ارتفاعُه عطفاً على محلِّ اسم «أنَّ» عند مَنْ يُجَوِّز ذلك نحو: «إنَّ زيداً وعمروٌ قائمان» وعلى هذا ف «تجري» حال أيضاً. و «بأمرِه» الباءُ/ للسببية. قوله: ﴿أَن تَقَعَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ لأنها على حَذْفِ حرفِ الجرِّ تقديرُه:
стр. 6772
من أن تقعَ. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ فقط؛ لأنها بدلٌ من «السماء» بدلُ اشتمالٍ. أي: ويُمْسِكُ وقوعَها يَمْنَعُه. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على المفعولِ مِنْ أجلِه، فالبصريون يقدِّرون: كراهَة أن تقعَ. والكوفيون: لئلا تقعَ.
قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ في هذا الجارِّ وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلقٌ ب «تقعَ» أي: إلاَّ بإذنه فتقع. والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بيُمْسِكُ. قال ابن عطية: «ويحتمل أَنْ يعودَ قولُه ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ على الإِمساك، لأنَّ الكلامَ يَقْتضي بغير عَمَدٍ ونحوَه، كأنه أراد: إلاَّ بإذنِه فبه يُمْسِكها» قال الشيخ: «ولو كان على ما قال لكان التركيبُ: بإذنِه، دونَ أداةِ الاستثناءِ. ويكونُ التقديرُ: ويُمْسِك السماءَ بإذنه» . قلت: وهذا الاستثناءُ مُفَرَّغٌ، ولا يقعُ في موجَبٍ، لكنه لَمَّا كان الكلامُ قبلَه في قوةِ النفي ساغَ ذلك، إذ التقديرُ: لا يَتْرُكُها تقعُ إلاَّ بإذنه. والذي يظهرُ أنَّ هذه الباءَ حاليةٌ أي: إلاَّ ملتبسةً بأمرِه.
стр. 6773
قوله: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ : هذه الجملةُ صفةٌ ل مَنْسَكاً. وقد تقدَّم أنه يُقْرَأُ بالفتح والكسر. وتقدَّم الخلافُ فيه: هل هو مصدرٌ أو مكانٌ؟ وقال ابنُ عطية: «ناسِكوه يُعطي أنَّ المَنْسَك المصدرُ، ولو كان مكاناً لقال: ناسِكون فيه» يعني أنَّ الفعلَ لا يتعدى إلى ضمير الظرفِ إلاَّ بواسطةِ «في» . وما قاله غيرُ لازمٍ؛ لأنه قد يُتَّسع في الظرف فيجري مجرى المفعولِ به، فيصِلُ الفعلُ إلى ضميرِه بنفسه، وكذا ما عَمِلَ عَمَلَ الفعل. ومن الاتِّساع في ظرفِ الزمان قوله:
стр. 6774
٣٣٩٨ - ويومٍ شَهِدْنَاه سُلَيْمَى وعامراً ... قليلٍ سوى الطَّعْنِ النِّهالِ نوافِلُهْ
ومن الاِّتساع في ظرفِ المكان قولُه:
٣٣٩٩ - ومَشْرَبٍ أَشْرَبُه وَشِيْلِ ... لا أَجِنِ الطَّعْمِ ولا وَبِيْلِ
يريد: أشرب فيه.
قوله: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ﴾ وقُرِىء بالنون الخفيفة. وقرأ أبو مجلز: «فلا يَنْزِعُنَّك» مِنْ كذا أي: قَلَعْتُه منه. وقال الزجاج: «هو مِنْ نازَعْتُه فَنَزَعْته أنْزَعُه أي: غَلَبْتُهُ في المنازَعَة» . ومجيءُ هذهِ الآيةِ كقولِه تعالى: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ وقولهم: لا أُرَيَنَّك ههنا. وهنا جاء قولُه ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من غير واوٍ عطفٍ، بخلافِ ما تَقَدَّم مِنْ نظيرتِها فإنها بواوِ عطفٍ. قال الزمخشري: «لأنَّ» تلك «وَقَعَتْ مع ما يُدانيها ويناسِبُها من الآيِ الواردةِ في أمر النسائِكِ، فَعُطِفَتْ على أخواتها، وأمَّا هذه فواقعةٌ مع أباعدَ مِنْ معناها فلم تجد مَعْطَفاً.
