← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

قوله: ﴿مَنسَكاً﴾ : قرأ الأخَوان هذا وما بعده «مَنْسِكاً» بالكسر، والباقون بالفتح. فقيل: هما بمعنىً واحد. والمرادُ بالمَنْسَك مكانُ النُّسُكِ أو المصدرُ. وقيل: المكسورُ مكانٌ، والمفتوحُ مصدرٌ. قال ابنُ عطية: «والكسرُ في هذا من الشاذِّ، ولا يَسُوغُ فيه القياس. ويُشْبِهُ أَنْ يكونَ الكسائيُّ سمعه من العرب» . قلت: وهذا الكلامُ منه غير مَرْضِيّ: كيف يقول: ويُشْبه أَنْ يكنَ الكسائيُ سَمِعه. الكسائي يقول: قرأتُ به فكيف يحتاج إلى سماعٍ مع تمسُّكِه بأقوى السَّماعات، وهو روايتُه لذلك قرآناً متواتراً؟ وقوله: «من الشاذِّ» يعني قياساً لا استعمالاً فإنه فصيحٌ في الاستعمال؛ وذلك أنَّ فَعَل يَفْعُل بضم العين في المضارع قياسُ المَفْعَل منه: أن تُفتَحَ عينُه مطلقاً أي: سواءٌ أُريد به الزمانُ أم المكانُ أم المصدرُ. وقد شَذَّتْ ألفاظُ ضَبَطها النحاةُ في كتبهم وذكرتُها أيضاً في هذا الموضوعِ.

стр. 6722

قوله: ﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ : يجوز أن يكونَ هذا الموصولُ في موضعِ جرٍّ أو نصبٍ أو رفعٍ. فالجرُّ من ثلاثةِ أوجهٍ: النعتُ للمُخْبِتِيْن، أو البدلُ منهم، أو البيانُ لهم. والنصبُ على المدحِ. الرفعُ على إضمار «هم» وهو مدحٌ أيضاً، ويُسَمِّيه النحويون «قَطْعاً» . قوله: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ العامَّةُ على خفضِ «الصلاةِ» بإضافةِ المقيمين إليها. وقرأ الحسن وأبو عمروٍ في روايةٍ بنَصْبِها على حذفِ النونِ تخفيفاً، كما يُحْذف التنوينُ لالتقاءِ السَاكنين. وقرأ ابنُ مسعودٍ والأعمشُ بهذا

стр. 6723

الأصل: «والمقيمينَ الصلاةَ» بإثباتِ النونِ، ونصبِ «الصلاة» . وقرأ الضحَّاكُ «والمقيمَ الصلاةَ» بميمٍ ليس بعدها شيء. وهذه لا تخالِفُ قراءةَ العامَّةِ لفظاً، وإنما تظهرُ مخالفتُها لها وَقْفاً وخَطَّاً.

стр. 6724

قوله: ﴿والبدن﴾ : العامَّةُ على نصب «البُدْنَ» على الاشتغال. ورُجِّح النصبُ وإن كان مُحْوِجاً لإِضمارٍ، على الرفع الذي لم يُحْوِجْ إليه، لتقدُّمِ جملةٍ فعليةٍ على جملةِ الاشتغالِ. وقُرِىء برفعِها على الابتداءِ، والجملةُ بعدها الخبرُ. والعامَّةُ أيضاً على تسكينِ الدالِ. وقرأ الحسن وتُرْوى نافعٍ وشيخةِ أبي جعفر بضمِّها، وهما جمعان ل «بَدَنَة» نحو: ثَمَرةٍ وثُمُرٍ وثُمْرٍ. فالتسكينُ يحتمل أن يكونَ تخفيفاً من المضمومِ، وأَنْ يكونَ أصلاً. وقيل: البُدْنُ والبُدُنُ جمعُ بَدَن، والبَدَنُ جمعٌ لبَدَنَة نحو: خَشَبة وخَشَب، ثم يُجْمع خَشَباً على خُشُب وخُشْب. / وقيل: البُدْنُ اسمٌ مفردٌ لا جمعٌ يَعْنُون اسمَ جنسٍ. وقرأ ابنُ أبي إسحاق «البُدُنَّ» بضم الباء والدال وتشديد النون. وهي تحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه قرأ كالحسن، فوقَفَ على الكلمةِ وضَعَّفَ لامَها كقولِهم: «هذا فَرُخّْ» ثم أجرى الوصلَ مجرى الوقفِ في ذلك. ويُحتمل أَنْ يكونَ اسماً على فُعُل ك عُتُلّ. وسُمِّيَت البَدَنة بَدَنةً لأنها تُبْدَنُ أي: تُسَمَّنُ. وهنل تختصُّ بالإِبل؟ الجمهورُ على ذلك. قال الزمخشري: «والبُدْنُ: جمعُ بَدَنَة سُمِّيَتْ لعِظَمِ

стр. 6725

بَدَنِها، وهي الإِبِلُ خاصةً؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ ألحق البقرَ بالإِبل حين قال:» البَدَنَةُ عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعة «فجَعَلَ البقرَ في حُكْمِ الإِبلِ، صارَت البَدَنةُ متناوَلَةً في الشريعة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابِه، وإلاَّ فالبُدْنُ هي الإِبلُ وعليه تَدُلُّ الآيةُ» . وقيل لا تختصُّ، فقال الليث: البَدَنَةُ بالهاء تقعُ على الناقةِ والبقرة والبعير وما يجوز في الهَدْي والأضاحي، ولا تقعُ على الشاة. وقال عطاءٌ وغيرُه: ما أشعر مِنْ ناقة أو بقرةٍ. وقال آخرون: البُدْنُ يُراد به العظيمُ السِّنِّ من الإِبل والبقر. ويقال للسَّمين من الرجال. وهو اسمُ جنسٍ مفردٍ. قوله: ﴿مِّن شَعَائِرِ الله﴾ هو المفعولُ الثاني للجَعْل بمعنى التصيير. قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الجملةُ حالٌ: إمَّا من «ها» «جَعَلْناها» ، وإمَّا مِنْ شعائر الله. وهذان مبنيَّان على أن الضميرَ في «فيها» هل هو عائدٌ على «البُدْن» أو على شعائر؟ والأولُ قولُ الجمهورِ. قوله: ﴿صَوَآفَّ﴾ نصبٌ على الحال أي: مُصْطَفَّةً جنبَ بعضِها إلى بعض. وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم «صَوافي» جمعَ صافِيَة أي: خالصةً لوجهِ الله تعالى. وقرأ عمرو بن عبيد كذلك، إلاَّ أنه نَوَّنَ الياءَ