стр. 6775
قوله: ﴿تَعْرِفُ﴾ : العامَّةُ على «تَعْرِف» خطاباً مبنياً للفاعل. «المُنْكَرَ» مفعول به. وعيسى بن عمر «يُعْرَفُ» بالياءِ من تحتُ مبنياً
стр. 6776
للمفعول، و «المنكرُ» مرفوعٌ قائمٌ مقامَ الفاعلِ. والمُنْكَرُ اسمُ مصدرٍ بمعنى الإِنكارِ. وقوله: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ من إقامةِ الظاهرِ مُقامَ المضمرِ للزيادةِ عليهم بذلك.
قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ هذه حالٌ: إمَّا مِنَ الموصولِ، وإنْ كان مضافاً إليه، لأنَّ المضافَ جزؤُه، وإمَّا من الوجوه لأنها يُعَبَّر بها عن أصحابِها، كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ثم قال: «أولئك هم» . و «يَسْطُون» ضُمِّن معنى يَبْطِشُون فيعدى تعديَته، وإلاَّ فهو متعدٍّ ب على يُقال: سَطا عليه. وأصلُه القهرُ والغَلَبَةُ. وقيل: إظهارُ ما يُهَوِّلُ للإِخافةِ. ولفلان سَطْوَةٌ أي: تَسَلُّطٌ وقهرٌ.
قوله: «النار» يُقرأ بالحركاتِ الثلاث: فالرفعُ مِنْ وجهين. أحدُهما: الرفعُ على الابتداءِ، والخبرُ الجملةُ مِنْ «وَعَدَها الله» والجملةُ لا محلَّ لها فإنها مفسِّرةٌ للشرِّ المتقدِّمِ. كأنه قيل: ما شَرٌّ من ذلك؟ فقيل: النارُ وعدها الله. والثاني: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ كأنه قيل: ما شرُّ من ذلك؟ فقيل: النارُ أي: هو النارُ، وحينئذٍ يجوزُ في «وعدها الله» الرفعُ على كونِها خبراً بعد خبرٍ.
وأُجيز أن تكون بدلاً من «النار» . وفيه نظرٌ: من حيث إنَّ المُبْدَلَ منه مفردٌ. وقد يُجاب عنه: بأنَّ الجملةَ في تأويلِ مفردٍ، وتكونُ بدلَ اشتمالٍ. كأنه قيل النارُ وعدها اللهُ الكفارَ. وأجيز أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها. ولا يجوزُ ِأَنْ تكونَ حالاً. قال أبو البقاء: «لأنه ليس في الجملةِ ما يَصْلُح أَنْ يَعْمَلَ في
стр. 6777
الحال» . وظاهرُ نَقْلِ الشيخ عن الزمخشري أنه يُجيز كونَها حالاً فقال: «وأجاز الزمخشريُّ اَنْ تكونَ» النار «مبتدأً، و» وعدَها «خبرٌ، وأَنْ يكونَ حالاً على الإِعرابِ الأول» . انتهى. والإِعرابُ الأولُ هو كونُ «النار» خبرَ مبتدأ مضمرِ. والزمخشريُّ لم يجعَلْها حالاً إلاَّ إذا نَصَبْتَ «النار» أو جَرَرْتَها بإضمار «قد» هذا نصُّه. وإنما مَنَعَ ذلك لِما تقدَّم من قولِ أبي البقاء، وهو عدمُ العاملِ.
والنَصبُ وهو قراءةُ زيدِ بن علي وابن أبي عبلة من ثلاثةِ أوجهٍ، أحدها: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره الفعلُ الظاهرُ، والمسألةُ من الاشتغال. الثاني: أنها منصوبةٌ على الاختصاصِ، قاله الزمخشري. الثالث: أن ينتصبَ بإضمارِ أعني، وهو قريبٌ ممَّا قبله أو هو هو.
/ والجرُّ وهو قراءةُ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح على البدل مِنْ «شر» .
والضميرُ في «وعدها» .
قال الشيخ: «الظاهرُ أنَّه هو المفعولُ الأولُ على أنَّه تعالى وَعَدَ النارَ بالكفار أن يُطْعِمَها إيَّاهم، ألا ترى إلى قولِه تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ويجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ هو المفعولَ الثاني،
стр. 6778
و ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ هو المفعولَ الأولَ كما قال: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] . قلت: ينبغي أن يتعيَّنَ هذا الثاني؛ لأنَّه متى اجتمع بعدما يتعدَّى إلى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارةً عن الأول، فالفاعلُ المعنويُّ رتبتُه التقديمُ وهو المفعولُ الأولُ. ونعني بالفاعلِ المعنويِّ مَنْ يتأتَّى منه فِعْلٌ. فإذا قلتَ: وَعَدْتُ زيداً ديناراً فالدينار هو المفعول؛ لأنه لا يتأتَّى من فِعْلٌ، وهو نظير:» أعطيت زيداً درهماً «ف» زيدٌ «هو الفاعلُ لأنه آخذُ للدرهم.
قوله: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ المخصوصُ محذوفٌ. تقديرُه: وبئس المصيرُ هي النارُ.
стр. 6779
قوله: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ : قال الأخفش: «ليس هنا مَثَلٌ، وإنما المعنى: جَعَلَ الكفارُ للهِ مثلاً» وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: الذي جاء به ليس مَثَلاً فكيف سَمَّاه مَثَلاً؟ قلت: قد سُمِّيَتِ الصفةُ والقصةُ الرائعةُ المتلقَّاةُ بالاستحسانِ والاستغرابِ مثلاً؛ تشبيهاً لها ببعض الأمثالِ المسيَّرةِ لكونِها مستغربةً مستحْسنةً» . وقال غيره: هو مَثَلٌ «من حيث المعنى؛ لأنه ضُرِب مثلُ مَنْ يعبد الأصنامَ بمن يعبد ما لا يخلقُ ذُباباً» .
وقرأ العامَّةُ «تَدْعُون» بتاء الخطاب. والحسن ويعقوب وهارون
стр. 6780
ومحبوب عن أبي عمرو بالياء من تحت. وهو في كلتيهما مبنيٌّ للفاعل. وموسى الأسواري واليماني: «يُدْعَوْن» بالياء مِنْ أسفلُ مبنياً للمفعول.
قوله: ﴿لَن يَخْلُقُواْ﴾ جعل الزمخشري نَفْي «لن» للتأبيد وقد تقدَّم البحث معه في ذلك. والذبابُ معروفٌ. ويُجمع على ذِبَّان وذُبَّان بكسر الذال وضمِّها وعلى ذُبّ. والمِذَبَّة ما يُطْرَدُ بها الذبابُ. وهو اسمُ جنسٍ واحدتُه ذُبابة، يقع للمذكورِ والمؤنثِ فيفرَّقُ بالوصف.
قوله: ﴿وَلَوِ اجتمعوا لَهُ﴾ قال الزمخشري: «نصبٌ على الحالِ كأنه قال: يَسْتحيل خَلْقُهم الذبابَ مشروطاً [عليهم] اجتماعُهم جميعاً لخَلْقِه وتعاونُهم عليه» وقد تقدم غيرَ مرة أنَّ هذه الواوَ عاطفةٌ هذه الجملةَ الحاليةَ على حال محذوفةٍ أي: انتفى خَلْقُهم الذبابَ على كلِّ حال، ولو في هذه الحالِ المقتضيةِ لخَلْقِهِم لأجلِ الذباب، أو لأجلِ الصنَمِ.