стр. 6726

فقرأ «صَوافياً» . واسْتُشْكِلَتْ من حيث إنه جمعٌ متَناهٍ. وخُرِّجَتْ على وجهين، أحدُهما: ذكره الزمخشري وهو أَنْ يكونَ التنوينُ عِوَضاً من حرفِ الإِطلاقِ عند الوقف. يعني أنه وَقَفَ على «صَوافي» بإشباع فتحةَ الياءِ فَتَوَلَّد منها أَلِفٌ يُسَمَّى حرفَ الإِطلاق، ثم عَوَّضَ عنه هذا التنوينَ، وهو الذي يُسَمِّيه أهلُ النحوِ تنوينَ الترنُّم. والثاني: أنه جاء على لغةِ مَنْ يَصْرِفُ ما لا يَنْصَرِفُ. وقرأ الحسنُ «صَوافٍ» بالكسرِ والتنوين. وتوجيهُها: أنه نصبها بفتحة مقدرةٍ، فصار حكمُ هذه الكلمةِ كحكمِها حالةً الرفعِ والجرِّ في حَذْفِ الياءِ وتعويض التنوينِ نحو: «هؤلاء جوارٍ» ، ومررت بجوارٍ. وتقديرُ الفتحةِ في الياءِ كثيرٌ كقولهم: «أعْطِ القوسَ بارِيْها» وقولِه: ٣٣٨٩ - كأنَّ أيْدِيهنَّ بالقاعِ القَرِقْ ... أيديْ جوارٍ يتعاطَيْنَ الوَرِق وقوله: ٣٣٩٠ - وكَسَوْتُ عارٍ لَحْمُه. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6727

ويدلُّ على ذلك قراءةُ بعضِهم «صَوافيْ» بياءٍ ساكنةٍ من غيرِ تنوينٍ، نحو: «رأيتُ القاضيْ يا فتى» بسكون الياء. ويجوز أن يكونَ سكَّن الياءَ في هذه القراءةِ للوقفِ ثم أَجْرَى الوصلَ مُجْراه. وقرأ العبادلة ومجاهدٌ والأعمش «صَوافِنْ» بالنون جمعَ «صَافِنَة» وهي التي تقومُ على ثلاثٍ وطرفِ الرابعة، إلاَّ أنَّ ذلك إنما يُسْتَعْمَلُ في الخيلِ كقوله: ﴿الصافنات الجياد﴾ [ص: ٣١] ، وسيأتي، فيكون استعمالُه في الإِبلِ استعارةً. والوجوبُ: السُّقوطُ. وجَبَتِ الشَمسُ ِأي: سَقَطَتْ. ووجَبَ الجِدَارُ أي: سَقَطَ، ومنه الواجبُ الشرعي كأنه وقع علينا ولَزِمَنا. وقال أوس بن حجر: ٣٣٩١ - ألم تُكْسَفِ الشمسُ شمسُ النَّها ... رِ والبدرُ للجبل الواجبِ قوله: «القانِعَ والمعتَّر» فيهما أقوالٌ. فالقانِعُ: السائل والمُعْتَرُّ: المعترضُ من غيرِ سؤالٍ. وقال قومٌ بالعكس. وقال ابن عباس: القانِعُ: المستغني بما أعطيتَه، والمعترُّ: المعترضُ من غيرِ سؤالٍ. وعنه أيضاً: القانعُ: المتعفِّفُ، والمعترُّ: السائلُ. وقال بعضُهم: القانِعُ: الراضي بالشيءِ اليسيرِ. مِنْ قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعةً فهو قانِعٌ. والقَنِعُ: بغير ألفٍ هو السَّائلُ. ذكره أبو البقاء. وقال

стр. 6728

الزمخشري: «القانِعُ: السَّائلُ. مِنْ قَنِعْتُ وكَنَعْتُ إذا خَضَعْتَ له. وسألتُه قُنُوْعاً. والمُعْتَرُّ: المعترِّضُ بغيرِ سؤالٍ، أو القانِعُ الراضي. بما عندَه، وبما يعطى، من غيرِ سؤالٍ. مِنْ قَنِعْتُ قَنَعاً وقَناعة. والمعترُّ: المتعرض بالسؤال» . انتهى. وفرَّق بعضهم بين المعنيين بالمصدر فقال: قَنِعَ يَقْنَع قُنوعاً أي سأل، وقَناعة أي: تعفَّف ببُلْغَته واستغنى بها. وأنشد للشماخ: ٣٣٩٢ - لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فيُغْني ... مَفاقِرَه أَعَفُّ من القُنوعِ وقال ابن قتيبة: «المُعْتَرُّ: المتعرِّضُ من غير سؤال. يُقال: عَرَّه/ واعتَرَّه وعَراه واعْتراه أي: أتاه طالباً معروفَه قال: ٣٣٩٣ - لَعَمْرُك ما المُعتَرُّ يَغْشى بلادَنا ... لِنَمْنَعَه بالضائعِ المُتَهَضِّمِ وقوله الآخر: ٣٣٩٤ - سَلي الطارِقَ المعترَّ يا أمَّ مالِكٍ ... إذا ما اعْتَراني بينَ قِدْري ومَجْزَري