والسَّلْبُ: اختطافُ الشيءِ بسرعة. يُقال: سَلَبَه نِعْمَتَه. والسلَبُ: ما على القتيل. وفي الحديث: «مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبُه» والاستنقاذ: استفعالٌ بمعنى الإفعال يقال: أنقذه مِنْ كذا أي: أنجاه منه، وخَلَّصه. ومثله أَبَلَّ المريضُ واسْتَبَلَّ وقوله: «ضَعُفَ الطالبُ» قيل هو إخبار. وقيل: هو تعجُّبٌ والأولُ أظهرُ.
стр. 6781
قوله: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾ : قيل: تقديرُه: ومن الناسِ رسلاً. ولا حاجةَ لذلك، بل قوله ﴿وَمِنَ الناس﴾ مقدَّرُ التقديمِ أي: يصطفي من الملائكة، ومن الناس رسلاً.
стр. 6782
قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على المصدرِ. وهو واضح. وقال أبو البقاء: «ويجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: جهاداً حَقَّ جهادِه» وفيه نظر من حيث إنَّ هذا معرفةٌ فكيف يُجعل صفةً لنكرةِ؟ قال الزمخشريُّ: «فإنْ قلتَ: ما وَجْهُ هذه الإِضافةِ، وكان القياسُ حَقَّ الجهادِ فيه، أو حَقَّ جهادِكم فيه. كما قال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله﴾ ؟ قلت: إلإِضافةُ تكون بأدنى ملابسةٍ واختصاصٍ، فلمَّا كان الجهادُ/ مختصاً بالله من حيث إنه مفعولٌ من أجلِه ولوجهِه صحَّتْ إضافتُه إليه. ويجوز أن يُتَّسَعَ في الظرف كقولِه:
٣٤٠٠ - ويومٍ شَهِدْناه سليمى وعامِراً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني بالظرفِ الجارَّ والمجرورَ، كأنه كان الأصلُ: حَقَّ جهادٍ فيه، فحذف حرفَ الجرِّ وأُضيف المصدرُ للضميرِ، وهو من باب» هو حقُّ عالم وجِدُّ عالم «أي: عالِمٌّ حقاً وعالِمٌ جدَّاً.
قوله: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ فيه أوجهٌ أحدُها: أنها منصوبةٌ ب» اتَّبِعوا «مضمراً قاله الحوفي، وتبعه أبو البقاء. الثاني: أنها على الاختصاصِ أي: أعني بالدين
стр. 6783
ملةَ أبيكم. الثالث: أنها منصوبةٌ بما تقدَّمها، كأنه قال: وَسَّع دينَكم تَوْسِعَةً ملَّةِ أبيكم، ثم حُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه. قاله الزمخشري. الرابع: أنه منصوبٌ ب» جَعَلها «مُقَدراً، قاله ابن عطية. الخامس: أنها منصوبةٌ على حَذْف كافِ الجرِّ أي كملَّةِ إبراهيمَ، قاله الفراء. وقال أبو البقاء قريباً منه. فإنه قال:» وقيل: تقديرُه: مثلَ ملةِ؛ لأن المعنى: سَهَّل عليكم الدينَ مثلَ ملةِ أبيكم، فَحُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه «. وأَظْهَرُ هذه الثالثُ. و» إبراهيم «بدلٌ أو بيانٌ، أو منصوبٌ بأَعْني.
قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ في هذا الضميرِ قولان، أحدهما: أنه عائدٌ على» إبراهيم «فإنه أقربُ مذكورٍ. إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةَ قال:» وفي هذه اللفظةِ يعني قولَه «وفي هذا» ضَعْفُ قَوْلِ مَنْ قال: الضمير لإِبراهيم. ولا يَتَوَجَّه إلاَّ بتقديرِ محذوفٍ من الكلامِ مستأنفٍ «انتهى. ومعنى» ضَعْف قولِ مَنْ قال بذلك «أنَّ قوله» وفي هذا «عطفٌ على» مِنْ قبلُ «، و» هذا «إشارةٌ إلى القرآن المشارَ إليه إنما نزل بعد إبراهيم بمُدَدٍ طِوالٍ؛ فلذلك ضَعُفَ قولُه. وقوله:» إلاَّ بتقديرِ محذوفٍ «الذي ينبغي أَنْ يقدَّرَ: وسُمِّيْتُم في هذا القرآن المسلمين. وقال أبو البقاء:» قيل الضميرُ لإِبراهيم، فعلى هذا الوجهِ يكونُ قولُه «وفي
стр. 6784
هذا» أي: وفي هذا القرآن سببُ تسميتِهم «. والثاني: أنه عائدٌ على اللهِ تعالى ويَدُلُّ له قراءةُ أُبَيّ:» الله سَمَّاكم «بصريح الجلالةِ أي: سَمَّاكم في الكتبِ السالفةِ وفي هذا القرآنِ الكريمِ أيضاً.
قوله: ﴿لِيَكُونَ الرسول﴾ متعلقٌ بسَمَّاكم.
وقوله: ﴿فَنِعْمَ المولى﴾ أي: اللهُ. وحَسَّن حذفَ المخصوصِ وقوعُ الثاني رأسَ آيةٍ وفاصلةٍ.
стр. 6785
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ : العامَّةُ على «أَفْلَحَ» مفتوحَ الهمزةِ والحاءِ فعلاً ماضياً مبنياً للفاعلِ. وورشٌ على قاعدتِه مِنْ نَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها وحَذْفِها. وعن حمزةَ في الوقف خلفٌ: فرُوِيَ عنه كورشٍ، وكالجماعة. وقال أبو البقاء: «مَنْ ألقى حركةَ الهمزةِ على الدالِ وحَذَفَها فَعِلَّتُه: أنَّ الهمزةَ بعد حَذْفِ حركتِها صُيِّرَتْ ألفاً، ثم حُذِفَتْ لسكونِها وسكونِ الدالِ قبلها في الأصل. ولا يُعْتَدُّ بحركةِ الدال لأنها عارضةٌ» . وفي كلامِه نظرٌ من وجهين، أحدهما: أنَّ اللغةَ الفصيحةَ في النقلِ حَذْفُ الهمزةِ من الأصلِ فيقولون: المَرَة والكَمَة في: المَرْأَة والكَمْأَة. واللغةُ الضعيفةُ فيه إبقاؤُها وتَدْييرُها بحركةِ ما قبلَها فيقولون: المَراة والكَماة بمَدَّةٍ بدل الهمزةِ كراس وفاس فيمَنْ خفَّفَهما. فقولُه: «صُيِّرَتْ ألفاً» ارتكابٌ لأضعفِ اللغتين.
الثاني: أنه وإنْ سُلِّمَ أنَّها صُيِّرَتْ ألفاً فلا نُسَلِّم أنَّ حَذْفَها لسكونِها وسكونِ الدالِ في ألأصل، بل حَذْفُها لساكنٍ محققٌ في اللفظِ وهو الفاء مِنْ «أفلح» ، ومتى وُجد سببٌ ظاهرٌ أُحيل الحُكْمُ عليه دونَ السبب المقدر.
стр. 6786
وقرأ طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد «أُفْلِحَ» مبنياً للمفعول أي: دَخَلوا في الفلاح. فيُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ أفلح متعدِّياً. يقال: أَفْلحه أي: أصاره إلى الفلاح، فيكون «أفلح» مستعملاً لازماً ومتعدِّياً. وقرأ طلحة أيضاً «أَفْلَحُ» بفتح الهمزة واللام وضمِّ الحاء. وتخريجُها على أنَّ الأصلَ «أَفْلحوا المؤمنون» بلحاقِ علامةِ جمعٍ قبل الفاعلِ كلغة «أكلوني البراغيث» فيجيءُ فيها ما قَدَّمْتَه في قول: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] قال عيسى: «سمعتُ طلحةَ يقرؤُها. فقلتُ له: أتلحنُ؟ قال: نعم كما لحن أصحابي» يعني اتَّبَعْتُهم فيما قَرَأْتُ به. فإنْ لَحَنوا على سبيلِ فَرْضِ المُحالِ فِأنا لاحنٌ تَبَعاً لهم. وهذا يدلُّ على شدِّةِ اعتناءِ القدماءِ بالنَّقْلِ وضَبْطِه خلافاً لمن يُغَلِّطُ الرواةَ.