стр. 6729

وقرأ أبو رجاء» القَنِع «دون ألف. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّ أصلَها» القانِع «فَحَذَفَ الألف كما قالوا: مِقْوَل ومِخْيَط وجَنَدِل وعُلَبِط في: مِقْوال ومِخْياط وجَنَادل وعُلابط. والثاني: أن القانِعَ هو الراضي باليسير، والقَنِع: السائلُ، كما تقدَّم تقريره، قال الزمخشري:» والقَنِعُ: الراضي لا غير «. وقرأ الحسن:» والمُعْتري «اسمُ فاعلٍ مِنْ اعْتَرى يَعْتري. وقرأ إسماعيل وتروى عن أبي رجاء والحسن أيضاً» والمُعْتَرِ «بكسر الراء اجتزاءً بالكسرة عن لامِ الكلمة. وقُرِىء» المُعْتَرِيَ «بفتح الياء. قال أبو البقاء:» وهو في معناه «أي: في معنى» المعترّ «في قراءة العامَّة. و [قوله:] ﴿كذلك سَخَّرْنَاهَا﴾ الكافُ نعتُ مصدرٍ أوحالٌ من ذلك المصدرِ.

стр. 6730

وكذلك قوله: ﴿كذلك سَخَّرَهَا﴾ : و ﴿لِتُكَبِّرُواْ﴾ : متعلقٌ به. ﴿على مَا هَدَاكُمْ﴾ متعلقٌ بالتكبير. عُدِّيَ ب «على» لتضمُّنِه معنى الشكر.

стр. 6731

قوله: ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا﴾ : العامَّةُ على القراءةِ بياءِ الغَيْبة في الفعلين؛ لأنَّ التأنيثَ مجازي وقد وُجد الفصلُ بينهما. وقُرىء بالتاء فيهما اعتباراً باللفظ. وقرأ زيد بن علي «لحومَها ولا دماءَها» بالنصب، والجلالةُ بالرفع، و «لكن يُنالُه» بضم الياء، على أن يكونَ القائمَ مقامَ الفاعلِ، «التقوى» ، و «منكم» حالٌ من «التقوى» ، ويجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ «تَنالُه» .

стр. 6732

قوله: ﴿يُدَافِعُ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو «يَدْفَعُ» والباقون «يُدافع» . وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ فاعَلَ بمعنى فَعَل المجردِ نحو: جاوَزْته وجُزْتُه، وسافَرْتُ، وطارَقْتُ. والثاني: أنه أُخْرِجَ على زِنَةِ المُفاعلة مبالغةً فيه؛ لأنَّ فِعْلَ المفاعلةِ أبلغُ مِنْ غيره. وقال ابن عطية: «فَحَسُنَ دفاع لأنه قد عَنَّ للمؤمنين [مَنْ] يَدْفَعُهم ويؤذيهم فتجيء مقاومتُه ودَفْعُه عنهم مُدافَعَةً» يعني: فيُلْحَظُ فيها المفاعلةُ.

стр. 6733

قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ﴾ : قرأه مبنياً للمفعول نافع وأبو عمرو وعاصم. والباقون قرؤوه مبنياً للفاعل. وأمَّا «يُقاتِلون» فقرأه مبنياً للمفعول

стр. 6734

نافع وابن عامر وحفص. والباقون مبنياً للفاعل. وحَصَلَ من مجموع الفعلين: أن نافعاً وحفصاً بَنَياهما للمفعول، وأنَّ ابنَ كثيرٍ وحمزةَ والكسائي بَنَياهما للفاعل، وأن أبا عمرو وأبا بكر بَنَيا الأول للمفعول والثاني للفاعل. وأن ابنَ عامر عكسُ هذا فهذِه أربعُ رُتَبٍ. والمأذونُ فيه محذوفٌ للعلمِ به أي: للذين يقاتَلون في القتال. و ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ متعلقٌ ب «أّذِنَ» والباءُ سببيةٌ أي: بسبب أنهم مظلومون.

стр. 6735

قوله: ﴿الذين أُخْرِجُواْ﴾ : يجوز أن يكونَ في محلِّ جرٍّ، نعتاً للموصول الأولِ أو بياناً له، أو بدلاً منه، وأن يكونَ في محلِّ نصبٍ على المدح، وأن يكونَ في محلِّ رفعٍ على إضمارِ مبتدأ. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَقُولُواْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على الاستثناءِ المنقطع، وهذا ممَّا يُجْمِعُ العربُ على نصبه؛ لأنه منقطعٌ لا يمكنُ تَوَجُّهُ العاملِ إليه، وما كان كذا أجمعوا على نصبهِ، نحو: «ما زاد إلاَّ ما نقصَ» ، «وما نفعَ إلاَّ ما ضَرَّ» . فلو توجَّهَ العاملُ جاز فيه لغتان: النصبُ وهو لغةُ الحجاز، وأَنْ يكونَ كالمتصلِ في النصبِ والبدل نحو: «ما فيها أحدٌ إلاَّ حمارٌ» ، وإنما كانت الآيةُ الكريمةُ من الذي لا يتوجَّه عليه العاملُ؛ لأنك لو قلت: «الذين أُخْرِجوا مِنْ ديارهم إلا أَنْ يقولوا ربُّنا الله» لم يَصحَّ. الثاني: أنه في محلِّ جر بدلاً من «حَقّ» قال الزمخشري: «أي بغير موجِبٍ سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإِقرارِ والتمكينِ لا موجبَ الإِخراجِ والتسييرِ. ومثلُه: ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله﴾ [المائدة: ٥٩] .

стр. 6736

وممَّنْ جَعَلَه في موضع جرٍّ بدلاً ممَّا قبله الزجاجُ. إلاَّ أن الشيخ قد رَدَّ ذلك فقال:» ما أجازاه من البدل لا يجوز؛ لأنَّ البدلَ لا يجوزُ إلاَّ حيث سبقه نفيٌ أو نهيٌ أو استفهامٌ في معنى النفي. وأمَّا إذا كان الكلام موجَباً أو أمراً فلا يجوزُ البدلُ؛ لأنَّ البدلَ لا يكون إلا حيثُ يكونُ العاملُ يَتَسَلَّطُ عليه. ولو قلت: «قام إلاَّ زيدٌ» ، و «لْيَضْرِبْ إلاَّ عمروٌ» لم يجز. ولو قلت في غير القرآن: «أُخْرِجَ الناسُ مِنْ ديارِهم إلاَّ بأَنْ يقولوا: لا إلهَ إلاَّ اللهُ» لم يكن كلاماً. هذا إذا تُخُيِّل أَنْ يكونَ ﴿إِلاَّ أَن يَقُولُواْ﴾ في موضعِ جرٍّ بدلاً من «غير» المضاف إلى «حَقٍّ» . وأمَّا إذا كان بدلاً من «حق» كما نَصَّ عليه الزمخشريُّ فهو في غايةِ الفسادِ؛ لأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ البدلُ يلي «غيراً» فيصير التركيبُ: بغير إلاَّ أَنْ يقولوا، وهذا لا يَصِحُّ، ولو قَدَّرْنا [إلاَّ] ب «غير» كما/ يُقَدَّرُ في النفي في: «ما مررت بأحدٍ إلاَّ زيدٍ» فتجعلُه بدلاً لم يَصِحَّ؛ لأنه يصيرُ التركيبُ: بغير غيرِ قولِهم ربُّنا اللهُ، فتكون قد أضَفْتَ غيراً إلى «غير» وهي هي فيصير: بغير غير، ويَصِحُّّ في «ما مررتُ بأحدٍ إلاَّ زيدٍ» أن تقول: ما مررت بغير زيد، ثم إن الزمخشري حيث مَثَّل البدلَ قَدَّره: بغير موجبٍ سوى التوحيدِ، وهذا تمثيلٌ للصفة جَعَلَ [إلاَّ] بمعنى سِوَى، ويَصِحُّ على الصفةِ فالتبسَ عليه بابُ الصفة بباب البدل. ويجوز أن تقولَ: «مررتُ بالقومِ إلاَّ زيدٍ» على الصفة لا على البدل «.

стр. 6737

قوله: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله﴾ قد تقدَّم الخلافُ فيه في البقرة وتوجيهُ القراءتين. وقرأ» لَهُدِمَتْ «بالتخفيفِ نافعٌ وابن كثير. والباقون بالتثقيل الدالِّ على التكثيرِ؛ لأنَّ المواضعَ كثيرةٌ متعددةٌ، والقراءةُ الأولى صالحةٌ لهذا المعنى أيضاً. والعامَّةُ على» صَلَواتٌ «بفتح الصاد واللام جمعَ صلاةٍ. وقرأ جعفر ابن محمد» وصُلُوات «بضمِّهما. ورُوي عنه أيضاً بكسرِ الصاد وسكونِ اللام. وقرأ الجحدري بضم الصاد وفتح اللام. وأبو العالية بفتح الصادِ وسكونِ اللام. والجحدريُّ أيضاً» وصُلُوْت «بضمِّهما وسكونِ الواو، بعدها تاءٌ مثناةٌ من فوقُ مثلَ: صُلْب وصُلُوب. والكلبيُّ والضحاكُ كذلك، إلاَّ أنهما أَعْجَما التاءَ بثلاثٍ مِنْ فوقها. والجحدريُّ أيضاً وأبو العاليةِ وأبو رجاءٍ ومجاهدٌ كذلك، إلاَّ أنَّهم جعلوا بعد الثاءِ المثلثة ألفاً فقرؤوا» صُلُوْثا «ورُوي عن مجاهدٍ في هذه التاءِ المثنَّاةِ مِنْ فوقُ أيضاً. ورُوي عن الجحدريِّ أيضاً» صُلْواث «بضم الصادِ وسكونِ اللامِ وألفٍ بعد الواوِ والثاءِ مثلثةً. وقرأ عكرمة» صلويثى «بكسر الصاد وسكون اللام، وبعدها واوٌ مكسورةٌ بعدَها ياءٌ مثنَّاةٌ مِنْ تحتُ بعدها ثاءٌ مثلثةٌ، وحكى ابنُ مجاهد أنه قُرِىءَ» صِلْواث «بكسر الصاد وسكون اللام. بعدها واوٌ، بعدها ألف، بعدها ثاءٌ مثلثةٌ. وقرأ الجحدري» وصُلُوب «مثل كُعُوْب بالباء الموحدةِ وهو جمع»