وقال ابن عطية: «وهي قراءةٌ مردودةٌ» . قلت: ولا أدري كيف يَرُدُّونها مع ثبوتِ مِثْلِها في القرآن بإجماع وهما الآيتان المتقدمتان؟ وقال الزمخشري: «وعنه أي عن طلحةَ» أَفْلَحُ «بضمةٍ بغير واو، اجتزاءً بها عنها كقوله:
٣٤٠١ - فلَوْ أنَّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنَّ الواوَ لا تَثْبُتُ في مثلِ هذا دَرْجاً لئلاً يلتقي ساكنان، فالحَذْفُ هنا لا بُدَّ منه فكيف يقول اجتزاءً عنها بها؟ وأمَّا تنظيرُه بالبيتِ
стр. 6787
فليس بمطابقٍ؛ لأنَّ حَذْفَها من الآيةِ ضروريٌّ ومن البيتِ ضرورةٌ. وهذه الواوُ لا يظهر لفظُها في الدَّرْجِ، بل يظهرُ في الوقفِ وفي الخَطِّ.
وقد اختلف النَّقَلَةُ لقراءةِ طلحة: هل يُثَبِتُ للواوِ صورةً؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي» اللوامح «:» وحُذِفَتْ الواوُ بعد الحاءِ لالتقائِهما في الدَّرج، وكانت الكتابةُ عليها محمولةً على الوصلِ نحو: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: ٢٤] . قلت: ومنه ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: ١٨] ، ﴿صَالِ الجحيم﴾ [الصافات: ١٦٣] .
و «قد» هنا للتوقُّع. قال الزمخشري: «قد: نقيضَةُ» لَمَّا «، هي تُثْبِتُ المتوقَّعَ و» لَمَّا «تَنْفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقِّعين لهذه البشارةِ، وهي للإِخبار بثباتِ الفَلاحِ لهم فَخُوطبوا بما دَلَّ على ثباتِ ما تَوَقَّعوه» .
стр. 6788
قوله: ﴿فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ : الجارُّ متعلِّقٌ بما بعدَه وقُدِّمَ للاهتمام، وحَسَّنه كونَ متعلَّقِه فاصلةً، وكذلك فيما بعده مِنْ أخواتِه. وأُضِيْفَتْ الصلاةُ إليه لأنهم هم المُنْتَفِعون بها، والمُصَلَّى له غَنِيٌّ عنها، فلذلك أُضِيْفَتْ إليهم دونَه.