стр. 6738

صليب «، وفُعُوْل جمعُ فعيل شاذٌّ نحو: ظريف وظروف وأَسِينة وأُسُون، ورُوي عن أبي عمرو» صلواتُ «كالعامَّةِ، إلاَّ أنَّه لم يُنَوِّن، مَنَعه الصرفَ للعلميَّة والعجمة؛ لأنه جعله اسمَ موضعٍ، فهذه أربعَ عشرةَ قراءةً، المشهورُ منها واحدةٌ، وهي هذه الصلاةُ المعهودة. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ ليَصِحَّ تَسَلُّطُ الهَدْمِ عليها أي: مواضع صلواتٍ، أو يُضَمَّن» هُدِّمَتْ «معنى» عُطِّلَتْ «فيكون قَدْراً مشتركاً بين المواضع والأفعال؛ فإنَّ تعطيلَ كلِّ شيءٍ بِحَسبِه. وأخَّر المساجدَ لحُدوثِها في الوجود، أو الانتقالِ إلى الأشرفِ. والصلواتُ في الأمم. . . . . . صلاةُ كلِّ مِلَّةٍ بحَسَبِها. وظاهرُ كلام الزمخشري أنها بنفسِها اسمُ مكان فإنه قال:» وسُمِّيَتْ الكنسيةُ صلاةً لأنه يُصَلَّى فيها. وقيل: هي كلمةٌ مُعَرَّبَةٌ أصلُها بالعبرانيةِ صَلُوثا «. انتهى. وأمَّا غيرُها من القراءات فقيل: هي سريانيةٌ أو عبرانيةٌ دَخَلَتْ في لسانِ العربِ. ولذلك كَثُر فيها اللغاتُ. والصَّوامِعُ: جمعُ صَوْمَعَة وهي البناءُ المرتفعُ الحديدُ الأعلى، مِنْ قولِهم رجلٌ أصمعُ، وهو الحديدُ القولِ. ووزنها فَوْعَلة كدَوْخَلة. وهي متعبَّد الرهبانِ لأنهم ينفردون. وقيل: متعبَّدُ الصَّابِئين. والبِيَعُ: جمع بِيْعَة، وهي متعبَّدُ النصارى. وقيل: كنائس اليهود.

стр. 6739

والأشهر أنَّ الصوامِعَ للرهبانِ والبِيَعَ للنصارى، والصَّلَواتِ لليهود، والمساجدَ للمسلمين. و ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله﴾ يجوز أَنْ يكونَ صفةً للمواضعِ المتقدمةِ كلِّها، إنْ أَعَدْنا الضميرَ مِنْ» فيها «عليها، أو صفةً للمساجد فقط، إنْ خَصَصْنا الضميرَ في» فيها «بها، والأولُ أظهر.

стр. 6740

قوله: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ﴾ : يجوزُ في هذا الموصولِ ما جاز في الموصولِ قبلَه. ويزيد هذا عليه: بأَنْ يجوزَ أن يكونَ بدلاً مِنْ «مَنْ يَنْصُرُه» ذكره الزجاج أي: ولَيَنْصُرَنَّ اللهُ الذي إنْ مَكَّنَّاهم. وإنْ مَكَّنَّاهم «شرطٌ. و» أقاموا «جوابُه، والجُملةُ الشرطيةُ بأَسْرِها صلةُ الموصولِ.

стр. 6741

قوله: ﴿نَكِيرِ﴾ : النكيرُ مصدرٌ بمعنى الإِنكار كالنَّذير بمعنى الإِنذار. وأثبتَ ياءَ «نَكيري» حيث وقع ورشٌ في الوصل، وحذفها في الوقف. والباقون بحذفِها وَصْلاً ووَقْفاً.

стр. 6742

قوله: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ : يجوز أن تكونَ «كأيِّنْ» منصوبةً المحل على الاشتغالِ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسره «أهلكناها» وأَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبر «أَهْلكناها» . وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيها. قوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ جملةٌ حالية مِنْ هاء «أَهْلكناها» . قوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ عطفٌ على «أَهْلَكْناها» ، فيجوزُ أن تكونَ في محلِّ

стр. 6743

رفعٍ لعطفِها على الخبر على القول الثاني، وأنْ لا يكونَ لها محلٌّ لعطفِها على الجملةِ المفسِّرة على القول الأول. وهذا عنى الزمخشريُّ بقوله: «والثانيةُ يعني قولَه: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ لا محلَّ لها لأنها معطوفةٌ على» أهلكناها «، وهذا الفعلُ ليس له محلٌ تفريعاً/ على القولِ بالاشتغالِ. وإلاَّ فإذا قلنا: إنه خبرٌ ل» كأيِّن «كان له محلٌّ ضرورةً. وقرأ أبو عمروٍ» أهلكتُها «. والباقون» أَهْلكناها «وهما واضحتان. قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ عطفٌ على» قريةٍ «، وكذلك و» قَصْرٍ «أي: وكأيِّن من بئرٍ وقصرٍ أَهْلكناها أيضاً، هذا هو الوجهُ. وفيه وجهٌ ثانٍ: أَنْ تكونَ معطوفةً وما بعدها على» عروشِها «أي: خاوية على بئرٍ وقصرٍ أيضاً. وليس بشيءٍ. والبِئْرُ: مِنْ بَأَرْتُ الأرض أي حفرتُها. ومنه» التَّأْبِير «وهو شَقُّ. . . . . . الطلع. والبِئْر فِعْل بمعنى مَفْعول كالذِّبْح بمعنى المَذْبوح وهي مؤنثةٌ، وقد تُذَكَّرُ على معنى القليب. وقوله: ٣٣٩٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وبِئْري ذو حَفَرْتُ وذو طَوَيْتُ

стр. 6744

يَحتمل التذكيرَ والتأنيثَ. والمُعَطَّلَةُ: المُهْملة، والتعطيل: الإِهمال. وقرىء» مُعْطَلَةٍ «بالتخفيف يقال: أَعْطَلْتُ البئر وعَطَّلْتُها فَعَطَلَت بفتح الطاء، وأما عَطِلَتْ المرأةُ من الحُلِيَّ فبكسرِ الطاءِ. والمَشِيْدُ: قد تَقدَّم أنه المرتفعُ أو المُجَصَّصُ. وإنما بني هنا مِنْ شادَه، وفي النساء مِنْ شَيَّده؛ لأنه هناك بعد جمعٍ فناسَبَ التكثيرَ، وهنا بعد مفردٍ فناسَب التخفيفَ، ولأنه رأسُ آيةٍ وفاصلةٍ.

стр. 6745

قوله: ﴿فَتَكُونَ﴾ : هو منصوبٌ على جوابِ الاستفهامِ. وعبارةُ الحوفي «على جوابِ التقريرِ» . وقيل: على جوابِ النفيِِ، وقرأ مبشِّر بنُ عبيد «فيكونَ» بالياءِ من تحتُ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. ومتعلَّقُ الفعلِ محذوفٌ أي: ما حَلَّ بالأممِ السالفةِ. قوله: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى﴾ الضميرُ للقصةِ. و ﴿لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ مُفَسِّرَةٌ له. وحَسَّنَ التأنيثَ في الضمير كونُه وَليَه فِعْلٌ بعلامةِ تأنيثٍ، ولو ذُكِّر في الكلامِ فقيل: «فإنه» لجازَ، وهي قراءةٌ مَرْوِيَّةٌ عن عبد الله، والتذكيرُ باعتبارِ الأمرِ والشأنِ. وقال الزمخشري: «ويجوزُ أن يكون ضميراً مُبْهماً يُفَسِّره» الأبصارُ «وفي» تَعْمَى «راجعٌ إليه» . قال الشيخ: «وما ذكره لا يجوزُ لأن الذي يُفَسِّره ما بعدَه محصورٌ، وليس هذا واحداً منه: وهو من باب» رُبَّ «، وفي باب نِعْم

стр. 6746

وبئس، وفي باب الإِعمال، وفي باب البدل، وفي باب المبتدأ والخبر، على خلافٍ في بعضها، وفي باب ضمير الشأن، والخمسةُ الأُوَلُ تُفَسَّر بمفرد إلاَّ ضميرَ الشأنِ، فإنه يُفَسَّر بجملةٍ، وهذا ليس واحداً من الستة» . قلت: بل هذا من المواضع المذكورةِ، وهو باب المبتدأ. غايةُ ما في ذلك أنه دَخَلَ عليه ناسخٌ وهو «إنَّ» فهو نظيرُ قولِهم: «هي العروبُ تقول ما شاءَتْ، وهي النفسُ تتحمَّل ما حَمَلْتْ» وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا﴾ [الأنعام: ٢٩] . وقد جعل الزمخشريُّ جميعَ ذلك مِمَّا يُفَسَّر بما بعده، ولا فرقَ بين الآيةِ الكريمةِ وبين هذه الأمثلةِ إلاَّ دخولُ الناسخِ ولا أثرَ له، وعَجِبْتُ من غَفْلَةِ الشيخ عن ذلك. قوله: ﴿التي فِي الصدور﴾ صفةٌ أو بدلٌ أو بيانٌ. وهل هو توكيدٌ؛ لأنَّ القلوبَ لا تكونُ في غير الصدور، أو لها معنى زائدٌ؟ كما قال الزمخشري: «الذي قد تُعُوْرِف واعتُقِدَ أنَّ العمى في الحقيقة مكانُه البصرُ، وهو أن تصابَ الحَدَقَةُ بما يَطْمِسُ نورَها، واستعمالُه في القلبِ استعارةٌ ومَثَلٌ. فلمَّا أُريدَ إثباتُ ما هو خلافُ المعتقدِ مِنْ نسبةِ العمى إلى القلوبِ حقيقةً، ونفيُه عن الأبصارِ، احتاج هذا التصويرُ إلى زيادةِ تعيينٍ وفَضْلِ تعريفٍ؛ ليتقرَّرَ أنَّ مكانَ العمى هو القلوبُ لا الأبصارُ، كما تقولُ: ليس المَضَاءُ للسَّيْفَ، ولكنه لِلِسانِك الذي بينَ فَكَّيْكَ. فقولُك:» الذي بين فَكَّيْكَ «تقريرٌ لِما ادَّعَيْتَه لِلِسانِه وتثبيتٌ؛ لأنَّ مَحَلَّ المَضاءِ هو هو لا غير، وكأنَّك قلتَ: ما نَفَيْتُ المَضاءَ عن السيفِ وأثبتَّه لِلِسانِك فلتةً مني ولا سَهواً، ولكن تَعَمَّدْتُ به إيَّاه بعينه تَعَمُّداً.

стр. 6747

وقد رَدَّ الشيخ على أبي القاسم قولَه:» تَعَمَّدْتُ به إياه «وجعل هذه العبارةَ عُجْمَةً من حيث إنه فَصَلَ الضميرَ، وليس من مواضعِ فَصْلِه، وكان صوابُه أن يقول: تعمَّدْتُه به كما تقول:» السيفُ ضربتُك به «لا» ضربْتُ به إياك «. قلت: وقد تقدَّم لك نظيرُ هذا الردِّ والجوابُ عنه بما أُجيب عن قولِه تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] ، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] : وهو أنه مع قَصْدِ تقديمِ غيرِ الضميرِ عليه لغرضٍ يمتنعُ اتصالُه، وأيُّ خطأ في مثل هذا حتى يَدَّعي العُجْمَةَ على فصيحٍ شَهِدَ له بذلك أعداؤُه، وإن كان مُخْطِئاً في بعضِ الاعتقاداتِ ممَّا لا تَعَلُّقَ له فيما نحن بصدِده؟ وقال الإِمامُ فخر الدين: «وفيه عندي وجهٌ آخرُ: وهو أنَّ القلبَ قد يُجْعَلُ كنايةً عن الخاطرِ والتدبُّرِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] . وعند قومٍ أنَّ محلَّ الذِّكْرِ هو الدماغُ، فاللهُ تعالى بيَّن أنَّ مَحَلَّ ذلك هو الصدرُ» . وفي محلِّ العقلِ خلافٌ مشهورٌ، وإلى الأولِ مَيْلُ ابنِ عطية قال: «هو مبالغةٌ كما تقول: نظرتُ إليه بعيني، وكقوله: يقولون بأَفْواههم» . قلت: وقد أَبْدَيْتُ فائدةً في قوله «بأفواههم» زيادةً على التأكيد.

стр. 6748

قوله: ﴿مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ : قرأ الأخَوان وابن كثير «يَعُدُّون» بياءِ الغَيْبة. والباقون بتاءِ الخطاب وهما واضحتان.