стр. 6789
قوله: ﴿لِلزَّكَاةِ﴾ : اللامُ مزيدةٌ في المفعولِ لتقدُّمِه على عامِلِه ولكونِه فرعاً. والزكاةُ في الأصلِ مصدرٌ، ويُطْلَقُ على القَدْرِ المُخْرَجِ من
стр. 6790
الأعْيانِ. قال الزمخشري: «اسمٌ مشتركٌ بين عَيْنٍ ومَعْنى، فالعينُ: القَدْرُ الذي يُخْرِجُه المُزَكِّي مِنَ النِّصاب، والمعنى: فِعْلُ المُزَكِّي، وهو الذي أراده الله فجعل المزكِّيْنَ فاعِلين له ولا يَسُوغ فيه غيرُه لأنَّه ما مِنْ مصدرٍ إلاَّ يُعَبَّرُ عنه بالفِعْلِ. ويُقال لمُحَدِثِه فاعلٌ. تقول للضارب: فاعلُ الضَرْبِ، وللقاتل فاعلُ القَتْل، وللمزكِّي فاعلُ التَّزْكية، وعلى هذا الكلامُ كله. والتحقيقُ في هذا أنَّك تقولُ في جميع الحوادث: مَنْ فاعلُها؟ فيُقال لك: الله أو بعضُ الخَلْق. ولم تمتنعِ الزكاةُ الدالَّةُ على العينِ أَنَ يتعلَّقَ بها [فاعلون] لخروجِها مِنْ صحةِ أَنْ يتناولَها الفاعلُ، ولكن لأنَّ الخَلْقَ ليسوا بفاعليها. وقد أنشدوا لأميةَ بن أبي الصلت:
٣٤٠٢ - المُطْعِمُون الطعامَ في السَّنَة ال ... أزمةِ والفاعلون للزكواتِ
ويجوز أن يُرادَ بالزكاة العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مضافٌ محذوفٌ وهو الأداءُ، وحَمْلُ البيتِ على هذا أَصَحُّ لأنها فيه مجموعةٌ» . قلت: إنما أحوجَ أبا القاسمِ إلى هذا أنَّ بعضَهم زعم أنه يتعيَّنُ أَنْ تكونَ الزكاةُ هنا المصدرَ؛ لأنه لو أراد العينَ لقال مُؤَدُّوْن، ولم يقل فاعلون، فقال الزمخشري: لم يمتنعْ ذلك لعدمِ صحةِ تناوُلِ فاعِل لها، بل لأنَّ الخَلْقَ ليسوا بفاعِليها، وإنما جَعَلَ الزكَواتِ في بيتِ أميةَ أعياناً لِجَمْعِها؛ لأنَّ المصدر لا يُجْمع.
وناقشه الشيخ فقال: «يجوز أَنْ مصدراً وإنما جُمِعَ لاختلافِ أنواعِه» .
стр. 6791
قوله: ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه متعلقٌ ب «حافِظون» على التضمين. يعني مُمْسِكين أو قاصِرين. وكلاهما يتعدى ب على. قال تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الثاني: أن «على» بمعنى «مِنْ» أي: إلاَّ مِنْ أزواجهم. ف «على» بمعنى «مِنْ» ، كما جاءَتْ «مِنْ» بمعنى «على» في قوله ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم﴾ [الأنبياء: ٧٧] ، وإليه ذَهَب الفراءُ. الثالث: أَنْ يكونَ في موضع نصبٍ على الحالِ. قال الزمخشري: أي إلاَّ والين على أزواجِهم أو/ قَوَّامين عليهنَّ. مِنْ قولِك: كان فلان على فلانةَ فمات عنها، فخلف عليها فلانٌ. ونظيرُه: كان زيادٌ على البصرة أي: والياً عليها. ومنه قولُهم: «ثلاثةٌ تحت فلان، ومِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ المرأةُ فِراشاً» . الرابع: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه «غيرُ مَلومين» . قال الزمخشري: «كأنه قيل: يُلامُون إلاَّ على أزواجِهم أي: يلامون على كلِّ مباشِر إلاَّ على ما أُطْلِقَ لهم فإنهم غيرُ ملومين عليه» . قلت: وإنما لم يَجْعَلْه متعلقاً ب «ملومين» لوجهين. أحدهما: أنَّ ما بعد «إنَّ» لا يَعْمل فيما قبلها.
والثاني: أنَّ المضافَ إليه لا يَعْمل فيما قبلَ المضاف، ولفسادِ المعنى أيضاً.
الخامس: أَنْ يُجْعل صلةً لحافظين. قال الزمخشري: «مِنْ قولِك: احفَظْ عَلَيَّ عِنَانَ فرسي» ، على تضمينِه معنى النفي كما ضُمِّن قولُهم: «نَشَدْتُك
стр. 6792
باللهِ إلاَّ فَعَلْتَ» معنى: ما طَلَبْتُ منك إلاَّ فِعْلَك. يعني: أَنَّ صورتَه إثباتُ ومعناه نفيٌ.