стр. 6749

قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ : قد تقدَّم نظيرُها. قال الزمخشري: «فإن قلتَ: لِمَ عُطِفَتْ الأولى بالفاء، وهذه بالواو؟ قلت الأولى وَقَعَتْ بدلاً مِنْ قولِه ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ و [أمَّا] هذه فحكمُها حكمُ الجملتين قبلها المعطوفَتَيْن بالواو، أعني قولَه ﴿وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ .

стр. 6750

قوله: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ : قرأ أبو عمرو وابن كثير بالتشديد في الجيم هنا، وفي حرفَيْ سبأ، والباقون «مُعاجزين» في الأماكن الثلاثة. والجحدري كقراءة ابن كثير وأبي عمرو في جميع القرآن وابن الزبير: «مُعْجِزين» بسكون العين. فأمَّا الأُولى ففيها وجهان، أحدُهما: قال الفارسي: معناه: ناسِبين أصحابَ النبيِّ رسول الله ﷺ إلى العَجْز نحو: فَسَّقْتُه أي نَسَبْتَه إلى الفسق «. والثاني: أنها للتكثير. ومعناها: مُثَبِّطِيْنَ الناسَ عن الإِيمان. وأمَّا الثانيةُ فمعناها: ظانِّين أنهم يَعْجِزوننا. وقيل: معاندِين. وقال

стр. 6751

الزمخشري:» عاجَزَه: سابقَه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما في طَلَب إعجازِ الآخرِ عن اللِّحاق به. فإذا سبقه قيل: أعجزه وعَجَزه. فالمعنى: سابقين أو مُسابقين في زعمهم وتقديرِهم طامِعين أنَّ كيدَهم للإِسلامِ يَتِمُّ لهم. والمعنى: سَعَوا في معناها بالفسادِ «. وقال أبو البقاء: إنَّ معاجزين في معنى المُشَدَّدِ، مثلَ عاهَدَ وعَهَّد. وقيل: عاجَزَ سابَقَ، وعَجَز سَبَق» .

стр. 6752

قوله: ﴿إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان﴾ : في هذه الجملةِ بعد «إلاَّ» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من «رسول» والمعنى: وما أَرْسَلْناه إلاَّ حالُهُ هذه، والحالُ محصورةً. الثاني: أنها في محلِّ الصفةِ ل «رسول» ، فيجوزُ أَنْ يُحْكَمَ على موضعها بالجرِّ باعتبارِ لفظِ الموصوف، وبالنصبِ باعتبارِ محلِّه؛ فإنَّ «مِنْ» مزيدةٌ فيه. الثالث: أنَّها في موضعِ استثناءٍ من غيرِ الجنس. قاله أبو البقاء. يعني أنه استثناءٌ منطقعٌ. و «إذا» هذه يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً، وهو الظاهر، وإليه ذهب الحوفيُّ، وأَنْ تكونَ لمجردِ الظرفية. قال الشيخ: «ونَصَّوا على أنَّه يَليها في النفي يعني» إلاَّ «المضارعُ بلا شرطٍ نحو: ما زيدٌ إلاَّ يفعلُ، وما رأيتُ زيداً إلاَّ يفعلُ، والماضي بشرطِ تقدُّم فِعلٍ نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ﴾ [يس: ٣٠]

стр. 6753

أو مصاحبةِ قد [نحو:] » ما زيدٌ إلاَّ قد فعل «. وما جاء بعد» إلاَّ «في الآية جملةُ شرطية، ولم يَلِها ماضٍ مصحوبٌ ب» قَدْ «ولا عارٍ منها. فإنْ صَحَّ ما نَصُّوا عليه يُؤَوَّل على أنَّ» إذا «جُرِّدَتْ للظرفية ولا شرطَ فيها وفُصِل بها بين» إلاَّ «والفعلِ الذي هو» أَلْقى «، وهو فصلٌ جائز، فتكونُ» إلاَّ «قد وَلِيها ماضٍ في التقديرِ ووُجِد شرطُه: وهو تقدُّم فعلٍ قبل» إلاَّ «وهو» وما أَرْسَلْنا «. قلت: ولا حاجةَ إلى هذا التكليفِ المُخْرِجِ للآيةِ عن معناها. بل هو جملةٌ شرطيةٌ: إمَّا حالٌ، أو صفةٌ، أو استثناء، كقوله: ﴿إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ﴾ [الغاشية: ٢٣] وكيف يدعى الفصلُ بها وبالفعلِ بعدَها بين» إلاَّ «وبين» ألقى «مِنْ غير ضرورةٍ تدعو إليه ومع عدم صحةِ المعنى؟ وقوله تعالى: ﴿إِذَا تمنى﴾ : إنما أُفْرِد الضميرُ، وإن تقدَّمه شيئان معطوفٌ أحدُهما على الآخر بالواو؛ لأنَّ في الكلام حذفاً تقديرُه: وما أَرْسَلْنا مِنْ قبلِك مِنْ رسولٍ إلاَّ إذا تمنَّى ولا نبيٍّ إلاَّ إذا تمنَّى كقولِه: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . والحذفُ: إمَّا من الأول أو من الثاني. والضميرُ في» أُمْنِيَّتِه «فيه قولان، أحدُهما: وهو الذين ينبغي أن يكونَ أنه ضميرُ الشيطان. والثاني: أنه ضميرُ الرسولِ، ورَوَوْا في ذلك تفاسيرَ اللهُ أعلم بصحتها.