قال الشيخ بعدما ذكَرْتُه عن الزمخشري: «وهذه وجوهٌ متكلَّفَةٌ ظاهرٌ فيها العُجْمَةُ» قلت: وأيُّ عُجْمَةٍ في ذلك؟ على أنَّ الشيخَ جعلها متعلقةً ب «حافظون» على ما ذكره مِنَ التضمين. وهذا لا يَصِحُّ له إلاَّ بأَنْ يرتكبَ وجهاً منها: وهو التأويلُ بالنفيِ ك «نَشَدْتُك الله» لأنه استثناءٌ مفرغ، ولا يكونُ إلاَّ بعد نفيٍ أو ما في معناه.
السادس: قال أبو البقاء: «في موضعِ نصبٍ ب حافِظُون» على المعنى؛ لأنَّ المعنى: صانُوها عن كل فَرْجٍ إلاَّ عن فروجِ أزواجِهم «. قلت: وفيه شيئان، أحدهما: تضمين» حافظون «معنى صانُوا، وتضمينُ» على «معنى» عن «.
قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ » ما «بمعنى اللاتي. وفي وقوعها على العقلاءِ وجهان، أحدهما: أنها واقعةٌ على الأنواعِ كقوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ﴾ أي: أنواعَ. والثاني: قال الزمَخشري:» أُريد من جنسِ العقلاءِ ما يَجْري مجرى غيرِ العقلاءِ وهم الإِناثُ «. قال الشيخ:» وقوله: «وهم» ليس بجيدٍ؛ لأنَّ لفظَ «هم» مختصٌّ بالذكورِ، فكان ينبغي أَنْ يقولَ: «وهو» على لفظ «ما» . أو «وهُنَّ»
стр. 6793
على معنى «ما» قلت: والجواب عنه: أن الضميرَ عائدٌ على العقلاءِ، فقوله «وهم» أي: والعقلاءُ الإِناث.
стр. 6794
قوله: ﴿لأَمَانَاتِهِمْ﴾ : قرأ ابن كثير هنا وفي «سأل» «لأماناتِهم» بالتوحيد. والباقون بالجمع. وهما في المعنى واحد؛ إذ المرادُ العمومُ والجمعُ أوفقُ. والأمانة في الأصلِ مصدرٌ، ويُطْلق على الشيء المُؤْتَمَنِ عليه كقوله: ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥ ٨] ﴿وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] وإنما يؤدى ويُخان الأعيانُ لا المعاني، كذا قال الزمخشري. أمَّا ما ذكره من الآيتين فَمُسَلَّم. وأمَّا هذا الآيةُ الكريمةُ فتحتمل المصدرَ، وتحتمل العينَ.
وقرأ الأخَوان «على صلاتِهم» بالتوحيد. والباقون «صَلَواتهم» بالجمع. وليس في المعارج خلافٌ والإِفرادُ والجمعُ كما تقدَّم في «أمانتهم» و «أماناتهم» . قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف كرَّرَ ذِكْرَ الصلاةِ أولاً وآخراً؟ قلت: هما ذِكْران مختلفان، وليس بتكريرٍ، وُصِفُوا أولاً بالخشوعِ في صلاتهم، وآخِراً بالمحافظةِ عليها» . ثم قال: «وأيضاً فقد وُحِّدَتْ أولاً ليُفادَ الخُشوعُ في جنسِ الصلاةِ أيَّ صلاةٍ كانَتْ، وجُمعت آخراً لتُفادَ المحافظةُ على أعدادِها، وهي الصلواتُ الخمسُ والوِتْرُ والسُّنَنُ الراتبةُ» .
стр. 6795
قلت: وهذا إنما يَتَّجِهُ في قراءةِ غير الأخَوين. وأمَّا الأخوانِ فإنهما أُفْرِدا أولاً وآخراً. على أن الزمخشريَّ قد حَكَى الخلافَ في جَمْعِ الصلاة الثانية وإفرادِها بالنسبة إلى القراءة.
следующие страницы →