стр. 6754

قوله: ﴿لِّيَجْعَلَ﴾ : في متعلَّق هذه اللامِ ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها متعلقةٌ ب «يُحْكِم» أي: يُحْكِم اللهُ آياتِه ليجعلَ. وقولُه: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ جملةُ اعتراضٍ. وإليه نحا الحوفيُّ. والثاني: أنها متعلقةٌ

стр. 6755

ب «يَنْسَخُ» وإليه نحا ابن عطية. وهو ظاهرٌ أيضاً. الثالث: أنها متعلقةٌ بألقى، وليس بظاهر. وفي اللامِ قولان، أحدهما: أنها للعلةِ، والثاني: أنها للعاقبةِ. و «ما» في قولِه ﴿مَا يُلْقِي﴾ الظاهرُ: أنَّها/ بمعنى الذي، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً. قوله: ﴿والقاسية﴾ أل في «القاسية» موصولةٌ، والصفةُ صلتُها، و «قلوبُهم» فاعلٌ بها، والضميرُ المضافُ إليه هو عائدُ الموصول وأُنِّثَتْ الصلةُ لأنَّ مرفوعَها مؤنثُ مجازي، ولو وُضع فعلٌ موضعَها لجاز تأنيثُه. و «القاسيةِ» معطوفٌ على «الذين» أي: فتنةً للذين في قلوبِهم مَرَضٌ وفتنةً للقاسيةِ قلوبُهم. قوله: ﴿وَإِنَّ الظالمين﴾ مِنْ وَضْع الظاهرِ مَوْضِعَ المضمرِ؛ إذ الأصلُ: «وإنهم في ضلال» ولكن أُبْرِزُوا ظاهرين للشهادةِ عليهم بهذه الصفةِ الذَّميمةِ.

стр. 6756

قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين﴾ : عطفٌ على «ليجعلَ» عطفَ علةٍ على مثلِها. والضميرُ في «أنَّه» فيه قولان، أحدهما وإليه ذهب الزمخشري أنه عائدٌ على تمكينِ الشيطانِ أي: ليَعْلَمَ المؤمنون ِأن تمكينَ الشيطانِ هو الحق. الثاني وإليه نحا ابن عطية أنه عائدٌ على القرآنِ. وهو وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ فهو في قوة المنطوق. قوله: ﴿فَيُؤْمِنُواْ﴾ عطفٌ على «وليعلمَ» و «فَتُخْبِتَ» عطفٌ عليه. وما أحسنَ ما وقعَتْ هذه الفاءاتُ. وقرأ العامَّةُ «لهادِيْ الذين» بالإِضافةِ تخفيفاً. وابنُ أبي عبلة وأبو حيوةَ بتنوينِ الصفةِ وإعمالِها في الموصول.

стр. 6757

والمرِْيَةُ والمُرْيَةُ بالكسر والضم لغتان مشهورتان. وظاهرُ كلامِ أبي البقاء أنهما قراءتان، ولا أحفظ الضم هنا. والضمير في «منه» قيل: يعودُ على القرآن. وقيل: على الرسول. وقيل: على ما ألقاه الشيطان. قوله: ﴿عَقِيمٍ﴾ العَقيم: من العُقْم. وفيه قولان، أحدهما: أنه السَّدُّ يقال: امرأةٌ مَعْقُومَةُ الرَّحِمِ أي: مسدودتُه عن الولادة. وهذا قول أبي عبيد. والثاني: أن أصلَه القطعُ. ومنه «المُلْك عَقيم» أي: لأنه يقطع صلةَ الرحم بالتزاحُمِ عليه. ومنه العقيمُ لانقطاع ولادِتها. والعُقْم: انقطاعُ الخير، ومنه «يومٌ عقيم» . قيل: لأنَّه لا ليلةَ بعده ولا يومَ فشُبِّه بمَنْ انقطع نَسْلُه. هذا إنْ أريد به يومُ القيامة. وإن أريد به يومُ بدرٍ فقيل: لأنَّ أبناءَ الحربِ تُقْتَلُ فيه، فكأنَّ النساء لم تَلِدْهُنَّ، فيكُنَّ عُقُماً. ويقال: رجل عقيم وامرأة عقيمة أي: لا يُولد لهما، والجمعُ عُقُم.

стр. 6758

قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ : منصوبٌ بما تَضَمَّنه «لله» من الاستقرارِ لوقوعه خبراً. و «يَحْكم» يجوزُ أن يكونَ حالاً من اسم الله، وأن يكون مستأنفاً. والتنوينُ في «يومئذٍ» عوضٌ من جملة فقدَّرها الزمخشري: «يوم يؤمنون» وهو لازمٌ لزوال المِرْيَةِ. وقدَّره أيضاً «يوم تزولُ مِرْيَتُهم» .

стр. 6759

قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ : مبتدأ. وقوله: ﴿فأولئك﴾ وما بعده خبرُه. ودَخَلَتِ الفاءُ لِما عَرَفْتَ مِنْ تضمُّنِ المبتدأ معنى الشرطِ بالشرطِ المذكور. و «لهم» يُحتمل أن يكونَ خبراً عن «أولئك» . و «عذاب» فاعلٌ به لاعتمادِه على المخبرِ عنه، وإن يكونَ خبراً مقدَّماً، وما بعده مبتدأُ، والجملةُ خبرُ «أولئك» .

стр. 6760

قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾ : جوابُ قَسَمٍ مقدرٍ. والجملةُ القسميةُ وجوابُها خبرُ قولِه: ﴿والذين هَاجَرُواْ﴾ وفيه دليلٌ على وقوعِ الجملةِ القسَميةِ خبراً لمبتدأ. ومَنْ يَمْنَعُ يُضْمِرْ قولاً هو الخبر تُحكى به هذه الجملةُ القَسَمية. وهو قولٌ مرجوح. قوله: ﴿رِزْقاً﴾ يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً على أنه من باب الرِّعْي والذِّبْح أي: مرزوقاً حسناً، وأَنْ يكونَ مصدراً مؤكَّداً. وقوله: ﴿ثُمَّ قتلوا﴾ وقوله «مُدْخَلاً» قد تقدم الخلافُ في القراءةِ بهما في آل عمران وفي النساء.
следующие страницы →